الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره

الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره33%

الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره مؤلف:
الناشر: مركز الرسالة
تصنيف: متون الأدعية والزيارات
ISBN: 964-8629-83-8
الصفحات: 119

الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره
  • البداية
  • السابق
  • 119 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 48572 / تحميل: 4958
الحجم الحجم الحجم
الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره

الدعاء حقيقته وآدابه وآثاره

مؤلف:
الناشر: مركز الرسالة
ISBN: ٩٦٤-٨٦٢٩-٨٣-٨
العربية

١

٢

٣

٤

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وصلّىٰ الله علىٰ سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين..

وبعد : « إنّ الدعاء مخُّ العبادة ، ولا يهلك مع الدعاء أحد ».

بهذا البيان الوجيز يجمع الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قيمة الدعاء وأثره في الحياة.. فإذا كان الله تعالىٰ قد قال :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) فإنّ الدعاء مخُّ العبادة وجوهرها ، الذي جعله القرآن الكريم في نصّ آخر مرادفاً للعبادة :( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ، فجعل الدعاء هنا ممثلاً للعبادة ومترجماً لها.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : « إنّ الدعاء هو العبادة » ثم تلا هذه الآية الكريمة التي تعبر عن هذا المعنىٰ ، وقال : « هي والله العبادة ، هي والله العبادة » يريد الدعاء..

ومن ناحية اُخرىٰ تعطي هذه الآية الكريمة صورة الدعاء المقابلة لصورة الاستكبار.. صورتان متضادتان ، تعكس الاُولىٰ خصائص العابد العارف بحق ربه تعالىٰ شأنه والعارف بحقيقته عبداً لله ، وبقيمة صلته بخالقه ومولاه ، فيما تعكس الثانية ، ملامح عاصٍ عنيد جافٍ بعيدٍ عن إدراك كل تلك المعاني الاُولىٰ.. ليعود بنا هذا المشهد إلىٰ تصديق دلالة الدعاء علىٰ العبادة ، وكون محلّه منها محل المخّ واللبّ والجوهر والمعنىٰ.

وهذا هو الذي يفسّر لنا النصوص المعصومة التي تفيد بأنّ أفضل العبادة هو الدعاء.. ذلك أن غاية العبادة هي التقرب إلىٰ الله تعالىٰ بمعرفة حقه وسلطانه الذي لا يشركه فيه أحد ، والتذلل إليه المعبر عن يقين المرء بحاجته إلىٰ من بيده ملكوت السماوات والأرض ، الذي لا معطي لما منع ،

٥

ولا مانع لما أعطىٰ ، ولا دافع لما قدّر إلّا هو.

ولا تتجلىٰ هذه المعاني في شيء مثل تجليها في الدعاء ، فهو أفضل وسيلة إذن للتعبير عنها وامتثالها وجداناً وسلوكاً ، حاضراً ومستقبلاً ، إنّها الحالة التي تتجلىٰ فيها العبودية في أروع صورها وأتمّها ، فلا غرابة في أن تكون هي أحب حالات العبد إلىٰ الله تعالىٰ ، ففي حديث أمير المؤمنينعليه‌السلام : « أحبُّ الأعمال إلىٰ الله عزَّ وجلّ في الأرض الدعاء ».

وإذا كانت الشريعة السمحة قد عُنيت بأمر من الاُمور إلىٰ هذا الحدّ ، فلابدّ أن تضع للناس آدابه وشرائطه التي بها يستكمل صورته ويؤتي أُكُلَه ، وهكذا كان شأن هذه الشريعة السمحة والمحجة البيضاء مع الدعاء ، فعرّفت الناس بآدابه ، والتي في مقدمتها الصدق والاخلاص في التوجه إلىٰ الله تعالىٰ ، والثقة به ، واليقين بأنّه سميع مجيب ، وحسن التأدّب بين يديه بأدب العبد الخاضع الذي يرجو نظرة ربه ولطفه ورحمته.. كما عرّفتهم بشروطه التي بها يكون دعاءً صحيحاً ترجىٰ من ورائه أحسن الآثار العاجلة منها والآجلة ، وبدونها سيكون لغواً كسائر ما يهذر به بعض الناس في ساعات التسامح واللامبالاة.

وهذا الكتاب الذي يقدمه مركز الرسالة لقرّائه الكرام ضمن ( سلسلة المعارف الإسلامية ) سينفتح علىٰ كلِّ هذه الآفاق بالتعريف الوافي ، ضمن السياق الروحي والتربوي الذي لا غنىٰ للإنسان عنه.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلىٰ سبيل الرشاد

مركز الرسالة

٦

المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم علىٰ خير الأنام ومصباح الظلام محمد المصطفىٰ الأمين وآله الهداة الميامين. وبعد :

قال تعالىٰ :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (١) .

الدعاء عبادة يمارسها الإنسان في جميع حالاته ، لأنّه يترجم عمق الصلة بين العبد وبارئه ، ويعكس حالة الافتقار المتأصلة في ذات الإنسان إلىٰ الله سبحانه ، والإحساس العميق بالحاجة إليه والرغبة فبما عنده.

فالدعاء مفتاح الحاجات ووسيلة الرغبات ، وهو الباب الذي خوّله تعالىٰ لعباده كي يلجوا إلىٰ ذخائر رحمته وخزائن مغفرته ، وهو الشفاء من الداء ، والسلاح في مواجهة الاعداء ، ومن أقوىٰ الأسباب التي يستدفع بها البلاء ويُردُّ القضاء.

ولذلك فإنّنا نجد الدعاء من أبرز القيم الرفيعة عند الأنبياء والأوصياء والصالحين ، ومن أهمّ السنن المأثورة عنهم.

ولقد اهتمّ الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته المعصومونعليهم‌السلام بالدعاء اهتماماً خاصاً ، وحفلت كتب الدعاء الكثيرة المروية عنهمعليهم‌السلام بتراث فذّ

__________________________

(١) سورة غافر : ٤٠ / ٦٠.

٧

من أدعيتهم ، يُعدُّ صفحة مشرقة من صفحات التراث الإسلامي ، فهو من حيث الفصاحة والبلاغة آية من آيات الأدب الرفيع ، ومن حيث المضمون وسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وتلقين اُصول العقيدة وتهذيب النفوس وصفائها وتنمية نزعاتها الخيرة لتصل إلىٰ درجات الطاعة والفضيلة.

والرسالة التي بين يديك هي إحدىٰ ثمرات ذلك الأدب الرفيع ، فهي دراسة متواضعة تعكس للقارئ الكريم وباسلوب بسيط أهم ما يتعلق بموضوع الدعاء وفقا لما جاء في الكتاب الكريم والسُنّة المطهّرة ، وذلك في أربعة فصول :

الفصل الأول : مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة.

