ليالي بيشاور

ليالي بيشاور4%

ليالي بيشاور مؤلف:
تصنيف: مفاهيم عقائدية
الصفحات: 1205

ليالي بيشاور
  • البداية
  • السابق
  • 1205 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 249408 / تحميل: 4355
الحجم الحجم الحجم
ليالي بيشاور

ليالي بيشاور

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال : يا ابن أخي كل لله وأشرب لله ، وكل شيء من ذلك دخله زهوا(١) ومباهاة أو رياء وسمعة فهو معصية وسرف ، وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعالج في بيته ، كان يعلف الناضح(٢) ويعقل البعير ويقم البيت(٣) ويحلب الشاة ، ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويطحن عنه إذا أعيى ، ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه ، فينقلب إلى أهله ، يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير ، أسود أو أحمر حر أو عبد من أهل الصلاة ، ليست له حلة لمدخله وحلة لمخرجه ، لا يستحيي من أن يجيب إذا دعي ، وإن كان أشعث أغبر ، ولا يحقر ما دعي إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل(٤) لا يرفع غداءا لعشاء ، ولا عشاء لغداء ، هين المؤنة ، لين الخلق ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساما من غير ضحك ، محزونا من غير عبوس ، شديدا في غير عنف ، متواضعا من غير مذلة ، جوادا من غير سرف ، رحيما بكل ذي قربى ، قريبا من كل ذمي ومسلم ، رقيق القلب ، دائم الإطراق لم يبشم قط من شبع(٥) ولا يمد يده إلى طمع.

قال أبو سلمة : فدخلت على عائشة فحدثتها كل هذا عن أبي سعيد فقالت : ما أخطأ فيه حرفا ، ولقد قصر إذ ما أخبرك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمتلئ قط شبعا ، ولم يبث إلى أحد شكوى ، وأن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار والغني ،

__________________

(١) الزهر : الفخر والكبر.

(٢) الناضح : البعير يستقى عليه.

(٣) قم البيت : كنسه.

(٤) الحشف : اردء التمر أو اليابس الفاسد منه ، والدقل أيضا بمعناه.

(٥) بشم من الطعام : أتخم.

٢٠١

٢ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول الكبر قد يكون في شرار

وأن كان ليظل جائعا ليتلوى ليلته حتى يصبح ، فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها لفعل ، وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي فأقول : نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ، ويمنعك من الجوع؟ فيقول : يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم ما بهم وأجزل ثوابهم ، فأجدني أستحيي أن ترفهت في معيشتي أن يقصرني دونهم ، فاصبر أياما يسيرة أحب إلى من أن ينقص حظي غدا في الآخرة ، وما من شيء أحب إلى من اللحوق بإخواني وأخلائي ، فقالت عائشة : فو الله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله تعالى.

فما نقل من أخلاقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجمع جملة أخلاق المتواضعين ، فمن طلب التواضع فليقتد به ، ومن رأى نفسه فوق محلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشد جهله ، فلقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعظم خلق الله تعالى منصبا في الدنيا والدين ، فلا عزة ولا رفعة إلا في الاقتداء به ، ولذلك لما عوتب بعض الصحابة في بذاذة هيئته قال : إنا قوم أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نطلب العز في غيره.

الحديث الثاني : حسن كالصحيح.

قوله عليه‌السلام : قد يكون ، أقول : يحتمل أن يكون قد للتحقيق وإن كان في المضارع قليلا كما قيل في قوله تعالى : «قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ »(١) قال الزمخشري : دخل قد لتوكيد العلم ، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد ، وقيل : هو للتقليل باعتبار قيد من كل جنس ،وقوله : من كل جنس ، أي من كل صنف من أصناف الناس و

__________________

(١) سورة النور : ٦٤.

٢٠٢

الناس من كل جنس والكبر رداء الله فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سفالا إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين

إن كان دنيا أو من كل جنس من أجناس سبب التكبر من الأسباب التي أشرنا إليها سابقا والأول أظهر كما يومئ إليه قصة السوداء« والكبر رداء الله » قال في النهاية في الحديث قال الله تبارك وتعالى : العظمة إزاري والكبرياء ردائي ، ضرب الإزار والرداء مثلا في انفراده بصفة العظمة والكبرياء ، أي ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها الخلق مجازا كالرحمة والكرم وغيرهما ، وشبههما بالإزار والرداء لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الإنسان ، ولأنه لا يشاركه في إزاره وردائه أحد ، فكذلك الله لا ينبغي أن يشركه فيهما أحد ، ومثله الحديث الآخر تأزر بالعظمة وتردى بالكبرياء وتسربل بالعز ، انتهى.

قال بعض شراح صحيح مسلم : الإزار الثوب الذي يشد على الوسط ، والرداء الذي يمد على الكتفين ، وقال محيي الدين : وهما لباس ، واللباس من خواص الأجسام ، وهو سبحانه ليس بجسم ، فهما استعارة للصفة التي هي العزة والعظمة ، ووجه الاستعارة أن هذين الثوبين لما كانا مختصين بالناس ولا يستغني عنهما ولا يقبلان الشركة وهما جمال عبر عن العز بالرداء ، وعن الكبر بالإزار ، على وجه الاستعارة المعروفة عند العرب ، كما يقال : فلان شعاره الزهد ، ودثاره التقوى لا يريدون الثوب الذي هو شعار ودثار ، بل صفة الزهد ، كما يقولون : فلان غمر الرداء واسع العطية ، فاستعاروا لفظ الرداء للعطية ، انتهى.

« لم يزده الله إلا سفالا » أي في أعين الخلق مطلقا غالبا على خلاف مقصوده كما سيأتي ، وفي أعين العارفين والصالحين أو في القيامة كما سيأتي أنهم يجعلون في صور الذر« تلقط » كننصر أو على بناء التفعل بحذف إحدى التائين ، في القاموس : لقطه أخذه من الأرض كالتقطه وتلقطه ، التقطه من هيهنا وهيهنا وقال : السرجين

٢٠٣

فقيل لها تنحي عن طريق رسول الله فقالت إن الطريق لمعرض فهم بها بعض

والسرقين بكسرهما الزبل معربا سرگين بالفتح « فقيل لها :تنحى » بالتاء والنون والحاء المشددة كلها مفتوحة والياء الساكنة ، أمر الحاضرة من باب التفعل ، أي ابعدي« لمعرض » على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل ، وقد يقرأ على بناء الفاعل من الأفعال فعلى الأولين من قولهم أعرضت الشيء وعرضته أي جعلته عريضا ، وعلى الثالث من قولهم عرضت الشيء أي أظهرته ، فأعرض أي ظهر ، وهو من النوادر.

« فهم بها » أي قصدها« أن يتناولها » أي يأخذها فينحيها قسرا عن طريقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يشتمها من قولهم : نال من عرضه أي شتمه ، والأول أظهر« فإنها جبارة » أي متكبرة ، وذلك خلقها لا يمكنها تركه ، أو إذا قهرتموها يظهر منها أكثر من ذلك من البذاء والفحش ، قال في النهاية فيه : أنه أمر امرأة فتأبت فقال : دعوها فإنها جبارة ، أي متكبرة عاتية ، وقال الراغب : أصل الجبر إصلاح الشيء بضرب من القهر وتجبر ، يقال إما لتصور معنى الاجتهاد ، أو للمبالغة أو لمعنى التكلف ، والجبار في صفة الإنسان يقال : لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى : «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ »(١) «وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا »(٢) «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ »(٣) «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ »(٤) أي متعال عن قبول الحق والإذعان له ، وأما في وصفه تعالى « نحو «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ »(٥) فقد قيل : سمي بذلك من قولهم

__________________

(١) سورة إبراهيم : ١٥.

(٢) سورة مريم : ٣٢.

(٣) سورة المائدة : ٢٢.

(٤) سورة غافر : ٣٥.

(٥) سورة الحشر : ٢٣.

٢٠٤

القوم أن يتناولها فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعوها فإنها جبارة.

٣ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن عثمان بن عيسى ، عن العلاء بن الفضيل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قال أبو جعفرعليه‌السلام العز رداء الله

جبرت الفقير لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه ، وقيل : لأنه يجبر الناس أي يقهرهم على ما يريده ، ودفع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال : لا يقال من أفعلت فعال ، فجبار لا يبني من أجبرت ، فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله لا جبر ولا تفويض لا من الإجبار ، وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى ، فقالوا : تعالى الله عن ذلك وليس ذلك بمنكر ، فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، لا على ما يتوهمه الغواة الجهلة ، وذلك لإكراههم على المرض والموت والبعث وسخر كلا منهم بصناعة يتعاطاها ، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها ، وجعله مجبرا في صورة مخير فإما راض بصنعته لا يريد عنها حولا ، وإما كاره لها يكابدها مع كراهته لها ، كأنه لا يجد عنها بدلا ، ولذلك قال : «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ »(١) وقال تعالى : «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »(٢) وعلى هذا الحد وصف بالقاهر ، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه.

الحديث الثالث : موثق.

وقيل في علة تشبيهالعز بالرداء والكبر بالإزار أن العزة أمر إضافي كما قيل هي الامتناع من أن ينال ، وقيل : هي الصفة التي تقتضي عدم وجود مثل الموصوف بها ، وقيل : هي الغلبة على الغير والأمر الإضافي أمر ظاهر ، والرداء من الأثواب

__________________

(١) سورة الروم : ٣٢.

