نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٣

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار9%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 411

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 411 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 200549 / تحميل: 10041
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٣

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

الفائدة العاشرة

في ذكر الوجوه المفيدة للقطع بصدوره

بل إنَّ حديث الطير حديث مقطوع بصدوره من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للوجوه المتينة التالية:

١ - رواية الفريقين بالطرق المتضافرة

يكفي لحصول القطع بصدور هذا الحديث إثبات أركان الفريقين - من السابقين واللاحقين - إيّاه بالطّرق الكثيرة والأسانيد المتضافرة، خلفاً عن سلفٍ، عن الصّحابة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ولا يقدح في ذلك قدح شرذمةٍ قليلةٍ من أهل العناد والعصبية والهوى كما هو واضح.

٢ - وجوب الأخذ بالمتّفق عليه

إنه لو فرضنا وقوع الخلاف بين أهل السنّة في هذا الحديث، لكنّ كونه موضع الوفاق بين أهل الحقّ يقتضي أنْ يكون ثبوته متفقا عليه بين المسلمين، لما ذكره ( الدهلوي ) في الجواب عن الأدلّة العقلية التي يذكرها الإِمامية لإِمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث قال: « الدليل الرابع: إن أمير المؤمنين -رضي‌الله‌عنه - كان يتظلّم دائماً ويشكو الخلفاء الثلاثة، ويصرّح بأنه مظلوم ومقهور، وما ذلك إلّا لغصب الإمامة عنه، فيكون الإِمامة حقّه دون غيره، لأنه صادق بالإِجماع.

والجواب عنه: المنع من صحّة تلك الرّوايات، إذْ لم يرد عند أهل السنّة

١٠١

شيء منها، بل الرّوايات في الموافقة والنصح والثناء عليهم والدعاء لهم وإعانتهم متواترة لدى أهل السنة. أمّا روايات الإمامية فمختلفة، فأكثرها موافقة لروايات أهل السنّة، فإنها تدل على موافقته للخلفاء ونصحه لهم وإشارته عليهم ما داموا احياءً، كما في قصة عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، كما عن نهج البلاغة، وكذا بعد موتهم فإنّه كان يثني عليهم، ويمدح أعمالهم، ويشهد لهم بالخير والنّجاة كما عن نهج البلاغة من قوله: لله بلاد أبي بكر ، إلى آخر الخطبة.

فأخذ أهل السنّة المتّفق عليه وطرحوا المختلف فيه الذي انفرد به الشيعة - وحال رواتهم معلوم - وكلّ عاقل يأخذ بالمتّفق عليه ويترك المختلف فيه »(١) .

وعلى ضوء هذا الكلام نقول بوجوب الأخذ بحديث الطّير، لأنّه المتّفق عليه بين الشيعة وأهل السنّة، حتى لو كان المخالفون من أهل السنّة يعادلون الموافقين للشيعة في العدد، كما يفهم من كلام ( الدهلوي ) المذكور.

٣ - رواية أمير المؤمنين عليه‌السلام

لقد ورد حديث الطير من حديث سيّدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسّلام - كما ستطّلع عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى - وبما أنهعليه‌السلام معصوم - حسب كلمات العلماء المحققين الأعلام من أهل السنّة، كما لا يخفى على من راجع ( تشييد المطاعن ) ولا سيّما شاه ولي الله في ( التفهيمات الإِلهية )، وكذا صرّح بذلك ( الدهلوي ) نفسه في ( التحفة ) وتفسيره ( فتح العزيز) - فإنَّ هذا بوحده يفيد اليقين ويوجب القطع بصدور هذا الحديث من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

(١). التحفة الأثنا عشرية: ٢٢٣.

١٠٢

٤ - احتجاج الأمير به

ولقد احتجّ به عليه الصلاة والسلام - فيما احتجّ - يوم الشورى كما سيأتي في ما بعد إنْ شاء الله - لأولويّته بالإِمامة والخلافة وأفضليّته من سائر الصّحابة، ولقد سلّم الحاضرون منهم بذلك واعترفوا بتلك الفضائل، ومن المحال - حسب اعتقاد أهل السنة في الصحابة - أن يعترفوا ويسلّموا بما لم يثبت، ولا سيّما أهل الشّورى منهم الذين فوضّ إليهم أمر الخلافة، وزعم عمر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وهو راض عنهم

ولنعم ما أفاد الشيخ المفيدقدس‌سره حيث قال: « إن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنينعليه‌السلام احتج به في مناقبه يوم الدار فقال: أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم ايتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر، فجاء أحد غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: اللهم اشهد. فاعترف الجميع بصحته، ولم يكن أمير المؤمنينعليه‌السلام ليحتج بباطل، لا سيّما وهو في مقام المنازعة والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإحاطة علمه بأنَّ الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه، مع قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار »(١)

٥ - كلام القاضي عياض حول معاجز النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال القاضي عياض بعد كلامه الذي أوردناه سابقاً حول القطع بقصّة انشقاق القمر: « وكذلك قصة نبع الماء وتكثير الطعام، رواها الثقات والعدد الكثير عن الجمّاء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة، ومنها ما رواه الكافّة

____________________

(١). الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٦٥.

١٠٣

عن الكافّة متّصلاً عمّن حدّث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم، في يوم الخندق، وفي غزوة بواط، وعمرة الحديبيّة، وغزوة تبوك، وأمثالها من محافل المسلمين ومجمع العساكر، ولم يؤثر عن أحدٍ من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه، ولا إنكار لما ذكر عنهم أنهم رووه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق، إذ هم المنزّهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم غير معروف لديهم لأنكروا كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رووها من السنن والسير وحروف القرآن، وخطأ بعضهم بعضاً ووهّمه في ذلك، مما هو معلوم، فهذا النوع كلّه مما يلحق بالقطعي من معجزاته، لما بيّناه.

وأيضاً، فإنّه أمثال الأخبار التي لا أصل لها وبنيت على باطل لا بدّ مع مرور الأزمان وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها وخمول ذكرها كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة والأراجيف الطارية، وأعلام نبيّنا هذه الواردة من الطريق الآحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلّا ظهوراً، ومع تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه على توهينها وتضعيف أصلها واجتهاد الملحد على إطفاء نورها إلّا قوة وقبولاً، وللطاعن عليها إلّا حسرةً وغليلاً.

وكذلك إخباره عن الغيوب وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على الجملة بالضرورة، وهذا حق لا غطاء عليه وقد قال به من أئمتنا القاضي والاُستاذ أبو بكر وغيرهمارحمهم‌الله ، وما عندي أوجب قول القائل أنّ هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلّا قلّة مطالعته للأخبار وروايتها، وشغله بغير ذلك من المعارف، وإلّا فمن اعتنى بطرق النقل وطالع الحديث والسير لم يرتَبْ في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه »(١) .

____________________

(١). الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ / ٤٦٦.

١٠٤

قوله: « وكذلك قصة نبع الماء وتكثير الطّعام رواها الثقات والعدد الكثير عن الجمّاء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة » أي: إنّها معلومة بالقطع لذلك.

أقول: وكذلك حديث الطّير فيجب أنْ يكون معلوماً بالقطع.

٦ - فائدة اُخرى في كلام القاضي

قوله: « ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متّصلاً عمّن حدّث بها من جملة الصحابة وإخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم ولم يؤْثَر عن أحدٍ من الصحابة مخالفة للراوي في ما حكاه ولا إنكار »

أقول: وكذلك حديث الطّير، فإن أمير المؤمنينعليه‌السلام رواه واحتجّ به لأحقيّته بالإمامة والخلافة في اجتماعهم يوم الدّار، ولم يؤثر عن أحد منهم مخالفة ولا إنكار.

بل إنّه أولى بالقطع، لأنّهم فضلاً عن السكوت عن الإنكار قد نطقوا بالتسليم والاعتراف بصحّته، كما سيأتي ذلك كلّه إنْ شاء الله تعالى.

