نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٤

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار13%

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
الصفحات: 460

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 460 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 316820 / تحميل: 7025
الحجم الحجم الحجم
نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار

نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار الجزء ١٤

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

الكتاب والمؤلف

هذا الكتاب يرى النور لاول مرة في عالم المطبوعات، بالرغم من كثرة الروايات عن المؤلف في كتب الحديث، وقدر له أن تحفظ نسخة منه ضمن مجموعة في مكتبة منار الطائفة السيد المرعشي (ت / 1411) قدس الله تربته، وهذه خطوة متواضعة في سبيل إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام، الذي كاد أن يضيع بين يقظه الاعداء وغفلة الاصدقاء.

لمحة عن حياة الامام عليه السلام

عاصر الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام - ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام [148 - 203 ه‍] - خلفاء عباسيين اشتهروا بالكيد ضد العلويين بكل ما اوتوا من قوة ومكر ودهاء، وكان الله لهم بالمرصاد، وكان موقف الامام عليه السلام من أصعب المواقف للسير على الاسس الاسلامية القويمة في قيادة حركة التصحيح التي قام بها في حياته إبان حكمهم، والخلفاء هم:

1 - المنصور العباسي (137 ه‍ - 159 ه‍:

أسس أبو جعفر المنصور عاصمته الجديدة ببغداد عام 145 ه‍، وأسماها

٢١

مدينة السلام، وفي نفس العام أخمد ثورة العلويين في خراسان، بعد مقاومة باسلة أبداها العلويون في وجه الطغاة، وجلد مالك بن أنس لتعاطفه مع الثوار من العلويين، وسجن أبا حنيفة لتعاطفه مع الثوار العلويين في البصرة.

وفي عام 147 ه‍ - ولاول مرة في الاسلام - ابتدع وطيفة (الجلاد) في البلاط العباسي، لتنفيذ أوامر الاعدام فور صدورها.

والامام عليه السلام عاش هذه الحوادث وهو ابن أحد عشر عاما.

2 - المهدي بن أبي جعفر المنصور (159 ه‍ - 169 ه‍:

أخمد المهدي ثورة المقنع [162 ه‍ - 164 ه‍] بإحراقه وجميع أتباعه وزوجاته في قلعة سنام.

وفي عام 167 ه‍ - ولاول مرة في تاريخ الاسلام - أظهر علنا وظيفة (العريف) في الخلافة العباسية، ومهمة العريف: محاربة المعارضة وقمع عناصرها في المهد، وهو ما يعرف في عصرنا الحاضر بالمخابرات.

والامام عليه السلام عاش هذه الظروف عشر سنين من عمره الشريف، وانتهت حكومة المهدي وهو ابن إحدى وعشرين سنة.

3 - موسى الهادي بن المهدي بن أبي حعفر المنصور (169 ه‍ - 170 ه‍):

وفي خلال عام واحد اشتد الصراع الداخلي في البلاط العباسي بين موسى هذا، وامه الجارية ((خيزران) التي كانت تتحكم في السلطة إبان حكم زوجها المهدي، وبالتالي خططت لقتل ابنها (موسى) ليخلفه ابنها الاخر (هارون).

4 - هارون الرشيد (170 ه‍ - 194 هـ):

بلغت الخلافة العباسية في عصره عصرها الذهبي بعد القضاء على كل من حلم بالمعارضة.

٢٢

ففي عام 183 ه‍: أمر ابراهيم بن الاغلب بإخماد الثورة في شمال أفريقيا.

وفي عام 188 ه‍: أمر بقتل جعفر بن يحيى البرمكي والتمثيل بجسده، وسجن أهله وصادر أموالهم.

وفي عام 193 ه‍: منح امتيازات خاصة للافرنج في البلاد الاسلامية، وخصوصا الاماكن المقدسة.

وفي النهاية خرج لقتال رافع بن ليث عام 194 ه‍، ومات في طريقه إلى خراسان، واستشهد الامام موسى بن جعفر الكاظم مسموما في سجنه ببغداد.

5 - المأمون (194 ه‍ - 218 ه‍):

وفي عام 195 ه‍: قاتل أخاه (محمد الامين) الذي تزعم خلافة أبيه.

وفي عام 198 ه‍: استسلم الامين، ولكن المأمون أو عز إلى قائد قواته (طاهر) وجنده باغتيال الامين.

وفي عام 200 ه‍: أرسل هرثمة لقتل محمد بن إبراهيم طباطبا، وبعد ذلك بعام - أي 201 ه‍ - قتل هرثمة خشية افتتان الناس به.

وفي عام 202 ه‍: عقد ولاية العهد للامام الرضا عليه السلام، وعقد قران ابنته على ابنه الامام الجواد عليه السلام، ولكن العراقيين من العباسيين رفضوا ذلك، واستخلفوا ابراهيم المهدي، ثم إنه في نفس العام سم الامام الرضا عليه السلام وتوفى عليه السلام مسموما بخراسان، ودخل المأمون بغداد فبايعه كل من عارضه من العباسيين.

وليس من الغريب الصلة بين عقد الولاية للامام الرضا عليه السلام وبين إخماد ثورات العلويين المتعاقبة، والصلة بين وفاة الامام وبين مبايعة المعارضة العباسة له ببغداد.

وهنا سؤال يطرح نفسه، وهو: هل خفي ذلك على الامام الرضا عليه السلام؟

٢٣

نكتفي في الاجابة على ذلك بكلام الامام نفسه، الذي رواه عبد الكريم الرافعي في كتابه (التدوين). فإن هذا النص يلقي الضوء على مدى وعي الامام عليه السلام للظروف السائدة والاسلوب الذي اتخذه لموقفه الحكيم، قال الرافعي (لما جعل المأمون العهد إلى الرضا عليه السلام، كتب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الفعال لما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنه الاعين وما تخفي الصدور. وصلاته على نبيه محمد في الاولين والاخرين وآله الطيبين.

أقول - وأنا علي بن موسى بن جعفر ين محمد بن علي ابن الحسين -: إن امير المؤمنين - عضده الله بالسداد، ووقفه للرشاد - عرف من حقنا ما جهله غيره، فوصل أرحاما قطعت، وأمن أنفسا فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذا صفرت، مبتغيا رضا رب العالمين، لا يريد جزاء إلا من عنده، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين.

إنه جعل إلى عهده والامرة الكبري إن بقيت بعده، فمن (1) حل عقدة أمر الله بشدها، وفصم عروة أحب الله إثباتها، فقد أباح حريمة وأحل محرمة، أذ كان بذلك زاريا على الامام، منتهكا حرمة الاسلام.

وقد جعلت لله على نفسي إن استرعاني أمر المسلمين

__________________

(1) في التدوين: (ممن).

٢٤

وقلدني خلافته، العمل فيهم بطاعته وسنة نبيه (ص) [و] (1) أن لا أسفك دما حراما، ولا ابيح فرجا، ألا ما سفكه حدوده وأباحته فرائضه، وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا يسألني عنه، فإنه يقول (وأفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)، فإن حدت أو غيرت أو بدلت كنت للعن مستحقا، وللنكال متعرضا.

أعوذ بالله من سخطه، وإليه أرغب في تسهيل سبيلي إلى طاعته، والحول بيني وبين معصيته، في عافية لي وللمسلمين، إن الله على كل شئ قدير، والجفر يدل على الضد من ذلك، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) (2) ، لكني امتثلت [أمر] (3) أمير المؤمنين وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه وهو حسبي وحسبه ونعم الوكيل.

وكتبت بخطي في محرم سنة اثنتين ومائتين) (4) .

