المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه

المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه11%

المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه مؤلف:
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 348

المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه
  • البداية
  • السابق
  • 348 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 47111 / تحميل: 4595
الحجم الحجم الحجم
المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه

المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّتي بنت خويلد أوّل نساء هذه الامّة إسلاماً ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون انّ هذا سيف رسول الله أنا متقلّدة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا لابسها ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ عليّاًعليه‌السلام كان أول القوم إسلاماً ، وأعلمهم علماً ، وأعظمهم حلماً ، وانّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ، ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة. قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته واُخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن الخدود وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهن أخاه العباسعليه‌السلام وعليّاً ابنه وقال لهما: سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن.

فلمّا لم يبق معه سوى أهل بيته خرج علي بن الحسين(١) عليه‌السلام وكان

____________________

(١) علي بن الحسين الأكبر ، يكنّى أبا الحسن ، من سادات الطالبيين وشجعانهم ، امّه ليلى بنت أبي مرّة

٢٤١

من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقاً ، فاستأذن أباه في القتال فأذن له ، ثم نظر إليه نظرة آيس منه ، وأرخى عينيه بالدموع وبكى ، ثم قال: اللهم اشهد فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه فصاح وقال: يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، فتقدّم نحو القوم وقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً ، ثم رجع إلى أبيه وقال: يا أبه العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوّى بها على الأعداء.

فبكى الحسينعليه‌السلام وقال: واغوثاه ، يا بني من أين آتي لك بالماء ؟ قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً.

فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم قتال ، فرماه منقذ بن مرّة العبدي(١) بسهم فصرعه فنادى:

يا أبتاه عليك منّي السلام ، هذا جدّي يقرؤك السلام ويقول لك: عجّل

(قرّة) بن عروة (عمرو) بن مسعود بن مغيث (معبد) الثقفي ، واُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب ، كان له من العمر سبع وعشرون سنة ، وردت رواية أنّه كان متزوجاً من اُمّ ولد ، هو أوّل من قتل من بني هاشم ، طعنه مرّة بن منقذ النعمان العبدي وهو يحوم حول أبيه ويدافع عنه ويقيه ، وانهال أصحاب الحسين على مرّة فقطّعوه بأسيافهم ؛ قيل: مولده في خلافة عثمان ، وسمّاه المؤرخون الأكبر تمييزاً له عن أخيه زين العابدين علي الأصغر.

انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٠ - ٨١ ، الطبقات الكبرى ١٥:١٥٦ ، ورجال الشيخ: ٧٦ ، البداية والنهاية ٨: ١٨٥ ، الأعلام ٤: ٢٢٧.

____________________

(١) كذا في الأصل وبعض المصادر ، ولكن في تاريخ الطبري ٦: ٦٢٥ ، والكامل ٤: ٣٠ ، والأخبار الطوال ٢٥٤ ورد اسمه هكذا: مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي ثمّ الليثي.

٢٤٢

القدوم إلينا ، ثمّ شهق شهقة فمات.

فجاء الحسينعليه‌السلام حتى وقف عليه ووضع خدّه على خدّه وقال:

قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا.

قال: وخرجت زينب بنت عليعليه‌السلام تنادي: يا حبيباه يا بن أخاه ، وجاءت فانكبت عليه ، فجاء الحسينعليه‌السلام فأخذها وردّها إلى النساء.

ثمّ جعل أهل بيته يخرج منهم الرجل بعد الرجل حتى قتل القوم منهم جماعة.

فصاح الحسينعليه‌السلام في تلك الحال: صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، فوالله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.

قال: وخرج غلام كأنّ وجهه شقة قمر ، فجعل يقاتل فضربه ابن فضيل الأزدي(١) على رأسه ، ففلقه ، فوقع الغلام لوجهه وصاح: يا عمّاه !

فجلس الحسينعليه‌السلام كما يجلس الصقر(٢) ، ثم شدّ شدّة ليثٍ أغضب ، فضرب ابن فضيل بالسيف ، فاتّقاها بالساعد ، فأطنّه من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعه أهل العسكر ، وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه ، فوطأته الخيل حتى هلك.

[قال:] ثم قام الحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول: «بُعداً لقومٍ قتلوك ، ومَن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك».

____________________

(١) في مقاتل الطالبيين: ٨٨ ذكر اسمه: عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي.

(٢) كذا في الأصل ، وفي المصادر: فجلى الحسينعليه‌السلام كما يجلي الصقر.

٢٤٣

ثم قال: «عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوت ، والله كثر واتره وقلّ ناصره».

ثمّ حملعليه‌السلام الغلام على صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.

[قال:] و لمـّا رأى الحسينعليه‌السلام مصارع فتيانه وأحبّته ، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى:

هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟

هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا ؟

هل من معينٍ يرجو الله في إعانتنا ؟

فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينبعليها‌السلام : «ناوليني ولدي الصغير(١) حتى اودّعه ، فأخذه وأومأ إليه ليقبّله فرماه حرملة ابن كاهل(٢) بسهم فوقع في نحره فذبحه.

____________________

(١) هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، واُمّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس ، وفي اسم قاتله اختلاف ؛ فقيل: حرملة ؛ وقيل: عقبة بن بشر.

(٢) وهو خبيث ملعون ، لمـّا قُبض على حرملة ورآه المختار ، بكى المختار وقال: يا ويلك أما كفاك ما فعلت حتى قتلت طفلاً صغيراً وذبحته ، يا عدوّ الله ، أما علمت أنّه ولد النبي ، فأمر به فجعلوه مرمى ، فرمي بالنشاب حتى مات.

وقيل: إنّه لمـّا نظر المختار إلى حرملة قال: الحمد لله الذي مكّنني منك يا عدوّ الله ، ثم أحضر الجزّار فقال له: اقطع يديه ورجليه ، فقطعهما ، ثم قال: عليّ بالنار ، فاحضرت بين يديه ، فأخذ قضيباً من حديد وجعله في النار حتى احمرّ ثم ابيضّ ، فوضعه على رقبته ، فصارت رقبته تجوش من النار وهو يستغيث حتى قطعت رقبته. انظر: حكاية المختار: ٥٥ و٥٩.

٢٤٤

فقال لزينب: خذيه ، ثم تلقّى الدم بكفّيه ، فلمّا امتلأت رمى بالدم نحو السماء ثم قال:

هون عليّ ما نزل بي ، انّه بعين الله تعالى.