الفصل الثاني : آداب الدعاء.

الفصل الثالث : استجابة الدعاء ، ويشتمل علىٰ العوامل المؤثرة في استجابة الدعاء ، وأسباب تأخر الاجابة ، والدعوات المستجابة وغير المستجابة.

الفصل الرابع : آثار الدعاء في الدنيا والآخرة.

نرجو من الله تعالىٰ أن ينفع بها الإخوة المؤمنين ، ونسأله سبحانه العون والسداد ، ونستلهمه التوفيق والرشاد.

٨

الفصل الأول

مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة

الدعاء في اللغة :

الدعاء : هو أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك.

تقول : دعوت فلانا أدعوه دعاءً ، أي ناديته وطلبت إقباله ، وأصله دُعاوٌ ، إلّا أنّ الواو لمّا جاءت بعد الألف هُمزت.

وللدعاء في الكتاب الكريم وجوه عدّة ، كلّها تدور حول المعنىٰ اللغوي المتقدم ، نذكر منها :

١ ـ النداء ، يقال : دعوت فلاناً ، أي ناديته وصحت به ، قال تعالىٰ :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) (١) أي ، ننادي...

وقد يستعمل كل واحد من النداء والدعاء موضع الآخر ، قال تعالىٰ :( كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ) (٢) .

__________________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٦١.

(٢) سورة البقرة : ٢ / ١٧١.

٩

٢ ـ الطلب ، يقال : دعاه ، أي طلبه ، قال تعالىٰ :( وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا ) (١) ، أي تطلب أن يحمل عنها.

٣ ـ القول ، قال تعالىٰ :( فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا ) (٢) ، أي قولهم إذ جاءهم العذاب.

٤ ـ العبادة ، قال تعالىٰ :( لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ) (٣) ، أي نعبد.

٥ ـ الاستعانة ، قال تعالىٰ :( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ ) (٤) ، أي استعينوا واستغيثوا بهم.

٦ ـ الحثّ علىٰ الشيء ، قال تعالىٰ :( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ) (٥) ، أي حثثتهم علىٰ عبادة الله سبحانه.

٧ ـ النسبة ، قال تعالىٰ :( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ ) (٦) ، أي انسبوهم واعزوهم.

٨ ـ السؤال ، قال تعالىٰ :( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) (٧) أي سله(٨) .

__________________________

(١) سورة فاطر : ٣٥ / ١٨.

(٢) سورة الاعراف : ٧ / ٥.

(٣) سورة الكهف : ١٨ / ١٤.

(٤) سورة البقرة : ٢ / ٢٣.

(٥) سورة نوح : ٧١ / ٥.

(٦) سورة الاحزاب : ٣٣ / ٥.

(٧) سورة البقرة : ٢ / ٦٩.

(٨) يراجع في معنىٰ الدعاء ، صحاح الجوهري ـ دعا ـ ٦ : ٢٣٣٧. ومعجم مقاييس اللغة ـ دعو ـ ٢ : ٢٧٩. وأساس البلاغة ـ دعو ـ ١٣١. والقاموس المحيط ـ دعا ـ ٤ : ٣٢٩. ولسان العرب

١٠

الدعاء في الاصطلاح :

طلب الأدنىٰ من الأعلىٰ : علىٰ جهة الخضوع والاستكانة(١) .

ودعاء العبد ربه جلَّ جلاله : طلب العناية منه ، واستمداده إياه المعونة(٢) .

ويقال : دعوتُ الله أدعوهُ دعاءً : ابتهلتُ إليه بالسؤال ، ورغبتُ فيما عنده من الخير(٣) .

قال تعالىٰ :( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (٤) .

ويقول العلّامة المجلسي : الأدعية المأثورة علىٰ نوعين :

١ ـ الأوراد والأذكار الموظفة المقررة في كلِّ يوم وليلة المشتملة علىٰ تجديد العقائد وطلب المقاصد والأرزاق ودفع كيد الأعداء ونحو ذلك ، وينبغي للمرء أن يجتهد في حضور القلب والتوجه والتضرع عند قرائتها ، لكن يلزم أن لا يتركها إن لم يتيسر ذلك.

٢ ـ المناجاة ، وهي الأدعية المشتملة علىٰ صنوف الكلام في التوبة والاستغاثة والاعتذار وإظهار الحب والتذلل والانكسار ، وظني أنه

__________________________

ـ دعا ـ ١٤ : ٢٥٧. ومفردات الراغب : ١٧٠. والأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء ٢ : ٢٧٠.

(١) عمدة الداعي : ١٢.

(٢) تفسير الرازي ٥ : ٩٧.

(٣) المصباح المنير ١ : ١٩٤.

(٤) سورة غافر : ٤٠ / ٦٠.

١١

لا ينبغي أن تقرأ إلّا مع البكاء والتضرع والخشوع التام ، وينبغي أن تترصد الأوقات لها.

وهذان القسمان من الدعاء ببركة أهل البيتعليهم‌السلام عندنا كثير.

فأما القسم الأول فأكثرها مذكورة في مصباحي الشيخ الطوسي والكفعمي ، وكتابي التتمات والاقبال لابن طاووس في ضمن التعقيبات وأدعية الاُسبوع وأعمال السنة وغيرها.

والقسم الثاني أيضا منشورة في عرض تلك الكتب وغيرها ، كالأدعية الخمس عشرة ، والمناجاة المعروفة بالانجيلية ، ودعاء كميل النخعي وغيرها ، والصحيفة الكاملة جلّها بل كلّها في المقام الثاني(١) .

علاقة الدعاء بالعبادة :

تقدّم أن العبادة هي أحد الاُمور التي يصدق عليها مفهوم الدعاء اللغوي الواسع ، ويدل علىٰ ذلك آيات قرآنية كثيرة وردت في هذا السياق ، منها قوله تعالىٰ :( لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ) (٢) أي لن نعبد إلهاً دونه ، فهذه الآية وغيرها تترجم الصلة اللغوية الدائمة القائمة بين العبادة والدعاء.

أما الصلة الاصطلاحية بين العبادة والدعاء ، فإنّ الدعاء في نفسه عبادة ؛ لأنّهما يشتركان في حقيقة واحدة ، هي إظهار الخشوع والافتقار إلىٰ الله تعالىٰ ، وهو غاية الخلق وعلّته ، قال تعالىٰ :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ

__________________________

(١) الاعتقادات / المجلسي : ٤١.

(٢) سورة الكهف: ١٨ / ١٤.

١٢

وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (١) ، وقال تعالىٰ :( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) (٢) .

فالدعاء والعبادة يعكسان الفقر المتأصل في كيان الإنسان إلىٰ خالقه تعالىٰ مع إحساسه العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : «الدعاء هو العبادة التي قال الله : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) »(٣) يعني أنّ الدعاء هو معظم العبادة وأفضلها ، وذلك كقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« الحج عرفة » أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم(٤) .

