ليالي بيشاور

ليالي بيشاور8%

ليالي بيشاور مؤلف:
تصنيف: مفاهيم عقائدية
الصفحات: 1205

ليالي بيشاور
  • البداية
  • السابق
  • 1205 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 249371 / تحميل: 4353
الحجم الحجم الحجم
ليالي بيشاور

ليالي بيشاور

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

فلما صار ب (زبالة) قام فيهم خطيبا فقال : ألا إنه أتاني خبر فظيع. ألا إن أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فقتلوهما ، وقتلوا أخي من الرضاعة عبد الله بن يقطر ، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج ، وليس عليه منا ذمام. فتفرق الناس وأخذوا يمينا وشمالا ، حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة وعددهم (٨٢) ، وإنما أراد ألا يصحبه إنسان إلا على بصيرة. ولما كان السحر أمر أصحابه فاستسقوا ماء وأكثروا ، ثم رحل من زبالة متجها إلى (القاع).

وأورد أبو مخنف في مقتله ص ٤٣ شبيه هذا الكلام ، هذا نصه :

وجعلعليه‌السلام لا يمرّ ببادية إلا ويتبعه خلق كثير ، حتّى انتهى إلى (زبالة) فنزل بها ، ثم قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصلى عليه ، ثم نادى بأعلى صوته : أيها الناس إنما جمعتكم على أن العراق في قبضتي ، وقد جاء في خبر صحيح أن مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة قتلا ، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمن كان منكم يصبر على ضرب السيوف وطعن الرماح ، وإلا فلينصرف من موضعه هذا ، فليس عليه من ذمامي شيء. فسكتوا جميعا وجعلوا يتفرقون يمينا وشمالا ، حتّى لم يبق معه إلا أهل بيته ومواليه ، وقالوا : والله ما نرجع حتّى نأخذ بثأرنا ونذوق الموت غصّة بعد غصة ، وهم نيّف وسبعون رجلا ، وهم الذين خرجوا معه من مكة.

٦٧٢ ـ رجل نصراني يسلم على يد الحسينعليه‌السلام :

(مقتل الحسين المنسوب لأبي مخنف ، ص ٤٣)

قال أبو مخنف : لما نزل الحسينعليه‌السلام الثعلبية ، أقبل رجل نصراني وأمه ، فأسلما على يديه.

(أقول) : لعله وهب بن حباب الكلبي ، وأمه أم وهب.

«بطن العقبة»

٦٧٣ ـ لقاء الحسينعليه‌السلام بعمرو بن لوذان في (بطن العقبة) وما جرى بينهما من محاورة :(الحسين في طريقه إلى الشهادة ، ص ٩٠)

ولما كان وقت السحر أمرعليه‌السلام غلمانه وفتيانه ، فاستقوا الماء وأكثروا ، ثم سارعليه‌السلام حتّى مرّ (ببطن العقبة) في طريقه إلى الكوفة. وهناك لقي شيخا من بني

٥٦١

عكرمة يقال له عمرو بن لوذان ، فسأله أين تريد؟. فقال الحسينعليه‌السلام : الكوفة.فقال الشيخ : أنشدك الله لما انصرفت. فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحدّ السيوف ، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطّؤوا لك الأشياء ، فقدمت عليهم ، كان ذلك رأيا ، فأما على هذه الحال التي تذكر ، فإني لا أرى لك أن تفعل. ثم قال الحسينعليه‌السلام : والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم.

٦٧٤ ـ ما قاله الحسينعليه‌السلام في (بطن العقبة) لجعفر بن سليمان الضبعي :

(مقتل الحسين للمقرم ، ص ٢١٣)

وقالعليه‌السلام لجعفر بن سليمان الضبعي في (بطن العقبة) : إنهم لن يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام الأمة(١) .

٦٧٥ ـ إخبار الحسينعليه‌السلام بشهادته وهو في طريقه إلى كربلاء :

(تاريخ ابن عساكر ، ص ٢١١ ؛ وتاريخ الإسلام للذهبي ، ج ٢ ص ٣٤٥ ؛ وتاريخ ابن كثير ، ج ٨ ص ١٦٩)

عن يزيد الرّشك ، قال : حدثني من شافه الحسينعليه‌السلام قال : رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض. فقلت : لمن هذه؟. قالوا : هذه لحسينعليه‌السلام . قال :فأتيته ، فإذا شيخ يقرأ القرآن ، والدموع تسيل على خديه ولحيته. (قال) فقلت : بأبي أنت وأمي يابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أنزلك هذه البلاد ، والفلاة التي ليس بها أحد؟.فقال : هذه كتب أهل الكوفة إليّ ، ولا أراهم إلا قاتليّ. فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها ، فيسلّط الله عليهم من يذلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الأمة [يعني مقنعتها].

٦٧٦ ـ تعريف ببعض منازل الطريق :

(معجم البلدان لياقوت الحموي)

قال هشام : (واقصة)و (شراف) ابنتا عمرو بن معتق ، من أحفاد إرم ابن سام بن نوحعليه‌السلام . (واقصة) : منزل بطريق مكة بعد (القرعاء) نحو مكة وقبل (العقبة) لبني

__________________

(١) فرام المرأة : هو ما تحتشي به المرأة في موضعها ، وقيل هو خرقة الحيض. والأمة : هي العبدة المملوكة.

٥٦٢

شهاب من طيّئ. ويقال لها : واقصة الحزون ، وهي دون (زبالة) بمرحلتين. وإنما قيل لها واقصة الحزون ، لأن الحزون [أي الأراضي الصعبة الوعرة] أحاطت بها من كل جانب.

ـ تعريف بنوعيات الأرض من الكوفة إلى مكة :

والسائر إلى مكة ينهض في أول الحزن(١) من (العذيب) في أرض يقال لها (البيضة) ، حتّى يبلغ مرحلة (العقبة) في أرض يقال لها البسيطة ، ثم يقع في (القاع) وهو سهل. ويقال : (زبالة) أسهل منه. فإذا جاوزت ذلك استقبلت الرمل ، فأول رمل تلقاها يقال لها الشيحة [انظر الشكل ١٠].

(الشكل ١٠) : طبيعة الأرض من الكوفة إلى مكة

من العذيب تكون الأرض حزنة ثم بسيطة ثم سهلة ثم تبدأ الرمال من الشيحة

وهكذا انتهت سنة ٦٠ ه‍

وبدأت سنة ٦١ هجرية

(وذلك قبل يومين من وصول الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء)

__________________

(١) الحزن : ما غلظ من الأرض ، ضد السهل.

٥٦٣

بداية سنة ٦١ هجرية

(١ محرم الحرام سنة ٦١ ه‍)

(١ تشرين الأول سنة ٦٨٠ م)

مدخل :

انتهت سنة ٦٠ هجرية ، وبدأت سنة ٦١ ه‍ بشهرها المحرم الحرام ، الّذي حرّم الله فيه القتل والقتال حتّى مع الكفار ، والذي ارتكبت فيه أكبر مجزرة في تاريخ الأمم والإسلام. حيث قتل الحزب الأموي الحاكم سيد شباب أهل الجنة ، الحسين بن عليعليهما‌السلام ، كما ذبح أخاه العباسعليه‌السلام وابنه علي الأكبرعليه‌السلام وابن أخيه القاسم بن الحسنعليه‌السلام ، وأربعا وعشرين بدرا من بدور بني هاشم ، من سلالة المجاهد الأكبر أبي طالبعليه‌السلام ، الّذي علمّ أولاده نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنصروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام علياعليه‌السلام وابنيه الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فكانوا خير خلف لخير سلف.

وقد مضى على مسير الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء ٢٢ يوما ، وبقي له يومان ليصل إليها.

«شراف»

٦٧٧ ـ التزود بالماء من (شراف):

(لواعج الأشجان للسيد الأمين ، ص ٧٨)

ثم سار الحسينعليه‌السلام من بطن العقبة حتّى نزل (شراف). فلما كان في السحر أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا. ثم سار منها حتّى انتصف النهار.

٦٧٨ ـ طلائع الخطر :

(لواعج الأشجان للسيد الأمين ، ص ٧٨)

فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه ، فقال الحسينعليه‌السلام : الله أكبر ، لم كبّرت؟. قال : رأيت النخل. فقال له جماعة من أصحابه : إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط!. فقال لهم الحسينعليه‌السلام : فما ترون؟. قالوا : نراه والله أسنة الرماح وآذان الخيل.

٥٦٤

ثم قالعليه‌السلام : فهل لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم بوجه واحد؟. فقالوا : بلى ، هذا (ذو حسم) إلى جنبك ، فمل إليه عن يسارك ، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد. فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه.

لقاء الحرّ بن يزيد التميميّ

«ذو حسم»

٦٧٩ ـ التقاء الحسينعليه‌السلام بأول كتيبة للجيش الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي :(لواعج الأشجان للسيد الأمين ، ص ٧٨)

فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي [جمع هادي : وهو العنق ومقدمة كل شيء] الخيل ، فتبيّناها وعدلنا. فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا ، كأن أسنتهم اليعاسيب [جمع يعسوب : وهو النحل ، وشبّه لمعان أسنّتهم بلمعان أجنحة النحل أثناء طيرانها] وكأن راياتهم أجنحة الطير. فاستبقنا إلى (ذي حسم) فسبقناهم إليه.

وأمر الحسينعليه‌السلام بأبنيته فضربت. وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحر ابن يزيد التميمي ، حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسينعليه‌السلام في حرّ الظهيرة ، والحسينعليه‌السلام وأصحابه معتمّون متقلدون أسيافهم.

٦٨٠ ـ الحسينعليه‌السلام يسقي جنود أعدائه :

(المصدر السابق ؛ ومقتل الحسين للخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣٠)

فقال الحسينعليه‌السلام لفتيانه : اسقوا القوم وارووهم من الماء ، ورشّفوا الخيل ترشيفا [أي اسقوهم قليلا]. وكانوا شاكّين في السلاح ، لا يرى منهم إلا الحدق.فأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ، ثم يدنونها من الفرس ، فإذا عبّ منها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه ، وسقي آخر ، حتّى سقوها عن آخرها.

قال علي بن الطعّان المحاربي : كنت مع الحر يومئذ ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه. فلما رأى الحسينعليه‌السلام ما بي وبفرسي من العطش ، قال : أنخ الرواية ،

٥٦٥

فلم أفهم (لأن الرواية عندي السّقاء). ثم قال : يابن الأخ أنخ الجمل ، فأنخته(١) .فقال : اشرب ، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء. فقال الحسينعليه‌السلام :أخنث السقاء [أي اعطفه] فلم أفهم ، ولم أدر كيف أفعل!. فقامعليه‌السلام فعطفه بيده ، فشربت وسقيت فرسي.