وفي هذا النص نجد أن الامام يجدد ما اشترط جده الامام امير المؤمنين علي عليه السلام من العمل بطاعة الله وسنة نبيه فقط، من دون أن يجعل للتشريع أي مصدر ثالث ثم أشار إلي الظروف التي فرضت عليه بقوله: (عافية لي

__________________

(1) و (3) الزيادة اقتضاها السياق.

(2) الانعام: 6 / 57.

(4) التدوين 3: 425 - 426.

٢٥

وللمسلمين) وصرح ب‍ (لا أدري ما يفعل بي)، وهذه ليست عبارات من يرغب في خلافة أو ولاية، بل هي تشير إلى الظروف، وكأني به عليه السلام يقول للمأمون: إن الله يعلم ما تخفي في صدورك، إنك جعلت ولاية عهدك إلي إن بقيت بعدك والله يعلم أنك لا تريد أن أبقى بعدك، إذ لو كنت صادقا في استحقاقي الخلافة فلماذا لا تتنازل عنها وتوليها من هو أحق بك، وما هذا التناقض بين استبقاء الخلافة لنفسك وولاية العهد لغيرك؟

وأشار إلى أنها ولاية مفروضة بقوله عليه السلام: « ولكني امتثلت [أمر] أمير المومنين وآثرت رضاه ».

ويصدق كل ذلك: الاحداث اللاحقة، فإنه لم يكن بين تأريخ ولاية العهد في محرم سنة 202 ه‍ وبين وفاة الامام عليه السلام بالسم في 21 رمضان سنة 203 إلا عام وثمانية أشهر، وأستنفذ المأمون طاقاته في ضرب العلويين الثائرين بفرض الولاية على الامام، ورفع شعار الخضرة، لاغفال الجمهور، وبعد ذلك لعب دوره في استرضاء العباسيين الناقمين، بقتل الامام عليه السلام.

ونكتفي في حياة الامام عليه السلام بما حكاه الرافعي عن الحسن بن هاني أبو نؤاس الشاعر:

قيل لي: أنت واحد الناس في

كل كلام من المقال بديه

لك في جوهر الكلام بديع

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فعلى م تركت مدح ابن موسى

بالخصال التي تجمعن فيه

قلت: لا أهتدي لمدح إمام

كان جبرئيل خادما لابيه (1)

__________________

(1) سير أعلام النبلاء 9: 389.

٢٦

ترجمة المؤلف

كل ما نعرف عن حياة المؤلف أنه كان قزويني الاصل، وإنه باشر الغزو في سبيل الله، ويعني ذلك أنه كان فارس ميدان الحرب، وأنه استضاف الامام الرضا عليه السلام، وروى هذه الاحاديث مسندة إلى الرسول الله (ص).

وأوسع من ترجم له هو عبد الكريم الرافعي، حيث قال (داود بن سليمان ابن يوسف الغازي، أبو أحمد القزويني، شيخ اشتهر بالرواية عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، ويقال: إن عليا كان مستخفيا في داره مدة مكثه بقزوين، وله نسخة عنه يرويه أهل قزوين عن داود، كإسحاق بن محمد، وعلي بن محمد مهرويه وغيرهما، أنبأنا غير واحد عن أبي القاسم الشحامي، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن ابن محمد بن أحمد بن فوران الامام، حدثنا أبو الحسن علي ابن عبد الله الطيسفوني، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن عبد الرحيم، حدثنا علي ابن محمد بن مهرويه القزويني بنهاوند، حدثنا أبو أحمد داود بن سليمان القزويني) (1) .

وقال في ترجمة الامام عليه السلام: (قد اشتهر اجتياز علي بن موسى الرضا عليه السلام بقزوين، ويقال إنه كان متخفيا في دار داود بن سليمان الغازي، روي عنه النسخة المعروفة، روى عنه إسحاق بن محمد، وعلي بن محمد بن مهروية وغيرهما، قال الخليل: وابنه المدفون في مقبرة قزوين، يقال: إنه كان ابن ستين أو أصغر وتوفي الرضا رضي الله عنه سنة ثلاث ومائتين) (2) .

__________________

(1) التدوين 3: 3.

(2) التدوين 3: 428.

٢٧

والنسخة المخطوطة من التدوين (الصحفة 188 / ب - السطر 9) يمكن قراءة الكلمة فيها (مستخبئا) أي حط رحله في خباء له، وهو ما يعمل من وبر أو صوف أو شعر للسكن المؤقت دون الدائم، ولا يبعد أن يكون الامام عليه السلام قد مر في مسيره بأرض الغازي المذكور، وضرب الخباء فيه لفترة مؤقتة، واستضاف الامام فيها، ويظهر أن الامام عليه السلام كان شديد الحذر من خطط الاعداء فلم ينزل في دار مغلقة تفصله عن الجمهور، بل سكن في خباء ليتيسر للعامة اللقاء به ويظهر ما تخططه السلطة لاكثر عدد من الشهود.

وهل هذه الارض كانت من خطط قزوين، أو كانت مملوكة لصاحبها القزويني، فهو أمر يحتاج إلى مزيد تحقيق جغرافي لمسير الامام عليه السلام.

لقب المؤلف:

لا يصح في لقب المؤلف سوى (الغازي) ولكن أسانيد أحاديثه تشتمل على ألقاب يظهر أنها تصحيفات وهي:

1 - (القزاز)، كذا جاء في سند الحافظ أبي نعيم الاصبهاني (ت / 430) (1) .

2 - (الرازي)، كذا جاء في سند الحافظ أبي القاسم علي بن عساكر (ت / 571) (2) .

3 - (القاري)، كذا جاء في سند الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي (ت / 786) (3) .

__________________

(1) حلية الاولياء 3: 192.

(2) الاكتفاء: 417.

(3) الاربعين: 2، وتهذيب التهذيب 7: 387.

٢٨

4 - (المغازي)، كذا جاء في سند العلامة المجلسي (ت / 111) (1) .

5 - (الفراء)، كذا جاء في أسانيد أحد عشر حديثا في بحار الانوار نقلا عن مصادر مختلفة (2) .

6 - (الغزاء)، كذا جاء في سند الشيخ الصدوق (ت / 381) (3) .

هذا وأصر محقق كتاب التوحيد على صحة هذا اللقب قائلا: (الغزاء - بالغين المعجمة والزاي المعجمة، مبالغة (الغازي) -، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا عليه السلام... الخ، وهذا هو الصحيح، وهذا الرجل هو أبو أحمد الغازي المذكور في الحديث التاسع، ولا يبعد أن يكون ملقبا بالغزاء والغازي معا، ولا يخفى أن الرجل مذكور في الحديث الرابع والعشرين من الباب الثاني، والحديث السابع عشر من الباب الثامن والعشرين بلقب الفراء - بالفاء والراء المهملة - ولا شبهة أنه تصحيف: الغزاء، ونحن أبقيناه عليه لاتفاق النسخ عليه، وقال في قاموس الرجال: داود بن سليمان بن وهب الغازي، روى عن الرضا عليه السلام حديث الايمان كما يظهر من لالي السيوطي، وروى الخصال عنه حديث رواية أربعين حديثا، إلا أن النساخ صحفوا الغازي فيه بالغزاء، أقول: الاقرب أنهم صحفوا الغزاء به كما قلنا) (4) .

__________________

(1) بحار الانوار 107: 166

(2) البحار 3: 240، 10: 11، 13: 347 و 92، 66: 36 و 147، 69: 63، 80: 176 و 303، 92: 211 و 308.

(3) التوحيد: 377

(4) هامش التوحيد: 377.