ولأنّ هؤلاء الصّحابة - الذين فوض إليهم أمر الخلافة - كانوا أبعد منهم عن السّكوت على باطل والمداهنة على كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، ولا سيّما أنّهم قد اجتمعوا للشورى حول الخلافة وكان المقام مقام المنازعة حولها. فلو كان ما سمعوه منكرا غير معروف لديهم لأنكروا، لتوفّر الدواعي على ذلك، كما لا يخفى.

٧ - فائدة ثالثة من كلام القاضي

قوله: « وأيضاً، فإنّ أمثال الأخبار التي لا أصل لها »

أقول: « وكذلك فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام وأعلام إمامته، فإنها لا تزداد مع مرور الزمان إلّا ظهوراً، ومع تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه

١٠٥

على توهينها وتضعيف أصلها واجتهاد الفجار على إطفاء نورها إلّا قوةً وقبولاً، وللطاعن عليها إلّا حسرة وغليلاً فهذا دليل آخر على ثبوتها وقطعيّة صدورها.

ولا سيّما حديث الطّير، فقد ابتلي بهذه الأمور من المتعصبين المتعنّتين، وقد قدح فيه شرذمة من المتنطّعين، ولكنّه مع ذلك ازداد نوراً وقبولاً مع مرور الأزمان، ولنعم ما قال الصّاحب:

« عليّ له في الطير ما طار ذكره

وقامت له أعداؤه وهي تشهد »

٨ - كلام ( الدهلوي ) في الدفاع عن أبي بكر

ولقد قال ( الدهلوي ) في كتابه في الدفاع عن أبي بكر: « وأمّا ما قيل من عدم ردّ أحدٍ فاطمة إلّا هو، فكذب محض، فقد صحَّ هذا الخبر وثبت في كتب أهل السنة من حديث: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والعباس، وعلي، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وهؤلاء هم أجلّة الصحابة وفيهم من بشّر بالجنّة، وقد روى الملا عبد الله المشهدي في إظهار الحق عن النبي في حقّ حذيفة: ما حدّثكم به حذيفة فصدّقوه، وفيهم المرتضى علي المعصوم بإجماع الشيعة والصّادق بإجماع أهل السنة - ولا اعتبار في هذا المقام برواية عائشة وأبي بكر وعمر -:

أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري: إنّ عمر بن الخطاب قال بمحضر من الصحابة - فيهم: علي والعباس وعثمان عبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص -: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا نورّث ما تركناه صدقة؟ قالوا: اللهم نعم.

ثم أقبل على علي والعباس وقال: اُنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال ذلك؟ قالا: اللهم نعم

١٠٦

فعلم أنَّ هذا الخبر يعادل الآية من الكتاب في القطعيّة، لأنّ هؤلاء الذين ذكرت أسماؤهم يفيد خبر الواحد منهم لليقين فكيف بهذا الجمع الكثير، ولا سيّما وأنَّ علياً المرتضى معصوم لدى الشيّعة، ورواية المعصوم يوازي القرآن في إفادة اليقين عندهم »(١) .

أقول: وعلى ضوء هذا الكلام يجب القطع بصدور حديث الطّير، بل إنّه أولى بذلك، لوروده من حديث سعد بن أبي وقاص - وهو أحد الذين ذكر أنَّ رواية أحدهم بوحده تفيد اليقين - بالإِضافة إلى اعترافه هو وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف والزبير - بل وطلحة - بصحّة هذا الحديث الشريف.

فيجب الاعتقاد بصدور هذا الحديث وافادته القطع كالاعتقاد بالآية الشريفة من القرآن العظيم في ذلك

٩ - فائدة أخرى من كلام ( الدهلوي )

ثم إنَّ كلّ ما دلّ على إفادة حديث أبي الدرداء وأبي هريرة والعباس وأمثالهم اليقين، وكون حديثهم كالآية الشريفة من القرآن في قطعيّة الصدور، يدلّ بنفسه أو بالاولوية إفادة رواية سائر رواة حديث الطير من الصحابة لليقين كذلك.

١٠ - فائدة ثالثة من كلام ( الدهلوي )

ثم إنَّ من رواة حديث الطير هو مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد صرَّح ( الدهلوي ) بكون حديثه كالقرآن في إفادة القطع واليقين.

وأما عصمتهعليه‌السلام فقد أثبتها ( الدهلوي ) نفسه في كتابه ( التحفة ) وتفسيره ( فتح العزيز ) وكذا والده في ( التفهيمات الالهية ) وغيرهم من علماء أهل السنة كما في ( تشييد المطاعن )، فلا وجه لما ذكره ( الدهلوي ) بالنسبة إليها هنا

____________________

(١). التحفة الاثنا عشرية: ٢٧٤.

١٠٧

١٠٨

سند

حديث الطّير

١٠٩

١١٠

والآن فلنشرع في ذكر أسانيد حديث الطّير برواية الأئمة والأعلام وجهابذة علم الحديث من أهل السنّة عبر القرون المختلفة

(١)

رواية أبي حنيفة

لقد روى أبو حنيفة النعمان بن ثابت - إمام الحنفيّة - حديث الطّير فقد قال ابن الأثير: « أنا أبو الفرج الثقفي، أنبأنا الحسن بن عيسى، حدّثنا الحسن عن أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأهوازي، حدّثنا الحسن بن عيسى، ثنا الحسن بن السميدع، ثنا موسى بن أيوب، عن شعيب بن إسحاق، عن أبي حنيفة، عن مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن أنس قال: أهدي إلى النبي طير فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك، فجاء علي، فأكل معه.

تفرّد به شعيب عن أبي حنيفة »(١) .

____________________

(١). اسد الغابة في معرفة الصحابة ٤ / ٣٠.

١١١

ترجمة شعيب بن إسحاق:

وفضائل أبي حنيفة - إمامهم الأعظم - وجلالة شأنه ورفعة مكانه وعلوّ مقامه كلّ ذلك من الشيوع والشّهرة بمكان، فلا حاجة به إلى الشرح والبيان، لكنّا ننقل هنا طرفاً من كلمات علماء أهل السنّة في الثناء على تلميذه شعيب بن إسحاق: -

١ - الذهبي: « شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر. وعنه: إسحاق ودحيم. قال أبو داود: ثقة مرجئ. توفي سنة ١٨٩ »(١) .

٢ - ابن حجر العسقلاني: « خ م د س ق: شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدمشقي الاموي، مولى رملة بنت عثمان، أصله من البصرة، روى عن أبيه وأبي حنيفة، - وتمذهب له - وابن جريج والأوزاعي قال ابن طاهر: ثقة ما أصحَّ حديثه وأوثقه، وقال أبو داود: ثقة وهو مرجئ وقال ابن معين ودحيم والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يقرّبه ويدنيه. قال دحيم: ولد سنة ١٠٨ ومات سنة ١٨٩

قلت: وفي سنة ١٨٩ أرّخه ابن حبّان في الثقات، ونقل أبو الوليد الباجي عن أبي حاتم قال: شعيب بن إسحاق: ثقة مأمون »(٢) .

____________________

(١). الكاشف ٢ / ١١.

(٢). تهذيب التهذيب ٤ / ٣٤٧.

١١٢

(٢)

رواية أحمد بن حنبل

ورواه أحمد بن حنبل - إمام الحنابلة - في كتاب ( مناقب أمير المؤمنين ) وهذا نصُّ روايته: « حدثنا عبد الله بن محمد، نا عبد الله بن عمر، نا يونس بن أرقم، قال حدثنا مطير بن أبي خالد، عن ثابت البجلي، عن سفينة قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - طيرين بين رغيفين فقدّمت إليه الطيرين. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك، ورفع صوته، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من هذا؟ فقال: عليّ. قال: فافتح له، ففتحت، فأكل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الطيرين حتى فنيا »(١) .

