الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٠

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل10%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 550

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 550 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 206812 / تحميل: 6196
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٠

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظل جدّه وأبيهعليهم‌السلام

ملامح عصر الإمام زين العابدين ومواقفه

لقد واجه الإمام زين العابدينعليه‌السلام بعد استشهاد أبيه الحسينعليه‌السلام ما يلي :

١ ـ التعاطف مع أهل البيتعليهم‌السلام تعاطفاً كان يفتقد الوعي ويقتصر على الشعور الإيجابي بالولاء مع خلوّه عن الموقف العملي الجادّ .

٢ ـ ثورات انتقاميّة كانت تتحرّك نحو هدف محدود ، وثورات نفعية مصلحيّة ، ونشوء حركات منافقة ، وظهور وعّاظ السلاطين لإسباغ الشرعية على السلطة القائمة .

٣ ـ بروز ظاهرة الشعور بالإثم عند الأمة بسبب ما ارتكبته من خذلان لأبيه الحسين السبطعليه‌السلام لكن هذا الشعور كما هو معروف كان بلا ترشيد واضح ، والعقليات المدبّرة للثورة على الوضع القائم كانت تفكر بالثأر فحسب وهنا خطط الإمام زين العابدينعليه‌السلام لعمله على مرحلتين أو خطوتين :

الخطوة الأولى : تناول الإمامعليه‌السلام ظاهرة الشعور بالإثم وعمل على ترشيدها بعد أن عمّقها بشكل متواصل عبر تذكيره الأمة بمأساة كربلاء والمظالم التي لحقت بآل البيتعليهم‌السلام وقد استغرق هذا التذكير زمناً طويلاً ،

٤١

حيث حاول إعطاء ظاهرة الشعور بالإثم بُعداً فكرياً صحيحاً ليجعل منه أداة دفع وتأثير في عملية البناء والتغيير .

وبعد أن تراكم هذا الشعور شكّل في نهاية الأمر خزيناً داخلياً كانت لا تقوى الأمة أن تصبر عليه طويلاً ، وأصبح الإلحاح على مخرج تعبّر به الأمّة عن ألمها أمراً جدّياً ، حتَّى حدثت الثورة الكبرى وطبيعي أنّ هذا الجو المشحون الذي كان ينبئ بالثورة والإطاحة بالأمويين جعلهم يشددّون الرقابة على الإمام زين العابدينعليه‌السلام باعتباره الرأس المدبّر لهذه المطالبة ولكونه الوريث الشرعي للخلافة بعد أبيه الحسينعليه‌السلام ومن هنا كانت الحكومة الأموية تفسّر أيّ حركة تصدر من الإمامعليه‌السلام على أنّها تمهيد للثورة .

الخطوة الثانية : توزّع نشاط الإمامعليه‌السلام في هذه الخطوة على عدّة اتّجاهات .

الاتجاه الأوّل : قام الإمامعليه‌السلام ببلورة العواطف الهائجة وحاول أن يدفعها باتّجاه الفكر الصحيح ويضع لها الأسس العقائديّة ويجعل منها مقدمة لعملية التغيير التي ينشدها الإمامعليه‌السلام ، وقد تمثّلت في إيجاد الفكر الإسلامي الصحيح الذي طالما تعرّض للتشويه والتحريف ثم إعداد الطليعة الواعية التي تشعر بالمسؤولية وتكون أهلاً لحمل الأمانة الإلهيّة .

الاتّجاه الثاني : تحرّك الإمام زين العابدينعليه‌السلام انطلاقاً من مسؤوليته في حماية الإسلام وبقائه كشريعة دون تحريف وتشويه لمحتواه ضمن عدة نشاطات :

١ ـ النشاط الأول : واجه الإمامعليه‌السلام الحركات الانحرافية والفرق الضالّة والمغالية التي كانت تستهدف الفكر الإسلامي وتعتمد الإسرائيليات والنظريات الهندية واليونانية حول الكون والحياة في فهم القرآن والحديث

٤٢

الشريف ، وقام بنشر مختلف العلوم والفنون وتبيان الصيغة الصحيحة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي كان قد أصابها الفساد ، كما يتّضح ذلك بجلاء في رسالته المعروفة برسالة الحقوق ، كما ساهم في حل المشاكل التي كانت تهدّد كرامة الدولة الإسلامية كما يلاحظ ذلك جليّاً فيما حدث في جوابه على رسالة ملك الروم حين هدّد الخليفة بالحصار الاقتصادي(١) .

النشاط الثاني : إنّ الأمويين كانوا قد ضيّقوا على حركة الإمامعليه‌السلام ونشاطه مع الأمة إلاَّ أنّ الإمامعليه‌السلام استخدم الدعاء سلاحاً للارتباط الفكري والمعنوي بها ، وحيث إنّ هذا السلاح لم يستهدف الأمويين مباشرة ، توفّر للإمامعليه‌السلام مجالٌ أوسع لمعالجة الظواهر المرضية والانحرافات الأخلاقية .

الاتّجاه الثالث : التأكيد على أهمية العمل الثوري ومكافحة الظلم والانحراف ، وإيقاد روح الجهاد التي كانت خمدت في الأمة عبر سنوات الانحراف ، كما يتجلّى ذلك في دعائه للمختار الذي طالب بثأر الحسين وكان على اتصال دائم بالإمامعليه‌السلام أثناء ثورته من خلال عمّه محمد ابن الحنفيّة .

الاتّجاه الرابع : لم يكن موقف الإمامعليه‌السلام من الحكّام موقف المواجهة والتحدّي المباشر ; إذ لو كان قد فعل الإمام زين العابدينعليه‌السلام ؛ ذلك لما كان يستطيع أن يحقق ما حققه من مكاسب في الأمة في مجال التربية ، ولما توفّرت أجواء سليمة وفرص واسعة لنشاط الإمام الباقرعليه‌السلام من بعده وللجماعة الصالحة التي ربّاها .

لكن هذا لا يعني أن الإمامعليه‌السلام لم يوضح رأيه في الحكومة فلم يترك

ـــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية : ٩/١٢٢ .

٤٣

الأمر ملتبساً على شيعته ، بل كانت للإمام زين العابدينعليه‌السلام مواقف مع الحكّام سوف نشير إلى بعض منها ، وكان هدفه منها إعطاء خطّ في التربية والتغيير حفاظاً على الشيعة من الضياع ; إذ لم تكن الجماعة الصالحة على سبيل المواجهة ولكنها كانت كافية في التحصين في تلك المرحلة على مستوى التربية والإعداد وتأسيساً لمستقبل سياسي أفضل .

ونستطيع أن نلاحظ موقف الإمامعليه‌السلام مع السلطة من خلال رسالته الجوابية إلى عبد الملك حين لامَ عبد الملك الإمامعليه‌السلام على زواجه بأمته التي كان قد أعتقها .

إنّ ردّ الإمامعليه‌السلام على عبد الملك كان يتضمّن تحدّياً للخليفة الذي كان يفكرّ بعقلية جاهلية ; فإنّ الإمامعليه‌السلام وضّح فيها الموقف الإسلامي الذي يلغي كل الامتيازات التي وضعتها الجاهلية بقولهعليه‌السلام :( فلا لؤم على امرئ مسلم إنَّما اللؤمُ لؤم الجاهلية ) .

يظهر هذا التحدّي ممَّا جاء في مصادر التأريخ من أن الخليفة الأموي بعد أن قرأها هو وابنه سليمان ، قال الابن : يا أمير المؤمنين لَشدَّ ما فخر عليك علي بن الحسين !! فردّ الخليفة على ابنه قائلاً : ( يا بنيّ لا تَقل ذلك فإنّها ألسن بني هاشم التي تَفلق الصخر وتغرف من بحر ، إنّ عليّ بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتّضع الناس(١) .

وفي هذا الجواب إشارة إلى أنّ المواجهة مع الإمام من قبل الخليفة لا تخدم سلطان بني أمية .

ومن مواقف الإمام زين العابدينعليه‌السلام تجاه السلطة أيضاً موقفه من

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٤٦/١٦٥ ، والعقد الفريد : ٧/١٢١ .

٤٤

الزهري ذلك المحدث الذي كان مرتبطاً بالبلاط الأموي ـ فقَد أرسل إليه الإمامعليه‌السلام رسالة قَرعه فيها على شنيع فعله(١) ، وان كان قد علم الإمام بأنّه غارق إلى هامته في موائد السلطان ولهوه ، إلاَّ أنّها رسالة للأجيال .

ومن الأحاديث التي وضعها هذا الرجل دعماً لسياسة بني أمية حينما منعوا حج بيت الله الحرام لمّا كان ابن الزبير مسيطراً على الحرمين الشريفين ما رواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى .

ملامح عصر الإمام محمد الباقرعليه‌السلام

استشهد الإمام زين العابدينعليه‌السلام سنة ( ٩٥ هـ ) في أيام حكم الوليد ابن عبد الملك وتوّلى الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام مسؤولية الإمامة بوصية من أبيه حيث أعلن عن إمامته أمام سائر أبنائه وعشيرته حين سلّمه صندوقاً فيه سلاح رسول اللهعليه‌السلام وقال له :( يا محمَّد هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك ، ثم قالعليه‌السلام :أما إنّه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكنه مملوءٌ علم ) (٢) .

إذن فهو صندوق يرمز لمسؤولية القيادة الفكرية والعلمية كما أنّ السلاح يرمز لمسؤولية القيادة الثورية .

وبالرغم من توالي الثورات التي تلت واقعة الطف والتي كان الإمام الباقرعليه‌السلام قد عاصرها جميعاً مع أبيهعليه‌السلام بقي موقف الأعمّ الأغلب من الناس الاستجابة لمنطق السيف الأموي إلى جانب القسم الآخر الذي آمن بأنّ الحكّام الأمويين يمثّلون الخلافة الإسلامية .

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٢٧٢ ـ ٢٧٧ .

(٢) بصائر الدرجات ٤/٤٤ و٤٨ ، وأصول الكافي ١/٣٠٥ وعنهما في بحار الأنوار : ٤٦/٢٢٩ .

٤٥

كما أنّه عاصر عمليات الهدم الفكري والتحريف والمسخ الثقافي الذي مارسه الأمويون بحق الرسالة والقيم الإسلامية .

وعند مجيء سليمان بن عبد الملك إلى الحكم بعد وفاة أخيه الوليد بن عبد الملك سنة ( ٩٦ هـ ) أصدر قرارات جديدة استراحت الأمة بسببها قليلاً حيث أمر بالتَنكيل ( بآل ) الحجاج بن يوسف الثقفي وطرد كلّ عمّاله وولاته(١) كما أطلق سراح المسجونين في سجون الحجّاج(٢) .

وفي سنة ( ٩٩ هـ ) تقلّد الحكم الأموي عمر بن عبد العزيز فازدادت الحريّات في مدّة خلافته القصيرة ، كما يراه بعض المؤرّخين ، كما أنّه عالج مشكلة الخراج التي قال عنها بأنّها سنّة خبيثة سنّها عمّال السوء(٣) .

وعامل العلويين معاملة خالف فيها أسلافه فقد جاء في كتابه لعامله على المدينة : ( فأقسم في ولد علي من فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار فطالما تخطّتهم حقوقهم )(٤) ورَدَّ فدكاً ـ التي كان قد صادرها الخليفة الأوّل ـ على الإمام الباقرعليه‌السلام (٥) ورفع سبّ الإمام عليّعليه‌السلام الذي كان قد سنّه معاوية(٦) .

أمّا الناحية الفكرية : فتبعاً للتغيّرات السياسية نلمس تطوّراً في الجانب الفكري أيضاً ؛ فقد برزت في هذا الظرف تيارات فكريّة جديدة واتجّه الناس

ـــــــــــــــــ

(١) الكامل ، ابن الأثير : ٤/١٣٨ .

(٢) تاريخ ابن عساكر : ٤/٨٠ .

(٣) الكامل : ٥/٢٩ وتاريخ الطبري : ٨/١٣٩ .

(٤) مروج الذهب : ٣/١٩٤ .

(٥) الكامل : ٤/١٦٤ والمناقب : ٤/٢٠٧ وسفينة البحار : ٢/٣٧٢ .

(٦) انظر الفكر السامي ١/٢٧٦ عن صحيح مسلم ، وتاريخ اليعقوبي ٢/٢٢٣ و٢٣٠ و٢٣٥ و٣٠٥ ، وشرح النهج للمعتزلي ٥/٩٨ تاريخ الخميس : ٢/٣١٧ .

٤٦

للبحث والدرس وتلقّي المعرفة الإسلامية ورفع المنع الحكومي عن تدوين الحديث النبوي وبدأت تتميّز مدرسة أهل الحديث عن مدرسة أهل الرأي ومال الموالي من غير العرب إلى مدرسة أهل الرأي في الكوفة ، وتزعّم أبو حنيفة هذه المدرسة في حينها ضد مدرسة أهل الحديث في المدينة(١) .

وكنتيجة طبيعية للإخفاق الذي سجّلته الحركات الفكرية ، ظهرت فكرة الاعتزال التي نادى بها ( واصل بن عطاء ) في البصرة عندما اعتزل حلقة درس أستاذه ( الحسن البصري ) وهي تعتبر تعديلاً لفكرة الخوارج التي لم تلقَ رواجاً حينما قالت بكفر مرتكب الكبيرة(٢) ، والمرجئة التي قالت بأنّه لا تضر مع الإيمان معصية(٣) فقال واصل ( مؤسس اتّجاه الاعتزال والمتوفى في ١٣١هـ ) : إنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق بل هو في منزلة بين منزلتين أي إنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر لكنّه فاسق والفاسق يستحق النار بفسقه(٤) .

هذه صورة مجملة عن الواقع الذي عايشه الإمام الصادقعليه‌السلام خلال مرحلة قيادة أبيه الباقرعليه‌السلام .

متطلّبات عصر الإمام الباقرعليه‌السلام

ونلخّص دور الإمام الباقرعليه‌السلام في ثلاثة خطوط أساسية :

الخط السياسي ، وإكمال بناء الجماعة الصالحة ، وتأسيس جامعة أهل البيتعليه‌السلام العلمية .

ـــــــــــــــــ

(١) ضحى الإسلام لأحمد أمين : ٢/١٧٨ .

(٢) الملل والنحل : ١/١٥٨ .

(٣) تاج العروس ، مادة رجأ .

(٤) الأغاني : ٧ / ١٥ .

٤٧

١ ـ الخط السياسي للإمام الباقر عليه‌السلام

لقد كان الخيار السياسي للإمام الباقرعليه‌السلام في فترة تصدّيه للإمامة هو الابتعاد عن الصدام والمواجهة مع الأمويين وهذا واضح من خلال تصريحه الذي تضمّن بياناً للجوّ السائد وحالة الأمة ومستوى وعيها آنذاك :( إنْ دَعَوْناهم لم يستجيبوا لنا ) (١) .

كما نجده فيما بعد يستوعب سياسة الانفتاح والاعتدال التي أبداها عمر ابن عبد العزيز ، سواء كان هذا الاعتدال بدافع ذاتي لعلاقته بالإمامعليه‌السلام ، أم بدافع الضغوط الخارجيّة وخوفه من انهيار الدولة الأموية .

إنّ الإمام قد رسم خطّه السياسي في هذه المرحلة بأسلوبين :

الأسلوب الأول : تصريح الإمامعليه‌السلام برأيه حول عمر بن عبد العزيز وحكومته قبل تصدّي عمر للخلافة فعن أبي بصير ، قال : كنت مع أبي جعفر الباقرعليه‌السلام في المسجد ودخل عمر بن عبد العزيز وعليه ثوبان ممصّران متكئاً على مولى له فقالعليه‌السلام :( لَيَلِيَنَّ هذا الغلام [ أي سوف يتولّى السُلطة ]فيظهر العدل ) (٢) .

ولكن الإمامعليه‌السلام قدح في ولايته باعتبار وجود مَن هو أولى منه .

الأسلوب الثاني : أسلوب المراسلة واللقاء فقد روي أنّ عمر بن

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد ، للشيخ المفيد : ٢٨٤ .

(٢) سفينة البحار : ٢/١٢٧ .

٤٨

عبد العزيز كرّم الإمام أبا جعفرعليه‌السلام وعظّمه وقد أرسل خلفه فنون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من عُبّاد أهل الكوفة فاستجاب له الإمامعليه‌السلام وسافر إلى دمشق فاستقبله عمر استقبالاً رائعاً واحتفى به وجَرَت بينهما أحاديث وبقي الإمام أيّاماً في ضيافته(١) .

ومن المراسلات ما جاء أنّه : كتب عمر للإمامعليه‌السلام بقصد الاختبار فأجابه الإمام برسالة فيها موعظة ونصيحة له(٢) ، ولكن سياسة الابتعاد عن الصدام المباشر لم تمنع الإمام الباقرعليه‌السلام من أن يقف من الأمة بشكل عام ومن الأمويين وهشام بن عبد الملك بشكل خاص موقف التحدّي الفكري والعقائدي والعلمي لبيان الحق المغتصب وكشف ستار الباطل الذي كان قد أسدله الحكّام على الحق ورموزه .

وحين حجّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين وكان قد حجّ في تلك السنة محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام وابنه جعفر ، قال جعفر بن محمدعليه‌السلام في بعض كلامه :( الحمد لله الذي بعث محمّداً نبيّاً وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده فالسعيد مَن اتّبعنا والشقيّ مَن خالفَنَا ، ومن الناس مَن يقول : إنّه يتولاَّنا وهو يتولّى أعدائنا ومَن يليهم من جلسائهم وأصحابهم ، فهو لم يسمع كلام ربّنا ولم يعمل به ) (٣) .

