الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٦

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل6%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 592

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 592 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 177187 / تحميل: 5794
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٦

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

منهما خرج عن خطّ الإحسان فلن يشمله رضا الله ولطفه

الثانية : أنّه يستفاد من الروايات الإسلامية أنّ أصحاب النّبي وإن امتازوا بشرف صحبته ، إلّا أنّ من يأتي بعدهم في الفترات المقبلة وهم ذوو عمل صالح وإيمان راسخ أفضل منهم من جهة واحدة وهي أنّ أصحاب النّبي شهدوا معاجزه بجميع أنواعها غير أنّ الآخرين اتبعوا منهاجه دون مشاهدتها وساروا على هداه بالإفادة من الدلائل الأخر

ونقرأ في بعض أحاديث النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه سأله أصحابه : «نحن إخوانك يا رسول الله؟! قال : لا أنتم أصحابي ، وإخواني الذين يأتون بعدي. آمنوا بي ولم يروني ، وقال : للعامل منهم أجر خمسين منكم ، قالوا : بل منهم يا رسول الله؟! قال : بل منكم ردّدها ثلاثا ، ثمّ قال : لأنّكم تجدون على الخير أعوانا»(١) .

كما نقل في صحيح مسلم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «وددت أنّا قد رأينا إخواننا ، قالوا : أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟! فقال : أنتم أصحابي وإخوانا الذين لم يأتوا بعد»(٢) .

ويؤيّد العقل والمنطق هذه المقولة أيضا حيث إنّ من لم يدركوا رسول الله ولم يتعلّموا بين يديه وهم في الوقت ذاته مثل أصحابه من حيث الإيمان والعمل الصالح فهم أفضل من الصحابة

الثالثة : إنّ هذا الكلام من وجهة النظر التاريخية مقدوح فيه كثيرا لأنّ بعض الصحابة بعد زمان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل حتى في عصره حاد عن جادّة الصواب

فكيف يمكن أن نبرّئ الذين أشعلوا نار فتنة «الجمل» وقتلوا ما قتلوا وحملوا على خليفة رسول الله حقّا بالسيف ولا نعدّهم آثمين خاطئين

أو أن نقول إنّ الذين اجتمعوا في النهروان وصفّين وثاروا على وصي رسول الله

__________________

(١) تفسير روح المعاني ، ج ٩ ، ص ٦١.

(٢) صحيح مسلم ، ج ١ ، الحديث ٣٩.

٥٠١

وخليفته المنتخب من قبل المسلمين وسفكوا الدماء الغزيرة مشمولون برضوان الله ولا غبار عليهم من الذنب والإثم؟!

وأعجب من ذلك كله أن يعتذر ـ عن أولئك الذين أخطأوا كلّ هذه الأخطاء وفعلوا ما فعلوا ـ بأنّهم مجتهدون ، والمجتهد معذور! هكذا وجّهوا الأمر!!

وإذا أمكن أن توجّه أمثال هذه الذنوب الكبيرة على أنّها اجتهاد فلا مجال لملامة أي قاتل ، ولا داعي لإقامة حدود الله في شأنه!! فلعلّه اجتهد فأخطأ!!

وبتعبير آخر : أنّه قد تقابلت في معركة الجمل وصفّين والنهروان طائفتان متحاربتان ومن المسلّم به قطعا أنّهما لم تكونا جميعا على الحق ، لأنّ الجمع بين الضدّين محال ، فمع هذا التقدير كيف يمكن القول بأنّ الطائفتين كلتيهما مشمولتان برضا الله ، والمسألة لم تكن من المسائل العويصة الملتوية ولم يكن التمييز بين الحق والباطل صعبا ولا مشكلا فالجميع كانوا يعرفون أنّ علياعليه‌السلام أمّا طبقا لنص النّبي عليه أو بانتخاب المسلمين هو الخليفة الحق ومع هذا فقد واجهوه بالسيف ، فكيف يوجه هذا العمل عن طريق الاجتهاد؟

ولم لا يوجّهون قيام «أصحاب الردّة» في زمان أبي بكر عن طريق الاجتهاد وعدوّهم مرتدّين رسما غير أنّهم برّأوا أصحاب الجمل وصفّين والنهروان من أي ذنب وإثم!!؟

وعلى كلّ حال يبدو أنّ مسألة «تنزيه الصحابة» بصورة مطلقة كانت حكما سياسيا لتحفّظ جماعة بعد النّبي موقعها وتعوّل على هذا الحكم ، وتصون نفسها من الانتقاد

وهذا الموضوع لا ينسجم مع حكم العقل ولا مع التواريخ الإسلامية المسلّم بها

وما أحسن أن نحتكم في شأن أصحاب النّبي في الوقت الذي نجلّهم ونحترمهم ذاته ـ إلى معيار يقضي عليهم بالحق من خلال أعمالهم وعقائدهم عبر حياتهم من

٥٠٢

البداية حتى النهاية ، ذلك المعيار الذي أفدناه من القرآن الكريم وذلك المعيار الذي وزن النّبي به صحابته

٢ ـ المحبّة الإسلامية المتبادلة

في الروايات الإسلامية الواردة في تفسير الآية الأخيرة من سورة الفتح تأكيد لا مزيد عليه على قوله تعالى :( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) ومن بين هذه الروايات ما نقرأه عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه ويحقّ على المسلم الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض ، حتى تكونوا كما أمركم اللهعزوجل رحماء بينكم متراحمين ، مغتّمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله»(١) .

إلّا أنّ العجيب أنّ المسلمين في هذا العصر لا يقتدون بتعاليم هذه الآية المؤثرة وما تنقله من خصائص أصحاب رسول الله والمؤمنين الصادقين ، وربّما تحامل بعضهم على بعض وأثار الحفيظة وسفك الدماء وهو ما لم يفعله أعداء الإسلام أحيانا

وربّما ارتبطوا بالكفّار وأنشئوا علائق المحبّة حتى تظن أنّهم إخوان من أصل واحد ونسب واحد.

فلا خبر عن الركوع والسجود ولا النيّات الخالصة ولا ابتغاء فضل الله ولا آثار السجود في سيماهم ولا الزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه!!

والعجيب أيضا أنّه كلّما ابتعدنا عن الأصول القرآنية هذه منينا بالذل والنكبة أكثر فأكثر ومع ذلك لا نلتفت من أين نؤكل؟! وما تزال حميّة الجاهلية تصدّنا عن

__________________

(١) أصول الكافي ـ طبقا لتفسير نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٧٧ ، الحديث ٩١.

٥٠٣

التفكير وإعادة النظر والعودة نحو القرآن

اللهمّ نبّهنا من نومة الغافلين!

اللهمّ وفّقنا أن نحيى فيها خلال أصحاب رسول الله وصفاتهم التي ذكرتها هذه الآيات البيّنات

اللهمّ ارزقنا الشدّة على أعدائنا والرحمة فيما بيننا والتسليم لأمرك ، والاهتمام الى ما توليه إيّانا من العنايات الخاصّة والجد والسعي إلى النهوض بالمجتمع الإسلامي إلى الخير والازدهار.

اللهمّ ارزقنا فتحا مبينا يتحرّك في ظلّه المجتمع الإسلامي وأن نوفّق إلى نشر تعاليم هذا الدين القويم الذي يهب الحياة للناس في هذا العصر الذي هو أحوج الى المعنويات من أي وقت آخر ، وأن نفتح كلّ يوم قلوبا جديدة إلى نور الإسلام

آمين يا ربّ العالمين

انتهت سورة الفتح

* * *

٥٠٤
٥٠٥

سورة

الحجرات

مدنيّة

وعدد آياتها ثماني عشرة آية

٥٠٦

«سورة الحجرات»

محتوى السورة :

هذه السورة التي لا تتجاوز ١٨ آية تحمل في ما تحمل مسائل مهمة تتعلّق بشخص النّبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمجتمع الإسلامي بعضه ببعض وحيث أنّ أغلب المسائل الأخلاقية تدور في هذه السورة فيمكن أن نسمّي هذه السورة بـ «سورة الأخلاق والآداب»

ويمكن على الإجمال تقسيم مضامين السورة على النحو التالي :

القسم الأوّل : آيات بداية السورة وهي تبين طريقة التعامل مع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآدابها وما ينبغي على المسلمين مراعاته من أصول عند حضرة النبي.

الثّاني : تشتمل هذه السورة على سلسلة من أصول «الأخلاق الاجتماعية» المهمّة التي إن عمل بها وعلى هداها حفظت المحبّة والصفاء والأمن والاتحاد في المجتمع الإسلامي ، وعلى العكس من ذلك لو أهملت تكون سببا للشقاء والنفاق والتفرّق وعدم الأمن

الثّالث : الأوامر الإرشادية المتعلّقة بكيفية مواجهة الاختلافات والتنازع أو القتال الذي قد يقع بين المسلمين أحيانا

الرابع : يتحدّث عن معيار قيمة الإنسان عند الله وأهمية التقوى!

