في رحاب الزيارة الجامعة

في رحاب الزيارة الجامعة8%

في رحاب الزيارة الجامعة مؤلف:
الناشر: دار الغدير
تصنيف: متون الأدعية والزيارات
ISBN: 964-7165-40-4
الصفحات: 698

  • البداية
  • السابق
  • 698 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 66186 / تحميل: 4618
الحجم الحجم الحجم
في رحاب الزيارة الجامعة

في رحاب الزيارة الجامعة

مؤلف:
الناشر: دار الغدير
ISBN: ٩٦٤-٧١٦٥-٤٠-٤
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

وضعتْ إلاّ على يحيى بن زَكريّا والحسين بن عليِّعليهم‌السلام، قلت: أيّ شيء كان بكاؤها؟ قال: كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثَّوب شبه أثر البراغيث من الدَّم ».

١٣ - حدَّثني أبيرحمه‌الله وعليُّ بن الحسين، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن موسى بن الفضل(*) ، عن حنان « قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : ما تقول في زيارة قبر أبي عبدالله الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه بلغنا عن بعضهم أنّها تَعدِلُ حَجّة وعُمرة؟ قال: لا تعجب بالقول هذا كلّه(١) ، ولكن زُرْه ولا تجفه فإنَّه سيِّد الشُّهداء؛ وسيِّد شَباب أهل الجنّة، وشبيهه يحيى بن زَكريّا وعليهما بكتِ السّماء والأرض ».

حدَّثني أبي؛ ومحمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصَفّار، عن عبدالصَّمد بن محمّد، عن حَنان بن سَدير، عن أبي عبداللهعليه‌السلام مثله سواء.

حدَّثني أبي - رحمه الله تعالى - وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن أحمدَ بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن حَنان بن سَدير، عن أبي عبداللهعليه‌السلام مثله.

١٤ - وبهذا الإسناد عن أحمدَ بن محمّد بن عيسى - عن غير واحدٍ - عن جعفر بن بَشير، عن حمّاد، عن عامِر بن مِعقَل، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: كان قاتل يحيى بن زكريّا ولد زنا، وقاتل الحسينعليه‌السلام ولد زنا، ولم تبكِ السّماء عَلى أحدٍ إلاّ عليهما، قال: قلت: وكيف تبكي؟ قال: تطلع الشَّمس في حمرة، وتغيب في حمرة ».

حدَّثني محمّد بن جعفر القرشيّ، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير بإسناده مثله.

١٥ - وحدَّثني أبي؛ وعليُّ بن الحسين - رحمهما الله - جميعاً، عن سعد بن

__________________

١ - في بعض النّسخ، وفي البحار: « لا تعجب، ما أصاب مَن يقول هذا كلّه ». وقال المجلسي ( ره ) -: قوله: « ما أصاب » محمولٌ على التّقيّة.

* - فيه كلام، راجع ص ٣٠٥.

١٠١

عبدالله، عن أحمدَ بنِ محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليٍّ الوَشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن عبدالله بن هِلال، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: سمعته يقول: إنَّ السَّماء بَكَتْ على الحسين بن عليٍّ ويحيى بن زَكريّا، ولم تبكِ على أحدٍ غيرهما، قلت: وما بُكاؤها؟ قال: مَكثوا أربعين يوماً تطلع الشّمس بحُمْرَة وتَغرُب بحُمرَة، قلت: فذاك بُكاؤها؟ قال: نَعَم ».

١٦ - وعنهما، عن سعد بن عبدالله، عن أحمدَ بن محمّد، عن البرقيِّ محمّد بن خالد، عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسنيِّ، عن الحسن بن الحكم النَّخَعيِّ، عن كثير بن شِهاب الحارثيّ « قال: بينما نحن جلوس عند أمير المؤمنينعليه‌السلام في الرُّحْبَة إذ طلع الحسين عليه فضَحِك عليُّعليه‌السلام ضَحْكاً حتى بَدَتْ نَواجِذُه، ثمَّ قال: إنّ الله ذكر قوماً وقال: «فَما بَكَتْ عَلَيْهمُ السَّماءُ وَالأرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرينَ »، والّذي فَلَق الحبَّةَ وبرَأ النَّسَمَةَ ليُقتلنَّ هذا ولتبكينّ عليه السَّماء والأرض ».

١٧ - وحدَّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن أحمدَ بن محمّد، عن البرقيِّ، عن عبدالعظيم الحسنيِّ، عن الحسن(١) ، عن أبي سَلَمَة « قال: قال جعفر بن محمّدعليهما‌السلام : ما بكتِ السَّماء والأرض إلاّ على يحيى بن زَكريّا والحسينعليهم‌السلام ».

١٨ - حدَّثني أبي؛ وأخي - رحمهما الله - عن أحمدَ بن إدريس؛ ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن العَمْرَكي بن عليٍّ البوفكيِّ قال: حدَّثنا يحيى - وكان في خدمة أبي جعفر الثّانيعليه‌السلام - عن عليِّ(٢) ، عن صَفوانَ الجمّال، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: سألته في طريق المدينة - ونحن نُريد المكّة - فقلت: يا ابن رسول الله ما لي أراك كئيباً حَزيناً مُنْكسراً؟! فقال: لو تسمع ما أسمع لشَغَلَك عن مسألتي، قلت: فما الَّذي تَسمَعُ؟! قال: ابتهال الملائِكة إلى اللهِ(٣) عزَّوجلَّ على قَتَلةِ أمير المؤمنين وقتلة الحسينعليهما‌السلام ، ونوح الجنّ وبُكاء الملائكة الَّذين حوله وشدَّة

__________________

١ - الظّاهر هو ابن الوشّاء، أو المراد ما تقدّم « ابن الحكم النّخعيّ »، والأوّل أظهر، وأبو سلمة هو سالم بن مُكرم.

٢ - كأنّه ابن الحكم الكوفيّ الثّقة.

٣ - ابتهل إلى الله: تضرّع ودعا.

١٠٢

جَزعِهم، فمن يتهنّأ مع هذا بطعام أو بشراب أو نوم؟!! - وذكر الحديث - ».

١٩ - حدَّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله؛ وعبدالله بن جعفر الحِميريّ، عن أحمدَ بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد البرقيِّ، عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسنيِّ العَلويّ، عن الحسن بن الحكم النّخعيِّ، عن كثير ابن شِهاب الحارثيِّ « قال: بينما نحن جلوس عند أمير المؤمنينعليه‌السلام بالرُّحْبة إذ طلع الحسينعليه‌السلام قال: فضحك عليٌّعليه‌السلام حتّى بَدَتْ نَواجذه، ثمَّ قال: إنّ الله ذكر قوماً فقال: «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ »، والَّذي فَلَق الحَبّة وبَرَأ النَّسَمَة لَيقتلنَّ هذا ولتبكينَّ عليه السّماء والأرض »(١) .

٢٠ - وعنه، عن نَصر بن مُزاحم، عن عُمَرَ بن سعد(٢) قال: حدَّثني أبو مُعْشر، عن الزُّهْريّ « قال: لمّا قتل الحسينعليه‌السلام أمطرتِ السّماء دماً ». وقال عمر بن سعد: وحدَّثني أبو مَعْشَر، عن الزَّهريّ « قال: لمّا قتل الحسينعليه‌السلام لم يبق في بيت المَقْدِس حَصاةٌ إلاّ وجد تحتها دمٌ عَبيط ».

٢١ - حدّثني أبيرحمه‌الله عن(٣) محمّد بن الحسن بن مَهزيار(٤) ، عن أبيه، عن عليِّ بن مَهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن فَضالَة بن أيّوبَ، عن داودَ ابن فَرْقَد « قال: سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول: كان الَّذي قَتَلَ الحسينَ بنَ عليٍّعليهما‌السلام ولد زنا، والَّذي قَتل يحيى بن زَكريّا ولد زنا، وقال: احمرَّتِ السَّماء حين قُتل الحسين بن عليٍّ سنة، ثمّ قال: بَكتِ السَّماء والأرض على الحسين بن عليٍّ وعلى يحيى بن زَكريّا، وحُمرتها بُكاؤها ».

* * * * *

__________________

١ - تقدّم الخبر آنفاً بتفاوت يسير تحت رقم ١٦.

٢ - تقدّم ذكره في ص ٧١، وأبو مَعشَر هو يوسف بن يزيد البرّاء العطّار، المعنون في تهذيب التّهذيب.

٣ - كذا في النّسخ والبحار، والظّاهر تصحيف الواو بـ « عن ».

٤ - هو محمّد بن الحسن بن عليّ بن مهزيار.

١٠٣

الباب التّاسع والعشرون

( نوح الجنِّ على الحسين بن عليٍّ عليهما السلام)

١ - حدَّثني محمّد بن جعفر القرشيُّ الرَّزَّاز، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن نصر بن مُزاحِم، عن عُمَرَ بنِ سعد، عن عَمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن اُمّ سلمة زوجة النَّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله قالتْ: ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض الله نبيَّه إلاّ اللَّيلة، ولا أراني إلاّ وقد أصبت بابني الحسين، قالتْ: وجاءت الجنّيَّة منهم وهي تقول:

أيا عَينايّ فَانْهَمِلا بِجهْدٍ

فَمنْ يَبْكي عَلى الشُّهداء بَعْدي

عَلى رَهْطٍ تُقُودُهُمُ المنايا

إلى مُتَجبِّرٍ مِنْ نَسْلِ عَبْد (١)

٢ - حدّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن يعقوب بن يزيد، عن إبراهيم بن عُقْبَة، عن أحمدَ بن عَمرو بن مسلم، عن المَيثميّ(٢) « قال: خمسة من أهل الكوفة أرادوا نصر الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام فمرُّوا(٣) بقرية يقال لها: شاهيّ(٤) إذ أقبل عليهم رَجلان: شيخٌ وشابٌّ فسلّما عليهم، قال: فقال الشّيخ: أنا رَجلٌ من الجنّ وهذا ابن أخي أردنا نَصرَ هذا الرَّجل المظلوم، قال: فقال لهم الشّيخ الجنّي: قد رَأيت رأياً، فقال الفتية الإنسيّون: وما هذا الرَّأي الَّذي رأيت؟ قال: رأيت أن أطير فآتيكم بخبر القوم فتذهبون على بصيرة، فقالوا له: نِعْمَ ما

__________________

١ - في أمالي الصّدوق: « في ملك عبد ». وقوله: « فانهملا » فيه: « فانهملي ».

٢ - كان من أولاد ميثم التّمّار، وهو أحمد بن الحسن بن إسماعيل، مِن أصحاب الكاظمعليه‌السلام ، وهو ثقة.

٣ - في البحار: « فعرّسوا ».

٤ - قال العلاّمة الأمينيرحمه‌الله : « شاهي » موضع بقرب القادسيّة، وأظنّها تنسب إلى شاه بن شاه بن لان بن نريمان الّذي هبط إلى تلك الدّيار بأمر كسرى بن هرمز لمحاربة الأتراك النّازلة بها.

