الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٣

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل7%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 510

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 510 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 155562 / تحميل: 5822
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٣

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

باختصار إلى بعض خصوصيات وجزئيات حياتهم.

يقول تعالى :( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ) .

كما سنرى فإنّ عظمة هذه الآية تنبع من أنّهم بالاستفادة من خصوصيات موقعهم وطريقة إحاطة الجبال بمنطقة سكناهم وبالذكاء العالي الذي وهبهم الله ، استطاعوا حصر مياه السيول ـ التي لا تخلف وراءها إلّا الدمار ـ خلف سدّ عظيم ، وبذا عمّروا دولة رفيعة التمدّن ، فكانت آية عظيمة أن يتحوّل سبب الخراب والدمار إلى عامل رئيسي من عوامل العمران والتمدّن!!

«سبأ» اسم من؟ وما هي؟. الموضوع مورد أخذ وردّ بين المؤرخين ، ولكن المشهور هو أنّ «سبأ» اسم «أبي العرب» في اليمن ، وطبقا للرواية الواردة عن «فروة بن مسيك» أنّه قال : «سألت رسول الله عن «سبأ» أرجل هو أم امرأة؟ فقال : هو رجل من العرب ولد له عشرة ، تيامن منهم ستّة وتشاءم منهم أربعة ، فأمّا الذين تيامنوا فالأزد وكندة ومذحج والأشعرون وأنمار ومجد. فقال رجل من القوم : ما أنمار؟ قال : الذين منهم خثعم وبجيلة ، وأمّا الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولخم وغسان. فالمراد بسبإ هاهنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان»(١) .

وبعضهم ذهب إلى أنّ «سبأ» اسم لأرض اليمن أو لإحدى مناطقها. وظاهر الآيات القرآنية التي تحدّثت في قصّة سليمانعليه‌السلام و (الهدهد) أشارت إلى هذا المعنى أيضا ففي الآية (٢٢) من سورة النمل ، يقول تعالى على لسان الهدهد :( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) يعني لقد جئتك من أرض سبأ بنبإ يقين.

في حال أنّ ظاهر الآية مورد البحث هو أنّ «سبأ» كانوا «قوما» عاشوا في تلك المنطقة ، بلحاظ أنّ ضمير «هم» في «مساكنهم» يعود عليهم.

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٨ ، ص ٣٨٥ ـ ٣٨٦.

٤٢١

ولا منافاة بين التّفسيرين لأنّ من الممكن أن يكون «سبأ» اسم شخص ابتداء ، ثمّ بعدئذ سمّي كلّ أولاده وقومه من بعده باسمه ، ثمّ انتقل الاسم ليشمل مكان سكناهم.

تنتقل الآية بعد ذلك لتجلّي الموقف عن تلك الموهبة الإلهية التي وضعت بين يدي قوم سبأ. فيقول تعالى :( جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ) .

ما حصل هو أنّ قوم سبأ استطاعوا ـ ببناء سدّ عظيم بين الجبال الرئيسية في منطقتهم ـ حصر مياه السيول المدمّرة أو الضائعة هدرا على الأقل ، والإفادة منها وبإحداث منافذ في ذلك السدّ سيطروا تماما على ذلك الخزّان المائي الهائل ، وبالتحكّم فيه تمكّنوا من زراعة مساحات شاسعة من الأرض.

الإشكال الذي أثاره (الفخر الرازي) هو : ما هي أهميّة وجود مزرعتين لكي يذكر ذلك في آية مستقلّة؟ ثمّ يقول في الجواب أنّ هاتين المزرعتين لم تكونا عاديتين ، بل إنّهما عبارة عن سلسلة من رياض المترابطة مع بعضها البعض والممتدة على جانبي نهر عظيم يتغذّى من ذلك السدّ العظيم. وكانت تلك الرياض مليئة بالبركات إلى درجة أنّه ورد في كتب التأريخ عنها ، أن لو مرّ شخص يحمل على رأسه سلّة فارغة من تحت أشجار تلك المزارع في فصل نضوج الأثمار فانّها تمتلئ بسرعة نتيجة ما يتساقط من تلك الأثمار الناضجة.

أليس من العجيب إذا أن يتحوّل سبب الخراب والدمار إلى سبب رئيسي للعمران بذلك الشكل المدهش؟ ثمّ ألا يعدّ ذلك من عجائب آيات الله سبحانه وتعالى؟

وعلاوة على كلّ ذلك ـ وكما سترد الإشارة إليه في الآيات الآتية ـ فإنّ من آيات الله أيضا ذلك الأمن والأمان غير العاديين اللذين شملا تلك الأرض.

ثمّ يضيف القرآن :( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌ

٤٢٢

غَفُورٌ ) (١) (٢) .

هذه الجملة القصيرة تصوّر مجموعة النعم المادية والمعنوية بأجمل تعابير ، فبلحاظ النعم المادية أرض طيّبة خالية من الأمراض المختلفة ، من السراق والظلمة ، من الآفات والبلايا ، من الجفاف والقحط ، من الخوف والوحشة ، وقيل خالية حتّى من الحشرات المؤذية.

هواء نقي ، ونسيم يبعث على السرور ، أرض معطاءة وأشجار وافرة الثمر.

وأمّا بلحاظ النعم المعنوية فمغفرة الله التي شملتهم ، والتغاضي عن تقصيرهم ، وصرف البلاء والعذاب عنهم وعن بلدتهم.

ولكن هؤلاء الجاحدين غير الشكورين. لم يقدّروا تلك النعمة حّق قدرها. ولم يخرجوا من بوتقة الامتحان بسلام ، سلكوا طريق الإعراض والكفران ، فقرّعهم الله أيّما تقريع!!

قال تعالى :( فَأَعْرَضُوا ) استهانوا بنعمة الله ، توهّموا بأنّ العمران والمدنية والأمن أشياء عادية ، نسوا الله ، وأسكرتهم النعمة ، وتفاخر الأغنياء على الفقراء ، وظنّوا أنّهم يزاحمونهم في أرزاقهم ـ كما سيرد في الآيات اللاحقة ـ.

وهنا مسّهم سوط الجزاء ، يقول تعالى :( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) فدمّر بيوتهم ومزارعهم وحوّلها إلى خرائب

«العرم» : من «العرامة» وهي شراسة وصعوبة في الخلق تظهر بالفعل ، ووصف «السيل» بالعرم إشارة إلى شدّته وقابليته على التدمير. وتعبير «سيل العرم» من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.

وقيل : «العرم» الجرذان الصحراوية ، وهي التي سبّبت انهيار السدّ بنفوذها فيه

__________________

(١) «بلدة» : خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هذه بلدة طيّبة وهذا ربّ غفور.

(٢) يمكن أن يكون هذا الخطاب الإلهي لهؤلاء القوم على أحد احتمالين ، فإمّا أن يكون قد أبلغ ذلك بواسطة الأنبياء المبعوثين منهم ، كما قال به بعض المفسّرين ، أو أنّ هذه النعم كانت توصل إلى إدراكهم مثل هذا الخطاب.

٤٢٣

(قصّة نفوذ الجرذان الصحراوية في السدّ ، مع كونها ممكنة ـ كما سيرد شرحه فيما بعد ـ لكن تعبير الآية ليس فيه أدنى تناسب مع هذا المعنى).

في «لسان العرب» ، مادّة «عرم» وردت معان مختلفة من جملتها «السيل الذي لا يطاق» ومنه قوله تعالى «الآية» ، وقيل : إضافة إلى المسنّاة أو السدّ ، وقيل : إلى الفأر(١) .

ولكن أنسب التفاسير هو الأوّل ، وهو الذي اعتمده ـ أيضا ـ علي بن إبراهيم في تفسيره.

بعدئذ يصف القرآن الكريم عاقبة هذه الأرض كما يلي :( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) .

«أكل» : بمعنى الطعام.

«خمط» : بمعنى النبات المرّ وهو «الأراك».

«أثل» : شجر معروف.

وبذا يكون قد نبت محلّ تلك الأشجار الخضراء المثمرة ، أشجار صحراوية غليظة ليست ذات قيمة ، والتي قد يكون «السدر» أهمّها ، وهذا أيضا كان نادرا بينها. ولك ـ أيّها القارئ ـ أن تتخيّل أي بلاء حلّ بهؤلاء وبأرضهم؟!

ولعلّ ذكر هذه الأنواع الثلاثة من الأشجار التي بقيت في تلك الأرض المدمّرة إشارة إلى ثلاثة امور : أحدها قبيح المنظر ، والثّاني لا نفع فيه ، والثالث له منفعة قليلة جدّا.

يقول تعالى في الآية التالية بصراحة وكتلخيص واستنتاج لهذه القصّة( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا ) .

ويجب أن لا يتبادر إلى الذهن بأنّ هذا المصير يخصّ هؤلاء القوم ، بل إنّ من

__________________

(١) لسان العرب مادّة «عرم» ج ١٢ ، ص ٣٩٦.

٤٢٤

المسلّم أنّه يعمّ كلّ من كانت لهم أعمال شبيهة بأعمال هؤلاء. وهكذا تضيف الآية( وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) .

كان هذا مختصرا عن مصير «قوم سبأ» الذي سنفصّله أكثر في تفسير الآيات اللاحقة.

* * *

٤٢٥

الآيتان

( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) )

التّفسير

( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ!! )

تعود هذه الآيات إلى قصّة قوم سبأ مرّة اخرى ، وتعطي شرحا وتفصيلا أكثر حولهم وحول العقاب الذي حلّ بهم. ليكون درسا بليغا وتربويا لكلّ سامع.