الخامس : يعالج قضية أنّ الإيمان ليس بالقول فحسب بل لا بدّ من ظهور آثاره في أعمال الإنسان والجهاد بالمال والنفس ـ إضافة إلى الإعتقاد في القلب ـ

السادس : يتحدّث عن أنّ الإيمان والإسلام هما هدية إلهية للمؤمنين وبدلا من

٥٠٧

أن يمنّوا بالإسلام أو الإيمان ينبغي أن يشكروا الله على هذه الهدية إذ شملهم بها

السابع : والأخير يتحدّث عن علم الله واطلاعه وعن جميع أسرار الوجود الخفية وأعمال الإنسان ، وهذا القسم بمثابة الضامن لتنفيذ جميع هذه الأقسام الواردة في هذه السورة!

وتسمية هذه السورة بسورة «الحجرات» لورود هذه الكلمة في الآية الرابعة منها وسنبيّن تفسيرها في السطور التالية

فضيلة تلاوة هذه السورة!

يكفي أن نعرف فضيلة هذه السورة من حديث نقرؤه عن النّبي في فضلها!

«من قرأ سورة الحجرات اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله وعصاه».

كما نقرأ حديثا آخر عن الإمام الصادق في فضلها يقول : «من قرأ سورة الحجرات في كلّ ليلة أو في كلّ يوم كان من زوّار محمّد»

وبديهي أنّ كلّ هذه الحسنات التي هي بعدد المطيعين والعاصين إنّما تكون في صورة ما لو أخذنا بنظر الإعتبار كلا من الفريقين وأن نفكّر جيدا فنجعل مسيرنا وفقا لمنهج المطيعين ونبتعد عن منهج العاصين.

ونيل زيارة النّبي أيضا فرع على أن نعمل وفق الآداب المذكورة في الحضور عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ التلاوة في كلّ مكان مقدمة للعمل

* * *

٥٠٨

الآيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) )

سبب النّزول

ذكر المفسّرون لنزول الآية الأولى من هذه السورة شأنا بل شؤونا كما ذكروا

٥٠٩

لنزول الآيات التي بعدها شؤونا أخر!

فمن الشؤون التي ذكروها لنزول الآية الأولى أنّه : حين أراد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتوجّه إلى خيبر رغب في أن يخلّف شخصا معيّنا مكانه في المدينة وينصّبه خليفة عنه ، فاقترح عمر شخصا آخر ، فنزلت الآية الآنفة وأمرت أن لا تقدموا بين يدي الله ورسوله(١) .

وقال آخرون : كان بعض المسلمين بين الفينة والأخرى يقولون لو نزلت فينا آية لكان أفضل ، فنزلت الآية أن لا تقدموا بين يدي الله ورسوله(٢) .

وقال بعضهم ، إنّ الآية تشير إلى أعمال بعض المسلمين الذين كانوا يؤدّون عباداتهم قبل أوانها ، فنزلت الآية لتنهاهم عن مثل هذه الأعمال(٣) .

وأمّا في شأن الآية الثانية فقد قال المفسّرون إنّ طائفة من «بني تميم» وأشرافهم وردوا المدينة ، فلمّا دخلوا مسجد النّبي نادوا بأعلى صوتهم من وراء الحجرات التي كانت للنبي : يا محمّد أخرج إلينا. فأزعجت هذه الصرخات غير المؤدّبة النبي ، فخرج إليهم فقالوا له : جئناك لنفاخرك فأجز شاعرنا وخطيبنا ليتحدّث عن مفاخر قبيلتنا ، فأجازهم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنهض خطيبهم وتحدّث عن فضائلهم الخيالية الوهميّة كثيرا

فأمر النّبي (ثابت بن قيس) أن يردّ عليهم(٤) فنهض وخطب خطبة بليغة فلم يبق لخطبة أولئك من أثرا!

ثمّ نهض شاعرهم وألقى قصيدة في مدحهم فنهض «حسان بن ثابت» فردّ عليه بقصيدة شافية كافية!

فقام رجل من أشراف تلك القبيلة واسمه «الأقرع» فقال : إنّ هذا الرجل يعني

__________________

(١ ، ٢ ، ٣) ـ تفسير القرطبي ، ج ٩ ، ص ٦١٢١.

(٤) كان «ثابت بن قيس» خطيب الأنصار وخطيب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما كان حسّان بن ثابت شاعره [أسد الغابة ، ج ١ ، ص ٢٢٩].

٥١٠

محمّدا خطيبه أبلغ من خطيبنا وشاعره أجدر من شاعرنا وصدى صوته أبعد مدى من صوتنا

فأمر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تهدى لهم هدايا ليكتسب قلوبهم إليه فكان أن تأثّروا بمثل هذه المسائل فاعترفوا بنبوّته!

فالآيات محل البحث ناظرة إلى هذه القضية والأصوات من خلف الحجرات.

وهناك شأن آخر لنزول الآية بل هو يتعلّق بالآية الأولى وما بعدها وهو أنّه في السنة التاسعة للهجرة [حين كانت القبائل تفد على النّبي للسلام عليه أو للمعاهدة معه] وقد عرف العام ذلك «بعام الوفود» وعند وصول ممثلي قبيلة تميم إلى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أبو بكر : ليكن «القعقاع» (أحد أشراف تلك القبيلة) أميرها ، واقترح عمر أن يكون «الحابس بن أقرع» أميرها. فقال أبو بكر لعمر أردت أن تخالفني ، فردّ عليه عمر بأنّه لم يرد مخالفته أبدا ، فتعالى الصياح والضجيج بينهما ، فنزلت الآيات الآنفة أي لا تقترحوا في الأمور على النّبي شيئا ولا تتقدّموا عليه في العمل ولا ترفعوا أصواتكم عند بيت النبي(١) .

* * *

التّفسير

آداب الحضور عند النبي :

كما أشرنا آنفا أنّ في محتوى هذه السورة قسما من المباحث الأخلاقية المهمّة والأوامر والتعليمات الانضباطية التي تدعونا إلى تسمية هذه السورة بسورة الأخلاق ، وهذه المسائل والتعليمات تقع في الآيات الأوّل من السورة محل البحث ـ والآيات هذه على نحوين من التعليمات.

__________________

(١) نقل ذلك القرطبي في تفسيره ، ج ٩ ، ص ٦١٢١ ، وسيد قطب في ظلاله ، ج ٧ ، ص ٥٢٤ ، وابن هشام في سيرته ص ٢٠٦ فما بعد (مع شيء من التفاوت والاختلاف) كما ورد في صحيح البخاري ، ج ٦ ، ص ١٧٢ ، في تفسيره سورة الحجرات

٥١١

الأول : عدم التقدّم على الله ورسوله وعدم رفع الصوت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

فتقول الآية الأولى في هذا الصدد :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .

والمراد من عدم التقديم بين يدي الله ورسوله هو أن لا يقترح عليهما في الأمور ، وترك العجلة والإسراع أمام أمر الله ورسوله

وبالرغم من أنّ بعض المفسّرين أرادوا أن يحدّدوا مفهوم الآية وجعلوه منحصرا بأداء العبادات قبل وقتها ، أو التكلّم قبل كلام رسول الله وأمثال ذلك ، إلّا أنّه من الواضح أنّ للآية مفهوما واسعا يشمل أي تقدّم وإسراع في كلّ خطّة ومنهج(١) .

إنّ مسئولية انضباط السائرين إزاء القادة وخاصة إزاء القادة الإلهيين تقتضي ألّا يتقدّموا عليهم في أي عمل وقول ولا يعجل أحد عندهم.

وبالطبع فإنّ هذا الكلام لا يعني بأنّه لا يجوز لهم أن يتشاوروا مع النّبي إذا كان لديهم شيء يجدر بيانه ، بل المراد منه إلّا يعجلوا ويبادروا بالتصميم قبل أن يوافق النّبي على ذلك! حتى أنّه لا ينبغي أن تثار أسئلة ومناقشات أكثر ممّا يلزم في شأن المسائل ، بل ينبغي أن يترك الأمر للقائد نفسه أن يبيّن المسائل في حينها ، لا سيما إذا كان القائد معصوما الذي لا يغفل عن أي شيء! كما أنّه لو سئل المعصوم أيضا ، لا يحقّ للآخرين أن يجيبوا السائل قبل أن يردّ عليه المعصوم ، وفي الحقيقة أنّ الآية جمعت كلّ هذه المعاني في طيّها.

والآية الثانية تشير إلى الأمر الثّاني فتقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ

__________________

(١) ورد الفعل «لا تقدموا» على صيغة الفعل المتعدي إلا أن المفعول محذوف هنا وتقديره : لا تقدموا أمرا بين يدي الله ورسوله وقد احتمل بعضهم أن هذا الفعل لازم هنا ومفهومه لا تتقدموا بين يدي الله وبالرغم من أن الفعلين مختلفان شكلا إلا أن المعنى أو النتيجة واحدة

٥١٢

أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) .

والجملة الأولى :( لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ) إشارة إلى أنّه لا ينبغي رفع الصوت على صوت النبي ، فهو بنفسه نوع من الإساءة الأدبية في محضره المبارك ، والنّبي له مكانته. وهذا الأمر لا يجدر أن يقع أمام الأب والأم والأستاذ لأنّه مخالف للاحترام والأدب أيضا.

أمّا جملة :( لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ) فيمكن أن تكون تأكيدا على المعنى المتقدّم في الجملة الأولى ، أو أنّها إشارة إلى مطلب آخر ، وهو ترك مخاطبة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنداء «يا محمّد» والعدول عنه بالقول : «يا رسول الله»!