١٠٤

رأيتَ، قال: فغابَ يومه وليلته، فلمّا كان من الغد إذا هم بصَوتٍ يسمعونه ولا يَرَونَ الشّخص وهو يقول:

وَاللهِ ما جِئتُكُمْ حَتّى بَصُرْتُ بِهِ

بِالطَّفِّ مُنْعَفَر الخَدَّينِ مَنحُورا

وَحَولَهُ فِتْيَةٌ تَدْمي نُحورُهُم

مِثْلَ المصابيح يَملُونَ (١) الدُّجى نُورا

وَقَدْ حَثَثْتُ قَلوصي (٢) كَيْ اُصادِفَهم

مِن قَبْلِ ما أنْ يُلاقُوا الخُرُدُ الحُورا (٣)

كان الحُسَينُ سِراجاً يُسْتَضاءُ بِهِ

اللهُ يَعْلم أنّي لم أقُلِ زُورا

مجاوِراً لِرَسُولِ اللهِ في غُرَفٍ

وَلِلْبَتول (٤) وَلِلطَّيّارِ مَسْرُورا

 فأجابه بعض الفِتْية من الإنسِيّين يقول:

اذْهَبْ فلا زالَ قَبرٌ أنْتَ ساكِنُهُ

إلى القِيامَةِ يَسْقَى الْغَيث ممطُورا

وَقَدْ سَلَكْتُ سَبيلاً أنْتَ سالِكُهُ

وَقَدْ شَرِبْتُ بكَأسٍ كانَ مَغْزورا (٥)

وفِتْيَةٌ فَرَّغُوا لله أنْفُسَهُم

وفارَقُوا المالَ والأحْبابَ والدُّورا

 ٣ - حدَّثني حكيم بن داودَ بنِ حكيم، عن سَلَمة بن الخطّاب قال: حدّثني عُمَرُ بن سعد؛ وعَمروُ بنُ ثابت، عن أبي زياد القَندي (٦) « قال: كان

__________________

١ - في مجالس المفيد: « يعلون ».

٢ - القلوص: بالفتح -: النّاقة الطّويلة القوائم، خاصّ بالإناث.

٣ - قال الفيروزآبادي: « الخَرِيدُ، وبِهَاءٍ، والخَرودُ: البِكْر لم تُمْسَس، أو الخَفِرَةُ الطَّويلةُ السُّكوتِ، الخافِضَةُ الصَّوتِ المُتَسَتَّرَةُ، والجمع: خَرائِد وخُرُد و [خُرَّد] » وقال الشّارح في التّاج: الأخيرة ( يعني خُرَّد ) نادرة، لاُنّ فعيلة لا تجمع على فُعَّل. وفي البحار - نقلاً عن أمالي الشّيخ ومجالس المفيد « الحرد » - بالحاء المهملة -، وله بيان راجع ج ٤٥ ص ٢٤٠.

٤ - في مجالس المفيد: « وللوصيّ ».

٥ - في القاموس: « الغَزير: الكثير من كلّ شي ء، ومن الآبار والينابيع: الكثيرة الماء ». وفي بعض النّسخ: « مغروراً » بالرّاء المهملة. وما في المتن مثل ما في البحار.

٦ - كذا في النّسخ، وفي مجمع الزّوائد الهيثميّ: « عن أبي جناب الكلبيّ » مكان « عن أبي زياد القنديّ »، وفيه: « قال: حدّثني الجصّاصون قالوا: كنّا إذا خرجنا إلى الجبّان باللَّيل عند مقتل الحسين سمعنا الجنّ ينوحون عليه ويقولون: مسح الرّسول - إلخ ».

١٠٥

الجَصّاصون (١) يسمعون نَوحَ الجنِّ حين قُتل الحسينعليه‌السلام في السَّحر بالجَبّانَة (٢) وهم يقولون:

مَسَحَ الرَّسُولُ جَبينَهُ

فَلَهُ بَريقٌ في الخدُود

أبَواهُ مِنْ عُلْيا قُرَيْشٍ

جَدُّهُ خَيرُ الجدُودِ

 ٤ - حدَّثني حكيم بن داود بن حكيم، عن سَلَمة بن الخطّاب قال: قال عُمَرُ بن سعد: حدَّثني الوليد بن غَسّان - عمّن حدَّثه - « قال: كانت الجنّ تنوح على الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام تقول:

لمنِ الاُبْياتُ بِالطَّفِّ عَلى كُرْه بَنينه

تلك أبياتُ الحسين يَتَجاوَبْنَ الرَّنيِنَه (٣)

٥ - حدَّثني حكيم بن داود بن حكيم، عن سَلَمة قال: حدَّثني أيّوب بن سليمانَ بن أيّوب الفَزاري(٤) ، عن عليِّ بن الحَزَوَّر(٥) « قال: سمعت ليلى وهي تقول: سمعت نوح الجنّ على الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام وهي تقول:

يا عينُ جُودي بالدُّمُوعِ فإنَّما

يَبْكي الحَزِينُ بِحُرْقَةٍ وتَفَجَّع

يا عَينُ ألْهاكَ الرِّقابُ بِطيبةٍ

مِنْ ذِكْرِ آل مُحَمَّدٍ وَتَوجّع

باتَتْ ثَلاثاً بالصَّعيدِ جُسُومُهُمْ

بَين الوُحوشِ وكُلُّهم في مَصْرَع

٦ - حدَّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين، عن نَصر بن مُزاحم، عن عبدالرَّحمن بن أبي حمّاد، عن أبي ليلى الواسِطيّ، عن

__________________

١ - الجصّ - بفتح الموحّدة وكسرها -: ما تُطلى به البيوت، والجصّاص: عامله.

٢ - الجبّانة - بالفتح ثمّ التّشديد -؛ والجبّان في الأصل الصّحراء، وأهل الكوفة يسمّون المقابر جبّانة كما يسمّيها أهل البصرة المقبرة، وبالكوفة محالّ تسمّى بهذا الاسم وتضاف إلى القبائل. ( المعجم ).

٣ - الرَّنين: الصّوت مطلقاً وقيل: الصّوت مع بكاء، وفي أساس البلاغة: سمعت له رنّة ورَنيناً، أي صيحة حزينة.

٤ - نسبة إلى حيٍّ من غَطَفان أبوها فَزارة بن ذُبيان.

٥ - الحَزَوَّر - بالحاء المهملة والزّاي المفتوحتين، والواو المشدّدة بعدها راء -.

١٠٦

عبدالله بن حَسّان الكِنانيّ قال: بَكتِ الجنُّ على الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام فقالت:

ماذا تَقُولونَ إذْ قالَ النَّبي لَكم

ماذا فَعلْتم وَأنْتم آخِرُ الاُمم؟

بأهْلِ بَيْتي وإخْواني ومَكْرُمَتي

مِنْ بَين أسْرى وَقَتْلى ضُرِّجُوا بِدَم؟

٧ - حدَّثني حكيم بن داودَ بنِ حكيم قال: حدَّثني سَلَمةُ قال: حدَّثني عليُّ بن الحسن(١) ، عن مُعَمّر بن خَلاّد، عن أبي الحسن الرّضاعليه‌السلام « قال: بينما الحسينعليه‌السلام يسير في جوف اللّيل وهو متوجّه إلى العِراق وإذا برجل يَرتجز ويقول:؛

وحدّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن أحمدَ بن محمّد بن عيسى، عن مُعمّر بن خلاّد، عن الرّضاعليه‌السلام ، مثل ألفاظ سَلَمَةَ، قال: وهو يقول:

يا ناقَتي لا تَذْعَري مِنْ زَجْري

وشَمِّري قَبْل طُلُوعِ الْفَجر

بِخَيرِ رُكْبانٍ وخَيْر سَفْرِ

حتّى تَحلّى بِكَريمِ النّجْر

بماجِد الجدِّ رَحيبِ الصَّدْرِ

أتى بِهِ اللهُ (٢) لِخير أمر

 ثَمَّتَ أبقاهُ بقاءَ الدَّهْر

سَأمْضي وما بِالمَوتِ عارٌ عَلى الْفَتى

إذا ما نَوى حَقّاً وجَاهَد مُسْلِماً

وآسَى الرِّجالَ الصّالِحينَ بنَفسِه

وفارَقَ مَبْثوراً وخالَفَ مُجْرماً

فَإنْ عِشْتُ لَمْ أنْدَم وَإنْ مِتُّ لَمْ اُلَم

كَفى بِكَ ذُلا أنْ تَعيشَ وَترْغَماً (٣)

٨ - حدَّثني أبيرحمه‌الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله بن أبي خَلَف، عن محمّد بن يحيى المُعاذيِّ قال: حدَّثني الحسين(٤) بن موسى الأصمّ، عن عَمرو، عن جابر(٥) ، عن محمّد بن عليّعليهما‌السلام « قال: لمّا همَّ الحسينعليه‌السلام « قال: لمّا همَّ الحسينعليه‌السلام بالشُّخوص من المدينة أقْبَلَتْ نساءُ بني عبدالمطّلب فاجتمعن للنِّياحة مشى فيهنِّ

__________________

١ - الظّاهر هو ابن فضّال.

٢ - كذا في النّسخ، ولعلّ الصّواب: « أثابه الله ».

٣ - في بعض النّسخ: « كفى بك موتاً أن تذلّ وتغرماً ».

٤ - في بعض النّسخ، « الحسن ».

٥ - هو جابر بن يزيد الجعفيّ الكوفيّ، وراويه هو عمرو بن شمر الجعفيّ الكوفيّ.

١٠٧

الحسينعليه‌السلام فقال: أنشدكنّ الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله، فقالت له نِساء بني عبدالمطّلب: فلمن نستبقي النِّياحة والبُكاء فهو عندنا كيوم مات فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليٌّ، وفاطمةُ ورقيّةُ وزينبُ واُمُّ كلثوم (١) ؟!! فننشدك الله جعلنا الله فِداك من الموت، يا حبيب الأبرار من أهل القبور، وأقبلتْ بعض عَمَاته تبكي وتقول: اشهد يا حسين لقد سمعتُ الجنَّ ناحَتْ بنَوحِك وهم يقولون:

فإنَّ قَتيلَ الطَّفِّ مِن آلِ هاشِم

أذلَّ رِقاباً مِنْ قُرَيْش فَذَلت

حَبيبُ رَسولِ اللهِ لم يَكُ فاحِشاً

أبانَتْ مُصيبَتُكَ الاُنوفَ وَجَلَّت

 وقلن أيضاً:

بَكُّوا (٢) حُسَيناً سَيِّداً

وَلِقَتْلِهِ شابَ الشَّعَر

وَلِقَتْلِهِ زَلْزَلتم

وَلِقَتْلِهِ انْخَسَفَ القَمَر (٣)

وَاحْمَرَّت آفاقُ السَّماءِ

مِنَ الْعَشيَّةِ وَالسَّحَر

وَتَغَبّرَتْ شَمْسُ الْبِلاد

بهم واظلَمَتِ الْكُوَر (٤)

ذاكَ ابنُ فاطمةَ المُصابُ

بِهِ الخَلائقُ والبَشَر

أورَثْتنا ذُلا بِهِ

جَدّعَ الاُنوفُ مَعَ الغَرَر

 ٩ - حدَّثني أبيرحمه‌الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن يحيى المُعاذيّ، عن عبّاد بن يعقوبَ، عن عَمرو بن ثابت، عن عمرِ[و] بن عِكرِمَة قال: أصبحنا صَبيحة(٥) قتل الحسينعليه‌السلام بالمدينة فإذا مولى لنا يقول: سمعنا البارِحَةَ مُنادياً ينادي ويقول:

أيُّها القاتِلونَ ظلماً (٦) حُسَيناً

أبْشِرُوا بالْعَذابِ والتَّنْكيل

__________________

١ - كلّهنّ بنات رسول الله صلوات الله عليه وعليهنّ.