يقول تعالى : لقد عمّرنا أرضهم إلى حدّ أنّ النعمة لم تغطّها وحدها ، بل( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً ) . فقد جعلنا بينهم وبين الأرض المباركة مدائن وقرى اخرى متّصلة بفواصل قليلة إلى درجة أنّ القرية ترى من القرية الثّانية.

بعض المفسّرين قالوا في تفسير «قرى ظاهرة» بأنّها إشارة إلى القرى التي كانت تظهر للعيان من جادّة المسير بشكل واضح ، ويستطيع المسافرون التوقّف فيها ، أو

٤٢٦

أنّها القرى التي كانت على مرتفعات من الأرض فكانت واضحة للعابرين.

أمّا ما هي «الأرض المباركة»؟ فقد أجمع أغلب المفسّرين على أنّها «أرض الشام» (سوريا وفلسطين والأردن) ، لأنّ هذا التعبير اطلق على نفس هذه المنطقة في الآية الاولى من سورة الإسراء ، والآية (٨١) من سورة الأنبياء.

ولكن بعض المفسّرين احتمل أنّ المقصود منها هو «صنعاء» أو «مأرب» وكلتاهما كانتا في اليمن ، ولا يستبعد هذا التّفسير ، لأنّ المسافة بين (اليمن) الواقعة في أقصى جنوب الجزيرة العربية ، و (الشام) الواقعة في أقصى شمالها ، شاسعة ومليئة بالصحاري اليابسة المقفرة ممّا يجعل تفسير الأرض المباركة هنا (بالشام) بعيدا جدّا ، ولم ينقل في التواريخ ما يشير إلى ذلك.

بعضهم احتمل أيضا أن يكون المقصود (بالأرض المباركة). (مكّة) وهو بعيد أيضا.

هذا من جهة العمران ، ولكن العمران وحده لا يكفي ، بل إنّ شرطه الأساسي هو «الأمان» ، ولذلك تضيف الآية( وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) أي جعلنا بينها فواصل معتدلة.( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) .

وبهذا فإنّ الفواصل والمسافات بين القرى كانت متناسقة محسوبة ، وكذلك فإنّها طرق محفوظة من حملات الضواري أو السرّاق أو قطّاع الطرق. بحيث أنّ الناس كانوا يسافرون خلال هذه الطرق. بلا زاد أو دواب وبلا استفادة من الحراس المسلّحين ، ولم يكونوا يخافون من حوادث الطريق أو قلّة الماء والزاد لديهم.

أمّا بأيّة وسيلة تمّ إبلاغ هذه الرسالة للناس( سِيرُوا فِيها ) الآية ، يرد أيضا الاحتمالان بأن يكون ذلك بواسطة أحد الأنبياءعليهم‌السلام ، أو أنّ ظاهر حال المنطقة كان يوصل هذا المعنى إلى وجدانهم.

تقديم «الليالي» على «الأيّام» قد يكون بلحاظ أنّ وجود الأمن في الليل من

٤٢٧

السرّاق او الوحوش اهمّ منه في النهار الذي تسهل معه مهمّة الأمن.

ولكن هؤلاء جحدوا نعم الله العظيمة التي شملت كلّ مناحي حياتهم ـ كما هو الحال بالنسبة لغيرهم من الأقوام المتنعّمة ـ ولبسهم الغرور ، وأحاطت بهم الغفلة ونشوة النعيم وعدم لياقتهم له ، فأسلكتهم طريق الكفران وعدم الشكر ، وانحرفوا عن الصراط وتركوا أوامر الله خلف ظهورهم.

فمن جملة مطالبهم العجيبة من الله ،( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) .

أي طلبوا أن يجعل الله المسافات بين قراهم طويلة ، كي لا يستطيع الفقراء السفر جنبا إلى جنب مع الأغنياء ، ومقصودهم هو أن تكون بين القرى ـ كما أسلفنا ـ فواصل صحراوية شاسعة ، حتّى لا يستطيع الفقراء ومتوسّطو الحال الإقدام على السفر بلا زاد أو ماء أو مركّب ، وبذا يكون السفر أحد مفاخر الأغنياء وعلامة على القدرة والثروة ، ووجوب أن يظهر هذا الامتياز ويثبت لدى الجميع.

أو أنّهم ملّوا من الراحة والرفاه ، كما ملّ بنو إسرائيل من (المنّ والسلوى) (الغذاء السماوي) وطلبوا من الله البصل والثوم والعدس.

بعضهم احتمل أيضا أن يكون المقصود بعبارة( باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) أنّهم أصبحوا كسالى إلى درجة لم يكونوا معها حاضرين للسفر لغرض رعي الحيوانات أو التجارة أو الزراعة ، ولذا طلبوا من الله أن يبقيهم في وطنهم دائما ويباعد بين السفرة والاخرى. ولكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل أفضل.

على كلّ حال فإنّهم بهذا العمل أوقعوا الظلم على أنفسهم( وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) .

نعم ، فإن كانوا يظنّون أنّهم إنّما يظلمون غيرهم فقد اشتبهوا ، إذ أنّهم قد استلّوا خنجرا ومزّقوا به صدورهم ، ودخّان النار التي أسعروها أعمى عيونهم.

وياله من تعبير رائع ، ذلك الذي أوضح به القرآن الكريم مصيرهم المؤلم ، حيث يقول : إنّنا جازيناهم ودمّرنا بلادهم ومعيشتهم بحيث :( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ) .

نعم فلم يبق من تلك الحياة المرفّهة ، والتمدّن العريض المشرق ، إلّا أخبار على

٤٢٨

الألسن ، وذكريات في الخواطر ، وكلمات على صفحات التاريخ( وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) .

كيف دمّرنا أرضهم بحيث سلبت منهم معها قدرة البقاء فيها ، وبذا أصبحوا مجبرين على أن يتفرّقوا كلّ مجموعة إلى جهة لإدامة حياتهم ، ونثروا كما تنثر أوراق الخريف التي عصفت بها الريح حتّى أضحى تفرّقهم مثلا يضرب فقيل : «تفرّقوا أيادي سبأ»(١) .

وكما قال بعض المفسّرين ، فقد ذهبت قبيلة (غسّان) إلى الشام ، و (أسد) إلى عمان ، و (خزاعة) إلى جهة تهامة ، و (أنمار) إلى يثرب(٢) .

وفي ختام الآية يقول تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) ، لأنّ الصابرين والشاكرين وحدهم يستطيعون الإعتبار ممّا جرى ، خصوصا مع ملاحظة أنّ كلّا من (صبّار) و (شكور) هي صيغة مبالغة. ذلك لكونهم بصبرهم واستقامتهم يتمكّنون من الإمساك بزمام مركب الهوى والهوس الجموح ، ويقفون بوجه المعاصي ، وبشكرهم لله تعالى في طريق طاعته فإنّهم مرتبطون به وييقظون ، وعليه فإنّهم يأخذون العبرة بشكل جيّد ، أمّا أولئك الذين ركبوا سفينة الهوى وتجاهلوا نعم الله عليهم فكيف يمكنهم أخذ العبرة ممّا جرى؟

* * *

بحوث

١ ـ المصير المذهل لقوم سبأ!!

يستفاد ممّا ورد في القرآن الكريم والروايات ، وكذلك كتب التاريخ ، بأنّ «قوم سبأ» كانوا يقطنون جنوب الجزيرة ، وكانت لهم حكومة راقية ، وحضارة خلّابة.

__________________

(١) نقل هذا المثل على صورتين «تفرّقوا أيدي سبأ» و «أيادي سبأ» ، ففي الشكل الأوّل إشارة إلى التمزّق البشري ، والشكل الثّاني إشارة إلى تمزّق الأموال والنعم والإمكانات ، لأنّ «أيادي» عادة تستعمل بمعنى النعم.

(٢) تفسير القرطبي وتفسير أبي الفتوح الرازي ، ذيل الآيات مورد البحث.

٤٢٩

ورغم أنّ أرض (اليمن) كانت واسعة وصالحة للزراعة ، إلّا أنّه من استغلالها لعدم وجود نهر مهمّ في تلك المنطقة ، كما أنّ مياه الأمطار ـ التي كانت تهطل بغزارة على قمم الجبال كانت تذهب هدرا في هضاب وصحاري تلك المنطقة. ولكن أهل تلك المنطقة الأذكياء فكّروا في كيفية الاستفادة من تلك المياه المهدورة ، فبنوا لهذا الغرض عددا من السدود في النقاط الحسّاسة كان أهمّها وأكثرها مخزونا «سدّ مأرب».

«مأرب» بلدة صغيرة تقع عند انتهاء إحدى ممرّات السيول تلك ، وكانت تمرّ سيول جبال «صراة» العظيمة من جنبها ، وفي فم هذا المضيق وبين جبلي «بلق» بنوا سدّا عظيما قويا ، وأوجدوا فيه منافذ كثيرة للماء ، وقد استطاع هذا السدّ خزن كميّات هائلة من الماء خلفه إلى درجة أنّهم استطاعوا ـ بالاستفادة من ذخيرته ـ إحداث جنّات جميلة جدّا ، وبساتين مملوءة بالبركة على طرفي النهر الوارد ابتداء من مصبّ السدّ.

وكما ذكرنا سابقا فإنّ القرى المأهولة في تلك الأرض كانت شبه متّصلة ببعضها ، بحيث أنّ ظلال الأشجار كانت تتواصل مع بعضها البعض ، وكانت الأشجار محمّلة بكميّات كبيرة من الثمار حتّى أنّ من يمرّ تحتها بسلّته الخالية يخرج بعد مدّة قصيرة بسلّة ممتلئة تلقائيا ، وفور النعمة ـ ممزوجا بالأمان ـ هيّأ محيطا مرفّها لحياة طاهرة ، محيطا نموذجيا لطاعة الله ، والتكامل المعنوي ، ولكنّهم لم يقدّروا النعمة حقّ قدرها ، فنسوا الله ، وجحدوا النعمة ، وانشغلوا بالتفاخر والعناوين والمستوى الاجتماعي.