غير أنّ جماعة من المفسّرين قالوا في الفرق بين الجملتين آنفتي الذكر ما يلي : ـ إنّ الجملة الأولى ناظرة إلى زمان يتحادث الناس فيه مع النبي ، فلا ينبغي لأحد أن يرفع صوته فوق صوت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّا الجملة الثانية فناظرة الى زمان يكون الرّسول فيه صامتا وأصحابه يحدّثونه ، ففي هذه الحالة أيضا لا ينبغي رفع الصوت عنده.

والجمع بين هذه المعنى والمعنى السابق أيضا ـ لا مانع منه كما أنّه ينسجم مع شأن نزول الآية ، وعلى كلّ حال فظاهر الآية هو بيان أمرين مختلفين

وبديهي أنّ أمثال هذه الأعمال إن قصد بها الإساءة والإهانة لشخص النّبي ومقامه الكريم فذلك موجب للكفر ، وإلّا فهو إيذاء له وفيه إثم أيضا

وفي الصورة الأولى تتّضح علة الحبط وزوال الأعمال ، لأنّ الكفر يحبط العمل ويكون سببا في زوال ثواب العمل الصالح

وفي الصورة الثانية أيضا ، لا يمنع أن يكون مثل هذا العمل السيء باعثا على زوال ثواب الكثير من الأعمال.

وقلنا سابقا في بحث الحبط أنّه لا مانع من زوال ثواب بعض الأعمال بسبب بعض الذنوب الخاصة ، كما أنّ زوال أثر بعض الذنوب بسبب الأعمال الصالحة

٥١٣

قطعيّ أيضا وهناك دلائل كثيرة في الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة على هذا المعنى ورغم أنّ هذا المعنى لم يثبت على أنّه قانون كلّي في جميع الحسنات والسيئات ، إلّا أنّه توجد دلائل نقلية في شأن بعض الحسنات والسيئات المهمّة ولا يوجد دليل عقلي مخالف لها!(١) .

وقد ورد في رواية أنّه حين نزلت الآية آنفة الذكر قال «ثابت بن قيس» خطيب النّبي الذي كان له صوت جهوري عال : أنا الذي رفعت صوتي فوق صوت النّبي فحبطت أعمالي وأنا من أهل النّار

فبلغ ذلك سمع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : «هو من أهل الجنّة»(٢) . لأنّه حين فعل ذلك للمؤمنين أو أمام المخالفين وكان ذلك أداء لوظيفة إسلامية.

كما أنّ ابن العباس بن عبد المطلب نادى بأمر النّبي الذين فرّوا في معركة «حنين» بصوت عال ليعودوا إلى ساحات القتال!

وفي الآية الأخرى مزيد تأكيد على الثواب الذي أعدّه الله لأولئك الذين يمتثلون أمر الله ويراعون الآداب عند رسول الله فتقول :( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٣) .

كلمة «يغضون» مشتقة من غضّ ـ على وزن حظّ ـ ومعناها تقليل النظر أو خفات الصوت ويقابل هذه الكلمة الإمعان بالنظر والجهر بالصوت.

وكلمة «امتحن» مشتقة من الامتحان ، والأصل في استعمالها إذابة الذهب وتطهيره من غير الخالص ، كما أنّها تستعمل في بسط الجلد المعدّ للدّبغ ، ثمّ

__________________

(١) لمزيد الاطلاع بحثنا مسألة الحبط في ذيل الآية (٢١٧) من سورة البقرة فليراجع.

(٢) يراجع مجمع البيان ، ج ٩ ، ص ١٣٠ ، وقد ورد هذا الحديث بتفاوت في بعض الكلمات عند كثير من المفسّرين ولا سيما البخاري في صحيحه وسيد قطب في ظلاله وغيرهما.

(٣) «اللام» في كلمة «التقوى» في الحقيقة هي لام الغاية وليست (لام العلّة) أي أنّ الله يجعل قلوب أولئك مهيّأة للقبول والتقوى ، لأنّ القلب إذا لم يخلص ولم يصف فلا يكون محلا للتقوى حقيقة.

٥١٤

استعملت بعدئذ في مطلق الاختبار كما هي الحال بالنسبة للآية محل البحث ، ونتيجة ذلك خلوص القلب وبسطه لقبول التقوى

وممّا يسترعي الانتباه أنّ الآية السابقة ورد فيها التعبير بالنبي ، إلّا أنّ هذه الآية ورد التعبير فيها عنه برسول الله ، وكلتا الآيتين تشير إلى هذه «اللطيفة» : وهي أنّ النّبي ليس عنده شيء من نفسه ، بل هو رسول الله ونبيّه ، فإساءة الأدب إليه إساءة الأدب إلى الله ورعاية الأدب إليه رعاية لله.

ونكّرت كلمة «مغفرة» للتعظيم والأهمية أي أنّ الله يجعل نصيبهم المغفرة الكبرى والتامة ، وبعد تطهيرهم من الذنب يرزقهم الأجر العظيم ، لأنّه لا بدّ من التطهير من الذنب أولا ، ثمّ الانتفاع من الأجر العظيم من قبل الله

أمّا الآية الأخرى فتشير إلى جهل أولئك الذين يجعلون أمر الله وراء ظهورهم ، وعدم إدراكهم فتقول :( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) .

فأي عقل يدفع الإنسان إلى أن ينادي برفيع صوته أمام أعظم سفير إلهي فلا يلتفت الى آداب النداء كما فعلت قبيلة بني تميم فنادت النّبي بصوت مزعج يا محمّد يا محمّد أخرج إلينا وهو مركز المحبّة والعطف الإلهي؟!

وأساسا كلّما ترقّى عقل الإنسان زيد في أدبه فيعرف القيم الأخلاقية بصورة أحسن ومن هنا فإنّ إساءة الأدب دليل على عدم العقل ، أو بتعبير آخر إنّ إساءة الأدب عمل الحيوان ، أمّا الأدب أو رعاية الأدب فهو من عمل الإنسان

جملة( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) «الأكثر» في لغة العرب يطلق أحيانا بمعنى الجميع ، وإنّما استعمل هذا اللفظ رعاية للاحتياط في الأدب حتى لو أنّ واحدا أستثني من الشمول لا يضيع حقّه عند التعبير بالأكثر ، فكأنّ الله يريد أن يقول : إنّي أنا الله الذي أحطت بكلّ شيء علما ، عند الكلام على مثل هذه الأمور أراعي الأدب في ذلك فعلام لا تراعون في كلامكم هذه الناحية؟!

أو لأنّه يوجد فيهم أناس يعقلون حقّا ، ولعادة الناس وعدم التفاتهم في رفع

٥١٥

الصوت يريد القرآن أن يحذّرهم بهذا الأسلوب أن لا ينسوا الأدب وأن يستعملوا عقولهم وأفكارهم عند الكلام

«الحجرات» : جمع «حجرة» وهي هنا إشارة إلى البيوت(١) المتعددة لأزواج النّبي المجاورة للمسجد

وأصل الكلمة مأخوذ من «الحجر» على وزن الأجر : أي المنع لأنّ الحجرة تمنع الآخرين من الدخول في حريم «حياة» الإنسان والتعبير بـ «وراء» هنا كناية عن الخارج من أي جهة كان! لأنّ أبواب الحجرات كانت تتفتح على المسجد أحيانا فيقف الجهلة عندها فينادون : يا محمّد أخرج إلينا ، فمنعهم القرآن ونهاهم عن ذلك!

ويضيف القرآن إكمالا للمعنى في نهاية الآية قائلا :( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) .

صحيح أنّ العجلة قد تجعل الإنسان أحيانا يبلغ قصده بسرعة ، إلّا أنّ الصبر في مثل هذا «المقام» والتأنّي مدعاة إلى المغفرة والأجر العظيم.

وحيث أنّ بعضهم قد ارتكبوا جهلا هذا الخطأ من قبل ، واستوحشوا من هذا الأمر وحاسبوا أنفسهم بعد نزول الآية ، فإنّ القرآن يضيف قائلا إنّهم تشملهم الرحمة عند التوبة :( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

* * *

بحوث

١ ـ الأدب أغلى القيم

اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بمسألة رعاية الأدب ، والتعامل مع الآخرين مقرونا

__________________

(١) بيوت جمع بيت وهذا اللفظ يطلق على الغرفة الواحدة [أو مجموع الغرف في مكان واحد لعائلة معيّنة] وهو مشتقّ من المبيت ليلا

٥١٦

بالاحترام والأدب سواء مع الفرد أم الجماعة ، ونشير إلى طائفة من الأحاديث الشريفة هنا على أنّها شواهد وأمثال لهذا العنوان

١ ـ يقول الإمام عليعليه‌السلام : «الآداب حلل مجدّدة»(١) .

ويقول في مكان آخر : الأدب يغني عن الحسب(٢) .

كما أنّنا نقرأ حديثا آخرعن الإمام الصادقعليه‌السلام يقول فيه : «خمس من لم تكن فيه لم يكن كثير فيه مستمتع ؛ قيل : وما هنّ يا ابن رسول الله قالعليه‌السلام : الدين والعقل والحياء وحسن الخلق وحسن الأدب»(٣) .