وكان مجيء الحر بن يزيد من القادسية ، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير ، وأمره أن ينزل القادسية ، ويقدّم الحر بين يديه في ألف فارس ، يستقبل بهم الحسينعليه‌السلام . وكانت ملاقاة الحر للحسينعليه‌السلام على مرحلتين من الكوفة [حوالي ٩٠ كم].

ـ تعليق السيد عبد العزيز المقرّم :

يقول السيد المقرّم : فانظر إلى هذا اللطف والحنان من أبي الضيم الحسينعليه‌السلام على هؤلاء الجمع في تلك البيداء المقفرة ، التي تعزّ فيها الجرعة الواحدة ، وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء ، ولكن العنصر النبوي والكرم العلوي ، لم يتركا صاحبهما إلا أن يحوز الفضل. وإن فعلها فقد فعلها أبوه من قبله في صفين ، وكل إناء ينضح بما فيه.

٦٨١ ـ الحسينعليه‌السلام يتعرف على الحر :

(مثير الأحزان للشيخ شريف الجواهري ، ص ٤٢)

ثم قال الحر : السلام عليك يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال الحسينعليه‌السلام : وعليك السلام ، من أنت يا عبد الله؟. فقال : أنا الحر بن يزيد.فقال : يا حرّ ، ألنا أم علينا؟. فقال الحر : والله يابن رسول الله لقد بعثت لقتالك ، وأعوذ بالله أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إلى رجلي ، ويدي مغلولة إلى عنقي ، وأكبّ على حرّ وجهي في النار. يابن رسول الله ، ارجع إلى حرم جدك ، أين تذهب فإنك مقتول!.

__________________

(١) الرواية في لسان أهل الحجاز : اسم للجمل الّذي يستقى عليه. وفي لسان أهل العراق : اسم للسقاء الّذي يملأ بالماء. فلذلك لم يفهم ابن الطعان مراد الحسينعليه‌السلام حتّى قال له : أنخ الجمل.

٥٦٦

٦٨٢ ـ من خطبة للحسينعليه‌السلام بعد لقائه بالحر في (ذي حسم) وقد صلّىعليه‌السلام صلاة الظهر بالعسكرين :

(مقتل الخوارزمي ، ص ٢٣١ ؛ ولواعج الأشجان ، ص ٨٠)

قال الشيخ المفيد : فلم يزل الحر موافقا للحسينعليه‌السلام حتّى حضرت صلاة الظهر. فقال الحسينعليه‌السلام للحجاج بن مسروق : أن أذّن يرحمك الله وأقم الصلاة حتّى نصلي. فأذّن الحجّاج للظهر. فلما فرغ صاح الحسينعليه‌السلام بالحر :يابن يزيد أتريد أن تصلي بأصحابك ، وأنا أصلّي بأصحابي؟. فقال الحر : لا بل تصلي ، ونحن نصلّي بصلاتك يا أبا عبد الله!. فقالعليه‌السلام للحجاج : أقم ، فأقام.

وتقدم الحسينعليه‌السلام للصلاة ، فصلى بالعسكرين جميعا. فلما فرغ وثب قائما متكئا على قائم سيفه ، وكان في إزار ورداء ونعلين. فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :أيها الناس معذرة إليكم ، أقدّمها إلى الله وإلى من حضر من المسلمين. إني لم آتكم (وفي رواية : لم أقدم إلى بلدكم) حتّى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ، أن أقدم إلينا ، فإنه ليس علينا إمام ، فلعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم أدخل معكم إلى مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ولقدومي عليكم باغضين ، انصرفت عنكم إلى المكان الّذي منه جئت إليكم. فسكتوا جميعا(١) .

ثم دخلعليه‌السلام فاجتمع إليه أصحابه. وانصرف الحر إلى مكانه الّذي كان فيه ، فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه جماعة من أصحابه. وعاد الباقون إلى صفّهم الّذي كانوا فيه ، فأعادوه. ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها.

٦٨٣ ـ كتاب ابن زياد للحر يأمره فيه بالتضييق على الحسينعليه‌السلام :

(مقتل الخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣١)

فبينا هم على تلك الحال ، وإذا بكتاب ورد من الكوفة من عبيد الله بن زياد إلى الحر: أما بعد يا حر ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فجعجع(٢) بالحسين بن علي ، ولا

__________________

(١) كذا في مقتل المقرم ص ٢١٥ ، ومناقب ابن شهراشوب ، ج ٣ ص ٢٤٦ ط نجف. ولم يذكر الخوارزمي موضع الخطبة وهو (شراف). وفي مقتل أبي مخنف ، ص ٤٤ أنه خطبها في (الثعلبية).

(٢) جعجع بالحسين : أي احبسه وضيّق عليه.

٥٦٧

تفارقه حتّى تأتيني به ، فإني قد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى تأتي بإنفاذ أمري إليك والسلام.

فلما قرأ الحر الكتاب بعث إلى ثقات أصحابه فدعاهم ، ثم قال : ويحكم إنه قد ورد عليّ كتاب عبيد الله بن زياد ، يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوؤه ، ولا والله ما تطاوعني نفسي ولا تجيبني إلى ذلك أبدا. فالتفت رجل من أصحاب الحر يكنى (أبا الشعثاء الكندي) إلى رسول ابن زياد وقال له : فيم جئت ثكلتك أمك؟. فقال له الرسول : أطعت إمامي ووفّيت بيعتي وجئت برسالة أميري. فقال له أبو الشعثاء :لعمري لقد عصيت ربك وإمامك ، وأهلكت نفسك ، واكتسبت والله عارا ونارا ، فبئس الإمام إمامك الّذي قال فيه الله :( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) [القصص : ٤١](١) .

٦٨٤ ـ من خطبة لهعليه‌السلام بالعسكرين بعد أن صلى بهما صلاة العصر :

(مقتل الحسين للخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣٢)

ودنت صلاة العصر ، فأمر الحسينعليه‌السلام مؤذنه أيضا بالأذان ، فأذّن وأقام ، وتقدمعليه‌السلام فصلى بالعسكرين. فلما انصرف من صلاته وثب قائما على قدميه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله تعالى وتعرفوا الحق لأهله يكن رضا الله عنكم. وإنا أهل بيت نبيكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أولى بولاية هذه الأمور عليكم ، من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالظلم والجور والعدوان ، وإن كرهتمونا وجهلتم حقنا ، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم ، انصرفت عنكم(٢) .

فقال له الحر : أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر. فقال الحسينعليه‌السلام لبعض أصحابه : يا عقبة بن سمعان أخرج إليّ الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ. فأخرج خرجين مملوءين صحفا من كتب أهل الكوفة ، فنثرت بين يديه.

__________________

(١) كان أبو الشعثاء الكنديرحمه‌الله منصفا. وستجد عدوله إلى الحسينعليه‌السلام واستشهاده معه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة.

(٢) مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرم ، ص ٢١٦.

٥٦٨

فقال له الحر : إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك(١) . وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على الأمير عبيد الله. فتبسّم الحسينعليه‌السلام وقال له :يابن يزيد ، الموت أدنى إليك من ذلك!.

ترجمة عقبة بن سمعان

عقبة بن سمعان ، عدّه الشيخ الطوسي في (رجاله) من أصحاب الحسينعليه‌السلام . وقد ذكره الطبري وغيره من مؤرخي الواقعة ، ويفهم مما ذكروه أنه كان عبدا للرباب زوجة الحسينعليه‌السلام ، وأنه كان يتولى خدمة أفراسه وتقديمها له. فلما استشهد الحسينعليه‌السلام فرّ على فرس ، فأخذه أهل الكوفة ، فزعم أنه عبد للرباب بنت امرئ القيس الكلابية ، فأطلق سراحه.وجعل يروي الواقعة كما حدثت ، ومنه أخذ كثير من أخبارها. (مقتل أبي مخنف المقتبس ، ص ١٣)

٦٨٥ ـ محاورة الحسينعليه‌السلام مع الحر وقد حاول التضييق عليه حتّى يقدمه على عبيد الله بن زياد بالكوفة :

(مقتل الخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣٢)

ثم التفت الحسينعليه‌السلام إلى أصحابه فقال : احملوا النساء ليركبن ، حتّى ننظر ما الّذي يقدر أن يصنع هذا [أي الحر] وأصحابه فتقدمت خيل أهل الكوفة فحالت بينهم وبين المسير. فضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى سيفه وصاح بالحر : ثكلتك أمك يابن يزيد ، ما الّذي تريد أن تصنع؟. فقال الحر : أما والله يا أبا عبد الله ، لو

__________________

(١) جاء في (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي ، أنه لما نادى الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء :يا شبث بن ربعي ويا حجّار بن أبجر ويا فلان ويا فلان ألم تكتبوا إليّ ، فقالوا :ما ندري ما تقول. وكان الحر بن يزيد الرياحي من ساداتهم ، فقال له : بلى والله لقد كاتبناك ونحن الذين أقدمناك ، فأبعد الله الباطل وأهله ، والله لا أختار الدنيا على الآخرة. يقول الشيخ حبيب آل إبراهيم في كتابه (ذكرى الحسين) من حاشية.

ص ٨٢ : فيمكن أن يكون حمل الحر على الإنكار تعصبه لمن كان معه أولا ، فلما رأى منهم ما رأى رجع إلى الحق وهداه الله تعالى.

٥٦٩

قالها غيرك من العرب لرددتها عليه كائنا من كان ، ولكن والله مالي إلى ذكر أمك [أي فاطمة] من سبيل ، غير أنه لا بدّ لي من أن أنطلق بك إلى الأمير. قالعليه‌السلام :إذن والله لا أتبعك. فقال الحر : إذن والله لا أدعك.

فقال الحسينعليه‌السلام : فذر إذن أصحابك وأصحابي وابرز إليّ ، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد ، وإن قتلتك أرحت الخلق منك. فقال الحر : إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أمرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على الأمير. وأنا والله كاره أن يبتليني الله بشيء من أمرك. غير أني أخذت بيعة القوم وخرجت إليك. وأنا أعلم أنه ما يوافي القيامة أحد من هذه الأمة إلا وهو يرجو شفاعة جدك ، وإني والله لخائف إن أنا قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة ، ولكن أما أنا يا أبا عبد الله فلست أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا ، ولكن خذ غير الطريق وامض حيث شئت (وفي رواية : ولكن خذ طريقا نصفا بيننا لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة(١) ) حتّى أكتب إلى الأمير أن الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه ، وأنا أنشدك الله في نفسك (وفي رواية : وإني أذكّرك الله في نفسك(٢) ) فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ. فقال الحسينعليه‌السلام : كأنك تخبرني بأني مقتول!. فقال له : نعم يا أبا عبد الله ، لا أشك في ذلك إلا أن ترجع من حيث جئت. فقال الحسينعليه‌السلام :لا أدري ما أقول لك ، ولكني أقول كما قال أخو الأوس وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخوّفه ابن عمه حين لقيه ، وقال : أين تذهب فإنك مقتول ، فقال له :

سأمضي فما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مذموما(٣) وخالف مجرما

أقدّم نفسي لا أريد بقاءها

لتلقى خميسا في النزال(٤) عرمرما

فإن عشت لم أذمم(٥) وإن متّ لم ألم

كفى بك ذلّا أن تعيش وترغما

__________________

(١) مقتل المقرم ص ٢١٧. وفي تاريخ الطبري ج ٦ ص ٢٢٨ ط أولى مصر ، قال الحر : «فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية" وبينه وبين العذيب ٣٨ ميلا.