ورد في بعض كتب التاريخ بأنّ الجرذان الصحراوية ، بعيدا عن مرأى هؤلاء المغرورين السكارى ، كانت تتّخذ لها جحورا في ذلك السدّ الترابي ، وتنخره من الداخل ، وفجأة هطلت أمطار غزيرة وتجمّعت لتشكّل سيولا عظيمة ، تراكمت خلف ذلك السدّ الذي لم يعدّ حينها مؤهّلا لتحمّل الضغط الشديد من تلك الكمّيات

٤٣٠

الهائلة ، وما هي إلّا لحظة حتّى انهار هذا السدّ ليضع النهاية لتلك الحياة الزاهية ، ودمّر القرى المعمورة ، الجنان ، المزارع ، المحاصيل ، قضى على الحيوانات ، هدّم القصور والبيوت الجميلة الجذّابة ، وتحوّلت تلك الأرض الحيّة إلى صحراء جافّة لا ماء فيها ولا كلأ ، ولم يبق من تلك الجنان والأشجار المثمرة إلّا شجر (الأراك) المرّ ، و (شجر المنّ) وقليل من (السدر) ، وهاجرت الطيور المغردة ليحلّ محلّها البوم والغربان(١) .

نعم ، حينما يريد الله سبحانه وتعالى إظهار قدرته ، فإنّه يدمّر مدينة راقية بعدد من الفئران حتّى يتّضح للعباد مدى ضعفهم ولا يغترّوا بقدرتهم مهما بلغت.

٢ ـ الإعجاز القرآني التأريخي

أورد القرآن الكريم قصّة «قوم سبأ» في الوقت الذي كان المؤرخّون لا يعلمون شيئا عن وجود هؤلاء القوم ، وعن مثل تلك المدنيّة. والملفت للنظر أنّ المؤرخّين قبل الاكتشافات الحديثة ، لم يذكروا شيئا حول سلسلة ملوك سبأ والمدنية العظيمة لهم ، واعتقدوا فقط بأنّ (سبأ) هو شخص افتراضي ، عرف كأب مؤسّس لدولة «حمير» ، في حين أنّ القرآن الكريم أفرد سورة كاملة باسم هؤلاء القوم وأشار إلى أحد مظاهر مدينتهم وهو بناؤهم (لسدّ مأرب) التأريخي.

ولكن بعد الكشوف عن الآثار التأريخية لهؤلاء القوم في اليمن ، تغيّرت أفكار علماء التأريخ. والسبب في تأخّر الكشف عن الآثار التأريخية لهؤلاء القوم يعود إلى :

١ ـ صعوبة الطريق المؤدّية إلى مناطق التنقيب وشدّة حرارة الجو هناك.

٢ ـ تنفّر سكنة المنطقة حاليا من الأجانب ، ممّا جعل الأوربيين غير المطّلعين

__________________

(١) اقتباس من تفسير مجمع البيان وقصص القرآن وتفاسير اخرى.

٤٣١

وغير العارفين يطلقون صفة «التوحّش» على هذه الأحاسيس الصادرة من أهل المنطقة ، حتّى استطاع عدّة معدودة من علماء الآثار يدفعهم التعلّق الشديد بكشف الأسرار الأثرية النفوذ إلى قلب مدينة «مأرب» وما حولها. واكتشفوا مجموعة من الأحجار الحاوية للخطوط والنقوش الكثيرة ، وبعد ذلك تعاقبت مجاميع المنقّبين في القرن التاسع عشر الميلادي ناقلين معهم في كلّ مرّة مجموعة من النقوش والخطوط والآثار ، وبالاستفادة من تلك الآثار ، التي ناهزت الألف أثر ، أطلع العلماء على جزئيات وخصوصيات حضارة هؤلاء القوم ، وعلى تأريخ بناء «سدّ مأرب» وخصوصيات اخرى ، وثبت للغربيين بأنّ ما ذكره القرآن الكريم بهذا الخصوص لم يكن اسطورة ، بل واقع تاريخي لم يكونوا قد اطّلعوا عليه ، وبعد ذلك استطاعوا رسم مخطّط كامل لذلك السدّ العظيم وتشخيص منافذ عبور المياه فيه ، والجداول الخاصّة بالبساتين والمزارع يمينا وشمالا وسائر خصوصيات المنطقة الاخرى.

٣ ـ لفتات هامّة للعبرة في قصّة قصيرة

إنّ التعرّض لسرد قصّة قوم سبأ بعد قصّة سليمانعليه‌السلام له مفهوم خاصّ :

١ ـ إنّ داود وسليمانعليهما‌السلام كانا نبيّين عظيمين استطاعا تشكيل حكومة قويّة ، وإيجاد حضارة مشرقة تلاشت بوفاتهم ، وكذلك الحضارة الكبرى التي أقامها قوم سبأ تلاشت بانهيار سدّ مأرب!!

والجدير بالملاحظة أنّ الروايات تشير إلى أن عصا سليمانعليه‌السلام أكلتها حشرة «الأرضة» ، كما أنّ سدّ مأرب نخرته الجرذان الصحراوية ، كي يعلم هذا الإنسان المغرور بأنّ النعم المادية مهما كانت عظيمة ومصدرا للخير ، فإنّها أحيانا تتلاشى بواسطة حشرة أو حيوان ضعيف يقلب عاليها أسفلها. وبالنتيجة ينتبه المؤمنون

٤٣٢

والعارفون ولا يقعوا أسرى في شراك هذه النعم ، ويفيق المغرورون من سكر غفلتهم ولا يسلكوا طريق الظلم والعدوان.

٢ ـ نلاحظ هنا حضارتين عظيمتين ، إحداهما رحمانية ، والاخرى شيطانية المصير ، لكنّهما واجهتا الفناء ولم تخلدا.

٣ ـ وممّا يستحقّ الانتباه ، هو أنّ المغرورين من قوم سبأ الذين لم يستطيعوا تحمّل وجود المستضعفين بينهم ، وتمنّوا حاجزا منيعا بين الأقليّة الأشراف والأكثرية الفقراء يحول دون اختلاطهم ، ودعوا الله أن يباعد بين قراهم حتّى يشقّ السفر على الفقراء ، وقد استجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم وفرّق جمعهم ، ومزّقهم أيادي سبأ ، حتّى أنّهم لو أرادوا الالتقاء لتطلّب منهم ذلك أن يصرفوا عمرا كاملا في السفر.

٤ ـ حينما يدقّق المتأمّل في وضع تلك الأرض قبل هجوم «سيل العرم» وبعده ، لا يمكنه أن يصدّق بسهولة أنّ هذه الأرض بعد السيل هي تلك الأرض الخضراء المليئة بالأشجار المورقة المثمرة ، وكيف أضحت الآن صحراء موحشة ليس فيها إلّا بضعة أشجار مبعثرة من الشجر المرّ والأراك وقليل من شجر السدر تتراءى من بعيد كمسافرين أضاعوا طريقهم وتبعثروا هنا وهناك.

وهذا يجسّد بلسان الحال : أنّ «كيان الإنسان» كهذه الأرض ، فإذا استطاع السيطرة على قواه الخلّاقة واستخدمها بالشكل الصحيح ، فإنّه ينبت بساتين مليئة بالطراوة من العلم والعمل والفضائل الأخلاقية ، ولكن إذا كسر سدّ التقوى ، وانهالت الغرائز كالسيل المدمّر ، وغطّت أرض حياة الإنسان ، فلن يبقى غير الخراب ، وأحيانا فإنّ أعمالا ظاهرها أنّها بسيطة تبدأ بالتأثير تدريجيا على الاسس ، حتّى ينهار كلّ شيء ، لذا يجب الخوف والحذر حتّى من هذه الأمور الصغيرة التافهة ظاهرا.

٤٣٣

٥ ـ آخر ما نروم الإشارة إليه ، هو أنّ ذلك المصير العجيب يثبت مرّة اخرى حقيقة أنّ (الموت) مخفي في جوهر حياة الإنسان ، ونفس الشيء الذي يكون سببا لحياة الإنسان وعمرانها يوما ، يكون عامل موته وهلاكه في يوم آخر.

* * *

٤٣٤

الآيتان

( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) )

التّفسير

لا أحد مجبر على اتّباع الشّيطان :

هذه الآيات في الحقيقة تمثّل نوعا من الاستنتاج العام من قصّة «قوم سبأ» التي مرّت في الآيات السابقة ، ورأينا كيف أنّهم باستسلامهم لهوى النفس ووسوسة الشيطان ، أصبحوا معرضا لكلّ تلك الخيبة وسوء التوفيق.

يقول تعالى في الآية الاولى من هذه الآيات :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

بتعبير آخر ، فإنّ إبليس بعد امتناعه من السجود لآدم وطرده من محضر الكبرياء الإلهي ، توقّع وقال :( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (١) وإنّ هذا التوقّع قد صحّ بالنسبة لهؤلاء القوم. فمع أنّه (لعنه الله) قد قال

__________________

(١) النمل ، ١٩

٤٣٥

حديثه هذا تخمينا وتوقّعا ، ولكن هذا التخمين أصبح واقعا في النتيجة. واتّبعه ضعفاء الإيمان والإرادة وسقطوا في فخاخه زرافات ووحدانا ، إلّا مجموعة صغيرة من المؤمنين استطاعت تحطيم سلاسل الوساوس الشيطانية ، وتفادت الوقوع في مصيدته ، جاءوا أحرارا وعاشوا أحرارا ورحلوا أحرارا ، ومع أنّهم كانوا قلّة من حيث العدد ، إلّا أنّ كلّ واحد منهم كان يعدل دنيا بأسرها من حيث القيمة المعنوية «أولئك هم الأقلّون عددا والأكثرون عند الله قدرا»(١) .