وقال محب الدين الطبري: « عن سفينة قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيرين بين رغيفين، فقدّمت إليه الطيرين، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك - ثمّ ذكر معنى حديث النجار وقال في آخره -: فأكل مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي من الطيرين حتى فنيا. خرّجه أحمد في المناقب »(٢) .

وقال سبط ابن الجوزي: « حديث الطائر وقد أخرجه أحمد في الفضائل، والترمذي في السنن، فأمّا أحمد فأسنده إلى سفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - واسمه مهران - قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله

____________________

(١). فضائل علي، الحديث رقم: ٩٤٥، وفي اللفظ سقط واضح.

(٢). الرياض النضرة في مناقب العشرة ٢ / ١١٤ - ١١٥.

١١٣

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيرين بين رغيفين، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك، فإذا بالباب يفتح، فدخل علي فأكل معه »(١) .

وقال ( الدهلوي ) في جواب سؤالٍ بعد رواية الترمذي: « وقد أخرجه الامام أحمد في المناقب من حديث سفينة » وسيأتي نص كلامه في محلّه إنْ شاء الله تعالى.

رواية أحمد دليل الثبوت

ولقد تقرر لدى المحققين: أنّ رواية أحمد لحديث يقتضي صحّته وثبوته: قال أخطب خوارزم - في بيان كثرة فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام - ما نصه: « أنبأني أبو العلاء الحافظ هذا قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المقرئ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، حدّثنا أحمد بن يعقوب بن المهرجان، حدّثنا علي بن محمد النخعي القاضي، حدّثنا الحسين بن الحكم، حدّثنا الحسن ابن الحسين، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه قال قال رجل لابن عباس: سبحان الله ما أكثر مناقب علي وفضائله، إنّي لأحسبها ثلاث آلاف. فقال ابن عباس: أو لا تقول إنها إلى الثلاثين ألفا أقرب؟

ويدلّك على ذلك أيضاً: ما يروى عن الامام الحافظ أحمد بن حنبل، وهو - كما عرف أصحاب الحديث في علم الحديث - قريع أقرانه وإمام زمانه، والمقتدى به في هذا الفن في إبانه، والفارس الذي يكبّ فرسان الحفاظ في ميدانه، وروايته عنه مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة، لما علم أن الامام أحمد بن حنبل ومن احتذى على أمثاله - وتسبح على منواله وحطب في حبله وانضوى الى حفله، مالوا إلى تفضيل الشيخين رضوان الله عليهما، فجاءت روايته فيه كعمود الصباح لا يمكن ستره بالراح، وهو: ما رواه الشيخ الإمام الزّاهد

____________________

(١). تذكرة خواص الأمة: ٣٨.

١١٤

فخر الأئمة أبو الفضل بن عبد الرحمن الحفربندي الخوارزميرحمه ‌الله تعالى إلخ »(١) .

وقال محمد بن يوسف الحافظ الكنجي: « أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن بركة الكتبي بالموصل، عن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد، أخبرنا الحسين بن أحمد المقري عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، قال قال رجل لابن عباس: سبحان الله ما أكثر مناقب علي وفضائله! إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف. فقال ابن عباس: او لا تقول إنها إلى ثلاثين ألفاً أقرب. خرّج هذا الأثر عن ابن عباس الأئمة في كتبهم.

قلت: ويدلّك على ذلك ما روينا عن إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل، وهو أعرف أصحاب الحديث في علم الحديث، قريع أقرانه وإمام زمانه والمقتدى به في هذا الفن في إبّانه، والفارس الذي يكبّ فرسان الحفاظ في ميدانه، وروايته مقبولة وعلى كاهل التصديق محمولة، ولا يتّهم في دينه ولا يشكّ أنه يقول بتفضيل الشيخين أبي بكر وعمر، فجاءت روايته فيه كعمود الصّباح، لا يمكن ستره بالراح، وهو ما أخبرنا العلّامة مفتي الشام أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن جميل الشيرازي ...؟ »(٢) .

وقال سبط ابن الجوزي بتصحيح حديث المواخاة من حديث مجدوح بن زيد الباهلي: « وأحمد مقلّد في الباب، متى روى حديثاً وجب المصير إلى روايته، لأنه إمام زمانه، وعالم أوانه، والمبرّز في علم النقل على أقرانه، والفارس الذي لا يجارى في ميدانه، وهذا هو الجواب عن جميع ما يرد في الباب في أحاديث الكتاب »(٣) .

وقال السبكي في مقام توثيق رجال حديث ( من زار قبري وجبت له

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٣.

(٢). كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: ٢٥٣.

(٣). تذكرة خواص الأمة: ٢٢.

١١٥

شفاعتي ) ردّاً على ابن تيمية - بعد كلام له -: « وأحمد -رحمه‌الله - لم يكن يروي إلّا عن ثقة، وقد صرّح الخصم بذلك في الكتاب الذي صنّفه في الردّ على البكري بعد عشر كراريس منه، قال: إنّ القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان، منهم من لم يرو إلّا عن ثقة عنده، كمالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وكذلك البخاري وأمثاله

وقد كفانا الخصم بهذا الكلام مؤنة تبيين أنَّ أحمد لا يروي إلّا عن ثقة وحينئذٍ لا يبقى له مطعن فيه »(١) .

من مصادر ترجمة أحمد

وإليك بعض مصادر ترجمة أحمد بن حنبل وفضائله الجمَّة:

١ - سير أعلام النبلاء ١١ / ١٧٧.

٢ - تذكرة الحفاظ ٢ / ٤٣١.

٣ - وفيات الأعيان ١ / ٦٣.

٤ - حلية الأولياء ٩ / ١٦١.

٥ - تهذيب الأسماء واللغات ١ / ١١٠.

٦ - الوافي بالوفيات ٦ / ٣٦٣.

٧ - مرآة الجنان ٢ / ١٣٢.

٨ - طبقات السبكي ٢ / ٢٧.

٩ - طبقات الحفاظ: ١٨٦.

١٠ - طبقات المفسرين ١ / ٧٠.

١١ - العبر ١ / ٤٣٥.

____________________

(١). شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام: ١ / ١١.

١١٦

١٢ - تاريخ بغداد ٤ / ٤١٢.

١٣ - تهذيب التهذيب ١ / ٦٢.

١٤ - طبقات القراء ١ / ١١٢.

١٥ - البداية والنهاية ١٠ / ٢٣٥.

وقد ذكرنا طرفاً من فضائله في القسم الثاني من مجلّد حديث الغدير، وفي مجلّد حديث التشبيه.

ومن جلائل مناقبه ما جاء « عن إبراهيم بن الحارث من ولد عبادة بن الصامت: قيل لبشر الحافي - حين ضرب أحمد بن حنبل في المحنة -: لو قمت وتكلّمت كما تكلّم، فقال: لا أقوى عليه، إن أحمد قام مقام الأنبياء »(١) .

وفي ( رجال المشكاة ) بترجمته: « قال الميموني: قال لي ابن المديني بالبصرة بعد المحنة: يا ميموني ما قام أحد في الاسلام ما قام أحمد، فعجبت من هذا وأبو بكر قد قام في الردّة، قلت: بأيّ شيء؟ قال: إن أبا بكر وجد أنصاراً، وإن أحمد لم يجد ناصراً ».

(٣)

رواية عبّاد بن يعقوب

ورواه أبو سعيد عبّاد بن يعقوب الرّواجني الأسدي في ( كتاب المعرفة )(٢)

____________________

(١). تهذيب الأسماءواللغات ١ / ١١٢.