قال الباقرعليه‌السلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.(١)

قال الراوي: واشتدّ العطش بالحسينعليه‌السلام فركب المسنّاة يريد الفرات والعبّاس أخوه بين يديه فاعترضته خيل ابن سعد ، فرمى رجل من بني دارم الحسينعليه‌السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف ، فانتزع السهم وبسط يديه تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثم رمى به وقال:

اللهم انّي أشكوا إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك ، ثم انهم اقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه قدس الله روحه ، فبكى الحسين لقتله بكاءً شديداً ، وفي ذلك يقول الشاعر(٢) :

أحقّ الناس أن يُبكى عليه

فتىً أبكى الحسين بكربلاء

أخوه وابن والده عليّ

أبو الفضل المضرّج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء

وجاد له على عطش بماء(٣)

ولما دخل بشير بن حذلم المدينة المنورة لينعى الحسينعليه‌السلام التقى باُم البنين(٤) «وهي ام العباس» فقال لها:

____________________

(١) الملهوف: ١٦٩ ، كفاية الطالب: ٢٨٤ ، إحقاق الحقّ: ٤٥٤.

(٢) وهو: الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنينعليه‌السلام من أعلام القرن الثاني.

(٣) الملهوف: ١٧٠ ، مقاتل الطالبيين: ٨٤ ، الغدير ٣: ٣.

(٤) هي فاطمة بنت حَزام بن خالد بن ربيعة بن عامر ، واُمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وتكنّى: «امّ البنين» قبل تزويجها الإمام عليعليه‌السلام لأنها من بيت (ام البنين العامريّة) التي قيل فيها:

٢٤٥

عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله.

قالت له: أسألك عن سيدي ومولاي الحسين.

قال لها: عظّم الله الأجر بولدك جعفر.

قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.

قال لها: عظم الله لك الأجر بولدك عثمان.

قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.

قال لها: عظّم الله لك الأجر بولدك العباس.

قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين. فقال:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّج

والرأس منه على القناة يدارُ

فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت: وا حسيناه وا سيّداه ، ثمّ أنشدت:

لا تدعوني ويك امّ البنين

تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي اُدعى بهم

واليوم أصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربى

قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاءهم

فكلّهم أمسى صريعاً طعين

وكانت من بيت كرم وشجاعة وفصاحة ومعرفة.

وقال الإمام عليعليه‌السلام - بعد وفاة الصديقة الزهراءعليها‌السلام - لأخيه عقيل - وكان نسّابة العرب وعرّافة بأحسابها وعاداتها -: «أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلدني غلاماً فارساً».

فقال له عقيل: أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة ؟

انظر: تاريخ بغداد ١٢: ١٣٦ ، عمدة الطالب: ٣٢٤.

٢٤٦

يا ليت شعري أكما أخبروا

بأن عبّاساً قطيع اليمين(١)

ثم انّ الحسينعليه‌السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كلّ من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول:

القتل أولى من ركوب العار

والعار أولى من ركوب النار

قال بعض الرواة: فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

قال الراوي: ولم يزل يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح:

ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.

قال: فناداه شمر: ما تقول يا بن فاطمة ؟

فقال: أقول: انّي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً.

فقال شمر: لك ذلك يا بن فاطمة.

فقصدوه بالحرب فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد ، حتى أصابه اثنتان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة

____________________

(١) انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٥ ، ابصار العين: ٣٦.

٢٤٧

وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته ، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه فقال:

بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله.

ثم رفع رأسه وقال:

إلهي أنت تعلم انّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كأنّه ميزاب فضعف عن القتال ووقف.

فكلّما أتاه رجل انصرف عنه كراهة أن يلقى الله بدمه ، حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسينعليه‌السلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف ، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً.

قال الراوي: فاستدعى الحسين بخرقة فشدّ بها رأسه ، واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتمّ عليها ، فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به.

فخرج عبد الله بن الحسن بن علي(١) وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتدّ حتى وقف إلى جنب الحسينعليه‌السلام فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى وامتنع امتناعاً شديداً فقال: لا والله لا اُفارق عمّي.

فأهوى بحر بن كعب(٢) ؛ وقيل: حرملة بن كاهل إلى الحسينعليه‌السلام بالسيف ، فقال له الغلام: ويلك يا بن الخبيثة ، أتقتل عمّي ؟ فضربه بالسيف

____________________

(١) عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، واُمّه بنت السليل بن عبد الله أخي عبد الله بن جرير البجلي ؛ وقيل: اُمّه اُمّ ولد ؛ وقيل: الرباب بنت امرئ القيس ، كان عمره حين قتل إحدى عشرة سنة. انظر: الارشاد: ٢٤١ ، مقاتل الطالبيين: ٨٩ ، رجال الشيخ: ٧٦.

(٢) وقيل اسمه: أبجر بن كعب.

٢٤٨

فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة.

فنادى الغلام: يا عماه !

فأخذه الحسينعليه‌السلام وضمّه إليه وقال: يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله يلحقك بآبائك الصالحين.

قال الراوي: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه الحسينعليه‌السلام .

قال الراوي: ولمّا اُثخن الحسينعليه‌السلام بالجراح وبقي كالقنفذ ، طعنه صالح بن وهب المري على خاصرته فسقط الحسينعليه‌السلام عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن وهو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله.

وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي: وا أخاه وا سيّداه وا أهل بيتاه ، ليت السماء اُطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل.

وكان ما كان ممّا لست أذكره.

يا رسول الله لو عاينتهم

وهم ما بين قتل وسبا

من رميض يمنع الظل ومن

عاطش يسقى أنابيب القنا

جزروا جزر الأضاحي نسله

ثم ساقوا أهله سوق الاما

قتلوه بعد علم منهم

انّه خامس أصحاب الكسا

ليس هذا لرسول الله يا

اُمة الطغيان والكفر جزا(١)

____________________

(١) ديوان الرضي ١: ٤٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٣٨٦.

٢٤٩

٢٥٠

الفصل الثاني

في هدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة

٢٥١

٢٥٢

[المجلس الثالث عشر]

إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد اتسعت أعلام نبوّته ، وتواترت دلائل رسالته ، ونطقت له السماوات قبل بعثته.