ويؤيد ذلك حديث الإمام الباقرعليه‌السلام :« أفضل العبادة الدعاء » (٥) .

وما رواه سدير عنهعليه‌السلام ، قال : قلت لأبي جعفر الباقرعليه‌السلام : أي العبادة أفضل ؟ فقالعليه‌السلام :« ما من شيء أفضل عند الله عزَّ وجلَّ من أن يسأل ويطلب ممّا عنده » (٦) .

وإذا قيل : إنّ الدعاء لا يصحّ إطلاقه علىٰ العبادة الشرعية التكليفية ، فإنّ الصيام مثلاً لا يسمىٰ دعاءً لغةً ولا شرعاً ، وعليه فليس كلّ عبادة شرعية دعاءً.

__________________________

(١) سورة الذاريات : ٥١ / ٥٦.

(٢) سورة الفرقان : ٢٥ / ٧٧.

(٣) الكافي ٢ : ٣٣٩ / ٧ ، والآية من سورة غافر : ٤٠ / ٦٠.

(٤) تفسير الرازي ٥ : ٩٩.

(٥) الكافي ٢ : ٣٣٨ / ١.

(٦) الكافي ٢ : ٣٣٨ / ٢.

١٣

نقول : ( الدعاء من العبد لربه : هو عطف رحمته وعنايته إلىٰ نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية ، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاءً ، لأنّ العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية والذلّة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلىٰ نفسه ، وهو الدعاء )(١) .

وإلى ذلك يشير قوله تعالىٰ :( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (٢) ، فالآية تدعو إلىٰ الدعاء وتحثّ عليه وتعد بالاجابة ، وتزيد علىٰ ذلك حيث تسمي الدعاء عبادة ، فقد عبّرت أولاً بالدعاء ( ادعوني ) ثمّ عبرت عن الدعاء بالعبادة ( عن عبادتي ) أي عن دعائي ، بل ( إنّ الآية تجعل مطلق العبادة دعاءً ، حيث إنها تشتمل علىٰ الوعيد لترك الدعاء بالنار ، والوعيد بالنار إنّما هو علىٰ ترك العبادة رأساً ، لا علىٰ ترك بعض أقسامها دون بعض ، فأصل العبادة إذن دعاء )(٣) .

وإذا تأملنا في قوله تعالىٰ :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (٤) .

نلاحظ أنه ( كما يشتمل علىٰ الحكم وهو إجابة الدعاء ، كذلك يشتمل علىٰ علله ، فكون الداعين عباداً لله تعالىٰ هو الموجب لقربه منهم ، وقربه منهم هو الموجب لاجابته المطلقة لدعائهم )(٥) .

__________________________

(١) تفسير الميزان ١٠ : ٣٨.

(٢) سورة غافر ٤٠ : ٦٠.

(٣) تفسير الميزان ٢ : ٣٣.

(٤) سورة البقرة : ٢ / ١٨٦.

(٥) تفسير الميزان ٢ : ٣٢.

١٤

فاخلاص العبودية لله تعالىٰ هو علّة القرب منه تعالىٰ والارتباط به ، والقرب منه هو مظنّة الإجابة ، وهو يكشف عن الصلة الموضوعية بين حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« عليكم بالدعاء ، فانكم لا تُقرّبون بمثله » (١) .

الدعاء مخُّ العبادة :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« الدعاء مخُّ العبادة ، ولا يهلك مع الدعاء أحد » (٢) هذا الحديث المبارك يكشف لنا عن جوهر العبادة وحقيقتها التي تتجلىٰ في إقبال العبد المحتاج علىٰ المعبود الغني( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٣) .

وهذا الاقبال هو التعبير الحي عن الصلة الموضوعية بين الخالق والمخلوق ، وعن شعور الإنسان بحاجته الدائمة إلىٰ ربّه تعالىٰ في جميع أموره واعترافه الخاضع بالعبودية له تعالىٰ ، والتي تتجسد في الشعور بالارتباط العميق بالله سبحانه ، فجوهر العبادة إذن هو تحقيق الارتباط والعلاقة بين الخالق والمخلوق ، والدعاء هو أوسع أبواب ذلك الارتباط وتلك العلاقة ، فهو إذن مخ العبادة وحقيقتها وأجلىٰ صورها ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أفضل العبادة الدعاء ، وإذا أذن الله لعبد في الدعاء فتح له أبواب الرحمة ، إنّه لن يهلك مع الدعاء أحد » (٤) .

__________________________

(١) الكافي ٢ : ٣٣٩ / ٦.

(٢) بحار الأنوار ٩٣ : ٣٠٠.

(٣) سورة فاطر : ٣٥ / ١٥.

(٤) عدة الداعي : ٣٥.

١٥

الدعاء في البلاء والرخاء :

الدعاء باعتباره عبادة تسمو بالنفس وتشرق بالروح وتوصل الإنسان بربه بارىء الكون ، يجب أن لا ينحصر في وقت الشدة والاضطرار بل يجب أن يكون في جميع الأحوال ، نابعاً من التسامي النفسي والانفتاح الروحي والكمال الانساني.

الدعاء في البلاء :

إنّ علاقة الإنسان بربه علاقة ذاتية متأصلة في نفس الإنسان ، ولكلِّ امرئ طريق من قلبه إلىٰ خالقه ، وثمة باب في القلوب يفتح إلىٰ من بيده مجريات الأحداث وهو بكلِّ شيء محيط ، فحتىٰ أشقىٰ الأشقياء نجده عند الابتلاء بالمصائب والمحن ، وعندما توصد في وجهه الأبواب ، وتنقطع به العلل والأسباب ، يفزع إلىٰ خالقه وينقطع إليه ضارعاً منكسراً ، وهذا أمر ذاتي يتساوىٰ فيه الناس مهما كانت اتجاهاتهم وميولهم ، قال تعالىٰ :( وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ) (١) .

وقال تعالىٰ :( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) (٢) .

وقال تعالىٰ :( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا ) (٣) ، والآيات في هذا المعنىٰ

__________________________

(١) سورة يونس : ١٠ / ١٢.

(٢) سورة الروم : ٣٠ / ٣٣.

(٣) سورة الاسراء ١٧ : ٦٧.

١٦

كثيرة ، وكلّها تدلُّ علىٰ أنّ التوجه إلىٰ الله تعالىٰ في حال الشدة والاضطرار أصيل في فطرة الإنسان وطبيعي في وجوده.