(٢) سورة الرخرف : ٣٢.

٢٠٥

والكبر إزاره فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم.

٤ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة

الظاهرة فبينهما مناسبة من جهة الظهور ، والكبر بمعنى العظمة وهي صفة حقيقية إذ العظيم قد يتعاظم في نفسه من غير ملاحظة الغير ، فهي أخفى من العزة ، والإزار ثوب خفي لأنه يستر غالبا بغيره فبينهما مناسبة من هذه الجهة.

أقول : ويحتمل أن يراد بالعز إظهار العظمة وبالكبر نفسها ، أو بالعز ما يصل إليه عقول الخلق من كبريائه وبالكبر ما عجز الخلق عن إدراكه ، أو بالعز ما كان بسبب صفاته العلية وبالكبر ما كان بحسب ذاته المقدسة ، والمناسبة على كل من الوجوه ظاهرة« فمن تناول » أي تصرف وأخذ« شيئا منه » الضمير راجع إلى كل من العز والكبر ، والغالب فيأكب مطاوع كب يقال كبه فأكب ، وقد يستعمل الكب أيضا متعديا ، في القاموس : كبه قلبه وصرعه كأكبه وكبكبه فأكب ، وهو لازم متعد ، وفي المصباح : كببت زيدا كبا ألقيته على وجهه فأكب هو ، وهو من النوادر التي تعدى ثلاثيها ، وقصر رباعيها ، وفي التنزيل : «فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ »(١) «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ »(٢) .

الحديث الرابع : مجهول والظاهر أنه من معمر بن عمر عن عطاء كما يظهر من كتب الرجال.

وقال بعض المحققين : الإنسان مركب من جوهرين أحدهما أعظم من الآخر ، وهو الروح التي من أمر الرب ، وبينها وبين الرب قرب تام ، لو لا عنان العبودية لقال كل أحد أنا ربكم الأعلى ، فكل أحد يحب الربوبية ولكن يدفعها عن نفسه بالإقرار بالعبودية ، ويطلب باعتبار الجوهر الآخر المركوز فيه القوة الشهوية والغضبية آثار الربوبية وخواصها ، وهي أن يكون فوق كل شيء وأعلى رتبة منه ويغفل عن أن هذا في الحقيقة دعوى الربوبية ، وكذلك كل صفة من الصفات

__________________

(١) سورة النمل : ٩٠.

(٢) سورة الملك : ٢٢.

٢٠٦

عن معمر بن عمر بن عطاء ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه.

٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن محمد بن علي ، عن أبي جميلة ، عن ليث المرادي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الكبر رداء الله فمن نازع الله شيئا من ذلك أكبه الله في النار.

٦ ـ عنه ، عن أبيه ، عن القاسم بن عروة ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام قالا لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة

الرذيلة تتولد من ادعاء آثار الربوبية ، كالغضب والحسد والحقد والرياء والعجب فإن الغضب من جهة الاستيلاء اللازم للربوبية ، والحسد من جهة أنه يكره أن يكون أحد أفضل منه في الدين والدنيا ، وهو أيضا من لوازمها ، والحقد يتولد من احتقان الغضب في الباطن ، والرياء من جهة أنه يريد ثناء الخلق ، والعجب من جهة أنه يرى ذاته كاملة ، وكل ذلك من آثار الربوبية. وقس عليه سائر الرذائل ، فإنك إن فتشتها وجدتها مبنية على ادعاء الربوبية والترفع.

الحديث الخامس : ضعيف.

« شيئا من ذلك » أي في شيء من الكبر.

الحديث السادس : مجهول.

وفي النهاية :الذر : النمل الأحمر الصغير واحدتها ذرة ، وسئل تغلب عنها فقال : إن مائة نملة وزن حبة ، والذرة واحدة منها ، وقيل : الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة ، وقال : فيه : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ، يعني كبر الكفر والشرك ، كقوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »(١) ألا ترى أنه قابله في

__________________

(١) سورة غافر : ٦٠.

٢٠٧

من كبر.

٧ ـ علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر قال فاسترجعت فقال ما لك تسترجع قلت لما سمعت منك فقال ليس حيث تذهب إنما أعني الجحود إنما هو الجحود.

نقيضه بالإيمان ، فقال : ولا يدخل النار من في قلبه مثل ذلك من الإيمان ، أراد دخول تأبيد ، وقيل : أراد إذا دخل الجنة نزع ما في قلبه من الكبر ، كقوله : «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ » انتهى.

وأقول : التأويل الأول حسن وموافق لما في الخبر الآتي ، وأما الثاني فلا يخفى بعده ، لأن المقصود ذم التكبر وتحذيره لا تبشيره برفع الإثم عنه ، ولذا حمله بعضهم على المستحل أو عدم الدخول ابتداء بل بعد المجازاة وما في الخبر أصوب.

الحديث السابع : صحيح.

« فاسترجعت » يقال : أرجع ورجع واسترجع في المصيبة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كما في القاموس ، وإنما قال ذلك لأنه استشعر بالهلاك واستحقاق دخول النار بحمل الكلام على ظاهره ، لأنه كان متصفا ببعض الكبر« إنما هو الجحود » أي المراد بالكبر إنكار الله سبحانه أو إنكار أنبيائه أو حججهعليهم‌السلام ، والاستكبار عن إطاعتهم وقبول أوامرهم ونواهيهم مثل تكبر إبليس لعنه الله فإنه لما كان مقرونا بالجحود والإباء عن طاعة الله تعالى والاستصغار لأمره ، كما دل عليه قوله : «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ » وقوله «أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » كان سببا لكفره ، والكفر يوجب الحرمان من الجنة أبدا ، وهذا أحد التأويلات للروايات الدالة على أن صاحب الكبر لا يدخل الجنة كما عرفت. وكان المقصود أن هذا الوعيد مختص بكبر الجحود لا أن غيره لا يتعلق به الوعيد مطلقا والتكرير للتأكيد.

٢٠٨

٨ ـ أبو علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن ابن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أيوب بن الحر ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق.

٩ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الأعلى بن أعين قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

الحديث الثامن : مجهول كالحسن.

« أن تغمص الناس » أي تحقرهم ، والمراد إما مطلق الناس أو الحجج أو الأئمةعليهم‌السلام كما ورد في الأخبار أنهم الناس ، كما قال تعالى : «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »(١) في القاموس : غمصه كضرب وسمع احتقره كاغتمصه وعابه ، وتهاون بحقه والنعمة لم يشكرها ، وقال :سفه نفسه ورأيه مثلثة حمله على السفه أو نسبه إليه أو أهلكه ، وسفه كفرح وكرم علينا جهل ، وسفهه تسفيها جعله سفيها كسفهه كعلمه أو نسبه إليه ، وسفه صاحبه كنصر غلبه في المسافهة ، وفي النهاية : فيه إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس ، أي احتقرهم ولم يرهم شيئا ، تقول : منه غمص الناس يغمصهم غمصا ، وقال فيه : إنما البغي من سفه الحق أي من جهله ، وقيل : جهل نفسه ولم يفكر فيها ، ورواه الزمخشري من سفه الحق على أنه اسم مضاف إلى الحق ، وقال وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل كان الأصل سفه على الحق ، والثاني : أن يضمن معنى فعل متعد كجهل ، والمعنى الاستخفاف بالحق وأن لا يراه على ما هو عليه من الرجحان والرزانة ، وقال أيضا فيه : ولكن الكبر من بطر الحق أي ذو الكبر ، أو كبر من بطر كقوله تعالى : «وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى »(٢) وهو أن يجعل ما جعله حقا من توحيده وعبادته باطلا ، وقيل : هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا ، وقيل : هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.

الحديث التاسع : كالسابق سندا ومضمونا.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٩.

(٢) سورة البقرة : ١٨٩.

٢٠٩

إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق قال قلت وما غمص الخلق وسفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل رداءه.

١٠ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر شكا إلى الله

« قال : يجهل الحق » النشر على خلاف ترتيب اللف ، وكان المراد بالخلق هنا أيضا أهل الحق وأئمة الدين كالناس في الخبر السابق ، والجملتان متلازمتان فإن جهل الحق أي عدم الإذعان به وإنكاره تكبرا يستلزم الطعن على أهله وتحقيرهم وهما لازمتان للجحود ، فالتفاسير كلها ترجع إلى واحد.

« فمن فعل ذلك فقد نازع الله » قيل : فإن قلت : الغمص والسفه بالتفسير المذكور ليسا من صفات الله تعالى وردائه ، فكيف نازعه في ذلك؟ قلت : الغمص والسفه أثر من آثار الكبر ، ففاعل ذلك ينازع الله من حيث الملزوم ، على أنه لا يبعد أن يراد بهما الملزوم مجازا وهو الكبر البالغ إلى هذه المرتبة.

وأقول : يحتمل أن يكون المنازعة من حيث أنه إذا لم يقبل إمامة أئمة الحق ونصب غيرهم لذلك ، فقد نازع الله في نصب الإمام وبيان الحق وهما مختصان به ، كما أطلق لفظ المشرك في كثير من الأخبار على من فعل ذلك.

الحديث العاشر : حسن موثق كالصحيح.