نوّهت باسمه السماوات والأر

ض كما نوّهت بصبح ذكاها

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وهو أحمد الذي بشر به عيسىعليه‌السلام ، وهو المصطفى والمختار والمحمود ، والماحي الذي يمحو الله به الذنوب ، والعاقب والحاشر والمهيمن ، وكنيته: أبو القاسم ، وفي ذلك يقول الشاعر:

لله ممّن قد برا صفوة

وصفوة الخلق بنو هاشم

وصفوة الصفوة من هاشم

محمد النور أبو القاسم

كان مولده المبارك عام الفيل وطير الأبابيل لسبع عشرة خلون من ربيع الأول ، وقيل: يوم الثاني عشر منه ، وقيل: لثمان خلون منه قبل الهجرة المباركة بثلاث وخمسين سنة.(١)

ولدصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكّة المعظمة بدار ابن يوسف التي بنتها بعد ذلك

____________________

(١) قالرحمه‌الله : القول الأول هو المشهور وعليه أكثر علماء الإمامية ، والثاني رواه الكليني في الكافي وعليه أكثر علماء السنّة ، والثالث قال به بعض من شذّ من المخالفين.

٢٥٣

الخيزران امّ الهادي والرشيد مسجداً ، وكان أبوه عبد الله غائباً بأرض الشام ، فانصرف مريضاً فقضى نحبه بالمدينة الطيّبة والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حمل.

أمّا اُمّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فانّها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب... وفي السنة الاولى من مولده رفع إلى حليمة بنت عبد الله ابن الحارث ترضعه فكانت تقول وهي تلاعبه:

الحمد لله الذي أعطاني

هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

أعيذه بالبيت ذي الأركان

فبقى في بني سعد إلى السنة الرابعة من مولده ، وفي تلك السنة أرجعته مرضعته حليمة إلى اُمّه آمنة في مستهل السادسة من عمره الشريف ، وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيّام.

وفي السنة السابعة من مولده خرجت به اُمّه إلى أخواله تزورهم فت-وفّيت بالأبواء(١) ، وقدمت به اُمّ أيمن إلى مكّة بعد خمسة أيّام من موت اُمّه.

وفي السنة الثامنة من مولده توفّي جدّه شيبة الحمد - أعني عبد المطلب - وضمّه عمّه أبو طالب إليه ، وكان في حجره يؤثره على ولده ونفسه.

وخرج مع عمّه إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة ، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد ومعه غلامها ميسرة وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله ابن خمس وعشرين سنة ، فنظر تشطور الراهب وهو في صومعته إليه وقد ظلّلته الغمامة

____________________

(١) الأبواء - بالفتح ثمّ السكون وواو وألف ممدودة -:... قال ثابت: سمّيت بذلك لتبوّء السيول بها ، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة ، بينها وبين الجُحفة كما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً ؛ وقيل: هي جبل بين مكة والمدينة. انظر معجم البلدان ١: ٧٩.

٢٥٤

فقال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء وخاتم الرسل.(١)

وكان منه ما قد تواترت به الأخبار ، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار.

و لمـّا هدمت الكعبة بالسيل بنتها قريش فرفعت سمكها ، وتأتي لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحر إلى ساحلهم ، وكان قد بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة لتبنى هنالك له كنيسة ، وانتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود وتنازعوا أيّهم يضعه ، فاتّفقوا على تحكيم الصادق الأمين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يعرف عندهم جميعاً بالأمين ، وكانوا على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم وضغائنهم ، واعجاب كلّ قبيلة من قبائلهم بنفسها مجمعين على حبّه وأمانته وعدالته في كلّ شؤونه ، فحكموه فيما تنازعوا فيه ، وانقادوا إلى قضائه.

فبسط رداءه وأخذ الحجر فوضعه في وسطه ، ثم قال لأربعة من زعماء قريش ، وأهل الرياسة فيها - وهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم ، وقيس بن عدى السهم ليأخذ كلّ واحد منكم بجنب من جنبات هذا الرداء ، فشالوه حتى ارتفع ودنا من موضعه فأخذهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووضعه في مكانه وقريش كلّها حضور.

فقال قائل لمن حضر من قريش متعجّباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سنّاً: «واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة كهولاً وشيوخاً عمدوا إلى أصغرهم سنّاً

____________________

(١) انظر قصّة ولادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في: الفضائل لابن شاذان ٢٠ ، تاريخ بغداد ٣: ٣ - ٢١ ، بحار الأنوار ١٥: ١٤٦ ح ٨ ، وص ٢٨١ ح ١٧ ، وص ٣٤١ ح ١٣.

٢٥٥

فجعلوه عليهم رئيساً وحكماً ؟ أما واللات والعزّى ليقسمنّ بينهم حظوظاً وجدوداً ، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم».

وكان أبو طالب حاضراً ، فلمّا سمع هذا الكلام انشأ يقول:

إنّ لنا أوّله وآخره

في الحكم العدل لن ينكره

قاتل الله أهل العناد( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا کَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْکَافِرِينَ‌ ) (١) ، كذّبوه وانّهم ليعلمونه الصادق الأمين ، وأنكروا نبوّته ، وهم منها على يقين( وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) (٢) ، ثم لم يألوا جهداً ، ولم يدخروا وسعاً في اطفاء نور الله من مشكاته( وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ... وَ لَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ ) (٣) .

ظلموه وشتموه وأجلوه عن حرم الله عز وجل مسقط رأسه ، ومحل اُنسه ، ثم لم يكتفوا بما كان منهم في مكة المعظمة من فضائع وفجائع ، واُمور تستك منها المسامع ، حتى غزوه وهو في دار هجرته ، ومحل غربته ، فكانت حروب تشيب الأطفال ، وتميد بها الجبال ، لكنّها والحمد لله طحنتهم بكلكلها ، وقرّت الكلاب أشلاءهم ،( وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ کَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَ کَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ کَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (٤) .

بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ، بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، كم أسديت لهذه الاُمّة من نعمة ، وكم لك عليها من يد بيضاء تستوجب الشكر والثناء.

____________________

(١) سورة البقرة: ٨٩.

(٢) سورة النمل: ١٤.

(٣) سورة التوبة: ٣٢ - ٣٣.

(٤) سورة الأحزاب: ٢٥.

٢٥٦

وحين فتحت مكّة بعد أن أجلوك عنها ، وكان من أبي سفيان ما كان من التحريض على قتلك ومحاربتك ، فأمرت مناديك ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

ثم لم يتم على ولدك وسبطك وريحانتك ما تمّ.

ملكنا فكان العفو منّا سجية

فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح

وحللتم قتل الاسارى وطالما

نمرّ على الأسرى نعفو ونصفح

وحسبكم هذا التفاوت بيننا

وكلّ اناءٍ بالذي فيه ينضح

قال عبد الله بن العبّاسرحمه‌الله : انّه لمـّا اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضه الذي مات فيه وقد ضمّ الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول:

مالي وليزيد لا بارك الله فيه ، اللهم العن يزيد ، ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبّل الحسينعليه‌السلام وعيناه تذرفان ويقول: أما أنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجل.