ونقرأ في مكان آخر حديثا عنهعليه‌السلام أيضا يقول فيه : لا يطمعنّ ذو الكبر في الثناء الحسن ولا الخبّ في كثرة الصديق ولا السيء الأدب في الشرف(٤)

ولذلك فإنّنا حين نقرأ تأريخ حياة القادة في الإسلام وننعم النظر فيها نلاحظ أنّهم يراعون أهم النقاط الحسّاسة واللطائف الدقيقة في الأخلاق والآداب حتى مع الأناس البسطاء ، وأساسا فإنّ الدين مجموعة من الآداب ، الأدب بين يدي الله والأدب بين يدي الرّسول والأئمة المعصومين ، والأدب بين يدي الأستاذ والمعلم ، أو الأب والأم والعالم والمفكّر

والتدقيق في آيات القرآن الكريم يكشف عن أنّ الله سبحانه بما له من مقام العظمة حين يتكلّم مع عباده ، يراعي الآداب بتمامها

فحيث يكون الأمر على هذه الشاكلة فمن المعلوم عندئذ ما هي وظيفة الناس أمام الله؟ وما هو تكليفهم؟! ونقرأ في بعض الأحاديث الإسلامية أنّه حين نزلت الآيات الأولى من سورة «المؤمنون» وأمرتهم بسلسلة من الآداب الإسلامية ، ومنها مسألة الخشوع في الصلاة ، وكان النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينظر أحيانا إلى السماء عند

__________________

(١) نهج البلاغة الحكمة ـ ٥.

(٢) بحار الأنوار ، ج ٧٥ ، ص ٦٨.

(٣) المصدر السابق ، ص ٦٧.

(٤) المصدر السابق.

٥١٧

الصلاة ثمّ ينظر إلى الأرض مطرقا برأسه «لا يرفعه»(١) .

وفي ما يخص النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هذا الموضوع ذا أهمية أيضا إذ صرّح القرآن في آياته بالإعراض عن اللغو عنده وعدم رفع الصوت والصخب ، فكلّ ذلك موجب للحبط في الأعمال واضمحلال الثواب.

وواضح أنّه لا تكفي رعاية هذه المسألة الخلقيّة عند النّبي فحسب ، بل هناك أمور أخرى ينبغي مراعاتها في حضوره ، وكما يعبّر الفقهاء ينبغي إلغاء الخصوصية هنا وتنقيح المناط بما سبق أشباهه ونظائره!

ونقرأ في سورة النور الآية (٦٣) منها :( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) وقد فسّرها جماعة من المفسّرين بأنّه «عند ما تنادون النّبي فنادوه بأدب واحترام يليقان به لا كما ينادي بعضكم بعضا»

الطريف هنا أنّ القرآن عدّ أولئك الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ويراعون الأدب بأنّهم مطهّرو القلوب وهم مهيّئون للتقوى ، وجديرون بالمغفرة والأجر العظيم في حين أنّه يعدّ الذين ينادونه من وراء الحجرات ويسيئون الأدب عنده ـ كالأنعام ـ أكثرهم لا يعقلون.

حتى أنّ بعض المفسّرين توسّعوا في الآيات محل البحث وجعلوا لها مراحل أدنى أيضا بحيث تشمل المفكّرين والعلماء والقادة من المسلمين ، فوظيفة المسلمين أن يراعوا الآداب بين أيديهم

وبالطبع فإنّ هذه المسألة أكثر وضوحا في شأن الأئمة أولي العصمة ، حتى أنّه بلغنا بعض الروايات الواردة عن أهل البيت أنّه «حين دخل أحد الأصحاب على الإمام بادره الإمام دون مقدّمة : أما تعلم أنّه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء»(٢) .

__________________

(١) راجع تفسير مجمع البيان وتفسير الفخر الرازي ، ذيل الآية ٢ سورة المؤمنون.

(٢) بحار الأنوار ، ج ٢٧ ، ص ٢٥٥.

٥١٨

وورد التعبير في رواية أخرى بهذه الصورة : «أنّ بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب».

وملخص القول أنّ مسألة رعاية الآداب أمام الكبير والصغير تشمل قسما كبيرا من التعليمات الإسلامية بحيث لو أردنا أن ندرجها ضمن بحثنا هذا لخرجنا عن تفسير الآيات ، إلّا أنّنا نختم بحثنا بحديث عن الإمام علي بن الحسين (السجّاد) في «رسالة الحقوق» حيث قال في «مورد رعاية الأدب أمام الأستاذ» :

«وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه وأن لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب ولا تحدّث في مجلسه أحدا ولا تغتاب عنده أحدا وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ولا تجالس له عدوا ولا تعادي له وليا فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنّك قصدته وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس»(١) .

٢ ـ رفع الصوت عند قبر الرسول

قال جماعة من العلماء والمفسّرين أنّ الآيات محل البحث كما أنّها تمنع رفع الصوت عند النّبي حال حياته فهي كذلك شاملة للمنع بعد وفاته(٢) .

وإذا كان المراد من تعبيرهم آنفا شمول العبارة في الآية ، فظاهر الآية يخصّ زمان حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّها تقول :( لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ) وذلك في حالة ما يكون النّبي له حياة جسمانية وهو يتكلّم مع أحد فلا يجوز رفع الصوت فوق صوته

لكن إذا كان مرادهم ـ المناط ـ وفلسفة الحكم ـ وهي واضحة في هذه الموارد

__________________

(١) المحجّة البيضاء ، ج ٣ ، ص ٤٥٠ ، باب آداب الصحبة والمعاشرة.

(٢) روح المعاني ، ج ٢٦ ، ص ١٢٥.

٥١٩

وأمثالها ـ وأهل العرف ـ يلغون «الخصوصية» ، فلا يبعد التعميم المذكور. لأنّه من المسلّم به ـ أنّ الهدف هنا رعاية الأدب واحترام ساحة قدس النبي ، فعلى هذا متى ما كان رفع الصوت عند قبره نوعا من هتك الحرمة فهو بدون شكّ غير جائز ، إلّا أن يكون أذانا للصلاة أو تلاوة للقرآن أو إلقاء خطبة وأمثال ذلك فإنّ هذه الأمور ليس فيه أي إشكال لا في حياة النّبي ولا بعد وفاته

ونقرأ حديثا في أصول الكافي نقل عن الإمام الباقر في شأن ما جرى للحسن بعد وفاته وممانعة عائشة عن دفنه في جوار رسول الله جاء فيه أنّه حين ارتفعت الأصوات استدل الإمام الحسينعليه‌السلام بالآية :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ )

ونقل عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : إنّ الله حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياء(١) .

وهذا الحديث شاهد آخر على عموم مفهوم الآية!

٣ ـ الانضباط الإسلامي في كلّ شيء وفي كلّ مكان!

إنّ مسألة المديرية لا تتم بدون رعاية الانضباط ، وإذا أريد للناس العمل تحت مديرية وقيادة ـ حسب رغبتهم ، فإنّ اتساق الأعمال سينعدم عندئذ وإن كان المديرون والقادة جديرين.

وكثير من الأحداث والنواقص التي نلاحظها تحدّث عن هذا الطريق ، فكم من هزيمة أصابت جيشا قويا أو نقصا حدث في أمر يهمّ جماعة وما إلى ذلك كان سببه ما ذكرناه آنفا ولقد ذاق المسلمون أيضا مرارة مخالفة هذه التعاليم مرارا في عهد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بعده ، ومن أوضح الأمور قصة هزيمة المسلمين في معركة أحد لعدم الانضباط من قبل جماعة قليلة من المقاتلين.

والقرآن يثير هذه المسألة المهمّة في عبارة موجزة في الآية الآنفة وبأسلوب

__________________

(١) أصول الكافي ـ طبقا لما نقل في نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٨٠.

٥٢٠

جامع طريف إذ يقول :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ) .

ومفهوم الآية كما أشرنا سابقا واسع إلى درجة أنّها تشمل أي نوع من أنواع التقدّم والتأخّر والكلام والتصرّفات الذاتية الخارجية عن تعليمات القيادة

ومع هذه الحال فإنّنا نلاحظ في تاريخ حياة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موارد كثيرة يتقدّم فيها بعض الأفراد على أمره أو يتخلّفون ويلون رؤوسهم فيكونون موضع الملامة والتوبيخ الشديد ومن ذلك ما يلي

١ ـ حين تحرّك النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة كان ذلك في شهر رمضان وكان معه جماعة كثيرة ، منهم الفرسان ومنهم المشاة ، ولمّا بلغ (منزل) كراع الغميم أمر بإناء ماء ، فتناول منه الرّسول وأفطر ثمّ أفطر من كان معه ، إلّا أنّ العجيب أنّ جماعة منهم (تقدّم على النبي) ولم يوافقوا على الإفطار وبقوا صائمين فسمّاهم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعصاة(١) !