وتشير الآية التالية إلى مطلبين فيما يخصّ الوساوس الشيطانية ، والأشخاص الذين يقعون تحت سلطته ، والأشخاص الذين ليس له عليهم سلطان ، فتقول الآية المباركة :( وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ ) .

إذن فنحن الذين نجيز له الدخول ونعطيه تأشيرة العبور من حدود دولة الفردية إلى داخل قلوبنا. وذلك هو عين ما ينقله القرآن عن لسان الشيطان نفسه( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (٢) ، ولكن من الواضح أنّه بعد إجابة دعوته من قبل عديمي الإيمان ، وعبيد الهوى ، لا يهدأ له بال ، بل يسعى إلى إحكام سلطته على وجودهم.

لذا فإنّ الآية تؤكّد أنّ الهدف من إطلاق يد إبليس في وسوساته ، إنّما هو لأجل معرفة المؤمنين من غيرهم ممّن هم في شكّ :( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ ) (٣) .

بديهي أنّ الله تعالى مطّلع تماما على كلّ ما يقع في هذا العالم منذ الأزل حتّى الأبد ، وعليه فإنّ جملة «لنعلم» ليس مفهومها أنّ الله تعالى يقول : «بأنّنا لم نكن

__________________

(١) نهج البلاغة ، الكلمات القصار.

(٢) إبراهيم ، ٢٢.

(٣) على هذا المعنى الذي ذكرناه في تفسير الآية ، فإنّ الاستثناء هنا «استثناء متّصل» بقرينة ما ورد في الآية (٤٢) من سورة الحجر :( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) ، بلحاظ أنّ ظاهر هذه الآية أنّ للشيطان سلطة على الغاوين ـ طبعا بعض المفسّرين احتملوا أن يكون «الاستثناء منقطعا أيضا».

٤٣٦

نعلم بالمؤمنين بالآخرة من الذين هم في شكّ منها ، ويجب أن تكون هناك للشيطان وسوسة حتّى نعلم ذلك» كلّا ، بل المقصود من هذه الجملة هو التحقّق العيني لعلم الله ، لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعاقب أحدا بناء على علمه بالبواطن ، والأعمال المستقبلية لذلك الشخص ، بل يجب توفّر ميدان للامتحان ، ومن خلال وساوس الشياطين وهوى النفس يظهر الإنسان ما بداخله ـ بكامل الإرادة والإختيار إلى الواقع الفعلي ، ويتحقّق علم الله سبحانه وتعالى عينا ، لأنّه لو لا تحقّق الأعمال بالفعل لا يحصل الاستحقاق للثواب والعقاب.

وبتعبير آخر : فإنّ الثواب والعقاب لا يقع على حسن الباطن أو سوئه ، فلا بدّ لما هو موجود بالقوّة أن يتحقّق بالفعل.

ثمّ تختتم الآية بتنبيه للعباد( وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) . حتّى لا يتصوّر أتباع الشيطان بأنّ أعمالهم وأقوالهم تتلاشى في هذه الدنيا ، أو أنّ الله ينسى ، كلّا ، بل إنّ الله يحتفظ بكلّ ذلك إلى يوم الجزاء.

* * *

٤٣٧

الآيات

( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) )

التّفسير

نبئوني لماذا؟

قلنا في بداية السورة بأنّ هناك مجموعة من آياتها تتحدّث حول المبدأ والمعاد والإعتقادات الحقّة ، ومن ربطها مع بعضها نحصل على حقائق جديدة.

٤٣٨

في هذا المقطع من الآيات يجرّ القرآن المشركين في الواقع إلى المحاكمة ، وبالضربات الماحقة للأسئلة المنطقية ، يحشرهم في زاوية ضيّقة ، ثمّ يبيّن تفسّخ منطقهم الواهي بخصوص شفاعة الأصنام.

في هذه المجموعة من الآيات ، خوطب الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله خمس مرّات ، وقيل له : (قل) لهم وفي كلّ مرّة تعرض الآيات مطلبا جديدا يتعلّق بمصير الأصنام وعبّادها ، بشكل يشعر معه بأن ليس هناك عقيدة أفرغ ولا أجوف من عبادة الأصنام ، بل لا يمكن أساسا تسمية هذه العبادة (عقيدة) أو (مذهبا).

في الآية الاولى يقول تعالى :( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) ولكن اعلموا أنّ هذه الأصنام أو الشركاء لا يستجيبون لدعائكم أبدا ، ولا يحلّون لكم مشكلة ، ثمّ تنتقل الآية إلى عرض الدليل على هذا القول ، فيقول تعالى : لأنّهم( لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) .

فلو كانوا يستطيعون شيئا لكان لهم أحد هذه الأوصاف الثلاثة : إمّا مالكية مستقلّة لشيء في السماء أو الأرض ، أو على الأقل مشاركة مع الله في أمر الخلق ، أو معاونة الخالق في شيء من هذه الأمور.

في حال أنّ الواضح هو أنّ «واجب الوجود» واحد لا غير ، والباقون جميعهم «ممكن الوجود» مرتبطون به. ولو قطع الله تعالى نظر لطفه عنهم لحظة لأحلّهم دار البوار والعدم.

واللطيف هو قوله تعالى :( مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) ، فموجودات لا تملك في هذه السماء اللامحدودة ، وهذه الأرض المترامية الأطراف ما يعادل( مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) ، فأي مشكلة يمكنها حلّها لنفسها ، ناهيك عن سواها!!

__________________

(١) في الحقيقة إنّ في الجملة مستترين : الأوّل بعد «زعمتم» تقديره «أنّهم آلهة» والثّاني بعد «من دون الله» تقديره «لا يستجيبون دعاءكم» والجملة تكون هكذا «قل ادعوا الذين زعمتم أنّهم آلهة من دون الله لا يستجيبون لكم».

٤٣٩

هنا يتبادر إلى الذهن فورا السؤال التالي : إذا كانت الأمر كذلك ، فما ذا تكون قضيّة شفاعة الشفعاء؟

وللإجابة على هذا التساؤل تقول الآية التي بعدها : لو كان هناك شفعاء لدى الله تعالى فانّهم لا يشفعون إلّا بإذنه وأمره( وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) .

وعليه فإنّ العذر الذي يتعلّل به الوثنيون بقولهم :( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) (١) ، ينتهي بهذا الجواب ، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى ، لم يجز شفاعتها أبدا.

أمّا جملة( إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) فهي إشارة إلى الشافعين أو إلى المشفوع لهم.

احتمل المفسّرون الاحتمالين ، وإن كان يناسب ما ورد في الآية السابقة من الحديث حول الأصنام وأولئك الذين توهّموا أنّها شفعاؤهم ، أن تكون الإشارة إلى «الشافعين».

ثمّ هل أنّ المقصود من «الشفاعة» هنا شفاعة الدنيا ، أم الآخرة؟ كلّا الاحتمالين واردان ، ولكن الجملة التي تلي ذلك تدلّل على أنّ المقصود هو شفاعة الآخرة.

لذا تقول العبارة بعدها بأنّه في ذلك اليوم تهيمن الوحشة والاضطراب على القلوب ، ويستولي القلق على الشافعين والمشفوع لهم بانتظار أن يروا لمن يأمر الله بجواز الشفاعة؟ وعلى من ستجوز تلك الشفاعة؟ وتستمر حالة القلق والاضطراب ، حتّى حين فيزول ذلك الفزع والاضطراب عن القلوب بصدور الأمر الإلهي.( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ) (٢) .

على كلّ حال فذلك يوم الفزع ، وعيون الذين يطمعون بالشفاعة تعلّقت بالشفعاء ، ملتمسة منهم الشفاعة بلسان الحال أو بالقول. ولكن الشفعاء أيضا ينتظرون أمر الله ، كيف؟ ولمن سيجيز الشفاعة؟ ويبقى ذلك الفزع وذلك

__________________

(١) يونس ، ١٨.

(٢) (فزع) من مادّة «فزع» ، وفي وقت تعدّيها بحرف الجرّ (عن) تكون بمعنى إزالة الفزع والوحشة والاضطراب ، كذلك لو وردت بصورة الثلاثي المجرّد وتعدّت بحرف الجرّ (عن) يكون لها نفس المعنى أيضا.

٤٤٠

الاضطراب عاما ، إلى أن يصدر عن الحكيم المتعالي أمره بخصوص المتأهّلين للشفاعة.

هنا وحينما يتواجه الفريقان ويتساءلان ، (أو أنّ المذنبين يسألون الشافعين)( قالُوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ) فيجيبونهم :( قالُوا : الْحَقَ ) ، وما الحقّ إلّا جواز الشفاعة لمن لم يقطعوا ارتباطهم تماما مع الله ، لا للذين قطعوا كلّ حلقات الارتباط ، وأضحوا غرباء عن ورسوله وأحبّائه.

وتضيف الآية في الختام( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) وهذه العبارة متمّمة لما قاله «الشفعاء» ، حيث يقولون : لأنّ الله عليّ وكبير فأي أمر يصدره هو عين الحقّ ، وكلّ حقّ ينطبق مع أوامره.