وقال ابن عبّاس أيضاً: كنت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالساً ، إذ أقبل الحسنعليه‌السلام ، فلمّا رآه يبكي وقال له: إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليمنى.

ثم أقبل الحسينعليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى وقال له: إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليسرى.

ثم أقبلت فاطمةعليها‌السلام ، فلمّا رآها بكى فقال لها: إليّ إليّ ، فأجلسها بين يديه.

٢٥٧

ثم أقبل عليعليه‌السلام فرآه وقال له: إليّ إليّ ، وأجلسه إلى جانبه الأيمن.

فقال له أصحابه: يا رسول الله ، ما ترى واحداً من هؤلاء الا وبكيت أوَ ما فيهم من تسرّ برؤيته ؟

فقال: والذي بعثني بالنبوّة على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة أحب إليَّ منهم ، وانّما بكيت لما يحل بهم بعدي وما يصنع بهذا ولدي الحسين كأنّي به ، وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار ثمّ يرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه أرض كرب وبلاء تنصره عصابة من المسلمين ، اولئك سادة شهداء اُمّتي يوم القيامة ، فكأنّي انظر إليه وقد رمي بسهم فخرّ عن فرسه صريعاً ثمّ يذبح كما يذبح الكبش مظلوماً.

ثم انتحبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكى من حوله وارتفعت أصواتهم بالضجيج ثم قام وهو يقول:

اللهم انّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي.

والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ

لا منكر منهم ولا متفجّع

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصم رزؤك كلّ اذن تسمع

أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى

وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع(١)

____________________

(١) معجم الأدباء ١٠: ١١٠.

٢٥٨

[المجلس الرابع عشر]

ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - أعلى الأنبياء قدراً ، وأرفع الرسل في الملأ الأعلى ذكراً الذي بشّرت الرسل بظهوره ، وخلقت الأنوار بعد نوره - يوم السابع عشر من ربيع الأوّل ؛ وقيل: يوم الثاني عشر منه ، بمكّة المشرّفة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد الزوال أو عند الفجر عام الفيل وطير الأبابيل.

وهو أبو القاسم محمد المصطفى بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان....

واُمّه آمنة بنت وهب.

وأزواجه خمسة عشر ، وفي المبسوط: ثمانية عشر ، سبع من قريش ، وواحدة من حلفائهم ، وتسع من سائر القبائل ، وواحدة من بني إسرائيل من هارون بن عمران.

واتّخذ من الاماء ثلاثة عجميتين وعربية.

وله من الأولاد من خديجة: القاسم ، ورقيّة ، وزينب ، واُمّ كلثوم - وفي رقيّة وزينب خلاف - وبعد المبعث ولد من خديجة: الطيّب ، والطاهر ، وسيّدة نساء العالمين ، وله ولد أيضاً من مارية القبطيّة اسمه إبراهيم.

ونزل عليه الوحيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحمل أعباء الرسالة يوم السابع

٢٥٩

والعشرون من رجب وهو ابن أربعين سنة..... واصطفاه ربّه بالمدينة مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشر من الهجرة المباركة وله ثلاث وستّون سنة ، ودفن في حجرته المنورة.

ومات أبوه هو ابن شهرين ؛ وقيل: سنتان وأربع أشهر ؛ وقيل: مات وهو حمل ، وماتت اُمّه في الأبواء.

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله كما وصفه ولده باقر علوم الأوّلين والآخرينعليه‌السلام : أبيض اللون مشرّباً بحمرة ، أدعج العينين ، مقرون الحاجبين ، عظيم المنكين ، إذا التفت التفت جميعاً ، سائل الأطراف ، كأنّ عنقه ابريق فضّة ، وإذا تكفاً كأنّه إلى منحدر ، لم ير الراؤون مثل نبي الله قبله ولا بعده.

وأمّا معاجزه الباهرة ، وآياته الظاهرة ، فقد قصرت عن حصرها الحسّاب ، وكلّت عن سطرها الكتّاب ، كانشقاق القمر ، وتظليل الغمام ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وتكليم الموتى ، ومخاطبة البهائم ، واثمار يابس الشجر ، وغرس الأشجار وأثمارها على الفور ، وقصة الغزالة مع خشفيها ، وخروج الماء من بين أصابعه ، وانتقال النخلة بأمره ، واخبار الذراع له بالسم ، والنصر بالرعب ، ونوم عينيه دون قلبه ، وعدم طول قامة أحد على قامته ، واكثار اللبن من شاة اُمّ معبد ، ورؤيته من خلفه كما يرى من أمامه ، واطعامه من القليل الجم الغفير ، وطيّ البعيد له ، وشفاء الأرمد إن تفل في عينيه ، وقصة الأسد ، ونزول المطر بدعائه ، ودعائه على سراقة فساخت به الأرض ، وأخباره بالمغيبات ، كأنبائه عن العترة الطاهرة واحداً بعد واحد ، وما يجري عليهم من الأعداء في أرض كربلاء.

ففي البحار وغيره: لمـّا ولدت فاطمة الحسينعليه‌السلام جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:

٢٦٠

هلمّي إليَّ بابني يا أسماء.

قالت: فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، ففعل به كما فعل بالحسن يوم ولادته وبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال:

إنّه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك.

قالت أسماء: فلمّا كان يوم سابعه جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: هلمي بابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسنعليه‌السلام وعقّ عنه كبشاً أملحاً ، وحلق رأسه ، وتصدّق بوزن الشعر ورقاً ، ثمّ وضعه في حجره ، وخلق رأسه بالخلوق ، ثم قال: يا أبا عبد الله عزّ عليَّ ثمّ بكى.(١)

أقول: كأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ذكر حين خلق رأس الحسينعليه‌السلام بالخلوق أنّ هذا الرأس يهدى إلى يزيد لحّاه الله على رمح طويل من العراق إلى الشام مع سبعة عشر رأساً من العترة الطاهرة ، تشرق أنوارها على أطراف الرماح كأنّها الأقمار الزاهرة ، وجسومهم منبوذة بالعراء ، لا مغسّلين ولا مكفّنين ، ولا مدفونين ، تصهرهم الشمس ، وبالعزيز عليك يا رسول الله أن يبقى سبطك وريحانتك عاري اللباس.