وفي القاموسالوادي مفرج بين جبال أو تلال أو آكام ، وأقول : ذلك إشارة إلى قوله تعالى : «تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ »(١) وقال بعد ذكر المشركين : «فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »(٢) وقال سبحانه بعد ذكر الكفار ودخولهم النار : «فَبِئْسَ

__________________

(١) سورة الزمر : ٦٠.

(٢) سورة النحل : ٢٩.

٢١٠

عز وجل شدة حره وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم.

١١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان ، عن داود بن فرقد ، عن أخيه قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول إن المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب.

مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »(١) في موضعين ، وإلى قوله عز وجل : «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » إلى قوله «كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ »(٢) وإلى قوله بعد ذكر المكذبين بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالقرآن «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ »(٣) وقال في النهاية :سقر اسم أعجمي لنار الآخرة ، ولا ينصرف للعجمة والتعريف ، وقيل : هو من قولهم سقرته الشمس إذابته ، فلا ينصرف للتأنيث والتعريف.

وأقول : يظهر من الآيات أن المراد بالمتكبرين في الخبر من تكبر على الله ولم يؤمن به وبأنبيائه وحججهعليهم‌السلام ، والشكاية والسؤال إما بلسان الحال أو المقال منه بإيجاد الله الروح فيه ، أو من الملائكة الموكلين به ، والإسناد على المجاز وكان المراد بتنفسه خروج لهب منه ، وبإحراق جهنم تسخينها أشد مما كان لها أو إعدامها أو جعلها رمادا فأعادها الله تعالى كما كانت.

الحديث الحادي عشر : ضعيف على المشهور أو مجهول لجهالة إخوة زيد كلهم ، ويدل على أنه يمكن أن يخلق الإنسان يوم القيامة أصغر مما كان مع بقاء الأجزاء الأصلية أو بعضها فيه ، ثم يضاف إليه سائر الأجزاء فيكبر ، إذ يبعد التكاثف إلى هذا الحد ، ويمكن أن يكون المراد أنهم يخلقون كبارا بهذه الصورة فإنها أحقر الصور في الدنيا معاملة معهم بنقيض مقصودهم ، أو يكون المراد بالصورة الصفة أي يطأهم الناس كما يطأون الذر في الدنيا ، وفي بعض أخبار العامة يحشر المتكبرون أمثال الذر في صورة الرجال ، وقال بعض شراحهم : أي يحشرهم أذلاء يطأهم الناس

__________________

(١) سورة الزمر : ٧٢. وسورة غافر : ٧٦.

(٢) سورة المدّثّر : ٤٢ ـ ٤٧.

(٣) سورة المدّثّر : ٢٦ ـ ٢٩.

٢١١

١٢ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن غير واحد ، عن علي بن أسباط ، عن عمه يعقوب بن سالم ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال قلت له ما الكبر فقال أعظم الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس قلت وما سفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله.

١٣ ـ عنه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن عمر بن يزيد ، عن أبيه قال قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام إنني آكل الطعام الطيب وأشم الريح الطيبة وأركب الدابة

بأرجلهم بدليل أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء عن(١) لا يعاد منهم ما انفصل عنهم من الغلفة وقرينة المجاز قوله : في صورة الرجال ، وقال بعضهم : يعني أن صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر وهذا أنسب بالسياق لأنهم شبهوا بالذر ، ووجه الشبه إما صغر الجثة أو الحقارة ، وقوله : في صور الرجال بيان للوجه ، وحديث : الأجساد تعاد على ما كانت عليه لا ينافيه ، لأنه قادر على إعادة تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر.

الحديث الثاني عشر : مرسل كالحسن.

« فقال : ما تسفه (٢) الحق » أي ما معنى هذه الجملة؟ ويمكن أن يقرأ بصيغة المصدر من باب التفعل وكأنه سأل عن الجملتين معا واكتفى بذكر إحداهما ، أي إلى آخر الكلام بقرينة الجواب ، أو كان غرضه السؤال عن الأولى فذكرعليه‌السلام الثانية أيضا لتلازمهما أو لعلمه بعدم فهم الثانية أيضا.

الحديث الثالث عشر : مجهول.

وفي النهايةدابة فارهة أي نشيطة حادة قوية ، انتهى.

وكان السائل إنما سأل عن هذه الأشياء لأنها سيرة المتكبرين لتفرعها على الكبر ، أو كون الكبر سبب ارتكابها غالبا فأجابعليه‌السلام ببيان معنى التكبر

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولم اقف على ما نقله في كتبهم.

(٢) كذا في النسخ وعليه الشرح الآتي والاحتمالات المذكورة ، ولكن الظاهر « سفه الحق » كما في المتن بدون هذا الاحتمالات والتكلفات.

٢١٢

الفارهة ويتبعني الغلام فترى في هذا شيئا من التجبر فلا أفعله فأطرق أبو عبد اللهعليه‌السلام ثم قال إنما الجبار الملعون من غمص الناس وجهل الحق قال عمر فقلت أما الحق فلا أجهله والغمص لا أدري ما هو قال من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار.

١٤ ـ محمد بن جعفر ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة «لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ

ليعلم أنها إن كانت مستلزمة للتكبر فلا بد من تركها وإلا فلا ، كيف وسيأتي أن الله جميل يحب الجمال ، وإطراقه وسكوتهعليه‌السلام للإشعار بأنها في محل الخطر ومستلزمة للتكبر ببعض معانيه ، والتجبر التكبر ، والجبار العاتي.

الحديث الرابع عشر : مجهولبمحمد بن جعفر ، وفي بعض النسخ مكانه محمد بن يحيى فالخبر صحيح ، والأول أظهر لكثرة رواية محمد بن جعفر عن محمد بن عبد الحميد.

«لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ » إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »(١) والمعنى لا يكلمهم كلام رضي بل كلام سخط ، مثل «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ »(٢) وقيل : لا يكلمهم بلا واسطة بل الملائكة يتعرضون لحسابهم وعتابهم وقيل : هو كناية عن الإعراض والغضب ، فإن من غضب على أحد قطع كلامه ، وقيل : أي لا ينتفعون بكلمات الله وآياته ، ومعنىلا ينظر إليهم أنه لا ينظر إليهم نظر الكرامة والعطف والبر والرحمة والإحسان لضعتهم وحقارتهم عنده ، أو كناية عن شدة الغضب لأن من اشتد غضبه على أحد استهان به وأعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه ، كما أن من اعتد بغيره يقاوله و

__________________

(١) سورة آل عمران : ٧٧.

(٢) سورة المؤمنون : ١٠٨.

٢١٣

إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » شيخ زان وملك جبار ومقل مختال.

يكثر النظر إليه ، وقيل : فيقوله يوم القيامة ، إشعار بأن المعاصي المذكورة بل غيرها أيضا لا تمنع من إيصال الخير والنعمة إليهم في الدنيا ، لأن إفضاله فيها يعم الأبرار والفجار تأكيدا للحجة عليهم.

«وَلا يُزَكِّيهِمْ » أي لا يطهرهم من ذنوبهم ، أو لا يقبل عملهم ، أو لا يثني عليهم ، وتخصيص الثلاثة بالذكر ليس لأجل أن غيرهم معذور بل لأن عقوبتهم أعظم وأشد ، لأن المعصية مع وجود الصارف عنها وعدم الداعي القوي عليها أقبح وأشنع ، وذلك فيالشيخ لانكسار قوته وانطفاء شهوته وطول إعذاره ومدته وقرب الانتقال إلى الله ، فهو حري بأن يتدارك ما فات ويستعد لما هو آت ، فإذا ارتكب الزنا أشعر ذلك بأنه غير مقر بالدين ومستخف بنهي رب العالمين ، فلذا استحق العذاب المهين.

وفيه إشعار بأن الشيخ في أكثر المعاصي بل جميعها أشد عقوبة من الشاب ، وعلى أن الشاب بالعفة أمدح من الشيخ ، والصارفللملك عن كونه جبارا مشاهدة كمال نعمه تعالى عليه حيث سلطه على عباده وبلاده ، وجعلهم تحت يده وقدرته فاقتضى ذلك أن يشكر منعمه ويعدل بين خلق الله ويرتدع عن الظلم والفساد ، ويشاهد ضعفه بين يدي الملك المنان ، فإذا قابل كل ذلك بالكفران استحق عذاب النيران ، والصارفللمقل الفقير عن الاختيال والاستكبار ، فقره لأن الاختيال إنما هو بالدنيا وليست عنده ، فاختياله عناد ، ومن عاند ربه العظيم صار محروما من رحمته وله عذاب أليم.

وأقول : يحتمل أن لا يكون تخصيص الملك لكون الصارف فيه أكثر ، بل لكونه أقوى على الظلم وأقدر ، وفي الصحاح أقل افتقر ، وقال الراغب : الخيلاء

٢١٤

١٥ ـ عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن مروك بن عبيد عمن حدثه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال إن يوسفعليه‌السلام لما قدم عليه الشيخ يعقوبعليه‌السلام دخله عز الملك فلم ينزل إليه فهبط جبرئيلعليه‌السلام فقال يا يوسف ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار في جو السماء فقال يوسف يا جبرئيل ما هذا النور الذي خرج من راحتي فقال نزعت النبوة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي.

١٦ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، عن

التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه ، ومنها يتأول لفظ الخيل لما قيل أنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة ، وفي النهاية : فيه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ، الخيلاء بالضم والكسر الكبر والعجب ، يقال : اختال فهو مختال ، وفيه خيلاء ومخيلة أي كبر.