قال رجل للإمام الصادقعليه‌السلام : يا بن رسول الله ، دلّني علىٰ الله ما هو ؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني ، فقال له :« يا عبد الله ، هل ركبت سفينة قط ؟ قال : نعم. قالعليه‌السلام :فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك ؟ قال : نعم ، قالعليه‌السلام :فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادرٌ علىٰ أن يخلصك من ورطتك ؟ قال : نعم. قال الإمام الصادقعليه‌السلام :فذلك الشيء هو الله القادر علىٰ الانجاء حيث لا منجي، وعلىٰ الاغاثة حيث لا مغيث » (١) .

لقد جعل الإمام الصادقعليه‌السلام الرجل يعرف الله تعالىٰ عن طريق قلبه ، لقد دلّه الإمامعليه‌السلام علىٰ ذلك الطريق الذي يوصل بين القلب والخالق القادر ، إنّ هذا الاتجاه الفطري الذي يتجلّىٰ عند تقطع الأسباب ويتوجه إلىٰ القدرة القاهرة الغالبة علىٰ الأسباب والعلل الظاهرة ، هو الدليل علىٰ وجود تلك القدرة ، ولولا وجودها لما وجدت تلك الفطرة في قلب الإنسان.

إنّ التوجه إلىٰ الله تعالىٰ في حال الشدّة والاضطرار والتضرع إليه بالدعاء ، أمرٌ غير مرئي بالحواس ، ويمكننا أن نشبّهه بتوجّه غريزي مرئي ومعروف ، ذلك هو ميل الطفل إلىٰ ثدي أُمّه ، هو غريزة تنشأ معه منذ ولادته ، فإذا جاع تحركت فيه هذه الغريزة وهدته إلىٰ البحث عن ثدي أُمّه الذي لم يره ولم يعرفه ولم يتعوّد عليه ، فلولا وجود ثدي ولبن يناسبان

__________________________

(١) بحار الأنوار ٣ : ٤١ / ١٦.

١٧

معدة الطفل لما أرشدته الغريزة إليهما ، وكذلك حال الغرائز الاُخرىٰ في الإنسان ، فلولا وجود تلك القدرة القاهرة لما وجدت تلك الفطرة وذلك التوجّه الغريزي في ذات الإنسان.

إنَّ هذا الأمر الأصيل في وجود الإنسان ، قد تغطّيه حجب الإثم والشقاء بعدما يظهر للعيان بنداء الفطرة ، فيتراءىٰ للإنسان أنّه قد استغنىٰ ، فيطغىٰ ويعرض عن خالقه متعلّقاً بالاسباب التي هي دونه ، قال تعالىٰ :( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ) (١) ، وقال تعالىٰ :( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ) (٢) ، وقال تعالىٰ :( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ) (٣) .

فإذا اقتصر الإنسان علىٰ الدعاء في حال الاضطرار والشدة ، فان ذلك لا يمثل كمالاً إنسانياً ولا إخلاصاً عبادياً ، بل هو جفاء وقسوة وابتعاد عن رحاب الرحمة والمغفرة.

الدعاء في الرخاء :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موصياً الفضل بن العباس :« احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إلىٰ الله في الرخاء يعرفك في الشدّة » (٤) يعني أدع الله في الرخاء ولا تنسه حتىٰ يستجيب لدعائك في الشدّة ولاينساك ، ولا تكن من الذين نسوا الله فنسيهم ، وذلك لأنّ من نسي ربه

__________________________

(١) سورة العلق : ٩٦ / ٦ ـ ٧.

(٢) سورة يونس : ١٠ / ١٢.

(٣) سورة الاسراء : ١٧ / ٦٧.

(٤) الفقيه ٤ : ٢٩٦ / ٨٩٦.

١٨

في الرخاء أذعن باستقلال الأسباب في الرخاء ، ثم إذا دعا ربه في الشدّة ، كان معنىٰ عمله أنّه يذعن بالربوبية في حال الشدّة وحسب ، وليس هو تعالىٰ علىٰ هذه الصفة ، بل هو ربّ في كلِّ حال وعلىٰ جميع التقادير.

عندما يكون الإنسان في حال رخاء واطمئنان ، يجب أن يعلم بأنّ ما هو فيه من نعمة مزجاة هي من الله ، وأنه هو القادر علىٰ أن يسلبه إياها كما هو القادر علىٰ أن يزيده منها ، وذلك لأنّه خالق الكون والانسان والحياة ، وأنه اللطيف بعباده الرؤوف بهم.

ولهذا نجد أنّ الأنبياء والأوصياء والصالحين يتوجهون إلىٰ ربهم بنفس متسامية مشرقة حتىٰ عندما يكونون في رخاء وبحبوحة عيش ، يدعون ربهم ويتوسلون به ليديم عليهم نعمته ويزيدهم من فضله :( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (١) .

إنّ الله تعالىٰ يستجيب لهم وينظر إليهم بعين رحمته في حال رخائهم ، ويسرع إلىٰ نجدتهم ورفع البلاء عنهم في حال المحنة والابتلاء كما يسرعون إلىٰ استدعاء رحمة ربهم ، وقد ورد في الروايات ما يدلُّ علىٰ استحباب التقدم بالدعاء في الرخاء قبل نزول البلاء.

فعن الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام أنّه كان يقول :« ما من أحد ابتلي وان عظمت بلواه أحقُّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء » (٢) .

__________________________

(١) سورة الأنبياء : ٢١ / ٨٩ ـ ٩٠.

(٢) الفقيه ٤ : ٢٨٥ / ٨٥٣. وأمالي الصدوق : ٢١٨ / ٥. ونهج البلاغة ـ الحكمة ٣٠٢.

١٩

وعن الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام أنّه كان يقول :« لم أرَ مثل التقدّم في الدعاء ، فان العبد ليس تحضره الاجابة في كلِّ ساعة » (١) .

وعن الإمام أبي الحسنعليه‌السلام :« ان أبا جعفر عليه‌السلام كان يقول : ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً من دعائه في الشدة ، ليس إذا اعطي فتر ، فلا تملّ الدعاء ، فانه من الله عزَّ وجل بمكان » (٢) .

فالدعاء الاضطراري الذي يمثل نداء الفطرة والغريزة لا تتخطّاه الاجابة ، لأنّه يقع ضمن دائرة الرحمة الالهية التي وسعت كل شيء ، والدعاء الاختياري الذي يصدر عن منطقة الوعي ونداء العقل وينبض بحركة الروح والشعور في الذات وحركة القلب المنقطع إلىٰ ربه المتخلي عن جميع الأسباب في الشدة والرخاء ، هو الآخر لا تتخطّاه الاجابة ، وهو مخُّ العبادة وجوهرها النقي ، وهو الذي وصف به المتقون :« ذُبُل الشفاه من الدعاء ، صُفُر الألوان من السهر ، علىٰ وجوههم غيرة الخاشعين » (٣) .