٢ - في بعض النّسخ: « أبكي ».

٣ - في جلّ النّسخ: « انكسف القمر ».

٤ - المراد بالشّمس ضياؤها لا اصلها، والكور جمع كورة، وهي البقعة الّتي جمع فيها المساكن والقرى.

٥ - في جلّ النّسخ: « ليلة ».

٦ - في جلّ النّسخ: « جهلاً ».

١٠٨

كلُّ أهلِ السَّماءِ يَدعُو عَلَيكم

مِن نَبيٍّ ومَلأَكٍ وَقَبيل

قد لُعِنْتم عَلى لِسانِ ابن داوُ

دَ وذي الرُّوح (١) حامل الإنجيل

١٠ - حدّثني حكيم بن داودَ بن حكيم، عن سَلَمةَ بنِ الخطّاب قال: حدَّثني عبدالله بن محمّد بن سِنان، عن عبدالله بن القاسم بن الحارث، عن داودَ الرَّقيّ قال: حدَّثتْني جدَّتي أنَّ الجنّ لمّا قتل الحسينعليه‌السلام بَكَتْ عليه بهذه الأبيات:

يا عَينُ جُودي بالعِبَر وابكي فقد حَقّ الخبر

أبكي ابنَ فاطمةَ الَّذي وَرَد الفُراتَ فما صدَر(٢)

الجِنُّ تَبْكي شَجْوَها(٣) لما اُتي مِنْهُ الخَبَر

قُتِلَ الحسينُ وَرَهْطُهُ تَعْساً لِذلِكَ(٤) مِنْ خبر

فلأبْكينَّكَ حُرقَةً عِنْدَ العِشاء وبالسَّحر

ولأبينَّك ما جَرى عِرقٌ وما حمل الشَّجر

* * * * *

الباب الثّلاثون

( دعاء الحمام ولعْنها على قاتل الحسين عليه السلام)

١ - حدَّثني أبيرحمه‌الله وعليُّ بن الحسين، عن عليِّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسين بن يَزيدَ النَّوفَليِّ، عن إسماعيلَ بن أبي زياد السَّكونيِّ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: اتّخذوا الحمام الرَّاعبيّة في بيوتكم(٥) ، فإنّها تلعن قَتلةَ الحسينعليه‌السلام ».

٢ - حدَّثني أبي؛ وأخي؛ وعليُّ بن الحسين؛ ومحمّد بن الحسن جميعاً، عن أحمدَ بن إدريس بن أحمد، عن أبي عبدالله الجامورانيِّ، عن الحسن بن عليِّ بن أبي

__________________

١ - كذا، وفي التّواريخ و « مثير الأحزان » لابن نما: « ابن داوود وموسى وحامل الإنجيل ».

٢ - أي لم يرجع.

٣ - الشّجو: الهمّ والحزن.

٤ - التَّعْس: الهلاك.

٥ - المراد بالرّاعبيّة الحمامة، وهي ترعب في صوتها ترعيباً.

١٠٩

حمزةَ، عن صَندل (١) ، عن داودَ بن فَرْقَد « قال: كنت جالساً في بيت أبي عبداللهعليه‌السلام فنظرت إلى الحمام الرَّاعي يُقَرقِر (٢) طَويلاً، فنظر إليَّ أبو عبداللهعليه‌السلام فقال: يا داودُ أتدري ما يقول هذا الطّير؟ قلت: لا جُعلتُ فِداك، قال: تدعو على على قَتَلة الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام ، فاتّخذوه في منازلكم ».

وحدَّثني أبيرحمه‌الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن أبي عبدالله الجامورانيِّ بإسناده مثله.

الباب الحادي والثّلاثون

( نَوح البوم (٣) ومصيبتها على الحسين عليه السلام)

١ - حدَّثني محمّد بن الحسن بن أحمدَ بنِ الوليد؛ وجماعةُ مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن عيسى بن عُبَيد، عن صفوانَ بن يحيى، عن الحسين بن أبي غُنْدَر، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: سَمعتُه يقول في البومة، قال: هل أحدٌ منكم رآها بالنّهار، قيل له: لا، تَكاد تظهر بالنّهار ولا تظهر إلاّ ليلاً، قال: أما إنّها لم تزل تأوي العمران أبداً، فلمّا أن قتل الحسينعليه‌السلام آلت على نفسها أن لا تأوي العُمْران ابداً ولا تأوي إلاّ الخراب، فلا تزال نهارها صائمة حزينة حتّى يجنّها اللّيل فإذا جنّها اللّيل ( كذا ) فلا تزال ترنّم على الحسينعليه‌السلام حتّى تصبح ».

٢ - حدَّثني حكيم بن داودَ بنِ حكيم، عن سَلَمة بن أبي الخطّاب، عن الحسين بن عليِّ بن صاعد البَربَريِّ قيّماً لقبر الرّضاعليه‌السلام قال: حدَّثني أبي « قال: دخلتُ على الرِّضاعليه‌السلام فقال لي: تَرى هذه البوم ما يقول النّاس؟ قال: قلت: جُعِلتُ فِداك جِئنا نَسألك، فقال: هذه البومة كانت(٤) على عهد جدِّي

__________________

١ - في بعض النّسخ: « صفوان ».

٢ - قرقرت الحمامة والدّجاجة: ردّدت صوتها.

٣ - البوم طائر الظّلام، وهي بالفارسية: « جغد ».

٤ - في البحار: « دخلت على الرّضا عليه السلام فقال لي: ما يقول النّاس؟ قال: قلت: جعلت فداك جئنا نسألك، قال: فقال لي: ترى هذه البومة كانت - إلخ ».

١١٠

رَسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تأوي المنازل والقصور والدُّور، وكانت إذا أكل النّاس الطّعام تطير وتقع أمامَهم، فيرمى إليها بالطّعام وتسقي وترجع إلى مكانها، فلمّا قتل الحسينعليه‌السلام خرجت من العُمران إلى الخراب والجبال والبراري، وقالت: بئس الاُمّة أنتم! قتلتم ابن بنت نبيّكم، ولا آمنكم على نفسي ».

٣ - حدّثني محمّد بن جعفر الرَّزَّاز، عن خاله محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن عليِّ بن فضّال - عن رجل - عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: إنّ البوم لتصوم النّهار فإذا أفطرت تدلّهت(١) على الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام حتّى تصبح ».

٤ - حدّثني عليُّ بن الحسين بن موسى، عن سعد بن عبدالله، عن موسى بن عُمَرَ، عن الحسن بن عليِّ، الميثميِّ(٢) « قال: قال أبو عبداللهعليه‌السلام : يا يعقوب(٣) رأيت بومةً بالنّهار تنفّس قطّ، فقال: لا، قال: وتدري لم ذلك؟ قال: لا، قال: لأنّها تظلُّ يومها صائمة على ما رزقها الله، فإذا جَنّها اللّيل أفطرت على ما رُزقت، ثمَّ لم تزل ترنّم على الحسين بن عليّعليهما‌السلام حتى تصبح ».

الباب الثّاني والثّلاثون

( ثواب مَن بكى على الحسين بن علي عليهما السلام)

١ - حدِّثني الحسن بن عبدالله بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليه‌السلام « قال: كان عليّ بن الحسينعليهما‌السلام يقول: أيّما مؤمنٍ دمعتْ عَيناه لقتل الحسين

__________________

١ - قال في القاموس: « الدَّلْه، ويحرّك، والدلُوه: ذَهاب الفُؤاد من هَمٍّ ونحوه. ودَلَّهه العِشْقُ تَدْليهاً فتَدَلَّه » وفي جلّ النّسخ: « اندبت »، وما في المتن مثل ما في البحار.

٢ - في جلّ نسخ الكتاب: « عن الحسن بن علي الميثمي »، والصّواب ما في المتن.

٣ - كأنّه ابن شعيب بن ميثم الأسديّ الثّقة.

١١١

ابن عليٍّعليهما‌السلام دمعةً حتّى تسيل على خدِّه بوَّأه الله بها في الجنّة غُرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمن دَمَعَتْ عيناه حتّى تسيل على خَدِّه فينا لاُذى مسّنا مِن عَدوِّنا في الدُّنيا بوَّأه الله بها في الجنّة مبوَّأ صِدقٍ، وأيّما مؤمنٍ مَسَّه أذىً فينا فَدَمَعَتْ عيناه حتّى تسيل على خَدِّه مِن مَضَاضةِ (١) ما اُوذِي فينا صرَّف اللهُ عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة مِن سَخطه والنّار ».

٢ - حدّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن أبي عبدالله الجامورانيِّ، عن الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: سمعته يقول: إنَّ البكاء والجزع مكروهٌ للعبد في كلِّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فإنّه فيه مأجورٌ ».

٣ - وحدَّثني محمّد بن جعفر الرَّزَّاز، عن خاله محمّد بن الحسين الزَّيّات، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عُقْبة، عن أبي هارون المكفوف « قال: قال أبو عبداللهعليه‌السلام - في حديث طويل له -: ومَن ذُكِر الحسينُعليه‌السلام عنده فخرج مِن عينه مِن الدُّموع مقدار جناح ذُباب كان ثوابه على الله عزَّوجلَّ ولم يرض له بدون الجنّة ».

٤ - حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة بن الخطاب قال: حدثنا بكار بن أحمد القسام؛ والحسن بن عبدالواحد، عن مخول بن إبراهيم، عن الربيع ابن منذر، عن أبيه « قال: سمعت علي بن الحسينعليهما‌السلام يقول: من قطرت عيناه فينا قطرةً ودمعت عيناه فينا دمعةً بوّأه الله بها في الجنة غُرَفاً يسكنها أحقاباً وأحقاباً ».

٤ - حدَّثني أبيرحمه‌الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن أحمدَ بن محمّد، عن حمزة بن عليَّ الأشعريّ، عن الحسن بن معاوية بن وَهب - عمّن حدّثه - عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان عليُّ بن الحسينعليه‌السلام يقول: - وذكر مثل حديث محمّد بن جعفر الرَّزَّاز سواء(٢) .