٢ ـ ومثل آخر ما حدث في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة حيث أمر النبيّ أن ينادي المنادي : «من لم يسق منكم هديا فليحلّ وليجعلها عمرة ، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه» ثمّ يؤدّي مناسك الحج وأنّ من جاء بالهدي (وحجّه حجّ إفراد) فعليه أن يبقى على إحرامه ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لولا أنّي سقت الهدي لأحللت ، وجعلتها عمرة ، فمن لم يسق هديا فليحلّ». إلّا أنّ جماعة أبوا وقالوا كيف يمكننا أن نحل وما يزال النّبي محرما أليس قبيحا أن نمضي للحج بعد أداء العمرة ويسيل منّا ماء الغسل «من الجنابة».

فساء النّبي ما قالوا ووبّخهم ولامهم(٢) .

٣ ـ قصة التخلّف عن جيش أسامة عند ما أراد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلتحق بالرفيق

__________________

(١) نقل هذا الحديث كثير من المؤرخين والمحدّثين ومنها ما ورد في الجزء السابع من وسائل الشيعة ، الصفحة ١٢٥ ، باب من يصح منه الصوم مع شيء من التلخيص.

(٢) بحار الأنوار ، ج ٢١ ، ص ٣٨٦ (بشيء من التصرّف والاختصار).

٥٢١

الأعلى معروفة حيث أمر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين أن ينفّذوا جيش أسامة بن زيد ويتحرّكوا إلى حرب الروم وأمر المهاجرين والأنصار أن يتحرّكوا مع هذا الجيش

ولعلّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد ألّا تقع عند رحلته مسائل في أمر الخلافة ـ وقد وقعت ـ حتى أنّه لعن المتخلّفين عن جيش أسامة ومع كلّ ذلك تخلّف جماعة بحجة أنّهم لا يستطيعون أن يتركوا النّبي في مثل هذه الظروف(١) !!

٤ ـ قصة «القلم والدواة» معروفة أيضا وهي في الساعات الأخيرة من عمر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما أنّها مثيرة والأحسن أن ننقل ما جاء من عبارة في صحيح مسلم بعينها هنا :

«لمّا حضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي : هلمّ اكتب لكم كتابا لا تضلّون بعده ، فقال عمر إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت ، فاختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلّوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله قال رسول الله قوموا»(٢) !

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذا الحديث عينه نقله البخاري في صحيحه باختلاف يسير جدا «صحيح البخاري ، ج ٦ ، باب مرض النبي ، ص ١١».

وهذه القضية من الحوادث المهمّة في التأريخ الإسلامي التي تحتاج إلى تحليل وبسط ليس هنا محلّه ولكنّها على كلّ حال من أجلى موارد التخلّف عن أمر النّبي ومخالفة الآية محل البحث :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ )

__________________

(١) ذكر هذه القصة مؤرّخون كثر في كتب التاريخ الإسلامي وهي من الحوادث المهمّة في تاريخ الإسلام «لمزيد الاطلاع يراجع كتاب المراجعات ـ المراجعة ٩٠ ـ منه».

(٢) صحيح مسلم ، ج ٣ ، كتاب الوصية ، الحديث ٢٢.

٥٢٢

وما يهمّنا هنا أنّ رعاية الانضباط الإسلامي والإلهي تحتاج إلى روح التسليم المطلق وقبول القيادة «الإلهية» في جميع شؤون الحياة والإيمان المتين بمقام القائد الشامخ

* * *

٥٢٣

الآيات

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) )

سبب النّزول

قال بعض المفسّرين كالطبرسي في مجمع البيان : هناك قولان في شأن نزول الآية الأولى من الآيات أعلاه ، ولكنّ بعضهم اكتفى بقول واحد منهما كالقرطبي وسيد قطب ، ونور الثقلين.

فالقول الأوّل في شأن نزول الآية محل البحث الذي ذكره أغلب المفسّرين أنّ الآية الكريمة :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ) نزلت في «الوليد بن عقبة» وذلك أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسله لجمع الزكاة من قبيلة «بني المصطلق» فلمّا علم

٥٢٤

بنو المصطلق أنّ مبعوث الرّسول قادم إليهم سرّوا كثيرا وهرعوا لاستقباله ، إلّا أنّ الوليد حيث كانت له خصومة معهم في زمان الجاهلية ، شديدة ، تصوّر أنّهم يريدون قتله.

فرجع إلى النّبي «ومن دون أن يتحقّق في الأمر» وقال : يا رسول الله إنّهم امتنوا عن دفع الزكاة «ونعرف أنّ عدم دفع الزكاة هو نوع من الوقوف بوجه الحكومة الإسلامية فبناء على ذلك فإنّ مدّعى الوليد يقتضي أنّهم مرتدّون»!!

فغضب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك وصمّم على أن يقاتلهم فنزلت الآية آنفة الذكر(١)

وأضاف بعضهم أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أخبره الوليد بن عقبة بارتداد قبيلة (بني المصطلق) أمر خالد بن الوليد بن المغيرة أن يمضي نحوها وأن لا يقوم بعمل حتى يتريث ويعرف الحقّ

فمضى خالد ليلا وصار قريبا من قبيلة بني المصطلق وبعث عيونه ليستقصوا الخبر فعادوا إليه وأخبروا بأنّهم مسلمون «أوفياء لدينهم» وسمعوا منهم صوت الآذان والصلاة ، فغدا خالد عليهم في الصباح بنفسه فوجد ما قاله أصحابه صدقا فعاد إلى النّبي وأخبره بما رأى فنزلت الآية آنفة الذكر ، وعقّب النّبي عليها «التأنّي من الله والعجلة من الشيطان»(٢) .

وذكر بعض المفسّرين قولا آخر في شأن نزول الآية وعوّلوا عليه فحسب ، وهو أنّ الآية نزلت في «مارية القبطية» زوج النّبي وأم إبراهيمعليه‌السلام ، لأنّه قيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ لها ابن عمّ «يدعى جريحا» تتردّد إليه أحيانا «وبينهما علاقة غير مشروعة» فأرسل النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلف عليعليه‌السلام فقال له «يا أخي خذ السيف فإن وجدته عندها فاضرب عنقه ...»

فأخذ أمير المؤمنين السيف ثمّ قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله : أكون في أمرك

__________________

(١) تفسير مجمع البيان ، ج ٩ ، ص ١٣٢.

(٢) القرطبي ، ج ٩ ، ص ٦١٣١.

٥٢٥

إذا أرسلتني كالسكة المحماة ؛ أمضي لما أمرتني أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» ، قال علي : فأقبلت متوشّحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف فلمّا عرف أنّي أريده أتى نخلة فرقى إليها ثمّ رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه فإذا أنّه أجبّ امسح مال ممّا للرجال قليل ولا كثير فرجعت فأخبرت النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : «الحمد لله الذي يصرف عنّا السوء أهل البيت»(١) .

وورد هذا الشأن ذاته في تفسير نور الثقلين ج ٥ مع اختلاف يسير في العبارات

* * *

التّفسير

لا تكترث بأخبار الفاسقين :

كان الكلام في الآيات الآنفة على ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون ووظائفهم أمام قائدهم ونبيّهم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ورد في الآيات المتقدّمة أمران مهمّان ، الأوّل أن لا يقدموا بين يديه والآخر هو مراعاة الأدب عند الكلام معه وعدم رفع الصوت فوق صوته

أمّا الآيات محل البحث فهي تبيّن الوظائف الأخرى على هذه الأمّة إزاء نبيّها.

وتقول ينبغي الاستقصاء عند نقل الخبر إلى النّبي فلو أنّ فاسقا جاءكم بنبإ فتثبّتوا وتحقّقوا من خبره ، ولا تكرهوا النّبي على قبول خبره حتى تعرفوا صدقه فتقول الآيات أوّلا :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) .

ثمّ تبيّن السبب في ذلك فتضيف :( أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) .

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٩ ، ص ١٣٢ ، كما ورد في تفسير نور الثقلين بصورة مسهبة ، ج ٥ ، ص ٨١.

٥٢٦

فلو أنّ النّبي قد أخذ بقول «الوليد بن عقبة» وعدّ قبيلة بني المصطلق مرتدّين وقاتلهم لكانت فاجعة ومصيبة عظمى!

ويستفاد من لحن الآية التالية أنّ جماعة من أصحاب الرّسول اصرّوا على قتال بني المصطلق ، فقال لهم القرآن إنّ هذا هو الجهل بعينه وعاقبته الندم.

واستدل جماعة من علماء الأصول على حجّية خبر الواحد بهذه الآية لأنّها تقول إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا ومفهومها أنّ العادل لو جاء بنبإ فلا يلزم التبيّن ويصح قبول خبره إلّا أنّه أشكل على هذا الاستدلال بمسائل عديدة أهمها مسألتان :

المسألة الأولى : إنّ الاستدلال المتقدّم ذكره متوقّف على قبول «حجّية مفهوم الوصف» ، والمعروف أنّه لا حجّية لمفهوم الوصف(١)

المسألة الثانية : إنّ العلة المذكورة في ذيل الآية فيها من السعة ما يشمل خبري العادل والفاسق معا لأنّ العمل بالخبر الظنّي ـ مهما كان ـ ففيه احتمال الندم.

لكنّ هاتين المسألتين يمكن حلّهما ، لأنّ مفهوم الوصف وأي قيد آخر في الموارد التي يراد منها بيان القيد في مقام الاحتراز حجة ، وذكر هذا القيد «قيد الفاسق» في الآية المتقدّمة طبقا للظهور العرفي لا فائدة منه تستحق الملاحظة سوى حجّية خبر العادل!