ما عرضناه هو أقرب تفسير يتساوق وينسجم مع تعابير الآية ، وللمفسّرين بهذا الخصوص تفسيرات اخرى ، والعجيب أنّ بعضها لم يأخذ بنظر الإعتبار الترابط بين صدر الآية وذيلها وما قبلها وما بعدها.

في الآية التالية يلج القرآن الكريم طريقا آخر لإبطال عقائد المشركين ، ويجعل مسألة «الرازقية» عنوانا بعد طرحه لمسألة «الخالقية» التي مرّت معنا في الآيات السابقة. وهذا الدليل ـ أيضا ـ يطرحه القرآن بصيغة السؤال والجواب من أجل إيقاظ وجدان هؤلاء والفاتهم إلى اشتباههم من خلال تثوير الجواب في ذواتهم.

يقول تعالى :( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) .

بديهي أن لا أحد منهم يستطيع القول بأنّ هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي التي تنزل المطر من السماء ، أو تنبت النباتات في الأرض ، أو تسخّر المنابع الأرضية والسماوية لنا.

الجميل أنّه ـ بدون انتظار الجواب منهم ـ يردف تعالى قائلا :( قُلِ اللهُ ) .

قل الله الذي هو منبع كلّ هذه البركات ، أي أنّ الأمر واضح إلى درجة لا يحتاج

٤٤١

إلى جواب من طرف آخر ، بل إنّ للسائل والمجيب رأيا واحدا ، لأنّ المشركين يعتقدون بأنّ الله هو الخالق والرازق ، والأصنام لها مقام الشفاعة فقط.

من الجدير بالملاحظة ـ أيضا ـ أنّ الأرزاق التي تصل إلى الناس من السماء ليست محصورة بالغيث ، بل إنّ النور والحرارة الصادرة عن الشمس ، والهواء الموجود في جوّ الأرض ، هي الاخرى لا تقلّ أهميّة عن قطرات المطر.

كما أنّ بركات الأرض كذلك ، ليست محصورة في النباتات ، بل إنّ المنابع المائية تحت سطح الأرض ، والمعادن المختلفة التي كانت معروفة في ذلك الوقت والتي عرفت بعد مرور الزمان تندرج تحت هذا العنوان أيضا.

آخر الآية تشير إلى موضوع يمكنه أن يكون أساسا لدليل واقعي ومتوائم مع غاية الأدب والإنصاف ، بطريقة تستنزل الطرف المقابل من مركب الغرور والعناد الذي يمتطيه ، وتدفعه إلى التفكّر والتأمّل ، يقول تعالى :( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) .

وهذا إشارة إلى : أنّ عقيدتنا وعقيدتكم متضادّتان ، وعليه ـ بناء على استحالة الجمع بين النقيضين ـ فلا يمكن أن تكون الدعوتان على حقّ ، لذا فمن المحتّم أن يكون أحد الفريقين أهل هدى ، والثّاني أسير الضلال.

والآن عليكم أن تفكّروا في أيّ الفئتين على هدى ، وأيّهما على ضلال؟ انظروا إلى علامات وخصائص كلّ منهما ، ومدى تطابقها مع علامات الهدى والضلال.

وهذا أحد أفضل أساليب المناظرة والبحث ، بأن يضع الطرف الآخر في حالة من التفكّر والتفاعل ، وما يتوهّمه البعض أنّ ذلك نوع من التقيّة فهو منتهى الاشتباه.

الملفت للنظر هو ذكر «على» من «الهدى» و «في» مع «الضلال» ، إشارة إلى أنّ

__________________

(١) هذه الجملة تقديرا تعود إلى جملتين كما يلي «وانّا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وإنّكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» (مجمع البيان ، مجلّد ٧ ، ص ٣٨٨).

٤٤٢

المهتدين كأنّهم يركبون مركبا سريعا ، أو يستعلون منارا عاليا ويتسلّطون على كلّ شيء ، في حال كون الضالّين مغمورين في ظلمة جهلهم.

ومن الجدير بالملاحظة كذلك هو أنّه تعالى تحدّث عن «الهدى» أوّلا ثمّ «الضلال» ، وذلك أنّه قال : «إنّا» في بداية الجملة أوّلا ، ثمّ قال «إيّاكم» ، لتكون تلميحا إلى هدى الفريق الأوّل ، وضلالة الفريق الثاني.

ورغم أنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ وصف «المبين» يرتبط فقط (بالضلال) ، بلحاظ أنّ الضلال أنواع وضلال الشرك أوضحها. ولكن يحتمل أيضا أن يكون هذا الوصف للهدى والضلال على حدّ سواء ، لأنّ «الصفة» في مثل هذه الموارد لا تتكرّر لتكون أكثر بلاغة ، وعليه فيكون (الهدى) مبنيا و (الضلال) مبنيا ، كما ورد في كثير من آيات القرآن(١) .

وتستمرّ الآية التي بعدها بالاستدلال بشكل آخر ـ ولكن بنفس النمط المنصف الذي يستنزل الخصم من مركب العناد والغرور. يقول تعالى :( قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .

والعجيب هنا أنّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مأمور باستعمال تعبير «جرم» فيما يخصّه ، وتعبير «أعمال» فيما يخصّ الطرف الآخر ، وبذا تتّضح حقيقة أنّ كلّ شخص مسئول أن يعطي تفسيرا لأعماله وأفعاله ، لأنّ نتائج أعمال أي إنسان تعود عليه ، حسنها وقبيحها ، وفي الضمن إشارة لطيفة إلى إنّنا إنّما نصرّ على إرشادكم وهدايتكم ، لا لأنّ ذنوبكم تقيّد في حسابنا ، ولا لأنّ شرّكم يضرّ بنا ، نحن نصرّ على ذلك بدافع الغيرة عليكم وطلبا للحقّ.

الآية التالية ـ في الحقيقة ـ توضيح لنتيجة الآيتين السابقتين ، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ والآخر على الباطل ، وإلى أنّ كلّا منهما مسئول عن

__________________

(١) راجع الآيات التالية : النمل : ١ ، النور : ١٢ ، هود : ٦ ، القصص : ٢ ، النمل : ٧٩.

٤٤٣

أعماله ، انتقل إلى توضيح كيفية التحقّق من وضع الجميع ، والتفريق بين الحقّ والباطل ومجازاة كلّ فريق طبق مسئوليته ، فيقول تعالى ، قل لهم بأنّ الله سوف يجمعنا في يوم البعث ، ويحكم بيننا بالحقّ ، ويفصل بعضنا عن بعض ، حتّى يعرف المهتدون من الضالّين ، ويبلغ كلّ فريق بنتائج أعماله.( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِ ) .

وإذا كنتم اليوم ترون أنّكم مخلوطون بعضكم البعض ، وكلّا يدّعي بأنّه على الحقّ وبأنّه من أهل النجاة ، فإنّ هذا الوضع لن يدوم إلى الأبد ، ولا بدّ أن يأتي يوم التفريق بين الصفوف. فربوبية الله اقتضت فصل «الطيب» من «الخبيث» و «الخالص» من «المشوب» و «الحقّ» عن «الباطل» في النهاية. ويستقرّ كلّ منهما في مكانه اللائق.

فكّروا الآن ماذا ستعملون في ذلك اليوم؟ وفي أي صفّ ستقفون؟ وهل أحضرتم إجابة لمساءلة الله في ذلك اليوم؟.

وفي آخر الآية يضيف ليؤكّد حتمية ذلك التفريق فيقول :( وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) .

هذان الاسمان ـ وهما من أسماء الله الحسنى ـ أحدهما يشير إلى قدرة الله تعالى على عملية فصل الصفوف ، والآخر إلى علمه اللامتناهي. إذ أنّ عملية تفريق صفوف الحقّ عن الباطل لا يمكن تحقّقها بدون هاتين الصفتين. واستخدام كلمة «الربّ» في الآية أعلاه إشارة إلى أنّ الله هو المالك والمربّي للجميع ، وذلك ممّا يقتضي أن يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدّا ، وفي الحقيقة هي إشارة لطيفة إلى إحدى دلائل «المعاد».

لفظة «فتح» ، كما يشير الراغب في مفرداته «الفتح إزالة الإغلاق والإشكال ، وذلك ضربان : أحدهما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه ، وكفتح القفل ، والغلق والمتاع. والثّاني : يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغمّ ، وذلك ضروب : أحدها : في الأمور الدنيوية كغمّ يفرج وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه ، والثاني : فتح

٤٤٤

المستغلق من العلوم ، إلى أن يقول : و «فتح القضيّة فتاحا» فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها». وعليه فإنّ استخدام هذه المفردة هنا لأنّ الحكم والقضاء يتمّ أيضا هناك ، فضلا عن الفصل والتفريق بينهما الذي هو أحد معاني كلمة «فتح» ـ ومجازاة كلّ بما يستحق.

الجدير بالملاحظة ، هو أنّ بعض الرّوايات أشارت إلى ذكر «يا فتّاح» في الأدعية لحلّ بعض المعضلات ، لأنّ هذا الاسم الإلهي العظيم وهو بصيغة المبالغة من الفتح ـ يدلّل على قدرة الله على حلّ أي مشاكل ورفع أي حسرة وغمّ ، وتهيئة أسباب أي فتح ونصر ، وفي الواقع فإنّه هو وحده (الفتّاح) ، ومفتاح كلّ الأبواب المغلقة في يد قدرته تعالى.

في الآية الأخيرة من هذه الآيات والتي هي عبارة عن الأمر الخامس للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يعود القرآن إلى الحديث مرّة اخرى في مسألة التوحيد التي ابتدأ بها ليختمه بها ، يقول تعالى :( قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ ) .