الحديث الخامس عشر : مرسل.

والملك بضم الميم وسكون اللام السلطنة ، وبفتح الميم وكسر اللام السلطان ، وبكسر الميم وسكون اللام ما يملك ، وإضافة العز إليه لامية ، والنزول إما عن الدابة أو عن السرير وكلاهما مرويان ، وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا وتحقيرا لوالده ، لكون الأنبياء منزهين عن أمثال ذلك ، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزته عند عامة الناس لتمكنه من سياسة الخلق وترويج الدين ، إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذلة ، وكان رعاية الأدب للأب مع نبوته ومقاساة الشدائد لحبه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة ، فكان هذا منهعليه‌السلام تركا للأولى ، فلذا عوتب عليه وخرج نور النبوة من صلبه لأنهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء فهذا كان شبيها بالتكبر ولم يكن تكبرا« فصار في جو السماء » أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء.

الحديث السادس عشر : حسن كالصحيح.

٢١٥

أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها فإذا تكبر قال له اتضع وضعك الله فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس وإذا تواضع رفعه الله عز وجل ثم قال له انتعش نعشك الله فلا يزال أصغر

وقال الجوهري :حكمة اللجام ما أحاط بالحنك وقال في النهاية : يقال : أحكمت فلانا أي منعته ومنه سمي الحاكم لأنه يمنع الظالم وقيل : هو من حكمت الفرس وأحكمته إذا قدعته وكففته ، ومنه الحديث : ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة ، وفي رواية في رأس كل عبد حكمه إذا هم بسيئة فإن شاء الله أن يقدعه بها قدعه ، الحكمة : حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس ، وحنكه تمنعه عن مخالفة راكبه ، ولما كانت الحكمة تأخذهم الدابة ، وكان الحنك متصلا بالرأس جعلها تمنع من هي في رأسه كما تمنع الحكمة الدابة ، ومنه الحديث : إن العبد إذا تواضع رفع الله حكمته أي قدره ومنزلته ، يقال : له عندنا حكمه أي قدر ، وفلان عالي الحكمة ، وقيل : الحكمة من الإنسان أسفل وجهه ، مستعار من موضع حكمة اللجام ، ورفعها كناية عن الإعزاز لأن في صفة الذليل تنكيس رأسه ، انتهى.

وقيل : المراد بالحكمة هنا الحالة المقتضية لسلوك سبيل الهداية على سبيل الاستعارة ، وبإمساك الملك إياها إرشاده إلى ذلك السبيل ونهيه عن العدول عنه« اتضع » أمر تكويني أو شرعي« وضعك الله » دعاء عليه ودعاء الملك مستجاب ، أو إخبار بأن الله أمر بوضعك وقدر مذلتك« رفعها الله » (١) أي الحكمة وإنما غير الأسلوب ولم ينسبها إلى الملك لأن نسبة الخير واللطف إلى الله تعالى أنسب وإن كان الكل بأمره تعالى ، وقيل : هو التنبيه على أن الرفع مترتب على التواضع من غير حاجة إلى دعاء الملك ، بخلاف الوضع فإنه غير مترتب على التكبر ما لم

__________________

(١) وفي المتن « رفعه الله » وهو الظاهر.

٢١٦

الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس.

١٧ ـ محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن بعض أصحابه ، عن النهدي ، عن يزيد بن إسحاق شعر ، عن عبد الله بن المنذر ، عن عبد الله بن بكير قال قال أبو

يدعو الملك عليه بالوضع ، وما ذكرنا أنسب.

« ثم قال له » أي الرب تعالى أو الملك« انتعش » يحتمل الوجهين المتقدمين يقال : نعشه الله كمنعه وأنعشه أي إقامة ورفعه ، ونعشه فانتعش أي رفعه فارتفع« نعشك الله » هذا أيضا إما إخبار بما وقع من الرفع ، أو دعاء له على التأكيد أو دعاء له بالثبات والاستمرار.

وأقول : هذا الخبر في طريق العامة هكذا ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها ، فإن هو رفع نفسه جبذاها(١) ثم قالا : اللهم ضعه ، وإن وضع نفسه قالا : اللهم ارفعه.

الحديث السابع عشر والثامن عشر : مرسلان متقاربان في المضمون.

وفي النهاية فيه : أنك امرؤتائه أي متكبر أو ضال متحير ، وقد تاه يتيه تيها إذا تحير وضل وإذا تكبر ، انتهى.

« أو تجبر » يمكن أن يكون الترديد من الراوي وإن كان منهعليه‌السلام فيدل على فرق بينهما في المعنى كما يومئ إليه قوله تعالى : «الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ »(٢) وفي الخبر إيماء إلى أن التكبر أقوى من التجبر ، ويمكن أن يقال في الفرق بينهما أن التجبر يدل على جبر الغير وقهره على ما أراد ، بخلاف التكبر فإنه جعل نفسه أكبر وأعظم من غيره وإن كانا متلازمين غالبا.

ثم اعلم أن الخبرين يحتملان وجوها : الأول أن يكون المراد أن التكبر ينشأ من دناءة النفس وخستها ورداءتها.

__________________

(١) جبذه : جذبه.

(٢) سورة الحشر : ٢٣.

٢١٧

عبد اللهعليه‌السلام ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه.

١٨ ـ وفي حديث آخر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه.

(باب العجب )

١ ـ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن أسباط ، عن رجل من أصحابنا من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن سيار يرفعه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام

الثاني : أن يكون المعنى أن التكبر إنما يكون غالبا فيمن كان ذليلا فعز ، وأما من نشأ في العزة لا يتكبر غالبا بل شأنه التواضع.

الثالث : أن التكبر إنما يكون فيمن لم يكن له كمال واقعي فيتكبر لإظهار الكمال.

الرابع : أن يكون المراد المذلة عند الله أي من كان عزيزا ذا قدر ومنزلة عند الله لا يتكبر.

الخامس : ما قيل أن اللام لام العاقبة أي يصير ذليلا بسبب التكبر وهو أبعد الوجوه.

باب العجب

الحديث الأول : مرسل.

والعجب استعظام العمل الصالح واستكثاره ، والابتهاج له والإدلال به ، وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير ، وأما السرور به مع التواضع له تعالى والشكر له على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة منه فهو حسن ممدوح ، قال الشيخ البهائي قدس الله روحه : لا ريب أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام وقيام الليالي وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج ، فإن كان من حيث كونها عطية من الله

٢١٨

قال إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولو لا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبدا.

له ونعمة منه تعالى عليه وكان مع ذلك خائفا من نقصها مشفقا من زوالها ، طالبا من الله الازدياد منها ، لم يكن ذلك الابتهاج عجبا ، وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجا عن حد التقصير ، وصار كأنه يمن على الله سبحانه بسببها ، فذلك هو العجب ، انتهى.

والخبر يدل على أن العجب أشد من الذنب أي من ذنوب الجوارح ، فإن العجب ذنب القلب ، وذلك لأن الذنب يزول بالتوبة ويكفر بالطاعات ، والعجب صفة نفسانية يشكل إزالتها ، ويفسد الطاعات ويهبطها عن درجة القبول ، والعجب آفات كثيره فإنه يدعو إلى الكبر كما عرفت ، ومفاسد الكبر ما عرفت بعضها ، وأيضا العجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها ، فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها ، وما يتذكر منها فيستصغرها فلا يجتهد في تداركها ، وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويبتهج بها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها ، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما ينفع ، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب ، والمعجب يغتر بنفسه وبربه ويأمن مكر الله وعذابه ، ويظن أنه عند الله بمكان وأن له على الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطية من عطاياه ، ثم إن إعجابه بنفسه ورأيه وعلمه وعقله يمنعه من الاستفادة والاستشارة والسؤال ، فيستنكف من سؤال من هو أعلم منه ، وربما يعجب بالرأي الخطإ الذي خطر له فيصر عليه وآفات العجب أكثر من أن تحصى.

٢١٩

٢ ـ عنه ، عن سعيد بن جناح ، عن أخيه أبي عامر ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال من دخله العجب هلك.

٣ ـ علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن علي بن أسباط ، عن أحمد بن عمر الحلال ، عن علي بن سويد ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه

الحديث الثاني : كالسابق.

والمرادبالهلاك استحقاق العقاب والبعد من رحمة الله تعالى ، وقيل : العجب يدخل الإنسان بالعبادة وتركه الذنوب والصورة والنسب والأفعال العادية مثل الإحسان إلى الغير وغيره ، وهو من أعظم المهلكات وأشد الحجب بين القلب والرب ويتضمن الشرك بالله وسلب الإحسان والإفضال والتوفيق عنه تعالى ، وادعاء الاستقلال لنفسه ويبطل به الأعمال والإحسان وأجرهما كما قال تعالى : «لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »(١) وليس المن بالعطاء ، وأذى الفقير بإظهار الفضل والتعيير عليه إلا من عجبه بعطيته وعماه عن منة ربه وتوفيقه.

الحديث الثالث : حسن موثق.

وأبو الحسن يحتمل الأول والثانيعليهما‌السلام لرواية ابن سويد عنهما ، وإن كان روايته عن الأول أكثر« العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله «فَرَآهُ »(٢) «حَسَناً » إشارة إلى قوله تعالى : «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً »(٣) .

« فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا » إشارة إلى قوله سبحانه : «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »(٤) وأكثر الجهلة على هذه الصفة ، فإنهم يفعلون أعمالا قبيحة

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٦٤.

(٢) كذا في النسخ وفي المتن « فيراه ».

(٣) سورة فاطر : ٨.

(٤) سورة الكهف : ١٠٤.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780

781

782

783

784

785

786

787

788

789

790

791

792

793

794

795

796

797

798

799

800

801

802

803

804

805

806

807

808

809

810

811

812

813

814

815

816

817

818

819

820

821

822

823

824

825

826

827

828

829

830

831

832

833

834

835

836

837

838

839

840

841

842

843

844

845

846

847

848

849

850

851

852

853

854

855

856

857

858

859

860

861

862

863

864

865

866

867

868

869

870

871

872

873

874

875

876

877

878

879

880

ثم لو فرضنا تصحيح خلافة أبي بكر بالإجماع المزعوم ، فكيف تصححون خلافة عمر الذي عيّنه أبو بكر بوصية منه كتبها عثمان؟!

الشيخ عبد السلام : بديهي بأنّ قول أبي بكر في تعيين عمر بن الخطاب بالخلافة أيضا مستند إلى إجماع الأمة ، لأنهم اجمعوا على طاعته وقبول رأيه ، وكان من رأيه تعيين عمر للخلافة بعده.

قلت : أوّلا إن كان كذلك ، فلما ذا ما أطعتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تعيين خليفته ، وهو قد عيّن عليا وصرّح به مرّات وكرّات من يوم الإنذار إلى يوم الغدير وما بعده ، ولكنكم ترفضونه بحجّة أنّ اختيار الخليفة وانتخابه من حق الأمة وأنّ نصوص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليّ بن أبي طالب كانت ارشادية ، هذا مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان دائما يحذّر الناس من مخالفة أمره ومخالفة الامام عليعليه‌السلام ، حتى أننا نرى في بعض الأحاديث الشريفة المرويّة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتبكم ، يصرّح بأنّ مخالفة عليّ كفر ، وبغضه نفاق ، وطاعته إيمان.

ثانيا : بأي دليل عقليّ أو نقليّ تقولون بأنّ قول الفرد المنصوب بالاجماع ، لا سيما في تعيين خليفته ، يكون قوله لازما وماضيا على الناس! فإنّ هذا الأمر يخالف سيرة أهل العالم لا سيّما العقلاء منهم. ولكي تعرفوا ذلك فطالعوا الكتب المدوّنة في قوانين الدول والانتخابات.

ثالثا : إن كان كلامكم صحيحا ، فلما ذا لم يعمل عمر بن الخطاب على ما خطّه أبو بكر ، بل قام بإبداع طريقة جديدة تخالف مبنى وأساس خلافته وخلافة أبي بكر من قبله. فانّ الشورى الذي شكله عمر من ستة أفراد ، لا يشابه مجالس الشورى البشريّة ، ولا يشابه الانتخابات الجمهورية ، بل أقرب ما يكون إلى الاستبداد والديكتاتورية ،

٨٨١

وهنا شاط الشيخ عبد السلام ولاح الغضب في وجهه فصاح :

نحن لا نسمح لكم بهذا الكلام ، والمسّ من شخصيّة الفاروق ، إلاّ أن تأتوننا بدليل وبرهان.

قلت : ما ذكره المؤرخون في وصية عمر لأبي طلحة الأنصاري في تشكيل الشورى ورجحان الكفّة التي فيها عبد الرحمن بن عوف دليل ساطع وبرهان لامع على ما قلنا ، لأنّه كان يعرف أنّ عبد الرحمن بن عوف يميل الى عثمان وأنّ سعد بن أبي وقاص حاقد على أبي الحسن وحاسد له ، فلا يميل إلى جانبهعليه‌السلام ، فضمن عمر خلافة عثمان بهذه المكيدة والسياسة والكياسة وسمّاها شورى وما هي بشورى(١) !

__________________

(١) ذكر ابن أبي الحديد قصة الشورى في شرح النهج : ج ١ / ١٨٥ ـ ١٨٨ ط إحياء التراث ، قال [وصورة هذه الواقعة أنّ عمر لما طعنه أبو لؤلؤة ، وعلم أنّه ميت

قال : إنّ رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش : عليّ ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم

ثم قال : ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري! فدعوه له ، فقال : أنظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم من حفرتي ، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم ، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم ، فإن اتّفق خمسة وابى واحد فاضرب عنقه ، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب عنقيهما ، وان اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن ، فارجع الى ما قد اتفقت عليه ، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقهم ، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختارون لأنفسهم.]

أقول : إذا لم نسمّ هذا الأمر القاطع والحكم الصادر من الخليفة في شأن أصحاب الشورى ، بالهمجيّة والديكتاتورية ، فما ذا يسمّى؟! «المترجم»

٨٨٢

شورى أم ديكتاتورية!!

ولنا أن نعترض على حكم عمر وتفويضه الأمر النهائي إلى عبد الرحمن بن عوف ، ونتساءل : بأي ملاك وعلى أي استناد شرعي وعرفي وعقلي ونظري يكون رأي ابن عوف مقدّما على رأي الآخرين وأصوب؟ وكيف يكون رأي الثلاثة الذين فيهم ابن عوف نافذا ، والثلاثة الأخرى ان لم توافق فمصيرهم القتل والاعدام؟!

ومن دواعي التعجب والاستغراب ، تقديم رأي عبد الرحمن بن عوف على رأي أبي الحسن علي بن أبي طالبعليه‌السلام في مثل هذا الأمر ، مع روايتهم حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «عليّ مع الحق والحق مع علي».

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «عليّ فاروق هذه الأمة يفرّق بين الحق والباطل».

وقد روى الحاكم في المستدرك ، وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ، والطبراني في الأوسط ، وابن عساكر في تاريخه ، والعلاّمة الكنجي في كفاية الطالب ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، والحمويني في فرائد السمطين ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، عن ابن عباس ، وسلمان ، وأبي ذر ، وحذيفة ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذاك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنّه أول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة يفرّق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين(١) ».

__________________

(١) أيها القارئ الكريم لقد ورد هذا الحديث في كتب المحدثين ومسانيدهم المعتبرة ،

٨٨٣

__________________

وأذكر لك بعضها من العامّة وأعلام السنّة حتى تسكن بها نفسك ويطمئن قلبك ، منها :

الإصابة لابن حجر : ج ٧ / القسم الأول ص ١٦٧ قال : وأخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي عن خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن أبي ليلى الغفارية قال : سمعت رسول الله (ص) يقول «ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنه أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين».

وذكره ابن عبد البر أيضا في الاستيعاب : ج ٢ / ٦٥٧ ، وابن الأثير أيضا في أسد الغابة : ج ٥ / ٢٨٧.

وفي مجمع الزوائد : ج ٩ / ١٠٢ قال : وعن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ النبي (ص) بيد علي عليه‌السلام فقال «إنّ هذا أول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الامة يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين».

ورواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وحده ، وذكره المناوي أيضا في فيض القدير في الشرح : ج ٤ / ٣٥٨ ، والمتقي في كنز العمال : ج ٦ / ١٥٦ ، وقال : رواه الطبراني عن سلمان وأبي ذر معا والبيهقي وابن عدي عن حذيفة. وفي الرياض النضرة للمحب الطبري : ج ٢ / ١٥٥ قال : وعن أبي ذر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي عليه‌السلام «أنت الصديق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي تفرق بين الحق والباطل». (قال) : وفي رواية «وأنت يعسوب الدين». قال : خرّجهما الحاكم.

وهناك مصادر اخرى كثيرة ذكرت بعضها في تعليقاتنا السابقة ، وأكتفي بما ذكرت فإنّ فيها الكفاية لمن أراد الحق والهداية.

«المترجم»

٨٨٤

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث مشهور لعمار بن ياسر ـ ونقلته لكم بإسناده وذكرت مصادره من كتبكم في الليالي الماضية ـ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«يا عمار! إن سلك الناس كلّهم واديا وسلك عليّ وحده واديا ، فاتّبع عليا وخلّ عن الناس ، يا عمار! عليّ لا يردك عن هدى ، ولا يدلّك على ردى يا عمار! طاعة عليّ طاعتي ، وطاعتي طاعة الله».

مع هذا كله يقدّم عمر عبد الرحمن بن عوف على الإمام عليّعليه‌السلام ويقدّم رأيه على رأي أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وهذا من أفحش الظلم في حق الإمام أبي الحسنعليه‌السلام .

كل عاقل منصف ، له أدنى إلمام بأمور الدولة والسياسة ، يعرف سريرة عمر وغرضه من هذا الأمر ، وهو الإطاحة بعليّعليه‌السلام وخذلانه والسعي لتنزيل مقامه الشامخ ، ومكانه العليّ.

وكل من له اطّلاع وباع في كتب الرجال والأصحاب من قبيل الإصابة والاستيعاب ، وحلية الأولياء وأمثالها ، يعرف جيّدا أن علياعليه‌السلام لا يقاس بعبد الرحمن ، وأعلى من سائر أعضاء الشورى في الفضل والمناقب وفي المنزلة والمقام.