٢٩

وإذا جاز الترجيح في الالقاب بمجرد الاحتمال لاحتمال التصحيف في الكتابة، فهناك احتمال ثالث لم يذكر، وهو ضبط (القراء) بقاف مضمومة، فقد عد الذهبي (ت / 748) جماعة بهذا العنوان، منهم: أبو منصور علي القزويني (ت / 516) يعرف بابن القراء (1) .

وأسانيد رواياته الاخرى، إما مطلقة أو بلقب الغازي، ومن موارد ذلك في البحار 2: 29 و 48، 5: 29، 10: 369، 14: 68 و 79 و 92، 107: 190 108: 47.

7 - (الجرجاني) كذا لقبة محمد بن أحمد الذهبي (ت / 748) في ميزان الاعتدال 1: 8: وفي المغني في الضعفاء 1: 218، وتبعه أحمد بن حجر العسقلاني (ت / 852) في لسان الميزان 2: 417.

وقد عرفت تلقيب الرافعي القزويني إياه بالغازي، وأهل البيت أدرى بما في البيت، ومن الواضح أن النسبة إلى الغزو والجهاد، فاستساغ بعض النساخ صيغة المبالغة فيه: فلقبه بالغزاء، وفيه دلالة واضحة على صلته بالحكام بحكم عمله وربما بحكم وظيفته.

وتكاد مصادر الشيعة تتفق على أن المؤلف كان شيعيا إماميا، وأقدم هذه المصادر: كتاب الارشاد للشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد (ت / 413) حيث عد المؤلف - حسب لفظه -: (ممن روى النص على الرضا عليه السلام من أبيه عليه السلام من خاصته وثقاته وأهل العلم والورع والفقه من شيعته) (2) .

__________________

(1) تبصير المتنبه 3: 1098.

(2) الارشاد: 304.

٣٠

وأورد الشيخ أبو العباس النجاشي (ت / 455) ترجمة، هذا نصها: (داود ابن سليمان بن جعفر أبو أحمد القزويني، ذكره ابن نوح في رجاله، له كتاب عن الرضا عليه السلام، أخبرني محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسين بن محمد الفرزدق القطعي، قال: حدثنا أبو حمزة بن سليمان، قال: نزل أخي داود بن سليمان وذكر النسخة...) (1) .

ومنها يظهر أن للمؤلف أخ يكني بأبي حمزة، وابن نوح هو أبو العباس أحمد ابن محمد السيرافي (ت / بعد 408).

واكتفى زكى الدين عناية الله القهپاني (ت / 1016) بترجمة النجاشي له.

وترجمة الشيخ الطوسي (ت / 460) في أصحاب الرضا عليه السلام قائلا: (داود بن سليمان بن يوسف، أبو أحمد القاري، أسند عنه، روى عنه ابن مهرويه) (2) .

وذكره ابن داود الحلي (ت / بعد 707) في القسم الاول من كتابه في الممدوحين (3) .

ولم يزد محمد علي الاردبيلي (ت / 1101) شيئا على كلام النجاشي (4) .

ونقل التفريشي (ت / بعد 1015) كلام النجاشز أيضا (5) والشيخ طه نجف (ت / 1323) ترجمة كذلك في الثقات من كتابه إتقان

__________________

(1) رجال النجاشي: 116.

(2) رجال الطوسي: 375.

(3) رجال ابن داود: 90.

(4) انظر جامع الرواة 1: 304.

(5) انظر نقد الرجال: 128.

٣١

المقال (1) .

وقال المامقاني (ت / 1351): (داود بن سليمان بن جعفر أبو أحمد القزويني، إمامي لا يبعد حسنه)، ونقل كلام النجاشي وعقبه بقوله: (وظاهره كونه إماميا) واستظهر الوحيد من عبارة الجنابذي كونه عاميا، واستشهد لذلك بكون عادته وصل سنده إلى رسول الله (ص)، يعني أنه يروي عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي، عن رسول الله (ص)، وأنت خبير بأن مجرد نقل الجنابذي كونه ممن يروي عن الرضا عليه السلام، لا يدل على كونه عاميا، مع أن الموجود في عبارة الجنابذي - كما تسمعها في ترجمة عبد الله بن العباس القزويني - إنما هو سليمان ابن داود، لا داود بن سليمان، فسهى قلم الوحيد رحمه الله في النسبة.

وأما صلة السند إلى رسول الله (ص) فلا يدل على كونه عاميا، إذ لعله لالقاء الحجة على الخصم، وإلا فالعامي الذي لا يقول بإمامتهم، لا يعتمد غالبا على رواياتهم أيضا.

وبالجملة، فلا يرفع اليد عن ظاهر كلام النجاشي - الذي أصلناه في الفائدة التاسعة عشر - دلالة عنوانه للرجل من دون غمز في مذهبه، على كونه إماميا مثل هذه الاوهام، نعم لم يرد في الرجل ما يلحقه بالحسان، نعم في المشتركات: أنه ممدوح) (2) .

وقال التستري في قاموسه - بعد نقل كلام النجاشي -: (إن عدم عنوان

__________________

(1) إتقان المقال: 59.

(2) تنقيح المقال 1: 410.

٣٢

رجال الشيخ والفهرست لصاحب الترجمة غفلة) (1) ، وهذا غريب منه دام فضله، فإن المترجم مذكور في رجال الشيخ وخاصة النسخة المطبوعة كما تقدم.

وعنون سيدنا الاستاذ الخوئي رحمه الله (داود بن سليمان) مطلقا وقال: (من خاصة أبي الحسن [الامام الرضا] عليه السلام وثقاته وأهل الورع والعلم من شيعته، ذكره الشيخ المفيد في إرشاده في فصل من روى النص على الرضا علي ابن موسى عليه السلام بالامامة من الله، والاشارة إليه منه بذلك. أقول: لم يظهر لنا تعيين هذا الرجل فيحتمل: انطباقه على كل من المذكورين بعد ذلك ممن له كتاب والله العالم) (2) .

وأسانيد رواياته تعين طبقته وطبقة الرواة عنه كما سيأتي، كما إن رواياته التي تتجاوز الخمسين تدل على صلته الوثيقة بالامام، ولولاها لما تيسرت له هذه الروايات مهما كانت أسباب هذه الصلة.

وفي عد الشيخ المفيد إياه من خاصة الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أو ابنه الرضا عليهما السلام وثقاته، ومن أهل العلم والورع والفقه من شيعته، ما يكفي دلالة على جلاله قدره.

هل المؤلف ثقة؟

ما أكثر الاتهامات بالتضعيف والتسفيق وحتى التكفير في تراثنا الاسلامي، لا لشئ سوى الاختلاف في العقيدة، وقلما نجد روايا في سلسلة الاحاديث يسلم

__________________

(1) قاموس الرجال 4: 53

(2) معجم رجال الحديث 7: 110.

٣٣

من التضعيف ممن لا يوافقه في العقيدة أو ينافسه في الحياة، وهذا يدعونا إلى تأصيل قاعدة بعيدة عن التعصب في قدح الرواة من دون دليل.

وإني أرى - والله العالم - أن الحكم بالتوثيق والتضعيف يجب أن يستنبط ويستخرج من روايات الرجل، فإن كان للروايات التي يرويها متابعات ومؤيدات فيحكم بوثاقته، وإن لم يكن كذلك فلا ينفعه ألف توثيق، وقد شرحت ذلك في الدراية، فليراجع.

