نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 100
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 100 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

النهي عن العموم بل عموم النهي ، أي انته عن كل حلاف فالنهي أصل والكل وارد عليه ، كما تقدم تخريج مثله في آخر البقرة في قوله تعالى( وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) [البقرة : ٢٧٦] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث السجية ، فهي كالتفصيل ، فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها سقوط تعظيم الحق ، فصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، فلذلك يحلف صادقا وكاذبا كيفما اتفق( مَهِينٍ ) أي حقير ضعيف وضيع سافل الهمة والمروءة سافل الرأي ، لأن الإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا بذلك ، لأنه ليس له من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه بسببه ، وهو مؤثر للبطالة لما فيها من موافقة طبعه ، وذلك هو الحقارة الكبرى.

ولما كان كل من اتصف بصفة ، أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما إن كانت تلك الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما داناه ألف قال :( هَمَّازٍ ) أي كثير العيب للناس في غيبتهم ، وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه في المجلس ، أي لأن الهمز العض والعصر والدفع ـ من المهماز الذي يطعن به في بطون الدواب ، وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة.

ولما كانت النميمة ـ وهي نقل الحديث على وجه السعاية ـ أشد الهمز أفاد أنه يفعله ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال تعالى :( مَشَّاءٍ ) أي كثير المشي( بِنَمِيمٍ ) أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر وأذاعه سرا ، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك بغاية جهده.

ولما كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس ، وكان المنع لإرادة الاستئثار بالممنوع ليكون الغير محتاجا إليه وعاكفا عليه لأن من طبعه أنه لا يرتبط إلا طمعا لا شكرا بضد الجواد ، فإنه يرفع نفسه عن المطامع ، ولا يرتبط إلا شكرا على الصنائع فيجود ظنا منه أن الناس كذلك ، قال :( مَنَّاعٍ ) أي كثير المنع شديده( لِلْخَيْرِ ) أي كل خير من المال والإيمان وغيرهما من نفسه ومن غيره من الدين والدنيا ـ إلى غير ذلك.

ولما كان من يفعل هذه المخازي من الناس ويقتصر في الهمز والنم على الواقع ، وفي المنع على ما له منعه ـ لئيما ، بين أنه لا يقنع بذلك ، بل زاد عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم فقال :( مُعْتَدٍ ) أي ثابت التجاوز للحدود في كل ذلك( أَثِيمٍ ) أي مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ الخبائث ويرغب في المعاصي ويتطلبها ، ويدع الطاعات ويزهد فيها.

١٠١

( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) )

ولما كان كل من يتصف بهذه الدنايا التي من شأنها إبعاد الناس عنه ونفرتهم منه يسعى في سترها إن كان عاقلا بلين وتواضع وخداع وسهولة انقياد ، بين أن هذا على غير ذلك فقال منبها على هذا بالبعدية :( عُتُلٍ ) أي أكول شديد الخصومة جاف غليظ في خلقه وخلقه ثقيل مر ، كأنه قطعة جبل قد انقطع عن سائره لا ينجر إلى خير إلا بعسر وصعوبة وعنف ، من عتله ـ إذا قاده بغلظة ، فهو في غاية ما يكون من يبس الطباع وعدم الطواعية في الخير والانطباع ، قال الرازي : وسئل عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أي عن العتل ـ فقال : «هو الشديد الخلق الرحيب الجوف الأكول الشروب الظلوم»(١) ونبه سبحانه على ثباته في تلك المخازي الموجب لاستغراق أوقاته وأحواله بها بنزع الخافض فقال :( بَعْدَ ذلِكَ ) الخلق الجدير بتكلف الإبعاد عنه الذي تجمع من هذه الأوصاف التي بلغت نهاية القباحة حتى صارت كأنها خلق واحد ثابت راسخ لا حيلة له في مداواته ، وعلى ذلك نبه قوله :( زَنِيمٍ ) أي صارت له علامة سوء وشر وثناء قبيح ولأمة بينة ومعرفة يعرف بها كما تعرف الشاة بزنمتها. وهي الجلدة التي تكون تحت حلقها مدلاة تنوس ، والعبد بمعايبه وسفساف أخلاقه ، وقيل : هو الذي يتشبه بقوم وليس منهم في شيء ، ولا يخلو التعبير به من إشارة إلى أنه دعي ليس ثابت النسب إلى من ينتسب إليه ، ليكون منقطعا عن كل خير وإن كان ينسب إلى آباء كرام ، أخذا من زنمة البعير ، وهي جلدة تقطع من أذنه فتترك معلقة ، ولا يفعل ذلك إلا بكرام الإبل ، وهذه الأفعال كلها تنافي الشجاعة المقتضية لإحسان صاحبها إلى كل أحد وأن لا يحسب له حسابا ولا يوصل إليه أذى إلا بعد ظهور شره فيعامله حينئذ بحسب العدل بما لا يرزىء بالمروءة والمشار إليه بهذا مع إرادة العموم قيل : الوليد بن المغيرة ، وقيل : الأخنس بن شريق ، وقيل : الأسود بن عبد يغوث ، وقال ابن قتيبة : لا نعلم أن الله تعالى وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة.

ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا زائلا ، لا يفتخر به بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف ، فإذا كان أكبر همه ومبلغ علمه أثمر له الترفع

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤ / ٢٢٧ من حديث عبد الرحمن بن غنم وذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ١٢٨ (١١٤٣٥) وقال : وفيه شهر وثقه جماعة ، وفيه ضعف ، وعبد الرحمن بن غنم ، ليس له صحبة على الصحيح ا ه.

١٠٢

على الحقوق والتكبر على العباد قال :( أَنْ ) أي لأجل أن( كانَ ) هذا الموصوف( ذا مالٍ ) أي مذكور بالكثرة( وَبَنِينَ ) أنعمنا عليه بهما فصار يطاع لأجلهما ، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما( إِذا تُتْلى ) أي تذكر على سبيل المتابعة( عَلَيْهِ ) ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له( آياتُنا ) أي العلامات الدالة دلالة في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة( قالَ ) أي فاجأ هذا القول من غير تأمل ولا توقف عوضا عن الشكر ، ف «إن» مع جاره متعلق بما دل عليه الكلام نحو كذب لأجل كونه متمكنا ، ولا يتعلق بقال لأنه جزاء الشرط ، ويجوز أن يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان كذا ، وقرىء بالكسر على أنها شرطية ، فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى مفهما للنهي عن طاعته عند الوصف بغيره من باب الأولى كالتعليل بإملاق في الوأد :( أَساطِيرُ ) جمع سطور جمع سطر( الْأَوَّلِينَ ) أي أشياء سطروها ودونوها ، وفرغوا منها فحمله دنيء طبعه على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه فجعل الكفر موضع الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه ، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر ، فكان هذا دليلا على جميع تلك الصفات السابقة مع التعليل بالإسناد إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت العنكبوت ، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة ، ولا يعمل في «أن قال» بل ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله.

ولما كان هذا المذكور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه ، قال معلما أنه يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا والآخرة :( سَنَسِمُهُ ) أي نجعل ما يلحق به من العار في الدارين كالوسم الذي لا ينمحي أثره ، تقول العرب : وسمه ميسم سوء.

ولما كان الوسم منكئا ، وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ ، وكان الوجه أشرف ما في الإنسان ، وكان أظهر ما فيه وأكرمه الأنف ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة قال :( عَلَى الْخُرْطُومِ ) أي الأنف الطويل جميعه وما قاربه من الحنكين وسما مستعليا عليه بوضوح جدا ليكون هتكة بين الناس وفضيحة لقومه وذلا وعارا ، وكذا كان لعمري له بهذا الذكر الشنيع والذنب القبيح من الكفر وما معه ، وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما هو أشنع من هذا على أنه قد حقق في الدنيا هذا الخطم حسا بأنه ضرب يوم بدر ضربة خطمت أنفه ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والتعبير عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف.