__________________

١ - المَضاضَة - بالفتح -: وجع المصيبة. ( البحار ).

٢ - أي ما تقدّم تحت رقم ١.

١١٢

٥ - حدّثني محمّد بن جعفر القُرشيِّ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن عليٍّ، عن ابن أبي عُمَير، عن عليِّ بن المغيرة، عن أبي عُمارة المنشِد « قال: ما ذكر الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام عند أبي عبدالله جعفر بن محمّدعليهما‌السلام في يومٍ قطّ فرُئي أبو عبداللهعليه‌السلام في ذلك اليوم متبسِّماً قطّ إلى اللَّيل ».

٦ - حدَّثني محمّد بن عبدالله بن جعفر الحِميريّ، عن أبيه، عن عليِّ بن محمّد بن سالم، عن محمّد بن خالد، عن عبدالله بن حماد البصريّ، عن عبدالله بن عبدالرَّحمن الأصمّ، عن مِسْمَع بن عبدالملك كِرْدين البصريّ « قال: قال لي أبو عبداللهعليه‌السلام : يا مِسْمَع أنت مِن أهل العِراق؛ أما تأتي قبر الحسينعليه‌السلام ؟ قلت: لا؛ أنا رَجلٌ مشهورٌ عند أهل البصرة، وعندنا مَن يتّبع هوى هذا الخليفة، وعدوّنا كثير مِن أهل القبائل مِن النُّصّاب وغيرهم، ولستُ آمنهم أنْ يرفعوا حالي عند ولد سليمان(١) فيُمثِّلون بي(٢) ، قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلت: نعم، قال: فتجزع؟ قلت: إي والله وأستعبر لذلك حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ فأمتنع مِن الطّعام حتّى يستبين ذلك في وَجهي، قال: رحِمَ الله دَمعتَك، أما إنّك مِن الَّذين يُعدُّون مِن أهل الجزع لنا، والّذينَ يَفرحون لِفَرحِنا ويحزنون لِحُزننا ويخافون لَخوْفنا ويأمنون إذا أمنّا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملكَ الموت بك، وما يلقّونك به مِن البشارة أفضل، ولملك الموت أرقّ عليك وأشدُّ رَحمةً لك من الاُمّ الشّفيقة على ولدها، قال: ثمَّ استعبر واستعبرتُ معه، فقال: الحمد للهِ الّذي فضّلنا على خلقِه بالرَّحمة وخصَّنا أهل البيت بالرَّحمة، يا مِسمَع إنَّ الأرض والسَّماء لتبكي مُنذُ قُتل أمير المؤمنينعليه‌السلام رَحمةً لنا، وما بكى لنا مِن الملائكة أكثر وما رَقأتْ دُموع الملائكة منذ قُتلنا، وما بكى أحدٌ رَحمةً لنا ولما لقينا إلاّ رحمه الله قبل أن تخرج الدَّمعة من عينه، فإذا سالَتْ دُموعُه على خَدِّه، فلو أنَّ قطرةً مِن دُموعِه سَقَطتْ في جهنَّم لأطْفَئتْ حَرَّها حتّى لا

__________________

١ - يعني سليمان بن عبدالملك، والمراد ولده حاكم الكوفة.

٢ - مثّل بفلان أي نكّله، وصنع به صنيعاً يحذّر غيره.

١١٣

يوجد لها حَرٌّ، وإنّ الموجع لنا قلبه ليفرح يوم يرانا عند مَوته فرحَةً لا تزال تلك الفرْحَة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض، وإنّ الكوثر ليفرح بمحبِّنا إذا ورد عليه حتّى أنّه ليذيقه مِن ضروب الطَّعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه، يا مِسْمع مَن شرب منه شَربةً لم يظمأ بعدها أبداً، ولم يستق بعدها أبداً، وهو في بَرْدِ الكافور وريح المِسْك وطعم الزَّنجبيل، أحلى مِن العَسل، وألين مِن الزَّبد، وأصْفى مِن الدَّمع، وأذكى مِن العَنبر يخرج من تَسْنيم (١) ، ويمرُّ بأنهار الجِنان يجري على رَضْراض (٢) الدُّرِّ والياقوت، فيه من القِدْحان أكثرُ من عدد نجوم السَّماء، يوجد ريحه مِن مَسيرةِ ألف عام، قِدْحانه مِن الذَّهب والفِضّة وألوان الجوهر، يفوح في وجه الشّارب منه كلُّ فائحة حتّى يقول الشّارب منه: يا ليتني تركت ههنا لا أبغي بهذا بَدلاً، ولا عنه تَحويلاً، أما إنّك يا [ابن] كِرْدين ممّن تروي منه، وما مِن عَين بَكتْ لنا إلاّ نَعِمَتْ بالنّظر إلى الكوثر وسُقِيتْ منه (٣) ، وأنَّ الشَّارب منه ممّن أحبَّنا ليعطى مِن اللَّذَّة والطَّعم والشَّهوة له أكثر ممّا يعطاه مَن هو دونه في حُبِّنا.

وإنْ على الكوثر أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي يده عصاً مِن عَوسَج يحطم بها أعداءَنا، فيقول الرَّجل منهم: إنّي أشهد الشَّهادتين، فيقول: انطلقْ إلى إمامك فلانٍ فاسأله أنْ يشفع لك، فيقول: تبرَّأ منّي إمامي الَّذي تذكره، فيقول: ارجع إلى ورائِك فقلْ للَّذي كنتَ تتولاّه وتقدِّمه على الخلق فاسأله إذ كان خير الخلق عِندَك أن يشفعَ لك، فإنَّ خيرَ الخلق مَن يَشفَع(٤) ، فيقول: إنّي اُهلك عَطَشاً، فيقول له: زادكَ اللهُ ظَمأُ وزادَكَ اللهُ عَطَشاً.

قلت: جُعِلتُ فِداك وكيف يقدر على الدُّنوّ مِن الحوض ولم يقدر عليه

__________________

١ - هو عين في الجنّه وهو أشرف شراب في الجنّة. ( مجمع البيان ).

٢ - الرّضراض: الحصاء، أو الصِّغار منها.

٣ - إسناد السَّقْي إلى العين مجازيٌّ لسببيّتها لذلك. ( البحار ).

٤ - في بعض النّسخ: « حقيقٌ أن لا يردّ إذا شفع ».

١١٤

غيره؟ فقال: ورع عن أشياء قبيحةٍ، وكفّ عن شتمنا [أهل البيت] إذا ذكرنا، وترك أشياء اجترء عليها غيره، وليس ذلك لِحبّنا ولا لِهوى منه لنا، ولكن ذلك لشدَّة اجتهاده في عبادته وتَدَيُّنه ولما قد شغل نفسه به عن ذكر النّاس، فأمّا قلبه فمنافق ودينه النَّصب واتّباع أهل النَّصب وولاية الماضينَ وتقدُّمه لهما على كلِّ أحدٍ ».

٧ - حدَّثني أبيرحمه‌الله عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن عبدالله بن المغيرة، عن عبدالله بن عبدالرَّحمن الأصمّ، عن عبدالله بن بُكَير الاُرجانيِّ(١) . وحدَّثني أبيرحمه‌الله عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبدالله بن زُرارة، عن عبدالله بن عبدالرَّحمن الأصمّ، عن عبدالله بن بُكَير « قال: حَجَجْتُ مع أبي عبداللهعليه‌السلام - في حديث طويل(٢) - فقلت: ياابن رسول الله لو نُبِش قبرُ الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام هل كان يُصابُ في قبره شيءٌ؟ فقال: ياابن بُكَير ما أعظم مسائِلُك، إنَّ الحسينعليه‌السلام مع أبيه واُمّه وأخيه في منزل رَسول اللهِصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه يُرزقون ويحبون(٣) وأنّه لعَلى يمين العَرش متعلّق ( كذا ) يقول: يارَبِّ أنْجزْ لي ما وَعَدتَني، وإنّه لينظر إلى زُوَّاره، وأنّه أعرف بهم وبأسمائهم وأسماءِ آبائهم وما في رِحالهم من أحَدِهم بولده، وأنّه لينظر إلى مَن يبكيه فيستغفر له ويسأل أباه الاستغفار له، ويقول: أيّها الباكي

__________________

١ - قال العلاّمة الأمينّيرحمه‌الله : أرّجان بفتح أوّله وتشديد ثانيه تارة، وبالتّخفيف اُخرى -: مدينة مِن بلاد فارِس، وفي بعض النّسخ: « ارحمانيّ »، وأظنّه تصحيف أرْخُمانيّ - بالفتح ثم السكون وضم الخاء المعجمة -: بلدة من مدن فارس. و « عبدالله بن بكير » أو « عبدالله بن بكر » - كما في بعض النسخ - ليس هو من ولد أعين، وله ابن اسمه الحسين ابن عبدالله الأرجانيّ.

٢ - سيأتي الخبر بتمامه في باب نوادر الزّيارات تحت رقم ٢.

٣ - فيه سقط، والسّاقط قوله: « كما يرزقون، فلو نُبِشَ في أيّامه لوُجِدَ، وأمّا اليوم فهو حيُّ عند ربّه يرزق وينظر إلى مُعَسكَره، وينظر إلى العرش متى يؤمر أن يحمله - إلخ ». كما يأتي في النّوادر.

١١٥

لَو عَلِمتَ ما أعدّ اللهُ لك لَفَرِحْتَ أكثر ممّا حَزِنْتَ، وإنّه ليستغفر له مِن كلِّ ذنبٍ وخطيئةٍ ».

٨ - حدَّثني حكيم بن داود، عن سَلَمةَ، عن يعقوبَ بن يزيدَ، عن ابن أبي عُمير، عن بكر بن محمّد، عن فُضيل بن يَسار، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: مَن ذُكِرنا عندَه ففاضَتْ عَيناه ولو مثل جَناح بَعُوضةٍ(١) غُفِرَ له ذنوبُه ولو كانت مِثلَ زَبَد البَحر ».

حدَّثني محمّد بن عبدالله، عن أبيه، عن أحمدَ بنِ أبي عبدالله البَرقيِّ، عن أبيه، عن بَكرِ بنِ محمّد، عن أبي عبداللهعليه‌السلام مثله.

٩ - حدَّثني حكيم بن داود، عن سَلَمة بن الخطّاب، عن الحسن بن عليِّ، عن العَلاء بن رَزين القَلاّء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليه‌السلام « قال: أيّما مؤمنٍ دَمَعَتْ عيناه لِقَتلِ الحسينعليه‌السلام دَمْعَةً حتّى تَسيل على خَدِّه بَوَّأه الله بها غُرفاً في الجنّة يَسكنها أحقاباً ».

١٠ - وعنه، عن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن سَيف، عن بَكر بن محمّد، عن فَضَيل بن فَضالة(٢) ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: مَن ذُكِرْنا عِنده ففاضَتْ عَيناه حرَّم اللهُ وَجْهَه على النّار ».