والدعاء بالمعنىٰ الأخير عبادة حيّة متحركة لا تخضع للزمان والمكان المعينين ولا للأفعال الخاصة والكلمات المحددة ، بل ينطلق فيها الإنسان حراً في المكان الذي يقف فيه ، والوقت الذي يختاره ، واللغة التي يتحدث بها ، والكلمات التي يعبر بها ، والمضمون الذي يريده.

اقتران الدعاء بمظاهر العبادة :

لقد اهتم الشارع المقدس بالدعاء لأنّه أحب الأعمال إلىٰ الله تعالىٰ في

__________________________

(١) الارشاد : ٢٥٩.

(٢) ٢ : ٣٥٤ / ١. وقرب الاسناد : ١٧١.

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ١٢١.

٢٠

الأرض ، فقرّر لآناء الليل والنهار ولكلِّ يوم من أيام الاسبوع وللشهور والسنين أدعية خاصة ، وجعل كذلك لكلِّ حالة من حالات الانسان ولكل فعل يريد الاقدام عليه ولجميع مطالبه الدنيوية والاخروية وظائف من الدعاء والذكر.

ويأتي في مقدمة ذلك اقتران الدعاء بسائر العبادات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلىٰ خالقه تعالىٰ بشكل لا يقبل الانفصال ، ففي الصلاة والصيام والحج دعوات قررتها الشريعة المقدسة في أوقات معينة.

ومن موارد الدعاء في الصلاة تأكد استحبابه في الركعة الثانية من كل فريضة أو نافلة وفي السجود وفي أدبار الصلوات.

القنوت :

القنوت شرعاً : الذكر في حال مخصوص ، وهو مستحبّ في كلِّ صلاة مرّة واحدة ، فرضاً كانت أو نفلاً ، أداءً أو قضاءً ، عند علمائنا أجمع ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع(1) .

قال الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام :« القنوت في كلِّ صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع » (2) .

ومما ورد في فضل القنوت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أطولكم قنوتاً في دار الدنيا ، أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف » (3) .

__________________________

(1) جواهر الكلام 10 : 353.

(2) الكافي 3 : 340 / 7. والتهذيب 2 : 89 / 330.

(3) ثواب الأعمال : 33. وأمالي الصدوق : 411.

٢١

ويجوز الدعاء في القنوت بكل ما جرىٰ علىٰ اللسان ، لما روي عن إسماعيل بن الفضل ، قال : سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن القنوت وما يقال فيه ، فقالعليه‌السلام :« ما قضىٰ الله علىٰ لسانك ، ولا أعلم فيه شيئاً مؤقتا » (1) .

ويستحب الدعاء بالمأثور لتجاوز الخطأ واللحن الشائع علىٰ الألسن في هذا الزمان ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« يجزيك في القنوت : اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا ، وعافنا وأعفُ عنا في الدنيا والآخرة ، إنّك علىٰ كلِّ شيءٍ قدير » (2) .

الدعاء في السجود :

إنّ الدعاء هو الاقبال إلىٰ الله تعالىٰ والانقطاع إليه ليتحقق القرب من منازل الرحمة الالهية ، والسجود باعتباره روح العبادة حيث تتجلّىٰ فيه منتهىٰ العبودية والخضوع للواحد الأحد ، يحقّق الغرض المراد من الدعاء ، وهو القرب من رحاب الخالق جلَّ وعلا ، فعلىٰ العبد أن ينتهز فرصة القرب ليسأل من خزائن رحمة ربه وذخائر مغفرته.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« عليك بالدعاء وأنت ساجد ، فإنّ أقرب ما يكون العبد إلىٰ الله وهو ساجد » (3) .

وعنهعليه‌السلام :« إنّ العبد إذا سجد فقال : يا ربِّ يا ربِّ حتىٰ ينقطع نفسه ، قال له الربّ : لبيك ما حاجتك ؟ » (4) .

__________________________

(1) الكافي 3 : 340 / 8. والتهذيب 2 : 314 / 1281.

(2) الكافي 3 : 340 / 12. والتهذيب 2 : 87 / 322.

(3) الكافي 3 : 324 / 11.

(4) بحار الأنوار 86 : 205 / 19.

٢٢

ويستحب أن يدعو العبد بالمأثور أثناء السجود ، فعن جميل بن دراج ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال :« أقرب ما يكون العبد من ربِّه إذا دعا ربه وهو ساجد ، فأي شيء تقول إذا سجدت ؟ » .

قلت : علّمني ـ جعلت فداك ـ ما أقول ؟

قالعليه‌السلام : « قل : يا رب الأرباب ، ويا ملك الملوك ، ويا سيد السادات ، ويا جبار الجبابرة ، ويا إله الآلهة ، صلِّ علىٰ محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا.

ثمّ قل : فإنّي عبدك ، ناصيتي بيدك ، ثم ادع بما شئت وسله ، فانه جواد ولا يتعاظمه شيء »(1) .

وعنهعليه‌السلام :« أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا وضع وجهه للسجود يقول : اللهمَّ مغفرتك أوسع من ذنوبي ، ورحمتك أرجىٰ عندي من عملي ، فاغفر لي ذنوبي يا حياً لا يموت » (2) .

وسنأتي علىٰ الموارد الاُخرىٰ من مظاهر العبادة التي تقترن بالدعاء في الفصل الثالث عند ذكر تأثير عامل الزمان والمكان في استجابة الدعاء.

__________________________

(1) الكافي 3 : 323 / 7.

(2) سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : 337 / 392.

٢٣
٢٤

الفصل الثاني

آداب الدعاء وشروطه

لقد حدّدت النصوص الإسلامية آداباً للدعاء وقررت شروطاً ، لا بدّ للداعي أن يراعيها كي يتقرّب إلىٰ خزائن رحمة الله تعالىٰ وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقّق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ولا تحصل له نورانية القلب وتهذيب النفس وسمو الروح المطلوبة في الدعاء.

وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :

1 ـ الطهارة :

من آداب الدعاء أن يكون الداعي علىٰ وضوء ، سيّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد روىٰ مسمع عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« يا مسمع ، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما ؟ أما سمعت الله يقول : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) ؟ »(1) .

__________________________

(1) تفسير العياشي 1 : 43 / 139.

٢٥

2 ـ الصدقة وشمّ الطيب والرواح إلىٰ المسجد :

روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« كان أبي إذا طلب الحاجة... قدّم شيئاً فتصدق به ، وشمّ شيئاً من طيب ، وراح إلىٰ المسجد.. » (1) .

3 ـ الصلاة :

ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، للرواية المتقدمة في الطهارة ، ولما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلىٰ ركعتين ، فأتمّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلّم وأثنىٰ علىٰ الله عزَّ وجلّ وعلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمَّ سأل حاجته ، فقد طلب الخير في مظانّه ، ومن طلب الخير في مظانّه لم يخب » (2) .