ولم يسلم المؤلف من القدح في مصادر العامة، فقد عنون عبد الرحمن الرازي (ت / 327 ه‍) داود بن سليمان الجرجاني، وقال (هو مجهول) (1) وإنما ترجم لداود بن سليمان أو سليمان الاستر ابادي الصوفي، ولعله هو.

وعنون ابن الجوزي (ت / 597 ه‍) داود بن سلمان أو سليمان الجرجاني وقال: (قال يحيى بن معين: كذاب: وقال الرازي: مجهول) (2) .

وذكره الذهبي (ت / 748 ه‍) قائلا: (داود بن سليمان الجرجاني معاصر لابن المديني، قال ابن معين: كذاب وله عن علي بن موسى الرضا عليه السلام... إلى أن قال: داود بن سليمان الغازي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام لا شئ) (3) .

وعليه، فإن الذهبي يرى تعدد الرجلين، هذا وزاد الذهبي في ميزان الاعتدال قوله: (داود بن سليمان الجرجاني الغازي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام وغيره، كذبه يحيى بن معين، ولم يعرفه أبو حاتم، وبكل حال فهو شيخ كذاب، له نسخة

__________________

(1) تأريخ جرجان: 613.

(2) كتاب الضعفاء: 262.

(3) المغني في الضعفاء: 218.

٣٤

موضوعة عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، رواها علي بن محمد بن مهرويه القزويني الصدوق عنه) (1) .

وقال السيوطي (ت / 911 ه‍): (داود بن سليمان بن وهب الغازي وهو مجهول) (2) .

وما أقرب كلام تاج الدين السبكي (ت / 771 ه‍) في التعصب المستولي على اقلام هؤلاء، إلى الواقع الذي تعيشه الامة ولا تزال تعاني منه، حيث قال: (... قل أن أرايت تأريخا خاليا من ذلك، وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه - على حسنه وجمعه - مشحون بالتعصب المفرط، لا يؤاخذه الله عليه فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين...) (3) .

وما أحسن السيد الامين (ت / 1371 ه‍) حيث قال: (إن تكذيب الذهبي - المعلوم حاله - له إنما هو لروايته من الفضائل ما لا يقبله عقولهم، مع أنه ليس فيما نقلوه من الروايات عنه نكارة، ولا ما يوجب الجزم بكذبه، وقول ابن حجر عن بعضها: أنه ركيك اللفظ، لعله من هذا القبيل، والاحاديث لم تنقل لبيان الفصاحة والبلاغة ولو جاءت هذه الاحاديث لبيان ما يوافق الهوى لم يلتفت إلى أنها ركيكة أو قوية) (4) .

__________________

(1) ميزان الاعتدال: 8، ولسان الميزان 2: 417 وانظر الحديث 35 في المستدرك.

(2) اللالي المصنوعة: 34

(3) قاعدة في الجرح والتعديل: 69.

(4) أعيان الشيعة 6: 273.

٣٥

الكتاب وأسانيده:

ذكر شهاب الدين بن حجر العسقلاني (ت / 852) جملة من الرواة عن الامام الرضا عليه السلام وخص أربعة منهم بأن لهم نسخة عنه، قال (علي بن مهدي ابن صدقة، له عنه نسخة، وأبو أحمد داود بن سليمان بن يوسف القاري القزويني، له عنه نسخة، وعامر بن سليمان الطائي له عنه نسخة كبيرة) (1) .

وذكر هذا الكتاب بالذات الشيخ أبو العباس النجاشي (ت / 450) بسنده قائلا: (له كتاب عن الرضا عليه السلام، أخبرني محمد بن جعفر النحوي - ثم ذكر سنده - قال: حدثنا الحسين بن محمد الفرزدق القطعي، قال: حدثنا أبو حمزة بن سليمان، قال: نزل أخي داود بن سليمان وذكر النسخة) (2) .

فإن مراد النجاشي هو هذا الكتاب، إذ لا يعهد للغازي كتاب آخر.

وذكر الشيخ الطوسي (ت / 460 ه‍) ناسبا إياه لراوي الكتاب حيث قال: (علي بن مهرويه القزويني له كتاب رواه أبو نعيم عنه) (3) .

فإن مراد الطوسي هو هذا الكتاب، إذ لا يعهد لابن مهرويه الراوي للكتاب كتابا آخر، بل وحيث إنه قد تجاوزت رواية ابن مهروية عنه الخمسين رواية ظنه الطوسي تأليفا له، مع إنه ليس كذلك، والعصمة لاهلها.

وقل رواية غير ابن مهرويه عن المؤلف، ومن هؤلاء القلة:

__________________

(1) تهذيب التهذيب 7: 387.

(2) رجال النجاشي: 161

(3) الفهرست: 124.

٣٦

1 - إبراهيم بن هاشم القمي (1) .

2 - جعفر ابن إدريس القزويني (2) .

3 - علي بن عبد الله (3) .

4 - أبو حمزة [بن سليمان] (4) .

5 - جعفر بن سليمان (5) .

6 - مسلمة بن عبد الملك (6) .

7 - أحمد بن عبدون (7) .

8 - علي بن محمد [بن مهرويه] (8) .

ودراسة أسانيد الروايات للمؤلف تفيد أن للكتاب - على الاقل - أربعة نسخ بأسانيد مختلفة، كلها تلتقي بعلي بن محمد بن مهرويه القزويني الراوي عن المؤلف، وقد تناقلها كبار المحدثين، والنسخ هي:

1 - نسخة بلخ:

يعتمد عليها الشيخ الصدوق (ت / 381)، حيث يكثر رواياته قائلا: (حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الاشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدثنا علي بن محمد مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن علي بن موسى

__________________

(1) البحار 14: 35 و 75: 16.

(2) البحار 69: 68.

(3) البحار 27: 77.

(4) و (5) و (6) البحار 5: 118.

(7) و (8) البحار 38: 128.

٣٧

الرضا عليه السلام. (1)

ولكثرة تكرر هذا الاسناد في الروايات جمع العلامة المجلسي (ت / 1111) بين هذا الاسناد وإسناد الطائي والشيباني، وعبر عنها ب‍ (الاسانيد الثلاثة) رعاية للاختصار. (2)

__________________

(1) أورد الشيخ الصدوق رحمه الله سند هذا المسند بطرق ثلاثة وتبلغ أحاديث ما أورده بهذه الطرق 187 حديثا، أوردها في عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 25 - 49.

وقد ذكر في أولها الاسانيد الثلاثة هكذا:

حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي (المرورودي - خ ل) بمرو الرود في داره، قال: حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله النيشابوري، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله ابن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي بالبصرة، قال: حدثنا أبي في سنة ستين ومأتين، قال: حدثني علي بن موسى الرضا عليه السلام سنة أربع وتسعين ومائة.

وحدثنا أبو منصور أحمد بن محمد الخوري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري بنيسابور، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هارون بن محمد الخوري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري بنيسابور، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني، عن علي بن موسى عليهم السلام.

وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الاشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدثنا علي ابن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان الفرا، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد ابن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليهم السلام عن رسول الله (ص).

(2) راجع البحار 1: 51.

٣٨

2 - نسخة بغداد

نقل الرافعي عن الخطيب: (إن مهرويه حدث ببغداد سنة 322، وروى عنه أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين، وانتخب عنه ابن عقدة ثلاثة أجزاء) (1) .

وإلى هذه النسخة البغدادية ينتهي روايات الشيخ المفيد البغدادي (ت / 413) حيث يرويها غالبا عن عمر بن محمد المعروف بابن الزيات [الصيرفي] عن ابن مهرويه (2) والطبقة تساعده هذه الرواية.