وأمّا في مورد التعليل الوارد في ذيل الآية فالظاهر أنّه لا يشمل كلّ عمل بالأدلة الظنّية ، بل هو ناظر إلى الموارد التي يكون العمل فيها بجهالة ، أي العمل بسفاهة وحمق ، لأنّ الآية عوّلت على الجهالة ، ونعرف أنّ أغلب الأدلة التي يعوّل عليها العقلاء جميعا في العالم في المسائل اليومية هي دلائل ظنّية «من قبيل

__________________

(١) يتصوّر بعضهم أنّ المسألة هنا من قبيل مفهوم الشرط ومفهوم الشرط حجّة ، في حين أنّه لا علاقة هنا بمفهوم الشرط ، إضافة الى ذلك فإنّ الجملة الشرطية هنا لبيان الموضوع ونعرف أنّه في مثل هذه الموارد لا مفهوم للجملة الشرطية أيضا فلاحظوا بدقّة.

٥٢٧

ظواهر الألفاظ وقول الشاهد ، وقول أهل الخبرة ، وقول ذي اليد وأمثالها».

ومعلوم أنّه لا يعدّ أيّ ممّا أشير إليه آنفا بأنّه جهالة ولو لم يطابق الواقع أحيانا ، فلا تتحقّق هنا مسألة الندم فيه لأنّه طريق عام

وعلى كلّ حال فإنّنا نعتقد بأنّ هذه الآية من الآيات المحكمات التي فيها دلالة على حجّية خبر الواحد حتى في الموضوعات ، وهناك بحوث كثيرة في هذا الصدد ـ ليس هنا مجال شرحها

إضافة إلى ذلك فإنّه لا يمكن إنكار أنّ مسألة الاعتماد على الأخبار الموثقة هي أساس التاريخ والحياة البشرية. بحيث لو حذفنا مسألة حجيّة خبر العادل أو الموثّق من المجتمعات الإنسانية لبطل كثير من التراث العلمي والمعارف المتعلّقة بالمجتمعات البشرية القديمة وحتى كثير من المسائل المعاصرة التي نعمل على ضوئها اليوم

ولا يرجع الإنسان إلى الوراء فحسب ، بل تتوقف عجلة الحياة ، لذلك فإنّ العقلاء جميعا يرون حجّيته والشارع المقدّس أمضاه أيضا «قولا وعملا».

وبمقدار ما يعطي خبر الواحد «الثقة» الحياة نظامها فإنّ الاعتماد على الأخبار غير الموثّقة خطير للغاية ، ومدعاة إلى اضطراب نظام المجتمع ، ويجر الوبال والمصائب المتعدّدة ، ويهدّد الحيثيات وحقوق الأشخاص بالخطر ويسوق الإنسان إلى الانحراف والضلال وكما عبّر القرآن الكريم تعبيرا طريفا في الآية محل البحث :( فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) .

وهنا لطيفة تسترعي الانتباه أيضا ، وهي أنّ صياغة الأخبار الكاذبة والتعويل على الأخبار غير الموثّقة من الأساليب القديمة التي تتّبعها النظم الاستعمارية والديكتاتورية لتخلق جوّا كاذبا ينخدع به الجهلة من الناس والمغفّلون فتنهب أموالهم وأرصدتهم بهذه الأساليب وما شاكلها

فلو عمل المسلمون بهذا الأمر الإلهي الوارد في هذه الآية على نحو الدقّة ولم

٥٢٨

يأخذوا بأخبار الفاسقين دون تبيّن لكانوا مصونين من هذه البلايا الخطيرة!

والجدير بالذكر أنّ المسألة المهمّة هنا هي الوثوق والاعتماد على الخبر ذاته ، غاية ما في الأمر قد يحصل هذا الوثوق من جهة الاعتماد على الشخص المخبر تارة ، وتارة من القرائن الأخر الخارجية ولذلك فإنّنا قد نطمئن إلى «الخبر» أحيانا وإن كان «المخبر» فاسقا

فعلى هذا الأساس ، فإنّ هذا الوثوق أو الاعتماد كيف ما حصل ، سواء عن طريق العدالة والتقوى وصدق القائل أم عن طريق القرائن الخارجية ، فهو معتبر عندنا ، وسيرة العقلاء التي أمضاها الشارع الإسلامي مبنية على هذا الأساس

ولذا فإنّنا نرى في الفقه الإسلامي كثيرا من الأخبار ضعيفة السند لكن لأنّها جرى عليها «عمل المشهور» ووقف على صحة الخبر من خلال قرائن خاصة ، فلذلك أصبحت هذه الأخبار (الضعيفة السند) صالحة للعمل وجرت فتاوى الفقهاء على وفقها.

وعلى العكس من ذلك قد تقع أخبار عندنا قائلها معتبر ولكنّ القرائن الخارجية لا تساعد على قبوله ، فلا سبيل لنا إلّا الاعراض عنه وإن كان المخبر عادلا و «معتبرا»

فبناء على هذا ـ إنّ المعيار هو الاعتماد على الخبر نفسه ـ في كلّ مكان ـ وإن كان الغالب كون الوسيلة هي عدالة الراوي وصدقه ـ لهذا الاعتماد ـ إلّا أنّ ذلك ليس قانونا كليّا. (فلاحظوا بدقّة).

والآية التالية ـ وللتأكيد على الموضوع المهم في الآية السابقة ـ تضيف قائلة :( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) (١) .

وتدلّ هذه الجملة ـ كما قاله جماعة من المفسّرين أيضا ـ أنّه بعد أن أخبر

__________________

(١) كلمة «لعنتّم» : مشتقّة من مادة العنت ومعناه الوقوع في عمل يخاف الإنسان عاقبته أو الأمر الذي يشقّ على الإنسان ، ومن هنا قيل للألم الحاصل من العظم المكسور عند تعرّضه للضربة بأنّه عنت

٥٢٩

«الوليد» بارتداد طائفة «بني المصطلق» ألحّ جماعة من المسلمين البسطاء السذّج ذوي النظرة السطحية على الرّسول أن يقاتل الطائفة آنفة الذكر

فالقرآن يقول : من حسن حظّكم أنّ فيكم رسول الله وهو مرتبط بعالم الوحي فمتى ما بدت فيكم بوادر الانحراف فسيقوم بإرشادكم عن هذا الطريق ، فلا تتوقّعوا أن يطيعكم ويتعلّم منكم ولا تصرّوا وتلحّوا عليه ، فإنّ ذلك فيه عنت لكم وليس من مصلحتكم

ويشير القرآن معقّبا في الآية إلى موهبة عظيمة أخرى من مواهب الله سبحانه فيقول :( وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ) .

وفي الحقيقة أنّ هذه التعابير إشارة لطيفة إلى قانون اللطف أي «اللطف التكويني».

وتوضيح ذلك أنّه حين يريد الشخص الحكيم أن يحقّق أمرا فإنّه يوفّر له جميع ما يلائمه من كلّ جهة ويصدق هذا الأصل في شأن الناس تماما

فالله يريد أن يطوي الناس جميعا طريق الحق دون أن يقعوا تحت تأثير الإجبار بل برغبتهم وإرادتهم ، ولذا يرسل إليهم الرسل والكتب السماوية من جهة ، ويحبّب إليهم الإيمان من جهة أخرى ، ويضري شعلة العشق نحو طلب الحق والبحث عنه في داخل النفوس ويكرّه إليها الكفر والفسوق والعصيان

وهكذا فإنّ كلّ إنسان مفطور على حبّ الإيمان والطهّارة والتقوى ، والبراءة من الكفر والذنب.

إلّا أنّه من الممكن أن يتلوّث ماء المعنويات المنصبّ في وجود الناس في المراحل المتتالية وذلك نتيجة للاختلاط بالمحيطات الموبوءة فيفقد صفاءه ويكتسب رائحة الذنب والكفر والعصيان

هذه الموهبة الفطرية تدعو الناس إلى إتباع رسول الله وعدم التقدّم بين يديه.

٥٣٠

وينبغي التذكير بهذه اللطيفة أيضا ، وهي أنّ محتوى الآية لا ينافي المشاورة أبدا ، لأنّ الهدف من المشاورة أو الشورى أن يعرب كلّ عن عقيدته ووجهة نظره ، إلّا أنّ الرأي الأخير والنظر النهائي لشخص النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يستفاد ذلك من آية الشورى أيضا

وبتعبير آخر إنّ الشورى هي موضوع مستقل ، وفرض الرأي موضوع آخر ، فالآية محل البحث تنفي فرض الرأي لا المشاورة.

وفي أنّ المراد من «الفسوق» المذكور في الآية ما هو؟! قال بعض المفسّرين هو الكذب ، إلّا أنّه مع الالتفات إلى سعة مفهومه اللغوي فإنّه يشمل كلّ خروج على الطاعة ، فعلى هذا يكون التعبير بـ «العصيان» بعده تأكيدا عليه ، كما أنّ جملة( وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) تأكيد على الجملة السابقة لها :( حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ ) .