وأنتم أيها الحاضرون! راجعوا كتب الحديث والتواريخ والمناقب وطالعوها وأنصفوا وفكروا ثم احكموا في رأي عمر وتعيينه عبد الرحمن حكما في الشورى ، وترجيح رأيه على الآخرين بما فيهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام !

والله ما كانت الشورى العمريّة إلاّ مكيدة ولعبة سياسية ومؤامرة تحزّبيّة من مناوئي الإمام عليّعليه‌السلام ومخالفيه ، ليحرموه من حقّه ويبعدوه من مقامه للمرّة الثالثة!!

فالخلفاء «الراشدون عندكم» نالوا الخلافة وتوصّلوا إليها بأربعة

٨٨٥

طرق ، كل واحد منهم وصل إلى الخلافة بشكل خاص وطريقة تخصّه ، فلا ندري أي طريقة منها وأي شكل من الأشكال مراد الله سبحانه ومقتضي شريعته ودينه! فإن تعيّنوا شكلا واحدا ، فالأشكال الأخرى باطلة ، وإن تقولوا : كل هذه الطرق والأشكال صحيحة وشرعية ، نعرف أنكم لا تلتزمون لتعيين الخليفة والحاكم الشرعي ، بطريق ثابت وقانون معيّن معلوم.

وأنتم الحاضرون ولا سيما العلماء الكرام ، اذا تركتم التعصّب والانحياز الى مذهب أسلافكم ومعتقد آبائكم ، ونظرتم إلى الحوادث والقضايا بعين الإنصاف والعدالة ، وبنظر التحقيق والدّلالة ، لعرفتم أنّ الحق غير ما تلتزمون به وتعتقدونه.

الشيخ عبد السلام : نعم ولكن لو أمعنّا النظر وتعمّقنا في الموضوع على أساس بيانكم وغرار كلامكم ، فإنّ خلافة سيدنا علي بن أبي طالب تتزلزل أيضا ، لأنّ الناس الذين نصبوه للخلافة وبايعوه هم الذين بايعوا من قبله من الخلفاء الثلاثة الراشدين ، ولا فرق بينه وبينهم؟!.

خلافة الإمام عليعليه‌السلام منصوصة

قلت : هذا الإشكال يرد على من يعتقد بأن خلافة الإمام عليعليه‌السلام ومشروعيّتها لاجماع الناس في المدينة بعد مقتل عثمان على خلافة الإمام وبيعتهم له ، ولكنّا نعتقد بالدليل والبرهان أنّ خلافة الإمام عليعليه‌السلام منصوصة من الله سبحانه بالأحاديث المكرّرة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الخليفة الشرعي بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة وإن

٨٨٦

غصبوا حقه وأزالوه عن مقامه طيلة سنين عديد. وحيث لم يجد أعوانا وأنصارا لإحقاق حقه ، أمسى جليس الدار صابرا محتسبا ، حتى أجمع الناس على بيعته بعد مقتل عثمان وألحّوا وأصرّوا عليه ، فقبل منهم البيعة وتعهّد ادارة أمور المسلمين.

وقد بيّنا في المجالس السابقة وذكرنا لكم النصوص المرويّة في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة ، في تعيين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّا خليفته على الأمّة ، وإن نسيتم حديثنا في موضوع الغدير وإمامة عليّعليه‌السلام وخلافته ، فراجعوا الصحف والمجلاّت التي نشرت حوارنا ومجالسنا السابقة ، فقد استدللنا وأثبتنا ولاية عليّعليه‌السلام وخلافته الشرعيّة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وإضافة الى تواترها في كتب الشيعة فقد ذكرنا عشرات المصادر لها من كتب أعلامكم ومسانيد علمائكم ، فالأحاديث التي ذكرناها في إثبات ولاية الإمام عليعليه‌السلام وخلافته متفق عليها وصحيحة بإجماع الشيعة والسنة.

ولكن لا يوجد حتى حديث واحد متّفق على صحّته بين الفريقين في ولاية وخلافة الثلاثة قبل الإمام عليّعليه‌السلام ، أو في خلافة أحد الأمويين أو العباسيين.

الشيخ عبد السلام : لقد ورد عندنا عن رسول الله (ص) أنّه قال : «أبو بكر خليفتي في أمتي».

قلت : أولا هذا الحديث غير مقبول عندنا ولم يروه أحد من علماء الشيعة ، فصار غير متفق عليه.

ثانيا : لقد ذكرنا أقوال بعض أعلامكم في بطلان الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر ومناقبه ، وإضافة على ما مضى أنقل لكم

٨٨٧

قول أحد كبار علمائكم ومشاهير أعلامكم ، وهو الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي صاحب كتاب القاموس في اللغة ، قال في كتابه «سفر السعادة» [إن ما ورد في فضائل أبي بكر ، فهي من المفتريات التي يشهد بديهة العقل بكذبها.]

خلافة عليّعليه‌السلام أقرب إلى الإجماع من خلافة غيره

ولا يخفى على من تدبّر في تاريخ الخلافة ، أنّ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام كانت أقرب الى الاجماع من خلافة الثلاثة قبله ، والذين استولوا على الخلافة بعده من الأمويين والعباسيين.

فقد بيّنا عدم تحقق الإجماع في الخلفاء الذين تولّوا الأمر قبل الإمام عليعليه‌السلام وكذلك الذين جاءوا بعده ، فلم يتحقق إجماع الأمة لأحدهم ، والتاريخ يشهد على ذلك ولكن تحقّق للإمام عليعليه‌السلام ما يقرب من الإجماع ، فإن الّذين بايعوه بعد مقتل عثمان كانوا عامة أهل المدينة إلاّ من شذّ ، وهم أقلّ من عدد الأصابع ، وإضافة على أهل المدينة ، فقد بايعه جمع كثير من أهالي الأمصار الذين كانوا ينوبون عن أهل بلادهم وقومهم ، وهم الذين أقبلوا من البصرة والكوفة ومن مصر وغيرها من بلاد الإسلام ونزلوا المدينة المنوّرة ، ليعزلوا عثمان عن الخلافة ، أو يصلحوه ويصلحوا شأنه ودولته. فلما قتل عثمان ، أجمعوا على بيعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

ولا يخفى أنّ المجتمعين يومئذ في المدينة المنورة ، والذين أجمعوا على بيعة الإمام عليّعليه‌السلام ، كانوا زعماء القوم وأهل الحلّ والعقد في أمصارهم وشيوخ أهل بلدانهم.

٨٨٨

والجدير بالذكر ، أنّنا مع تحقّق هذا الأمر ـ الذي كان أقرب شيء إلى الاجماع ـ لم نجعله دليلا على خلافة الإمام عليعليه‌السلام .

وإنما الدليل الثابت عندنا والبرهان المثبت لخلافة مولانا وسيدنا الإمام عليّعليه‌السلام هو النصّ الإلهي في القرآن الحكيم وصريح حديث النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو مطابق لسيرة جميع الرسل والأنبياء الذين كانوا يعينون أوصياءهم وخلفاءهم بأمر الله سبحانه.

ثالثا : قلتم لا فرق بين أبي الحسن أمير المؤمنين وبين الخلفاء قبله.

فلا أدري هل تنطقون بهذا الكلام عن جهل أو تجاهل؟ لأنّ الأدلّة العقلية والنقليّة والشواهد التاريخيّة والحسيّة كلها قائمة على أنّ علياعليه‌السلام يمتاز عن الخلفاء بل عن كل البشر. فلا يقاس به أحد.

امتيازات الإمام عليّعليه‌السلام

كل من يطالع تاريخ حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام من حين ولادته في بطن الكعبة ، إلى ساعة استشهاده في سبيل الله في حال العبادة والصلاة في وسط المحراب في مسجد الكوفة ، وينظر بنظر التحقيق والتدقيق في جهاده ومواقفه ، وفي خطبه وكلماته ، وفي حركاته وسكناته ، وفي خوضه الحوادث وانزوائه ، لا يشك في أنّهعليه‌السلام كان شخصية متميزة وفريدة من نوادر التاريخ وأعظم نوابغ البشر ، لذلك نرى جميع المسلمين وأكثر أعلامكم وكبار علمائكم إلاّ من شذّ ـ وهم من الخوارج والنواصب من الأمويين والبكريين ـ قالوا : بأفضليته عمّن سواه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك استنادا إلى الحديث الشريف المروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقه أنقله لكم مضافا إلى ما رويته

٨٨٩

من كتب أعلامكم في الليالي الماضية في فضائله ومناقبهعليه‌السلام .

روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، والعلاّمة الهمداني في مودّة القربى ، والحافظ أبو بكر البيهقي في السنن وغيرهم عن طرق شتى وعبارات متفاوتة في الألفاظ والمعنى واحد ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال «عليّ أعلمكم وأفضلكم وأقضاكم ، والرادّ عليه كالرادّ عليّ ، والرادّ عليّ كالرادّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله».

وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة / بعد ذكره أقوال المشاهير تحت عنوان (القول فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة ، في الإمامة والتفضيل) قال [وأمّا نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون ، من تفضيلهعليه‌السلام . وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل؟ وهل المراد به الأكثر ثوابا أو الأجمع لمزايا الفضل والخصال الحميدة؟ وبيّنا أنّهعليه‌السلام أفضل على التفسيرين معا.]