فبيّنعليه‌السلام مفهوم القيادة الإلهية ومصداقها الحقيقي الذي يمثّلها آنئذ .

وهذا الطرح وان كان فيه نوع مجابهة صريحة للحاكم وما يدور في

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق : ٥١/٣٨ .

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢/٣٠٥ .

(٣) دلائل الإمامة : ١٠٤ ـ ١٠٩ ، بحار الأنوار : ٤٦/٣٠٦ .

٤٩

أذهان الناس لكنّه لم يكن مغامرة ; لأنّ الظرف كان بحاجة إلى مثل هذا الطرح والتوضيح ، بالرغم من أنّه قد أدّى إلى أن يستدعي هشام الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام إلى الشام فيما بعد .

٢ ـ إكمال بناء الجماعة الصالحة

لم تكن عملية بناء الجماعة الصالحة وليدة عصر الإمام الباقرعليه‌السلام فقد باشرها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم لإمام عليعليه‌السلام ، حيث نجد لأشخاص أمثال مالك الأشتر وهاشم المرقال ، ومحمد بن أبي بكر ، وحجر بن عدي ، وميثم التمّار ، وكميل بن زياد ، وعبد الله بن العباس ، دوراً كبيراً في الصراع الذي خاضه الإمام عليعليه‌السلام مع مناوئيه .

واستمرت عملية البناء بشكل فاعل في عصر الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، ثم تقلّص النشاط المباشر في بناء هذه القاعدة وتوسيعها ، ثم استمرّت عملية البناء في العقود الأخيرة من حياة الإمام زين العابدينعليه‌السلام وتكاملت في عصر الإمام الباقرعليه‌السلام حيث سنحت الفرصة له بأن يتحرك نحو تطوير الجماعة الصالحة بتوضيح أهدافها التي تمثّلت في الدفاع عن المجتمع الإسلامي وحفظ الشريعة الإسلامية من التحريف إلى جانب توسيع القاعدة كمّاً مع تطويرها كيفاً .

ونقتصر فيما يلي على بعض ما قام به الإمام الباقرعليه‌السلام من خطوات :

الخطوة الأولى : أخذ الإمامعليه‌السلام يعمّق ويوضّح صفات الجماعة الصالحة الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام ودورها في المجتمع ، فقد جاء في وصفه لهذه الجماعة قولهعليه‌السلام :( إنّما شيعتنا ـ شيعة علي ـالمتباذلون في ولايتنا المتحابّون في

٥٠

مودّتنا ، المتزاورون لإحياء أمرنا ، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ، وإذا رضوا لم يسرفوا ، بركة على مَنْ جاوروا ، سلم لمَن خالطوا ) (١) ، وقال أيضاً :( شيعتنا من أطاع الله ) (٢) .

وبهذا أراد الإمامعليه‌السلام أن يرسّخ الكمالات الإنسانية في جانبي الأخلاق والعبادة التي تعرّضت للضياع طيلة سنوات المحنة ، ويوضّح أن الانتماء لخطّ أهل البيتعليهم‌السلام هو بالعمل والتحلّي بهذه الصفات .

الخطوة الثانية : قام الإمامعليه‌السلام ـ بالإضافة إلى توضيح مستوى الروح الإيمانية التي ينبغي أن يتَمتّع بها أفراد الجماعة الصالحة ـ بشحذِ هممها وتربيتها على روح الصبر والمقاومة لكي تمتلك القدرة على مواصلة العمل في سبيل الله ومواجهة التحدّيات المستمرّة وعدم التنازل أمام الإغراءات أو الضغوط الظالمة ، فقد جاء في كلامهعليه‌السلام لرجل حين قال له : والله إنّي لأحبّكم أهل البيت فقالعليه‌السلام :( فاتّخذ للبلاء ، جلباباً ، فو الله إنّه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي ، وبنا يبدو البلاء ثم بكم ، وبنا يبدو الرخاء ثم بكم ) (٣) .

هكذا رسم الإمامعليه‌السلام معالم الطريق الشائك أمامه ، إنّه طريق مفروش بالدماء والدموع ، والإمام رائد المسيرة على هذا الطريق يصيبه البلاء أوّلاً قبل أن يصيب شيعتَه .

وقد كان الإمامعليه‌السلام يذكّرهم بمعاناة الشيعة قبل هذا الظرف بقولهعليه‌السلام :( قتلت شيعتنا بكلّ بلدة وقُطِعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان مَن يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن ونُهب مالُه وهُدِمَت داره ) (٤) .

ومن الأعمال التي قام بها الإمامعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة هو إلزام

ـــــــــــــــــ

(١) تحف العقول : ٢٩٥و ٣٠٠ .

(٢) تحف العقول : ٢٩٥و ٣٠٠ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٦/٣٦٠ ، وأمالي الشيخ الطوسي : ٩٥ .

(٤) حياة الإمام الحسنعليه‌السلام دراسة وتحليل : ٢/٢٥٧ .

٥١

أتباعه وخاصّته بمبدأ التقية ؛ حفاظاً عليهم من القمع والإرهاب والإبادة التي طالما تعرّضوا لها وقد اعتبر هذا المبدأ من الواجبات الشرعية ذات العلاقة بالإيمان ، فكان يوصيِهم بالتقية قائلاً :( التقيّة ديني ودين آبائي ، ومَن لا إيمان له لا تقيّة له ) (١) .

ومن المبادئ التي تتداخل مع التقيّة : كتمان السرّ ، فقد جاء عنهعليه‌السلام في وصيّته لجابر بن يزيد الجعفي في أوّل لقاء له بالإمامعليه‌السلام : أن لا يقول لأحد أنّه من أهالي الكوفة ، وليظهر بمظهر رجل من أهل المدينة وجابر الجعفي هذا قد أصبح فيما بعد صاحب سرّ الإمامعليه‌السلام ، ولشدّة فاعليّته وتأثيره في الأمة أمر هشام بن عبد الملك واليه في الكوفة بأن يأتيه برأس جابر ، لكنّ جابراً قد تظاهر بالجنون قبل أن يصدر الأمر بقتله حسب إرشادات الإمام الباقرعليه‌السلام التي كانت تصله سرّاً ، فقد جاء في كتاب هشام إلى واليه : أن أُنظر رجلاً يقال له جابر بن يزيد الجعفي فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه .

فالتفت إلى جلسائه فقال لهم : مَن جابر بن يزيد الجعفي ؟ قالوا : أصلحك الله ، كان رجلاً له علم وفضل وحديث وحجّ فجنّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم .

قال : فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب فقال : الحمد لله الذي عافاني من قتله(٢) .

وكان في هذه المرحلة رجال كتموا تشيّعهم وما رسوا نشاطات مؤثرة في حياة الأمة فكرية وعسكرية وفقهية مع الاحتفاظ بعلاقاتهم ، فمن فقهاء الشيعة : سعيد بن المسيّب ، والقاسم بن محمد ، فقد كانا بارزين بين علماء ذلك العصر

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٢/١٧٤ .

(٢) بحار الأنوار : ٤٦/٢٨٢ ، والكافي : ١/٣٩٦ .

٥٢

في الفقه وغيره إلاَّ أنّه لم تكن لهم صبغة التشيّع الصريح ، فقد شاع عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يجيب أحياناً برأي غيره من علماء عصره أو برأي مَن سبقه من الصحابة ؛ مخافة أن يصيبه ما أصاب سعيد بن جبير ويحيى بن أم الطويل وغيرهما ممّن تعرّضوا للقتل والتشريد بسبب تشيّعهم .

وهذا موسى بن نصير من رجالات الكوفة العسكريين وزهّادها المؤمنين ممّن عرف بولائه لأهل البيتعليهم‌السلام هو وأبوه نصير ، ولقد غضب عليه معاوية إذ لم يخرج معه لصفِّين ، وموسى هو الذي فتح الفتوحات العظيمة في بلاد المغرب وكان تحت إمرته مولاه طارق بن زياد وولده عبد العزيز وبسبب تشيّعه غضب عليه سليمان بن عبد الملك وقبل أن يقتله عرّضه لأنواع العذاب فقتل ولده أمامه وألزمه بدفع مبلغ كبير(١) .

وكان لجابر الجعفي وزرارة وأبان بن تغلب وغيرهم دور بالغ في نجاح حركة الإمام الفكريّة ، وأصبحوا ـ فيما بعد ـ النواة لجامعته ، وبقي هؤلاء بعد وفاة الإمام الباقرعليه‌السلام بصحبة ولده الصادقعليه‌السلام ليمارسوا مسؤولياتهم بحجم أكبر كما سيأتي توضيحه .

٣ ـ تأسيس جامعة أهل البيت عليهم‌السلام

جاءت فكرة زرع البذرة الفكرية وتشكيل النواة الأولى لجامعة علمية إسلامية في هذهِ المرحلة كضرورة حضارية لمواجهة التحدّي الحاضر ونسف البنى الفكرية لكل الأطروحات السابقة التي وجدت من ظروف المحنة مناخاً مناسباً لبثّ أفكارها .