(٢) مقتل الحسين للمقرم ص ٢١٧.

(٣) وفي رواية : (مثبورا).

(٤) وفي رواية (في الهياج). والخميس : الجيش ، لأنه مؤلف من خمس فرق. ويوم الهياج : يوم القتال. العرمرم : الجيش الكثير.

(٥) وفي رواية (لم أندم).

٥٧٠

٦٨٦ ـ التقاء الحسينعليه‌السلام بالحر وإخباره بمصرع مسلم :

(تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ، ص ٢٥٦ ط ٢ نجف)

قال علماء السير : ولم يزل الحسينعليه‌السلام قاصدا الكوفة ، مجدّا في السير ، ولا علم له بما جرى على مسلم بن عقيل. حتّى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال تلقّاه الحر بن يزيد التميمي ، فسلّم عليه وقال له : أين تريد يابن رسول الله؟. فقال :أريد هذا المصر. فقال له : ارجع فوالله ما تركت لك خلفي خيرا ترجوه. وأخبره بقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة. وقدوم ابن زياد الكوفة واستعداده له.

فهمّ بالرجوع ، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل ، فقالوا : والله لا نرجع حتّى نصيب بثأرنا أو نقتل. فقالعليه‌السلام : لا خير في الحياة بعدكم(١) .

«البيضة»

٦٨٧ ـ من كتاب للحسينعليه‌السلام إلى أشراف الكوفة بعد علمه بمقتل مسلم ابن عقيل ، يدعوهم فيه إلى البرّ بعهودهم ، ويبيّن لهم أن الهدف من نهضته هو تقويم الانحراف :

(مقتل الحسين للخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣٤)

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شداد وعبد الله بن وال وجماعة المؤمنين. أما بعد فقد علمتم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال في حياته : «من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ثم لم يغيّر بقول ولا فعل ، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله».وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا في الأرض الفساد ، وعطّلوا الحدود والأحكام ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله. وإني أحقّ بهذا الأمر ، لقرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن وفيتم لي بيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهليكم وأولادكم ، فلكم بي أسوة. وإن لم تفعلوا

__________________

(١) تاريخ الطبري ، ج ٦ ص ٢٢٠.

٥٧١

ونقضتم عهودكم ونكثتم بيعتكم ، فلعمري ما هي منكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرور من اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) [الفتح : ١٠] وسيغني الله عنكم والسلام. ثم طوى الكتاب وختمه ، ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي ، وأمره أن يسير به إلى الكوفة(١) .

استشهاد قيس بن مسهر الصّيداويرحمه‌الله

٦٨٨ ـ مصرع قيس بن مسهر الصيداوي على يد عبيد الله بن زياد :

(المصدر السابق)

فلما انتهى قيس إلى القادسية ، اعترضه الحصين بن تميم [الصحيح : الحصين بن نمير] ليفتشه ، فأخرج قيس الكتاب وخرّقه. فحمله الحصين إلى ابن زياد. فلما مثل

__________________

(١) في اللهوف ص ٤٣ أن هذا الكتاب كتبه الحسينعليه‌السلام من الحاجر. وفي كتاب الفتوح لابن أعثم أنه كتبه في (عذيب الهجانات). وفي مناقب ابن شهراشوب أنه كتبه من كربلاء أول نزوله بها ، وأنه أرسله مع قيس بن مسهر. وذكر المقرم ص ٢١٨ نقلا عن تاريخ الطبري ج ٦ ص ٢٢٩ ، أن هذا الكلام خطبهعليه‌السلام في موضع (البيضة) بعد خطبتيه المتقدمتين في جماعة الحر ، وعليه فقد اختلف بين أن يكون هذا الكلام خطبة أم كتابا. وجاء في (لواعج الأشجان) ص ٩٤ أن ذكر لفظة (والسلام) في آخر الكلام على رواية الطبري وابن الأثير يؤيد أنه كتاب لا خطبة ، لأن ذلك متعارف في الكتب لا في الخطب. هذا وإن أغلب الروايات دلّت على أن إرسال قيس كان من الطريق لا من كربلاء كما روى ابن شهراشوب ، فضلا عن أن التمكن من إرساله من كربلاء بعيد ، والله أعلم.

(أقول) : وقد ذكرنا سابقا أن الحسينعليه‌السلام قد بعث قيس بن مسهر بكتاب إلى أهل الكوفة جوابا على كتاب مسلم من (الحاجر) وهو مغاير لهذا الكلام ، فإذا صحّ أن هذا الكلام هو كتاب لا خطبة ، وأنه بعثه مع قيس كما تدل الروايات ، فتكون نسبة الكتاب الأول إلى قيس غير صحيحة ، وأنها لعبد الله بن يقطر كما رجّحنا.

٥٧٢

بين يديه ، قال له : من أنت؟. قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه. قال : فلماذا خرّقت الكتاب؟. قال : لئلا تعلم ما فيه. قال : وممن الكتاب وإلى من؟. قال : من الحسينعليه‌السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم. فغضب ابن زياد ، فقال : والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم ، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين بن علي وأباه وأخاه ، وإلا قطّعتك إربا إربا.فقال قيس : أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأما سبّ الحسينعليه‌السلام وأبيه وأخيه فأفعل (وفي رواية أنه قال له : اصعد المنبر ، فسبّ الكذّاب ابن الكذاب ، الحسين ابن علي).

فصعد قيس المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي وآله ، وأكثر من الترحم على علي والحسن والحسينعليهم‌السلام ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بني أمية. ثم قال : أيها الناس ، إن هذا الحسين بن عليعليهما‌السلام خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنا رسوله إليكم ، وقد خلّفته (بالحاجر) فأجيبوه.

فأمر به ابن زياد ، فرمي من أعلى القصر ، فتقطعّ (وتكسّرت عظامه) فمات.(وفي مقتل المقرم ص ٢١٩) ويقال : كان به رمق ، فذبحه عبد الملك ابن عمير اللخمي. فعيب عليه ، فقال : أردت أن أريحه.

ترجمة قيس بن مسهر الصيداوي

قيس أحد بني الصيداء ، وهي قبيلة من بني أسد. قال علماء السير : كان قيس رجلا شريفا شجاعا مخلصا في محبة أهل البيتعليهم‌السلام . وقد بعثه أهل الكوفة بكتبهم إلى الحسينعليه‌السلام بمكة ، ثم أرسله الحسينعليه‌السلام مع مسلم بن عقيل ، ثم أرجعه مسلم بكتاب منه إلى الحسين ، فردّعليه‌السلام الجواب معه.وبقي مصاحبا لمسلم حتّى أتى الكوفة ، ولما بايعه من بايعه من أهلها كتب إلى الحسين مع قيس إلى مكة. وبقي قيس مع الحسينعليه‌السلام حتّى بلغ (الحاجر) ، فبعثه إلى أهل الكوفة بكتاب ، فأمسكه الحصين بن نمير كما ذكرنا ، وقتله.

٥٧٣

توضيح : (حول مهمات الشهيد قيس بن مسهر)

كانت مهمات قيس بن مسهر الصيداوي خطيرة ، وهي تأمين المراسلة بين الحسينعليه‌السلام والعراق. فبعثه أهل الكوفة أولا برسالة إلى الحسينعليه‌السلام وهو بمكة. ثم صحب مسلم بن عقيل حتّى قدم الكوفة. ثم بعثه مسلم برسالة إلى الحسينعليه‌السلام يخبره فيها بمبايعة أهل الكوفة. ثم حين خرج الحسينعليه‌السلام من مكة إلى العراق صحبه قيس ، حتّى إذا انتهىعليه‌السلام إلى الحاجر بعثه إلى أهل الكوفة يخبرهم بقدومه. وفي الطريق قبض عليه الحصين بن نمير التميمي ، فأتلف الرسالة كما مرّ ، وجيء به إلى ابن زياد فقتله صبرا ، رضوان الله عليه.

وبما أن هناك تضاربا كبيرا بين استشهاد (عبد الله بن يقطر)و (قيس بن مسهر) فقد رجّحنا أن يكون الحسينعليه‌السلام بعث عبد الله بن يقطر بكتاب من (الحاجر) وبلغه نبأ استشهاده في (زبالة). ثم بعث قيس بن مسهر بكتاب من (البيضة) ووصله خبر استشهاده في (العذيب) ، فهذا أقرب إلى تسلسل الأحداث والروايات كما أسلفنا.

«الرّهيمة»

٦٨٩ ـ محاورة الحسينعليه‌السلام مع رجل من أهل الكوفة يدعى أبا هرّة الأزدي :

(مقتل الخوارزمي ، ج ١ ص ٢٢٦)

ولما أصبحعليه‌السلام إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرّة الأزدي(١) قد أتاه فسلّم عليه ، ثم قال له : يابن رسول الله ما الّذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟. فقال له الحسينعليه‌السلام : يا أبا هرّة إن بني أمية قد أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت. يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنّهم الله تعالى ذلا شاملا وسيفا قاطعا ، وليسلّطنّ الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم.

__________________

(١) هذا الكلام مطابق لما جاء في (اللهوف) ص ٣٩. وذكر المقرم في مقتله ص ٢١٨ هذا الكلام أنه جرى بين الحسينعليه‌السلام ورجل من أهل الكوفة يقال له أبو هرم ، وذلك في موضع يدعى (الرهيمة) نقلا عن (أمالي الصدوق) ص ٩٣. وفي مقتل الخوارزمي ومثير الأحزان لابن نما ، أنه جرى في (الثعلبية).

