الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٦

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل6%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 608

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 608 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 249459 / تحميل: 5885
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٦

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

الآيات

( قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) )

التّفسير

الموعظة والنصيحة :

كان الكلام في الآيات السابقة عن أنّ الإيمان يجب أن يكون اختياريا لا بالجبر والإكراه ، ولهذا فإن الآية الأولى هنا ترشد الناس إلى الإيمان الاختياري ، وتخاطب النّبي فتقول :( قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ؟

إن كل هذه النجوم اللامعة والكواكب السماوية المختلفة التي يدور كل منها في مداره ، وهذه المنظومات الكبيرة والمجرات العملاقة ، وهذا النظام الدقيق الحاكم على كل تلك الكواكب ، وكذلك هذه الكرة الأرضية بكل عجائبها واسرارها ، وكل هذه الكائنات الحية المتنوعة المختلفة تدل بالتمعن في دقائق صنعها والتدبّر في

٤٤١

نظامها على المبدأ الأزلي للعالم. وستتعرفون أكثر على خالق هذه الكائنات.

إنّ هذه الجملة تنفي بوضوح مسألة الجبر وسلب حرية الإرادة ، فهي تقول : إنّ الإيمان هو نتيجة التدبر في عالم الخلقة ، أي إنّ هذا الأمر في اختياركم.

ثمّ تضيف أنّه رغم كل هذه الآيات والعلامات الدالّة على الحق ، فلا داعي للعجب من عدم إيمان البعض ، لأنّ الآيات والدلالات والإنذارات تنفع الذين لهم الاستعداد لتقبل الحق ، أمّا هؤلاء فإنّه( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) (١) .

إنّ هذه الجملة إشارة إلى الحقيقة التي قرأناها مرارا في القرآن ، وهي أن الدلائل وكلمات الحق والمواعظ لا تكفي لوحدها ، بل إنّ الأرضية المستعدة شرط أيضا في حصول النتيجة.

ثمّ تقول ـ بنبرة التهديد المتلبسة بلباس السؤال والاستفهام ـ : هل ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون إلّا أن يروا مصيرا كمصير الأقوام الطغاة والمتمردين السابقين الذين عمهم العقاب الإلهي. مصير كمصير الفراعنة والنماردة وشدّاد وأعوانهم وأنصارهم؟!( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ) .

وتحذرهم الآية أخيرا فتقول : يا أيّها النّبي( قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) فأنتم بانتظار هزيمة دعوة الحق ، ونحن بانتظار المصير المشؤوم الذي ستلاقونه ، مصير المتكبرين الماضين.

وينبغي الالتفات إلى أنّ الاستفهام في جملة( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ) استفهام إنكاري ، أي إنّ هؤلاء بطبيعة سلوكهم هذا لا يمكن أن ينتظروا إلّا حلول مصير مشؤوم

__________________

(١) نذر جمع نذير ، أي المنذر ، وهو كناية عن الأنبياء والقادة الإلهيين ، أو هي جمع إنذار ، بمعنى تحذير وتهديد الغافلين والمجرمين الذي هو من برامج هؤلاء القادة الإلهيين.

وقد اعتبر البعض (ما) جملة ( ما تُغْنِي الْآياتُ ) نافية ، والبعض جعلها بمعنى الاستفهام الإنكاري ، وهي واحدة من حيث النتيجة ، إلّا أنّ الظاهر أن (ما) نافية.

٤٤٢

مظلم.

كلمة (أيّام) وإن كانت في اللغة جمع يوم ، إلّا أنّها هنا تعني الحوادث المهلكة التي وقعت للأقوام والأمم السالفة.

ومن أجل أن لا يتوهم متوهم أنّ الله سبحانه يصيب بعذابه الصالح والطالح ، تضيف الآية : إننا إذا ما تحققت مقدمات نزول العذاب على الأمم السابقة ، نقوم بانقاذ عبادنا الصالحين :( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .

ثمّ تقول في النهاية : إنّ هذا ليس مختصا بالأمم السالفة والرسل والمؤمنين الماضين ، بل( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .

* * *

__________________

(١) إنّ جملة( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) كانت بهذا المعنى : كذلك ننج المؤمنين وكان ذلك حقّا علينا ، أي إنّ جملة (حقا علينا) جملة معترضة بين (كذلك) و (ننج المؤمنين). ويحتمل أيضا أن تكون (كذلك) متعلقة بالجملة السابقة ، أي جملة( نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .

٤٤٣

الآيات

( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) )

التّفسير

الحزم في التّعامل مع المشركين :

هذه الآيات والآيات التي تليها ، هي آخر آيات هذه السورة ، وتتحدث جميعا حول مسألة التوحيد ومحاربة الشرك والدعوة إلى الحق ، وهي في الحقيقة فهرست أو خلاصة لبحوث التوحيد وتأكيد على محاربة ومجابهة عبادة الأصنام التي بيّنت

٤٤٤

مرارا في هذه السورة.

إنّ سياق الآية يوحي بأنّ المشركين كانوا يتوهمون أحيانا أن من الممكن أن يلين النّبي ويتسامح في عقيدته في شأن الأصنام ويعترف ويقرّ لهم عبادة الأصنام ولو جزئيا إلى جانب الإعتقاد بالله بنحو من الأنحاء.

إلّا أنّ القرآن ينسف هذا التوهم الواهي بصورة قاطعة وحاسمة ويقطع عليهم أحلامهم هذه إلى الأبد ، فلا معنى لأي نوع من المساومة واللين في مقابل الأصنام ، ولا معبود إلّا الله، لا تزيد كلمة ولا تنقص أخرى.

ففي البداية يأمر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطب جميع الناس :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) ولا تكتفي الآية بنفي آلهة أولئك ، بل تثبت كل العبادة لله سبحانه زيادة في التأكيد فتقول :( وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) . ومن أجل تأكيد أكبر تضيف : أنّ هذه ليست إرادتي فقط ، بل( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

إنّ التأكيد هنا على مسألة قبض الروح فقط من بين صفات الله ، أمّا لأنّ الإنسان إذا كان يشك في كل شيء فإنّه لا يستطيع أن يشك في الموت ، أو لأنّ هذه الآية أرادت أن تنبه هؤلاء إلى مسألة العذاب والعقوبات المهلكة التي أشير إليها في الآيات السابقة ، ولوحت بالتهديد بالغضب الإلهي.

وبعد أن بيّنت الآية العقيدة الحقة في نفي الشرك وعبادة الأوثان بكل صراحة وقوة ، تطرقت إلى بيان دليل ذلك ، دليل من الفطرة. ودليل من العقل :( وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) وهنا أيضا لم يكتف بجانب الإثبات ، بل نفي الطرف المقابل لتأكيد الأمر ، فقالت الآية :( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

«الحنيف» ـ كما قلنا سابقا ـ تعني : الشخص الذي يميل ويتحول عن طريق الانحراف إلى جادة الصواب والاستقامة ، وبتعبير آخر : يغض الطرف عن المذاهب والأفكار المنحرفة ، ويتوجه إلى دين الله المستقيم ، ذلك الدين الموافق

٤٤٥

للفطرة موافقة كاملة ومستقيمة. وبناء على هذا فإنّ هذا التعبير يستبطن الإشارة إلى كون التوحيد فطريا في الأعماق ، لأنّ الانحراف شيء خلاف الفطرة ، (فتدبّر).

وبعد الإشارة إلى بطلان الشريك بالدليل الفطري ، تشير إلى دليل عقلي واضح ، فتقول :( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) إذ تكون قد ظلمت نفسك ومجتمعك الذي تعيش فيه.

أي عقل يسمح أن يتوجه الإنسان لعبادة أشياء وموجودات لا تضر ولا تنفع أبدا ، ولا يمكن أن يكون لها أدنى أثر في مصير الإنسان؟

وهنا أيضا لم تكتف الآية بجانب النفي ، بل إنّها توكّد إضافة إلى النفي على جانب الإثبات فتقول :( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) ، وكذلك( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) لأنّ عفوه ورحمته وسعت كل شيء( وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .

* * *

٤٤٦

الآيتان

( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) )

التّفسير

الكلمة الأخيرة :

هاتين الآيتين تضمّنت إحداهما موعظة ونصيحة لعامّة الناس ، واختصت الثّانية بالنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كملتا الأوامر والتعليمات التي بيّنها الله سبحانه على مدى هذه السورة ومواضعها المختلفة. وبذلك تنتهي سورة يونس.

فتقول أوّلا ، وكقانون عام :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) هذه التعليمات ، وهذا الكتاب السماوي ، وهذا الدين ، وهذا النّبي كلها حق ، والأدلّة على كونها حقّا واضحة ، وبملاحظة هذه الحقيقة :( فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) .

أي إنّي لست مأمورا بإجباركم على قبول الحق ، لأن الإجبار على قبول

٤٤٧

الإيمان لا معنى له ، ولا أستطيع إذا لم تقبلوا الحق ولم تؤمنوا أن أدفع عنكم العذاب الإلهي ، بل إنّ واجبي ومسئوليتي هي الدعوة والإبلاغ والإرشاد والهداية والقيادة ، أمّا الباقي فيتعلق بكم ، وعليكم انتخاب طريقكم.

إنّ هذه الآية إضافة إلى أنّها توكّد مرّة أخرى مسألة الإختيار وحرية الإرادة ، فإنّها دليل على أن قبول الحق سيعود بالنفع على الإنسان نفسه بالدرجة الأولى ، كما أن مخالفته ستكون في ضرره.

إنّ توجيهات القادة الإلهيين والكتب السماوية ما هي في الواقع إلّا دروس لتربية وتكامل البشر ، فلا يزيد الالتزام بها شيئا على عظمة الله ، ولا تنقص مخالفتها من جلاله شيئا.

ثمّ تبيّن وظيفة وواجب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جملتين : الأولى( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ ) فإنّ الله قد حدّد مسيرك من خلال الوحي ، ولا يجوز لك أن تنحرف عنه قيد أنملة.

والثّانية : إنّه ستعترضك في هذا الطريق مشاكل مضنية ومصاعب جمة ، فلا تدع للخوف من سيل المشاكل إلى نفسك طريقا ، بل( وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) فإنّ أمره حق ، وحكمه عدل ، ووعده متحقق لا محالة.

إلهنا ومولانا : إنّك وعدت عبادك الذين يجاهدون في سبيلك بإخلاص ، والذين يصبرون ويستقيمون في سبيلك بالنصر.

اللهم وقد أحاطت بالمسلمين مشاكل لا تحصى ، ونحن عبيدك الذين لا نتوقف عن الجهاد والاستقامة بمنك وتوفيقك ، فاكشف عنا سحب المشاكل المظلمة بلطفك ، وأنر أبصارنا بنور الحق والعدالة آمين يا رب العالمين.

نهاية سورة يونس

* * *

٤٤٨

سورة هود

مكيّة

وعدد آياتها مائة وثلاث وعشرون آيات

٤٤٩
٤٥٠

«سورة هودعليه‌السلام »

محتوى هذه السّورة وفضيلتها!

المشهور بين المفسّرين أنّ هذه السورة بأكملها نزلت بمكّة وطبقا لما ورد في «تاريخ القرآن» أنّها السورة التاسعة والأربعون في ترتيب السور النازلة على المرسلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وطبقا لما صرّح به بعض المفسّرين ـ أيضا ـ فإنّ هذه السورة نزلت في السنوات الأخيرة التي قضاها النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكّة ، أي بعد وفاة عمّه «أبي طالبعليه‌السلام » وزوجته «خديجةعليها‌السلام » وبطبيعة الحال فإنّ هذه السورة جاءت في فترة من أشد الفترات صعوبة في حياة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان يعاني فيها من ضغوط الأعداء وأراجيفهم الإعلامية الحاقدة المسمومة أكثر ممّا عاناه في السنوات السابقة.

ولذلك يلاحظ في بداية السورة تعابير فيها جانب من التسلية للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللمؤمنين.

ويشكل القسم المهم والعمدة من آيات هذه السورة قصص الأنبياء الماضين وخاصّة قصّة نوح النّبيعليه‌السلام الذي انتصر بالفئة القليلة التي معه على الأعداء الكثيرين.

إنّ سرد هذه القصص فيه تسلية لخاطر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين معه وهم أمام الكم الهائل من الأعداء ، كما أنّ فيه درسا لمخالفيهم من الأعداء.

٤٥١

وعلى كل حال. فإنّ آيات هذه السورة ـ كسائر السور المكية ـ تتناول أصول «المعارف الإسلامية» ولا سيّما المواجهة مع الشرك وعبادة الأصنام ، ومسألة المعاد والعالم بعد الموت ، وصدق دعوة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يبدو فيها تهديدا ضمنيا للأعداء ، وأمرا بالاستقامة للمؤمنين.

في هذه السورة ـ إضافة إلى قصّة نوح النّبي وجهاده العنيف التي ذكرت بتفصيل ـ إشارة إلى قصص الأنبياء هود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى ومواقفهم الشجاعة بوجه الشرك والكفر والانحراف والظلم

شيبتني سورة هود!

إنّ آيات هذه السورة تقرر أن على المسلمين أن لا يتركوا السوح والميادين ـ في الحرب والسلم ـ لكثرة الأعداء ومواجهاتهم الحادة بل عليهم أن يواصلوا مسيرتهم ويستقيموا أكثر فأكثر ويوما بعد يوم

وعلى هذا فإنّنا نقرا في حديث معروف عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «شيبتني سورة هود»(١)

وفي حديث آخر أنّه حين لاحظ أصحاب النّبي آثار الشيب قبل أوانه على محيّاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالوا : يا رسول الله ، تعجّل الشيب عليك. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «شيبتني سورة هود والواقعة»(٢) .

وفي روايات أخرى أضيف أيضا سورة المرسلات وسورة النبأ( عَمَّ يَتَساءَلُونَ ) وسورة التكوير وغيرها إلى هاتين السورتين.

ونقل عن ابن عباس في تفسير الحديث الشريف ـ آنف الذكر ـ أنّه ما نزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية كان أشدّ عليه ولا أشق من آية( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ

__________________

(١) نور الثقلين ، ج ٢ ، ص ٣٣٤.

(٢) مجمع البيان ، ذيل الآية (١١٨) من تفسير سورة هود.

٤٥٢

مَعَكَ ) .

كما نقل عن بعض المفسّرين أنّ أحد العلماء رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام فسأله عن سبب ما نقل عنه من قوله : «شيبتني سورة هود» أهو ما سلف من الأمم السابقة وهلاكها؟ فبيّن لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن سببه آية( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) (١)

وعلى كل حال فإنّ هذه السورة ـ بالإضافة إلى هذه الآية ـ فيها آيات مؤثّرة أخرى تتعلق بيوم القيامة والمحاسبة في محكمة العدل الإلهي ، وآيات تتعلق بما ناله الأقوام السابقون من جزاء ، وما جاء مع بعضها من أوامر في الوقوف بوجه الفساد بحيث يحمل جميعها طابع المسؤولية فلا عجب إذا أن يشيب الإنسان عند ما يفكر في مثل هذه المسؤوليات مسألة دقيقة أخرى ينبغي الالتفات إليها في هذا المجال ، وهي أنّ كثيرا من هذه الآيات توكّد ما ورد في السورة السابقة ـ أي سورة يونس ـ وأوائلها بوجه خاص يشبه أوائل تلك السورة ومضامينها توكّد تلك المضامين.

التّأثير المعنوي لهذه السّورة :

أمّا بالنسبة لفضيلة هذه السورة ، فقد ورد في حديث شريف عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «من قرأ هذه السورة أعطي من الأجر والثواب بعدد من صدّق هودا والأنبياءعليهم‌السلام ومن كذب بهم وكان يوم القيامة في درجة الشهداء وحوسب حسابا يسيرا»(٢) .