كما تأتي ضرورة وجود تيّار فكري يبلور الأفكار الإسلامية الأصيلة

ـــــــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي : ٢/٢٩٤ .

٥٣

ويعبّئ بها ذهن الأمة ويفوّت الفرصة على الظالمين في حالة تبدّل الظروف .

ويمكن تلخيص الأسباب التي شكّلت عاملاً مهمّاً في التهيئة لنجاح هذه الجامعة فيما يلي :

١ ـ لقد عُزلت الأمة عن تبني أفكار الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وفقههم أكثر من قرن وبقيت تتناقله الخواص في هذه الفترة عن طريق الكتابة والحفظ شفاهاً وبالطرق السرّية .

٢ ـ في هذه الفترة طرحت على العالم الإسلامي تساؤلات فكريّة ومستجدّات كثيرة لم تمتلك الأمة لها حلاًّ بسبب اتّساع البلاد الإسلامية وتبدّل الظروف وحاجات المسلمين .

٣ ـ شعر المسلمون في هذا الظرف بأهمية البحث عن مبدأ فكري يتكفّل حلّ مشكلاتهم ; لأنّ النصّ المحرّف واجتهادات الصحابة أصبح متخلّفاً عن المواكبة ، بل أصبح بنفسه مشكلة أمام المسلم لتعارضه مع العقل والحياة .

٤ ـ في هذا العصر ظهرت مدارس فكرية متطرّفة مثل مدرسة الرأي القائلة بالقياس والاستحسان ، زاعمة أنّ للنصوص التي نقلت عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قليلة(١) لا تفي بالغرض ، الأمر الذي تسرّب فيه العنصر الذاتي للمجتهد ودخل الإنسان بذوقه الخاص إلى التشريع(٢) ، كما ظهرت مدرسة الحديث قِبال

ـــــــــــــــــ

(١) هذا في غير مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام الذين حرصوا على نقل تراث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وواجهوا منع تدوين السنّة النبوية بالحث على التدوين والنقل والتعليم ؛ لئلاَّ تندرس معالم الدين .

(٢) فقد عرف حسن أبي حنيفة أنّه لم يصح عنده من أحاديث الرسول الفقهية سوى سبعة حشر حديثاً راجع مقدمة ابن خلدون : ٣٧٢ .

٥٤

مدرسة الرأي والتي عرفت بالجمود على ظاهر النص ولم تتفرّغ لتمييز صحيح النصوص من غيره .

٥ ـ غياب القدوة الحسنة والجماعة الصالحة التي تشكّل مناخاً لنمو الفضيلة وزرع الأمل في نفوس الأمة باتّجاه الأهداف الربّانيّة .

في هذا الظرف الذي ذهب فيه الخوف واستطاع المسلم أن يبحث عن المعرفة وعن حل لمشكلاته الفكرية ، قام الإمام الباقرعليه‌السلام بتشكيل حلقاته العلمية في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فكان وجودهعليه‌السلام مركز جذب لقلوب طلاب الحقيقة فالتفّ حوله صحابة أبيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وبدأ منذ ذلك الحين بالتركيز على بناء الكادر العلمي آملاً أن يواجه به المشكلات الفكرية التي بدأت تغزو الأمة المسلمة وكان يشكّل هذا الكادر فيما بعد الأرضية اللازمة لمشروع الإمام الصادقعليه‌السلام المرتقب ، فتناول الإمامعليه‌السلام أهمّ المشكلات الفكرية التي كان لها ارتباط وثيق بحياة الناس العقائدية والأخلاقية والسياسية .

وزجّ الإمام بكادره العلمي وسط الأمة بعد أن عبّأه بكل المؤهّلات التي تمكّنهُ من خوض المعركة الفكرية حينما قال لأبان بن تغلب :( اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي أحبّ أن أرى في شيعتي مثلك ) (١) .

وعندما يدرك الأصحاب مغزى هدف الإمام من هذا التوجيه وضرورة الحضور مع الناس ؛ يتصدّى هؤلاء بأنفسهم لمعالجة المشكلات الفكرية وإبطال الشبه عن طريق الحوار والمناظرة حسب الخط الذي رسمه لهم الإمامعليه‌السلام في وقت سابق .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال للكشي ٢/٦٢٢ ، ح ٦٠٣ .

٥٥

قال عبد الرحمن بن الحجاج : كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب فقال له : يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وأدرك أبان مراده فانبرى قائلاً : كأنّك تريد أن تعرف عليّاً بمَن تبعه من أصحاب رسول الله ؟ فقال هو ذاك .

فأجابه أبان : والله ما عرفنا فضلهم ـ أي الصحابة ـ إلاَّ باتّباعهم إيّاه .

وتعميقاً لهذا التوجيه وبنفس السياق يبادر محبوب أهل البيت ولسانهم مؤمن الطاق ليواجه أفكار حركة الخوارج ويردّ على جرأتها في التشكيك بموقف الإمام عليعليه‌السلام من مسألة التحكيم(١) .

يدخل مؤمن الطاق على بعض زعماء الخوارج في الكوفة فيقول له : أنا على بصيرة من ديني وقد سمعتك تصف العدل فأحببت الدخول معك ، فيقول الخارجي لأصحابه إن دخل هذا معكم نفعكم.

فيقول له مؤمن الطاق : لِمَ تبرّأتم من عليّ بن أبي طالب واستحللتم قتله وقتاله ؟

يجيبه الخارجي : لأنّه حكّم الرجال في دين الله .

فيقول له : وكلَّ من حكّم في دين الله استحللتم قتله ؟

فيجيب الخارجي : نعم .

فيقول له : أخبرني عن الدين الذي جئت أُنظارك به لأدخل معك فيه ، إن غَلَبَتْ حجّتي حجّتك ، من يوقِفُ المخطئ منّا عن خطئه ويحكم للمصيب بصوابه ؟

فيشير الضحّاك إلى رجل من أصحابه ويقول : هذا هو الحكم بيننا .

ـــــــــــــــــ

(١) معجم رجال الحديث : ١/٢١ ـ ٢٢ وتنقيح المقال : ١/٤ .

٥٦

هنا يتوجّه مؤمن الطاق إلى مَن كان حاضراً من الخوارج ويقول : زعيمكم هذا قد حكّم في دين الله(١) وهكذا يفحمهم بحجّته البالغة ومنطقه القويم .

وقبل أن ننتهي من حياة الإمامعليه‌السلام نشير إلى ثلاث وقائع تاريخية لها صلة بالمرحلة التي سوف يتصدّى لها الإمام الصادقعليه‌السلام .

الواقعة الأولى : إنّ هشام بن عبد الملك هو واحد من الحكّام الأمويين الَّذين نصبوا العداوة لأهل البيت ، بل نراه قد زاد على غيره حتَّى أنّه على أثر الخطبة التي خطبها الإمام الصادقعليه‌السلام في مكة والتي أوضح فيها معنى القيادة ولمَن تكون القيادة ، يأمر هشام فور رجوعه إلى الشام بجلب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام إلى دمشق لغرض التنكيل بهما .

وبعد اللقاء بهشام تفوّق الإمام الباقرعليه‌السلام في البلاط الأموي في الحوار الذي أجراه مع هشام ثم حواره مع عالم النصارى في الشام ، يسمح لهما هشام بالرجوع إلى المدينة ولكنّه يأمر أمير ( مدين ) ـ وهي المدينة الواقعة في طريقهما ـ بإيذائهما فقد جاء في رسالته : إنّ ابن أبي تراب الساحر محمّد بن علي وابنه جعفر الكذابين فيما يظهران من الإسلام ، قد وردا عليّ فلمّا صرفتهما إلى يوم الدين مالا إلى القسسين والرهبان ، وتقربّا إليهم بالنصرانية فكرهت النكال لقربهما ، فإذا مرّا بانصرافهما عليكم فليناد في الناس : برئت الذمّة ممّن باعهما وشاراهما وصافحهما وسلّم عليهما ، ورأى أمير المؤمنين قتلهما ودوابّهما وغلمانهما لارتدادهما والسلام(٢) .

ولم يترك هشام الإمام الباقرعليه‌السلام حُرّاً يتحرّك في المدينة ، ولم يسترح

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢/ ٧٢ .

(٢) دلائل الإمامة : ١٠٤ ـ ١٠٩ وبحار الأنوار : ٤٦ ـ ٣٠٦ .

٥٧

من تواجده في الساحة الإسلامية حتَّى أقدم على قتله غيلةً بالسمّ سنة (١١٤هـ)(١) .

الواقعة الثانية : في هذهِ الفترة تحفّز زيد بن علي بن الحسينعليه‌السلام وصمّم على الثورة ضد هشام بن عبد الملك على أثر تصرّفات الأمويين ، ولا سيّما تصرّف هشام المهين بحق زيد ، والنيل من كرامته ، وما كان يفعله هشام بحق الشيعة بشكل خاص .