قطيع الرأس منخمد الأنفا

س في جندل كالجمر مضطرم

ثوى ثلاث ليال بالعراء بلا

غسل ولا كفن لله من حكم

وكريمتك يا رسول الله تناديك بصوت حزين ، وقلب كئيب:

يا رسول الله ، يا جدّاه ، صلى الله عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء ،

____________________

(١) انظر: ذخائر العقبى: ١١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ٨٧ ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ١٥٤ ، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢: ١٢٥.

٢٦١

تسفى عليه الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، يا حزناه ، يا كرباه ، اليوم مات جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يا أصحاب محمداه ، هذه ذرّية المصطفى ، يساقون سوق السبايا ، يا محمداه بناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة ، وهذا حسينك مقطوع الرأس من القفا.

نادت فقطعت القلوب بشجوها

لكنما انتظم البيان فريدا

انسان عيني يا حسين اخيّ يا

أملي وعقد جماني المنضودا

٢٦٢

[المجلس الخامس عشر]

روي عن الحسن سلام الله عليه ، قال: سألت خالي هند بن هالة وكان وصّافاً عن حُلية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فخماً مفخماً ، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذّب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب ، بينهما عرق يدرّه الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من يتأمّله أشم ، كثّ اللحية ، سهل الخدّين ، أدعج العينين ، ظليع الفم أشنب ، مفلج الأسنان ، دقبق المسربة ، كنّ عنقه جيدُ دمية في صفاء الفضّة ، معتدل الخلق ، بادناً متماسكاً ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس أنور ، موصول ما بين الصدر والسرّة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن ممّا سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شئن الكفين القدمين(١) ، سائل الأطراف ، مسبح القدمين ، يخطو تكفئاً ، ويمشي هوينا ، سريع المشي إذا مشى كأنّما ينحط عن صبب ، وإذا التفت التفت جميعاً ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض ، يبدر من لقيه بالسلام ، وكان متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا يتكلّم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يتكلّم بجوامع الكلم ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وأن دقتّ ، ولا يذمّ منها شيئاً ، ولا يذمّ ذواقاً ولا يمدحه ، ولا

____________________

(١) قالرحمه‌الله : شئن وشئل بمعنى يقال: شئلت أصابعه أي: خشنت وغلظت. وقدم شئلة: غليظة اللحم.

٢٦٣

تغضبه الدنيا ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا حدّث أشار بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه السيرى ، وإذا غضب أعرض ، وإذا فرح غضّ من طرفه ، جلّ ضحكه التبسّم ، ويفتر عن مثل حب الغمام.

صلى الله عليك يا رسول الله ، وعلى فرخك وشبل سبطك علي بن الحسين الأكبر الشهيد بن الشهيد ، والمظلوم بن المظلوم ، أشبه الناس بك خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، ولقد يعزّ عليك حين برز إلى ثلاثين ألفاً وهو ابن تسع عشر سنة فرفع الحسين سبابته إلى السماء وقال:

اللهم أشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه.

اللهم امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فانّهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلوننا.

ثم صاحعليه‌السلام : يا بن سعد ، ما لك ؟ قطع الله رحمك ، ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم رفع صوته وتلى:( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عليم ) (١) .

ثم حمل علي بن الحسين على القوم وهو يقول:

____________________

(١) سورة آل عمران: ٣٣.

٢٦٤

أنا علي بن الحسين بن علي

من عصبة جدّ أبيهم النبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي

أطعنكم بالرمح حتى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي

ضرب غلام هاشمي علوي

ولم يزل يقاتل حتى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم ، ثم رجع إلى ابيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال:

يا أباه العطش قتلني ، وثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟

وبكى الحسينعليه‌السلام وقال: يا بني ، يعزّ على محمد وعلي وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك ، يا بني هات لسانك فأخذه فمصّه ، ودفع إليه خاتمه وقال: امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك ، فانّي أرجو أنك لا ترجع حتى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً.

فرجع علي بن الحسينعليه‌السلام إلى موضع النزال ، وقاتل أعظم القتال وهو يقول:

الحرب قد بانت لها الحقائق

وظهرت من بعدها مصادق

والله ربّ العرش لا تفارق

جموعكم أو تغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثمّ اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء ، فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ، فلمّا بلغت روحه التراقي قال رافعاً صوته:

٢٦٥

يا أبتاه هذا جدّي قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول لك: العجل العجل فان لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة.

فصاح الحسينعليه‌السلام : قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على الدنيا بعدك العفا.

كنت السواد لناظري

فعليك يبكي الناظر

من شاء بعدك فليمت

فعليك كنت اُحاذر

قال حميد بن مسلم: فكأنّي انظر إلى امرأة خرجت مسرعة تنادي بالويل والثبور وتقول:

يا حبيباه ، ويا ثمرة فؤاداه ، يا نور عيناه.

فسألت عنها فقيل لي: هي زينب بنت علي عليها وعلى أبيها السلام ، وجاءت وانكبّت عليه ، فجاء الحسينعليه‌السلام وأخذها بيدها فردّها إلى الفسطاط وأقبل بفتيانه وقال: احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه ، فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.

يا كوكباً ما كان أقصر عمره

وكذاك عمر كواكب الأسحار

جاورت أعدائي وجاور ربّه

شتّان بين جواره وجواري(١)

____________________

(١) من قصيدة لابن الفارض ينعى فيها ولده.

٢٦٦

[المجلس السادس عشر]

لمـّا قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة تعلّق الناس بزمام الناقة فقال: دعوها فانّها مأمورة فعلى باب من بركت فأنا عنده.

فأطلقوا زمامها وهي تهفّ في السير ، فبركت على باب أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري(١) رضى الله تعالى عنه ، ولم يكن في المدينة أفقر منه ، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونادى أبو أيوب:

يا اُمّاه افتحي الباب ، فقد قدم سيّد البشر ، وأكرم ربيعة ومضر ، ففتحت الباب وقالت:

واحسرتاه ، ليت لي عيناً أبصر بها وجه سيّدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكانت عمياء ، فكان أوّل معجزة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وضع كفّه الشريفة على وجه اُمّ أيّوب فانفتحت عيناها.(٢)

____________________

(١) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عَوف النجار ، أبو أيوب الأنصاري ، معروف باسمه وكنيته ، من السابقين ، شهد العقبة وبدراً وما بعدها ، ونزل عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا قدم المدينة ، استخلفه الإمام عليعليه‌السلام على المدينة لمـّا خرج إلى العراق ، ثمّ لحق به وشهد معه قتال الخوارج.

وروي عن سعيد بن المسيب أنّ أبا أيوب أخذ من لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً ، فقال له: «لا يُصيبك السوء يا أبا أيّوب».