ومن الوضوح بمكان أنّ مجرّد التلاوة لا يعطي هذا الأثر ، وإنّما يكون هذا الأثر إذا كانت تلاوة هذه السورة مقرونة بالتفكر والعمل بعدها. وهذا هو الذي يقرّب الإنسان إلى المؤمنين السالفين ويبعده عن الذين أنكروا على الأنبياء وجحدوا دعواتهم ، وعلى هذا الأساس يثاب بعددهم ويعطي أجر كل واحد منهم ،

__________________

(١) روح المعاني ، ج ٢ ، ص ٢٠٦.

(٢) تفسير البرهان ، ج ٢ ، ص ٢٠٦.

٤٥٣

ويكون هدفه كهدف شهداء تلك الأمم السالفة فلا مجال للتعجب من أن ينال درجاتهم ويحاسب حسابا يسيرا وينقل عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «من كتب هذه السورة على رق ظبي ويأخذها معه أعطاه الله قوّة ، ومن يحارب معه لنصر عليهم وغلبهم وكلّ من رآه يخاف منه»(١) .

ولعل بعضا ممن يطلب الراحة وينظر الى الأمور بسطحيّة يتصوّر في قراءته لمثل هذه الأحاديث أنّ الإنسان يمكن أن يصل إلى مثل هذه الأهداف بمجرّد وجود الكتابة أو الرسم القرآني معه ، ولكنّه جلي وواضح أنّ المقصود بذلك العمل على طبق ما في السورة ، وأن يتخذها منهجا لحياته وأن يقرأها دائما ويمضي على العمل بها بحذافيرها ولا شك أنّ مثل هذا العمل تتحقق فيه مثل هذه الآثار أيضا ، لأنّ هذه السورة تأمر بالاستقامة والوقوف بوجه الفساد والانسجام مع الأهداف ، وتحتوي على التجارب السابقة من تأريخ الأمم السالفة التي يوجد في كلّ واحد منها درس من الإنتصار على العدوّ.

* * *

__________________

(١) تفسير البرهان ، ج ٢ ، ص ٢٠٦.

٤٥٤

الآيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) )

التّفسير

الأصول الاربعة في دعوة الأنبياء :

تبدأ هذه السورة ـ كما في بداية السورة السابقة وسائر سور القرآن ـ ببيان أهمية الكتاب العزيز المنزل من السماء ، ليلتفت الناس إلى محتوياته أكثر ويتفكروا فيه بنظرة أدق.

وذكر الحروف المقطعة( الر ) ـ نفسه ـ دليل على أهمية هذا الكتاب السماوي العزيز الذي يتشكل من حروف بسيطة معروفة للجميع مثل الألف واللام والراء

٤٥٥

( الر ) (١) مع ما فيه من عظمة وإعجاز بالغين ، ثمّ يبيّن بعد هذه الحروف المقطعة واحدة من خصائص القرآن الكريم في جملتين.

أوّلا : إنّ جميع آياته متقنة ومحكمة( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) .

وثانيا : إنّ تفصيل حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية ـ مادية كانت أو معنوية ـ مبيّن فيها أيضا( ثُمَّ فُصِّلَتْ ) .

هذا الكتاب العظيم مع هذه الخصيصة ، من أين أنزل ، وكيف؟! أنزل من عند ربّ حكيم وخبير( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) .

فبمقتضى حكمته أحكمت آيات القرآن ، وبمقتضى أنّه خبير مطلع بيّن آيات القرآن في مجالات مختلفة طبقا لحاجات الإنسان ، لأنّ من لم يطلع على تمام جزئيات الحاجات الروحية والجسمية للإنسان لا يستطيع أن يصدر احكاما جديرة بالتكامل.

الواقع ، إنّ كل واحدة من صفات القرآن التي جاءت في هذه الآية تسترفد من واحدة من صفات الله فاستحكام القرآن من حكمته ، وشرحه وتفصيله من خبرته.

وفي بيان ما هو الفرق بين( أُحْكِمَتْ ) و( فُصِّلَتْ ) بحث المفسّرون كثيرا وأبدوا احتمالات عديدة وأقرب هذه الاحتمالات ـ بحسب مفهوم الآية آنفة الذكر ـ هو أنّ الجملة الأولى تعني أنّ القرآن مجموعة واحدة مترابطة كالبنيان المرصوص الثابت ، كما تدل على أنّه نازل من إله فرد ، ولهذا فلا يوجد أي تضادّ في آياته ، ولا يرى بينها أي اختلاف.

والجملة الثّانية إشارة إلى أنّ هذا الكتاب في عين وحدته فيه شعب وفروع متعددة تستوفي جميع حاجات الإنسان الرّوحيّة والمادية ، فهو في عين وحدته

__________________

(١) شرحنا هذا المعنى وسائر التفاسير التي ذكرت للحروف المقطعة في القرآن في بداية سورة البقرة وآل عمران والأعراف.

٤٥٦

كثير ، وفي عين كثرته واحد!

وفي الآية التالية يبيّن أهم ما يحتويه القرآن وما هو أساسه وهو التوحيد والوقوف بوجه الشرك( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) (١) وهذا أوّل تفصيل لمحتوى هذا الكتاب العظيم.

والثّاني من محتويات الدعوة السماوية :( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) نذير لكم من الظلم والفساد والشرك والكفر ، وأحذركم من عنادكم وعقاب الله لكم!

وثالث ما في منهج دعوتي إليكم هو أن تستغفروا من ذنوبكم وتطهروا أنفسكم من الأدران :( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) .

ورابعها هو أن تعودوا إلى الله بالتوبة ، وأن تتصفوا ـ بعد غسل الذنوب والتطهر في ظل الاستغفار ـ بصفات الله ، فإنّ العودة إليه تعالى لا تعني إلّا الاقتباس من صفاته( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) .

في الواقع إنّ أربع مراحل من مراحل الدعوة المهمّة نحو الحق سبحانه بيّنت في أربع جمل وفي أربعة أقسام ، فقسمان يتضمنان الجانب «العقيدي» والأساسي. وقسمان يتضمنان الجانب «العملي» والفوقاني.

فقبول أصل التوحيد ومحاربة الشرك ، وقبول رسالة النّبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصلان اعتقاديان ، والتطهّر من الذنوب والتخلّق بالصفات الإلهية ـ اللذان يحملان معنى البناء بتمام معناه ـ أمران عمليان حضّ عليهما القرآن ، وإذا تأملنا بدقّة في الآيات الكريمة وجدنا أن جميع محتوى القرآن يتلخص في هذه الأصول الأربعة

هذا هو الفهرس لجميع محتوى القرآن ، ولجميع محتوى هذه السورة أيضا.

ثمّ تبيّن الآيات النتائج العملية لموافقة هذه الأصول الأربعة أو مخالفتها بالنحو

__________________

(١) في جملة( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) احتمالان : الأوّل : إنّه على لسان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما أشرنا إليه ـ والتقدير : دعوتي وأمري إلّا تعبدوا إلّا الله. والثّاني : أنّه كلام الله ، والتقدير : آمركم ألّا تعبدوا إلّا الله ، ولكن جملة( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) تنسجم مع المعنى الأوّل.

٤٥٧

التالي( يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً ) فإذا عملنا بهذه الأصول فإنّ الله سبحانه يهبنا حياة سعيدة إلى نهاية العمر ، وفوق كل ذلك فإنّ كلا يعطى بمقدار عمله ولا يهمل التفاوت والتفاضل بين الناس في كيفية العمل بهذه الأصول( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) وأمّا في صورة المخالفة والعناد فتقول الآية :( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) حين تمثلون للوقوف في محكمة العدل الإلهي.