لقد دخل زيد على هشام فسلّم عليه بالإمرة فلم يردّ السلام إهانةً له ، بل أغلظ في الكلام ولم يفسح له في المجلس .

فقال زيد : السلام عليك يا أحول ، فإنّك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم فغضب هشام وجرت بينهما محاورة كان نصيب هشام فيها الفشل ، وخرج زيد وهو يقول : ما كره قومٌ حرّ السيوف إلاَّ ذلّوا .

وأمر هشام بردّه وقال له : اُذكر حوائجك ، فقال زيد : أما وأنت ناظر على أمور المسلمين فلا وخرج من عنده وقال : مَن أحبّ الحياة ذلّ(٢) .

ومضى زيد إلى الكوفة ثمّ خطّط للثورة واستشار بذلك الإمام الباقرعليه‌السلام .

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :إنّ عمّي أتى أبي فقال إنّي أريد الخروج على هذا الطاغية .

ولمّا أزمع على الخروج أتاه جابر بن يزيد الجعفي فقال له : إنّي سمعت أخاك أبا جعفر يقول :إنّ أخي زيد بن علي خارج ومقتول وهو على الحق فالويل لمَن خذله ، والويل لمَن حاربه ، والويل لمَن يقتله فقال له زيد : يا جابر لم يسعني أن أسكت وقد خولف كتاب الله تعالى

ـــــــــــــــــ

(١) شذرات الذهب : ١/١٤٩ ، تاريخ بن الأثير : ٤/٢١٧ ، طبقات الفقهاء : ٣٦ .

(٢) تاريخ الطبري : حوادث سنة ( ١٢١ ) ، وتاريخ ابن عساكر : ٦ / ٢٢ ـ ٢٣ .

٥٨

وتحوكم بالجبت والطاغوت(١) .

الواقعة الثالثة : ولمّا قربت وفاة الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام دعا بأبي عبد الله جعفر الصادقعليه‌السلام فقال له :إنّ هذه الليلة التي وُعدت فيها ثم سلّم إليه الاسم الأعظم ومواريث الأنبياء والسلاح وقال له :يا أبا عبد الله ، الله الله في الشيعة فقال أبو عبد الله :لا تركتهم يحتاجون إلى أحد ... (٢) .

بهذا العرض ننتهي من تصوير حياة الإمام الصادق مع أبيه لتبدأ مرحلة تصدّيه للإمامة ، وبها يبدأ عصر جديد من العمل والجهاد والإصلاح .

ـــــــــــــــــ

(١) راجع تيسير المطالب : ١٠٨ ـ ١٠٩ .

(٢) إثبات الهداة : ٥/٣٣٠ .

٥٩

الباب الثالث :

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : ملامح عصر الإمام الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثاني : دور الإمامعليه‌السلام في تثبيت معالم الرسالة .

الفصل الثالث : دور الإمامعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة .

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

عليه بأنّ أي قربان ـ وأي عمل ـ لا يتقبّل منك إلّا أن تؤمن أوّلا. غير أنّ نمرود قال في الجواب : فسيذهب سلطاني وملكي سدى إذن ، وليس بإمكاني أن أتحمّل ذلك!

على كلّ حال ، فإنّ هذه الحوادث صارت سببا لإيمان جماعة من ذوي القلوب الواعية بربّ إبراهيمعليه‌السلام ، أو يزدادوا إيمانا ، وربّما كان هذا هو السبب في عدم إظهار نمرود ردّ فعل قوي ضدّ إبراهيم ، بل اكتفى بإبعاده عن أرض بابل(١) .

* * *

__________________

(١) الكامل لابن الأثير ، المجلد الأوّل ، ص ٩٩.

٢٠١

الآيات

( وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) )

التّفسير

هجرة إبراهيم من أرض الوثنيين

لقد هزّت قصّة حريق إبراهيمعليه‌السلام ونجاته الإعجازية من هذه المرحلة الخطيرة أركان حكومة نمرود ، بحيث فقد نمرود معنوياته تماما ، لأنّه لم يعد قادرا على أن يظهر إبراهيم بمظهر الشاب المنافق والمثير للمشاكل. فقد عرف بين الناس بأنّه مرشد إلهي وبطل شجاع يقدر على مواجهة جبّار ظالم ـ بكلّ إمكانياته وقدرته ـ بمفرده ، وأنّه لو بقي في تلك المدينة والبلاد على هذا الحال ، ومع ذلك اللسان المتكلّم والمنطق القوي ، والشهامة والشجاعة التي لا نظير لها ، فمن المحتّم أنّه سيكون خطرا على تلك الحكومة الجبّارة الغاشمة ، فلا بدّ أن يخرج من تلك الأرض على أي حال.

٢٠٢

ومن جهة أخرى ، فإنّ إبراهيم كان قد أدّى رسالته في الواقع ـ في تلك البلاد ، ووجّه ضربات ما حقة إلى هيكل وبنيان الشرك ، وبذر بذور الإيمان والوعي في تلك البلاد ، وبقيت المسألة مسألة وقت لتنمو هذه البذور وتبدي ثمارها ، وتقلع جذور الأصنام وعبادتها ، وتسحب البساط من تحتها.

فلا بدّ من الهجرة إلى موطن آخر لإيجاد أرضية لرسالته هناك ، ولذلك صمّم على الهجرة إلى الشام بصحبة لوط ـ وكان ابن أخ إبراهيم ـ وزوجته سارة ، وربّما كان معهم جمع قليل من المؤمنين ، كما يقول القرآن الكريم :( وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ) .

وبالرغم من أنّ اسم هذه الأرض لم يرد صريحا في القرآن ، إلّا أنّه بملاحظة الآية الأولى من سورة الإسراء :( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ) يتّضح أنّ هذه الأرض هي أرض الشام ذاتها ، التي كانت من الناحية الظاهرية أرضا غنيّة مباركة خضراء ، ومن الجهة المعنوية كانت معهدا لرعاية الأنبياء.

وقد وردت بحوث مختلفة في التفاسير والرّوايات في أنّ إبراهيمعليه‌السلام هاجر تلقائيا ، أم أبعدته سلطات نمرود ، أم أنّ الإثنين اشتركا ، والجمع بينها جميعا هو أنّ نمرود ومن حوله كانوا يرون في إبراهيم خطرا كبيرا عليهم ، فأجبروه على الخروج من تلك البلاد ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإنّ إبراهيم كان يرى أنّ رسالته ومهمّته في تلك الأرض قد انتهت ، وكان يبحث عن منطقة أخرى للعمل على توسيع دعوة التوحيد فيها ، خاصة وأنّ البقاء في بابل قد يشكّل خطرا على حياته فتبقى دعوته العالمية ناقصة.

وفي حديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام : إنّ نمرود «أمر أن ينفوا إبراهيم من بلاده ، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله ، فحاجّهم إبراهيم عند ذلك فقال : إن

٢٠٣

أخذتم ماشيتي ومالي فحقّي عليكم أن تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم ، فاختصموا إلى قاضي نمرود ، وقضى على إبراهيم أن يسلّم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم ، وقضى على أصحاب نمرود أن يردّوا على إبراهيم ما ذهب من عمره في بلادهم ، فأخبر بذلك نمرود ، فأمرهم أن يخلّوا سبيله وسبيل ماشيته وماله ، وأن يخرجوه ، وقال : إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضرّ بآلهتكم»(١) .

وأشارت الآية التالية إلى أحد أهمّ مواهب الله لإبراهيم ، وهي هبته الولد الصالح ، والنسل المفيد ، فقالت :( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً ) (٢) ( وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ ) فقد مرّت أعوام طوال وإبراهيم في لهفة وانتظار للولد الصالح ، والآية (١٠٠) من سورة الصافات ناطقة بأمنيته الباطنية هذه :( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) . وأخيرا استجاب له ربّه ، فوهبه إسماعيل أوّلا ، ومن بعد إسحاق ، وكان كلّ منهما نبيّا عظيم الشخصيّة.

إنّ التعبير بـ «نافلة» ـ والذي يبدو أنّه وصف ليعقوب خاصّة ـ من جهة أنّ إبراهيمعليه‌السلام كان قد طلب الولد الصالح فقد ، فأضاف الله إلى مراده حفيدا صالحا أيضا ، لأنّ النافلة في الأصل تعني الهبة أو العمل الإضافي.

وتشير الآية الأخيرة إلى مقام إمامة وقيادة هذا النّبي الكبير ، وإلى جانب من صفات الأنبياء ومناهجهم المهمّة القيّمة بصورة جماعية.

لقد عدّت في هذه الآية ستّة أقسام من هذه الخصائص ، وإذا أضيف إليها وصفهم بكونهم صالحين ـ والذي يستفاد من الآية السابقة ـ فستصبح سبعة.

ويحتمل أيضا أن يكون مجموع الصفات الست التي ذكرت في هذه الآية تفصيلا

__________________

(١) روضة الكافي ، طبقا لنقل الميزان ، في ذيل الآيات مورد البحث.