كما أن المفيد يروي أيضا عن ابن الصلت عن ابن عقدة عن ابن مهرويه، فيظهر أنه اعتمد أحيانا منتخب ابن عقدة التي كانت في ثلاثة أجزاء (3) .

وللشيخ النجاشي البغدادي (ت / 450) نسخة يظهر أنها عائلية، حيث قال في سندها: (أخبرني محمد بن جعفر النحوي، قال: حدثنا الحسين بن محمد الفرزدق القطعي، قال: حدثنا أبو حمزة بن سليمان، قال: نزل أخي داود بن سليمان... وذكر النسخة) (4) .

3 - نسخ بخارى:

قال الحافظ عبد الغافر الفارسي (ت / 529) في المنتخب من السياق، (علي بن محمد بن أبي الاسود بن أبي منصور الوراق البخاري، أبو الحسن،

__________________

(1) التدوين 3: 417.

(2) يراجع موارد: منها 1: 49 و 165 و 76 و 125 و 125 و...

(3) يراجع البحار 7: 126 و 234، 37: 126.

(4) رجال النجاشي: 161.

٣٩

قدم نيسابور حاجا في شهر رمضان سنة 405، فحدث بصحيفة الرضا عليه السلام، عن ابراهيم البخاري، عن ابن مهرويه) (1) .

وأورد العلامة المجلسي (ت / 1111) نسخة بخارية في 23 حديثا، وجدها بخط الشيخ محمد بن علي الجياني [تصحيف الجباعي، جد الشيخ البهائي] وصورة سندها:

(يروي السيد الفقيه الاديب النسابة شمس الدين أبو علي فخار بن معد جزءا فيه أحاديث مسندة عن علي بن موسى الرضا عليه السلام الامام المعصوم عليه الصلاة والسلام، قراءة على الشيخ أبي طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي الواسطي، وأنهاه في ذي الحجة سنة أربع عشر وستمائة في منزل الشيخ بقرى واسط، ورأيت خطه له بالاجازة وإسناد الشيخ عن أبي الحسن علي بن علي بن أبي سعد محمد بن إبراهيم الخباز الازجي (2) بقرائته عليه عاشر صفر سنة سبع وخمسين وخمسمائة، عن الشيخ أبي عبد الله الحسين بن عبد الملك بن الحسين الخلال بقراءة غيره عليه وهو يسمع في يوم الجمعة رابع صفر سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، عن الشيخ أبي أحمد حمزة بن فضالة بن محمد الهروي بهرات، عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن يزداد بن علي بن عبد الله الرازي ثم البخاري ببخارى، قرئ عليه في داره في صفر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن مهرويه القزويني بقزوين، قال: حدثنا داود بن سليمان بن يوسف بن أحمد الغازي، قال: حدثني علي بن موسى عليه السلام،

__________________

(1) تاريخ نيسابور: 570.

(2) منسوب إلى باب الازج ببغداد. (هامش البحار).

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

بأفضليّته. والثاني: أن يكون حصل المحبّ من محبوبه نفع ديني عظيم لم يصل إليه من غيره. وهذا المعنى لا يستلزم اعتقاده الأفضلية، لأنّ هذه المحبّة موجودة بين كلّ شيخٍ ومريده، وكلّ تلميذ وأُستاذه، مع أنّه لا يعتقد تفضيله ».

ومن الواضح أنّ محبة الله ورسوله ليست إلّا من القسم الأول حيث الأحبيّة تستلزم الأفضلية كما اعترف ( الدهلوي ). فالحمد لله الذي أجرى الحقّ على لسانه، وأظهر صحّة استدلال الإماميّة بحديث الطّير من قبله.

وتفيد كلمات بعض الأساطين المحقّقين دلالة الأحبيّة على الأفضليّة:

قال أبو حامد الغزالي:

« بيان محبّة الله للعبد ومعناها: إعلم أنّ شواهد القرآن متظاهرة على أنّ الله تعالى يحب عبده، فلا بدَّ من معرفة معنى ذلك. ولنقدّم الشواهد على محبّته، فقد قال الله تعالى:( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) . وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) . ولذلك ردَّ سبحانه على من ادّعى أنّه حبيب الله فقال:( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) .

وقد روى أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: إذا أحب الله تعالى عبداً لم يضره ذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثمّ تلى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) . ومعناه: إنّه إذا أحبّه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت، كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام، وقد اشترط الله تعالى للمحبّة غفران الذنب فقال:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإِيمان إلّا من يحب.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبّر وضعه الله، ومن أكثر ذكر الله أحبّه الله

٢٠١

وقالعليه‌السلام : قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به. الحديث.

وقال زيد بن أسلم: إنّ الله ليحبّ العبد حتى يبلغ من حبّه له أن يقول: إعمل ما شئت فقد غفرت لك.

وما ورد من ألفاظ المحبّة خارج عن الحصر.

وقد ذكرنا أنّ محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز، إذ المحبة في وضع اللّسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط

فأمّا حبّ الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا، بل الأسامي كلّها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تطلق عليهما بمعنى واحد أصلا فكلّ ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق، وواضع اللغة إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق، فإنّ الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق، فكان استعمالها في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتّجوز والنقل

ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه ‌الله تعالى لمـّا قرئ عليه قوله تعالى( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فقال: بحق يحبّهم، فإنه ليس يحبّ إلّا نفسه على معنى أنّه الكلّ، وأن ليس في الوجود غيره، فمن لا يحبّ إلّا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبّه وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذا لا يحبّ إلّا نفسه.

وما ورد من الألفاظ في حبّه لعباده فهو مأوّل، ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلب عبده، فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له، كما قال تعالى: لا يزال عبدي [ العبد ] يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه. فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربّه. فكلّ ذلك فعل الله تعالى ولطفه به، فهو معنى حبّه

والقرب من الله في البُعد من صفات البهائم والسباع والشياطين،

٢٠٢

والتخلّق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإِلهية، فهو قرب بالصّفة لا بالمكان

فإذاً، محبّة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا، ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنّه يراه »(١) .

أقول : إذا كان هذا حال من أحبّه الله فيكف يكون حال أحبّ الخلق إلى الله؟ وهل تحصل المراتب الحاصلة لأحبّ الخلق إلى الله لغيره؟ وهل يكون أحد في الفضيلة في مرتبة أحبّ الخلق إلى الله؟ أفلا تدلّ الأحبيّة إليه على الأفضلية عنده؟

وقال القاضي عياض:

« وأصل المحبّة الميل إلى ما يوافق المحبّ، ولكن هذا في حقّ من يصحّ الميل منه والانتفاع بالوفق، وهي درجة المخلوق. فأمّا الخالق - جلّ جلاله - فمنزّه عن الأعراض، فمحبّته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرّد لله والانقطاع إلى الله والإِعراض عن غير الله وصفاء القلب لله وإخلاص الحركات لله»(٢) .

إذا، الأحبيّة سبب الأفضليّة

____________________

(١). إحياء علوم الدين ٤ / ٣٢٧ - ٣٢٨.

(٢). الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ٣ / ٣٧٢.

٢٠٣

وقال النووي:

« ومحبّة الله تعالى لعبده تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه، وتيسير ألطافه وهدايته، وإفاضة رحمته عليه. هذه مباديها. وأمّا غايتها فكشف الحجب عن قلبه حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث الصحيح: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره »(١) .

وقال الاسكندري:

« قال الشيخ أبو الحسن: المحبّة أخذة من الله لقلب عبده عن كلّ شيء سواه، فترى النفس مائلةً لطاعته والعقل متحصّناً بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسرّ مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمسّ أبكار الحقائق وثّيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس الله ولا يرى عرائس الله المجرمون »(٢) .