4 ـ البسملة :

ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« لا يُرَدُّ دعاءٌ أوّله بسم الله الرحمن الرحيم » (3) .

5 ـ الثناء علىٰ الله تعالىٰ :

الثناء علىٰ الله سبحانه اعترافٌ بالوحدانية ، وتحقيقٌ للانقطاع التامّ إلىٰ الله تعالىٰ دون ما سواه ، فينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربّه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد الله ويثني عليه ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء ، يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام :« الحمدُ لله الذي جعل

__________________________

(1) الكافي 2 : 347 / 7.

(2) بحار الأنوار 93 : 314 / 20.

(3) بحار الأنوار 93 : 313.

٢٦

الحمد مفتاحاً لذكره ، وسببا للمزيد من فضله.. » (1) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن علىٰ ربِه وليمدحه » (2) .

وقد أعدّ الله تعالىٰ لمن يمدحه ويمجده علىٰ حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« من تشاغل بالثناء علىٰ الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين » (3) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنّ العبد لتكون له الحاجة إلىٰ الله فيبدأ بالثناء علىٰ الله والصلاة علىٰ محمد وآله حتى ينسىٰ حاجته ، فيقضيها من غير أن يسأله إياها » (4) .

أما ما يجزي من الثناء علىٰ الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه سئل عن ذلك فقال :« تقول : اللهمّ أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم » (5) .

6 ـ الدعاء بالاسماء الحسنىٰ :

وعلى الداعي أن يدعو الله تعالىٰ بأسمائه الحسنىٰ ، لقوله تعالىٰ :

__________________________

(1) نهج البلاغة : الخطبة 157.

(2) الكافي 2 : 352 / 6.

(3) شرح ابن أبي الحديد 6 : 190.

(4) بحار الأنوار 93 : 312.

(5) الكافي 2 : 365 / 6.

٢٧

( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) (1) ، وقوله تعالىٰ :( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) (2) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« لله عزَّ وجلّ تسعة وتسعون اسماً ، من دعا الله بها استُجيب له » (3) .

واعلم أن بعض أهل العلم يقول : ينبغي للداعي إذا مجّد الله سبحانه وأثنىٰ عليه أن يذكر من أسماء الله الحسنىٰ ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه الرزق يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب.

وإن كان مطلوبه المغفرة والتوبة ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، ياذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم.

وإن كان مطلوبه الانتقام من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المردة ، يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء.

ولو كان مطلوبه العلم يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك(4) .

__________________________

(1) سورة الاعراف : 7 / 180.

(2) سورة الاسراء : 17 / 110.

(3) التوحيد : 195 / 9.

(4) عدة الداعي : 199.

٢٨

وقد ورد في الروايات عن أهل البيتعليهم‌السلام تأكيد كثير علىٰ الدعاء بالأسماء الحسنىٰ ، وأنّ الله تعالىٰ يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه باسمائه الحسنىٰ خصوصاً في حال السجود.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« من قال : يا الله يا الله عشر مرات قيل له : لبيك ما حاجتك ؟ » (1) .

وعنهعليه‌السلام قال :« إذا قال العبد وهو ساجد : يا الله يا رباه يا سيداه ، ثلاث مرات ، أجابه تبارك وتعالى : لبيك عبدي ، سل حاجتك » (2) .

وقالعليه‌السلام :« كان أبي إذا لجّت به الحاجة يسجد من غير صلاة ولا ركوع ثم يقول : يا أرحم الراحمين ، سبع مرات ، ثم يسأل حاجته ، ثم قال : ما قالها أحد سبع مرات إلّا قال الله تعالىٰ : ها أنا أرحم الراحمين ، سل حاجتك » (3) .

7 ـ الصلاة علىٰ النبي وآله :

لا بدّ للداعي أن يصلي علىٰ محمد وآله بعد الحمد والثناء علىٰ الله سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأهل بيته المعصومين الذي هو في امتداد الولاء لله تعالىٰ ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« لا يزال الدعاء محجوباً حتىٰ يصلىٰ عليَّ وعلىٰ

__________________________

(1) الكافي 2 : 377 / 1.

(2) أمالي الصدوق : 335 / 6.

(3) وسائل الشيعة 7 : 88 / 16.

٢٩

أهل بيتي » (1) .

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :« كل دعاء محجوب حتىٰ يصلىٰ علىٰ محمد وآل محمد » رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات(2) .

وقالعليه‌السلام :« إذا كانت لك إلىٰ الله سبحانه حاجة ، فابدأ بمسألة الصلاة علىٰ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم سل حاجتك ، فإنّ الله أكرم من أن يُسأل حاجتين فيقي إحداهما ويمنع الاُخرىٰ » (3) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« من دعا ولم يذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفرف الدعاء علىٰ رأسه ، فإذا ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفع الدعاء » (4) .

واعلم أن الصلاة علىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما تكون بعد الثناء ، لما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة حتىٰ يبدأ بالثناء علىٰ الله عزَّ وجل والمدح له ، والصلاة علىٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يسأل الله حوائجه » (5) .

أما في كيفية الصلاة علىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد روي بالاسناد عن بريدة ، قال قلنا : يا رسول الله ، قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك علىٰ

__________________________

(1) كفاية الأثر : 39.

(2) مجمع الزوائد 10 : 160.

(3) نهج البلاغة : الحكمة 361.

(4) الكافي 2 : 356 / 2.

(5) الكافي 2 : 351 / 1.

٣٠

محمد وآل محمد كما جعلتها علىٰ آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد » (1) .

ومن نماذج الصلاة علىٰ النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام في الدعاء ما روي بالاسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : جعلت فداك ، كيف الصلاة علىٰ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فقال :« قُلْ : اللهمَّ صلِّ علىٰ محمد وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، اللهمَّ صلِّ علىٰ محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ علىٰ محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ علىٰ محمد وأهل بيته الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلّىٰ الله عليه وعلىٰ أهل بيته » (2) .

ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام أنّه يجعل الثناء والصلاة علىٰ النبي وآله مفتاحاً لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأمّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أوّل الدعاء وآخره ووسطه » (3) .

ومن نماذج أدعية الإمام السجادعليه‌السلام التي تبدأ بالثناء فالصلاة علىٰ النبي في جميع فقرات الدعاء ثم المسألة ، قولهعليه‌السلام :« يا من لا تنقضي عجائب عظمته صلِّ علىٰ محمد وآله واحجبنا عن الالحاد في عظمتك ، ويا

__________________________

(1) مجمع الزوائد 10 : 163.

(2) بحار الأنوار 94 : 67 / 55.