ولما ذكر في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال ، وختم هنا

١٠٣

بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه ، أعاد ذكر الابتلاء وأكده لأن أعمالهم مع العلم بأنه عرض زائل أعمال من ظن الملك الثابت والتصرف التام ، فقال :( إِنَّا بَلَوْناهُمْ ) أي عاملنا ـ على ما لنا من العظمة ـ الذين نسمهم على الخراطيم من قريش وسائر عبادنا بما وسعنا عليهم به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن ، فغرهم ذلك وظنوا أنهم أحباب ، ومن قترنا عليه من أوليائنا أعداء ، فاستهانوا بهم ، ونسبوهم لأجل تقللهم من الدنيا إلى السفه والجنون والضلال والفتون ، فيوشك أن نأخذهم بغتة كما فعلنا بأصحاب الجنة ، فكل من رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد ابتلى به ، فإن آمن كان ممن أحسن عملا ، وإلا كان ممن أساء.

ولما لم تعرف عامة أهل مكة نعمة الله عليهم بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أخرجه الله عنهم وأكرمه بأنصار جعله أكرم الكرامات لهم ، وكل من سمع به ولم يؤمن فهو كذلك ، تكون أعماله كهذه الجنة يظنها شيئا فتخونه أحوج ما يكون إليها ، أو كان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أكلوا الجيف فما تابوا كما تاب( كَما بَلَوْنا ) أي اختبرنا بأن عاملنا معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن ، وحاصله أنه استخرج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما يعلمه الخالق في عالم الغيب ، أو أنه كناية عن الجزاء( أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) عرفها لأنها كانت شهيرة عندهم وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين ، يقال له الضروان ، يطؤه أهل الطريق ، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام ، ويترك لهم ما أخطأ المنجل أو ألقته الريح أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة ، فلما مات شح بنوه بذلك فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس حتى لا يأتي الفقراء إلا بعد فراغهم ، وذلك معنى قوله تعالى :( إِذْ ) أي حين( أَقْسَمُوا ) ودل على تأكيد القسم فقال :( لَيَصْرِمُنَّها ) عبر به عن الجذاذ بدلالته على القطع البائن المعزوم عليه المستأصل المانع للفقراء ليكون قطعا من كل وجه ، من الصريم ـ لعود يعرض على فم الجدي لئلا يرضع ، ومن الصرماء : المفازة لا ماء بها ، والناقة القليلة اللبن( مُصْبِحِينَ ) أي داخلين في أول وقت الصباح( وَلا ) أي والحال أنهم لا( يَسْتَثْنُونَ ) أي لا يطلبون ولا يوجدون ثنيا ـ أي عودا ـ إلى ما قبل اليمين بقولهم «إن شاء الله» أو غير ذلك من الألفاظ الموجبة لأن يكون شيء من جنتهم مطلقا غير ممنوع ، وسمي ذلك استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا ، وكان الأصل فيه : إلا أن يشاء الله ، وألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في اتحاد الحكم( فَطافَ ) أي فتسبب عن عملهم هذا الطامح أن طاف( عَلَيْها ) أي جنتهم( طائِفٌ ) أي عذاب مهلك محيط مع أنه أمر يسير جدا عند الله وإن كان عظيما بالنسبة إليها لأنه لم يدع منها شيئا ،

١٠٤

ولا يكون الطائف بهذا المعنى إلا بالليل ، كذا قيل ، ويرده( إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) [الأعراف : ٢٠١].