انظر: الإصابة ٢: ١٩٩ - ٢٠١ ترجمة رقم «٢١٦٨» ، تجريد أسماء الصحابة ١: ١٥٠ ، تقريب التهذيب ١: ٢١٣.

(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣٣ ، بحار الأنوار ١٩: ١٢١ ح ٧.

٢٦٧

وروي بسند معتبر أنّ أبا أيّوب أتى بشاة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عرس فاطمةعليها‌السلام فنهاه جبرئيل عن ذبحها ، فشقّ ذلك على أبي أيّوب ، ثمّ أمر بذبحها ، فذبحها ابن جبير الأنصاري بعد يومين ، فلمّا طبخت أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا تأكلوا الابسم الله ، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله انّ أبا أيّوب رجل فقير ، إلهي أنت خلقتها وأنت أمتّها ، وانّك قادر على إعادتها فاحيها يا حي لا إله إلا أنت ، فأحياها الله تعالى ، وجعل فيها بركة لأبي أيّوب ، وشفاء المرضى في لبنها ، وسمّاها أهل المدينة: المبعوثة.(١)

وفيها قال عبد الرحمن بن عوف:

ألم يبصروا شاة ابن زيد وحالها

وفي أمرها للطالبين مزيد

وقد ذبحت ثم استحر أهابها

وفصلها فيما هناك يزيد

فأرجعها ذو العرش والله قادر

فعادت بحال ما يشاء يعود(٢)

وفي خبر عن سلمانرضي‌الله‌عنه : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمـّا نزل دار أبى أيّوب لم يكن له سوى جدي وصاع من شعير ، فذبح له الجدي وشواه ، وطحن الشعير وعجنه وخبزه وقدّمه بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأمرصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن ينادي: من أراد الزاد فليأت إلى دار أبي أيّوب ، فجعل أبو أيّوب ينادي والناس يهرعون إلى داره حتى امتلأت الدار ، فأكل الناس بأجمعهم والطعام باقٍ ، فضجّ الناس بالشهادتين.(٣)

وعن علي بن إبراهيم: ما زال أبو كرز الخزاعي يقفو أثر النبي صلى الله

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١.

(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١.

(٣) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١ - ١٣٢.

٢٦٨

عليه وآله يوم خروجه إلى الغار حتى وقف على بابه وقال:

هذه قدم محمد ، وهذه قدم ابن أبي قحافة ما جاوزا هذا المكان.

وجاء فارس من الملائكة في صورة الانس فوقف على باب الغار وهو يقول: اطلبوه في هذه الشعاب فليس ها هنا.

وتبعه القوم وكانوا دهاة العرب ، وأمر الله شجرة فنبتت في وجه الغار ، وأمر العنكبوت فنسجت ، وأمر حمامتين بفم الغار.

ولما قربوا منه تقدم بعضهم لينظر ، ثمّ رجع فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أنّه ليس فيه أحد.(١)

[وفي نهج البلاغة(٢) من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام في الخطبة القاصعة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:

أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي ، فوالذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دويّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وببعض أغصانها على منكبه ، وكنت على يمينه ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّاً واستكباراً: فمرها فليأتك نصفها.

فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشدّه دويّاً ، وكادت تلتف برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا كفراً وعلواً:

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب ١: ١٢٧ - ١٢٨.

(٢) نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٢ (القاصعة): ٢٨٥ ، مناقب آل أبي طالب ١: ١٢٩.

٢٦٩

فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه ، فأمره فرجع.

لحا الله أهل العناد ، كم رأوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمثال ذلك ، فلم يقلعوا عن عنادهم ، وكم له عليهم من نعمة جعلوا جزاءها قتل ذرّيّته ،- وسبي عترته ، ولقد وقف الحسينعليه‌السلام متّكئاً على سيفه ، ووعظهم فلم يتّعظوا ، وذكّرهم فضل جدّه وأبيهعليهما‌السلام فلم يذّكّروا ، فكان من جملة كلامه يومئذ:

أنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى ؟

قالوا: اللهم نعم.

الى أن قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا متقلّده ؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: انشدكم الله هل تعلمون انّ هذه عمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا لابسها ؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: فبم تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، ولواء الحمد بين يديّ يوم القيامة ؟

٢٧٠

قالوا: قد علمنا ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.

فلمّا سمع بناته وأخواته ذلك بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً وقال: سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن.

و لمـّا رأى الحسينعليه‌السلام حرص القوم على القتال قال لأخيه العباس: إن استطعت يا أخي أن تصرفهم عنّا هذه الليلة فلعلّنا نصلّي لربّنا فانّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة له ، وتلاوة كتابه.

فسألهم العباس ذلك فتوقّف ابن سعد.

فقال له ابن الحجاج: والله لو أنهم من الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجابوهم إلى ذلك.

وجلس الحسينعليه‌السلام فخفق برأسه ثم استيقظ ، فقال: يا اُختاه انّي رأيت الساعة جدّي وأبي وأخي وهم يقولون:

يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب ، فلطمت زينب وجهها وبكت وصاحت:

واثكلاه يا جداه يا رسول الله ، وا أخاه وا حسيناه ، أشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير واُغمي عليها.

فقال لها الحسينعليه‌السلام : مهلا لا تشمت القوم.

وبات الحسينعليه‌السلام في تلك الليلة وأصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.

سمة العبيد من الخشوع عليهم

لله إن ضمّتهم الأسحار

وإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم

بيض القواضب أنّهم أحرار

٢٧١

[المجلس السابع عشر]

عن أنس بن مالك قال: كان إذا فقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الرجل سأل عنه ، فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً زاره ، وإن كان مريضاً عاده.(١)

وعن جابر بن عبد الله الانصاري(٢) ، قال: بينا أنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض غزواته إذ أعيا ناضحي تحت الليل ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في اخريات الناس يلاحظ الضعيف فانتهى إليَّ وأنا أقول:

يا لهف اُمّاه ما زال الناضح بسوء.

فقال: من هذا ؟

فقلت: أنا جابر بأبي واُمّي يا رسول الله.

قال: ما شانك ؟

قلت: أعيا ناضحي.

فقال: أمعك عصا ؟

قلت: نعم.

فضربهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ بعثه ، ثمّ أناخه ، ووطئ على ذراعه ، وقال: اركب ، فركبت وسايرته فجعل جملي يسبق جمله ، فاستغفر لي تلك الليلة

____________________

(١) مكارم الأخلاق ١: ٥٥ ح ٣٤ ، بحار الأنوار ١٦: ٣٣٣.