(٢). نقل عنه الذهبي حديثا بترجمة فطر بن خليفة قال: « قال عبّاد بن يعقوب في كتاب المناقب له: أنبأنا أبو عبد الرحمن الأصباغي وغيره، عن جعفر الأحمر قال: دخلنا على فطر بن خليفة - وهو مغمى عليه، فأفاق فقال -: يا عبد الله: ما يسرّني أن مكان كلّ شعرة في جسدي لسان يسبّح الله بحبّي أهل البيت » سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٣.

١١٧

- الذي ألّفه في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام - حيث قال: « حدّثنا عيسى، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه علي قال: أهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير - يقال له الحبارى - فوضع بين يديه، وكان انس بن مالك يحجبه، فرفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده إلى الله ثمّ قال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير - قال أنس:

فجاء عليٌّ فأستأذن، فقال له أنس: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، فرجع، ثمّ أعاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدعاء، فجاء علي فردّه أنس، ثمّ دعا الثالث، فجاء فأدخله، فلمـّا رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اللهم وإليّ، فأكل معه، ثمّ خرج علي. قال أنس قلت: يا أبا الحسن استغفر لي، فإنّ لي إليك ذنباً، وإنّ عندي بشارة، فأخبرته بما كان من دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحمد الله واستغفر لي ورضي عنّي، وأذهب ذنبي عنده بشارتي إيّاه ».

وجوه وثاقة عبّاد بن يعقوب

وعباد بن يعقوب الرواجني من كبار المحدّثين الثقات، حسب تصريحات المحقّقين، فيجوز الاحتجاج بحديثه، ولنوضّح ذلك في الوجوه التالية إفحاماً للمكابرين:

١ - إنّه شيخ البخاري

إنّ عبّاد بن يعقوب من شيوخ البخاري صاحب الصّحيح، نصّ على ذلك السمعاني حيث قال: « الرواجني بفتح الراء والواو وكسر الجيم وفي آخرها النون، هذه بالنسبة سألت عنها استاذي أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ بإصبهان فقال: هذا نسبة أبي سعيد عبّاد بن يعقوب شيخ البخاري، وأصل هذه النسبة الدواجن بالدال المهملة، وهي جمع داجن وهو الشاة التي تسمن في الدار، فجعلها الناس الرواجن بالراء، ونسب عباد إلى

١١٨

ذلك. هكذا قال ولم يسند الحكاية إلى أحد. وظنّ أنّ الرواجن بطن من بطون القبائل، والله أعلم»(١) .

ويدل على ذلك أيضاً روايته عنه في صحيحه حيث قال في كتاب التوحيد: « باب وسمى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصّلاة عملاً وقال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب: حدّثني سليمان قال: حدّثنا شعبة بن الوليد. ح وحدّثني عبّاد بن يعقوب الأسدي قال قال: أخبرنا عبّاد بن العوّام، عن الشيباني، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود: إن رجلاً سأل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها وبرّ الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله »(٢) .

فثبت كون عباد بن يعقوب شيخ البخاري، وناهيك به دلالة على كمال الاعتماد والاعتبار والوثوق، وزهوق شكوك أرباب الجحود والمروق.

٢ - إنه شيخ الترمذي

إنّ عباد بن يعقوب من مشايخ الترمذي صاحب الصحيح كما سيأتي.

٣ - إنه شيخ ابن ماجة

وهو من مشايخ ابن ماجة صاحب السنن، الذي هو أحد الصّحاح الستة كما سيأتي.

٤ - رواية الأساطين عنه

ولقد روى عنه غير هؤلاء جماعة من كبار الأئمة الاعلام وأساطين

____________________

(١). الأنساب - الرواجني.

(٢). صحيح البخاري ٤ / ٨٣٣.

١١٩

الحديث قال عبد الغني المقدسي بترجمته: « عبّاد بن يعقوب، أبو سعيد الرواجني الكوفي الأسدي، روى عن: شريك، وحاتم بن إسماعيل، الوليد بن أبي ثور، وعلي بن هاشم بن البريد، ومحمد بن فضل، وعمرو بن ثابت، والحسين بن زيد بن علي، وإسماعيل بن عيّاش، وعبد الله بن عبد القدوس، وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العزرمي.

روى عنه: البخاري، والترمذي، وابن ماجة، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر بن أبي داود، وأحمد بن إسحاق بن البهلول، وأبو حاتم - وسئل عنه فقال: كوفي شيخ - والحسين بن إسحاق، وجعفر بن محمد بن مالك الغزاري الكوفي.

مات سنة ٢٥٠ »(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني: « روى عن: شريك النخعي، وعباد بن الكلام، وعبد الله بن عبد القدّوس، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى

وعنه: البخاري حديثاً واحداً مقروناً، والترمذي، وابن ماجة، وأبو حاتم وأبو بكر البزار، وعلي بن سعيد بن بشر الرازي، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، وصالح بن محمد جزرة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وابن أبي داود، والقاسم بن زكريا المطرز، وخلق »(٢) .

ويفيد التتبّع لكلمات المحققين منهم: أنّ رواية الأكابر عن رجلٍ تدل على جلالته بل اعتباره ووثاقته، وقد ذكرنا في مجلِّد حديث الولاية بعض الشواهد على ذلك، كاستدلال الذهبي لجلالة أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث الأندلسي برواية ابن عبد البر وابن حزم عنه(٣) ، واستدلال ابن حجر

____________________

(١). الكمال في معرفة الرجال - مخطوط.

(٢). تهذيب التهذيب ٥ / ١٠٩.

(٣). العبر في حوادث من غبر - حوادث ٤٧٨: ومن جلالته أنّ إمامي الأندلس ابن عبد البر وابن حزم رويا عنه.

١٢٠

المكي برواية الصّحابة والتابعين عن معاوية، على علم معاوية وفقهه(١)

وقال ابن قيم الجوزيّة بأنَّ مجرَّد رواية العدل عن غيره تعديل له على أحد القولين، وإنْ لم ينص الراوي على ثقة المروي عنه.

٥ - توثيق أبي حاتم

وقد وثّقه أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، قال الذهبي: « عبّاد بن يعقوب الرّواجني، أبو سعيد، شيعي جلد، عن الوليد بن أبي ثور وشريك وعدّة. عنه ( خ ) مقروناً و ( ت - ق ) وابن خزيمة وابن صاعد وخلق. وثّقه أبو حاتم. توفي سنة ٢٥٠ »(٢) .

وفي ( تهذيب التهذيب ): « قال أبو حاتم: شيخ ثقة »(٣) .

وقال ابن حجر: « عبّاد بن يعقوب الرواجني الكوفي، أبو سعيد، رافضي مشهور إلّا أنّه كان صدوقاً، وثّقه أبو حاتم »(٤) .

وتوثيق أبي حاتم يكفي للاعتماد على الرجل، فإنّ ( كلّ الصيّد في جوف الفرا ) لأن الذهبي الذي تعصّبه وتعنته ظاهر جلي قال بترجمة أبي حاتم ما لفظه: « إذا وثّق أبو حاتم رجلا فتمسّك بقوله فإنّه لا يوثّق إلّا رجلاً صحيح الحديث، وإذا ليّن رجلاً أو قال فيه: لا يحتج به فتوقّف حتى ترى ما قال غيره فيه، فإنْ وثّقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم، فإنّه متعنّت في الرجال، قد قال في طائفةٍ من رجال الصحاح ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك »(٥) .

____________________

(١). تطهير الجنان - هامش الصواعق المحرقة: ٥٣.

(٢). الكاشف ٢ / ٦٣.

(٣). تهذيب التهذيب ٥ / ١٠٩.

(٤). مقدمة فتح الباري: ٤١٠.

(٥). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٤٧.

١٢١

٦ - توثيق ابن خزيمة

وكذا وثّقه ابن خزيمة بصراحةٍ، قال ابن حجر: « قال الحاكم: كان ابن خزيمة يقول: حدّثنا الثقة في روايته المتّهم في دينه عبّاد بن يعقوب »(١) .