فهذه مراتب من أحبّه الله، فكيف إذا بلغت هذه المراتب أقصاها وأعلاها بسبب كون العبد أحبّ الخلائق بأجمعها عند الله عزّ وجلّ؟! إنّ هذا يدلّ على الأفضليّة والأكرميّة بلا ريب ولا شبهة.

وقال الفخر الرازي:

بتفسير قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) :

____________________

(١). المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٥ / ١٥١.

(٢). لطائف المنن: ٣٨.

(٣). سورة آل عمران: ٣١.

٢٠٤

« والمراد من محبّة الله تعالى له إعطاؤه الثواب »(١) .

وعليه، فالأحبيّة إلى الله عزّ وجلّ تستلزم الأكثرية في الثواب، وهذه هي الأفضلية بلا شبهة وارتياب

في حديثٍ نبوي

ولو أنّ المتعصّبين والمتعنتين لم يقنعوا بما ذكرنا عن أكابر علمائهم فإنّا نستشهد بحديث يروونه في كتبهم المعتبرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

« عن أُسامة قال: كنت جالساً إذ جاء علي والعباس يستأذنان، فقالا لأُسامة: استأذن لنا على رسول الله -صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - فقلت: يا رسول الله، علي والعباس يستأذنان. فقال: أتدري ما جاء بهما؟ قلت: لا، فقال: لكني أدري. ائذن لهما. فدخلا. فقالا: يا رسول الله جئناك نسألك أيّ أهلك أحبّ إليك؟ قال: فاطمة بنت محمّد. قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك قال: أحبّ أهلي إليّ من قد أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أُسامة بن زيد. قالا: ثمّ من؟ قال: ثمّ علي بن أبي طالب. فقال العباس: يا رسول الله جعلت فداك عمّك آخرهم؟ قال: إنّ علياً سبقك بالهجرة. رواه الترمذي »(٢) .

فظهر أنّ الأحبيّة عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس لميلٍ شخصي وهوى نفسي منه، بل إنّ ملاكها الفضائل والجهات الدينيّة، ولمـّا كان عليعليه‌السلام الأحبّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمقتضى حديث الطير، فهو متقدم على جميع الخلائق في الكمالات الدينية والفضائل المعنويّة، فيكون الأفضل من الجميع. وأمّا تقديم أُسامة عليه في هذا الحديث فلا يضرّ بالإِستدلال، لأنّ هذا من متفردّات أهل السنّة، فلا يكون حجة على الإِماميّة.

____________________

(١). التفسير الكبير ٨ / ١٨.

(٢). مشكاة المصابيح ٣ / ١٧٤٠.

٢٠٥

الأحبيّة دليل الأحقيّة بالخلافة في رأي عمر

وبعد، فمن الضروري أن ننقل هنا ما يروونه عن عمر بن الخطاب، الصريح في دلالة الأحبيّة عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأحقيّة بالخلافة عنه فقد روى البخاري قائلاً:

« حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثني سليمان بن بلال، عن هشام ابن عروة، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وأبو بكر بالسنح - قال إسماعيل يعني بالعالية - واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقال أبو بكر: نحن الاُمراء وأنتم الوزراء. فقال عمر: نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فبايعه. فبايعه الناس »(١) .

فالأحبيّة المزعومة عند عمر تدل على الأحقيّة بالخلافة، فلم لا تكون الأحبيّة الثابتة باعتراف الخصوم - بمقتضى حديث الطّير - دالة على ذلك؟!

حبّ الله حقّاً دليل الأحقيّة بالخلافة عند عمر

بل إنّ « حبّ الله حقاً » دليل الأحقيّة بالخلافة عنده أنظر إلى ما يرويه أبو نعيم: « حدّثنا أبو حامد بن جبلة، نا محمّد بن إسحاق الثقفي السرّاج، نا محمود بن خداش، نا مروان بن معاوية، نا سعيد قال: سمعت شهر بن حوشب يقول: قال عمر بن الخطاب: لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة، فسألني عنه ربّي ما حملك على ذلك لقلت: ربّي سمعت نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول: إنّه يحبّ الله حقّاً من قلبه »(٢) .

____________________

(١). صحيح البخاري ٥ / ٧ - ٨.

(٢). حلية الأولياء ١ / ١٧٧.

٢٠٦

ورواه الطبري وابن الأثير باللفظ الآتي:

« لمـّا طعن عمر قيل له: لو استخلفت! فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الاُمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك إنّ سالماً شديد الحبّ لله »(١) .

____________________

(١). تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٧، الكامل ٣ / ٦٥

٢٠٧

٢٠٨

إبطال حُملِ الأحبّية من الخلق

على خصوص الأحبّية في الأكل مع النبيّ

٢٠٩

٢١٠

قوله:

« إذ القرينة تدلّ على أنّ المراد هو أحبّ الناس في الأكل مع النبيّ ».

أقول:

١ - إنّه خلاف الظّاهر

إنّ هذا الحمل خلاف الظّاهر فإنّ كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهر في أنّ عليّاًعليه‌السلام أحبّ الخلق إليه مطلقاً، والحمل المذكور تأويل لا وجه له، وهو غير جائز.

وقد نصّ ( الدهلوي ) في أوّل كتاب ( التحفة ) على أنّ مذهب أهل السنّة هو الأخذ بظواهر كلمات المرتضى - لا حملها على التقيّة وغيرها - كما هو الحال بالنسبة إلى كلام الله عزّ وجلّ وكلام الرسول، وعليه، فيجب الأخذ بما ورد عن المرتضى في تفضيل بعض الأصحاب على نفسه.

هذا كلامه، وهو كاف لإِبطال جميع ما ورد عنه وعن غيره من أسلافه وأتباعه من التأويل لهذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث الواردة في إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ولله الحمد على ذلك.

٢١١

٢ - لو كان المراد ذلك لم يجز إطلاق أفعل التفضيل

فهذا الكلام الصادر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلق، ولو كان المراد الأحب في خصوص الأكل - لا مطلقاً - كان الكلام غلطاً مستبشعاً، لانّ إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الحيثيّات غير المعتد بها غير جائز، إذْ لو جاز ذلك لزم أنْ يكون العالِم بمسألةٍ جزئيّةٍ واحدةٍ من مسائل الوضوء « أعلم» أو « أفقه » ممّن اتفّق جهله بها، وهو عالم بما سواها من مسائل الوضوء بل الطّهارات كلها بل سائر الأبواب الفقهية وهذا بديهيّ البطلان

وأيضاً: لو كان معظم أعضاء بدن زيد أجمل من عمر إلّا عضواً واحداً من عمر وكإصبعه مثلاً فكان أجمل فإنّه لا يستريب عاقل في بطلان قول القائل: عمر وأجمل من زيد.