وقال بعضهم إنّ كلمة «الفسوق» إشارة إلى الذنوب الكبيرة في حين أنّ «العصيان» أعم منه إلّا أنّه لا دليل على ذلك

وعلى كلّ حال ، فإنّ القرآن يقرّر قاعدة كلية وعامة في نهاية هذه الآية لواجدي الصفات المذكورة [فيها] فتقول :( أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) .

أي لو حفظتم هذه الموهبة الإلهية «العشق للإيمان والتنفّر من الكفر والفسوق» ولم تلوّثوا هذا النقاء والصفات الفطرية فإنّ الرشد والهداية دون أدنى شكّ في انتظاركم

وممّا يستجلب النظر أنّ الجمل السابقة في الآية كانت بصيغة الخطاب للمؤمنين لكنّ هذه الجملة :( أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) تتحدّث عنهم بصيغة «الغائب» ويبدو أنّ هذا التفاوت في التعبير جاء ليدلّ على أنّ هذا الحكم غير مختصّ بأصحاب النبي ، بل هو قانون عام ، فكلّ من حفظ صفاءه الفطري في أي عصر وزمان هو من أهل الرشد والهداية والنجاة.

أمّا آخر الآيات محل البحث فتوضّح هذه الحقيقة وهي أن محبوبية الإيمان

٥٣١

والتنفّر من الكفر والعصيان من المواهب الإلهية العظمى على البشر إذ تقول :( فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (١) .

فعلمه وحكمته يوجبان أن يخلق فيكم عوامل الرشد والسعادة ويكملها بدعوة الأنبياء إيّاكم ويجعل عاقبتكم الوصول إلى الهدف المنشود «وهو الجنّة».

والظاهر أنّ الفضل والنعمة كليهما إشارة إلى حقيقة واحدة ، هي المواهب الإلهية التي يمنحها عباده ، غاية ما في الأمر أنّ «الفضل» إنّما سمّي فضلا لأنّ الله غير محتاج إليه و «النعمة» إنّما سمّيت نعمة لأنّ العباد محتاجون إليها ، فهما بمثابة الوجهين لعملة واحدة!

ولا شكّ أنّ علم الله بحاجة العباد وحكمته في مجال التكامل وتربية المخلوقات توجبان أن يتفضّل بهذه النعم المعنوية الكبرى على عباده (وهي محبوبية الإيمان والتنفّر من الكفر والعصيان).

* * *

ملاحظات

١ ـ هداية الله وحريّة الإرادة

إنّ الآيات الآنفة تجسيد بيّن لوجهة نظر الإسلام في مسألة «الجبر والإختيار» والهداية والإضلال ، لأنّها توضح هذه اللطيفة ـ بجلاء ـ وهي أنّ الله يهيئ المجال «والأرضية» للهداية والرشد ، فمن جهة يبعث رسوله ويجعله بين الناس وينزل القرآن الذي هو نور ومنهج هداية ؛ ومن جهة يلقي في النفوس العشق للإيمان ومحبّته ؛ والتنفّر والبراءة من الكفر والعصيان ، لكن في النهاية يوكل للإنسان أن يختار ما يشاء ويصمّم بنفسه ، ويشرع سبحانه التكاليف في هذا المجال!

__________________

(١) (فضلا ونعمة) نصبا على أنّهما [مفعولان لأجله] للفعل حبّب إليكم أو أنّهما مفعولان مطلقان لفعلين محذوفين وتقديرهما : هكذا أفضل فضلا وأنعم نعمة

٥٣٢

وطبقا للآيات المتقدّمة فإنّ عشق الإيمان والتنفّر من الكفر موجودان في قلوب جميع الناس دون استثناء وإذا لم يكن لدى بعضهم ذلك فإنّما هو من جهة اخطائهم وسلوكيّاتهم وأعمالهم ، فإنّ الله لم يلق في قلب أيّ شخص حبّ العصيان وبغض الإيمان

٢ ـ القيادة والطاعة

هذه الآيات تؤكد مرّة أخرى أنّ وجود القائد «الإلهي» ضروري لرشد جماعة ما ، بشرط أن يكون مطاعا لا مطيعا وأن يتّبع أصحابه وجماعته أوامره لا أن يؤثّروا عليه ويفرضوا عليه آراءهم (ابتغاء مقاصدهم ومصالحهم).

وهذه المسألة لا تختصّ بالقادة الإلهيين فحسب ، بل ينبغي أن تكون حاكمة في المديرية والقيادة في كلّ مكان. وحاكمية هذا الأصل لا تعني استبداد القادة ، ولا ترك الشورى كما أشرنا آنفا وأوضحنا ذلك.

٣ ـ الإيمان نوع من العشق لا إدراك العقل فحسب

هذه الآيات تشير ضمنا إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الإيمان نوع من العلاقة الإلهية الشديدة «والمعنوية» وإن كانت من الاستدلالات العقلية ولذلك فإنّنا نقرأ حديثا عن الإمام الصادقعليه‌السلام حين سألوه : هل الحب والبغض من الإيمان ، فأجابعليه‌السلام : «وهل الإيمان إلّا الحبّ والبغض»؟! ثمّ تلا هذه الآية :( ... وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) (١) .

وورد في حديث آخر عن الإمام الباقرعليه‌السلام قوله في هذا المجال «وهل الدين

__________________

(١) أصول الكافي ، ج ٢ ، باب الحب في الله والبغض في الله ، الحديث ٥.

٥٣٣

إلّا الحبّ»؟! ثمّ استدلّعليه‌السلام ببعض الآيات منها هذه الآية محل البحث وقال بعدئذ : «الدين هو الحبّ والحبّ هو الدين»(١) .

إلّا أنّه ودون أدنى شكّ يجب أن ترفد هذه المحبّة ـ كما نوّهنا آنفا ـ بالوجوه الاستدلالية والمنطقيّة لتكون مثمرة عندئذ

* * *

__________________

(١) تفسير نور الثقلين ، ج ٥ ، ص ٨٣ ، وص ٨٤.

٥٣٤

الآيتان

( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) )

سبب النّزول

ورد في شأن نزول الآيتين ـ هاتين ـ أنّ خلافا وقع بين قبيلتي «الأوس» و «الخزرج» «وهما قبيلتان معروفتان في المدينة» أدّى هذا الخلاف إلى الاقتتال بينهما وأن يتنازعا بالعصي والهراوات والأحذية فنزلت الآيتان آنفتا الذكر وعلّمت المسلمين سبيل المواجهة مع أمثال هذه الحوادث(١) .

وقال بعضهم : حدث بين نفرين من الأنصار خصومة واختلاف! فقال أحدهما للآخر : سآخذ حقّي منك بالقوة لأنّ قبيلتي كثيرة ، وقال الآخر : لنمض ونحتكم عند

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٩ ، ص ١٣٢.

٥٣٥

رسول الله ، فلم يقبل الأوّل ، فاشتدّ الخلاف وتنازع جماعة من قبيلتيهما بالعصي والأحذية و «حتى» بالسيوف ، فنزلت الآيتان آنفتا الذكر وبيّنت وظيفة المسلمين في مثل هذه الأمور(١) .

التّفسير

المؤمنون أخوة :

يقول القرآن هنا قولا هو بمثابة القانون الكلّي العام لكلّ زمان ومكان :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) (٢) .

وصحيح أنّ كلمة «اقتتلوا» مشتقّة من مادة القتال ومعناها الحرب ، إلّا أنّها كما تشهد بذلك القرآن تشمل كلّ أنواع النزاع وإن لم يصل إلى مرحلة القتال والمواجهة «العسكرية» ويؤيّد هذا المعنى أيضا بعض ما نقل في شأن نزول الآية

بل يمكن القول : إنّه لو توفّرت مقدّمات النزاع كالمشاجرات اللفظية مثلا التي تجرّ إلى المنازعات الدامية فإنّه ينبغي وطبقا لمنطوق الآية أن يسعى إلى الإصلاح بين المتنازعين ، لأنّه يمكن أن يستفاد هذا المعنى من الآية المتقدّمة عن طريق إلغاء الخصوصية.

وعلى كلّ حال ، فإنّ من واجب جميع المسلمين أن يصلحوا بين المتنازعين منهم لئلّا تسيل الدماء وأن يعرفوا مسئوليتهم في هذا المجال ، فلا يكونوا متفرّجين كبعض الجهلة الذين يمرّون بهذه الأمور دون اكتراث وتأثّر! فهذه هي وظيفة المؤمنين الأولى عند مواجهة أمثال هذه الأمور.

ثمّ يبيّن القرآن الوظيفة الثانية على النحو التالي :( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ) ولم تستسلم لاقتراح الصلح( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) .

__________________

(١) تفسير القرطبي ، ج ٩ ، ص ٦١٣٦.

(٢) مع أنّ كلمة (طائفتان) مثنى طائفة ، إلّا أنّ فعلها جاء بصيغة الجمع اقتتلوا لأنّ كلّ طائفة مؤلفة من مجموعة من الأفراد.

٥٣٦

وبديهي أنّه لو سالت دماء الطائفة الباغية والظالمة ـ في هذه الأثناء ـ فإثمها عليها ، أو كما يصطلح عليه إنّ دماءهم هدر ، وإن كانوا مسلمين ، لأنّ الفرض أنّ النزاع واقع بين طائفتين من المؤمنين

وهكذا ـ فإنّ الإسلام يمنع من الظلم وإن أدّى إلى مقاتلة الظالم ، لأنّ ثمن العدالة أغلى من دم المسلمين أيضا ، ولكن لا يكون ذلك إلّا إذا فشلت الحلول السلمية.