وهنا ارتفع صوت المؤذّن لصلاة العشاء ، وبعد الفراغ من الصلاة ، شربنا الشاي وتناولنا الفاكهة ، ثم شرعنا في الحديث :

أصول الفضل والكمال

قلت : تعقيبا لكلام ابن أبي الحديد ، أطرح عليكم هذا السؤال : ما هي رءوس الفضل وأصول الكمال عندكم؟

الشيخ عبد السّلام : ـ بعد أن أطرق برأسه مليّا ، رفعه وقال ـ : هي كثيرة ولكن أهمها بعد الإيمان بالله وبرسوله ، النسب الطاهر وطيب المولد والمنبت ، والعلم والتقوى.

٨٩٠

قلت : أحسنت يا شيخ ، فلنبحث في هذه الأمور التي أشرت إليها ونحن نوافقكم على أنّ هذه الثلاثة من أمهات الفضائل والكمالات البشرية. ولا ننكر أنّ بعض الصحابة كانت فيهم خصائص وخصال حميدة ، ولكن من كان منهم جامعا لهذه الصفات الثلاثة التي أشرتم إليها بأنّها أمهات الفضائل وأصول الكمال ، فهو أفضلهم وأكملهم ، وبحكم العقل والعقلاء يكون أحق بالخلافة من سائر الصحابة.

طهارة نسب ومولد الإمام عليعليه‌السلام

أمّا في النسب والمولد فلا يشك أحد بأنّ الإمام عليّعليه‌السلام أشرف الصحابة في النسب ، وأفضلهم في المولد والمنبت ، لأنّه يساوي النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك(١) ، فأمّا النسب فواضح ، وأما المنبت فقد ذكر

__________________

(١) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه «ينابيع المودة» الباب الثاني في شرف آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونقل روايات كثيرة في الموضوع وكلها من كتب العامّة منها ، قال [وفي الشفاء عن عائشة عنه (ص) قال : أتاني جبرئيل فقال : قلّبت مشارق الأرض ومغاربها ، فلم أر رجلا أفضل من محمد ، ولم أر ابن أب أفضل من بني هاشم] أخرجه في المناقب والمخلص المذهبي والمحاملي وغيرهم.

أقول : وقال الإمام علي عليه‌السلام في نهج البلاغة خطبة رقم ٩٤ : «حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى الى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا وأعزّ الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ، وانتجب [ـ أو ـ انتخب] منها أمناءه عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر وشجرته خير الشّجر ، نبتت في حرم وبسقت في كرم ، لها فروع طوال وثمر لا ينال.» الخ.

وقال الشيخ صالح التميمي ( رحمه‌الله ) :

٨٩١

المؤرخون كلهم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاة جدّه عبد المطلب ، انتقل إلى بيت أبي طالب وكان عمره الشريف يومئذ ثمان سنين ، فتكفّله عمّه ورعاه أتمّ وأجمل رعاية.

فكما حارت العقول في شخصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحقيقته ، بهرت العقول أيضا في شخصيّة عليّ وحقيقته. حتى أنّ المتعصّبين من أعلامكم مثل علاء الدين القوشچي ، والجاحظ وهو يعدّ من النواصب ، وسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ، وغيرهم قالوا : [إنّنا حيارى ولا ندري كيف نفسّر كلام علي بن أبي طالب إذ يقول : «نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد».

__________________

[غاية المدح في علاك ابتداء

ليت شعري ما تصنع الشعراء

يا أخا المصطفى وخير ابن عم

وأمير إن عدّت الأمراء

معدن الناس كلها الأرض لكن

أنت من جوهر وهم حصباء]

وقال آخر :

(خير البريّة بعد أحمد حيدر

الناس أرض والوصيّ سماء)

ويقول آخر :

[حاشاك أن تسمو إليك سماء

أنت الفضاء وما سواك هباء

ومتى يحلّق نحوك العظماء؟

والسرّ أنت وغيرك الأسماء

أولست ساقي الحوض أنت وقاسم ال

جنّات والنيران كيف تشاء؟؟]

هذا غيض من فيض قريحة الشعراء وشعورهم في حقه عليه‌السلام ، ولكن ما لنا ولقول الشعراء البلغاء بعد أن نطق الخالق العزيز بمدحه وتفضيله وجعله نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آية المباهلة ، وأطلق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه ذلك كرّات ومرات وقال «علي كنفسي». ولا شك أنّ خير الكلام كلام الله ، وخير الحديث حديث أشرف الخلق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . «المترجم»

٨٩٢

وقالعليه‌السلام أيضا في الخطبة الثانية من نهج البلاغة :

«لا يقاس بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من هذه الأمة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ، ونقل إلى منتقله(١) ».]

واعلموا أنّ اعتقاد كثير من كبار علماء السنّة وأعلامهم في الإمام عليعليه‌السلام هو كذلك.

فقد روى العلاّمة الهمداني في كتابه مودّة القربى / المودّة السابعة عن أبي وائل عن ابن عمر (رض) قال : كنّا إذا عددنا أصحاب النبي (ص) قلنا أبو بكر وعمر وعثمان. فقال [له] رجل : يا أبا عبد الرحمن ، فعلي ما هو؟ قال [علي من أهل البيت لا يقاس به أحد ، هو مع رسول الله (ص) في درجته.]

وروى العلاّمة الهمداني أيضا عن أحمد بن محمد الكرزي البغدادي قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن التفضيل فقال : أبو بكر وعمر وعثمان ، ثم سكت. فقلت : يا أبت أين علي بن أبي طالب؟ فقال [هو من أهل البيت ، لا يقاس به هؤلاء.]

أقول : والذي يدلّ على أنّ هؤلاء وغيرهم من الصحابة لا يقاسون به ، أنّهعليه‌السلام كرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلق في عالم الأنوار قبل أن يظهر في عالم الاكدار ، والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.

__________________

(١) فقد خطب هذه الخطبة بعد ما بويع بالخلافة.

٨٩٣

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّعليه‌السلام من نور واحد

روى جماعة من الأعلام والحفّاظ من علمائكم ، منهم أحمد بن حنبل في المسند ، والشيخ محمد بن طلحة العدوي القرشي في كتاب مطالب السئول ، والحافظ ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب / حديث رقم ١٣٠ / بسنده عن النبي (ص) قال «كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله تعالى آدم ركّب ذلك النور في صلبه فلم يزل في نور واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففيّ النبوّة وفي عليّ الخلافة».

وقد فتح العلاّمة الهمداني بابا في كتابه مودّة القربى بعنوان / المودّة الثامنة : «في أنّ رسول الله (ص) وعليا من نور واحد ، وأعطي عليّ من الخصال ما لم يعط أحد من العالمين».

فنقل أخبارا كثيرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطرق شتى ، منها ما رواه عن عثمان بن عفّان عن النبي (ص) قال «خلقت أنا وعليّ من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام ، فلما خلق الله آدم ركّب ذلك النور في صلبه ، فلم يزل شيئا واحدا حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ففيّ النبوّة وفي عليّ الوصيّة».

وروى أيضا عن عليّعليه‌السلام قال «قال رسول الله (ص) : يا عليّ! خلقني الله وخلقك من نوره ، فلما خلق آدمعليه‌السلام أودع ذلك النور في صلبه ، فلم نزل أنا وأنت شيئا واحدا ثم افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففيّ النبوّة والرسالة ، وفيك الوصيّة والإمامة».

٨٩٤

ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ٩ / ١٧١ ط دار إحياء التراث / الخبر الرابع عشر : «كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق آدم قسّم ذلك فيه وجعله جزءين ، فجزء أنا وجزء عليّ» قال ابن أبي الحديد : رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل عليّعليه‌السلام ، وذكره صاحب كتاب الفردوس ، وزاد فيه : «ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب ، فكان لي النبوّة ولعليّ الوصيّة».

وروى الحافظ القندوزي في كتابه ينابيع المودّة في الباب الأول روايات كثيرة في الموضوع عن جمع الفوائد ، ومناقب ابن المغازلي وعن الفردوس للديلمي وفرائد السمطين للحمويني ومناقب الخوارزمي نعم روى أبو المؤيّد الخوارزمي في الفصل الرابع من كتابه المناقب وأيضا في الفصل الرابع من كتابه مقتل الحسينعليه‌السلام روايات شتى في الموضوع.

وكذلك روى في الموضوع سبط ابن الجوزي في التذكرة / ٥٠ ط مؤسسة أهل البيت بيروت ، وابن الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة ، والعلاّمة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب ٨٧ نقل عن محدّث الشام ابن عساكر وعن محدّث العراق وعن معجم الطبراني بإسنادهم بطرق شتى وعنوانه (الباب السابع والثمانون : في أنّ عليا خلق من نور النبي (ص)) وحيث انّ الروايات في الموضوع منقولة بألفاظ شتى وكلمات مختلفة والمعنى واحد ، فأقول : ربما صدرت الروايات من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيان هذا الموضوع كرّات ومرّات عديدة لأهميّته.

٨٩٥

أجداد الإمام عليعليه‌السلام وآباؤه مؤمنون

ولقد ثبت أنّ أجداد الامام عليّعليه‌السلام كلهم كانوا مؤمنين ولم يشركوا بالله طرفة عين ، فانّ الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة التي حملته وتناقلته هي الأصلاب والأرحام التي حملت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد طهّرها الباري عزّ وجلّ من درن الشرك وأقذار الجاهليّة ، فهو عليّ ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ابن أدّ بن أدد بن اليسع بن الهميس بن بنت ، بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الله بن تارخ بن تاحور بن شاروع ابن أبرغو بن تالغ بن عابر بن شالح بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوه بن بارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشرعليهم‌السلام هؤلاء كلهم كانوا مؤمنين بالله تعالى ، يعبدونه ولا يشركون به شيئا.