وقال: « قال الحاكم: كان ابن خزيمة إذا حدّث عنه يقول: حدّثنا الثقة في روايته المتّهم في دينه عباد بن يعقوب »(٢) .

وأمّا جواب اتّهام ابن يعقوب في الدين فسيجيء بالبيان الظاهر المبين إن شاء الله المعين.

ترجمة ابن خزيمة

وابن خزيمة من مشاهير أئمّة أهل السنّة وأساطين محدّثيهم: قال الذهبي: « إن خزيمة الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الاسلام أبو بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة جوَّد وصنّف واشتهر إسمه وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، حدّث عنه الشيخان خارج صحيحيهما، ومحمد ابن عبد الله بن عبد الحكم أحد شيوخه، وأحمد بن المبارك المستملي، وإبراهيم ابن أبي طالب، وأبو علي النيسابوري، وإسحاق بن سعيد النسائي، وأبو عمرو ابن حمدان، وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه، وأبو بكر أحمد بن مهران المقري، ومحمد بن أحمد بن بصير، وحفيده محمد بن الفضل بن محمد، وخلق لا يحصون.

قال أبو عثمان الحيري: حدّثنا ابن خزيمة قال: كنت إذا أردت أنْ اصنّف الشيء دخلت في الصّلاة مستخيراً حتى يقع لي فيها ثم ابتدئ، ثم قال

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٥ / ١٠٩.

(٢). مقدمة فتح الباري: ٤١٠.

١٢٢

أبو عثمان الزاهد: إنّ الله ليدفع البلاء عن أهل نيسابور بابن خزيمة.

قال أبو علي النيسابوري: لم أر مثل ابن خزيمة

قلت: هذا الامام كان فريد عصره، فأخبرني الحسن بن علي أنا أبو حاتم محمّد بن حبّان التميمي قال: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها - حتى كأن السنن بين عينيه - إلاّ محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط.

قال الدار قطني: كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير، وحكى أبو بشر القطان قال: رأى جار لابن خزيمة من أهل العلم كأنّ لوحا عليه صورة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن خزيمة يصقله، فقال المعبّر: هذا رجل يحيي سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال أبو العباس بن شريح وذكر ابن خزيمة فقال: يستخرج النكت من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمنقاش.

وقال الحاكم في كتاب علوم الحديث: فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا، سوى المسائل والمسائل المصنفة مائة جزء، وله فقه حديث بريدة في ثلاثة أجزاء.

قال أحمد بن عبد الله المعدّل: سمعت عبد الله بن خالد الأصبهاني يقول: سئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابن خزيمة فقال: ويحكم، هو يسأل عنّا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به

وكانت وفاته في ثاني ذي القعدة سنة ٣١١ وهو في تسع وثمانين سنة »(١) .

٧ - قال الدار قطني: صدوق

وقد نصّ الدار قطني على أنّ عبّاد بن يعقوب صدوق قال ابن حجر: « قال الدار قطني: شيعي صدوق »(٢) .

____________________

(١). تذكرة الحفّاظ ٢ / ٧٢٠.

(٢). تهذيب التهذيب ٥ / ١٠٩.

١٢٣

وفي نصّ الدار قطني كفاء لمكتف وشفاء لمشتف، فجاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا.

٨ - صحّة حديثه

وجاء في ( تهذيب التهذيب ) بترجمته: « وقال ابن ابراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة: لو لا رجلان من الشيعة ما صحّ لهم حديث: عبّاد بن يعقوب، وإبراهيم بن محمد بن ميمون »(١) .

فثبت بهذا التصريح أن حديث عبّاد صحيح.

٩ - قال ابن حجر: صدوق

وقد حكم بصدقه ابن حجر العسقلاني كذلك، حيث قال: « صدوق رافضي؛ حديثه في البخاري مقرون، بالغ ابن حبان فقال: يستحق الترك، من العاشرة، مات سنة خمسين »(٢) .

وفي ( هدي الساري ): « رافضي مشهور، إلاّ أنّه كان صدوقا، وثّقه أبو حاتم »(٣) .

وفيه كفاية لأهل الرشاد والإيقان، وقمع لأساس هواجس أصحاب الرّيب والعدوان

الرّفض لا يوجب التّرك

وأمّا قولهم: « رافضي » فتلك شكاة ظاهر عنك عارها، وغير خاف على الممارس في هذا الشأن أنّ ترك حديث أحد لأجل « الرفض » و« التشيع » عين

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٥ / ١٠٩.

(٢). تقريب التهذيب ١ / ٣٩٤.

(٣). مقدمة فتح الباري ١ / ٣٩٤.

١٢٤

التهوّر والتنطّع، أما سمعت ابن قتيبة يقول: « أسماء الغالية من الرافضة: أبو الطفيل صاحب راية المختار، وكان آخر من راى رسول الله صلّى الله عليه موتاً، والمختار، وأبو عبد الله الجدلي، وزرارة بن أعين، وجابر الجعفي »(١) .

فقد علم منه كون « أبو الطفيل الصحابي » من « غلاة الرّافضة » فكون « عبّاد بن يعقوب » هذا « رافضياً » فحسب لا يقتضي الطعن بالأولويّة، ولو كان « الرفض » بل « الغلو في الرفض » موجباً للقدح والجرح للزم سقوط دعوى عدالة الصحابة أجمعين أكتعين

وعليه، فلو رفع القادحون في « عبّاد بن يعقوب » اليد عن دعوى « عدالة جميع الصحابة » فإنّا نرفع اليد عن توثيق « عبّاد بن يعقوب » ولكنّا لا نظنّهم يختارون ذلك، فإنّه قوام مذهبهم، بل يختارون التّسليم بوثاقة « عبّاد بن يعقوب » ومرام أهل الحق حاصل على كلّ حالٍ، كما لا يخفى.

وعلى هذا الأساس نجيب عمّا قيل في حقّ عبّاد بن يعقوب في الكتب الرجالية، فقد جاء في ( تهذيب التهذيب ):

« قال ابن عدي: سمعت عبدان يذكر عن أبي بكر بن أبي شيبة أو هنّاد السّري أنّهما أو أحدهما فسّقه ونسبه إلى أنه يشتم السلف، قال ابن عدي:

وعبّاد فيه غلوٌ في التشيّع، وروى أحاديث اُنكرت عليه في الفضائل والمثالب، وقال صالح بن محمد: كان يشتم عثمان قال: وسمعته يقول: الله أعدل من أنْ يدخل طلحة والزبير الجنّة، لأنهما بايعا علياً ثم قاتلاه.

وقال القاسم بن زكريا المطرز: وردت الكوفة فكتبت من شيوخها كلّهم إلّا عبّاد بن يعقوب، فلمـّا فرغت دخلت عليه وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر، قال: هو كذلك ولكن من حفره؟ قلت: يذكر الشيخ؟ قال: علي. ثم قال: من أجْراه؟ قلت: الله أجرى الأنهار

____________________

(١). المعارف: ٦٢٤.

١٢٥

ووسّع العيون، قال: هو كذلك لكن من أجراها؟ قلت: يذكر الشيخ، قال: أجراها الحسين. قال: وكان مكفوفاً، ورأيت في بيته سيفاً معلقاً فقلت: لمن هذا؟ قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي. قال: فلما فرغت من سماع ما أردت وعزمت على السفر دخلت عليه، فسألني فقال: من حفر البحر؟ فقلت: حفره معاوية وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبت، فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه.

قال البخاري: مات في شوال، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: في ذي القعدة سنة ٢٥٠»(١) .

فإنَّ حاصل ذلك كلّه « رفض » عبّاد بن يعقوب، وقد ذكرنا الجواب، وأوضحنا أنَّ ذلك لا يضرّ بعدالة الرجل بحالٍ.