فما هي قيمة هؤلاء وقابلياتهم؟ فإن كان مقصودكم حفنة الحجر والخشب الجامدة الميتة. فإنّ ذلك لممّا يدعو إلى الخجل ويدلّل على سوء التوفيق أن تتوهّموا تشابه أحقر الموجودات ـ وهي الجمادات ممّا صنعت أيديكم ـ مع الله تعالى. وإن اعتقدتم بأنّها تمثّل الأرواح والملائكة فالمصيبة أعظم ، لأنّ هؤلاء أيضا مخلوقات له سبحانه وتعالى ، ومنفذة لأوامره.

لذا فبعد هذه الجملة مباشرة ، وبكلمة واحدة يشطب على هذه الأباطيل فيقول :( لَّا ) فهذه الأشياء لا تستحقّ أن تعبد أبدا وهذه الأوهام والتصورات ليس لها شيء من الواقعية ، فإلى متى تسلكون هذه الطريقة الخاطئة.

وكلمة «كلّا» مع صغرها استبطنت كلّ هذه المعاني.

ثمّ لأجل تأكيد وتثبيت هذا المعنى يقول مختتما الحديث( بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . فعزّته وقدرته الخارقة ، تقتضي الدخول في حريم ربوبيته ، وحكمته

٤٤٥

تقتضي توجيه هذه القدرة في محلّها.

نعم ، فإنّ امتلاك هذه الصفات علامة كونه واجب الوجود ، وواجب الوجود وجود لا نهاية له ولا حدّ ، وغير قابل للتعدّد ، ولا شريك له ولا شبيه ، لأنّ أي تعدّد له يعني حدّه وإمكانيته ، بينما «الوجود اللامتناهي» دائما وأبدا واحد لا غير «تأمّل».

* * *

بحث

طريق تسخير القلوب :

كثيرا ما يلاحظ أفراد فضلاء وعلى مستوى من العلم والمعرفة ، لا يمكنهم النفوذ في أفكار الآخرين ، لعدم اطّلاعهم على الفنون الخاصّة بالبحث والاستدلال ، وعدم رعايتهم للجوانب النفسية ، على عكس البعض الآخر الذين ليسوا على وفرة من العلم ، إلّا أنّهم موفّقين من ناحية جذب القلوب وتسخيرها والنفوذ في أفكار الآخرين.

والعلّة الأساسية لذلك هي أنّ طريقة البحث ، وأسلوب التعامل مع الطرف المقابل يجب أن تكون مقرونة بأصول وقواعد تتّسق مع الخلق والروح ، فلا تستثار الجوانب السلبية في الطرف المقابل ، كي لا يندفع إلى العناد والإصرار ، إذ أنّ مراعاة الجانب النفسي ستؤدّي إلى إيقاظ وجدانه وإثارة روح البحث عن الحقيقة وإحيائها فيه.

والمهمّ هنا أن نعلم أنّ الإنسان ليس فكرا وعقلا صرفا كي يستسلم أمام قدرة الاستدلال ، بل علاوة على ذلك فإنّ مجموعة من العواطف والأحاسيس التي تشكّل جانبا مهمّا من روحه مطوية في وجوده ، والتي يجب إشباعها بشكل صحيح ومعقول.

٤٤٦

والقرآن الكريم علّمنا كيفية مزج البحوث المنطقية بالأصول الأخلاقية في المحاورة ، حتّى تنفذ في أرواح الآخرين.

شرط التأثير والنفوذ في روح الطرف المقابل هو إحساس الطرف المقابل بأنّ المتحدّث يتحلّى بالصفات التالية :

١ ـ مؤمن بما يقول ، وما يقوله صادر من أعماقه.

٢ ـ هدفه من البحث طلب الحقّ ، وليس التفوّق والتعالي.

٣ ـ لا يقصد تحقير الطرف المقابل ، وإعلاء شأن نفسه.

٤ ـ ليس له مصلحة شخصية فيما يقول ، بل إنّ ما يقوله نابع من الإخلاص.

٥ ـ يكنّ الاحترام للطرف المقابل ، لذا فهو يستخدم الأدب والرقّة في تعبيراته.

٦ ـ لا يريد إثارة العناد لدى الطرف المقابل ، ويكتفي من البحث في موضوع بالمقدار الكافي ، دون الإصرار على إثبات أنّ الحقّ إلى جانبه. ليعرض حديثه.

٧ ـ منصف ، لا يفرط بالإنصاف أبدا ، حتّى وإن لم يراع الطرف المقابل هذه الأصول.

٨ ـ لا يقصد تحميل الآخرين أفكاره ، بل يرغب في إيجاد الدافع لدى الآخرين حتّى يوصلهم إلى الحقيقة بمنتهى الحرية.

الدقّة المتناهية في هذه الآيات ، وأسلوب تعامل الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بأمر الله ـ مع المخالفين ، المقترن بكثير من اللفتات الجميلة ، تعتبر دليلا حيّا على ما ذكرناه. فهو أحيانا يصل إلى حدّ لا يشير بدقّة إلى المهتدي أو المضلّ في أحد الفريقين ، بل يقول :( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) حتّى يثير في الذهن التساؤل عن علامات الهدى أو الضلال في أي الفريقين.

أو يقول :( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِ ) .

طبعا لا يمكن إنكار أنّ كلّ ذلك بالنسبة إلى الأشخاص المؤمّل اهتداؤهم ، وإلّا فإنّ القرآن يتعامل مع الأعداء المعاندين والظلمة القساة الذين لا يؤمّل منهم القبول بذلك بطريقة اخرى. أسلوب محاورات الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام مع

٤٤٧

مخالفيهم يمثّل نموذجا حيّا في هذا المجال ، وكمثال على ذلك لاحظوا ما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام بهذا الخصوص في كتب الحديث :

ففي أوائل كتاب توحيد المفضّل نقرأ «روى محمّد بن سنان قال : حدّثني المفضّل بن عمر قال : كنت ذات يوم بعد العصر جالسا في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر ، وأنا مفكّر فيما خصّ الله تعالى به سيّدنا محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من الشرف والفضائل ، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه ، ممّا لا يعرفه الجمهور من الامّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته ، وخطير مرتبته ، فإنّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء ، «رجل ملحد معروف». إلى أن يذكر أحاديث هذا الرجل التي سمعها المفضّل إلى أن (قال المفضّل) : فلم أملك نفسي غضبا وغيظا وحنقا ، فقلت : يا عدوّ الله ألحدت في دين الله ، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم وصوّرك في أتمّ صورة ، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث انتهيت. فلو تفكّرت في نفسك وصدقك ولطيف حسّك ، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة ، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة ، وبراهينه لك لائحة ، فقال:يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك فإن ثبتت لك حجّة تبعناك ، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك ، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا تخاطبنا ، ولا بمثل دليلك تجادل فينا ، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت ، فما أفحش في خطابنا ، ولا تعدّى في جوابنا ، وإنّه الحليم الرزين ، العاقل الرصين ، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق ، يسمع كلامنا ، ويصغي إلينا ويتعرّف حجّتنا ، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا ، وظننا أنّا قطعناه ، دحض حجّتنا بكلام يسير ، وخطاب قصير يلزمنا به الحجّة ، ويقطع العذر ، ولا نستطيع لجوابه ردّا ، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه»(١) .

* * *

__________________

(١) توحيد المفضّل ـ أوائل الكتاب.

٤٤٨

الآيات

( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) )

التّفسير

الدّعوة العالمية :

الآية الاولى من هذه الآيات ، تتحدّث في نبوّة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والآيات التي تليها تتحدّث حول الميعاد ، ومع الأخذ بنظر الإعتبار أنّ الآيات السابقة تحدّثت عن التوحيد ، نصبح أمام مجموعة كاملة من بحوث العقائد ، تتناسب مع كون السورة مكية.

أشارت الآيات ابتداء إلى شمولية دعوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وعمومية نبوّته لجميع البشر فقالت :( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .

«كافّة» من مادّة «كفّ» وتعني الكفّ من يد الإنسان ، وبما أنّ للإنسان يقبض

٤٤٩

على الأشياء بكفّه تارة ويدفعها عنه بكفّه تارة اخرى ، فلذا تستخدم هذه الكلمة للقبض أحيانا ، وللمنع اخرى.

وقد احتمل المفسّرون الاحتمالين هنا ، الأوّل بمعنى «الجمع» وفي هذه الحالة يكون مفهوم الآية «إنّنا لم نرسلك إلّا لجميع الناس». أي عالمية دعوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله . ويقوّي هذا المعنى روايات عديدة وردت في تفسير الآية من طرق الفريقين.

وعليه فمحتوى الآية شبيه بالآية (١) سورة الفرقان( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) . وكذلك الآية (١٩) من سورة الأنعام( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) .

جاء في حديث عن ابن عبّاس ينقله المفسّرون بمناسبة هذه الآية ، أنّ عمومية دعوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكرت كواحدة من مفاخره العظيمة.

فعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «أعطيت خمسا ولا أقول فخرا ، بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأحلّ لي المغنم ولا يحلّ لأحد قبلي ، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر ، وأعطيت الشفاعة فادّخرتها لامّتي يوم القيامة»(١) .

وإن كان لم يرد في الحديث أعلاه تصريح بتفسير الآية ، فثمّة أحاديث اخرى بهذا الخصوص ، إمّا أن تصرّح بأنّها في تفسير الآية ، أو يرد فيها تعبير «للناس كافّة» الذي ورد في نفس الآية(٢) . وجميعها تدلّل على أنّ مقصود الآية أعلاه ، هو عالمية دعوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وذكر للآية تفسير آخر مأخوذ من المعنى الثّاني لكلمة «كفّ» وهو (المنع) ، وطبقا لهذا التّفسير تكون «كافّة» صفة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) ويكون المقصود أنّ الله

__________________

(١) تفسير مجمع التبيان ، مجلّد ٨ ، ص ٣٩١.