إذن، لا يجوز رفع اليد عن الإِطلاقات بلحاظ هكذا حيثيّات في شيء من الكلمات، فكيف بكلمات الشارع المقدّس، فإنّ إرادة مثل هذه الحيثيّات من الإِطلاقات أشبه بالألغاز

٣ - لو جاز لزم تفضيل غير الأنبياء على الأنبياء

ولو جاز إطلاق أفعل التفضيل بلحاظ بعض الْأُمور غير المعتبرة في التفضيل لزم جواز تفضيل من اخترع صناعةً أو اكتشف علماً مثلاً على الأوصياء والأنبياء المرسلين وأنْ لا يكون مثل هذا من التعريض وسوء الأدب لكنّ شناعة هذا واضح لدى المميّزين من الأطفال فضلاً عن أرباب الأدب والكمال ولا نظنّ بأحدٍ من أهل السنّة الإِلتزام بجوازه، وكيف يظنّ بهم ذلك وهم يوجبون الضرب الشديد والحبس الطويل على من أقرّ على قول من عرّض بابنة أبي بكر؟ قال السّيوطي:

« أفتى أبو المطرف الشعبي في رجلٍ أنكر تحليف امرأة باللّيل قال: ولو

٢١٢

كانت بنت أبي بكر الصدّيق ما حلفت إلّا بالنهار. وصوّب قوله بعض المتسمّين بالفقه. فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر رضي الله عنها يوجب عليه الضّرب الشديد والحبس الطويل، والفقيه الذي صوّب قوله هو أحقّ باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويؤخر ولا يقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة تامة، ويبغض في الله »(١) .

فإذا كان هذا فيمن لم يسب ولم يعرض بل أقرّ على قول من عرّض، فما ظنّك بمن عرّض أو صرّح بالسب، والغرض من هذا كلّه تقرير أنّه فاسق مرتكب لعظيم من الكبائر، لا مخلص له إلى العدالة بسبيل.

٤ - إذا جاز رفع اليد عن الإِطلاق لجاز فيما رووه عن ابن العاص

وإذا جاز حمل « الأحبّ المطلق » على « الأحب بالمعنى الخاص » مثل « الأحبّ في الأكل» ونحو ذلك جاز للإِماميّة أن تقول بأنّ المراد من أحبيّة أبي بكر وعمر - فيما رواه أهل السنّة عن عمرو بن العاص، وبالنظر إليه حمل ابن حجر والمحبّ الطبري الأحبيّة في حديث الطّير على المحمل المذكور وسيأتي الكلام على ذلك - هو « الأحبيّة في اللّعن » بقرينة ما أخرجه البخاري: « اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً ».

أو « الأحبيّة في ترك الإِستخلاف » بقرينة ما رواه الشبلي في ( آكام المرجان ) عن ابن مسعود، الظّاهر في إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن استخلاف الشيخين.

أو « الأحبيّة في ترك النفاق والرجوع إلى الإِيمان الخالص وتطهير قلوبهم من البغض والحسد لأهل البيت » هذا الحسد الذي ظهر من الشيخين فيما تكلّما به في قضية النجوى، وغير ذلك.

____________________

(١). إلقام الحجر - مخطوط.

٢١٣

أو « الأحبيّة في الهلاك حتى لا تنعقد سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبيّ ».

وأمثال ذلك من وجوه الحمل والتأويل

إذن خلق هذا الإِحتمال في حديث الطّير يفتح الباب لتوجّه ما ذكرناه إلى الحديث الذي اختلقوه في أحبيّة الشيخين، فيكون مصداقاً لقوله تعالى:( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ) .

٥ - أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة غير وارد قط

هذا، وقد نصّ على عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » وإرادة معنى « الزيادة في الجملة » المحقّقون من أهل السنّة، بل نصّ بعضهم على أنّ هذا غير وارد في اللّغة والعرف قطّ فقد قال القوشجي في شرح قول المحقق الطّوسي: « وعلى أكرم أحبّائه » قال:

« أي: آله وأصحابه الذين هم موصوفون بزيادة الكرم على من عداهم ». ثمّ قال القوشجي:

« قيل: لم يرد به معيّناً بل ما يتناول متعدداً، أعني من اتصّف من محبوبيّة بزيادة الكرم في الجملة.

وفيه نظر، لأنّ أفعل التفضيل إذا اُضيف فله معنيان، الأوّل - وهو الشائع الكثير - أنْ يقصد به الزيادة على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. والثاني: أن يقصد به الزيادة مطلقاً لا على جميع ما عداه ممّا اُضيف إليه. وهو بالمعنى الأوّل يجوز أن يقصد بالمفرد منه المتعدد، دون المعنى الثاني. وأمّا أفعل التفضيل بمعنى الزيادة في الجملة فلم يردّ قط »(١) .

إذن، ليس « الأحبّ » في حديث الطّير بمعنى « الأحبّ في الجملة » بل هو الأحبّ على طريقة العموم والإِستغراق، فبطل التأويلات السّخيفة التي

____________________

(١). القوشجي على التجريد: ٣٧٩.

٢١٤

اخترعها أرباب الشّقاق.

وقال صدر الدين الشيرازي في الردّ على التوّهم المذكور:

« وأيضاً: لو كان معناها - أي معنى صيغة التفضيل - ذلك - أي الزيادة في الجملة - فإذا قال سائل: أيّ ابنيك أعلم؟ يصحّ أن يجاب بكليهما. والعارف باللّسان لا يشك في عدم جواز هذا الجواب.

فتبيَّن أن معناها ليس على ما ظنّه، وإصراره على ذلك أدلّ دليل »(١) .

٦ - إختلاف المسلمين في الأفضليّة دليل على عدم الجواز

ثمّ إنّ المسلمين مختلفون في أفضليّة بعض الصّحابة من بعض وهذا واضح ولو كانت الأفضليّة في الجملة جائزة وصحّ إطلاق « الأفضل » وإرادة الأفضليّة من بعض الجهات والوجوه، لانتفى الخلاف وهذا ممّا استدل به صدر الّدين الشيرازي على عدم الجواز حيث قال:

« ثمّ اختلف المسلمون في أفضليّة بعض الصّحابة على بعض، فذهب أهل السنّة إلى أنّ أبا بكر أفضلهم، وأثبتوا ذلك بوجوه مذكورة في موضعها، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا إطلاق الأفضل على غيره منهم.

وذهب الشيّعة إلى أنّ عليّاً أفضلهم، وأثبتوا ذلك بما لهم من الدلائل، وبنوا على إثبات ذلك أنّ غيره من الصّحابة ليس أفضل منه، ومنعوا أنْ يطلق الأفضل على آخر من الصحابة.

واستمرّ الخلاف بينهما، وفي كل من الطائفتين علماء كبار عارفون باللغة حقّ المعرفة، فلو كان معنى الصيغة ما ظنّه هذا القائل لصحّ أن يكون كل واحد منهما أفضل من الآخر، ولم يتمشّ هذا الخلاف والبناء والمنع.

____________________

(١). الحاشية على القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.

٢١٥

وكيف يجوز أنْ يكون معناها ذلك ولم يتنبّه به أحد من هذه الجماعات الكثيرة، ونفي الخلاف والبناء والمنع المذكورة بين الطائفتين من قريب ثمانمائة سنة »(١) .

وعليه، فإنّه لمـّا ثبت « أحبيّة » أمير المؤمنينعليه‌السلام من حديث الطّير والأحاديث الكثيرة غيره، كان إطلاق « الأحبّ » على غيره غير جائز، وبذلك أيضاً يسقط التأويل المذكور، كما يسقط ما وضعوه في « أحبيّة » غيره عليه الصلاة والسلام.

٧ - شواهد عدم الجواز في أخبار الصّحابة وأقوالهم

ولِما ذكرنا من عدم جواز إطلاق « أفعل التفضيل » على « المفضول »، وبطلان حمل « أفعل التفضيل » على « الأفضلية الجزئيّة غير المعتنى بها » شواهد في أقوال الصّحابة والآثار المنقولة عنهم وإليك بعض ذلك:

* قال الغزّالي: « وروي عن ضبّة بن محصن العنزي قال: كان علينا أبو موسى الأشعري أميراً بالبصرة، فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنشأ يدعو لعمررضي‌الله‌عنه . قال: فغاظني ذلك منه، فقمت إليه فقلت له: أين أنت من صاحبه تفضّله عليه؟ فصنع ذلك جمعاً.