ولما كان هذا مقتا في الصورة أخبر بأنه لطف وتربية في المعنى بقوله :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المعروف بالعظمة التي لا تحد وبالإحسان إليك فهو جدير بأن يؤدب قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة بما أوجب توبتهم وهو الحقيق بتربية العباد يعقلوا عنك ويكونوا خليقين بالتجنب للدنيا والإقبال على المعالي( وَهُمْ ) أي والحال أن أصحاب الجنة المقسمين( نائِمُونَ ) وقت إرسال الطائف( فَأَصْبَحَتْ ) أي فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير العجز والنوم فعلا أو قوة أن صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم بها( كَالصَّرِيمِ ) أي كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما بينه وبين قاصده فلا وصول إليه بوجه ، وقيل : كالليل المظلم الأسود ، وقيل : كالرماد الأسود ، ليس بها ثمرة ، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا ، لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله.

( فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) )

ولما كانوا لقوة عزمهم على ما أقسموا عليه كأنهم كانوا على ميعاد ، سبب عنه قوله :( فَتَنادَوْا ) أي كانوا كأنهم نادى كل منهم الآخر( مُصْبِحِينَ ) أي في حال أول دخولهم في الإصباح ، وفسر التنادي بقوله :( أَنِ اغْدُوا ) أي بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين( عَلى حَرْثِكُمْ ) أي محل فائدتكم الذي أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم ، فكأنهم استبطؤوا قيامهم وغدوهم فكفوا عنه بقولهم :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي اليوم كونا هو لكم بغاية الرغبة( صارِمِينَ ) أي جاذين جذاذا ليسلم لكم من غير مشاركة أحد لكم كما تواثقتم عليه ، أو جازمين بما عزمتم عليه ، وعبر عن إسراعهم إلى الذهاب بقوله :( فَانْطَلَقُوا ) أي بسبب هذا الحث وعقبه كأنهم كانوا متهيئين( وَهُمْ ) أي والحال أنهم( يَتَخافَتُونَ ) أي يقولون في حال انطلاقهم قولا هو في غاية السر كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة ، من الخفوت وهو الخمود ، ثم فسر ما

١٠٥

يتخافتون به بقوله :( أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا ) وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وصلابة الوجه وأن جذاذا يخلو من سائل.

ولما كانت العادة قاضية بأنه لا بد أن ينسى الإنسان شيئا أو يقفل بابا أو ثغرة يدخل منه وبسببه فقير قالوا :( الْيَوْمَ ) أي في جميع النهار ـ بما دل عليه نزع الخافض ـ لتكروا عليه مرارا وتفتشوا فلا تدعوا فيه ثمرة واحدة ولا موضعا يطمع بسببه أحد في قصدكم( عَلَيْكُمْ ) أي وأنتم بها( مِسْكِينٌ ) وهو نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهي أنفسهم أن لا يدعوه يدخل عليهم ، فقال لهم أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما دل عليه ما يأتي : لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم ، وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا ، وأكد كون انطلاقهم حال الإصباح بقوله :( وَغَدَوْا ) أي ساروا إليها غدوة( عَلى حَرْدٍ ) لا غيره وهو القصد وشدة الغضب مع الجزم بالأمر واللجاج فيه والسرعة والنكد بالمنع وقلة الخير ، من حاردت السنة أي لم يكن فيها مطر ، والإبل : منعت درها ، وحرد ـ إذا أسرع( قادِرِينَ ) عند أنفسهم وفي زعمهم بدليل عدم استثنائهم فإن الجزم على الفعل في المستقبل فضلا عن أن يكون مع الخلف فعل من لا كفؤ له ، ودل على قربها من منزلهم بالفاء فقال :( فَلَمَّا رَأَوْها ) أي بعد سير يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر( قالُوا ) لأنها صارت لسوء حالها من ذلك الطائف بعيدة من حال ما كانت عليه عند تباعدهم وتغيير نياتهم فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها ، وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق مع قرب عهدهم بها وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها فقالوا :( إِنَّا لَضَالُّونَ ) أي عن طريق جنتنا لأن هذه لا تشبهها بوجه فيما كانت فيه بالأمس من النضارة وشدة الحمل وحسن الهيئة.

ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال :( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) أي ثابت حرماننا مما كان فيها من الخير الذي لا نغيب عنها إلا سواد الليل فحرمنا الله إياها بما عزمنا عليه من حرمان المساكين لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ولما كان القرع بالمصائب مظنة الرقة والتوبة لمن أريد به الخير ، وزيادة الكفر لغيره ، استأنف قوله :( قالَ أَوْسَطُهُمْ ) أي رأيا وعقلا وسنا ورئاسة وفضلا ، منكرا عليهم :( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ) أن ما فعلتموه لا ينبغي ، وأن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد.

ولما كان منع الخير ولا سيما في مثل هذا مستلزما لظن النقص في الله تعالى إما بأنه سبحانه لا يخلف ما حصل التصدق به وإما أنه لا يقدر على إهلاك ما شح الإنسان

١٠٦

به ، قال مستأنفا :( لَوْ لا ) أي هلا ولم لا( تُسَبِّحُونَ ) أي توقعون التنزيه لله سبحانه وتعالى عما أوهمه فعلكم ، وأقل التسبيح الاستثناء عند الإقسام شكا في قدرة الإنسان وإثباتا لقدرة الملك الديان استحضارا لعظمته سبحانه وتعالى ، ودل سياق الكلام على أنهم كانوا متهيئين للتوبة بقوله :( قالُوا ) من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم فقال سبحانه حاكيا عن قولهم :( سُبْحانَ رَبِّنا ) أي تنزه المحسن إلينا التنزيه الأعظم عن أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم ، وأكدوا قباحة فعلهم هضما لأنفسهم وخضوعا لربهم وتحقيقا لتوبتهم لأن ما كانوا عليه من الحال يقتضي أن لا يصدق رجوعهم عنه بقولهم :( إِنَّا كُنَّا ) أي بما في جبلاتنا من الفساد( ظالِمِينَ ) أي راسخين في إيقاعنا الأشياء في غير مواقعها حيث لم نعزم عزما جازما على ما كان يفعل أبونا من البر ، ثم حيت حلفنا على ترك ذلك ثم حيث لم نرد الأمر إلى الله بالاستثناء حيث حلفنا فإن الاستثناء تنزيه الله عن أن يجري في ملكه ما لا يريد ، وأكد توبتهم بقوله مسببا عن اعترافهم بالظلم :( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ ) أي في حال مبادرتهم إلى الخضوع( عَلى بَعْضٍ ) ودلت التسوية بين فريقيهم في اللفظ على الاستواء في التوبة( يَتَلاوَمُونَ ) أي يفعل كل منهم مع الآخر في اللوم على ما قصده من المنع وترك ما تركوه من الإعطاء والدفع ما يفعله الآخر معه ، وينسب النقصان إليه كما هو دأب المغلوبين العجزة.

( قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) )

ولما تشوف السامع إلى معرفة بعض ذلك قال :( قالُوا ) منادين لما شغلهم قربه منهم وملازمته عن كل شيء :( يا وَيْلَنا ) أي هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ومنادتك لنا فإنه لا نديم لنا إلا أنت ، والويل هو الهلاك والإشراف عليه.

ولما كان أهل الرذالة ينكرون أن يكون من يمنع الفقراء طاغيا ، أكدوا قولهم :( إِنَّا كُنَّا ) أي جبلة وطبعا( طاغِينَ ) أي مجاوزين الحدود فيما فعلنا من التقاسم على منع الفقراء وعلى جذها في الصباح من غير استثناء فعل القادر ، وكان ذلك إن كان لا بد لنا منه ممكنا بغير قسم ولا إخفاء من الغير ولا مخافتة حال السير بأن يقال للفقراء : يفتح الله ، ونحو ذلك من الكلام.