وأمّا قول ابن حجر: « ذكر الخطيب أن ابن خزيمة ترك الرواية عنه آخراً » فيجاب عنه على تقدير تسليمه: بأنّه لا يعبأ به بعد تصريحه بوثاقته، لأنّ ذلك مؤيَّد بتوثيق أبي حاتم وغيره من أعلام الجرح والتعديل، على أنّه قد تقدم عن ابن حجر العسقلاني قوله في ( التقريب ): « وبالغ ابن حبان فقال: يستحق الترك » فلو لم يسبق توثيقه الترك أيضاً لما التفت اليه المحققون حسب تصريح ابن حجر العسقلاني.

وأمّا قول ابن حجر: « قال ابن حبان: كان رافضياً داعية ومع ذلك يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك، روى عن شريك عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عوف: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه » فنقول:

أمّا كونه « رافضياً » فلا يضرّ، كما تقدّم.

وأمّا كونه « داعية » فهي دعوى أجاب عنها السمعاني بقوله: « قلت: روى عنه جماعة من مشاهير الأئمة مثل: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري،

____________________

(١). تهذيب التهذيب ٥ / ١١٠.

١٢٦

لأنه لم يكن داعية إلى هواه ». على أنّا قد ذكرنا في مجلَّد حديث الولاية - حسب تصريحات المحققين المنصفين من أهل السنة - أن كون الراوي داعيةً لا يسبب طرح حديثه وعدم الاعتماد عليه، فليراجع.

وأمّا كونه « يروي المناكير عن المشاهير » فدعوى بلا دليل، فهي غير مسموعة.

وأمّا كونه مستحقّ الترك، فقد تقدّم الجواب عنه.

وأمّا روايته عن شريك عن عاصم فإنّها لا توجب القدح، لأنَّ مطاعن معاوية كثيرة جداً بحيث لا يستبعد منصف - بعد النّظر فيها - صحّة هذا الحديث.

هذا، وقد أورد السّمعاني كلام ابن حبّان هذا الذي ظهر فساده من أوّله إلى آخره، فأجاب عنه بما تقدم نقله عنه آنفاً، فلا نعيد.

ومن لطائف المقام: قول السمعاني بعد ذلك: « وروى عنه حديث أبي بكررضي‌الله‌عنه : أنه قال: لا تفعل يا خالد ما أمرتك به. سألت الشريف عمر ابن إبراهيم الحسيني بالكوفة عن معنى هذا الأثر فقال: كان أمر خالد بن الوليد أنْ يقتل علياً، ثم نَدم بعد ذلك، فنهى عن ذلك ».

وبما أنَّ السمعاني قد سكت عن الكلام في هذا الحديث فإنَّ سكوته يدلّ على تسليمه بصحّته، على ما تقرّر لدى علماء أهل السُنّة، كما لا يخفى على من تتبّع كلماتهم، وعلى هذا الأساس استدل ( الدهلوي ) في الباب الرابع من ( التحفة ) بسكوت القاضي التستري -رحمه‌الله - في ( مجالس المؤمنين ) أمام كلام الذهبي في ( الميزان ) في القدح في ( زرارة بن أعين ).

١٢٧

(٤)

رواية أبي حاتم

وممّن رواه أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، قال أخطب خوارزم: « أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي، قال: أخبرنا القاضي الامام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ قال: أخبرنا والدي أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن علي الرودباري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن مهرويه بن عباس بن سنان الرازي قال: حدّثنا أبو حاتم الرازي قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسماعيل الأزرق، عن أنس بن مالك قال:

اُهدي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي، فقلت: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، قال: فذهب ثم جاء، فقلت: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حاجة، قال: فذهب ثم جاء، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : افتح، ففتحت، ثم دخل فقال: ما حبسك يا علي؟ قال: هذه آخر ثلاث كرّات يردّني أنس، يزعم أنك على حاجة، قال: ما حملك على ما صنعت يا أنس؟ قال: سمعت دعائك فأحببت أن يكون في رجل من قومي، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الرجل قد يحبّ قومه»(١) .

____________________

(١). مناقب علي بن أبي طالب: ٦٤.

١٢٨

ترجمة أبي حاتم

وأبو حاتم من مشاهير أئمة الحديث ونقدة الأخبار ونحارير الجرح والتعديل:

١ - السمعاني: « وأبو حاتم كان إماماً حافظاً فهماً، من مشاهير العلماء، له رحلة إلى الشام ومصر والعراق، روى عنه أبو عمرو بن حكيم، وعالم لا يحصون كثرةً، توفي سنة ٢٧٧ »(١) .

٢ - ابن الأثير: « هو من أقران البخاري ومسلم »(٢) .

٣ - الذهبي: « وفي سنة سبع مات حافظ زمانه: أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، في شعبان، وهو في عشر التسعين، وكان جارياً في مضمار أبي زرعة والبخاري »(٣) .

٤ - ابن حجر: « أحد الحفاظ »(٤) .

وقد جاءت ترجمته مفصّلةً في مجلَّد حديث التشبيه(٥) .

(٥)

رواية الترمذي

ورواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي في مناقب أمير المؤمنين عليه

____________________

(١). الأنساب - الجزّي.

(٢). الكامل في التاريخ حوادث: ٢٧٧.

(٣). دول الإِسلام حوادث: ٢٧٧.

(٤). تقريب التهذيب ٢ / ١٤٣.

(٥). ومن مصادر ترجمته أيضاً: تاريخ بغداد ٢ / ٧٣، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٢٧، تهذيب التهذيب ٩ / ٣١.

١٢٩

السلام حيث قال: « باب: حدّثنا سفيان بن وكيع، نا عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عمر، عن السدّي، عن أنس بن مالك قال: كان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير، فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه.

هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدّي إلّا من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث من غير وجهٍ عن أنس، والسدّي اسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن، وقد أدرك أنس بن مالك، ورأى الحسين بن علي »(١) .

وإذا كان الترمذي - وهو أحد الأركان الستّة - راويا لهذا الحديث الشريف، فإنه لا يرتاب في صحته إلّا المعاند المارق أو المتعصّب المائق، والله ولي التوفيق.

ثم إن سبط ابن الجوزي نقل عن التّرمذي توثيق السدّي وتعديله، وهذه عبارته - في ذكر حديث الطائر -: « وأمّا الترمذي فقال: ثنا سفيان بن وكيع، عن عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عمر، عن السدّي، عن أنس بن مالك قال: كان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طير فقال: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي فأكل معه. قال الترمذي: السدّي: اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن، سمع من أنس بن مالك، ورأى الحسين بن علي، ووثّقه سفيان الثوري، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطّان، وغيرهم.

قلت: امّا ذكر الترمذي هذا في تعديل السدّي لأنَّ جماعةً تعصّبوا عليه ليبطلوا هذا الحديث، فعدّله الترمذي »(٢) .

وثاقة السدّي

وبالرغم من كفاية توثيق الترمذي وتعديله للاعتماد على هذا

____________________

(١). صحيح الترمذي ٥ / ٥٩٥.

(٢). تذكرة الخواص من الامة: ٣٩.

١٣٠

الحديث، ودفع تشكيكات أهل المراء واللجاج، فإنّا نذكر وجوها أخرى لوثاقته:-

١ - توثيق أحمد

لقد وثّقه أحمد بن حنبل، كما جاء في ( تهذيب التهذيب ) بترجمته: « قال أبو طالب عن أحمد: ثقة »(١) .

وتوثيق أحمد يدل على وثاقة الرّجل، لأنْ مجرَّد روايته عن أحدٍ يدل على ذلك، فتوثيقه الصريح بالأولويّة.

٢ - توثيق العجلي

ووثّقه أحمد بن عبد الله(٢) على ما جاء في ( تهذيب التهذيب ) أيضاً حيث قال: « قال العجلي: ثقة، عالم بالتفسير، رواية له »(٣) .

٣ - قال النسائي: صالح

وقال النسائي في حقه مرةً: « صالح » وقال اُخرى: « ليس به بأس »، قال ابن حجر بترجمته: « قال النسائي في الكنى: صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس »(٤) .