واعلموا أنّ( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ) كائنا من كنتم ، وفي أي محل ومقام أنتم ، وهذه الجملة تشير إلى الأصل الخامس من الأصول التفصيليّة للقرآن وهي مسألة «المعاد والبعث» ولكن لا تتصوروا ـ أبدا ـ أن قدرتكم تعدّ شيئا تجاه قدرة الله ، أو أنّكم تستطيعون الفرار من أمره ومحكمة عدله ولا تتصوروا ـ أيضا ـ أنّه لا يستطيع أن يجمع عظامكم النخرة بعد الموت ويكسوها ثوبا جديدا من الحياة( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

علاقة الدين بالدنيا :

ما يزال الكثير يظنون أن التدين هو العمل لعمارة الآخرة والسعادة بعد الموت ، وأنّ الأعمال الصالحة هي الزاد والمتاع للدار الآخرة ولا يكترثون أبدا بأثر الدين الأصيل في الحياة الدنيا على حين أن الدين الصحيح في الوقت الذي يعمر الدار الآخرة يعمر «الدنيا» أيضا وطبيعي إذا لم يكن للدين أي تأثير على هذه الحياة الدنيا فلا تأثير له في الحياة الأخرى أيضا.

والقرآن الكريم يتعرض لهذا الموضوع بصراحة في آيات كثيرة ، وربّما يتناول أحيانا الجزئيات من هذه المسائل ، كما ورد في سورة نوحعليه‌السلام على لسان هذا النّبي العظيم مخاطبا قومه( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) (١) .

__________________

(١) سورة نوح ، ٩ ـ ١١.

٤٥٨

ويفهم البعض أنّ صلة هذه المواهب المادية في الدنيا مع الاستغفار والتطهر من الذنوب معنوية وغير معروفة ، في حين أنّه لا دليل على ذلك ، بل الصلة بينهما ظاهرة معروفة.

فأي أحد لا يعلم أن الكذب والسرقة والفساد تهدم العلاقات الاجتماعية؟

وأي أحد لا يعلم أن الظلم والتبعيض والإجحاف تجعل من حياة الناس جحيما وتكدر صفوهم؟! وأيّ أحد يشك في حقيقة أن قبول أصل التوحيد وتكوين مجتمع توحيدي على أساس قيادة الأنبياء ، وتطهير المجتمع من الذنوب والآثام ، والتحلّي بالقيم الإنسانية ـ وهي الأصول الأربعة ذاتها التي أشير إليها في الآيات المتقدّمة ـ يسير بالمجتمع البشري نحو هدف تكاملي أفضل ، ويخلق محيطا آمنا عامرا بالصفاء والحرية والصلاح؟

وعلى هذا الأساس نقرأ بعد هذه الأصول الأربعة في الآيات المتقدمة قوله تعالى :( يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) .

* * *

٤٥٩

الآية

( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) )

التّفسير

اختلف بعض المفسّرين في شأن نزول الآية ، فقيل أنّها نزلت في أحد المنافقين واسمه «الأخنس بن شريق» الذي كان ذا لسان ذلق ومظهر جميل ، وكان يبدي للنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحب ظاهرا لكنّه كان يخفي العداوة والبغضاء في الباطن.

كما نقل عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن الإمام محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام أنّها نزلت في جماعة من المشركين ، حيث كانوا حين يمرون بالنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا يطأطئون برؤوسهم ويستغشون ثيابهم لئلا يراهم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولكن الآية تشير ـ على العموم ـ إلى أحد الأساليب الحمقاء التي كان يتبعها أعداء الإسلام والنّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذلك بالاستفادة من طريقة النفاق والابتعاد عن الحق ، فكانوا يحاولون أن يخفوا حقيقتهم وماهيتهم عن الأنظار لئلا يسمعوا قول الحق.

لذلك فإنّ الآية تقول :( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ) .

٤٦٠

ومن أجل أن نفهم الآية فهما دقيقا ينبغي أن تتضح لنا كلمة «يثنون» بجلاء فهي من مادة «ثني» وهي في الأصل تعني ضم أقسام الشيء بعضها إلى بعض ، فمثلا في طي قطعة القماش والثوب يقال «ثنى ثوبه» وإنّما يقال للشخصين على سبيل المثال : اثنان ، فلأجل أن انضمّ واحد إلى جانب الآخر ، ويقال للمادحين «مثنون» كذلك ، لأنّهم يعدون الصفات البارزة واحدة بعد الأخرى.

وتعني الانحناء أيضا ، لأنّ الإنسان بعمله هذا وهو الانحناء يقرّب أجزاء من جسمه بعضها إلى بعض.

وتأتي هذه المادة بمعنى أن تجد العداوة والبغضاء والحقد طريقها إلى القلب أيضا لأنّ الإنسان بهذا العمل يقرب عداء الشخص ـ أو أيّ شيء آخر ـ إلى القلب ، ومثل هذا التعبير موجود في الأدب العربي إذ يقال : «اثنونى صدره على البغضاء»(1) .

ومع الأخذ بنظر الإعتبار بما ورد آنفا من معان لمادة «ثني» فلا يبعد أن تكون كلمة «يثنون» مشيرة إلى كل عمل خفي ـ ظاهري وباطنيّ ـ قام به أعداء النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمن جهة يضمرون العداوة والبغضاء في القلوب ويبدون المحبّة في لسان ذلق جميل! ومن جهة أخرى يقربون رؤوسهم بعضها إلى بعض عند التحدث ، ويثنون الصدور ويستغشون الثياب ، لئلا تنكشف مؤامراتهم وأقوالهم السيئة ويطّلع أحد على نياتهم.

لذلك فإنّ القرآن يعقّب مباشرة : أن أحذروهم ، فإنّهم حين يستخفون تحت ثيابهم فإنّ الله يعلم ما يخفون وما يعلنون( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) .

* * *

__________________

(1) يراجع «تاج العروس» و «مجمع البيان» و «المنار» و «مفردات الراغب» في هذا الشأن.

٤٦١

الآية

( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6) )

التّفسير

جميع الاحياء ضيوف مأدبته :

الآية السابقة أشارت إلى سعة علم الله وإحاطته بالسر وما يخفون وما يعلنون ، والآية محل البحث تعدّ دليلا على تلك الآية المتقدمة ، فإنّها تتحدث عن الرازق لجميع الموجودات ولا يمكن يتمّ ذلك إلّا بالإحاطة الكاملة بجميع العالم وما فيه

تقول الآية( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ) ويعلم تقلّبها وتنقلها من مكان لآخر ، وحيثما كانت فإنّ الرزق يصل إليها منه.

وهذه الحقائق مع جميع حدودها ثابتة في كتاب مبين ولوح محفوظ في علم الله( كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) .

* * *

٤٦٢

ملاحظات

1 ـ بالرغم من أنّ كلمة «دابّة» مشتقة من مادة «دبيب» التي تعني السير ببطء وبخطى قصيرة ، ولكنّها من الناحية اللغوية تشمل كل حيوان يتحرك في سيرة ببطء أو بسرعة ، فنرى كلمة الدابة تطلق على الفرس وعلى كل حيوان يركب عليه ، وواضح أنّ الكلمة في هذه الآية ـ محل البحث ـ تشمل جميع الحيوانات الموجودة على سطح الأرض بما فيها الحيوانات التي تدبّ في سيرها

2 ـ «الرزق» : هو العطاء المستمر ، ومن هنا كان عطاء الله المستمر للموجودات رزقا. وينبغي الالتفات إلى أن مفهوم الرزق غير منحصر في الحاجات المادية ، بل يشمل كل عطاء ماديّ أو معنوي. ولذلك نقول مثلا : «اللهم ارزقني علما كاملا» أو نقول : «اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك».

والظاهر أنّ المراد من الرزق في هذه الآية الرزق المادي ، ولكن إرادة المفهوم العام الذي يندرج تحته الرزق المعنوي غير بعيد

3 ـ «المستقر» ـ في الأصل ـ تعني المقّر ، لأن جذر هذه الكلمة في اللغة مأخوذ من «قرّ» على وزن «حرّ» وتعني كلمة القرّ البرد الشديد الذي يجعل الإنسان والموجودات الأخرى يركنون إلى بيوتهم ، ومن هنا جاءت بمعنى التوقف والسكون أيضا.

و «المستودع» و «الوديعة» من مادة واحدة ، وهاتان الكلمتان في الأصل تعنيان «اطلاق الشيء وتركه» ولذلك تطلق عليه الأمور غير الثابتة التي ترجع إلى حالتها الطبيعية، فيطلق على كل أمر غير ثابت «مستودع» وبسبب رجوع الشيء إلى صاحبه الأصلي وتركه محله الذي هو فيه يسمى ذلك الشيء «وديعة» أيضا.