الباب الثّالث والثّلاثون

( مَن قال في الحسين عليه السلام شعراً فبكى وأبْكى)

١ - حدَّثنا أبو العبّاس القُرشيُّ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عُقْبَة، عن أبي هارونَ المكفوف « قال: قال أبو عبداللهعليه‌السلام : يا أبا هارون أنشدني في الحسينعليه‌السلام ؟ قال: فأنشدته فبكى،

__________________

١ - في بعض النّسخ: « مثل جناح ذُباب ».

٢ - عدَّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق عليه السلام، وقال: « الفضيل بن فضالة التّغلبيّ، كوفيّ ». وفي بعض النّسخ: « عن فضيل؛ وفضالة، عن أبي عبدالله عليه السلام ».

١١٦

فقال: أنشدني كما تنشدون - يعني بالرّقّة - قال: فأنشدته:

امْرُرْ عَلى جَدَثِ (١) الحسينِ

فَقُلْ لأعْظُمِهِ الزَّكيَّة

 قال: فبكى، ثمَّ قال: زِدْني، قال: فأنشدته القصيدة الاُخْرى، قال: فبكى، وسمعتُ البكاء مِن خلفِ السَّتر، قال: فلمّا فرغتُ قال لي: يا أبا هارون مَن أنشد في الحسين شِعراً فبكى وأبكى عَشْراً كُتبتْ لهم الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شِعراً فبكى وأبكى خمسةً كُتبت لهم الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كُتبتْ لهما الجنّة، ومَن ذكر الحسينعليه‌السلام عنده فخَرج مِن عينه مِن الدُّموع مِقدار جَناح ذُباب كان ثوابه على الله، ولم يَرضَ له بدون الجنّة ».

٢ - حدَّثني أبو العبّاس(٢) ، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن عليِّ بن أبي عثمان، عن الحسن بن عليِّ بن أبي المغيرة، عن أبي عُمارة المُنْشِد، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: قال لي: يا أبا عُمارة أنْشِدْني في الحسينعليه‌السلام ، قال: فأنشدته فبكى، ثمَّ أنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى، قال: فوالله ما زلتُ أُنشِدُه ويبكي حتّى سَمعتُ البكاء مِن الدَّار، فقال لي: يا أبا عُمارة مَن أنشَدَ في الحسين شِعراً فأبكى خمسينَ فله الجنَّة، ومَن أنشَدَ في الحسين شِعراً فأبكى أربعين فلَه الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شِعراً فأبكى ثلاثين فلَهُ الجنة، ومَن أنشَدَ في الحسينِ شِعراً فأبكى عشرين فلَه الجنّة، ومن أنشدَ في الحسين شِعراً فأبكى عشرة فلَه الجنّة، ومَن أنشَدَ في الحسينعليه‌السلام شِعراً فأبكى واحِداً فله الجنّة، ومَن أنشَدَ في الحسين شِعراً فبكى فلَه الجنّة، ومَن أنشَدَ في الحسين شِعراً فتباكى فلَه الجنّة ».

٣ - حدَّثني محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عُمَير، عن عبدالله بن حسّان، عن ابن أبي شعبة(٣) ، عن عبدالله بن غالب « قال: دخلت على أبي عبداللهعليه‌السلام فأنشدته مَرْثِيةَ الحسينعليه‌السلام ، فلمّا انتهيتُ إلى هذا الموضع:

لَبلِيَّة تَسقو حُسَيناً

بمَسقاةِ الثَّرى غَير التُّرابِ

 فصاحت باكية من وراء السّتر: واأبتاه!!! ».

__________________

١ - الجدث: القبر.

٢ - يعني الرّزّاز.

٣ - هو عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبيّ.

١١٧

٤ - وعنه، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عُقْبَة، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: مَن أنشَدَ في الحسينعليه‌السلام بيت شعرٍ فبكى وأبكى عشرةً فله ولهم الجنّة، ومَن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعةً فله ولهم الجنّة، فلم يزل حتّى قال: مَن أنشد في الحسين بيتاً فبكى - وأظنّه قال: أو تباكى - فله الجنّة ».

٥ - حدَّثني محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيلَ، عن صالح بن عُقْبَة، عن أبي هارونَ المكفوف « قال: دخلت على أبي عبداللهعليه‌السلام فقال لي: أنشِدْني، فأنشدتُه، فقال: لا؛ كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره، قال: فأنشدته:

أُمْرُرُ عَلى جَدَثِ الحُسَينِ

فَقُل لأعْظُمِهِ الزَّكيَّةِ

قال: فلمّا بكى أمسكت أنا، فقال: مُرَّ، فمررت، قال: ثمَّ قال: زِدني زِدني، قال: فأنشدته:

يا مَريمُ قُومي فانْدُبي مَولاكِ

وَعَلى الحُسَين فأسْعِدي بِبُكاكِ

قال: فبكى وتهايج النّساء!! قال: فلمّا أن سَكتن قال لي: يا أبا هارون مَن أنشد في الحسينعليه‌السلام فأبكى عشرة فله الجنّة، ثمَّ جعل ينقّص واحِداً واحِداً حتّى بلغ الواحد، فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحِداً فله الجنّة، ثمّ قال: مَن ذَكرَه فبكى فله الجنّة ».

٦ - وروي عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: لكلِّ شيءٍ ثواب إلاّ الدَّمعة فينا »(١) .

٧ - حدّثني محمّد بن أحمد بن الحسين العسكريّ، عن الحسن بن عليِّ بن مهزيار، عن أبيه، عن محمّد بن سِنان، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عُقْبة، عن أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: مَن أنشد في الحسين بيتَ شعرٍ فبكى وأبكى

__________________

١ - أي ثواب معيّن إلاّ الدّمعة فينا، فلها ثواب لا يعلم حدّه، وذلك كناية عن كثرة الثَواب. وفي البحار: « لكلّ سرّ - إلخ » وله بيان راجع ج ٤٤ ص ٢٨٧.

١١٨

عشرةً فله ولهم الجنّة، ومَن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعةً فله ولهم الجنّة، فلم يزل حتّى قال: مَن أنشد في الحسين بيتاً فبكى - وأظنّه قال: أو تباكى - فله الجنّة ».

الباب الرّابع والثّلاثون

( ثواب مَن شَرِب الماءَ وذَكر الحسين عليه السلام ولعنَ قاتلَه)

١ - حدَّثني محمّد بن جعفر الرَّزَّاز الكوفيُّ، عن محمّد بن الحسين، عن الخشّاب، عن عليِّ بن حَسّان، عن عبدالرَّحمن بن كثير، عن داودَ الرَّقّيّ « قال: كنت عند أبي عبداللهعليه‌السلام إذ استسقى الماءَ، فلمّا شربه رأيته قد استعبر واغْرَورَقتْ عَيناه بدُمُوعِه، ثمَّ قال لي: يا داودُ لعن الله قاتل الحسين، فما مِن عبدٍ شرب الماءَ فذكر الحسينعليه‌السلام ولعنَ قاتله إلاّ كتب الله له مائة ألف حَسَنةٍ، وحطّ عنه مائة ألف سيّئةٍ، ورفع له مائة ألف درجةٍ، وكأنّما أعتق مائة ألف نَسَمةٍ، وحَشَره الله تعالى يوم القيامة ثلجَ الفُؤاد(١) ».

حدَّثني محمّد بن يعقوبَ، عن عليِّ بن محمّد، عن سَهل بن زياد، عن جعفر بن إبراهيم الحَضرَميّ، عن سعد بن سعد مثله(٢) .

الباب الخامس والثّلاثون

( بكاء « عليّ بن الحسين » على « الحسين بن علي » عليهم السلام)

١ - حدّثني أبيرحمه‌الله عن جماعة مشايخي، عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أبي داود المُسترق - عن بعض أصحابنا - عن

__________________

١ - أي مطمئنّة.

٢ - فيه كلام، راجع البحار ج ٤٤ ص ٣٠٣ و ٣٠٤. والخبر مذكور في الكافي ج ٦ ص ٣٩١ وسنده غير ما ذكر في الكتاب، وكذا في البحار.

١١٩

أبي عبداللهعليه‌السلام « قال: بكى عليُّ بن الحسين على أبيه حسين بن عليٍّ صلوات الله عليهما عشرين سَنَة - أو أربعين سَنَة(١) -، وما وضع بين يديه طعاماً إلاّ بكى على الحسين حتّى قال له مولى له: جُعلتُ فِداك يا ابن رَسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون مِن الهالِكين، قال: «إنَّما أشْكُو بَثِّي وَحُزْني إلى اللهِ وأعْلمُ مِنَ اللهِ ما لا يَعْلَمُون (٢) »، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خَنَقَتني العَبرة(٣) لذلك ».

٢ - حدَّثني محمّد بن جعفر الرَّزَّاز، عن خاله محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزَّيّات، عن عليِّ بن أسباط، عن إسماعيلَ بن منصور - عن بعض أصحابنا - « قال: أشرف مولى لعليِّ بن الحسينعليهما‌السلام وهو في سقيفة له ساجدٌ يبكي، فقال له: يا مولاي يا عليَّ بن الحسين أما آنَ لِحُزنك أن ينقضي؟ فرفع رأسَه إليه وقال: ويلك - أو ثَكَلَتكَ اُمُّك - [والله] لقد شكى يعقوبُ إلى رَبّه في أقلّ ممّا رأيت حتّى قال: « يا أسَفى عَلى يُوسُفَ(٤) »، إنّه فَقَدَ ابْناً واحِداً، وأنا رَأيت أبي وجماعة أهل بيتي يُذبَّحون حَولي، قال: وكان عليُّ بن الحسينعليهما‌السلام يميل إلى ولد عقيل، فقيل له: ما بالك تميل إلى بني عَمّك هؤلاء دون آل جعفر؟ فقال: إنّي أذكر يومهم مع أبي عبدالله الحسين بن عليٍّعليهما‌السلام فأرقّ لهم »(٥) .

__________________

١ - الشّكّ من الرّاوي. وعاش السّجّاد بعد أبيهعليهما‌السلام ٣٤ سنة.

٢ - يوسف: ٨٦. وهو قول يعقوبعليه‌السلام حين قال ولده: «تَالله تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أوْ تَكُونَ مِنَ الهلكينَ *قال إنّما أشكو - الآية ». وقال في المجمع: قيل: البث ما أبداه والحزن ما أخفاه.

٣ - خنقه خنقاً عصر حلقه حتى يموت.

٤ - يوسف: ٨٤.