(٢) عدم ذكر إسماعيل هنا مع أنّه كان أوّل ولد إبراهيم ، ربّما كان من أجل أنّ ولادة إسحاق من أمّ عقيم وعجوز ، كانت تبدو مسألة عجيبة للغاية ، في حين أنّ ولادة إسماعيل من أمّه هاجر لم يكن عجيبا.

٢٠٤

وتبيانا لصلاح أولئك ، والذي ورد في الآية السابقة.

يقول أوّلا :( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً ) أي إنّنا وهبناهم مقام الإمامة إضافة إلى مقام النّبوّة والرسالة ، والإمامة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ هي آخر مراحل سير الإنسان التكاملي ، والتي تعني القيادة العامّة الشاملة لكلّ الجوانب الماديّة والمعنوية ، والظاهرية والباطنية ، والجسميّة والروحية للناس.

والفرق بين النبوّة والرسالة وبين الإمامة ، هو أنّ الأنبياء في مقام النبوّة والرسالة يتلقّون أوامر الله ويبلّغونها الناس إبلاغا مقترنا بالإنذار أو البشارة فقط ، أمّا في مرحلة الإمامة فإنّهم ينفّذون هذا البرنامج الإلهي ، سواء كان هذا التنفيذ عن طريق تشكيل حكومة عادلة أو بدون ذلك ، فهم في هذه المرحلة مربّون للناس ، ومعلّمون لهم ، ومنفّذون للأحكام والبرامج في سبيل إيجاد بيئة طاهرة نزيهة إنسانية.

في الحقيقة ، إنّ مقام الإمامة مقام تنفيذ كلّ الخطط والاطروحات الإلهيّة ، وبتعبير آخر : الإيصال إلى المطلوب ، والهداية التشريعيّة والتكوينيّة ، فالإمام من هذه الناحية كالشمس التي تنمي الكائنات الحيّة بأشّعتها تماما(١) .

ثمّ يذكر في المرحلة التالية ثمرة هذا المقام ، فيقول :( يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) ولا يعني بالهداية الإرشاد وبيان الطريق الصحيح ، والذي هو من شأن النبوّة والرسالة ، بل يعني الأخذ باليد والإيصال إلى المقصود. وهذا بالطبع لمن له الاستعداد واللياقة والأهليّة.

أمّا الموهبة الثّالثة الرّابعة والخامسة فقد عبّر عنها القرآن بقوله :( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ ) وهذا الوحي يمكن أن يكون وحيا

__________________

(١) لمزيد الاطّلاع في هذا المجال راجع ذيل الآية (١٢٤) من سورة البقرة.

٢٠٥

تشريعيّا ، أي إنّنا جعلنا كلّ أنواع أعمال الخير وأداء الصلاة وإعطاء الزكاة في مناهجهم الدينيّة. ويمكن أيضا أن يكون وحيا تكوينيّا ، أي إنّنا وهبنا لهم التوفيق والقدرة والجاذبية المعنوية من أجل تنفيذ هذه الأمور.

طبعا ، ليس لأي من هذه الأمور صبغة إجبارية واضطرارية ، وحتّى مجرّد الأهلية والاستعداد والأرضية لوحدها من دون إرادتهم وتصميمهم لا توصل إلى نتيجة.

إنّ ذكر( إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ ) بعد فعل الخيرات ، من أجل أهميّة هذين الأمرين اللذين بيّنا أوّلا بصورة عامّة في جملة( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ) ثمّ بصورة خاصّة في التصريح بهما ، وهذا ما يبحثه علماء البلاغة العربية تحت عنوان ذكر الخاص بعد العام

وفي آخر فصل أشار إلى مقام العبودية ، فقال :( وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ) (١) .

والتعبير بـ «كانوا» الذي يدلّ على الماضي المستمر في هذا المنهج ، ربّما كان إشارة إلى أنّ هؤلاء كانوا رجالا صالحين موحّدين مؤهّلين حتّى قبل الوصول إلى مقام النّبوّة والإمامة ، وفي ظلّ ذلك المخطّط وهبهم الله سبحانه مواهب جديدة.

وينبغي التذكير بهذه النقطة ، وهيّ أنّ جملة( يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) في الحقيقة وسيلة لمعرفة الأئمّة وهداة الحقّ ، في مقابل زعماء وقادة الباطل الذين يقوم أساس ومعيار أعمالهم على الأهواء والرغبات الشيطانية. وفي حديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «إنّ الأئمّة في كتاب الله إمامان : قال الله تبارك وتعالى : وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا ، لا بأمر الناس ، يقدّمون ما أمر الله قبل أمرهم ، وحكم

__________________

(١) تقديم كلمة (لنا) على (عابدين) يدلّ على الحصر ، وإشارة إلى مقام التوحيد الخالص ، لهؤلاء المقدّمين الكبار ، أي إنّ هؤلاء كانوا يعبدون الله فقط.

٢٠٦

الله قبل حكمهم ، قال : وجعلنا أئمّة يهدون إلى النّار ، يقدّمون أمرهم قبل أمر الله ، وحكمهم قبل حكم الله ، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله»(١) .

وهذا هو المعيار والمحك لمعرفة إمام الحقّ من إمام الباطل.

* * *

__________________

(١) الآية الثّانية ـ وهي الآية (٤١) من سورة القصص ـ تشير إلى فرعون وجنوده ، وهذا الحديث جاء في تفسير الصافي نقلا عن كتاب الكافي.

٢٠٧

الآيتان

( وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) )

التّفسير

نجاة لوط من أرض الفجّار :

لمّا كان لوط من أقرباء إبراهيم وذوي أرحامه ، ومن أوائل من آمن به ، فقد أشارت الآيتان بعد قصّة إبراهيمعليه‌السلام إلى جانب من اجتهاده وسعيه في طريق إبلاغ الرسالة ، والمواهب التي منحها الله سبحانه له ، فتقول :( وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (١) .

لفظة (الحكم) جاءت في بعض الموارد بمعنى أمر النبوّة والرسالة ، وفي موارد أخرى بمعنى القضاء ، وأحيانا ، بمعنى العقل ، ويبدو أنّ الأنسب هنا من بين هذه المعاني هو المعنى الأوّل ، مع إمكانية الجمع بين هذه المعاني هنا.

والمراد من العلم كلّ العلوم التي لها أثر في سعادة ومصير الإنسان.

__________________

(١) لقد نصبت كلمة (لوط) لأنّها مفعول لفعل مقدّر ، يمكن أن يكون تقديره : (آتينا) أو (اذكر).

٢٠٨

لقد كان لوط من الأنبياء العظام وكان معاصرا لإبراهيم ، وهاجر معه من أرض بابل إلى فلسطين ، ثمّ فارق إبراهيم ، وجاء إلى مدينة (سدوم) لأنّ أهلها كانوا غارقين في الفساد والمعاصي ، وخاصّة الانحرافات الجنسية. وقد سعى كثيرا من أجل هداية هؤلاء القوم ، وتحمّل المشاق في هذا الطريق ، إلّا أنّه لم يؤثّر في أولئك العمي القلوب.

وأخيرا ، نعلم أنّ الغضب والعذاب الإلهي قد حلّ بهؤلاء ، وقلب عالي مدينتهم سافلها ، وأهلكوا جميعا ، إلّا عائلة لوط ـ باستثناء امرأته ـ وقد بيّنا تفصيل هذه الحادثة في ذيل الآيات (٧٧) وما بعدها من سورة هود.

ولذلك أشارت الآية إلى هذه الموهبة التي وهبت للوط ، وهي( وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ) .

إنّ نسبة الأعمال القبيحة إلى القرية والمدينة بدلا من أهل القرية إشارة إلى أنّ هؤلاء كانوا قد غرقوا في الفساد والمعاصي إلى درجة حتّى كأنّ أعمال الفساد والخبائث كانت تقطر من جدران مدينتهم وأبوابها.

والتعبير بـ «الخبائث» بصيغة الجمع ، إشارة إلى أنّهم إضافة إلى فعل اللواط الشنيع ، كانوا يعملون أعمالا قبيحة وخبيثة أخرى ، أشرنا إليها في ذيل الآية (٨) من سورة هود.

والتعبير بـ «الفاسقين» بعد «قوم سوء» ربّما يكون إشارة إلى أنّ أولئك كانوا فاسقين من وجهة نظر القوانين الإلهيّة ، وحتّى مع قطع النظر عن الدين والإيمان ، فإنّهم كانوا أفرادا حمقى ومنحرفين في نظر المعايير الاجتماعية بين الناس.

ثمّ أشارت الآية إلى آخر موهبة إلهيّة للنبي لوط ، فقالت :( وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) فهذه الرحمة الإلهيّة الخاصّة لا تعطى لأحد اعتباطا وبدون حساب ، بل إنّ أهلّية وصلاحية لوط هي التي جعلته مستحقّا لمثل هذه الرحمة.