فالآية أنفة الذكر تقول : لا ينبغي التصور أن الله سبحانه يرزق الدواب التي تستقر في أماكنها فحسب ، بل هي حيث ما كانت وفي أي ظرف من الظروف تكون فإنّه تعالى يوصل إليها أرزاقها ، لأنّه يعلم أماكن استقرارها ، وكذلك يعلم جميع

٤٦٣

المناطق التي تنتقل إليها وترحل عنها من حيوانات بحرية مهولة الحجم ، الى أصغر الكائنات المجهرية ، فإنّه تعالى يرزق كلا منها بحسب حاجته وحاله.

وهذا الرزق ملحوظ بحيث يناسب حال الموجودات من حيث الكمية والكيفية ، وهو مطابق تماما لمقدار الحاجة والرغبة ، حتى غذاء الجنين الذي في رحم أمّه يتفاوت كل شهر عن الشهر السابق في النوعية والكمية ، بل كل يوم عن اليوم السابق بالرغم ممّا يبدو من أن الدم نوع واحد لا أكثر. وكذلك الطفل في مرحلة الرضاعة حيث يبدو أن غذاءه من نوع واحد ، لكن تركيب هذا الغذاء أو اللبن يختلف من يوم لآخر.

4 ـ «الكتاب المبين» معناه المكتوب الواضح البيّن ، ويشير إلى علم الله الواسع ، وقد يعبر عنه أحيانا باللوح المحفوظ أيضا.

ويحتمل أن يكون هذا التعبير اشارة إلى أنّه لا ينبغي لأحد أن يهتم لرزقه أقلّ اهتمام ، أو يحتمل سقطوا اسمه وسهمه من القلم ، لأنّ أسماء الجميع مثبتة في( كِتابٍ مُبِينٍ ) كتاب أحصى الجميع بجلاء ووضوح!

تقسيم الأرزاق والسعي من أجل الحياة!

هناك أبحاث مهمّة في مسألة «الرزق» ، ونأخذ بنظر الإعتبار ـ هنا ـ قسما منها:

1 ـ «الرزق» ـ كما قلنا آنفا ـ يعني في اللغة العطاء المستمر والدائم ، وهو أعم من أن يكون رزقا ماديّا أو معنويا فعلى هذا كل ما يكون فيه نصيب للعباد من قبل الله وينتفعون منه ـ من مواد غذائية ومسكن وملبس أو علم وعقل وفهم وإيمان وإخلاص ـ يسمى رزقا ، ومن ظنّ أن مفهوم الرزق خاص بالجوانب المادّية لم يلتفت إلى موارد استعماله في القرآن الكريم بدقة فالقرآن يتحدث عن الشهداء في سبيل الله بأنّهم( أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) .

__________________

(1) سورة آل عمران ، 169.

٤٦٤

وواضح أن رزق الشهداء ـ في عالم البرزخ ـ ليس نعمّا مادية ، بل هو عبارة عن المواهب المعنوية التي يصعب علينا تصوّرها في هذه الحياة المادية.

2 ـ مسأله تأمين الحاجات بالنسبة للموجودات الحية ـ وبتعبير آخر تأمين رزقها ـ من المسائل المثيرة التي تنكشف أسرارها بمرور الزمان وتقدّم العلم وتظهر كل يوم ميادين جديدة تدعو للتعجب والدهشة.

كان العلماء في الماضي يتساءلون فيما لو كان في أعماق البحار موجودات حيّة ، فمن أين يتم تأمين غذائها؟! إذ أنّ أصل الغذاء يعود إلى النباتات والحشائش ، وهي تحتاج إلى نور الشمس ، ولكن على عمق 700 متر فصاعدا لا وجود لنور الشمس أبدا ، بل ليل أبدي مظلم يلقي ظلاله ويبسط أسداله هناك.

ولكن اتّضح بتقدم العلم أن نور الشمس يغذّي النباتات المجهرية في سطح الماء وبين الأمواج ، وحين تبلغ مرحلة النضج تهبط إلى أعماق البحر كالفاكهة الناضجة ، وتنظم إلى الأرزاق الإلهية للأحياء في تلك الاعماق ، مائدة نعمة الله للموجودات الحية تحت الماء!

ومن جهة أخرى فهناك طيور كثيرة تتغذى من أسماك البحر ، منها طيور تطير في الليل وتهبط الى البحر كالغواص الماهر وعن طريق أمواج رادارية خاصّة تخرج من آنافها تعرف صيدها وتصطاده بمنقارها.

ورزق بعض أنواع الطيور يكون مدّخرا بين ثنايا أسنان حيوانات بحرية كبيرة هذا النوع من الحيوانات بعد أن يتغذى من حيوانات البحر ، تحتاج أسنانه إلى «منظف طبيعي» فيأتي إلى ساحل البحر ويفتح فمه الواسع فتدخل هذه الطيور التي أدّخر رزقها في فم هذا الحيوان الضخم ـ دون وحشة ولا اضطراب ـ وتبحث عن رزقها بين ثنايا أسنان هذا الحيوان الكبير ، فتملأ بطونها من جهة ، وتريح الحيوان الذي تزدحم بين أسنانه «هذه الفضلات» من جهة أخرى وحين تخرج الطيور وتطير في الفضاء يطبق هذا الحيوان البحري فمه بكل هدوء ويعود إلى

٤٦٥

أعماق البحر.

طريقة إيصال الرزق من الله تعالى إلى الموجودات المختلفة مذهلة ومحيرة حقّا. من الجنين الذي يعيش في بطن أمّه ولا يعلم أحد أسراره شيئا ، إلى الحشرات المختلفة التي تعيش في طيّات الأرض ، وفي الأشجار وعلى قمم الجبال أو في أعماق البحر ، وفي الأصداف جميع هذه الموجودات يتكفل الله برزقها ولا تخفي على علمه ، وكما يقول القرآن( ... عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ) .

الطريف في الآيات آنفة الذكر أنّها تعّبر عن الموجودات التي تطلب الرزق بـ «الدّابّة» وفيها إشارة لطيفة إلى العلاقة بين موضوع «الطاقة» و «الحركة». ونعلم أنّه حيثما تكن حركة فلا بدّ لها من طاقة ، أي ما يكون منشأ للحركة ، والقرآن الكريم يبيّن ـ في الآيات محل البحث ـ أنّ الله يرزق جميع الموجودات المتحركة ، وإذا ما توسعنا في معنى الحركة فإنّ النباتات تندرج في هذا الأمر أيضا ، لأنّ للنباتات حركة دقيقة وظريفة في نموها ، ولهذا عدّوا في الفلسفة الاسلامية موضوع «النمو» واحدا من أقسام الحركة

3 ـ هل أنّ رزق كلّ أحد مقدر ومعين من أوّل عمره إلى آخره ، وهل أنّه يصل إليه شاء أم أبى؟! أم أنّ عليه يسعى في طلبه؟

يظنّ بعض الأفراد السذّج استنادا إلى الآية آنفة الذكر ، وإلى بعض الرّوايات التي تذكر أنّ الرزق مقدر ومعين ، أنّه لا داعي للسعي من أجل الرزق والمعاش ، فإنّه لا بدّ من وصول الرزق ، ويقول بكل بساطة : إنّ من خلق الأشداق قدّر لها الأرزاق.

إنّ سلوك مثل هؤلاء الأفراد الذين لا حظّ لهم من المعرفة الدينية يعطي ذريعة الى الأعداء حيث يدّعون أن الدين أحد عوامل الركود الاقتصادي وتقبل الحرمان وإماتة النشاطات الإيجابيّة في الحياة ، فيقول مثلا : إذا لم تكن الموهبة

٤٦٦

الفلانية من نصيبي فإنّها لم تكن من رزقي قطعا فلو كانت من نصيبي لوصلتني حتما من دون تكلف عناء الكسب. وبهذا يستغل المستعمرون هذه الفرصة ليحرموا الكثير من الخلق التمتع بأسباب الحياة في حين أن أقل معرفة بالقرآن والأحاديث الإسلامية تكفي في بيان أنّ الإسلام يعدّ أساس أي استفادة مادية ومعنوية للإنسان هو السعي والجد والمثابرة ، حتى أنّنا نجد في القرآن جملة بمثابة الشعار لهذا الموضوع ، وهي الآية الكريمة( لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) .