الشيخ عبد السلام : ولكنّ القرآن الحكيم يصرّح بخلاف هذا الكلام ، فقد قال تعالى في سورة الأنعام آية ٧٤ :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .

آزر عم إبراهيمعليه‌السلام

قلت : كلام الشيخ واصل إليه من أسلافه ، وهم لمّا رأوا نسب شيوخهم وزعمائهم من الصحابة ينتهي إلى الكفر والشرك ، أرادوا دفع

٨٩٦

هذا النقص ورفع العيب عنهم ، فتفوّهوا بهذا الكلام وعابوا على خير الأنام ، وقالوا بأنّ آزر أبا إبراهيم الخليل كان يعبد الأصنام ، وكلكم تعلمون أنّ علماء الأنساب أجمعوا على أنّ والد إبراهيم الخليلعليه‌السلام كان تارخ ، وآزر كان عمه.

الشيخ عبد السلام ـ متعجبا ـ : إنّكم تقابلون القرآن الحكيم بكلام علماء الأنساب!! فإنّ الله سبحانه يصرّح بأنّ آزر أبا إبراهيم كان يعبد الأصنام ونحن نأخذ بظاهر القرآن ونترك قول من خالفه ، لأنّ الظاهر نصّ وخلافه اجتهاد.

قلت : نحن لا نجتهد في مقابل النصّ ، وإنّما نقابل النصّ بالنصّ ونستخرج المعنى المعقول المفهوم من النّصّين ، فإنّ القرآن في كثير من الأمور يفسّر بعضه بعضا. وما اشتبه علينا تفسيره فنرجع به إلى قول العترة الهادية الذين عيّنهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك إذ قال «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

وهم قالوا بأنّ آزر كان عم إبراهيم الخليل ، فلما توفّي تارخ والد ابراهيم ، تزوّجت أمّه بآزر ، فكان إبراهيم يناديه بالأب ، وهو شيء شائع في العرف.

الشيخ عبد السلام : نحن لا نترك ظاهر الآية الشريفة :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ) إلاّ أن تأتوا بآية من القرآن الحكيم تفسّر كلمة الأب بالعم ، وهذا لا يوجد في القرآن.

قلت : لا تنفي ذلك ، لأنّ علمك ناقص بمفاهيم القرآن الحكيم ، وما تجهله من هذا الكتاب العظيم أكثر مما تعلمه.

ولكي يتّضح لك أنّ كلمة الأب جاءت بمعنى العم في القرآن

٨٩٧

الحكيم ، فراجع سورة البقرة / الآية ١٣٣ في قوله تعالى :

( إِذْ قالَ (١) لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً ) .

الشاهد والدليل في الآية «اسماعيل» لأنه كان عم يعقوب واسحاق هو أبو يعقوب. ولكنّ أولاد يعقوب عدوّا إسماعيل أبا ليعقوب في عداد أبويه إبراهيم وإسحاق.

دليل آخر

وعندنا دليل آخر من القرآن الحكيم في أنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلهم كانوا مؤمنين بالله سبحانه يسجدون له وحده ويعبدونه إلها واحدا وهو قوله تعالى مخاطبا لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) روى الحافظ الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الثاني / وغيره أيضا من علمائكم رووا عن ابن عباس حبر الأمّة وهو من تعلمون مقامه في المفسرين ، قال [اي تقلّبه (ص) من أصلاب الموحّدين ، نبيّ إلى نبيّ ، حتى أخرجه الله من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم.]

وروى العلاّمة القندوزي حديثا آخر في الباب ورواه أيضا جمع من علمائكم منهم الثعلبي في تفسيره ، عن رسول الله (ص) قال : «أهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله ينقلني من

__________________

(١) أي : إذ قال يعقوب.

(٢) الشعراء ، الآية ٢١٩.

٨٩٨

الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قطّ».

وفي رواية أخرى قال (ص) «لم يدنّسني بدنس الجاهلية».

وروى القندوزي أيضا في الباب الثاني قال : وفي كتاب أبكار الأفكار للشيخ صلاح الدين بن زين الدين الشهير بابن الصلاحقدس‌سره قال جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنهما) سألت رسول الله (ص) عن أول شيء خلقه الله تعالى ، قال (ص) «هو نور نبيك يا جابر». ـ والرواية مفصلة وطويلة لا مجال لذكرها كلها ، وجاء في آخرها ـ «وهكذا ينقل الله نوري من طيّب إلى طيب ، ومن طاهر إلى طاهر إلى أن أوصله إلى صلب أبي عبد الله بن عبد المطلب ، ومنه أوصله الله إلى رحم أمي آمنة ، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ، ومبعوثا إلى كافّة الناس أجمعين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجّلين ، هذا كان بدء خلقة نبيّك يا جابر.

ثم قال القندوزي : وفي شرح الكبريت الأحمر للشيخ عبد القادر روى الحديث المذكور عن جابر بن عبد الله أيضا إلى آخره».

فقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «وهكذا ينقل الله نوري من طيّب إلى طيب ، ومن طاهر إلى طاهر. دليل على أنهم كانوا مؤمنين بالله وموحّدين له.

فبرّأهم الله تعالى من الكفر والشرك ، إذ يقول الله سبحانه :( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (١) ».

وكذلك روى القندوزي في الباب الثاني من ينابيع المودّة عن ابن عباس عن النبي (ص) أنه قال «ما ولدني في سفاح الجاهلية شيء وما

__________________

(١) التوبة ، الآية ٢٨.

٨٩٩

ولدني إلاّ نكاح كنكاح الاسلام».

وفي نهج البلاغة / خطبة رقم ٩٤ يصف بها الأنبياء الكرام لا سيّما خاتمهم وسيدهم ، فقال : «.. فاستودعهم في أفضل مستودع وأقرّهم في خير مستقر. تناسختهم [تناسلتهم] كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، وأعزّ الأرومات مغرسا ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتخب منها أمناءه».

ولو أردنا جمع الأخبار والروايات الواردة عن طرقنا وطرقكم الخ مجلّدا ضخما ، ولكن في المنقول كفاية لمن أراد الهداية واتباع احق ، فإنّ الحق الذي يظهر من هذه الروايات والآيات يدلّ على أن آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأجداده كانوا موحّدين لله سبحانه ومؤمنين به عزّ وجلّ ، ومنه يثبت هذا الأمر لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أيضا ، لأنهما صلوات الله عليهما وآلهما من شجرة واحدة ونور واحد ، كما تواتر عن طرق الشيعة ورواه أيضا كثير من أعلامكم وكبار علمائكم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال «أنا وعلي من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتّى».

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «خلقت أنا وعليّ من نور واحد». الخ ، وقد ذكر بعض مصادره من كتب أعلامكم.

فبحكم العقل ورأي العقلاء ، فإنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أحق من غيره بخلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه أقرب الناس إليه في المقام والمنزلة ، مع هذه المشابهات والمقارنات بينهما عليهما السّلام(١) .

__________________

(١) من المناسب نقل بعض الأبيات من قصيدة بليغة في الموضوع للمرحوم الشيخ علي الشفهيني الحلي من اعلام القرن السادس الهجري :

٩٠٠

901

902

903

904

905

906

907

908

909

910

911

912

913

914

915

916

917

918

919

920

921

922

923

924

925

926

927

928

929

930

931

932

933

934

935

936

937

938

939

940

941

942

943

944

945

946

947

948

949

950

951

952

953

954

955

956

957

958

959

960

961

962

963

964

965

966

967

968

969

970

971

972

973

974

975

976

977

978

979

980

981

982

983

984

985

986

987

988

989

990

991

992

993

994

995

996

997

998

999

1000

1001

1002

1003

1004

1005

1006

1007

1008

1009

1010

1011

1012

1013

1014

1015

1016

1017

1018

1019

1020

1021

1022

1023

1024

1025

1026

1027

1028

1029

1030

1031

1032

1033

1034

1035

1036

1037

1038

1039

1040

1041

1042

1043

1044

1045

1046

1047

1048

1049

1050

1051

1052

1053

1054

1055

1056

1057

1058

1059

1060

1061

1062

1063

1064

1065

1066

1067

1068

1069

1070

1071

1072

1073

1074

1075

1076

1077

1078

1079

1080

1081

1082

1083

1084

1085

1086

1087

1088

1089

1090

1091

1092

1093

1094

1095

1096

1097

1098

1099

1100

1101

1102

1103

1104

1105

1106

1107

1108

1109

1110

1111

1112

1113

1114

1115

1116

1117

1118

1119

1120

1121

1122

1123

1124

1125

1126

1127

1128

1129

1130

1131

1132

1133

1134

1135

1136

1137

1138

1139

1140

1141

1142

1143

1144

1145

1146

1147

1148

1149

1150

1151

1152

1153

1154

1155

1156

1157

1158

1159

1160

1161

1162

1163

1164

1165

1166

1167

1168

1169

1170

1171

1172

1173

1174

1175

1176

1177

1178

1179

1180

1181

1182

1183

1184

1185

1186

1187

1188

1189

1190

1191

1192

1193

1194

1195

1196

1197

1198

1199

1200

1201

1202

1203

1204

1205