(3) بحار الأنوار 93 : 316.

٣١

من لا تنتهي مدة ملكه صلِّ علىٰ محمد وآله واعتق رقابنا من نقمتك ، ويا من لا تفنىٰ خزائن رحمته صلِّ علىٰ محمد وآله واجعل لنا نصيباً في رحمتك ، ويا من تنقطع دون رؤيته الأبصار صلِّ علىٰ محمد وآله وأدننا إلىٰ قربك » (1) .

8 ـ التوسل بمحمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر الله تعالىٰ بها ، وأهل البيتعليهم‌السلام هم سفن النجاة لهذه الاُمّة ، فحريّ بمن دعا الله تعالىٰ أن يتوسل إلىٰ الله بهم ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« الأوصياء مني... بهم تُنصَر أُمّتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع الله عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم » (2) .

وقال الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام :« من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك » (3) .

وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبداللهعليه‌السلام أكثر ما يلحُّ به في الدعاء علىٰ الله بحق الخمسة ، يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام (4) .

ومن نماذج التوسل المروي عنهمعليهم‌السلام هو أن تقول :« اللهمَّ إني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي

__________________________

(1) الصحيفة السجادية : الدعاء (5).

(2) تفسير العياشي 1 : 14 / 2.

(3) أمالي الشيخ الطوسي 1 : 175.

(4) الكافي 2 : 422 / 11.

٣٢

حوائجي » (1) .

وعن سماعة بن مهران ، قال : قال لي أبو الحسنعليه‌السلام :« إذا كان لك يا سماعة عند الله حاجة فقل : اللهمَّ إني أسألك بحق محمد وعلي ، فانّ لهما عندك شأناً من الشأن ، وقدراً من القدر ، فبحقّ ذلك الشأن وبحقّ ذلك القدر أن تصلي علىٰ محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا » (2) .

9 ـ الاقرار بالذنوب :

وعلىٰ الداعي أن يعترف بذنوبه مقراً مذعناً تائباً عمّا اقترفه من خطايا وما ارتكبه من ذنوب ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنّما هي المدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنّه والله ما خرج عبد من ذنب إلّا بالاقرار » (3) .

وكان من دعاء الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المروي عن كميل بن زياد :« وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي علىٰ نفسي ، معتذراً نادماً ، منكسراً مستقيلاً ، مستغفراً منيباً ، مقراً مذعناً معترفاً ، لا أجد مفراً مما كان مني ، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفكني من شدِّ وثاقي » (4) .

__________________________

(1) بحار الأنوار 94 : 22 / 19.

(2) وسائل الشيعة 7 : 102 / 9.

(3) الكافي 2 : 351 / 3.

(4) نهج السعادة : 154 ـ كتاب الدعاء.

٣٣

10 ـ المسألة :

وينبغي للداعي أن يذكر بعد الثناء علىٰ الله تعالىٰ والصلاة علىٰ النبي وآله والاقرار بالذنب ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنه يطلب من ربِّ السمٰوات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء.

وعليه أيضاً أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها ، إنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار » (1) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :« ليسأل أحدكم ربه حاجته كلّها حتىٰ يسأله شسع نعله إذا انقطع » (2) .

ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلىٰ مولاه أن يسأل ما يبقىٰ جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلىٰ الله تعالىٰ التي يتساوىٰ فيها جميع البشر.

جاء في وصية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لولده الحسنعليه‌السلام :« فلتكن مسألتك فيما يبقىٰ لك جماله ، ويُنفىٰ عنك وباله ، فالمال لا يبقىٰ لك ولا تبقىٰ له » (3) .

وروي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال :« بكىٰ أبو ذر من خشية الله حتىٰ

__________________________

(1) الكافي 2 : 339 / 6.

(2) بحار الأنوار 93 : 295 و 300.

(3) نهج البلاغة : الكتاب (31).

٣٤

اشتكىٰ بصره ، فقيل له : لو دعوت الله أن يشفي بصرك ؟ فقال : إنّي عن ذلك لمشغول ، وما هو من أكبر همّي. قالوا : وما يشغلك عنه ؟ قال : العظيمتان : الجنة والنار » (1) .

وجاء في الحديث القدسي :« يا عبادي كلكم ضال إلّا من هديته ، فاسألوني الهدىٰ أُهدكم ، وكلكم فقير إلّا من أغنيته ، فاسألوني الغنىٰ أرزقكم ، وكلكم مذنب إلّا من عافيته ، فاسألوني المغفرة أغفر لكم » (2) .

ومن دعاء الإمام زين العابدينعليه‌السلام : « ياذا الجلال والاكرام أسألك عملاً تُحبُّ به من عمل به ، ويقينا تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك.

اللهمَّ صلِّ علىٰ محمد وآل محمد ، واقبض علىٰ الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلىٰ لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك »(3) .

11 ـ معرفة الله وحسن الظنّ به سبحانه :

قال العلّامة الحليرضي‌الله‌عنه : من شروط حسن الدعاء علم الداعي كون ما يطلبه بدعائه مقدوراً لمن يدعوه ، وهذا يتضمن أن من دعا الله تعالىٰ يجب أن يكون عارفاً به وبصفاته(4) .

فعلىٰ الداعي أن يوقن برحمة الله اللامتناهية ، وبأنّه سبحانه لا يمنع

__________________________

(1) بحار الأنوار 22 : 431 / 40.

(2) بحار الأنوار 93 : 293 / 20.

(3) الصحيفة السجادية : الدعاء (54).

(4) منهاج اليقين : 375.

٣٥

أحداً من فيض نعمته ، وأن باب رحمته لا يغلق أبداً.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« قال الله عزَّ وجلّ : من سألني وهو يعلم أني أضرُّ وأنفع استجبت له » (1) .

وقيل للإمام الصادقعليه‌السلام : ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا. قال :« لأنكم تدعون من لا تعرفونه » (2) .

وفي قوله تعالى :( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ) (3) قالعليه‌السلام :« يعلمون أني أقدر علىٰ أن أعطيهم ما يسألون » (4) .

وحسن الظن بالله هو من شعب معرفته سبحانه ، فعلىٰ الداعي أن يحسن الظن باستجابة دعائه ، لو عدّه الصادق بقوله تعالىٰ :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (5) ، وقوله :( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (6) وأنّه لا يخلف الميعاد.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« ادعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة » (7) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إذا دعوت فأقبل بقلبك ، وظنّ حاجتك __________________________

(1) بحار الأنوار 93 : 305.

(2) شرح ابن أبي الحديد 11 : 230. وبحار الأنوار 93 : 368 / 4.

(3) سورة البقرة : 2 / 186.

(4) تفسير العياشي 1 : 83 / 196.

(5) سورة غافر : 40 / 60.