وكان أئمّة المسلمين ـ ومن أجل أن يسنّوا للآخرين نهجا يسيرون عليه ـ يعملون في كثير من المواقع أعمالا صعبة ومجهدة.

والأنبياء السابقون ـ أيضا ـ لم يستثنوا من هذا القانون ، فكانوا يعملون على الاكتساب ، من رعي الأغنام إلى الخياطة إلى نسج الدروع إلى الزراعة. فإذا كان مفهوم الرزق من الله أن نجلس في البيت وننتظر الرزق ، فما كان ينبغي للأنبياء والأئمّة ـ الذين هم أعرف بالمفاهيم الدينية ـ أن يسعوا هذا السعي إلى الرزق!

وعلى هذا نقول : إنّ رزق كل أحد مقدّر وثابت ، إلّا أنّه مشروط بالسعي والجد ، وإذا لم يتوفر الشرط لم يحصل المشروط. وهذا كما نقول : إن لكلّ فرد أجلا ومدة من العمر. ولكن من المسلم والطبيعيّ أن مفهوم هذا الكلام لا يعني أنّ الإنسان حتى لو أقدم على الانتحار أو أضرب عن الطعام فإنّه سيبقى حيّا إلى أجل معيّن!! إنّما مفهوم هذا الكلام أن للبدن استعدادا للبقاء إلى مدّة معينة ولكن بشرط أن يراعي الظروف الصحيّة وأن يبتعد عن الأخطار ، وأن يجنّب نفسه عمّا يكون سببا في تعجيل الموت.

المسألة المهمّة في هذا المجال أنّ الآيات والرّوايات المتعلقة بتقدير الرزق ـ في الواقع ـ بمثابة الكابح للاشخاص الحريصين وعبّاد الدنيا الذين يلجون كل باب ، ويرتكبون أنواع الظلم والجنايات ، ويتصورون أنّهم إذا لم يفعلوا ذلك لم يؤمنوا حياتهم!

٤٦٧

إنّ آيات القرآن والأحاديث الإسلامية تحذر هذا النمط من الناس ألّا يمدّوا أيديهم وأرجلهم عبثا ، وألّا يطلبوا الرزق من طرق غير مشروعة ولا معقولة ، بل يكفي أن يسعوا لتحصيل الرزق عن طريق مشروع ، والله سبحانه يضمن لهم الرزق فالله الذي لم ينسهم في ظلمة الرحم.

الله الذي تكفّل رزقهم أيّام الطفولة حيث هيأ لهم أثداء الأمّهات الله الذي جعل الأب يسعى من الصباح إلى الليل ليهيّئ لهم الغذاء بكل عطف وشفقة ـ بعد أن أنهوا مرحلة الرضاعة ـ وهو مسرور بالتعب من أجلهم أجل ، هذا الرّب الرحيم كيف يمكن أن ينسى الإنسان إذا ما كبر ووجد القدرة على العمل والكسب.

ترى هل يجيز الإيمان والعقل أن يلجأ الإنسان إلى الظلم والإثم والتجاوز على حقوق الآخرين ويحرص على غصب حقوق المستضعفين بمجرّد أنّه يظن عدم توفر رزقه؟

وبالطبع لا يمكن أن ننكر أن بعض الأرزاق تصل إلى الإنسان سعى لها أم لم يسع. فهل يمكن أن ننكر أن نور الشمس يضيء في بيتنا من دون سعينا ، وأن المطر والهواء يصلان إلينا دون سعي منّا؟

وهل يمكن أن ننكر أنّ العقل والفكر والاستعداد المذخور فينا من أوّل يوم وجودنا لم يكن بسعينا؟!

ولكن هذه المواهب التي تنقلها إلينا الريح ـ كما يقال ـ أو بتعبير أصحّ هذه المواهب التي وصلتنا بلطف الله ومن دون سعينا ، إذا لم نحافظ عليها بالجد والسعي بطريقة صحيحة فستضيع من أيدينا ، أو أنّها ستبقى بلا أثر!

هناك كلام معروف منقول عن الإمام عليعليه‌السلام في شأن الرزق فيقول «واعلم يا بني أن الرزق رزقان ، رزق تطلبه ورزق يطلبك»(1) وفي هذا الكلام إشارة إلى هذه

__________________

(1) نهج البلاغة ، من وصية الإمام عليعليه‌السلام لولده الحسنعليه‌السلام .

٤٦٨

الحقيقة.

كما لا ينكر أن بعض موارد الرزق لا يأتي تبعا لشيء ظاهر وملموس ، بل يصلنا على أثر سلسلة من الاتفاقات والمصادفات ، هذه الحوادث وإن كانت في نظرنا مصادفات ، إلّا أنّها في الواقع وفي نظام الخلق قائمة على حساب دقيق. ولا شك أن حساب هذا النوع من الرزق منفصل عن الأرزاق التي تأتي تبعا للجد والسعي ، والكلام آنف الذكر يمكن أن يشير إلى هذا المطلب أيضا.

ولكن على كل حال ـ فإن النقطة الأساسية هنا أنّ جميع التعاليم الإسلامية تأمرنا أن نسعى أكثر فأكثر لتأمين نواحي الحياة المادية والمعنوية ، وأن الفرار من العمل ـ بزعم أن الرزق مقسوم وأنّه آت لا محالة ـ غير صحيح!

4 ـ في الآيات المتقدمة ـ التي هي محل البحث ـ إشارة إلى «الرزق» فحسب ، وبعدها ببضعة آيات يأتي التعبير عن التائبين والمؤمنين ويشار فيها إلى «المتاع الحسن».

وبالموازنة والمقارنة بين هذين الأمرين يدلنا هذا الموضوع على أن الرزق معدّ لكل دابة من إنس وحشرات وحيوانات مفترسة إلخ. وللمحسنين والمسيئين جميعا! إلّا أن «المتاع الحسن» والمواهب الجديرة والثمينة خاصّة بالمؤمنين الذين يطهرون أنفسهم من كل ذنب وتلوّث بماء التوبة ، ويتمتعون بنعم الله في مسير طاعته ، لا في طريق الهوى والهوس!

* * *

٤٦٩

الآية

( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) )

التّفسير

الهدف من الخلق :

في هذه الآية بحثت ثلاث نقاط أساسية :

المطلب الأوّل : يبحث عن خلق عالم الوجود ـ وخصوصا بداية الخلق ـ الذي يدل على قدرة الله وعظمته سبحانه( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) .

ولا حاجة لبيان أنّ المقصود من كلمة «اليوم» في هذه الآية ليس هو اليوم العادي الذي هو مجموع أربع وعشرين ساعة ، لأنّ الأرض والسماء لم تكونا موجودتين حينئذ فلا الكرة الأرضية كانت موجودة ، ولا حركتها حول نفسها التي تنتج أربعا وعشرين ساعة بل المقصود منه ـ كما بينا سابقا ـ هو الزمان ،

٤٧٠

سواء كان قصيرا أو مديدا جدا بحيث يبلغ مليارات السنوات مثلا ، وقد نبهنا على هذا المعنى ـ في ذيل الآية (54) من سورة الأعراف ـ بشرح واف في هذا المجال ، فلا حاجة للتكرار والإعادة.

وذكرنا هناك أن خلق العالم كان في ستة أزمنة متوالية ومتتابعة ، مع أنّ الله قادر على أن يخلق العالم كلّه في لحظة واحدة ، وذلك لأنّ الخلق التدريجي يعطي صورة جديدة ولونا جديدا وشكلا بديعا وتتبيّن قدرة الله وعظمته أكثر وأحسن.