ثمّ يبيّن القرآن الوظيفة الثالثة فيقول :( فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ) .

أي لا ينبغي أن يقنع المسلمون بالقضاء على قوة الطائفية الباغية الظالمة بل ينبغي أن يعقب ذلك الصلح وأن يكون مقدّمة لقلع جذور عوامل النزاع ، وإلّا فإنّه بمرور الزمن ما أن يحسّ الظالم في نفسه القدرة حتى ينهض ثانية ويثير النزاع.

قال بعض المفسّرين : يستفاد من التعبير «بالعدل» أنّه لو كان حقّ مضاع بين الطائفتين أو دم مراق وما إلى ذلك ممّا يكون منشأ للنزاع فيجب إصلاحه أيضا ، وإلّا فلا يصدق عليه «إصلاح بالعدل»(١) .

وحيث أنّه تميل النوازع النفسية أحيانا في بعض الجماعات عند الحكم والقضاء الى إحدى الطائفتين المتخاصمتين وتنقض «الاستقامة» عند القضاة فإنّ القرآن ينذر المسلمين في رابع تعليماته وما ينبغي عليهم فيقول :( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (٢) .

والآية التالية تضيف ـ لبيان العلّة والتأكيد على هذا الأمر قائلة :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) .

__________________

(١) تفسير الميزان ج ١٨ ، ص ٣٤٢.

(٢) كلمة «المقسطين» مأخوذة من القسط ومعناها في الأصل التقسيم بالعدل ، وحين ترد على صيغة الفعل الثلاثي قسط على زنة ضرب تعني الظلم والتجاوز على حصّة الآخرين ظلما ، إلّا أنّه حين تأتي ثلاثي مزيد فيقال «أقسط» فإنّها تعني إعطاء الحصة عدلا ، وهل القسط والعدل بمعنى واحد أم لا؟ هناك بحث ذكرناه في ذيل الآية (٢٩) من سورة الأعراف لا بأس بمراجعتها

٥٣٧

فكما تسعون للإصلاح بين الأخوين في النسب ، فينبغي أن لا تألوا جهدا في الدخول بصورة جادّة للإصلاح بين المؤمنين المتخاصمين بعدالة تامّة!

وما أحسنه من تعبير وكم هو بليغ إذ يعبّر القرآن عن جميع المؤمنين بأنّهم «أخوة» وأن يسمّي النزاع بينهم نزاعا بين الأخوة! وأنّه ينبغي أن يبادر إلى إحلال الإصلاح والصفاء مكانه

وحيث أنّه في كثير من الأوقات تحل «الروابط» في أمثال هذه المسائل محل «الضوابط» فإنّ القرآن يضيف في نهاية هذه الآية مرّة أخرى قائلا :( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .

وهكذا تتّضح إحدى أهم المسؤوليات الاجتماعية على المسلمين في ما بينهم في تحكيم العدالة الاجتماعية بجميع أبعادها.

* * *

بحثان

الأوّل : شروط قتال أهل البغي «البغاة»

هناك باب في الفقه الإسلامي بعنوان : «قتال أهل البغي» ضمن كتاب الجهاد ، والمراد منه قتال الظلمة الذين ينهضون بوجه «الإمام العادل في المسلمين» وقد وردت فيهم أحكام كثيرة في هذا الباب

إلّا أنّ ما أثارته الآية الآنفة موضوع آخر ، وهو النزاع الواقع بين الطائفتين المؤمنين ، وليس في هذا النزاع نهوض بوجه إمام المسلمين العادل ولا نهوض بوجه الحكومة الإسلامية الصالحة. وقد أراد بعض الفقهاء أو المفسّرين أن يستفيدوا من هذه الآية «في المسألة السابقة» إلّا أنّ هذا الاستدلال كما يقول الفاضل «المقداد» في «كنز العرفان» خطأ بيّن(١) . لأنّ القيام والنهوض بوجه الإمام

__________________

(١) كنز العرفان في فقه القرآن ، كتاب الجهاد ، باب أنواع أخر من الجهاد ـ الجزء الأول ، ص ٣٨٦.

٥٣٨

العادل موجب للكفر ، في حين أنّ النزاع بيّن المؤمنين موجب للفسق فحسب لا الكفر ، ولذلك فإنّ القرآن المجيد عبّر عن الطائفتين بالمؤمنين وسمّاهم أخوة ، فلا يصحّ تعميم أحكام أهل البغي على أمثال هؤلاء!

ومن المؤسف أنّنا لم نعثر على بحث في الفقه في شأن أحكام هذه الطائفة ، إلّا أنّ ما يستفاد من الآية المتقدمة بضميمة القرائن الأخر وخاصة ما ورد من إشارات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الأحكام التالية!

١ ـ إنّ الإصلاح بين الطوائف المتنازعة «من المسلمين» أمر واجب كفائي.

٢ ـ ينبغي لتحقّق هذا الأمر أن يشرع أوّلا من المراحل البسيطة وأن تراعى قاعدة «الأسهل فالأسهل» إلّا أنّه إذا لم ينفع ذلك فيجوز عندئذ المواجهة المسلّحة بل تلزم أحيانا

٣ ـ ما يسفك من دم البغاة في هذا السبيل وما تذهب منهم من أموال كلّها هدر ، لأنّ حكم الشرع قد امتثل وأديّت الوظيفة الواجبة ، والأصل في مثل هذه الموارد عدم الضمان!

٤ ـ لا حاجة لإذن حاكم الشرع في مراحل الإصلاح عن طريق الكلام والمباحثات ، إلّا أنّه لا بدّ من الإذن عند اشتداد العمل ولا سيما إذا انتهى الأمر إلى سفك الدماء ، فلا يجوز عندئذ الإقدام بأيّ عمل إلّا بأمر الحكومة الإسلامية وحاكم الشرع! إلّا في الموارد التي لا يمكن الوصول إلى حاكم الشرع بأي وجه ، فللعدول عندئذ وأهل الخبرة من المؤمنين أن يتّخذوا القرار الذي يرونه

٥ ـ في حالة ما لو سفكت الطائفة الباغية والظالمة دما من «الجماعة المصلحة» أو نهبت أموالا منها ، فهي ضامنة بحكم الشرع ويجري القصاص منها في صورة وقوع قتل العمد ، وكذلك في مورد تسفك فيه دماء من الطائفة المظلومة أو تتلف منها أموالها فإنّ حكم القصاص والضمان ثابت أيضا وما يقال من أنه بعد وقوع الصلح لا تتحمل الطائفة الباغية مسئولية الدماء المسفوكة والأموال المهدورة لأنّه

٥٣٩

لم تشر إليه الآية ـ محل البحث ـ غير صحيح ، والآية ليست في مقام بيان جميع هذا المطلب ، بل المرجع في مثل هذه الموارد هو سائر الأصول والقواعد الواردة في أبواب القصاص والإتلاف

٦ ـ حيث أنّ الهدف من هذه المقاتلة والحرب حمل الطائفة الباغية على قبول الحق ، فعلى هذا لا تثار في الحرب مسألة «أسرى الحرب والغنائم» لأنّ الطائفتين بحسب الفرض مسلمتان ، إلّا أنّه لا مانع من الأسر مؤقتا لإطفاء نائرة النزاع ولكن بعد حل النزاع والصلح يجب إطلاق الأسرى فورا

٧ ـ قد يتفق أحيانا أن يكون طرفا النزاع باغيين ، فهذا الطرف قتل جماعة من القبيلة الأخرى وسلب ماله ، وذلك الطرف قتل جماعة من هذه القبيلة والطائفة وسلب أموالها دون أن يقنع كلّ منهما بالمقدار اللازم من الدفاع سواء كان الطرفان «الطائفتان» بمستوى واحد من الظلم والبغي أو بعضهما أكثر اعتداء والآخر أقل! وبالطبع فإنّ الحكم في شأن هذا المورد لم يرد صراحة في القرآن ، لكن يمكن أن يستفاد هذا الحكم عن طريق إلغاء الخصوصية من الآية محل البحث ، وهو أنّ وظيفة المسلمين أن يصلحوا بين الطرفين ، وإذا لم يوافقا على الصلح فلا بدّ من قتالهم جميعا حتى يفيء كل إلى أمر الله ، ما ذكرناه آنفا من أحكام في شأن الباغي والظالم جار في الطرفين

وفي ختام هذا الكلام نؤكّد مرّة أخرى أنّ حكم هؤلاء البغاة منفصل عن حكم الذين يقفون بوجه الإمام المعصوم أو الحكومة الإسلامية العادلة ، فإنّ لهذه الطائفة الأخيرة أحكاما أشدّ وأصعب واردة في كتاب الجهاد من الفقه الإسلامي.

الثّاني : أهميّة الأخوة الإسلامية

إنّ جملة :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الواردة في الآيات المتقدّمة واحدة من الشعارات الأساسية و «المتجذّرة» في الإسلام ، فهي شعار عميق ، بليغ ، مؤثر وذو

٥٤٠

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592