(6) سورة النمل : 27 / 62.

(7) بحار الأنوار 93 : 305 و 321.

٣٦

بالباب » (1) .

ومن دعاء الإمام زين العبادينعليه‌السلام :« اللهمَّ قد أكدى الطلب وأعيت الحيل إلّا عندك ، وضاقت المذاهب وامتنعت المطالب وعسرت الرغائب وانقطعت الطرق إلّا إليك ، وتصرّمت الآمال وانقطع الرجاء إلّا منك ، وخابت الثقة وأخلف الظنَّ إلّا بك ، اللهمَّ إني أجد سبل المطالب إليك منهجة ، ومناهل الرجاء إليك مفتّحة ، وأعلم أنّك لمن دعاك لموضع إجابة ، وللصارخ إليك لمرصد إغاثة ، وأن القاصد لك لقريب المسافة منك.. » (2) .

12 ـ العمل بما تقتضيه المعرفة :

علىٰ الداعي أن يعمل بما تقتضيه المعرفة لخالقه ، بأن يفي بعهد الله ويطيع أوامره ، وهما من أهم الشروط في استجابة الدعاء.

عن جميل ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال : قال له رجل : جعلت فداك ، إنّ الله يقول :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (3) وإنّا ندعو فلا يستجاب لنا ! قالعليه‌السلام :« لأنكم لا توفون بعهد الله ، لو وفيتم لوفىٰ الله لكم » (4) .

وعن أبي حمزة ، قال : إنّ الله أوحىٰ إلىٰ داودعليه‌السلام :« يا داود ، إنّه ليس عبد من عبادي يطيعني فيما آمره إلّا أعطيته قبل أن يسألني ، وأستجيب له

__________________________

(1) الكافي 2 : 344 / 3.

(2) بحار الأنوار 95 : 450 / 3.

(3) سورة غافر : 40 / 60.

(4) تفسير القمي 1 : 46 في تفسير قوله تعالىٰ :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) البقرة : 2 / 40.

٣٧

قبل أن يدعوني » (1) .

13 ـ الاقبال علىٰ الله :

من أهم آداب الدعاء هو أن يقبل الداعي علىٰ الله سبحانه بقلبه وعواطفه ووجوده ، وأن لا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا ، فهناك اختلاف كبير بين مجرد قراءة الدعاء وبين الدعاء الحقيقي الذي ينضمّ فيه القلب بانسجام تامّ مع اللسان ، تهتزّ له الروح وتحصل فيه الحاجة في قلب الانسان ومشاعره.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنّ الله عزَّ وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلبٍ ساهٍ ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن بالاجابة » (2) .

14 ـ الاضطرار إلىٰ الله سبحانه :

لابدّ للداعي أن يتوجه إلىٰ الله تعالىٰ توجّه المضطر الذي لا يرجو غيره ، وأن يرجع في كلِّ حوائجه إلىٰ ربه ، ولا ينزلها بغيره من الأسباب العادية التي لا تملك ضراُ ولا نفعاً( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ) (3) .

فإذا لجأ الداعي إلىٰ ربه بقلب سليم وكان دعاؤه حقيقياً صادقاً جاداً ، وكان مدعوّه ربه وحده لا شريك له ، تحقق الانقطاع الصادق بالاضطرار الحقيقي إلىٰ الله تعالىٰ الذي هو شرط في قبول الدعاء( أَمَّن يُجِيبُ

__________________________

(1) بحار الأنوار 93 : 376.

(2) الكافي 2 : 343 / 1.

(3) سورة الاسراء : 17 / 56.

٣٨

الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (1) .

يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصيته لولده الإمام الحسنعليه‌السلام :« وألجى ء نفسك في أمورك كلّها إلىٰ إلهك ، فإنّك تُلجئها إلىٰ كهفٍ حريز ومانع عزيز ، واخلص في المسألة لربك ، فإنّ بيده العطاء والحرمان » (2) .

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلّا أعطاه ، فلييأس من الناس كلّهم ، ولا يكون له رجاء إلّا عند الله ، فإذا علم الله عزَّ وجلّ ذلك من قبله لم يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه » (3) .

وروي أن الله تعالىٰ أوحىٰ إلىٰ عيسىٰعليه‌السلام :« ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث : يا عيسىٰ ، سلني ولا تسأل غيري ، فيحسن منك الدعاء ومني الاجابة » (4) .

15 ـ تسمية الحوائج :

إنّ الله تعالىٰ محيط بعباده يعلم حالهم وحاجاتهم ، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد ، ولكنه سبحانه يحبُّ أن تُبَث إليه الحوائج وتُسمّىٰ بين يديه تعالىٰ ، وذلك كي يقبل الداعي إلىٰ ربّه محتاجاً إلىٰ كرمه فقيراً إلىٰ لطفه ومغفرته.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنّ الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا

__________________________

(1) سورة النمل : 27 / 62.

(2) نهج البلاغة : الكتاب (31).

(3) الكافي 2 : 119 / 2.

(4) عدة الداعي : 134.

٣٩

دعاه ، لكنّه يحبُّ أن تُبثّ إليه الحوائج ، فإذا دعوت فسمِّ حاجتك » (1) .

16 ـ ترقيق القلب :

ويستحب الدعاء عند استشعار رقة القلب وحالة الخشية التي تنتابه بذكر الموت والبرزخ ومنازل الآخرة وأهوال يوم المحشر ، وذلك لأنّ رقّة القلب سبب في الاخلاص المؤدي إلىٰ القرب من رحمة الله وفضله ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« اغتنموا الدعاء عند الرقة ، فإنها رحمة » (2) .

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :« بالاخلاص يكون الخلاص ، فإذا اشتدّ الفزع ، فإلىٰ الله المفزع » (3) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إذا رقّ أحدكم فليدع ، فإنّ القلب لا يرقّ حتىٰ يخلص » (4) .

وكلما رقّ قلب الداعي كلّما كان مهيئاً لاستقبال ذخائر الرحمة الإلهية وتحقق قصده في الاستجابة ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :« إذا اقشعر جلدك ، ودمعت عينك ، ووجل قلبك ، فدونك دونك ، فقد قصد قصدك » (5) .

أما القلب القاسي بكثرة الذنوب والمعاصي ، والقلب اللاهي عن ذكر الله ، المتعلق بعرض الدنيا وزخرفها ، فكلاهما مطرودان عن رحاب الله تعالىٰ ورحمته ، ولا يستجاب لهما دعاء ، لأنّه ليس ثمّة انسجام بين القلب

__________________________

(1) الكافي 2 : 345 / 1.

(2) بحار الأنوار 93 : 313.

(3) الكافي 2 : 340 / 2.

(4) الكافي 2 : 346 / 5.

(5) الكافي 2 : 346 / 8.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119