ولما قدموا ما هو أنفع لهم من اللوم المقتضي لإجماعهم على التوبة فعلم بذلك الندم الذي هو أمارة التوبة ، استأنفوا جوابا لمن سأل : هل اقتصروا على التلاوم؟

١٠٧

قولهم :( عَسى ) أي يمكن أن يكون وهو جدير وخليق بأن يكون( رَبُّنا ) أي الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة وبإهلاك ثمرها الآن تأديبا لنا( أَنْ يُبْدِلَنا ) أي من جنتنا شيئا( خَيْراً مِنْها ) يقيم لنا أمر معاشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة بسرور ولذاذة بما أفاده إيقاع الفعل على ضميرهم ، وقراءة أبي عمرو ونافع بالتشديد وقراءة الباقين بالتخفيف وهما متقاربتان غير أن التشديد يدل على التدريج ، فالتخفيف أبلغ معنى : وإنما تعلق رجاؤنا بسبب توبتنا وعلمنا بأن ربنا قادر على ما يريد ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

ولما دل هذا الدعاء على إقبالهم على الله وحده صرحوا وأكدوا لأن حالهم الأول كان حال من ينكر منه مثل ذلك فقالوا معللين :( إِنَّا ) ولما كان المقام للتوبة والرجوع عن الحوبة ، عبروا بأداة الانتهاء إشارة إلى بعدهم عن الحضرات الربانية تأدبا منهم فقالوا :( إِلى رَبِّنا ) أي المحسن إلينا والمربي لنا بالإيجاد ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره سبحانه( راغِبُونَ ) أي ثابتة رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام بعد العفو ، وقد قيل إن الله تعالى جلت قدرته قبل رجوعهم وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان بحيث كان القطف الواحد منها يحمله وحده من كبره البغل ـ رواه البغوي عن ابن مسعود ، ولكن لما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ولم يجلهم بجلاله طواه ، وذكر ما صور هذا الكلام وأنتجه من مساواة حال قريش وحال هؤلاء في الإحسان وطول الحلم مع احتقار أوليائه والتقوى عليهم بأفضاله ونعمائه ، فقال مرهبا :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كانوا عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان منهم لفعلهم والاستصواب وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب :( الْعَذابُ ) الذي تحذرهم منه وتخوفهم به في الدنيا ، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت.

ولما كانوا منكرين لأمور الآخرة أشد من إنكارهم لأمور الدنيا أكد قوله :( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ ) أي الذي يكون فيها للعصاة والجبارين( أَكْبَرُ ) أي في كل ما يتوهمونه.

ولما كان هذا موجبا لمن له أدنى شعور للهروب منه قال :( لَوْ كانُوا ) أي الكفار( يَعْلَمُونَ ) أي لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه مما عرفوا أنه يغضب الله فيكون سبب العذاب في الدارين ، وهم مع ذلك مما يرزىء بهم عند الله وعند الناس من تلك الآثار الخبيثة التي منها الأيمان الكاذبة ، ويدل

١٠٨

على عدم شجاعتهم وقلة عقولهم ، لكنهم ليس لهم نوع علم الآن ، والمختوم بموته على الكفر لا يتجدد له نوع علم ، وغيره سيرجع في الوقت الذي قدره الله له.

ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ، ذكر أضدادهم فقال مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ) أي العريقين في صفة التقوى خاصة دون غيرهم ممن لا يتقي ، والتقوى : الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من المؤذي ، الحامل عليه تجويز الممكنات ، قال الملوي : وأصلها أن الفرس الواقي ـ وهو الموجوع الحافي ـ لا يضع حافره حتى يرى هل الموضع لين يناسب ، وكذا المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك ، فلا يفعل أحد منهم شيئا من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين ، فحازوا الكمال بصلاح القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية ، وزاد في الترغيب إشارة إلى جنة القلب وبسط الروح بقوله :( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم في موضع ندم أولئك وخيبة آمالهم ، فإن تقريبهم دل على رضاه سبحانه ، ورضا صاحب الدار مطلوب قبل نظر الدار ، ولما أشار إلى جنة القلب أتبعها جنة القالب فقال تعالى :( جَنَّاتِ ) جمع جنة وهي لغة البستان الجامع ، وفي عرف الشرع مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى منه جميع الشرور( النَّعِيمِ ) وهو الخالص من المكدر والمشوش والمنغص ، لا شيء فيها غيره أصلا ـ بما أفادته الإضافة.