(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الخزرجي الأنصاري السلمي ، المتوفّى سنة ٧٨ ه ، صحابي ، روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الكثير ، وروى عنه جماعة من الصحابة ، غزا تسع عشرة غزوة ، كانت له في أواخر أيّامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم.

انظر: رجال الشيخ: ٧٢ ، الأعلام ١: ٢١٣ ، تهذيب الأسماء ١: ١٤٢.

٢٧٢

خمساً وعشرين مرّة.

فقال لي: ما ترك عبد الله من الولد - يعني أباه - ؟

قلت: سبع نسوة.

قال: أبوك عليه دين ؟

قلت: نعم.

قال: فإذا قدمت المدينة وحضر جذاذ النخل فآذني ، هل تزوّجت ؟

قلت: نعم.

قال: بمَن ؟

قلت: بفلانة ابنة فلان بأيم(١) كانت بالمدينة.

فقال: يا جابر ، هلا فتاة تلاعبها وتلاعبك ؟

قلت: يا رسول الله كن عندي نسوة خرق - يعني أخواته - فكرهت آتيهن بامرأة خرقاء ، فقلت: هذه أجمع لأمري.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أصبت ورشدت.

بكم اشتريت جملك ؟

قلت: بكذا وكذا - بخمس أواق من ذهب -.

قال: بعينه ولك ظهره إلى المدينة.

فلمّا قدم المدينة أتيته بالجمل ، فقال: يا بلال اعطه خمس أواق ثمنه وزده ثلاثاً وردّ عليه جمله.

قال جابر: فلمّا حضر جذاذ النخل أعلمت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء فدعا لنا فجذذنا ، فاستوفى كلّ غريم ما كان يطلب تمراً ، وبقي لنا مثل ما كنا نجذ وأكثر.

____________________

(١) أيم وزان كيس ، المرأة التي لا زوج لها ، وهي مع ذلك لا يرغب أحد في تزويجها.

٢٧٣

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ارفعوا ولا تكيلوا ، فرفعناه وأكلنا منه زماناً.(١)

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر(٢) : أنّ جابراً عبد الله الأنصاري قال للإمام الباقرعليه‌السلام وهو صغير: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يسلم عليك.

فقيل له: وكيف ذلك ؟

قال: كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يقبّله فقال:

يا جابر يولد للحسين مولود اسمه علي ، وإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم زين العابدين ، فيقوم علي بن الحسينعليهما‌السلام ، ثمّ يولد لعلي ولد اسمه محمّدعليه‌السلام فإذا أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام.

وكان جابر هذا من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمين والحسن والحسين ، وأدرك الامام محمد الباقرعليهم‌السلام ولم يشهد وقعة الطف لكونه إذ ذاك مكفوفاً ، لكنّه أوّل من زار الحسينعليه‌السلام .

قال السيد: و لمـّا رجع نساء الحسينعليه‌السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء ، فوجدوا جابراً بن عبد الله الأنصاريرحمه‌الله وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد.(٣)

قال ابن جناب الكلبي(٤) : حدّثنا الجصّاصون ، قالوا: كنّا نسمع الجن

____________________

(١) الأنوار في شمائل النبي المختار ١: ٣١٣ ح ٤١٠ ، مكارم الأخلاق ١: ٥٥ ح ٣٥.

(٢) الصواعق المحرقة: ٢٠١.

(٣) مقتل الحسين لأبي مخنف: ٢٢١.

(٤) في الأصل: أبي حباب الكلبي ، وما أثبتناه هو الصحيح ، وهو يحيى بن أبي حيّة الكلبي الكوفي ، حدّث عن أبيه والشعبي وغيرهم ، انظر «الإكمال ٢: ١٣٤».

٢٧٤

ينوحون عليه فيقولون:

مسح النبيّ جبينه

فله بريق في الخدودِ

أبواه من عَليا قريـ

ـش وجدّه خير الجدودِ(١)

ثم انفصلوا من كربلاء ، فلمّا قربوا من المدينة ، قال الإمام زين العابدين:

يا بشر رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه ؟

فقال: بلى يا بن رسول الله.

فقال: ادخل المدينة وانع أبا عبد اللهعليه‌السلام .

قال بشر: فركبت فرسي ، فلمّا بلغت المسجد رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّج

والرأس منه على القناة يدارُ

ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم [اُعرفكم مكانه].

قال: فما بقيت بالمدينة مخدّرة ولا محجّبة الابرزن من خدورهنّ ، مخمّشات وجوههنّ ، ضاربات خدودهنّ ، يدعونّ بالويل والثبور ، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه ، وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول:

____________________

(١) وقد نسب البيهقي في (المحاسن والمساوئ ١: ٤٩) هذه الأبيات الى الشاعر كعب بن زهير ، والظاهر انّه كعب بن زهير الصحابي ، ولم أجد الأبيات المنسوبة إليه في غير هذا الكتاب ، فإن صحّت هذه النسبة ، فهي ممّا كتمت في أيّام الأمويّين والعباسيّين.

٢٧٥

نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا

وأمرضني ناع نعاه فأوجعا

فعينيّ جودا بالدموع واسكبا

وجودا بدم بعد دمعكما معا

على من وهي عرش الجليل فزعزعا

فأصبح هذا المجد والدين أجدعا

على ابن نبيّ الله وابن صفيه

وإن كان عنّا شاحط الدار أشسعا(١)

قال بشر: فضربت فرسي ورجعت ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فقربت من باب الفسطاط ، وكان زين العابدينعليه‌السلام داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح فيها دموعه ، وخلفه خادم ومعه كرسي فوضعها له فجلس عليها وهو لا يتمالك من البكاء ، وارتفعت أصوات الناس ، وضجّت النساء بالحنين والصراخ ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة.

ثم خطب الناس خطبة لم يسمع أبلغ منها ، ثم رحل إلى المدينة ، فنظر إلى تلك المنازل تنوح بلسان حالها ، وتبكي لفقد حماتها ورجالها ، وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه ، وتنادي لأجلهم: وا ثكلاه ، وا ذلّاه.

مدارس آيات خلت من تلاوةٍ

ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

ما ذنب أهل البيت حتى

منهم أخلوا ربوعه

تركوهم شتّى مصا

رعهم وأجمعا فظيعة

____________________

(١) زينة المجالس: ٥٣٤.

٢٧٦

[المجلس الثامن عشر]

كانت وقعة بدر التي أظهر الله بها الدين ، وكسر فيها سورة المشركين ، صبيحة الجمعة لسبعة عشر ليلة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وكان خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من المدينة المنوّرة ثالث الشهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم سبعة وسبعون من المهاجرين ، والباقون من الأنصار ، ولم يكن معهم إلا فرسان ؛ أحدهما للمقداد ، وكانت الأبل سبعة عشر يتعاقبون عليها.