فهو يريد أن يبيّن قدرته في آلاف الصور لا بصورة واحدة ، وحكمته في آلاف الثياب لا بثوب واحد ، لتتيسر معرفته وكذلك معرفة حكمته وقدرته للناس ، ولنجد الدلائل ـ من خلال عدد الأيّام والسنوات والقرون والأعصار التي مرّت على العالم ـ على معرفة الله! ثمّ يضيف سبحانه أن عرشه كان على الماء( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) .

ومن أجل أن نفهم تفسير هذه الجملة ينبغي أن نفهم المراد من كلمتي «العرش» و «الماء».

«فالعرش» في الأصل يعني السقف أو ما يكون له سقف ، كما يطلق على الأسرّة العالية كأسرّة الملوك والسلاطين الماضين ، ويطلق أيضا على خشب بعض الأشجار ، وغير ذلك.

ولكن هذه الكلمة استعملت بمعنى القدرة أيضا ويقال «استوى فلان على عرشه» كناية عن بلوغه القدرة كما يقال «ثلّ عرش فلان» كناية عن ذهاب قدرته(1) .

كما ينبغي الالتفات إلى هذه الدقيقة ، وهي أن العرش يطلق أحيانا على عالم الوجود، لأنّ عرش قدرة الله يستوعب جميع هذا العالم.

وأمّا «الماء» فمعناه معروف ، وهو السائل المستعمل للشرب والتطهير ، إلّا أنّه قد يطلق على كل سائل مائع كالفلزّات المائعة وما أشبه ذلك ، وبضميمة ما قلناه في

__________________

(1) قد يطلق «العرش» ويراد به «الكرسي» وله مفهوم آخر وقد بيّناه في ذيل الآية (225) من سورة البقرة.

٤٧١

تفسير هاتين الكلمتين يستفاد أنّه في بداية الخلق كان الكون بصورة مواد ذائبة «مع غازات مضغوطة للغاية ، بحيث كانت على صورة مواد ذائبة أو مائعة».

وبعدئذ حدثت اهتزازات شديدة وانفجارات عظيمة في هذه المواد المتراكمة الذائبة ، وأخذت تتقاذف أجزاء من سطحها إلى الخارج ، وأخذ هذا الوجود المترابط بالانفصال. ثمّ تشكلت بعد ذلك الكواكب السيّارة والمنظومات الشمسية والأجرام السماوية.

فعلى هذا نقول : إنّ عالم الوجود ومرتكزات قدرة الله كانت مستقرة بادئ الأمر على المواد المتراكمة الذائبة ، وهذا الأمر هو نفسه الذي أشير إليه في الآية (30) من سورة الأنبياء.

( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .

وفي الخطبة الأولى من نهج البلاغة إشارات واضحة إلى هذا المعنى والمطلب الثّاني : الذي تشير إليه الآية ـ آنفة الذكر ـ هو الهدف من خلق الكون ، والقسم الأساس من ذلك الهدف يعود للإنسان نفسه الذي يمثل ذروة الخلائق هذا الإنسان الذي كتب عليه أن يسير في طريق التعليم والتربية ويشقّ طريق التكامل نحو الله تعالى يقول الله سبحانه :( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) أي ليختبركم ويمتحنكم أيّكم الأفضل والأحسن عملا بهذه الدار الدنيا.

«ليبلوكم» كلمة مشتقّة من مادة «البلاء» و «الابتلاء» ومعناها ـ كما أشرنا إليه آنفا ـ الاختبار والامتحان والامتحانات الإلهية ليست من قبيل معرفة النفس وكشف الحالة التي عليها الإنسان في محتواه الداخلي وفي فكره وروحه ، بل بمعنى التربية (تقدم شرح هذا الموضوع في ذيل الآية 155 من سورة البقرة) والطريف في هذه الآية أنّها تجعل

٤٧٢

قيمة كل إنسان بحسن عمله لا بكثرة عمله ، وهذا يعني أن الإسلام يستند دائما إلى الكيفية في العمل لا إلى الكثرة والكمية فيه.

وفي هذا المجال ينقل عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال «ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا ، وإنّما الإصابة خشية الله والنيّة الصادقة. ثمّ قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللهعزوجل »(1) .

والمطلب الثّالث : الذي تشير إليه الآية آنفة الذكر ـ هو مسألة المعاد الذي لا ينفصل ولا يتجزأ عن مسألة خلق العالم ، وفيها بيان الهدف من الخلق وهو تكامل الإنسان وتكامل الإنسان يعني التهّيؤ إلى الحياة في عالم أوسع وأكمل ، ولذلك يقول سبحانه :( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) .

وكلمة «هذا» التي وردت ـ في الآية آنفة الذكر ـ على لسان الكفار ، إشارة إلى كلام النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شأن المعاد أي إنّ ما تدّعيه أيّها النّبي في شأن المعاد سحر مكشوف وواضح ، فعلى هذا تكون كلمة السحر هنا بمعنى الكلام العاري عن الحقيقة ، والقول الذي لا أساس له ، وبتعبير بسيط : الخدعة والسخرية!! لأنّ السحرة يظهرون للناظرين بأعمالهم أمورا لا واقع لها ، ولهذا قد تطلق كلمة السحر على كل أمر عار عن الحقيقة

أمّا من يرى بأنّ «هذا» إشارة إلى القرآن المجيد ، لأنّ القرآن أخّاذ وفيه جاذبية السحر فإنّه يجانب الصواب ، لأنّ الآية تتكلم عن المعاد ولا تتكلم عن القرآن ، وإن كنّا لا ننكر أنّ القرآن فيه جاذبية وأنّه أخّاذ للغاية.

* * *

__________________

(1) تفسير البرهان ، الجزء الثّاني ، ص 207.

٤٧٣

الآيات

( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) )

التّفسير

استيعاب المؤمنين وعدم استيعاب غيرهم :

في هذه الآيات ـ وبمناسبة البحث السابق عن غير المؤمنين ـ بيان لزوايا الحالات النفسية ونقاط الضعف في أخلاق هؤلاء الأفراد والتي تجبر الإنسان إلى هاوية الظلام والفساد.

وأوّل صفة تذكر لهؤلاء هي السخرية من الحقائق وعدم الاكتراث بها

٤٧٤

وبالمسائل المصيرية ، فهؤلاء بسبب جهلهم وعدم معرفتهم وغرورهم ـ حين يسمعون تهديد الأنبياء في مؤاخذة المسيئين ومعاقبتهم ، ثمّ تمرّ عليهم عدّة أيّام يؤخر الله تعالى بلطفه فيها العذاب عنهم ، نراهم يقولون باستهزاء مبطن : ما السبب في تأخرّ العذاب الالهي ، وأين عقاب الله :( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ) .

و «الأمّة» مشتقّة من مادة «أمّ» وهي بمعنى الوالدة ، ومعناها في الأصل انضمام الأشياء بعضها إلى بعض ، ولذلك يقال لكل مجموعة على هدف معين ، أو زمان أو مكان واحد «أمة».

وقد جاءت هذه الكلمة بمعنى الوقت والزمان أيضا ، لأنّ أجزاء الزمان مرتبطة بعضها ببعض ، أو لأنّ المجموعة أو الجماعة تعيش في عصر وزمان معين ، فنحن نقرأ في سورة يوسفعليه‌السلام الآية (45) مثلا( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ )

ففي الآية ـ محل البحث ـ كلمة «الأمّة» جاءت بهذا المعنى ، ولذلك وصفت بكلمة «معدودة» فمعنى الآية هو : إذا أخرنا عن هؤلاء العذاب والمجازاة لمدّة قصيرة قالوا : أي شيء يمنعه؟!

وعلى كل حال ، فهذه عادة الجاهلين والمغترين ، فكلّما وجدوا شيئا لا ينسجم مع ميولهم وطباعهم عدّوه سخرية ، لذلك يتخذون التهديدات والنذر التي توقظ أصحاب الحق وتهزهم يتخذونها هزوا ويسخرون منها شأنهم شأن من يلعب بالنّار.

لكن القرآن يحذرهم وينذرهم بصراحة في ردّه على كلامهم ، ويبين لهم أن لا دافع لعذاب الله إذا جاءهم( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) وأن الذين يسخرون منه واقع بهم ومدمّرهم( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) .