(٢) انظر تفسير نور الثقلين ، مجلّد ٤ ، ص ٢٥٥ و٢٥٦.

(٣) أحيانا تلحق (التاء) اسم الفاعل لتكون صيغة مبالغة لا علامة للتأنيث كما في «رواية».

٤٥٠

سبحانه وتعالى أرسل الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كمانع ورادع وكافّ للناس عن الكفر والمعصية والذنوب ، ولكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل أقرب.

على كلّ حال ـ كما أنّ لكلّ الناس غريزة جلب النفع ودفع الضرر ـ فقد كان للرسل أيضا مقام «البشارة» و «الإنذار». لكي يوظّفوا هاتين الغريزتين ويحرّكوهما ، ولكن أكثر المغفّلين الجهّال ـ بدون الالتفات إلى مصيرهم ـ ينهضون للوقوف في وجههم ويتنكّرون تلك المواهب الإلهية العظيمة.

وبناء على ما أشارت إليه الآيات السابقة من أنّ الله سبحانه وتعالى يجمع الناس ويحكم بينهم تورد هذه الآية سؤال منكري المعاد كما يلي :( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) .

لقد طرح هذا السؤال من قبل منكري المعاد على الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الأنبياء الآخرين مرارا ، حينا لفهم وإدراك هذا المطلب ، وأغلب الأحيان للاستهزاء والسخرية من قبيل : أين هذه القيامة التي تؤكّدون على ذكرها مرارا وتكرارا ، لو كانت حقّا فقولوا متى ستأتي؟ إشارة منهم إلى أنّ الإنسان الصادق في إخباره يجب أن يعلم بجميع جزئيات الموضوع الذي يخبر عنه.

ولكن القرآن الكريم يمتنع دائما عن الإجابة الصريحة على هذا السؤال وتعيين زمان وقوع البعث ، ويؤكّد أنّ هذه الأمور هي من علم الله الخاصّ به سبحانه وتعالى ، وليس لأحد غيره الاطلاع عليها.

لذا فقد تكرّر في الآية التي بعدها ، هذا المعنى بعبارة اخرى ، يقول تعالى :( قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ) .

إنّ إخفاء تأريخ قيام الساعة ـ حتّى على شخص الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كما أسلفنا ـ لأنّ الله سبحانه وتعالى أراد لعباده نوعا من حرية العمل مقترنة بحالة من التهيّؤ الدائم ، لأنّه لو كان تأريخ قيام القيامة معلوما فإنّ الجميع سيغطّون في الغفلة والغرور والجهل حينما يكون بعيدا عنهم ، أمّا حين اقترابه منهم فستكون أعمالهم

٤٥١

ذات جنبة اضطرارية ، وفي كلتا الحالتين تتحجّم الأهداف التربوية للإنسان ، لذا بقي تأريخ القيامة مكتوما ، كما هو الحال بالنسبة إلى «ليلة القدر» تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر ، أو تاريخ قيام المهديعليه‌السلام ، وعبّر عن ذلك المعنى بلطف ما ورد في الآية (١٥) من سورة طه( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) .

أمّا أولئك الذين يتصوّرون أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يجب أن يكون على علم بالتأريخ الدقيق ليوم القيامة لأنّه يخبر عنها ، فإنّ ذلك غاية الاشتباه ، ودليل على عدم معرفتهم بوظيفة النبوّة ، فالنّبي مكلّف بالإبلاغ والبشارة والإنذار ، أمّا مسألة القيامة فمرتبطة بالله سبحانه وتعالى ، وهو وحده الذي يعلم تمام تفاصيلها ، وما يراه الله لازما لأغراض تربوية ، أطلع عليه الرّسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هنا يثار سؤال ، وهو أنّ القرآن الكريم في مقام تهديد المخالفين يقول :( لا تَسْتَأْخِرُونَ ) ولكن لماذا يقول أيضا :( لا تَسْتَقْدِمُونَ ) ؟ فما هو تأثير ذلك في هدف القرآن.

للإجابة يجب الالتفات إلى نكتتين :

الاولى : أن ذكر ذينك الإثنين معا إشارة إلى قطعية ودقّة تأريخ أي أمر ، تماما كما تقول : «فلان قطعي الموعد ، وليس لديه تقديم أو تأخير».

الثّانية : أنّ جمعا من الكفّار المعاندين يلحّون على الأنبياء دائما ، بقولهم : لماذا لا تأتي القيامة؟ وبتعبير آخر ، كانوا يستعجلون ذلك الأمر سواء كان ذلك من قبيل الاستهزاء أو غير ذلك. والقرآن يقول لهم : «لا تستعجلوا فإنّ تأريخ ذلك اليوم هو عينه الذي قرّره الله سبحانه وتعالى».

* * *

٤٥٢

الآيات

( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) )

التّفسير

لمناسبة البحث الوارد في الآيات السابقة ، حول مواقف المشركين إزاء مسألة المعاد ، تعرّج هذه الآيات إلى تصوير بعض فصول المعاد المؤلمة لهؤلاء المشركين كي يقفوا على خاتمة أعمالهم.

٤٥٣

أوّلا ، يقول تعالى :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) . أي ولا بالكتب السماوية السابقة.

كلمة «لن» للنفي الأبدي ، وعليه فهم يريدون القول لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : انّك حتّى لو بقيت تدعونا للإيمان إلى الأبد فلن نؤمن لك ، وهذا دليل على عنادهم ، بحيث أنّهم صمّموا على موقفهم إلى الأبد ، في حين أنّ من يطلب الحقّ ويسعى له ، إذا لم يقتنع بدليل ما لا يمكنه أن ينكر جميع الأدلّة الممكن ظهورها مستقبلا قبل أن يسمعها ، فيقول : إنّي أردّ جميع الأدلّة الأخرى أيضا.

أمّا من المقصود بـ «الذين كفروا»؟ فقد أشار جمع من المفسّرين إلى أنّهم «المشركون» ، وبعضهم أشار إلى أنّهم «اليهود وأهل الكتاب» ، ولكن القرائن الواردة في الآيات اللاحقة ، والتي تتحدّث عن الشرك ، تدلّل على أنّ المقصود هم المشركون.

والمقصود من «الذي بين يديه» هو تلك الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن على أنبياء سابقين ، وقد ورد هذا التعبير في كثير من آيات القرآن مشيرا إلى هذا المعنى ـ خصوصا بعد ذكر القرآن ـ وما احتمله البعض من أنّ المقصود منه هو «المعاد» أو «محتوى القرآن» فيبدو بعيدا جدّا.

على كلّ حال فإنّ إنكار الإيمان بكتب الأنبياء السابقين ، يحتمل أن يكون المقصود به. نفي نبوّة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من خلال نفي الكتب السماوية الاخرى ، باعتبار أنّ القرآن أكّد على موضوع ورود دلائل على نبوّة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في التوراة والإنجيل ، ولهذا يقولون : نحن لا نؤمن لا بهذا الكتاب ولا بالكتب التي سبقته.

ثمّ تنتقل إلى الحديث حول وضع هؤلاء في القيامة من خلال مخاطبة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول تعالى :( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ

٤٥٤

إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) (١) .

ومرّة اخرى يستفاد من الآية أعلاه أنّ من أهمّ مصاديق «الظلم» هو «الشرك والكفر».

التعبير «عند ربّهم» إشارة إلى أنّهم حاضرون بين يدي مالكهم وربّهم ، وما أكثر وأشدّ خجلا من أن يكون الإنسان حاضرا بين يدي من كفر به ، في حين أنّ كلّ وجوده غارق بنعمه.

في حين أنّ «المستضعفين» الذين اتّبعوا بجهلهم «المستكبرين» وهم الذين سلكوا طريق الغرور والتسلّط على الآخرين ورسموا لهم منهجهم الشيطاني ، هناك :( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) .

إنّهم يريدون بذلك إلقاء مسئولية ذنوبهم على عاتق هؤلاء «المستكبرين» ، مع أنّهم لم يكونوا حاضرين للتعامل معهم بمثل هذه القاطعية في دار الدنيا ، لأنّ الضعف والخور والذلّة كانت حاكمة على وجودهم ، وقد فقدوا حريتهم ، أمّا هناك وبعد أن تبعثرت تلك المفاهيم الطبقية التي كانت سائدة في دار الدنيا ، وانكشفت نتائج أعمال الجميع ، فهم يقفون وجها لوجه مقابل هؤلاء ويتحدّثون بصراحة ويتلاومون معهم.

لكن «المستكبرين» لا يبقون على صمتهم بل( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ) . كلّا ، فلسنا بمسؤولين ، فمع امتلاككم حرية الإرادة ، استسلمتم لأحاديثنا الباطلة ، وكفرتم وألحدتم متناسين أحاديث الأنبياء المنطقية ،( بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ) .

صحيح أنّ المستكبرين ارتكبوا ذنبا كبيرا بوسوستهم ، ولكن حديثهم الذي تذكره الآية الكريمة له حقيقة أيضا ، حيث أنّ المتملّقين لم يكن عليهم أن يصمّوا

__________________

(١) (يرجع) : تأتي كفعل لازم وكفعل متعدّي ، وقد وردت هنا بالحالة الثّانية لتعطي معنى العودة ، ومجيئها بعد «بعضهم إلى بعض» معناه في النتيجة بمعنى «مفاعلة».