وأقبلت قريش بخيلائها وحيلها ، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ؛ وقيل: كانوا ألفاً ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير.

وعبّأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه ، وكانت رايته بيد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتقارب الفيلقان ، فبرز من المشركين عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، وكانوا عظماء قريش ، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً بالبروز إليهم ، وأرسل معه عمّه الحمزة ، وعبيدة بن الحرث.

فشدّ أمير المؤمنينعليه‌السلام على الوليد فقتله ، وشد الحمزة على عتبة فقتله ، وبارز عبيدة شيبة فاختلف بينهما ضربتان قطعت ضربة شيبة فخذ عبيدةرحمه‌الله تعالى ، فكرّ أمير المؤمنين وحمزة على شيبة فقتلاه ، فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركين وذلّ دخل عليهم.

ثمّ بارز أمير المؤمنينعليه‌السلام العاص بن سعيد بن العاص - بعد أن

٢٧٧

أحجم عنه سواه - فقتله ، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، وبرز إليه طعيمة ابن عدي - وكان من رؤوس الضلال - فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد ، وكان من شياطين قريش ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه ، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة وعذّبهما يوماً إلى الليل ، وبرز زمعة بن الأسود والحارث بن زمعة كانا من أشدّ المشركين وطأة على المسلمين فقتلهما ، وقتل بعدهما عمير بن عثمان ابن كعب بن تيم ، وهو عمّ طلحة بن عبيد الله ، وبرز بعد عمير أخيه ، وهما عثمان ومالك ابنا عبيد الله وكانا أخوي طلحة فقتلهما أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وصمد إلى صناديد قريش يقتل كلّ من برز إليه ، حتى أتى على نصف المقتولين من المشركين ، وكانوا سبعين رجلاً ، تولّى جميع من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاث آلاف من الملائكة المسوّمين قتل النصف منهم ، وتولّى أمير المؤمنين قتل النصف الآخر وحده بمعونة الله عزّ وجل وكان الفتح على يده.

وختم الأمر بكفّ من تراب تناوله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فرمى به وجوه المشركين قائلاً: شاهت الوجوه.

فلم يبق أحد منهم الا ولّى منهزماً ، ونصر الله عبده ، وأنجز وعده ، فغنم المسلمون أموال المشركون ، وأسروا سبعين من رجالهم ، فكان العبّاس ممّن اُسر يومئذ وجيء به مكتوفاً ، فبات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تلك الليلة ساهراً ، فقال له أصحابه:

يا رسول الله ، ما لك لا تنام ؟

فقال: سمعت تضوّر العباس في وثاقه فمنعني من النوم.

فقاموا إليه فأطلقوه ، فنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢٧٨

بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، أخذك الأرق ، واعتراك القلق ، بوثاق عمّك وقد كان مع المحاربين لك ، على أنّه لم يكن عليلاً ولا ظمآناً ، ولا أضرّه الوثاق ، ولا كان مفجوعاً بأبيه ، ولا مرزوءاً بجمع أهليه ، ولا كان رأس أبيه في أعلى السنان ، ولا طافوا به وبنسائه سبايا في البلدان ، فكيف بك يا رسول الله لو رأيت مريضك العليل والجامعة في عنقه ، والغل في يديه ، والقيد في ساقيه ، وليتك تراهم وقد اجتمعوا عليه يريدون قتله ، فقلبوه عن نطع مسجّى عليه ، وتركوه على الرمضاء ، وحرارة الشمس ، وحرّ المصيبة ، وألم السقم ، يرى خياماً منهوبة ، ونساءً مسلوبة ، ورؤوساً على الرماح مرفوعة ، وجثثاً تحت سنابك الخيل مرضوضة ، يعزّ عليك يا نبي الله إذ ساقوا ثقلك وحرائرك حتى أدخلوهم على يزيد بن معاوية لعنهما الله وهم مقرونون بالحبال ، فلمّا وقفوا بين يديه قال له سبطك علي بن الحسينعليهما‌السلام :

أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لو رآنا على هذه الصفة ؟

فأمر اللعين بالحبال فقطعت ، ثم وضع رأس ريحانتك بين يديه ، وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرون إليه ، فرأته اُمّ المصائبعليها‌السلام فأهوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب:

يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله ، يا بن مكّة ومنى ، يا بن فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين ، يا بنت المصطفى ، فأبكت والله كلّ من كان حاضراً.

يا ليت عين المصطفى نظرت إلى

اُمّ المصائب حولها أيتامها

ما بين نائحة وصارخة غدت

ترثي كما يرثي الفراخ حمامها

لهفي لهاتيك الحرائر أصبحت

يقتاد قسراً للئيم زمامها

٢٧٩

[المجلس التاسع عشر]

خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اُحد يوم الجمعة في شوال سنة ثلاث من الهجرة في ألف مقاتل ، فرجع منهم قبل الوصول إلى اُحد ثلاثمائة من المنافقين ، وبقي سبعمائة ، فيهم مائة دارع ، ولم يكن معهم إلا فرسان ، وكان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، ومعهم مائة فرس ، وثلاثة آلاف جمل وخمسة عشر امرأة ، وقائدهم أبو سفيان ، خرج لحرب الله ومعه ولده معاوية وزوجته هند ، وخرج عمرو بن العاص بزوجته ريطة بنت منبّه ، والتقوا يوم السبت ، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل.

ونزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الشعب من اُحد وتركه خلفه ، وجعل الرماة وهم خمسون وراءه ، ليحموا ظهور المسلمين ، وأمرهم أن لا يفارقوا مراكزهم على كلّ حال.

وأعطى رايته عليّاًعليه‌السلام ، وسأل عن لواء المشركين فقيل: مع بني عبد الدار ، فأعطى لواءه مصعب بن عمير لأنّه منهم.

فلمّا استشهد أخذ علي بن أبي طالبعليه‌السلام في يده الراية واللواء جميعاً ، وحمى الوطيس ، فشدّ أمير المؤمنين على صاحب اللواء وهو طلحة بن أبي طلحة وكان أشجع القوم ، ويعرف بكبش الكتيبة ، فضربه على رأسه ضربة بدرت بهاعيناه ، فصاح صيحة منكرة واسقط اللواء ، فكبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تكبيراً عالياً ، وكبّر المسلمون بأجمعهم ، وتضعضع عسكر الشرك

٢٨٠

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348