٥٧٤

«عذيب الهجانات»

٦٩٠ ـ وصول خبر مصرع قيس بن مسهر الصيداوي في (عذيب الهجانات):

(تاريخ الطبري ، ج ٦ ص ٢٣٠ ط أولى مصر)

فلما وصل الحسينعليه‌السلام إلى (عذيب الهجانات)(١) فإذا بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة ، وهم : عمرو بن خالد الصيداوي ، وسعد مولاه ، ومجمع ابن عبد الله المذحجي ، ونافع بن هلال. ومعهم دليلهم الطرمّاح بن عدي على فرسه ، وكان قد امتار لأهله من الكوفة ميرة. فخرج بهم على غير الطريق ، حتّى إذا قاربوا الحسينعليه‌السلام حدا بهم الطرماح يقول :

(مقتل الحسين للخوارزمي ، ج ١ ص ٢٣٣)

يا ناقتي لا تذعري من زجري

وشمّري قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر

آل رسول الله أهل الفخر

السادة البيض الوجوه الغرّ

الطاعنين بالرماح السّمر

الضاربين بالصفاح البتر

حتّى تحليّ بكريم النّجر

الماجد الحر الرحيب الصدر

أتى به الله لخير أمر

عمّره الله بقاء الدهر

وزاده من طيّبات الذكر

يا مالك النفع معا والضرّ

أيّد حسينا سيدي بالنصر

على الطغاة من بقايا الكفر

على اللعينين سليلي صخر

يزيد لا زال حليف الخمر

وابن زياد العاهر ابن العهر

فقال لهم الحسينعليه‌السلام : أخبروني خبر الناس وراءكم. فقال له مجمع بن عبد الله العائذي وهو أحد الأربعة : أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم [الغرائر : جمع غرارة ، وهي الكيس من الشعر أو الصوف] يستمال ودّهم ، ويستخلص به نصيحتهم ، فهم إلب واحد [أي جماعة] عليك. وأما سائر الناس بعد ، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. قال : أخبروني فهل

__________________

(١) ذكر المقرم في مقتله ص ٢٢٠ هذا الموضع ولم يذكره الخوارزمي. وذكر أبو مخنف في مقتله مثل هذا الكلام ص ٤٦. وعذيب الهجانات : موضع كان النعمان بن المنذر يضع فيه هجانه لترعى ، فسمي : عذيب الهجانات.

٥٧٥

لكم برسولي إليكم؟. قالوا : من هو؟. قال : قيس بن مسهر الصيداوي. فقالوا :نعم ، أخذه الحصين بن نمير ، فبعث به إلى ابن زياد فقتله. فترقرقت عينا الحسينعليه‌السلام ولم يملك دمعه. ثم قال :( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (٢٣) [الأحزاب : ٢٣]. الله م اجعل لنا ولهم الجنة نزلا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك ، يا أرحم الراحمين.

٦٩١ ـ نصيحة الطرماح ودعوته للحسينعليه‌السلام إلى قومه من طيء :

(الكامل في التاريخ لابن الأثير ، ج ٣ ص ٣٧٧)

وقال الطرمّاح بن عدي : والله (لا) أرى معك كثير أحد ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم. ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة ، وفيه من الناس ما لم تر عيناي ـ جمعا في صعيد واحد ـ أكثر منه قط ، ليسيروا إليك. فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل. فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به ، حتّى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع ، فسر حتّى أنزلك جبلنا (أجأ)(١) فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ، ومن الأحمر والأبيض. والله ما إن دخل علينا ذل قط ، فأسير معك حتّى أنزلك القرية. ثم تبعث إلى الرجال ممن ب (أجا) وسلمى من طيّئ ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالا وركبانا. ثم أقم فينا ما بدا لك. فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي ، يضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف.

فجزاه الحسينعليه‌السلام وقومه خيرا ، وقال : إن بيننا وبين القوم عهدا وميثاقا ، ولسنا نقدر على الانصراف حتّى تتصرف بنا وبهم الأمور في عاقبة.

فاستأذن الطرمّاح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ، ويعجّل المجيء لنصرته ، فأذن له ، وصحبه الباقون.

فأوصل الطرماح الميرة إلى أهله ورجع سريعا ، فلما بلغ (عذيب الهجانات) بلغه خبر قتل الحسينعليه‌السلام ، فرجع إلى أهله(٢) .

__________________

(١) لدى الرجوع إلى المصورات الجغرافية ، تبّين أن (أجا) جبل يقع إلى جهة الغرب من بلدة (حائل) المعروفة في السعودية.

(٢) تاريخ الطبري ، ج ٦ ص ٢٣٠.

٥٧٦

(أقول) : هذا معارض لبعض الروايات التي تقول : إن الطرماح كان مع الحسينعليه‌السلام في كربلاء. وبعضها يذكر أنه جرح وسقط عن فرسه وبه رمق ، فأخذه قومه وداووه وبرئ. بينما يذكر بعضها أنه استشهد مع الحسينعليه‌السلام .

«قصر بني مقاتل»

٦٩٢ ـ محاورة الحسينعليه‌السلام مع عبيد الله بن الحر الجعفي في (قصر بني مقاتل) ودعوته إلى نصرته فأبى :

(مقتل الخوارزمي ، ج ١ ص ٢٢٧ ؛ ومقتل المقرّم ، ص ٢٢٤)

ثم سار الحسينعليه‌السلام حتّى نزل (قصر بني مقاتل) ، فإذا بفسطاط مضروب(١) ورمح مركوز وسيف معلق وفرس واقف على مذود [أي معتلف]. فقال الحسينعليه‌السلام : لمن هذا الفسطاط؟. فقيل : لرجل يقال له عبيد الله بن الحر الجعفي.

وحكى في (القمقام) أن عبيد الله بن الحر كان عثمانيا ، وكان يعدّ من الشجعان ومن فرسان العرب ، وكان في وقعة صفين في جيش معاوية. ولما قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام انتقل إلى الكوفة وكان بها. حتّى إذا بلغه قدوم الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة خرج منها لئلا يحضر قتله».

فأرسل إليه الحسينعليه‌السلام برجل من أصحابه يقال له : الحجاج بن مسروق الجعفي. فأقبل حتّى دخل عليه في فسطاطه ، فسلّم عليه ، فردّ عليه عبيد الله السلام.ثم قال له : ما وراءك؟. قال : ورائي والله يابن الحر الخير. إن الله تعالى قد أهدى إليك كرامة عظيمة إن قبلتها. فقال عبيد الله : وما ذاك؟. قال الحجاج : هذا الحسين ابن عليعليهما‌السلام يدعوك إلى نصرته ، فإن قاتلت بين يديه أجرت ، وإن قتلت استشهدت. فقال عبيد الله : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله يا حجّاج ما خرجت من الكوفة إلا مخافة أن يدخلها الحسينعليه‌السلام وأنا فيها لا أنصره. فإنه ليس له فيها

__________________

(١) أورد الخوارزمي في مقتله أن ملاقاة عبيد الله بن الحر كانت بين الثعلبية وزرود. وذكر الجواهري في مثيره ص ٤٢ أن ملاقاته كانت في القطقطانية قبل قصر بني مقاتل. بينما ذكر المقرم في مقتله هذا الموضع ص ٢٢٢. وفي معجم البلدان : قصر بني مقاتل موضع بين عين التمر والشام. وفي ظني أنه هو قصر الأخيضر.

٥٧٧

شيعة ولا أنصار إلا مالوا إلى الدنيا وزخرفها ، إلا من عصم الله منهم. فرجع إليه وأخبره بذلك.

فقام الحسينعليه‌السلام فانتعل ، ثم صار إليه في جماعة من أهل بيته وإخوانه ، فدخل عليه الفسطاط ، فوسّع له عن صدر المجلس.

يقول ابن الحر : ما رأيت أحدا قطّ أحسن من الحسين ولا أملأ للعين منه ، ولا رققت على أحد قط رقّتي عليه ، حين رأيته يمشي والصبيان حوله. ونظرت إلى لحيته فرأيتها كأنها جناح غراب ، فقلت له : أسواد أم خضاب؟. قال : يابن الحر عجّل عليّ الشيب. فعرفت أنه خضاب(١) .

ولما استقرّ المجلس بالحسينعليه‌السلام حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يابن الحر ، فإن أهل مصركم هذا كتبوا إليّ وأخبروني أنهم مجتمعون عليّ أن ينصروني وأن يقوموا من دوني ، وأن يقاتلوا عدوي. وسألوني القدوم عليهم ، فقدمت ولست أرى الأمر على ما زعموا ، لأنهم قد أعانوا على قتل مسلم بن عقيل ابن عمي وشيعته ، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد ، مبايعين ليزيد بن معاوية.

يابن الحر إن الله تعالى مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية ، وإني أدعوك إلى توبة تغسل ما عليك من الذنوب. أدعوك إلى نصرتنا أهل البيت ، فإن أعطينا حقنا حمدنا الله تبارك وتعالى على ذلك وقبلناه ، وإن منعنا حقنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحق. فقال له عبيد الله : يابن رسول الله لو كان بالكوفة لك شيعة وأنصار يقاتلون معك لكنت أنا من أشدهم على عدوك ، ولكن يابن رسول الله رأيت شيعتك بالكوفة قد لزموا منازلهم خوفا من سيوف بني أمية ، فأنشدك الله يابن رسول الله أن تطلب مني غير هذه المنزلة ، وأنا أواسيك بما أقدر عليه. خذ إليك فرسي هذه (الملحقة) فوالله ما طلبت عليها شيئا قط إلا وقد لحقته ، ولا طلبت قط وأنا عليها فأدركت. وخذ سيفي هذا فوالله ما ضربت به شيئا إلا أذقته حياض الموت. فأعرض عنه الحسينعليه‌السلام بوجهه ، ثم قال : يابن الحر إنا لم نأتك لفرسك وسيفك ، إنما أتيناك نسألك النصرة ، فإن كنت بخلت علينا في

__________________

(١) لم يورد الخوارزمي هذه الفقرة في مقتله ، بل أوردها المقرم ص ٢٢٤ نقلا عن (خزانة الأدب) للبغدادي ، ج ١ ص ٢٩٨ ط بولاق ، وأنساب الأشراف ، ج ٥ ص ٢٩١.

٥٧٨

نفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك ، ولم أكن بالذي أتّخذ المضلّين عضدا(١) .(وفي اللواعج ص ٩٩ : ثم تلا قوله تعالى :( وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (٥١) [الكهف : ٥١]. ولكن فرّ فلا لنا ولا علينا ، لأني قد سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «من سمع بواعية أهل بيتي ، ثم لم ينصرهم على حقهم ، أكبّه الله على وجهه في نار جهنم». ثم قام الحسينعليه‌السلام من عنده وصار إلى رحله.