٥ - الّذين قتلوا مع الحسينعليه‌السلام مِن أولاد عقيل ستّة بل سبعة، وهم: ١ - عبدالرّحمن بن عقيل واُمّه اُمّ ولد، ٢ - جعفر بن عقيل، واُمّه اُمّ الثّغر بنت عامر، ٣ - عبدالله بن عقيل، واُمّه اُمّ ولد. ٤ - محمّد بن مسلم بن عقيل، واُمّه اُمّ ولد، ٥ - عبدالله بن مسلم، واُمّه رقية بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام ،

٦ - محمّد بن أبي سعيد الأحول ابن عقيل، اُمّه اُمّ ولد، وهؤلاء مع مسلم بن عقيل صاروا سبعة، وأمّا من أولاد جعفر بن أبي طالب المقتول بكربلاء ثلاثة، وهم: عون بن عبدالله بن جعفر، واُمّه زينب عليها السلام، محمّد وعبيدالله ابنا عبدالله بن جعفر، واُمّهما خوصاء. ثمّ إنّ عقيل عاش معدماً، وعبدالله بن جعفر بخلافه، كما في الإصابة لابن حجر وغيرها.

١٢٠

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

.........................................

____________________________________

مسلم المتقدّم(١) .

وأمّا الأحاديث فهي متواترة في ذلك ، كما صرّح بالتواتر في روضة المتّقين(٢) ومن ذلك :

١ ـ حديث عبد الله بن الوليد قال : قال لي ابو عبد الله عليه السلام : أي شيء يقول الشيعة في عيسى وموسى وأمير المؤمنين عليه السلام؟

قلت : يقولون : إنّ عيسى وموسى أفضل من أمير المؤمنين عليه السلام.

قال : فقال : أيزعمون أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد علم ما علم رسول الله؟

قلت : نعم ، ولكن لا يقدّمون على اُولوا العزم من الرسل أحداً.

قال أبو عبد الله عليه السلام : فخاصمهم بكتاب الله.

قال : قلت : وفي أي موضع منه اُخاصمهم؟

قال : قال الله تعالى لموسى :( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا ) (٣) إنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء وقال الله تبارك وتعالى لعيسى :( وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (٤) وقال الله تعالى لمحمّد صلى الله عليه وآله :( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (٥) .

٢ ـ حديث الحسين بن علوان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «إنّ الله خلق اُولوا العزم من الرسل وفضّلهم بالعلم ، وأورثنا علمهم وفضلهم ، وفضّلنا عليهم في علمهم ، وعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يعلموا ، وعلّمنا علم الرسول صلى الله عليه وآله وعلمهم»(٦) .

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٥٠ ب ١٨ ح ٢.

(٢) روضة المتّقين : ج ٥ ص ٤٨٥.

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٤٥.

(٤) سورة الزخرف : الآية ٦٣.

(٥) سورة النحل : الآية ٨٩.

(٦) بصائر الدرجات : ص ٢٢٧ ب ٥ ح ٢.

٤٦١

.........................................

____________________________________

٣ ـ حديث علي بن إسماعيل عن بعض رجاله قال : قال أبو عبد الله عليه السلام لرجل : تمصّون الثماد(١) وتدعون النهر الأعظم.

فقال له الرجل : ما تعني بهذا يابن رسول الله؟

فقال : عُلّم النبي صلى الله عليه وآله علم النبيين بأسره وأوحى الله إلى محمّد صلى الله عليه وآله فجعله محمّد صلى الله عليه وآله عند علي عليه السلام.

فقال له الرجل : فعلي عليه السلام أعلم أو بعض الأنبياء؟

فنظر أبو عبد الله عليه السلام إلى بعض أصحابه فقال : إنّ الله يفتح مسامع من يشاء ، أقول له : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله جعل ذلك كلّه عند علي عليه السلام فيقول : علي عليه السلام أعلم أو بعض الأنبياء»(٢) .

٤ ـ حديث سدير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «لمّا لقي موسى العالم كلّمه وسائله نظر إلى خطّاف يصفر ويرتفع في السماء ويتسفّل في البحر.

فقال العالم لموسى : أتدري ما يقول هذا الخطّاف؟

قال : وما يقول؟

قال : يقول : وربّ السماء وربّ الأرض ما علمكما ي علم ربّكما إلاّ مثل ما أخذت بمنقاري من هذا البحر.

قال : فقال أبو جعفر عليه السلام أما لو كنت عندهما لسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما فيها علم»(٣) .

__________________

(١) الثماد : جمع الثمد بالفتح وبالتحريك ، هو ماء المطر يبقى محقوناً تحت رمل فإذا كشفت عنه أدّته الأرض.

(٢) بصائر الدرجات : ص ٢٢٧ ب ٥ ح ٤ ، بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ١٩٥ ب ١٥ ح ٣.

(٣) بصائر الدرجات : ص ٢٣٠ ب ٦ ح ٢ ، بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ١٩٦ ب ١٥ ح ٥.

٤٦٢

.........................................

____________________________________

٥ ـ حديث أبي ذرّ الغفاري قال : بينما ذات يوم من الأيّام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثمّ قال :

«يا جندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيّوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقابل [المقبل] الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدرّي ، أشجع الناس قلباً ، وأسخى الناس كفّاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

قال : فالتفت الناس ينظرون من هذا المقبل فإذا هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام»(١) .

فالدليل تامّ صريح على أفضلية أهل البيت عليهم السلام حتّى من الأنبياء اُولي العزم من الرسل.

وهذا المقام السامي تجري فيه الأوصاف التالية في هذه الزيارة المباركة : «حيث لا يلحقه لا حق» الخ.

وفي نسخة الكفعمي : «فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرّمين ، وأفضل شرف المشرّفين».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٣٩ ص ٣٨ ب ٧٣ ح ٩.

٤٦٣

حَيْثُ لا يَلْحَقُهُ لاحِقٌ (١) وَلا يَفُوقُهُ فائِقٌ (٢) وَلا يَسْبِقُهُ سابِقٌ (٣)

____________________________________

(١) ـ يقال : لحقه أي أدركه ، فعدم اللحوق هو عدم الإدراك.

أي لا يلحق ذلك المقام الأسمى والمحلّ الأشرف أحد غيركم ولا يبلغه أيّ واحد ممّن هو دونكم ، بل هو مختصّ بكم أهل البيت لا يدرككم أحد.

فإنّ مناقبهم الجمليلة لا تنتهي إلى حدّ ، إلى حدّ ، ولا تستقصى بالعدّ ، فكيف يلحقها لا حق؟!

كما يدلّ على ذلك حديث الإمام الهادي عليه السلام عند سؤال يحيى بن أكثم منه عن قوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (١) .

قال عليه السلام : «... ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى»(٢) .

(٢) ـ يقال : فاق الرجل أصحابه : أي علاهم في الفضل والشرف وغلبهم.

أي لا يعلوكم ولا يغلبكم في مقامكم الأسمى غالبٌ من المتفوّقين كالأنبياء حتّى اُولي العزم من المرسلين ، غير رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو سيّدكم أهل البيت ، ولا يتوصّل فكر أحدٍ إلى مقامهم الأسمى ، بل تقصر العقول عن الوصول إلى معرفتهم العليا.

كما تجلّى ذلك في قول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الشقشقية : «ولا يرقى إليّ الطير»(٣) .

(٣) يقال : سبق الشيء : أي تقدّمه وتجاوز عنه.

أي لا يتقدّم ولا يتجاوز عن مقاكم الأرفع أحد من السابقين إلى الفضائل. فإنّه إذا لم يتمكّن أحد من أن يلحقهم لم يتمكّن م نسبقهم بالأولوية.

__________________

(١) سورة لقمان : الآية ٢٧.

(٢) الإحتجاج : ج ٢ ص ٢٩٥.

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ٣.

٤٦٤

وَلا يَطْمَعُ فى اِدْراكِهِ طامِعٌ (١) حَتّى لا يَبْقى (٢)

____________________________________

(١) ـ يقال : طمع في الشيء : إذا حرص عليه ورجاه ، ولا مطمع له في هذا الأمر أي أنّه يائس منه ولا أمل له فيه.

فالمعنى أنّه لا يرجو راجٍ من الأنبياء والأوصياء والملائكة الإدراك والوصول إلى المقام الأسمى الذي وصلتم إليه أنتم أهل البيت.

فإنّهم يعلمون أنّه موهبة خاصّة من الله تعالى لكم ، فلا يمكن الوصول إليه بالسعي والجدّ والإجتهاد ، ولا يشاركهم أحد فيه من العباد.

كما تعرف كلّ ذلك من الحديث العلوي الشريف الذي جاء فيه :

«فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ، وسرّ الديّان وكلمته ، وباب الإيمان وكعبته ، وحجّة الله ومحجّته ، وأعلام الهدى ورايته ، وفضل الله ورحمته ، وعين اليقين وحقيقته ، وصراط الحقّ وعصمته ، ومبدؤ الوجود وغايته ، وقدرة الربّ ومشيّته ، واُمّ الكتاب وخاتمته ، وفصل الخطاب ودلالته ، وخزنة الوحي وحفظته ، وآية الذكر وتراجمته ، ومعدن التنزيل ونهايته ...»(١) .

(٢) ـ أي حتّى لم يبق في عالم الأرواح ولا في عالم الأجساد من سائر أصناف الموجودات ، إلاّ وعرّفهم الله تعالى في الكتب الإلهية والصحف السماوية على ألسنة الأنبياء والمرسلين جلالة أمركم.

بل إنّ ولايتهم جعلت في فطرة المكلّفين ، وميثاق اُخذت حتّى من الأنبياء والمرسلين.

كما تدلّ على ذلك الأحاديث الكثار التي عقد لها باب مستقلّ في البحار يشتمل

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ١٧٤ ب ٣ ح ٣٨.

٤٦٥

.........................................

____________________________________

على (٨٨) حديثاً(١) نختار منها ما يلي :

١ ـ حديث التفسير أنّه قال الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ) الآية ، كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوّة ولأمير المؤمنين والأئمّة بالإمامة ، فقال :( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ومحمّد نبيّكم وعلي إمامكم والأئمّة الهادون أئمّتكم؟ فـ( قَالُوا بَلَىٰ ) فقال الله :( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي لئلاّ تقولوا يوم القيامة :( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ) (٢) .

فأوّل ما أخذ الله عزّ وجلّ الميثاق على الأنبياء بالربوبية ، وهو قوله :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ) فذكر جملة الأنبياء ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي فقال : يا محمّد فقدّم رسول الله صلى الله عليه وآله لأنّه أفضلهم( وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) (٣) فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ، ورسول الله أفضلهم»(٤) .

٢ ـ حديث عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ :( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (٥) قال : «التوحيد ، ومحمّد رسول الله ، وعلي أمير المؤمنين عليه السلام»(٦) .

٣ ـ حديث حذيفة بن أسيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثّلوا له ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم»(٧) .

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٢٦٧ ب ٦.

(٢) سورة الأعراف : الآية ١٧٢.

(٣) سورة الأحزاب : الآية ٨.

(٤) المصدر المتقدّم : ص ٢٦٨ ح ٢.

(٥) سورة الروم : الآية ٣٠.

(٦) المصدر المقدّم : ص ٢٧٧ ح ١٨.