٤٥٥

أسماعهم وأبصارهم ويلهثوا وراءهم ، وإنّما عليهم أيضا مسئولية ذنوبهم.

ولكن المستضعفين لا يقتنعون بهذا الجواب ، ويعاودون القول مرّة اخرى لإثبات جرم المستكبرين :( وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ، بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً ) .

نعم ، فأنتم الذين لم تكفوا عن بثّ السموم ، ولم تفرطوا بأي فرصة من الليل أو النهار من أجل تحقيق أهدافكم المشؤومة ، فصحيح أنّنا كنّا أحرارا في القبول بذلك ، وبذا نكون مقصّرين وجناة ، ولكن باعتباركم عامل الفساد فأنتم مسئولون ومجرمون ، بل إنّكم واضعو حجر الأساس لذلك ، خاصّة وأنّكم كنتم تتحدّثون معنا دائما من موقع القدرة والسلطة ، (التعبير بـ «تأمروننا» شاهد على هذا المعنى).

بديهي أنّ المستكبرين لا يملكون جوابا لهذا القول ، ولا يمكنهم إنكار جرمهم الكبير ذاك ، لذا فإنّ الفريقين يندمون على ما قدّمت أيديهم ، المستكبرون على إضلالهم للآخرين ، والمستضعفون على إيمانهم وقبولهم بتلك الأباطيل المشؤومة ، ولكن لكي لا يفتضحوا أكثر فانّهم يكتمون الندم حينما يواجهون العذاب الإلهي( وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) .

فمع أنّ الكتمان لا ينفع في «يوم البروز» هناك ، ومع عدم إمكانية إخفاء شيء ، إلّا أنّهم ـ جريا على ما تعوّدوه في الدنيا من قبل ـ يتوهّمون أنّ في استطاعتهم كتمان حالتهم ، فيلجئون إلى ذلك.

نعم ، فهم في الدنيا حينما يلتفتون إلى اشتباههم ويندمون لم يكونوا يمتلكون الشجاعة لإظهار ندمهم الذي هو أوّل طريق التوبة وإعادة النظر ، وتلك هي الخصلة الأخلاقية الخاصّة بهم والتي يمارسونها في الآخرة أيضا. ولكن ما الفائدة؟

بعض المفسّرين احتملوا أن يكون ذلك الكتمان للندامة بسبب الرهبة الشديدة من مشاهدة العذاب الإلهي ، وانحباس أنفاسهم في صدورهم وانعقاد ألسنتهم

٤٥٦

نتيجة الأغلال التي غلّت بها رقابهم والسلاسل التي لفّتهم. مع أنّهم يطلقون صرخاتهم في مواقف اخرى من القيامة( يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) (١) .

وقال آخرون : إن «أسرّوا» بمعنى «أظهروا» بناء على أنّ هذه اللفظة تستعمل لمعنيين متضادّين في اللغة العربية ، ولكن من ملاحظة الموارد التي استعملت فيها هذه اللفظة في القرآن وغير القرآن ، يبدو هذا المعنى مستبعدا ، بلحاظ أنّ «سرّ» عادة تستخدم للإشارة إلى ما يقابل «العلن». وقد ضعّف الراغب هذا المعنى أيضا مع أنّ بعض علماء اللغة أشار إلى كلا المعنيين(٢) .

وعلى كلّ حال ، فإنّ هؤلاء قد وجدوا نتائج أعمالهم( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .

نعم ، فأعمال وجنايات الكفّار والمجرمين هي التي أضحت قيودا وسلاسل تلفّ أعناقهم وأيديهم وأرجلهم ، لقد كانوا في هذه الدنيا أسارى هوى النفس والطمع والظلم والرغبة في المقام ، وفي يوم القيامة حيث تتجسّد الأعمال ، يظهر ذلك الأسر بشكل آخر إذن ، فالآية تشير أيضا إلى قضيّة تجسّم الأعمال التي أشرنا إليها مرارا. لأنّها تقول :( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) وأي تعبير أكثر وضوحا وحيوية من ذلك التعبير عن تجسّم الأعمال.

التعبير بـ «الذين كفروا» يشير إلى أنّ فريقي الغاوين والمغويين المستضعفين وكلّ الكفّار يلقون ذلك المصير ، وعادة فإنّ ذكر ذلك الوصف هو إشارة إلى أنّ علّة عقابهم إنّما هي «كفرهم».

* * *

__________________

(١) الأنبياء ، ١٤.

(٢) انظر لسان العرب ذيل مادّة (سرّ) فهناك بحث مفصّل بهذا الخصوص مع اختلافات أهل اللغة والأدب ، مجلّد ٤ ، ص ٣٥٧.

٤٥٧

الآيات

( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) )

التّفسير

الأموال والأولاد ليست دليلا على القرب من الله

بعد أن كان الحديث في الآيات السابقة في الغاوين من المستكبرين ، فإنّ جانبا آخر من هذا المبحث تعكسه الآيات أعلاه بطريقة اخرى ، وتقدّم المواساة أيضا للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ضمن إشارتها بأن لا تعجب إذا خالفك المخالفون ، فإنّ المستكبرين

٤٥٨

المرفّهين طبعوا على مخالفة أنبياء الحقّ ، فتقول الآية المباركة :( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) .

«نذير» من «الإنذار» وهو الإخبار الذي فيه تخويف ، وإشارة إلى أنبياء الله الذين ينذرون الناس من عذاب الله في قبال الانحرافات والظلامات والذنوب والفساد.

«مترفوها» جمع «مترف» من مادّة «ترف» بمعنى «التوسّع في النعمة» و (المترف) الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش. وأترفته النعمة أي أطغته(١) .

نعم ، فإنّ هذه الفئة المترفة الغافلة الطاغية كانت الصف المتقدّم من مخالفي الأنبياء عادة ، لأنّهم يرون أنّ تعليمات الأنبياء تتضارب مع أمانيهم وأهوائهم من جهة ، ولأنّ الأنبياء يدافعون عن حقوق المحرومين التي اغتصبها هؤلاء المترفين ونالوا هذا النعيم ، من جهة ثانية ، ولأنّهم دائما يستخدمون عامل التسلّط لحماية مصالحهم وأموالهم من جهة ثالثة ، والأنبياء يقفون قبالهم في كلّ هذه الحالات ، لذا فإنّهم يهبّون فورا لمخالفة الأنبياء.

العجيب أنّهم لا يشيرون إلى حكم أو فقرة خاصّة ليخالفوها ، بل إنّهم فورا ومرّة واحدة يقولون (نحن كافرون بكلّ ما بعثتم به) ولن نخطوا معكم خطوة واحدة ، وهذا بعينه أحسن دليل على عنادهم وتعصّبهم إزاء الحقّ.

وقد كشف القرآن في آيات مختلفة عن مسألة مهمّة ، وهو أنّ المحرومين هم أوّل من يلبّي دعوة الأنبياء ، والمتنّعمين المغرورين أيضا هم أوّل مجموعة ترفع لواء المخالفة.

ورغم أنّ منكري دعوة الأنبياء لا ينحصرون في هذه المجموعة فقط ، ولكنّهم غالبا عامل الفساد الأوّل والدعاة إلى الشرك والخرافات ، ويسعون دوما إلى إكراه

__________________

(١) لسان العرب ، مجلّد ٩ ، ص ١٧.

٤٥٩

الآخرين لسلوك طريقهم. وردّ هذا المعنى أيضا في الآيات ٢٣ ـ الزخرف ، و١١٦ ـ هود ، و٣٣ ـ المؤمنون.

هذه المجموعة لم تقف فقط في وجه الأنبياء فحسب ، بل قبال أيّة خطوة إصلاحية من قبل أي عالم أو مصلح أو مفكّر مجاهد ، فقد كانوا السبّاقين للمخالفة ، ولا يتورّعون في ارتكاب أيّة جريمة وتآمر ضدّ هؤلاء المصلحين.

تشير الآية التالية إلى المنطق الأجوف الذي يتمسّك به هؤلاء لإثبات أفضليتهم ولاستغفال العوام فتقول :( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً ) .

إنّ الله يحبّنا ، فقد أعطانا المال الوفير ، والقوّة البشرية ، وذلك دليل على لطفه بحقّنا وإشارة إلى مقامنا وموقعنا عنده ، ولذلك لن نعاقب أبدا( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ! فلو كنّا مطرودين من رحمته فلم سخّر لنا كلّ هذه النعم؟ الخلاصة ، إنّ وفرة النعيم في دنيانا دليل واضح على كونه كذلك آخرتنا!!

بعض المفسّرين احتملوا أن يكون قولهم :( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) دليلا على إنكارهم الكلّي للقيامة والعذاب. ولكن الآيات اللاحقة تدلّل على عدم قصد هذا المعنى ، بل المراد هو (القرب من الله بسبب الثروة التي يملكونها).

الآية التي بعدها تردّ بأرقى أسلوب على هذا المنطق الأجوف الخدّاع وتنسفه من الأساس ، وبطريق مخاطبة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تقول الآية الكريمة : قل لهم : إنّ ربّي يرزق من يشاء ويقدر لمن يشاء ، وذلك أيضا طبق مصالح مرتبطة بامتحان الخلق وبنظام حياة الإنسان ، وليس له أي ربط بقدر ومقام الإنسان عند الله سبحانه وتعالى :( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) .

وعليه فلا يجب اعتبار سعة الرزق دليلا على السعادة ، وقلّته على الشقاء.

( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) . طبعا أكثر الجهّال المغفّلين هم كذلك ، وإلّا فإنّ هذا الأمر واضح للعارف.

ثمّ تتابع الآيات هذا المعنى بصراحة أكثر. تقول :( وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ

٤٦٠

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510