ـ تعليق السيد مرتضى العسكري :

(مرآة العقول للمجلسي ـ مقدمة الكتاب لمرتضى العسكري ، ج ٢ ص ٢١٥)

قال السيد مرتضى العسكري : لعل الباحث يجد تناقضا بين موقف الإمامعليه‌السلام ممن تجمّع عليه في منزل (زبالة) يفرّقهم من حوله ، وبين موقف الإمام هنا مع ابن الحر ، وقبله مع زهير بن القين ، حيث كان يدعو الناس فرادى وجماعات إلى نصرته. ولكن من تدبّر في خطب الحسينعليه‌السلام وكلامه مع الناس ، أدرك أن الإمامعليه‌السلام كان يبحث عن أنصار حقيقيين ينضمون تحت لوائه ، ويبايعونه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واستنكار بيعة أئمة الضلالة ، أمثال يزيد.أنصارا واعين لأهداف قيامه ، يقاومون الإغراء بالدنيا ، يصارعون الحكم الغاشم حتّى يقتلوا في سبيل ذلك.

ترجمة عبيد الله بن الحر الجعفي

(مقتل الحسين للمقرّم ، ص ٢٢٣)

في تاريخ الطبري ، ج ٧ ص ١٦٨ : كان عبيد الله بن الحر عثماني العقيدة ، ولأجله خرج إلى معاوية ، وحارب عليا يوم صفين. وفي ص ١٦٩ ذكر أحاديث في تمرده على الشريعة بنهبه الأموال وقطعه الطرق. وذكر ابن الأثير في تاريخه ، ج ٤ ص ١١٢ : أنه لما أبطأ على زوجته في إقامته بالشام زوّجها

__________________

(١) ذكر هذا الكلام أبو مخنف في مقتله بشكل مختصر ، ص ٤٧ ، وذكر أنهعليه‌السلام نزل بهذا الموضع بعد (العذيب).

٥٧٩

أخوها من عكرمة بن الخبيص ، ولما بلغه الخبر جاء وخاصم عكرمة إلى الإمام (علي بن أبي طالب). فقال له : ظاهرت علينا عدونا!. قال ابن الحر :أيمنعني عدلك من ذلك؟. فقالعليه‌السلام : لا. ثم أخذ أمير المؤمنين المرأة وكانت حبلى ، فوضعها عند ثقة حتّى وضعت ، فألحق الولد بعكرمة ، ودفع المرأة إلى عبيد الله ابن الحر ، فعاد إلى الشام إلى أن قتل الإمام عليعليه‌السلام .

وفي أيام عبد الملك سنة ٦٨ ه‍ قتل عبيد الله بالقرب من الأنبار.

ويذكر ابن حبيب في (المحبّر) ص ٤٩٢ : أن مصعب بن الزبير نصب رأس عبيد الله بن الحر الجعفي بالكوفة.

وجاء في (مجالس المؤمنين) : أن أول من زار حائر الحسينعليه‌السلام بعد مقتله هو عبيد الله بن الحر الجعفي. وقف على القبر الشريف واستعبر باكيا على ما فاته من القيام بالشهادة ، وفوزه بمراتب السعادة ، بين يدي سيّد السادة.

وفي (العيون العبرى) للسيد إبراهيم الميانجي ، ص ٧٥ :

ولعبيد الله هذا أشعار رائقة تخبر عن ندامته على قعوده عن نصرة الحسينعليه‌السلام . ويظهر من (مقتل الخوارزمي) أنه أنشدها على قبر الحسينعليه‌السلام ، فضجّ من معه بالبكاء والعويل والنحيب ، وأقاموا عند القبر يومهم ذلك وليلتهم يصلّون ويبكون ويتضرعون ، منها:

فيا لك حسرة ما دمت حيا

تردّد بين صدري والتراقي

حسين حين يطلب نصر مثلي

على أهل الضلالة والنفاق

غداة يقول لي بالقصر قولا

أتتركني وتزمع بالفراق

ولو أني أواسيه بنفسي

لنلت كرامة يوم التّلاق

مع ابن المصطفى نفسي فداه

تولى ، ثم ودّع بانطلاق

فلو فلق التلهّف قلب حيّ

لهمّ اليوم قلبي بانفلاق

فقد فاز الألى نصروا حسينا

وخاب الآخرون ذوو النفاق

٥٨٠

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780

781

782

783

784

785

786

787

788

789

790

791

792

793

794

795

796

797

798

799

800

801

802

803

804

805

806

807

808

809

810

811

812

813

814

815

816

817

818

819

820

821

822

823

824

825

826

827

828

829

830

831

832

833

834

835

836

837

838

839

840

841

842

843

844

845

846

847

848

849

850

851

852

853

854

855

856

857

858

859

860

861

862

863

864

865

866

867

868

869

870

871

872

873

874

875

876

877

878

879

880

881

882

883

884

885

886

887

888

889

890

891

892

893

894

895

896

897

898

899

900

الشيخ عبد السلام : إذا أثبتّم بهذه الأدلّة أنّ آباء النبي (ص) من عبد الله إلى آدم كلهم كانوا مؤمنين بالله سبحانه فيتعيّن ذلك فيه ويكون من خصائصه ، فلا تشمل الأدلة والد عليّ (كرّم الله وجهه) ، فقد ثبت أنّ أبا طالب مات مشركا ولم يؤمن بالله سبحانه.

إيمان أبي طالبعليه‌السلام

قلت : نعم لقد اختلف المؤرخون في إيمان أبي طالبعليه‌السلام ، ولكن المحقق المنصف يعرف أنّ القول بكفر أبي طالب وشركه صادر من أعداء الإمام عليّعليه‌السلام ومناوئيه من الخوارج والنواصب ، أرادوا بذلك الحطّ من كرامة عليّعليه‌السلام ، وتنزيل مقامه المنيع ، وتقليل شأنه الرفيع.

ثم إن بعض الأعلام قد نقلوا هذا الخبر من غير تحقيق وتدبّر ، وتناقله آخرون من كتاب إلى كتاب بغير تعمّق وتفكّر ، حتى آل اليوم إليكم ، وأنتم تنقلونه وترسلونه إرسال المسلّمات ، ولو كنتم تتدبرون في الأخبار ، وتنقلون الروايات بعد التحقيق ، ما تفوّهتم بهذا الكلام ،

__________________

[خلقا وما خلق الوجود ، كلاهما

نوران من نور العليّ تفضّلا

في علمه المخزون مجتمعان لن

يتفرّقا أبدا ولن يتحوّلا

وتقلّبا في الساجدين وأودعا

في أطهر الأرحام ثم تنقّلا

حتى استقرّ النور نورا واحدا

في شيبة الحمد بن هاشم يجتلى

قسما لحكم ارتضاه فكان ذا

نعم الوصي وذاك أشرف مرسلا

فعليّ نفس محمد ووصيّه

وأمينه وسواه مأمون فلا]

«المترجم»

٩٠١

وما قلتم أنّ أبا طالبعليه‌السلام مات مشركا. إذ إنّ جمهور علماء الشيعة وأهل البيتعليهم‌السلام ، الذين جعلهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلام الهداية وعدل القرآن الحكيم ، وكذلك كثير من أعلامكم مثل ابن أبي الحديد ، وجلال الدين السيوطي ، وابي القاسم البلخي ، والعلاّمة أبي جعفر الإسكافي ، وآخرين من أعلام المعتزلة ، والعلاّمة الهمداني الشافعي ، وابن الأثير ، وغيره ذهبوا إلى أنّ أبا طالبعليه‌السلام أسلم في حياته واعتنق الدين الحنيف ومات مؤمنا ، بل اعتقاد الشيعة في أبي طالبعليه‌السلام ، أنّه آمن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أول الأمر ، وأمّا إيمانه بالله سبحانه كان فطريا ولم يكفر بالله طرفة عين ، وكما في الأخبار المرويّة عن أعلام العترة وأهل البيتعليهم‌السلام ، أنّه لم يعبد صنما قطّ ، وكان على دين إبراهيم الخليلعليه‌السلام وهو يعدّ من أوصيائه.

وأما قول أعلامكم ومؤرخيكم وعلمائكم المحققين منهم أنّه أسلم ، فقد قال ابن الأثير في كتاب جامع الأصول : وما أسلم من أعمام النبي غير حمزة والعبّاس وأبي طالب عند أهل البيتعليهم‌السلام .

ومن الواضح أنّ إجماع أهل البيتعليهم‌السلام مقبول عند المسلمين ولا يحق لمؤمن أن يردّه ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعلهم عدل القرآن ، وأرجع إليهم المسلمين في الأمور التي يختلفون فيها ، وجعل قولهم الفصل والحجّة والحق ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا». فجعل كلام الله وأهل البيت أمانا من التيه والضّلال.

وعلى القاعدة المشهورة [أهل البيت أدرى بما في البيت ، فهم أعلم بحال آبائهم وتاريخ حياة أسلافهم.]

فالغرابة والعجب منكم إذ تتركون قول أهل البيت الطيبينعليهم‌السلام ،

٩٠٢

وتتركون قول أمير المؤمنين وسيّد الصدّيقين والصادقين الذي شهد الله ورسوله بصدقه وتقواه ، ثم تأخذون كلام المغيرة بن شعبة الفاجر وتصدقون بني أميّة والخوارج والنواصب ، المخالفين والمناوئين للإمام عليّعليه‌السلام ، الذين دعاهم الحقد والحسد ، إلى جعل الأخبار والروايات الموضوعة ، للحطّ من كرامة الإمام عليّعليه‌السلام وتصغير شخصيّته العظيمة. وللأسف إنّكم تتمسّكون بتلك الأخبار الموضوعة من غير تدبّر وتحقيق ، وترسلونها إرسال المسلّمات ، وتؤكّدون على صحّتها بغير علم أتاكم.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ١٤ / ٦٥ ، ط إحياء التراث العربي [واختلف الناس في إيمان أبي طالب ، فقالت الإمامية وأكثر الزيديّة : ما مات إلاّ مسلما. وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك ، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي ، وأبو جعفر الإسكافي ، وغيرهما.]

أقول : والمشهور عندنا أنّه ما تظاهر بالإسلام بل أخفى ذلك ليتمكّن من نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذبّ عنه ، فإنّ المشركين من أهل مكة وقريش ، كانوا يراعون ذمّته ويقفون عند حدّهم إذا نظروا إليه ، فكانوا يهابون ، ويعظّمون جانبه إذ كانوا يحسبونه منهم.

الشيخ عبد السلام : أما سمعتم الحديث المروي عن النبي (ص) في عمه أنه قال «إنّ أبا طالب في ضحضاح من نار».

قلت : هذا الحديث مثل كثير من الأحاديث المرويّة في كتبكم ، موضوع وكذب وافتراء على النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فلا يخفى على المحقّق البصير ، والمنصف الخبير ، أنّ هذا الحديث وما شاكله مجعول وموضوع افتراه أعداء محمّد وآل محمّدعليهم‌السلام ، وذلك في عهد الأمويين

٩٠٣

وخاصّة معاوية بن أبي سفيان الذي خصّص أموالا طائلة لهذا الغرض الإلحادي. ولو عرفتم راوي هذا الخبر وفسقه وفجوره ، ما شككتم في كذبه وافترائه وعدم صحة أخباره.