هذا، وقد ذكر علماء الدّراية: أنّ النّسائي أشدُّ شرطاً في الرجال من الشيخين، فقوله: « صالح» و« ليس به بأس » يفيد غاية وثاقة السدّي ونهاية الاعتماد عليه، لا سيّما وأنّه قد أخرج حديثه في صحيحه كما ستعرف إنْ شاء

____________________

(١). تهذيب التهذيب ١ / ٣١٣.

(٢). توجد ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٠٥.

(٣). تهذيب التهذيب ١ / ١٣١.

(٤). تهذيب التهذيب ١ / ٣١٣.

١٣١

الله تعالى.

٤ - قال ابن عدي: مستقيم الحديث صدوق

وقال ابن عدي(١) : « هو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به ». قال ابن حجر: « قال ابن عدي: له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق لا بأس به »(٢) .

٥ - ذكره ابن حبان في الثقات

وقد ذكره إبن حبان في ( الثقات ) حيث قال: « إسماعيل بن عبد الرحمن ابن أبي ذويب السدّي الأعور، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة من بني عبد مناف، يروي عن أنس بن مالك، وقد رأى ابن عمر. روى عنه: الثوري، وشعبة، وزائدة. مات سنة سبع وعشرين ومائة، في إمارة إبن هبيرة »(٣) .

هذا، وقد قال ابن حبّان في أوّل كتابه المذكور: « ولا أذكر في هذا الكتاب الأول إلّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم ».

وقال: فكلّ من أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعدّى خبره عن خصال خمس » ثم قال بعد أن ذكر تلك الخصال « وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعّفه بعض المشايخ ووثقه بعضهم، فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النّيرة التي بينّتها في كتاب الفصل بين النقلة، أدخلته في هذا الكتاب، لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صحَّ عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب

____________________

(١). من مصادر ترجمته: سير أعلام النبلاء ١٦ / ١٥٤.

(٢). تهذيب التهذيب ١ / ٣١٣.

(٣). الثقات ٤ / ٢٠.

١٣٢

الفصل بين النقلة، لم أذكره في هذا الكتاب، لكنّي أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل، لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره، فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعدّى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره ».

٦ - توثيق السمعاني

ووثّقه السمعاني حيث قال مترجماً ايّاه: « وهو السدّي الكبير، ثقة مأمون، روى عنه: الثوري، وشعبة وزائدة قال يحيى بن سعيد: ما سمعت أحداً يذكر السدّي إلّا بخير، وما تركه أحد »(١) .

٧ - تخريج مسلم حديثه

والسدّي من رجال صحيح مسلم، قال المقدسي ابن القيسراني في أفراد مسلم ممّن اسمه إسماعيل: « إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الهاشمي المعروف بالسدّي الأعور الكوفي، أصله حجازي، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة من بني عبد المطلب، يكنّى أبا محمد، سمع أنس بن مالك، ولقي عبد الله وسعد بن عبادة ويحيى بن عبّاد، روى عنه: أبو عوانة، والثوري، والحسن بن صالح، وزائدة، وإسرائيل مات سنة سبع وعشرين ومائة »(٢) .

هذا، وقد ذكر ابن القيسراني في صدر كتابه المذكور: أنّه قد صحّ لدى حفّاظ الحديث كابن عدي والدار قطني وابن مندة والحاكم وغيرهم من السابقين واللاّحقين ممّن تأخر عن الشيخين: أنَّ من أخرجا له صحيح الحديث، لأنهما لم يخرجا إلّا عن ثقة عدلٍ حافظ

وقال ابن حجر: « ينبغي لكلّ منصف أنْ يعلم أن تخريج صاحب

____________________

(١). الأنساب - السدّي.

(٢). الجمع بين رجال الصحيحين ١ / ٢٨.

١٣٣

الصحيح لأيّ راوٍ كان متقضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيّما ما انضاف ذلك من اطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما ».

وقال القاري: « وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول فيمن خرّج أحدهما في الصحيح: هذا جاز القنطرة، يعني: لا يلتفت إلى ما قيل فيه، لأنهما مقدّمان على أئمة عصرهما ومن بعدهما في معرفة الصحيح والعلل »(١) .

٨ - إنه من رجال الصّحاح

هذا، بالإِضافة إلى أنَّ السدّي من رجال صحيح أبي داود وصحيح الترمذي وصحيح النسائي وصحيح ابن ماجة كما يفهم من الرموز الموضوعة على ترجمته في ( تهذيب التهذيب ) و ( تقريب التهذيب ) وغيرهما من كتب رجال الحديث.

وقد ذكرنا في مجلَّد حديث الولاية عن بعض علماء أهل السنّة: أنَّ رجال الصحاح الستة كلّهم عدول ثقات، ومعروفون بالتقى والديانة في كلّ عصر

وقد علمت أن « السدّي » من رجال البخاري ومسلم والأربعة.

٩ - كونه شيخ شعبة

و على فرض عدم توثيق شعبة إيّاه، فإنَّ السدي من شيوخه، وقد علمت من كلام السبكي في ( شفاء الأسقام ) عن ابن تيميّة أنَّ شعبة ممّن لا يروي إلّا عن ثقة، وبه قال ابن حجر في صدر كتابه ( لسان الميزان ) كما لا يخفى على من طالعه.

____________________

(١). مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح ١ / ١٦.

١٣٤

١٠ - رواية الأعاظم عنه

ولقد روى عنه جماعة من أعاظم العلماء، كأبي عوانة، والثوري، والحسن بن صالح، وزائدة، وإسرائيل، وسماك بن حرب، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وأبي بكر بن عياش وقد علمت آنفاً أن في رواية الأكابر دلالةً على وثاقة الرّجل، بل هي تعديل له.

١١ - تصريح الكابلي بوثاقته

وقد صرّح نصر الله الكابلي صاحب ( الصواقع ) المعروف بتعصّبه وعناده للحق وأهله. بثقة السدّي، حيث قال في الكتاب المذكور في المطلب السادس في بيان المكايد من المقصد الأول: « السّادسة والعشرون: نقل أخبار عن بعض كتب أهل السنة مما رواه بعض محدّثيهم عن رجلٍ يشاركه غيره في إسمه أو لقبه أو كليهما، أحدهما صدوق والآخر كذوب، وترك ما يميّز به أحدهما عن الآخر، ليعلم أنه صحيح، كالسدّي، فإنه مشترك بين رجلين أحدهما الكبير والآخر الصغير، والأول منهما ثقة والآخر كذّاب وضّاع رافضي، فينخدع من لا يعرف حقيقة الأمر وليس له دربة»

١٢ - تصريح ( الدهلوي ) بوثاقته

وهكذا. نصَّ ( الدهلوي ) على وثاقة السدّي في كتابه ( التحفة )، في الباب الثاني في بيان المكيدة التاسعة عشر.

تتمّةٌ في وصفِ التّرمذي الحديث بالغرابة

وأمّا بالنسبة الى وصف الترمذي حديث الطّير بالغرابة - كما في النسخة - فنقول:

١٣٥

أولاً: لم يرد هذا في نقل سبط إبن الجوزي.

ثانياً: إنَّ الغرابة لا تدل على عدم الصّحة، لأنَّ الحديث الغريب قد يكون صحيحاً، فالغريب يعم الصحيح وغير الصحيح، ولا دلالة للعام على الخاص، لكنّ إخراج الترمذي إيّاه في صحيحه وتوثيقه السدّي - ردا على جماعة تعصّبوا عليه ليبطلوا الحديث - يدل بصراحةٍ على تصحيحه له وإنْ وصفه بالغرابة.