ثمّ كتب إلى عمر يشكوني يقول: إنّ ضبّة بن محصن العنزي يتعرّض لي في خطبتي.

فكتب إليه عمر أن أشخصه إليَّ.

قال: فاشخصني إليه، فقدمت فضربت عليه الباب، فخرج إليَّ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا ضبّة بن محصن العنزي. قال فقال لي: فلا مرحباً ولا

____________________

(١). الحاشية على شرح القوشجي على التجريد - مبحث الامامة.

٢١٦

أهلاً. قلت: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل لي ولا مال، فبماذا استحللت - يا عمر - إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ولا شيء أتيته؟

فقال: ما الذي شجر بينك وبين عاملي؟ قال قلت: الآن أخبرك به، إنّه كان إذا خطبنا

قال: فاندفع عمر -رضي‌الله‌عنه - باكياً وهو يقول: أنت - والله - أوفق منه وأرشد، فهل أنت غافر لي ذنبي، يغفر الله لك؟

قال: قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين.

قال: ثمّ اندفع باكياً وهو يقول: والله لليلة أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر، فهل لك أن احدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم.

قال: أمّا اللّيلة، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمـّا أراد الخروج من مكّة هاربا من المشركين، خرج ليلا، فتبعه أبو بكر فهذه ليلته. وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتدّت العرب

ثمّ كتب إلى أبي موسى يلومه »(١) .

فإنّ هذا الخبر يفيد أنّه - بالإِضافة إلى عدم جواز إطلاق صيغة أفعل التفضيل على المفضول، وإلى بطلان حمل أفعل التفضيل على الأفضليّة غير المعتنى بها - لا يجوز الفعل أو الترك المشعر بتفضيل المفضول على الفاضل، وأنّه لا يجوز تأويل ذلك بإرادة التفضيل من بعض الوجوه، وإلّا لما توجّه غيظ ضبّة ولا لوم عمر على أبي موسى الأشعري، بل كان على عمر أن يذكر الوجوه الجزئيّة التي يكون بها أفضل من أبي بكر، فيحمل ما كان يصنعه أبو موسى على ذلك.

* وروى المتقي: « عن ضبّة بن محصن العنزي قال قلت لعمر بن

____________________

(١). إحياء العلوم ٢ / ٢٤٤.

٢١٧

الخطّاب: أنت خير من أبي بكر؟

فبكى وقال: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر عمر. هل لك أنْ أحدّثك بليلته ويومه؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: أمّا ليلته، فلمـّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هارباً وأمّا يومه، فلمـّا توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وارتدّ العرب

الدينوري في المجالسة، وأبو الحسن ابن بشران في فوائده، وق في الدلائل، واللّالكائي في السنّة»(١) .

ولو كان يجوز أن يقال « عمر خير من أبي بكر » ويراد « أنّه خير منه من بعض الوجوه » لمـّا « بكى عمر » فقدّم وفضّل ليلة أبي بكر ويومه على « عمر عمر »!! بل كان له إثبات أفضليته من أبي بكر من بعض الوجوه أمثال « الشدّة » و « الغلظة » و « الفظاظة »!!

* وروى المتّقي قال: « جبير بن نفير - إن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: والله ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقول بالحقّ، ولا أشدّ على المنافقين، منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال عوف بن مالك: كذبتم، والله لقد رأينا خيراً منه بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال: من هو يا عوف؟

فقال: أبو بكر.

فقال عمر: صدق عوف وكذبتم والله، لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضلّ من بعير أهلي.

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٣ رقم: ٣٥٦١٥.

٢١٨

أبو نعيم في فضائل الصحابة. قال ابن كثير: إسناده صحيح »(١) .

ومن الواضح أنه لو جاز إطلاق أفعل التفضيل ببعض الوجوه عير المعتبرة، كان الواجب حمل قول القائلين لعمر: « أنت خير الناس بعد رسول الله » على تلك الوجوه، فلا يقول عوف وعمر لهم: « كذبتم والله ».

* وروى المتقي: « عن عمر قال: خير هذه الاُمة بعد نبيّها: أبو بكر، فمن قال غير هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، وعليه ما على المفتري. اللالكائي »(٢) .

ولو جاز التفضيل بلحاظ وجه غير معتبر لما حكم عمر على من فضّله على أبي بكر بما حكم

* وروى المتقي: « عن زياد بن علاقة قال: رأى عمر رجلاً يقول: إنّ هذا لخير الاُمّة بعد نبيّها. فجعل عمر يضرب الرّجل بالدّرة ويقول: كذب الآخر، لأبو بكر خير منّي ومن أبي ومنك ومن أبيك. خيثمة في فضائل الصّحابة »(٣) .

فلو جاز إطلاق ألفاظ التفضيل - ولو بلحاظ بعض الوجوه - لَما فعل عمر ذلك قطعاً.

* وقال أبو إسماعيل محمّد بن عبد الله الأزدي في أخبار وقعة فحل « فأرسلوا إلى أبي عبيدة أن أرسل إلينا رجلاً من صلحائكم نسأله عمّا تريدون وما تسألون وما تدعون إليه، نخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظّكم إن قبلتم. فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلمـّا دنا منهم نزل عن فرسه وأخذ بلجامه، ثمّ أقبل إليهم يقود فرسه فقالوا لبعض غلمانهم: إنطلق إليه فأمسك فرسه، فجاء الغلام ليمسك له دابّته، فقال معاذ: أنا أمسك فرسي،

____________________

(١). كنز العمال ١٢ / ٤٩٧.

(٢). كنز العمال ١٢ / ٤٩٦.

(٣). كنز العمال ١٢ / ٤٩٥.

٢١٩

لا أُريد أنّ يمسكه أحد غيري، فأقبل يمشي إليهم، فإذا هم على فرش وبسط ونمارق ثمّ أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط.

فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إنّ جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، وإنّ جلوسك على الأرض متنحياً صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلّا قد أزريت بنفسك.

فأخبره الترجمان بمقالتهم، فجثا معاذ على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه وقال للترجمان: قل لهم

فلمـّا فسّر هذا الترجمان لهم نظر بعضهم إلى بعض وتعجّبوا ممّا سمعوا منه وقالوا لترجمانهم: قل له أنت أفضل أصحابك.

فقال معاذ عند ذلك: معاذ الله أن أقول ذلك، وليتني لا أكون شرّهم »(١) .

ولو كان إطلاق صيغة التفضيل على المفضول بلحاظ بعض الحيثيّات جائزاً، لما استنكر معاذ قولهم: « أنت أفضل أصحابك » قطعاً.

٨ - لو كان مراد النبيّ « الأحب في الأكل » لصرّح به

وبعد، فإنّه لو كان مراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصّة الطير طلب أحب الخلق إليه في الأكل لصرّح به، إذ كان يمكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يقول: اللّهم ائتني بالأحبّ في الأكل. لكنّه لم يقل هكذا بل قال: اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطائر.

إن تركهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك العبارة المختصرة، وقوله هكذا، يدلّ بكلّ وضوح وصراحة على معنى فوق الأحبيّة في الأكل، وليس ذلك إلّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد إثبات أنّ الرجل الذي يطلبه أحبّ الخلق إلى الله وإلى رسوله على الإِطلاق والعموم وإلّا فما وجه العدول عن

____________________

(١). فتوح الشام - ذكر وقعة فحل.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460