فإنّ الراوي هو المغيرة بن شعبة ، من ألدّ أعداء الإمام عليّعليه‌السلام ، وهو الذي اتّهم بالزنا في البصرة وشهد عليه ثلاثة من الشهود عند عمر ، ولمّا أراد الرابع أداء الشهادة ، قاطعه عمر بجملة فأبى الرابع من أدائها ، فخلص المغيرة ، وأقام الحدّ على الشهود(١) .

__________________

(١) لقد نقل هذا الخبر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٢ / ٢٢٧ ط دار إحياء الكتب العربية ، قال [(الطعن السادس في عمر) أنّه عطّل حدّ الله في المغيرة بن شعبة ، لما شهد عليه بالزنا ولقّن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة ، اتّباعا لهواه ، فلمّا فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدّهم وضربهم.]

فبعد نقله الأقوال ، قال في صفحة ٢٣١ [أمّا المغيرة فلا شكّ عندي أنّه زنى بالمرأة ، ولكنّي لست أخطّئ عمر في درء الحدّ عنه ، وإنما أذكر أوّلا قصته من كتابي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، وأبي الفرج الأصفهاني ، ليعلم أنّ الرجل زنى بها لا محالة ، ثم اعتذر لعمر في درء الحدّ عنه ، فروى ابن أبي الحديد القصة بالتفصيل ثم قال في صفحة ٢٣٩ : فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل زنى بالمرأة لا محالة ، وكلّ كتب التواريخ والسّير تشهد بذلك.]

ثم نقل عن الأغاني خبرين آخرين ، قال أبو الفرج بعدهما وحكاه عنه ابن أبي الحديد في صفحة ٢٤١ [وإنّما أوردنا هذين الخبرين ليعلم السامع أنّ الخبر بزناه كان شائعا مشهورا مستفيضا بين الناس.]

أقول : هؤلاء الفسقة الفجرة ، المغيرة وأصحابه وأشباهه كانوا يضعون الأخبار ويفترون على الإمام عليّ عليه‌السلام وكلّ من ينسب إليه إرضاء لرغبات معاوية ، فيشترون مرضات المخلوق بسخط الخالق.

«المترجم»

٩٠٤

ثم نجد في رواته ، عبد الملك بن عمير ، وعبد العزيز الراوردي ، وسفيان الثوري ، الذين عدّهم علماؤكم المتخصصين بعلم الرجال في الجرح والتعديل ، مثل الذهبي في ميزان الاعتدال : ج ٢ / عدّهم من الضعفاء وردّ رواياتهم ، بل عدّ سفيان الثوري من المدلّسين الكذّابين.

فلا أدري كيف تعتمدون على رواية أولئك الكذّابين الوضّاعين؟!

الدلائل والشواهد على إيمان أبي طالبعليه‌السلام

أما الدلائل المثبتة لإيمان أبي طالبعليه‌السلام فكثيرة ، ولا ينكرها إلاّ من كان في قلبه مرض ، منها :

١ ـ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة». وأشار بسبّابته والوسطى منضمّتين مرفوعين ، نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٦٩ ، ط دار إحياء الكتب العربية ومن الواضح أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقصد بحديثه الشريف كلّ من يكفل يتيما ، فإنا نجد بعض الكافلين للأيتام لا يستحقون ذلك المقام وهو جوار سيد الأنام في الجنّة ، لأنهم إلى جنب كفالتهم لليتيم يعملون المعاصي الكبيرة ، والذنوب العظيمة ، التي يستحقون بها جهنّم لا محالة.

ولكنّه صلوات الله عليه قصد بحديثه الشريف جدّه عبد المطلب ، وعمّه أبا طالب ، الذين قاما بأمره ، وتكفّلاه ، وربّياه صغيرا ، حتى أنه صلوات الله عليه كان يعرف في مكة بيتيم أبي طالب ، بعد وفاة جده عبد المطلب ، فقد تكفّل أبو طالب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان في الثامنة من العمر ، وكان يفضّله على أولاده ويقيه بهم.

٢ ـ حديث مشهور بين الشيعة والسنّة رواه القاضي الشوكاني

٩٠٥

أيضا في الحديث القدسي ، أنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «نزل عليّ جبرئيل فقال : إنّ الله يقرؤك السلام ويقول : إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك ، وبطن حملك ، وحجر كفلك(١) ».

__________________

(١) روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٦٧ ، ط دار إحياء الكتب العربية روى حديثا أسنده إلى أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام أنّه قال «قال رسول الله (ص) : قال لي جبرائيل : إنّ الله مشفّعك في ستة : بطن حملتك : آمنة بنت وهب ، وصلب أنزلك : عبد الله بن عبد المطلب ، وحجر كفلك : أبي طالب ، وبيت آواك :عبد المطلب ، وأخ كان لك في الجاهلية ـ قيل : يا رسول الله وما كان فعله؟ قال : كان سخيّا يطعم الطعام ، ويجود بالنوال ـ ، وثدي أرضعتك : حليمة السعديّة بنت أبي ذؤيب».

وروى في صفحة ٦٨ عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه‌السلام قال «لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان ، وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه. ثم قال : ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين عليا عليه‌السلام كان يأمر أن يحجّ عن عبد الله ـ والد رسول الله (ص) ـ وعن أبيه أبي طالب في حياته ، ثم أوصى في وصيّته بالحج عنهم».

وقال في صفحة ٦٩ : وروي أنّ عليّ بن الحسين عليه‌السلام سئل عن هذا ـ أي عن إيمان أبي طالب ـ فقال «وا عجبا! إنّ الله تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر ، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات». ـ أي إذا كان أبو طالب غير مؤمن لفرّق رسول الله بينه وبين زوجته فاطمة بنت أسد حينما أسلمت.

وقال في صفحة ٧٠ : وقد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه‌السلام أنّ رسول الله (ص) قال «إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين ، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك ، فآتاه الله أجره مرّتين».

قال : وفي الحديث المشهور «إنّ جبرئيل عليه‌السلام قال للنبي (ص) ليلة مات أبو طالب : أخرج منها ـ أي من مكة ـ فقد مات ناصرك».

٩٠٦

لأبي طالبعليه‌السلام حق على كل مسلم

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٨٣ و ٨٤ ، ط دار إحياء التراث العربي [ولم استجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب ، فإنّي أعلم أنّه لولاه لما قامت للإسلام دعامة ، وأعلم أنّ حقه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، فكتبت :

ولو لا أبو طالب وابنه

لما مثّل الدين شخصا فقاما

فذاك بمكة آوى وحامى

وهذا بيثرب جسّ الحماما

تكفّل عبد مناف بأمر

واودى فكان عليّ تماما

فقل في ثبير مضى بعد ما

قضى ما قضاه وأبقى شماما

فلله ذا فاتحا للهدى

ولله ذا للمعالي ختاما

وما ضرّ مجد أبي طالب

جهول لغا أو بصير تعامى

كما لا يضرّ إياه الصبا

ح من ظنّ ضوء النهار الظلاما]

__________________

أقول : والله لو كان واحد من هذه الأخبار يرد في إسلام أيّ رجل غير أبي طالبعليه‌السلام ، لتسلّمه علماء العامة ومحدّثوهم بالقبول ، وتلقّوا إسلامه وإيمانه أمرا مسلّما بلا شكّ ولا ريب ، ولكنّا ويا للأسف نجد هذه الشبهات تلقى حول إيمان أبي طالب واسلامه ، من بعض علماء العامّة ، ولعلّ السبب في ذلك لأنّه والد الإمام عليّعليه‌السلام ، ولأنّ عليّا ابنه سلام الله عليه!!

«المترجم»

٩٠٧

أشعار أبي طالبعليه‌السلام في الإسلام

وأدلّ دليل على إيمان أبي طالبعليه‌السلام أشعاره الصريحة بتصديق النبي ودين الإسلام ، المطبوعة في ديوانه وفي كثير من كتب التاريخ والأدب ، وقد نقل بعضها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٧١ ـ ٨١ ، ط دار إحياء الكتاب العربي ، منها ميميّته المشهورة :

[يرجّون منا خطّة دون نيلها

ضراب وطعن بالوشيج المقوّم

يرجّون أن نسخى بقتل محمد

ولم تختضب سحر العوالي من الدّم

كذبتم وبيت الله حتى تفلّقوا

جماجم تلقى بالحطيم وزمزم

وتقطع أرحام وتنسى حليلة

حليلا ، ويغشى محرم بعد محرم

على ما مضى من مقتكم وعقوقكم

وغشيانكم في أمركم كلّ مأثم

وظلم نبيّ جاء يدعو إلى الهدى

وأمر أتى من عند ذي العرش قيّم(١) ]

__________________

(١) القصيدة ، مطلعها كما في الديوان :

(ألا من لهمّ أخر الليل معتم

طواني ، وأخرى النجم لمّا تفحّم)

«المترجم»

٩٠٨

وإليكم أيضا قصيدته اللاميّة الشهيرة والتي ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة وذكرها كثير من الأعلام وهي مطبوعة في ديوانه أنقل إلى مسامعكم بعضها :

[أعوذ بربّ البيت من كلّ طاعن

علينا بسوء أو يلوح بباطل

ومن فاجر يغتابنا بمغيبة

ومن ملحق في الدين ما لم نحاول

كذبتم وبيت الله نبزي محمدا

ولمّا نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرّع دونه

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاّك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد

وأحببته حبّ الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه فحميته

ودافعت عنه بالذرى والكواهل

فلا زال للدنيا جمالا لأهلها

وشينا لمن عادى وزين المحافل

وأيّده ربّ العباد بنصره

وأظهر دينا حقه غير باطل]

ومن شعره المطبوع في ديوانه ونقله ابن أبي الحديد أيضا :

(يا شاهد الله عليّ فاشهد

أنّي على دين النبيّ أحمد)

(من ضلّ في الدين فإنّي مهتد)

بالله عليكم أنصفوا!! هل يجوز أن ينسب قائل هذه الأبيات والكلمات ، الى الكفر!!

والله إنّه من الظلم والجفاء أن تنسبوا أبا طالب إلى الكفر ، بعد أن يشهد الله سبحانه بأنّه ، على دين النبي أحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الشيخ عبد السلام : أوّلا : هذه الأشعار ونسبتها إلى أبي طالب

٩٠٩

أخبار آحاد ، غير متواترة ، ولا اعتبار بخبر الواحد.

ثانيا : لم ينقل أحد بأنّ أبا طالب أقرّ بالإسلام وتفوّه بكلمة التوحيد : لا إله الاّ الله. بل قالوا : ما أقرّ إلى أن مات.