(٧) المصدر المتقدّم : ص ٢٨١ ح ٢٧.

٤٦٦

.........................................

____________________________________

٤ ـ حديث حبّة العرني قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : «إنّ الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض ، أقرّ بها من أقرّ وأنكرها من أنكر ...»(١) .

٥ ـ حديث ابن محرز ، عن الإمام الصادق عليه السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم أسماء حجج الله كلّها ثمّ عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم :

قالوا : سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم.

قال الله تبارك وتعالى : يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ، فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته ، ثمّ غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم وقال لهم : ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون»(٢) .

والمستفاد من هذه الأحاديث الشريفة أنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام وجلالة شأنهم قد عُرّفت لجميع المخلوقات في الأرضين والسماوات.

بل عُرضت حتّى على نفس السماوات والأرضين ، والحيوانات والنباتات(٣) ، فكل بقعة آمنت بها جعلها طيّبة زكيّة وجعل ثمرتها ونباتها حلواً عذباً وجعل ماءها زلالاً ، وكلّ بقعة جحدت بها وأنكرتها جعلها سبخاً ، وجعل نباتها مرّاً علقماً كما

__________________

(١) المصدر المتقدّم : ص ٢٨٢ ح ٣٤.

(٢) المصدر المتقدّم : ص ٢٨٣ ح ٣٨.

(٣) بحار الأنوار : ج ٢٣ ص ٢٨١ ب ١٦ ح ٢٧.

٤٦٧

.........................................

____________________________________

في الحديث(١) .

ولا عجب في أن تعرض ولايتهم حتّآ على الجمادات فتصدّقها الطيّبات منها ، بقدرة الله تعالى التي تُنطق كلّ شيء ، وتخلق الشعور في الأشياء.

كما يشهد به النظائر في الكتاب الكريم ، وكذلك الروايات التي ورد فيها نطق الجمادات إعجازاً.

فاسرح الفكر في قوله تعالى :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (٢) .

وقوله تعالى :( قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) (٣) .

وتدبّر في الأحاديث التي تبيّن نطق الحيوانات بأمر المعصومين عليهما السلام وإعجازهم كحديث ابن عبّاس المروي من طريق الفريقين.

قال : خرج أعرابي من بني سليم يدور في البرية ، فصاد ضبّاً فصيّره في كمّه وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : يا محمّد ، أنت الساحر الكذّاب الذي تزعم أنّ في السماء إلهاًَ بعثك إلى الأسود والأبيض؟ فواللات والعزّى لو لا أن يسمّيني قومي العجول لضربتك بسيفي حتّى أقتلك.

فقام عمر بن الخاب ليطش به ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : «مهلاً يا أبا حفص ، فإنّ الحليم كاد أن يكون نبيّاً».

ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله : «يا أخا بني سليم ، هكذا تفعل العرب؟ تأتينا في مجالسنا وتهجونا بالكلام! أسلم يا أعرابي فيكون لك ما لنا ، وعليك ما علينا ، وتكون في الإسلام أخانا».

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٧ ص ٢٨٠ ب ١٧ ح ٤.

(٢) سورة الإسراء : الآية ٤٤.

(٣) سورة فصّلت : الآية ٢١.

٤٦٨

.........................................

____________________________________

فقال : فواللات والعزّى ، لا اُؤمن بك حتّى يؤمن بك هذا الضبّ. وألقى الضبّ من كمّه.

قال : فعدا الضبّ ليخرج من المسجد ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : «يا ضبّ» فالتفت إليه فقال صلى الله عليه وآله له : «من أنا؟».

فقال : أنت محمّد رسول الله.

فقال النبي صلى الله عليه وآله : من تعبد.

فقال : أعبد من اتّخذ إبراهيم خليلاً ، وناجى موسى كليماً ، وإصطفاك حبيباً.

فقال الأعرابي : سبحان الله ، ضبّ إصطدته بيدي ، لا يفقه ولا يعقل ، كلّم محمّداً وشهد له بالنبوّة ، لا أطلب أثراً بعد عين ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله.

وأنشأ يقول :

ألا رسول الله إنّك صادق

فبوركت مهديّاً وبوركت هاديا

شرعت لنا دين الحنيفة بعد ما

غدونا كأمثال الحمير الطواغيا

فياخير مدعوٍّ ويا خير مرسل

إلى الإنس ثمّ الجنّ لبّيك داعيا

فنحن أناس من سليم عديدنا

أتيناك نرجو أن ننال العواليا

فبوركت في الأقوام حيّاً وميّتاً

وبوركت طفلاً ثمّ بوركت ناشيا

فقال النبي صلى الله عليه وآله : «علّموا الأعرابي» فعُلّم سوراً من القرآن»(١) .

__________________

(١) الثاقب في المناقب : ص ٧٣.

٤٦٩

مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلا نَبِىٌّ مُرْسَلٌ ، وَلا صِدّيقٌ (١) ، وَلا شَهيدٌ ، وَلا عالِمٌ وَلا جاهِلٌ ، وَلا دَنِىٌّ وَلا فاضِلٌ (٢) وَلا مُؤْمِنٌ صالِحٌ ، وَلا فِاجِرٌ طالِحٌ (٣) وَلاجَبّارٌ عَنيدٌ (٤)

____________________________________

(١) ـ الصدّيق : هو المداوم على التصديق بما يوجب الحقّ ، والذي عادته الصدق.

(٢) الدنّي : هو الخسيس من الرجال ، والدناءة : النقص.

بينما الفضيلة هي خلاف النقيصة ، وهي الدرجة الرفيعة ، وصاحبها هو الفاضل.

(٣) ـ الصالح : هو صاحب الصلاح ، ويقال : صلح الرجل ، خلاف فسد.

والطالح : ضدّ الصالح ، هو الرجل الفاسد.

(٤) الجبّار : هو المتسلّط والمتكبّر.

والعنيد : هو الجائر عن القصد ، والباغي الذي يردّ الحقّ مع العلم به ، يقال : عَنَد ، أي خالف الحقّ وردّه وهو يعرفه.

٤٧٠

وَلا شَيْطانٌ مَريدٌ (١) وَلا خَلْقٌ فيما بَيْنَ ذلِكَ شَهيدٌ (٢) اِلاّ عَرَّفَهُمْ (٣) جَلالَةَ اَمْرِكُمْ (٤) وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ (٥) وَكِبَرَ شَأنِكُمْ (٦) وَتَمامَ نُورِكُمْ (٧)

____________________________________

(١) ـ المَريد بفتح الميم : هو الخارج عن الطاعة وهو متمكّن منها.

(٢) ـ أي خلق في حدّ الإعتدال شهيد ، أي عالم أو حاضر.

(٣) ـ يقال : عرّفته الشيء أي أدركته واطّلعت عليه.

وحقيقة التعريف : تمييز الشيء بما لا يشتبه بغيره(١) .

(٤) ـ يقال : جلّ فلان جلالةً أي عظم قدْرُه.

فالمعنى : عرّفهم الله تعالى عظمة أمركم أهل البيت.

(٥) ـ عِظَم : على وزن عنب ضدّ الصِغَر.

والخطر : بفتحين هو القدر والمنزلة.

أي عرّفهم عظم قدركم ومنزلتكم عند الله تعالى.

(٦) ـ أي كبر أمركم وحالكم وولايتكم المطلقة.

(٧) ـ أي نوركم التامّ الكامل.

فإنّ أبا الأئمّة أمير المؤمنين عليه السلام خُلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله من نور واحد من نور الله عزّ وجلّ وكذا الصدّيقة الطاهرة والذرّية الباهرة عليهم السلام كما صرّحت به أحاديث معرفتهم بانورانية مثل حديث سلمان وأبي ذر المتقدّم.(٢) وغيره ممّا ذكرناها في فقرة «خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين».

__________________

(١) الشموس الطالعة : ص ٣٧٩.

(٢) بحار الأنوار : ج ٢٦ ص ٣ ب ١٣ ح ١.

٤٧١

وَصِدْقَ مَقاعِدِكُمْ (٤) وَثَباتَ مَقامِكُمْ (٢) وَشَرَفَ مَحَلِّكُمْ وَمَنْزِلَتِكُمْ عِنْدَهُ (٣) وَكَرامَتَكُمْ عَلَيْهِ (٤)

____________________________________

(١) ـ أي أنّكم أهل البيت صادقون في مقاماتكم ومراتبكم السامية ، وهي حقّكم ومرتبتكم المختصّة بكم.

قال العلاّمة شبّر : ولعلّه إشارة إلى قوله تعالى :( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) (١) .

وفي نسخة الكفعمي : «وصدق مقالكم».

(٢) ـ الثبات : هو الإستقرار.

أي إستقرار مقامكم المرضي ، وقيامكم في طاعة الله ومرضاته ومعرفته.

(٣) ـ الشرف : هو العلوّ والمكان العالي ، وسمّي الشريف شريفاً تشبيهاً للعلوّ المعنوي بالعلو المكاني.

أي علوّ مقامكم ومنزلتكم عند الله تعالى.

(٤) يقال : كرُم الشيء أي عزّ ونَقُس ، ومنه التكريم ، والإسم منه الكرامة.

أي عرّفهم كرامتكم وعزّتكم على الله تعالى.

فإنّ النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أعزّ الخلق على الله وأوجههم عند الله ، وببركتهم وصل من وصل إلى عالي المقام وشرافة الأنام ، وبالتوسّل بهم والاستشفاع بمقامهم استجيب دعاء الأنبياء ودعوات الأولياء كما تلاحظ ذلك في أبوابها الكثيرة ومواردها الوفيرة ، نختار منها بعض الأحاديث الشريفة مثل :

١ ـ حديث معمّر بن راشد المتقدّم قال : سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول يهودي النبي صلى الله عليه وآله فقام بين يديه يحدّ النظر إليه ، فقال : يا يهوديّ ما حاجتك؟

__________________

(١) سورة القمر : الآية ٥٥.

٤٧٢

.........................................

____________________________________

قال : أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلّمه الله ، وأنزل عليه التوراة والعصا ، وفلق له البحر ، وأظلّه بالغمام؟

فقال له النبي صلى الله عليه وآله : «إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه ، ولكنّي أقول.

إنّ آدم عليه السلام لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمدّ وآل محمّد لمّا غفرت لي ، فغفرها الله له.

وإنّ نوحاً عليه السلام لمّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني من الغرق ، فنجّاه الله عنه.

وإنّ إبراهيم عليه السلام لمّا اُلقي في النار قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني منها ، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً.

وإنّ موسى لمّا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا آمنتني فقال الله جلّ جلاله :( لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ ) (١) .

يا يهودي إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي وبنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئاً ، ولا نفعته النبوّة.

يا يهودي ومن ذرّيتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم عليه السلام لنصرته فقدّمه وصلّى خلفه»(٢) .

٢ ـ حديث المفضّل قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعلي

__________________

(١) سورة طه : الآية ٦٨.