ويشهد بما ذكرنا من عموم « الغريب » كلمات علماء الدراية في تعريفه، قال ابن الصّلاح بتعريفه: « ثم إنَّ الغريب ينقسم إلى صحيح كالأفراد المخرّجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغرائب، روينا عن أحمد بن حنبلرضي‌الله‌عنه أنه قال غير مرة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامّتها من الضعفاء »(١) . وهذا الكلام يدل على المطلوب من وجهين:

الأول: إنَّ الغريب ينقسم الى صحيح والى غير صحيح، فليس كل غريب غير صحيح.

الثاني: لو كان حديث الطير من الغريب غير الصّحيح لما أخرجه أحمد ابن حنبل وقد قال غير مرة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب

فثبت أنَّ حديث الطير ليس من الغرائب غير الصحيحة، بل إنّه حديث صحيح رواه الثقات المعتمدون.

جامعُ التّرمذي صحيح

هذا كلّه، بالإِضافة إلى أنّهم صرّحوا بصحّة أحاديث جامع التّرمذي واعتبارها، وعلى هذا الأساس يصحّ الاحتجاج بحديث الطير المخرّج فيه،

____________________

(١). علوم الحديث: ٣٩٥.

١٣٦

وبذلك يظهر بطلان تكذيبه ولنذكر في هذا المقام طرفاً من كلماتهم في حقّ الترمذي وجامعه:

١ - قال السيوطي بترجمته: « قال أبو سعيد الإدريسي: كان أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنّف كتاب الجامع والعلل والتاريخ، تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به المثل في الحفظ »(١) .

٢ - السمعاني: « أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع والتاريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ والضبط »(٢) .

٣ - ابن خلّكان: « الحافظ، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنّف كتاب الجامع والعلل تصنيف رجل متقن، وبه يضرب المثل »(٣) .

فثبت من هذه الكلمات أنَّ صحيحه موصوف بالإِتقان، حريّ بالإِعتماد، محفوظ من الطعن...

٤ - وقال ابن الأثير: « وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب، وأكثرها فائدةً، وأحسنها ترتيباً، وأقلّها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الإِستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.

قال الترمذيرحمه‌الله : صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان

____________________

(١). طبقات الحفّاظ: ٢٧٨.

(٢). الأنساب - الترمذي.

(٣). وفيات الأعيان ٤ / ٢٧٨.

١٣٧

فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبي يتكلّم »(١) .

فقد وصف ابن الأثير كتاب الترمذي بالصحّة، وذكر أنه أحسن الكتب، ونقل عن الترمذي رضا علماء الأقطار بهذا الكتاب بعد أنّ عرضه عليهم، وقوله: « من كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيِّ يتكلّم ».

وقد جاءت هذه الكلمة وقضية العرض على علماء البلاد عن الترمذي في كثير من الكتب ك‍ ( تذكرة الحفاظ ) و ( رجال المشكاة ) و ( كشف الظنون ) و ( مقاليد الأسانيد ) ونحوها.

٥ - وذكر أبو الحجّاج المزيّ في ( تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ): « أما بعد، فإني قد عزمت على انْ أجمع في هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى - أطراف الكتب الستة، التي هي عمدة كتب أهل الأسلام، وعليها مدار عامة الأحكام، وهي: صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري، وسنن أبي داود السجستاني، وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي، وسنن أبي عبد الله ابن ماجة القزويني »(٢) .

فكتاب الترمذي أحد « الكتب الستّة التي هي عمدة كتب أهل الأسلام وعليها مدار عامة الأحكام ».

٦ - وقال الكاتب الجلبي: « والكتب المصنّفة في علم الحديث أكثر من أنْ تحصى، إلّا أنْ السلف والخلف قد اطبقوا على أنّ أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، ثم الموطّأ، ثم بقيّة الكتب الستة وهي: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدار قطني، والمسندات المشهورة »(٣) .

____________________

(١). جامع الاصول ١ / ١١٤.

(٢). تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف - المقدمة.

(٣). كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ١ / ٥٥٩.

١٣٨

٧ - وقال عبد الله بن سالم البصري في ختم جامع الترمذي - نسخة مكتبة الحرم المكي -: « قال القاضي أبو بكر ابن العربي أوّل شرح الترمذي:

إعلموا أنار الله افئدتكم: ان كتاب الجعفي أي البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطّأ هو الأوّل واللّباب، وعليهما بنى الجميع كالقشيري، والترمذي، فمن دونهما، ما طفقوا يصنعونه، وليس في قدر كتاب أبي عيسى مثله حلاوة مقطع ونفاسة منزع وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علماً: صنف - وذلك أقرب إلى العمل - وأسند وصحّح وأسقم، وعدّد الطرق، وجرح وعدّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويلها، وكلّ علمٍ من هذه العلوم أصل في بابه وفرد في نصابه، والقارئ له لا يزال في رياض مونقة وعلوم متفتقة.

قال: ووجدت بخطّ الشيخ أبي الصَّبر أيّوب بن عبد أبياتاً في شرح مصنَّف الترمذي غير منسوبة وهي هذه:

كتاب الترمذي رياض علم

حكت أزهاره زهر النجوم

به الآثار واضحة أُبينت

بألقاب اُقيمت كالرسوم

فأعلاها الصحاح وقد أنارت

نجوماً للخصوص وللعموم

ومن حسن يليها أو غريب

وقد بان الصّحيح من السّقيم

فعلّله أبو عيسى مبيناً

معالمه لطلّاب العلوم

وطرّزه بآثارٍ صحاح

تخيّرها أولو النظر السّليم

من العلماء والفقهاء قِدماً

وأهل الفضل والنهج القويم

فجاء كتابه علقاً نفيساً

ينافس فيه أرباب العلوم

ويقتبسون منه نفيس علمٍ

يفيد نفوسهم أسنى الرسوم ».

٨ - وقد ذكر الثعالبي هذه القصيدة مع زيادة الأبيات التالية:

١٣٩

« كتبناه رويناه لنروى

من التسنيم في دار النّعيم

وغاص الفكر في بحر المعاني

فأدرك كل معنى مستقيم

جزى الرّحمن خيراً بعد خيرٍ

أبا عيسى على الفكر الكريم ».

أقول: ومن هذه الأوصاف الحسنة يعلم أنَّ حديث « الطير » وحديث « الولاية » وأمثالهما ممّا أورده الترمذي في صحيحه موصوفة بتلك الصفات ومعدودة في الصّحاح ومتلقاة بالقبول، وإنّ المكذّب لها خارج عن أرباب النظر السليم، ومتنكّب عن طريقة أهل الفضل وأرباب النهج القويم، منهمك في التخديع والتدسيس، مولع بالتلميع والتلبيس، مستحق للطّعن المليم والجرح الذّميم

٩ - وقال الكمال الأدفوي(١) في ( الأمتاع ): « قد تلقّت الاُمّة الكتب الخمسة أو الستة بالقبول، وأطلق عليها جماعة أسم الصحيح ورجّح بعضهم بعضها على كتاب مسلم وغيره، قال أبو سليمان أحمد الخطابي: كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنّف في الدين كتاب مثله، وقد رزق من الناس القبول كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وكتاب السّنن أحسن وضعا وأكثر فقها من كتاب البخاري ومسلم. وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت الإمام أبا الفضل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول - وقد جرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه فقال - كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم ».

١٠ - وقد ذكر الطيّبي: « خطّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي خط لأجل تفهيمنا سبيل الاعتقاد الحق والعمل الصالح وذا لا يتعدد أنحاؤه، ثم خط

____________________

(١). وهو: جعفر بن ثعلب، المتوفى سنة ٧٤٨ أو ٧٤٩. توجد ترجمته في: طبقات السبكي ٦ / ٨٦ والأسنوي ١ / ٨٦ ابن قاضي شهبة ٢ / ١٧٢ الدرر الكامنة ٢ / ٧٢، حسن المحاضرة ١ / ٣٢٠ وغيرها.

١٤٠

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411