٢٠٩

حقّا ، أي عمل أصعب ، وأي منهج إصلاحي أجهد من أن يبقى إنسان مدّة طويلة في مدينة فيها كلّ هذا الفساد والانحطاط ، ويظلّ دائما يبلّغ الناس الضالّين المنحرفين أمر ربّهم ويرشدهم إلى طريق الهدى ، ويصل الأمر بهم إلى أنّهم يريدون أن يعتدوا حتّى على ضيفه؟ والحقّ أنّ مثل هذه الاستقامة والثبات لا تصدر إلّا من أنبياء الله وأتباعهم ، فأي واحد منّا يستطيع أن يتحمّل مثل هذا العذاب الروحي المؤلم؟!

* * *

٢١٠

الآيتان

( وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) )

التّفسير

نجاة نوح من القوم الكافرين :

بعد ذكر جانب من قصّة إبراهيم وقصّة لوطعليهما‌السلام ، تطرّقت السورة إلى ذكر جانب من قصّة نبي آخر من الأنبياء الكبار ـ أي نوحعليه‌السلام ـ فقالت :( وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ ) أي قبل إبراهيم ولوط.

إنّ هذا النداء ـ ظاهرا ـ إشارة إلى الدعاء واللعنة التي ذكرت في سورة نوح من القرآن الكريم حيث يقول :( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) (١) . أو إنّه إشارة إلى الجملة التي وردت في الآية ١٠ / سورة القمر :( فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) .

التعبير بـ «نادى» يأتي عادة بمعنى الدعاء بصوت عال ، ولعلّه إشارة إلى أنّهم

__________________

(١) نوح ، ٢٦ ، ٢٧.

٢١١

آذوا هذا النّبي الجليل إلى درجة جعلته يصرخ مناديا ربّه ليدركه وينجّيه من أذاهم وشرّهم ، ولو أمعنا النظر في أحوال نوح الواردة في سورة نوح وسورة هود لوجدنا أنّه كان محقّا أن يرفع صوته ويدعو ربّه سبحانه(١) .

ثمّ تضيف الآية :( فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) وفي الحقيقة فإنّ جملة «فاستجبنا» إشارة مجملة إلى استجابة دعوته ، وجملة( فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) تعتبر شرحا وتفصيلا لها.

وهناك اختلاف بين المفسّرين في المراد من كلمة (أهل) هنا ، لأنّه إذا كان المراد منها عائلته وأهل بيته فستشمل بعض أبناء نوح ، لأنّ واحدا من أولاده تخلّف عنه مع المسيئين وأضاع بنوته لعائلته ، وكذلك لم تكن زوجته مؤمنة به.

وإن كان المراد من الأهل خواص أتباعه وأصحابه المؤمنين ، فإنّها على خلاف المعنى المشهور للأهل.

لكن يمكن أن يقال : أنّ للأهل ـ هنا ـ معنى وسيعا يشمل أهله المؤمنين وخواص أصحابه ، لأنّا نقرأ في حقّ ابنه الذي لم يتبعه :( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) (٢) وعلى هذا فإنّ الذين اعتنقوا دين نوح يعدّون في الواقع من عائلته وأهله.

وينبغي ذكر هذه الملاحظة أيضا ، وهي : إنّ «الكرب» في اللغة تعني الغمّ الشديد ، وهي في الأصل مأخوذة من تقليب الأرض وحفرها ، لأنّ الغمّ الشديد يقلب قلب الإنسان ، ووصفه بالعظيم يكشف عن منتهى كربه وأساه.

وأيّ كرب أعظم من أن يدعو قومه إلى دين الحقّ (٩٥٠) عاما ، كما صرّح القرآن بذلك ، لكن لم يؤمن به خلال هذه المدّة الطويلة إلّا ثمانون شخصا على المشهور بين المفسّرين(٣) ، وأمّا عمل الآخرين فلم يكن غير السخرية

__________________

(١) راجع ما ذكرنا عليه آنفا ذيل الآية (٢٥) سورة هود.

(٢) هود ، ٤٦.

(٣) مجمع البيان ذيل الآية (٤٠) من سورة هود ، ونور الثقلين ، المجلّد ٢ ، ص ٣٥٠.

٢١٢

والاستهزاء والأذى.

وتضيف الآية التالية :( وَنَصَرْناهُ ) (١) ( مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ) إنّ هذه الجملة تؤكّد مرّة أخرى على حقيقة أنّ العقوبات الإلهيّة لا تتّصف بصفة الانتقام مطلقا ، بل هي على أساس انتخاب الأصلح ، أي إنّ حقّ الحياة والتنعّم بمواهب الحياة لأناس يكونون في طريق التكامل والسير إلى الله ، أو انّهم إذا ساروا يوما في طريق الانحراف انتبهوا إلى أنفسهم ورجعوا إلى جادة الصواب. أمّا أولئك الفاسدون الذين لا أمل مطلقا في صلاحهم في المستقبل ، فلا مصير ولا جزاء لهم إلّا الموت والفناء.

* * *

ملاحظة

الجدير بالذكر أنّ هذه السورة ذكرت آنفا قصة «إبراهيم» و «لوط» وكذلك سوف تذكر قصتي «أيّوب» و «يونس» ، وقد ذكرت آنفا قصّة نوحعليه‌السلام وفي جميعها تذكر مسألة نجاتهم وخلاصهم من الشدائد والمحن والأعداء.

وكأنّ منهج هذه السورة بيان منتهى رعاية الله وحمايته لأنبيائه وإنقاذهم من الكروب ، ليكون ذلك تسلية للرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأملا للمؤمنين ، وبملاحظة أنّ هذه السورة مكّية ، وأنّ المسلمين كانوا حينئذ في شدّة وكرب فستتجلّى أهميّة هذا الموضوع أكثر

* * *

__________________

(١) إن فعل (نصر) يعدّى عادة بـ (على) إلى مفعول ثان ، فيقال مثلا : اللهم انصرنا عليهم. أمّا هنا فقد استعملت كلمة (من) ، وربّما كان ذلك من أجل أنّ المراد النصرة المقترنة بالنجاة ، لأنّ مادّة النجاة تتعدّى بـ (من).

٢١٣

الآيات

( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) )

التّفسير

قضاء داود وسليمانعليهما‌السلام :

بعد الحوادث والوقائع المتعلّقة بموسى وهارون وإبراهيم ونوح ولوطعليهم‌السلام ، تشير هذه الآيات إلى جانب من حياة داود وسليمان ، وفي البداية أشارت إشارة خفيّة إلى حادث قضاء وحكم صدر من جانب داود وسليمان ، فتقول :( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ ) (١) ( فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) .

وبالرغم من أنّ القرآن قد ألمح إلى هذه المحكمة لمحة خفيّة ، واكتفى بإشارة

__________________

(١) «نفشت» من مادّة نفش على وزن (حرب) أي التفرّق والتبعثر في الليل ، ولمّا كان تفرّق الأغنام في الليل ، وفي مزرعة سيقترن بالتهام نباتها حتما لذا قال البعض : إنّها الرعي في الليل ، و «نقش» (على وزن علم) تعني الأغنام التي تتفرّق في الليل.

٢١٤

إجمالية واستخلاص النتيجة الأخلاقية والتربوية لها والتي سنشير إليها فيما بعد ، إلّا أنّه وردت بحوث كثيرة حولها في الرّوايات الإسلامية وأقوال المفسّرين.

فقال جماعة : إنّ القصّة كانت كما يلي : إنّ قطيع أغنام لبعض الرعاة دخلت ليلا إلى بستان فأكلت أوراقه وعناقيد العنب منه فأتلفته ، فرفع صاحب البستان شكواه إلى داود ، فحكم داود بأن تعطى كلّ الأغنام لصاحب البستان تعويضا لهذه الخسارة الفادحة ، فقال سليمان ـ والذي كان طفلا آنذاك ـ لأبيه : يا نبي الله العظيم ، غيرّ هذا الحكم وعدّله! فقال الأدب : وكيف ذاك؟ قال : يجب أن تودع الأغنام عند صاحب البستان ليستفيد من منافعها ولبنها وصوفها ، وتودع البستان في يد صاحب الأغنام ليسعى في إصلاحه ، فإذا عاد البستان إلى حالته الأولى يردّ إلى صاحبه ، وتردّ الأغنام أيضا إلى صاحبها ، وأيّد الله حكم سليمان في الآية التالية.

وقد ورد هذا المضمون في رواية عن الإمامين الباقر والصادقينعليهما‌السلام (١) .

ويمكن أن يتصوّر عدم تناسب هذا التّفسير مع كلمة (حرث) التي تعني الزراعة ، ولكن يبدو أنّ للحرث معنى واسعا يشمل الزراعة والبستان ، كما يستفاد ذلك من قصّة أصحاب الجنّة في سورة القلم ، الآية ١٧ ـ ٣٢.

لكن تبقى هنا عدّة استفهامات مهمّة :

١ ـ ماذا كان أساس ومعيار هذين الحكمين؟

٢ ـ كيف اختلف حكم داود عن حكم سليمان؟ فهل كانا يحكمان على أساس الاجتهاد؟

٣ ـ هل المسألة هذه كانت على هيئة تشاور في الحكم ، أم أنّهما حكما بحكمين مستقلّين يختلف كلّ منهما عن الآخر؟!