(٢) بحار الأنوار : ج ١٦ ص ٣٦٦ ب ١٦ ح ٧٢ عن جامع الأخبار : ص ٨ ، أمالي الصدوق : ص ١٨١ ح ٤.

٤٧٣

.........................................

____________________________________

وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم صلوات الله عليهم ، فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم.

فقال الله تبارك وتعالى للسماوات والأرض والجبال : هؤلاء أحبّائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمّة بريّتي ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منهم [و] لهم ولمن تولاّهم خلقت جنّتي ، ولمن خالفهم وعاداهم خلقت ناري.

فمن ادّعى منزلتهم منّي ومحلّهم من عظمتي عذّبته عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين ، وجعلته مع المشركين في أسفل دركٍ من ناري.

ومن أقرّ بولايتهم ولم يدّع منزلتهم منّي ومكانهم من عظمتي جعلتهم معهم في روضات جنّاتي ، وكان لهم فيما ما يشاؤون عندي ، وأبحتهم كرامتي وأحللتهم جواري ، وشفّعتهم في الم ذ نبين من عبادي وإمائي ، فولايتهم أمانة عند خلقي فأيّكم يحملها بأثقالها ويدّعيها لنفسه دون خيرتي؟

فابت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها ، وأشفقن من ادّعاء منزلتها وتمنّي محلّها من عظمة ربّها.

فلمّا أسكن الله عزّ وجلّ آدم وزوجته الجنّة قال لهما :( وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ ) يعني شجرة الحنطة( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١) فنظر إلى منزلة محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة [من] بعدهم فوجداها اشرف منازل أهل الجنّة فقالا : يا ربّنا لمن هذه المنزلة؟

فقال الله جلّ جلاله : ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي ، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة [بعدهم] صلوات الله عليهم

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٣٥.

٤٧٤

.........................................

____________________________________

مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبّار جلّ جلاله.

فقالا : يا ربّنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك ، وما أحبّهم إليك ، وما أشرفهم لديك؟!

فقال الله جلّ جلاله : «لو لا هم ما خلقتكما ، هؤلاء خزنة علي واُمنائي على سرّي ، إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنّيا منزلتهم عندي ، ومحلّهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي وعصياني( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) الحديث(١) .

٣ ـ أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : «لمّا أراد الله عزّ وجلّ أن يهلك قوم نوح عليه السلام أوحى [الله] إليه : أن شقّ ألواح الساج ، فلمّا شقّها لم يدر ما يصنع بها فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت فيه مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار ، فسمرّ بالمسامير كلّها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير ، فضرب بيده إلى مسمار [منها] فأشرق في يده وأضاء كما يضيء الكوكب الدرّي في اُفق السماء ، فتحيّر [من ذلك] نوح ، فأنطق الله [ذلك] المسمار بلسان طلق ذلق فقال له : يا جبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله؟

قال : هذا باسم خير الأوّلين والآخرين : محمّد بن عبد الله ، أسمره في أوّلها على جانب السفينة اليمين.

ثمّ ضرب بيده على مسمارٍ ثانٍ فأشرق وأنار ، فقال نوح : وما هذا المسمار؟ فقال : مسمار أخيه وابن عمّه علي بن أبي طالب فأسمره على جانب السفينة الأيسر في أوّلها.

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار.

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ١١ ص ١٧٢ ب ٣ ح ١٩ ، عن معاني الأخبار : ص ١٠٨ ح ١ باب معنى الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض

٤٧٥

.........................................

____________________________________

فقال : هذا مسمار فاطمة فأسمره إلى جانب مسمار أبيها.

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار.

فقال : هذا مسمار الحسن فأسمره إلى جانب مسمار أبيه.

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار خامس ، فأشرق وأنار وبكى فقال : يا جبرئيل ما هذه النداوة؟

فقال : هذا مسمار الحسين بن علي سيّد الشهداء فأسمره إلى جانب مسمار أخيه.

ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله :( وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) (١) قال النبي صلى الله عليه وآله : الألواح خشب السفينة ، ونحن الدّسر ، [و] لولا نا ما سارت السفينة بأهلها»(٢) .

ومعاجزهم الباهرة تنبىء عن عظيم كرامتهم على الله تعالى ، ومقاماتهم الزاهرة في الدنيا والآخرة تشهد بأنّهم أعزّ الخلق عند الله.

__________________

(١) سورة القمر : الآية ١٣.

(٢) بحار الأنوار : ج ١١ ص ٣٢٨ ب ٣ ح ٤٩.

٤٧٦

وَخاصَّتَكُمْ لَدَيْهِ (١) وَقُرْبَ مَنْزِلَتِكُمْ مِنْهُ (٢)

____________________________________

(١) ـ الخاصّة : مأخوذة من الخصوصية ، يقال : خصّ الشيء خلاف عمَّ ، وفي الدعاء محمّد حبيبك وخاصّتك ، أي اختصصته من سائر خلقك.

فالمعنى عرَّفَهم خصوصيتكم أهل البيت عند الله تعالى.

وقد خصّهم بفضائل ومناقب ومقامات لم يشترك فيها معهم حتّى الأنبياء. فجمعوا عليهم السلام صفات الأنبياء وزادوا عليهم وفاقوهم.

وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة «فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرمين» فلاحظ.

(٢) ـ المنزلة : هي المرتبة ، ومنه الحديث «اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا» أي منزلتهم ومراتبهم في الفضيلة والتفضيل(١) .

أي أنّ الله تعالى عَرَّف من سبق ذكرهم قرب منزلتكم ومرتبتكم عنده.

فإنّكم أهل البيت اقرب المقرّبين والمرسلين عند ربّ العالمين. فقد اختاركم صفوة أوليائه ، وخوّلكم معالي درجاته ، وجعلكم مظاهر قدرته وأفضل خليقته ، وهذا يدلّ على أنّكم أقرب الخلق منزلة عند الله.

وأيّ قربٍ ودُنوٍّ معنوي أعظم من أن يكتب اسم أمير المؤمنين على عرش ربّ العالمين مقروناً باسم الله واسم نبيّه.

ففي حديث الصدوق بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال في وصيّته لي :

«يا علي إنّي رأيت إسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن ، فآنست بالنظر إليه إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجب إلى السماء وجدت على صخرتها مكتوباً : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره ، فقلت لجبرئيل : مَن وزيري؟

__________________

(١) مجمع البحرين : ص ٤٩٨.

٤٧٧

.........................................

____________________________________

فقال : علي بن أبي طالب.

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوباً عليها : إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، محمّد صفوتي من خلقي ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره. فقلت لجبرئيل : مَن وزيري؟

فقال : علي بن أبي طالب.

فلمّا جاوزت السدرة انتهيت إلى عرض ربّ العالمين جلّ جلاله فوجدت مكتوباً على قوائمه : أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي محمّد حبيبي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره.

فلمّا رفعت رأسي وجدت على بُطنان العرش مكتوباً : أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، محمّد عبدي ورسولي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره»(١) .

إلى أن يرقى مع النبي في المعراج إلى قاب قوسين أن أدنى كما في حديث شيخ الطائعفة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لمّا عُرج بي إلى السماء دنوت من ربّي عزّ وجلّ حتّى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى(٢) ، فقال : يا محمّد ، من تُحبّ من الخلق؟

قلت : يا ربّ عليّاً.

قال : التفِت يا محمّد ، فالتفتُّ عن يساري ، فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام»(٣) .

__________________

(١) الخصال : ص ٢٠٧ ح ٢٦.

(٢) لا يخفى أنّ الدنو هنا بمعنى الدنوّ المعنوي ، أو الدنو بالعلم أو الدنو من نعمة الله ورحمته ، أو الدنوّ من حجب النور كما تلاحظه في أحاديثه في الكنز : ج ١٢ ص ٤٧٥.

(٣) الأمالي : ص ٣٥٢ ح ٧٢٧.

٤٧٨

بِاَبى اَنْتُمْ وَاُمّى وَاَهْلى وَمالى وَاُسْرَتى (١)

____________________________________

(١) ـ هذه الكلمات إنشاء للتحبيب ، وتعظيم للمحبوب ، بتفدية ما أحبّ الإنسان من الأب والاُمّ والأهل والمال والاُسرة لمحبوبه(١) .

وجاء في الحديث : «بآبائنا واُمّهاتها يا رسول الله» ، وهذه الباء يسمّيها بعض النحّاة باء التفدية ، حذف فعلها في الغالب ، والتقدير نفديك بآبائنا واُمّهاتنا(٢) .

فامعنى هنا : أفديكم أهل البيت بأبي واُمّي ، أو أنتم مفديّون بأبي واُمّي

واُسرة الرجل : بالضمّ هم رهطه وعشيرته وأهل بيته الذين يتقوّى بهم ، والرهط الأدنون.

ولقد حقَّ نقيهم عن كلّ محذور ، وندفع عنهم كلّ محظور.

فإنّ المحافظة على أنفسهم الزكيّة ، ونفوسهم القدسيّة لازمة علينا بكلّ ما نملكه من النفس والنفيس.

لأنّهم أولياؤنا ، والأولى بأنفسنا ، وودائع الله ورسوله عندنا ، فيكون حفظهم لازماً علينا. كما بيّنا ذلك في فقرة «والأمانة المحفوظة».

ولأنّهم زمام الدين ، وأساس الإسلام المبين ، وقرين القرآن الكريم ، فيكو حفظهم حفظاً للدين القويم ، كما عرفت ذلك من حديث عبد العزيز بن مسلم المتقدّم(٣) .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : (يا ساداتي وأئمّتي).

__________________

(١) الشموس الطالعة : ص ٣٨٥.

(٢) مجمع البحرين : ص ٣.

(٣) الكافي : ج ١ ص ١٨٨ ح ١.

٤٧٩

اُشْهِدُ اللهَ وَاُشْهِدُكُمْ (١)

____________________________________

(١) ـ هذا تجديدٌ للعهد ، واستشهادٌ من العبد.

فيُقرّ الزائر بالمعتقدات الحقّة التي بيّنها بقوله : «إنّي مؤمن بكم ...» الخ.

وهي من أبرز المعالم الإعتقادية الشريفة التي يشهد بها المؤمن ، ويستشهد عليها شاهدين :

الشاهد الأوّل : أصدق الصادقين وهو ربُّ العالمين ، وكفى بالله شهيداً.

( قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) (١) .

الشاهد الثاني : نفس أهل البيت عليهم السلام الذين يخاطبهم بهذه الشهادات فإنّهم الشهداء الصادقون على ما يعمله المخلوقون.

( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (٢) .

فما أعظمهم من شهود صدق : ربّ العزّة ، وحججه الأعزّة.

وما أعظمها من شهادات حقّ : أركان الإيمان ، ومُسعدات الإنسان.

وهي ما يلي في الفقرا التالية : «أنّي مؤمن بكم» الخ.

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ٩٦.

(٢) سورة البقرة : الآية ١٤٣.

٤٨٠

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698