قلت : وا عجبا! إنكم جعلتم حجّية التواتر وخبر الواحد حسب ميلكم ، فتارة تتمسكون بخبر الواحد وتصرّون على حجّيته مثل الخبر الذي رواه أبو بكر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» قبلتم به مع تعارضه للآيات القرآنية!!

ثم إذا كان التواتر عندكم شرط صحة الخبر ، فكيف تستدلّون بحديث رواه المغيرة بن شعبة الفاسق الفاجر ، بأن أبا طالب في ضحضاح من النار ، وليس لهذا الحديث راو آخر(١) .

ولا يخفى على المحقّق البصير والمدقّق الخبير أنّ أخبار الآحاد حول إيمان أبي طالب والأشعار المنسوبة إليه لو جمعت لحصل منها التواتر المعنوي ـ أي حصل منها معنى واحد وهو إيمان أبي طالب ـ فانّ كثيرا من الأمور حصل فيها التواتر عن هذا الطريق ، مثل شجاعة الإمام عليّعليه‌السلام ، فإنّ أخبار الآحاد عن بطولته في الميادين وجهاده في ساحات القتال ، كشفت عن شجاعته وبسالته بالتواتر.

__________________

(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٧٠ ، ط إحياء الكتب العربية :[وأما حديث الضّحضاح من النار ، فإنّما يرويه الناس كلّهم عن رجل واحد وهو المغيرة بن شعبة ، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص لعليّ ٧ مشهور معلوم ، وقصته وفسقه أمر غير خاف.]

«المترجم»

٩١٠

إقرار أبي طالبعليه‌السلام بالتوحيد

وأما قولك : لم ينقل أحد أنّ أبا طالب أقرّ بالإسلام والتوحيد! فهو تحكّم وباطل ، فهو ادّعاء واه بغير أساس ودليل ، لأنّ الإقرار لا يكون موقوفا على صيغة معيّنة ، ولا منحصرا بتركيب واحد. بل يحصل بالنثر والشعر بأي شكل كان تركيبه إذا فهم منه الإقرار ، وكان صريحا وبليغا.

والآن أنشدكم الله أيها الحاضرون!! أيّ إقرار أصرح وأبلغ من هذا الكلام الذي قاله أبو طالب :

(يا شاهد الله عليّ فاشهد

أنّي على دين النبي أحمد)

وإضافة على هذا البيت وغيره من أشعاره الصريحة في إيمانه وإسلامه ، فقد روى الحافظ أبو نعيم ، والحافظ البيهقي [أنّ صناديد قريش مثل أبي جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، عادوا أبا طالب في مرضه الذي توفّى فيه ، وكان النبي (ص) حاضرا فقال لعمه أبي طالب «يا عم قل لا إله إلاّ الله ، حتى أشهد لك عند ربّي تبارك وتعالى». فقال أبو جهل وابن أبي أمية : يا أبا طالب أترجع عن ملّة عبد المطلب! وما زالوا به. حتى قال :

اعلموا أنّ أبا طالب على ملة عبد المطلب ولا يرجع عنها.

فسرّوا وفرحوا وخرجوا من عنده ، ثم اشتدّت عليه سكرة الموت وكان العباس أخوه جالسا عند رأسه ، فرأى شفتيه تتحركان ، فانصت له واستمع وإذا هو يقول : لا إله إلاّ الله. فتوجّه العباس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها ـ ولم يذكر

٩١١

العباس كلمة التوحيد لأنه كان بعدُ كافراً ـ.

ولا يخفى أنّنا أثبتنا من قبل أنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلهم كانوا موحدين ومؤمنين بالله يعبدونه ولا يشركون به شيئا.

فلما قال أبو طالب في آخر ساعات حياته : اعلموا أنّ أبا طالب على ملّة عبد المطلب ، ولا شك أنّ عبد المطّلب كان على ملّة أبيه إبراهيم مؤمنا بالله موحّدا ، فكذلك أبو طالبعليه‌السلام .

مضافا إلى ذلك فقد تفوّه ونطق بكلمة التوحيد وسمعه أخوه العبّاس يقول : لا إله إلاّ الله.

فإيمان أبي طالب ثابت عند كل منصف بعيد عن اللجاج والعناد.

موقف أبي طالبعليه‌السلام من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إذا كان أبو طالبعليه‌السلام مشركا كما يزعم بعض الناس ، كان من المتوقّع أن يعارض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حين إعلانه النبوّة والرسالة ، إذ جاء إليه وقال : إنّ الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك يا عمّ؟

فلو كان أبو طالب غير مؤمن بكلامه وغير معتقد برسالته ، لكان من المفروض أن ينتصر لدين قريش ومعتقدات قومه ، فينهاه عن ذلك الكلام ويوبّخه ويؤنّبه ، بل يحبسه حتى يرجع عن كلامه أو يطرده ولا يؤويه ولا يحميه كآزر عم إبراهيم الخليلعليه‌السلام فحينما سمع من الخليل كلاما يخالف دينه ودين قومه ، هدّده وهجره ، وقد حكى الله سبحانه ذلك في كتابه الكريم سورة مريم / ٤٣ قال حكاية عن قول إبراهيمعليه‌السلام :( إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا قالَ

٩١٢

أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (١)

ولكنّ أبا طالبعليه‌السلام حينما سمع ابن أخيه يقول : إنّ الله أنبأني واستنبأني ، وأمرني بإظهار أمري ، فما عندك يا عمّ؟

أيّده وأعلن نصرته له بقوله [أخرج يا ابن أخي! فإنّك الرفيع كعبا ، والمنيع حزبا ، والأعلى أبا ، والله لا يسلقك لسان إلاّ سلقته ألسن حداد ، واجتذبته سيوف حداد ، والله لنذلّلنّ لك العرب ذل البهم لحاضنها.

ثم أنشأ قائلا :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسّد في التراب دفينا

فانفذ لأمرك ما عليك مخافة

وأبشر وقرّ بذاك منه عيونا

ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي

ولقد صدقت وكنت قبل أمينا

وعرضت دينا قد علمت بأنّه

من خير أديان البريّة دينا

لو لا الملامة أو حذاري سبّه

لوجدتني سمحا بذاك مبينا]

ذكر هذا الشعر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١٤ / ٥٥ ط إحياء الكتب العربية ، ونقله سبط ابن الجوزي في التذكرة : ١٨ ، ط بيروت ، وتجده في ديوان أبي طالب أيضا.

ولو راجعتم ديوانه ، وما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، لوجدتم أشعارا أخرى صريحة في تصديق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي إعلان نصرته والذبّ عنه.

فأنصفوا أيها الحاضرون ، وخاصّة أنتم أيها العلماء! هل يجوز لكم أن تنسبوا قائل هذه الكلمات إلى الكفر والشرك؟!

__________________

(١) سورة مريم ، الآية ٤٦.

٩١٣

أم إنّها تنبئ عن إيمان واسلام قائلها وأنّه مؤمن حقيقي ومسلم ملتزم ومتمسّك بما جاء به محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

كما اعترف بذلك بعض أعلامكم ، فقد نقل الشيخ الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة / الباب الثاني والخمسون نقل من رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [وحامي النبي ، ومعينه ، ومحبّه ، أشدّ حبّا ، وكفيله ، ومربّيه ، والمقرّ بنبوّته ، والمعترف برسالته ؛ والمنشد في مناقبه أبياتا كثيرة ، وشيخ قريش : أبو طالب.]

لقائل أن يقول : إذا كانت هذه التصريحات من أبي طالب في تصديق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتأييده ونصرته والدفاع عنه ، فكيف نجد أكثر المؤرخين وأصحاب السّير ذهبوا إلى كفره أو التوقف في إيمانه؟!

والجواب : إنّ الدعايات الأمويّة ـ خاصّه في زمان معاويّة ـ لعبت دورا هامّا في مثل هذه الأمور ، فمن سنحت له الفرصة أن يأمر بسب أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ويأمر بلعنه ولعن ولديه الحسن والحسين سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وريحانتيه وحبيبيه ويشتمهم على رءوس الأشهاد وعلى منابر الإسلام والمسلمين ، حتى صارت هذه المنكرات عادة جارية حتى في قنوت الصلوات وخطب الجمعات ، فمن اتيحت له هكذا فرصة وقام بقلب الحقائق وتغيير الوقائع وتبديل الحق بالباطل وبالعكس ، فهل يأبى إنكار إيمان أبي طالبعليه‌السلام وبث الدعايات في أنّه مات كافرا ، أم يعجز من ذلك ويصعب عليه؟!

والأعجب أنّ معاوية وأباه وكذلك ابنه يزيد رءوس الكفر

٩١٤

والنفاق ، مع كثرة الدلائل المذكورة في تاريخهم الدالّة على كفرهم وإلحادهم وعدم إيمانهم ، يظهرون للمسلمين بظاهر الإيمان بل يعدّ معاوية وابنه من أمراء المؤمنين إلى يومنا هذا ، فهؤلاء مع سوابقهم في محاربة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعاندتهم للدين ، ودخولهم في الإسلام كرها بعد عام الفتح ، ثم نفاقهم وشقاقهم بين المسلمين وقتالهم لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتحرّكاتهم العدوانية وأعمالهم الشيطانية على الإسلام ، والقيام بالأعمال الوحشيّة ، والتهجّمات البشعة على بلاد المسلمين والناس الآمنين ، ونهب أموالهم ، وقتل رجالهم ، وهتك أعراضهم مثل هجوم بسر بن أرطاة على الطائف واليمن والأنبار وغيرها ، وهجوم الأعور بني مرّة مسلم بن عقبة بجيش الشام على مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في واقعة الحرّة ، ونقض معاوية عهده مع الامام الحسنعليه‌السلام وقتله بالسم ، وكذلك قتله حجر بن عدي وأصحابه ، وغيره من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقتل يزيد حسيناعليه‌السلام وسبي أهله وحريمه ، وغير ذلك من الأعمال العدوانية والكفر والالحاد المشهود منهم والمشهور عنهم في التاريخ ، كل هذا وتحسبونهم من أمراء المؤمنين! لعنهم الله!!

ولكن أبا طالب مع تلك المواقف المشرفة ، والسوابق المشرقة التي هي اظهر من الشمس ، تقولون ما آمن ومات مشركا!! أما يكون هذا وذاك من تأثير الدعايات الامويّة؟!

معاوية خال المؤمنين!!

الشيخ عبد السلام : لا يجوز هذه التعابير السيّئة على معاوية

٩١٥

ويزيد ، ولا يجوز لعنهما فإنهما من كبار خلفاء النبي (ص) ، ولا سيما معاوية (رض) فانّه خال المؤمنين وكاتب الوحي ، ولم يقتل الحسن بن علي (رض) ، بل قتلته زوجته جعدة بنت الأشعث.