أجل ، ستصعد صرخاتهم إلى السماء في ذلك الحين ، ويندمون على كلماتهم المخجلة، لكن لا صرخاتهم تغنيهم وتنقذهم ، ولا هذا الندم ينفعهم ، ولات حين

٤٧٥

مندم.

ومن نقاط الضعف عند هؤلاء قلّة الصبر بوجه المشاكل والصعاب وانحسار البركات الإلهية. حيث نجد في الآية التالية قوله تعالى عنهم :( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ) .

وبالرغم من أنّ هذا التعبير يتناول الإنسان بشكل عام ، لكن ـ كما أشرنا إليه سابقا ـ المراد من الإنسان في مثل هذه الآيات هو الافراد الذين لم يتلقوا تربية سليمة والمنحرفون عن جادة الحق ، لذلك يتطابق هذا البحث مع البحث السابق عن الأفراد غير المؤمنين.

ونقطة الضعف الثّالثة عند هؤلاء أنّهم حين يتنعمون بنعمة ويشعرون بالترف والرفاه يبلغ بهم الفرح والتكبر والغرور درجة ينسون معها كل شيء ، ولذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة بقوله تعالى :( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) .

وهناك احتمال آخر في تفسير هذه الجملة( لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ) وهو أن مثل هؤلاء الأشخاص حين يصابون بالشدائد ثمّ يبدل الله بلطفه هذه الشدائد نعمّا من عنده يقول هؤلاء : إنّ الشدائد السابقة كانت كفارة عن ذنوبنا وقد غسلت جميع معاصينا ، لذلك أصبحنا من المقربين إلى الله ، فلا حاجة للتوبة والعودة إلى ساحة الله وحضرته.

ثمّ يستثني الله سبحانه المؤمنين الذين يواجهون الشدائد والمصاعب بصبر ، ولا يتركون الأعمال الصالحة على كل حال ، فهؤلاء بعيدون عن الغرور والتكبر وضيق الأفق ، حيث يقول سبحانه :( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) .

هؤلاء لا يغترّون عند وفور النعمة فينسون الله ، ولا ييأسون عند الشدائد والمصائب فيكفرون بالله ، بل إن أرواحهم الكبيرة وافكارهم السليمة جعلتهم يهضمون النعم والبلايا في أنفسهم دون الغفلة عن ذكر الله وأداء مسئولياتهم

٤٧٦

ولذلك فإنّ لهؤلاء ثوابا ومغفرة من الله( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) .

* * *

بحوث

1 ـ الأمّة المعدودة وأصحاب المهديعليه‌السلام :

في روايات عديدة وصلتنا عن أهل البيتعليهم‌السلام أنّ الأمّة المعدودة تعني النفر القليل ، وفيها إشارة إلى أصحاب المهديعليه‌السلام وأنصاره ، وعلى هذا يكون معنى الآية : إذا ما أخرنا العذاب عن الظالمين والمسيئين إلى ظهور المهدي وأصحابه ، فإنّ أولئك الظالمين يقولون : أي شيء يقف أمام عذاب الله فيحبسه عنّا!

ولكن كما قلنا أن ظاهر الآية من الأمّة المعدودة هو الزمان المعدود والمعين ، وقد وردت رواية عن الإمام عليعليه‌السلام في تفسير الأمّة المعدودة تشير إلى ما بيّناه ، وهو الزمان المعين ، فيمكن أن تكون الرّوايات الآنفة تشير إلى المعنى الثّاني من الآية ، وهو ما اصطلح عليه بـ «بطن الآية» وطبيعي أنّه بمثابة البيان عن القانون الكلي في شأن الظالمين ، لا أنّه موضوع خاص بالمشركين الذين عاصروا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن نعلم أنّ آيات القرآن تحمل معاني كثيرة مختلفة ، فالمعنى الأوّل والظاهر يمكن أن يكون في مسألة خاصّة أو جماعة معينة ، والمعنى الآخر يكون عاما مجرّدا عن الزمان وغير مخصوص بفئة معينة.

2 ـ أربع ظواهر لضيق الأفق الفكري

رسمت الآيات المتقدمة ثلاث حالات مختلفة من حالات المشركين والمسيئين ، وقد ورد في ضمنها أربعة أوصاف لهم :

الأوّل : إنّ المشرك يؤوس عند قطع النعمة عنه ، أي لا يبقى له أمل أبدا.

والآخر : إنّه كفور ، أي غير شاكر أبدا.

٤٧٧

والثّالث : إنّه إذا غرق بالنعمة أو نال أقلّ نعمة ، فهو ـ على العكس من الحالة السابقة ـ ينسى نفسه وينسى كل شيء ويغفل بما ناله من اللّذة والنشاط ، فيغدو ثملا مغرورا وينجر إلى الفساد والتجاوز على حدود الله.

والوصف الرّابع : إنّ حاله عند وفور النعمة حالة الفخر ، أي يبلغ درجة كبيرة من التكبر.

وعلى كل حال ، هذه الأوصاف الأربعة هي ظواهر من ضيق الأفق وقلّة الإستيعاب والرؤية وهي لا تختص بجماعة معينة من غير المؤمنين وملوّثي الفكر ، بل هي سلسلة من الأوصاف العامّة لجميع هؤلاء

أمّا المؤمنون الذين يمتعون بروح كبيرة وفكر عال وصدر رحب ورؤية بعيدة المدى ، فلا يهزّهم تبدل الدنيا والزمان ، ولا ييأسوا لسلب النعمة عنهم ، ولا يغرّهم إقبال النعمة فيكونوا من الغافلين ، لذا ينبغي الدقة والملاحظة في آخر الآية التي تستثني المؤمنين ، إذ ورد التعبير فيها عن الإيمان بالصبر والاستقامة( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) .

3 ـ معيار الضعف النفسي

والمسألة الدقيقة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها ، هي أنّه في الموردين (مورد سلب النعمة بعد إسباغها ومورد إسباغ النعمة بعد سلبها) أشير بكلمة «أذقنا» المشتقّة من «الإذاقة» ويراد بها أن نفوس هؤلاء المشركين ضعيفة إلى درجة أنّهم لو أعطوا نعمة قليلة ثمّ سلبت منهم يضجرون وييأسون ، كما أنّهم إذا ذاقوا نعمة بعد شدة يفرحون ويغترّون بها.

4 ـ النعم جميعها مواهب :

الطريف أنّه في الآية الأولى عبّر عن النعمة بالرحمة( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا

٤٧٨

رَحْمَةً ) وفي الآية الثّانية ورد كلمة «النعمة» نفسها ، ويمكن أن تكون إشارة إلى أنّ نعم الله جميعها تصل إلى الإنسان عن طريق التفضل والرحمة لا عن طريق الاستحقاق ، وإذا كان الأصل أن تكون النعمة على حسب الاستحقاق ، فإنّ جماعة قليلة ستنالها ، أو أن أية جماعة لن تنالها أبدا.

5 ـ أثران للأعمال الحسنة

في آخر آية ـ من الآيات محل البحث ـ وعد بالمغفرة ـ للأفراد المؤمنين الذين يتمتعون بالاستقامة ـ ووعد بالأجر الكبير أيضا جزاء لأعمالهم الصالحة ، فهي إشارة إلى أنّ الأعمال الصالحة لها أثران :

الأوّل : غسل الذنوب.

والثّاني : كسب الثواب العظيم والأجر الكبير.

* * *

٤٧٩

الآيات

( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) )

سبب النّزول

وردت في شأن نزول الآيات المتقدمة روايتان ، ويحتمل أن تكون كليهما صحيحتين جميعا.

الأولى : إنّ جماعة من رؤوساء مكّة جاؤوا إلى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقالوا : إذا كنت صادقا في دعواك بأنّك نبي فصير جبال مكّة ذهبا أو ائتنا بملائكة من السماء تصدّق نبوتك ، فنزلت هذه الآيات.

والثّانية : إنّه روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليعليه‌السلام :«يا علي إنّي سألت ربّي يوالي بيني وبينك ففعل ، وسألت ربّي أن يؤاخي بيني وبينك ففعل،

٤٨٠

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608