ويمكن الإجابة عن السؤال الأوّل : إنّ المعيار كان جبران الخسارة ، فينظر

__________________

(١) مجمع البيان ، ذيل الآيات مورد البحث.

٢١٥

داود إلى أنّ الخسارة التي أصابت الكرم تعادل قيمة الأغنام ، ولذلك حكم بوجوب إعطاء الأغنام لصاحب البستان جبرا للخسارة ، لأنّ التقصير من جانب صاحب الأغنام.

وينبغي الالتفات إلى أنّنا نقرأ في بعض الرّوايات أنّ على صاحب الأغنام أن يمنع غنمه من التعدّي على زرع الآخرين في الليل ، كما أنّ من واجب صاحب الزرع حفظ زرعه في النهار(١) .

أمّا معيار حكم سليمانعليه‌السلام فقد كان يرى أنّ خسارة صاحب البستان تعادل ما سينتفع به من الأغنام لسنة كاملة!

بناء على هذا فإنّ الإثنين قد قضيا بالحقّ والعدل ، مع فارق أنّ حكم سليمان كان أدقّ ، لأنّ الخسارة لا تدفع مرّة واحدة في مكان واحد ، بل تؤدّي بصورة تدريجيّة بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضا. وإضافة إلى ما مرّ ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران ، لأنّ جذور النباتات لم تتلف ، بل ذهبت منافعها المؤقتة ، ولذلك فإنّ من الأعدل ألّا تنقل أصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان ، بل تنقل منافعها فقط.

ونقول في جواب السؤال الثّاني : لا شكّ أنّ حكم الأنبياء مستند إلى الوحي الإلهي ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ وحيا خاصّا ينزل في كلّ مورد من موارد الحكم ، بل إنّ الأنبياء يحكمون حسب القواعد الكليّة التي تلقّوها من الوحي.

بناء على هذا فإنّه لا توجد مسألة الاجتهاد النظري بمعناها الاصطلاحي ، وهو الاجتهاد الظنّي ، ولكن لا مانع من أن يكون هناك طريقان لإيجاد ضابطة كليّة ، وأن يكون نبيّان كلّ منهما يرى أحد الطريقين ، وكلاهما صحيح في الواقع ، وكان الموضوع الذي عالجناه في بحثنا ـ على سبيل الاتّفاق ـ من هذا القبيل كما

__________________

(١) نقرأ في مجمع البيان في ذيل الآية مورد البحث : روي عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قضى بحفظ المواشي على أربابها ليلا ، وقضى بحفظ الحرث على أربابه نهارا. وقد نقل هذا المضمون في تفسير الصافي نقلا عن كتاب الكافي.

٢١٦

بينّاه آنفا بتفصيل. وكما أشار القرآن إليه ، فإنّ الطريق الذي اختاره سليمانعليه‌السلام كان أقرب من الناحية التنفيذيّة ، وجملة( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) والتي ستأتي في الآية التالية ، شاهدة على صحّة كلا القضاءين.

ونقول في جواب السؤال الثّالث : لا يبعد أن يكون الأمر على هيئة تشاور ، وهو التشاور الذي يحتمل أن يكون لتعليم سليمان وتأهيله في أمر القضاء ، والتعبير بـ (حكمهم) شاهد أيضا على وحدة الحكم النهائي ، بالرغم من وجود حكمين مختلفين في البداية. (فتأمّلوا بدقّة).

ونقرأ في رواية عن الإمام الباقرعليه‌السلام في تفسير هذه الآية أنّه قال : «لم يحكما ، إنّما كانا يتناظران»(١) .

ويستفاد من رواية أخرى رويت في أصول الكافي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّ هذه القضيّة حدثت لتعيين وصيّ داود وخليفته وأن يتعلّم أولئك النفر منهما أيضا(٢) .

وعلى كلّ حال ، فإنّ الآية التالية تؤيّد حكم سليمان في هذه القصّة على هذه الشاكلة :( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) ولكن هذا لا يعني أنّ حكم داود كان اشتباها وخطأ ، لأنّها تضيف مباشرة( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) .

ثمّ تشير إلى إحدى المواهب والفضائل التي كان الله سبحانه قد وهبها لداودعليه‌السلام ، فتقول :( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ) فإنّ ذلك ليس شيئا مهمّا أمام قدرتنا( وَكُنَّا فاعِلِينَ ) .

* * *

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ، طبقا لنقل تفسير نور الثقلين ، الجزء ٣ ، ص ٤٤٣.

(٢) لمزيد الاطّلاع راجع تفسير الصافي ذيل الآية مورد البحث.

٢١٧

بحث

هناك بحث بين المفسّرين في أنّه كيف كان تجاوب الجبال والطير مع داود؟

وما المراد من قوله تعالى :( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ ) ؟!

١ ـ فاحتمل أحيانا أنّ هذا كان صوت داود الرخيم المؤثّر الجذّاب ، والذي كان ينعكس في الجبال ، وكان يجذب الطيور إليه.

٢ ـ وقالوا حينا آخر : إنّ هذا التسبيح كان تسبيحا مقترنا بالإدراك والشعور الموجود في باطن ذرّات العالم ، لأنّ كلّ موجودات العالم لها نوع من العقل والشعور حسب هذه النظرية ، وعند ما كانت تسمع صوت داود في وقت المناجاة والتسبيح كانت تردّد معه ، وتمتزج بهمهمة تسبيح منها.

٣ ـ وقال البعض : إنّ المراد هو التسبيح التكويني الذي يوجد في موجودات العالم بلسان حالها ، لأنّ لكلّ موجود نظاما دقيقا جدّا. وهذا النظام الدقيق يحكي عن طهارة ونزاهة الله ، وعن أنّ له صفات كمال ، وبناء على هذا فإنّ نظام عالم الوجود العجيب في كلّ زاوية منه تسبيح وحمد ، فـ «التسبيح» هو التنزيه عن النقائص ، و «الحمد» هو الثناء على صفات الكمال(١) .

فإنّ قيل : إنّ التسبيح التكويني لا يختّص بالجبال والطيور ، ولا بداود ، بل أنّ نغمة هذا التسبيح تنبعث من كلّ الأرجاء والموجودات على الدوام.

قالوا في الجواب : صحيح إنّ هذا التسبيح عام ، ولكن لا يدركه الجميع ، فقد كانت روح داود العظيمة في هذه الحالة منسجمة مع باطن وداخل عالم الوجود ، وكان يحسن جيدا أنّ الجبال والطير يسبّحن معه.

وليس لدينا دليل قاطع على أي من هذه التفاسير ، وما نفهمه من ظاهر الآية هو أنّ الجبال والطير كانت تردّد وتتجاوب مع داود ، وكانت تسبّح الله ، وفي الوقت

__________________

(١) لمزيد الإيضاح راجع تفسير الآية (٤٤) من سورة الإسراء.

٢١٨

نفسه لا تضادّ بين هذه التفاسير الثلاثة ، فالجمع بينهما ممكن.

وأشارت الآية الأخيرة إلى موهبة أخرى من المواهب التي وهبها الله لهذا النّبي الجليل ، فقالت :( وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) .

«اللبوس» كما يقول العلّامة الطبرسي في مجمع البيان ـ كلّ نوع من أنواع الأسلحة الدفاعية والهجومية كالدرع والسيف والرمح(١) . إلّا أنّ القرائن التي في آيات القرآن توحي بأنّ اللبوس هنا تعني الدرع التي لها صفة الحفظ في الحروب.

أمّا كيف ألان الله الحديد لداود ، وعلّمه صنع الدروع ، فسنفصّل ذلك في ذيل الآيات (١٠ ـ ١١) من سورة سبأ إن شاء الله تعالى.

* * *

__________________

(١) مجمع البيان ، ذيل الآيات مورد البحث.

٢١٩

الآيتان

( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) )

التّفسير

الرياح تحت إمرة سليمان :

تشير هاتان الآيتان إلى جانب من المواهب التي منحها الله لنبي آخر من الأنبياء ـ أي سليمانعليه‌السلام فتقول الآية الأولى منهما :( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) وهذا الأمر ليس عجيبا ، لأنّنا عارفون به( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ) فنحن مطّلعون على أسرار عالم الوجود ، والقوانين والأنظمة الحاكمة عليه ، ونعلم كيفية السيطرة عليها ، ونعلم كذلك نتيجة وعاقبة هذا العمل ، وعلى كلّ حال فإنّ كلّ شيء خاضع ومسلّم أمام علمنا وقدرتنا.

إنّ جملة( وَلِسُلَيْمانَ ) معطوفة على جملة( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ ) أي إنّ قدرتنا عظيمة نقدر معها على أن نسخّر الجبال لعبد من عبادنا أحيانا لتسبّح معه ، وأحيانا نجعل الريح تحت إمرة أحد عبادنا ليرسلها حيث شاء.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550