قلت : من أين جاءه هذا اللقب؟ وكيف صار معاوية خال المؤمنين؟!

الشيخ عبد السلام : لأن أم حبيبة ـ زوجة رسول الله (ص) ـ هي بنت أبي سفيان وأخت معاوية ، تكون أم المؤمنين فيكون أخوها معاوية خال المؤمنين!

قلت : هل أم المؤمنين عائشة ، عندكم مقامها أعلا أم أخت معاوية أمّ حبيبة؟

الشيخ عبد السلام : زوجات رسول الله (ص) وإن كنّ كلهنّ أمهات المؤمنين كما هو تعبير القرآن الحكيم ، إلاّ أنّ عائشة تمتاز عن قريناتها وهي أفضلهن وأعلاهن مقاما(١) .

__________________

(١) هذا مخالف للنص الصريح المروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتبكم فأفضل نسائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخيرهن خديجةعليها‌السلام ، وبرواية عائشة نفسها حيث تقول : «كان النبي يكثر ذكرها» فربما قلت له : كأنما لم يكن في الدنيا امرأة إلاّ خديجة ، فيقول : كلا والله ، ما أبدلني الله خيرا منها إنها كانت وكانت : آمنت إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء». (راجع تفصيل الخبر في رواياته عند البخاري في صحيحه ج ١٦ ص ٢٢٧ ـ ٢٨٢ بشرح العيني ، وعند أحمد في المسند ، وعند الطبراني من رواية ابن أبي نجيح).

كما روى الإمام علي عليه‌السلام عن النبي صلّى الله عليه [وآله] أنه قال «خير نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة.» يعني في دنيا الأولى وفي دنيا الثانية. (راجع عمدة القاري شرح صحيح البخاري : ج ١٦ في فضائل خديجة). «المترجم»

٩١٦

لم لا يلقّب محمد بن أبي بكر بخال المؤمنين؟

قلت : إذا كان معاوية خال المؤمنين لأنّه أخ لإحدى زوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجميع أخوات زوجات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالات المؤمنين ، وجميع إخوان زوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكونون أخوال المؤمنين ، فلما ذا لقّبتم معاوية وحده بخال المؤمنين ولم تلقّبوا محمد بن أبي بكر وغيره بهذا اللقب؟!

ثم إذا كانت أخوّة معاوية لزوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعدّ فضيلة وشرفا فأبوّة حيي بن أخطب اليهودي لصفيّة زوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجب أن تعدّ له فضيلة وشرف أيضا!!

وإنما انفرد معاوية بهذا اللقب ، لأنّه تزعم المنافقين والنواصب وقاد جيوش الضلال لحرب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وسنّ لعنه وسبّه على منابر المسلمين!

معاوية : قاتل الإمام الحسنعليه‌السلام

وأما قتله للإمام الحسن سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو وإن لم يكن فيه مباشرا ، ولكنه كان هو السبب والمحرّض في ذلك ، فقد نقل أكثر المؤرخين والمحدّثين منهم ابن عبد البرّ في الاستيعاب ، والمسعودي في إثبات الوصيّة ، وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين روى بسنده عن المغيرة قال [أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث أنّي مزوّجك بيزيد ابني ، على أن تسمي الحسن بن علي ، وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمّت

٩١٧

الحسنعليه‌السلام (١) .

وذكر كثير من المؤرّخين والمحدثين منهم ابن عبد البر في الاستيعاب ، وابن جرير الطبري في تاريخه قالوا [لما جاء معاوية نبأ وفاة الحسن بن عليّعليه‌السلام كبّر سرورا ، وكبّر من كان حوله وأظهروا الفرح!]

فيا شيخ عبد السلام! بميولكم وأهوائكم تجعلون هكذا مجرم خال المؤمنين! ولا تلقّبون محمد بن أبي بكر بهذا اللقب ، لأنّه كان ربيب عليّعليه‌السلام ومن حوارييه وأصحابه الصامدين وشيعته المؤمنين ، ولأنّه قال في أهل البيتعليهم‌السلام :

[يا بني الزهراء أنتم عدّتي

وبكم في الحشر ميزاني رجح

وإذا صحّ ولائي لكم

لا أبالي أيّ كلب قد نبح]

__________________

(١) لقد ثبت أنّ معاوية كان السبب في قتل الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام فقد نقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / تحت عنوان : سبب موتهعليه‌السلام [قال علماء السير سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقال السدّي : دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك ، فسمته وقال الشعبي : إنّما دسّ إليها معاوية فقال : سمّي الحسن وأزوّجك يزيدا وقال ابن سعد في الطبقات : سمه معاوية مرارا]. «انتهى كلام سبط بن الجوزي».

وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / آخر الباب العاشر : وفي رواية ـ قال «للحسين ـ : إنّي يا أخي سقيت السم ثلاث مرّات ، لم أسقه مثل هذه المرة ، فقال : من سقاك؟ قال : ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ أكل أمرهم إلى الله».

قال ابن حجر : وفي رواية : «لقد سقيت السمّ مرارا ما سقيته مثل هذه المرة».

أقول : ثبت أن الحسن السبط عليه‌السلام قتل مسموما ، فلعنة الله على المسبّب والمباشر والراضي بذلك إلى يوم الدين. «المترجم»

٩١٨

فهو ابن أبي بكر وأخو عائشة أم المؤمنين ، ولا شك أنّ أبا بكر عندكم أفضل من أبي سفيان وعائشة أعلى مقاما وأجلى رتبة من أم حبيبة ، ومع ذلك لا تطلقون على محمد لقب خال المؤمنين ، بل بعض العامة يلعنونه ويتبرّءون منه.

ولما دخل عمرو بن العاص ومعاوية بن خديج مصر فاتحين ، حاصروا محمدا ومنعوا عنه الماء ولما استولوا عليه قتلوه عطشانا ، ثم جعلوا جنازته في بطن حمار ميّت وحرّقوه ، وأخبروا معاوية بذلك ، فأظهر الفرح والسرور وأمر أصحابه أيضا بإظهار الفرح.

والعجب أنكم عند ما تسمعون أو تقرءون هذه الأخبار الفجيعة ، والقضايا الفظيعة ، لا تتألّمون ولا تتأثّرون لما فعل أولئك المجرمون الملعونون بمحمد بن أبي بكر ، ولكن لا تطيقون أن تسمعوا لعن معاوية المجرم وحزبه الظالمين ، فتدافعون عنه وتقولون لا يجوز لعنه ، بل يجب احترامه لأنه خال المؤمنين!!

فلما ذا هذا التناقض في الرأي والعقيدة!

أما يكشف هذا عن التعصّب والعناد ، وعن التطرّف واللجاج!!

هل كان معاوية كاتبا للوحي؟

من الثابت الذي لا نقاش فيه أنّ معاوية أسلم بعد الفتح في العام العاشر الهجري ، وقد كان إلى ذلك الزمان جلّ القرآن الحكيم ـ القريب للكلّ ـ نازلا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكما ذكر المؤرّخون : أنّ فتح مكة كان في العام الثامن الهجري وفيه أسلم أبو سفيان إلاّ أنّ معاوية اختفى وأرسل إلى أبيه كتابا يعاتبه ويؤنّبه فيه على إسلامه ، ولمّا

٩١٩

انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية وحتى في خارجها اضطر معاوية أن يسلم ، وبعد إسلامه كان مهانا بين المسلمين ، ينظرون إليه نظرا شزرا ، فتوسّط العباس بن عبد المطلب عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يفوّض إليه أمرا حتى يحترمه المسلمون ويتركوا تحقيره وتوهينه.

فعيّنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاتبا لمراسلاته ، وبه لبّى طلب عمه العباس(١) .

دليل كفر معاوية وجواز لعنه

وأما دلائل كفر معاوية وعدم إيمانه وجواز لعنه ، فهي كثيرة ، ولو أردنا نقلها جميعا لاقتضى تأليف كتاب مستقل ، ولكن أنقل لكم بعضها من الكتاب والسنّة ، ومن سيرته وسلوكه ضدّ الإسلام والمسلمين. منها قوله تعالى :( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ) (٢) .

فقد ذكر أعلام مفسريكم مثل العلامة الثعلبي ، والحافظ العلاّمة جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والفخر الرازي في تفسيره

__________________

(١) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج ١ / ٣٣٨ ، ط إحياء التراث العربي :[وكان ـ معاوية ـ أحد كتّاب رسول الله (ص) ، واختلف في كتابته له كيف كانت ، فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أنّ الوحي كان يكتبه عليّعليه‌السلام وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأنّ حنظلة بن الربيع التيميّ ومعاوية كانا يكتبان له إلى الملوك ولرؤساء القبائل.] «المترجم»

(٢) سورة الإسراء ، الآية ٦٠.

٩٢٠

921

922

923

924

925

926

927

928

929

930

931

932

933

934

935

936

937

938

939

940

941

942

943

944

945

946

947

948

949

950

951

952

953

954

955

956

957

958

959

960

961

962

963

964

965

966

967

968

969

970

971

972

973

974

975

976

977

978

979

980

981

982

983

984

985

986

987

988

989

990

991

992

993

994

995

996

997

998

999

1000

1001

1002

1003

1004

1005

1006

1007

1008

1009

1010

1011

1012

1013

1014

1015

1016

1017

1018

1019

1020

1021

1022

1023

1024

1025

1026

1027

1028

1029

1030

1031

1032

1033

1034

1035

1036

1037

1038

1039

1040

1041

1042

1043

1044

1045

1046

1047

1048

1049

1050

1051

1052

1053

1054

1055

1056

1057

1058

1059

1060

1061

1062

1063

1064

1065

1066

1067

1068

1069

1070

1071

1072

1073

1074

1075

1076

1077

1078

1079

1080

1081

1082

1083

1084

1085

1086

1087

1088

1089

1090

1091

1092

1093

1094

1095

1096

1097

1098

1099

1100

1101

1102

1103

1104

1105

1106

1107

1108

1109

1110

1111

1112

1113

1114

1115

1116

1117

1118

1119

1120

1121

1122

1123

1124

1125

1126

1127

1128

1129

1130

1131

1132

1133

1134

1135

1136

1137

1138

1139

1140

1141

1142

1143

1144

1145

1146

1147

1148

1149

1150

1151

1152

1153

1154

1155

1156

1157

1158

1159

1160

1161

1162

1163

1164

1165

1166

1167

1168

1169

1170

1171

1172

1173

1174

1175

1176

1177

1178

1179

1180

1181

1182

1183

1184

1185

1186

1187

1188

1189

1190

1191

1192

1193

1194

1195

1196

1197

1198

1199

1200

1201

1202

1203

1204

1205