ولما كان عدم إيراث كل من الفريقين الدار التي تقدم وصفها تسوية بين المحسن والمسيء ، وكان ذلك لا يليق بحكيم أن يفعله ، وجب إنكاره لتحقق أن ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا كذلك لا سيما وقد كان الكفار يقولون : إنهم كالمسلمين أو أحسن حالا منهم ، وذلك أنه إن كان لا بعث ، كما كانوا يظنون ، فقد استووا فيما بعده مع ما فضلوهم به في الدنيا من اتباع الأهواء والظفر باللذائذ ، وإن كان ثم بعث فقد كانوا يقولون لشبهة دعتهم إليها شهوتهم : أما نكون على تقديره أحسن حالا منكم وآثر عند الله في حسن العيش كما نحن في هذه الدار لأنه ما بسط لنا في هذه الدار إلا ونحن عنده أفضل منكم ، فقال تعالى منكرا ومكذبا لذلك غاية إنكار والتكذيب عائبا التحكم بالجهل غاية العيب نافيا للمساواة ليكون انتقاما هو أعلى من باب الأولى مسببا عما تقديره : ولا يكون لغير المتقين ذلك :( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ ) أي الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم( كَالْمُجْرِمِينَ ) أي الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون مثل ذلك ، بل من عاندكم نوع معاندة قاطعتموه ولو وصل الأمر إلى القتل.

١٠٩

ولما كشف هذا الدليل الشبه ورفع الستار ، فأوصل إلى أعظم من ضوء النهار ، لفت القول إليهم بالخطاب لفت المغضب عند العتاب ، فقال معجبا منهم منبها على ما هم فيه من اعوجاج الفطر وفساد الفكر منكرا عليهم غاية الإنكار :( ما لَكُمْ ) أي أيّ شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب.

ولما نبههم على أنه ليس لهم في مثل هذه الأحكام شيء يمكن أن يكون نافعا ، وكان العاقل إذا علم أن شيئا من الأشياء لا نفع فيه بعد منه ، أنكر عليهم ثالثا حال أحكامهم هذه لأن نفي أحوالها أشد لنفيها كما تقدم في( كَيْفَ تَكْفُرُونَ ) في [البقرة : ٢٨] فقال :( كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) أي أيّ عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء.

ولما كان الحكم لا يمكن وجوده إلا مكيفا بكيفية ، وكان سبحانه وتعالى قد نفى حكمهم هذا بإنكار جميع كيفياته التي يمكن أن يصح معها ، وكان الحكم الصحيح لا بد وأن يكون مستندا إلى عقل أو نقل ، زاد بطلان حكمهم وضوحا بنفي الأمرين معا ، فقال عاطفا على ما تقديره : ألكم دليل من العقل إليه تلجؤون :( أَمْ لَكُمْ كِتابٌ ) أي سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم( فِيهِ ) أي لا في غيره من أساطير الأولين وزبر الممحوقين( تَدْرُسُونَ ) أي تقرؤون قراءة أتقنتم مخالطتها أو أنعمتم فهمه بسببها.

ولما ذكر الدرس ذكر المدروس فقال تعالى :( إِنَّ لَكُمْ ) أي خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه( فِيهِ ) أي الكتاب لتكونوا في غاية الوثوق به ، لا في غيره مما لا وثوق لكم به( لَما تَخَيَّرُونَ ) أي تبالغون في انتقائه وأخذ خياره ، وكسر الهمزة وكان حقها الفتح لو لا اللام لأن ما بعدها هو المدروس ، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية.

( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) )

ولما نفى دليل العقل والنقل مع التعجب منهم والتهكم بهم ، وكان قد بقي أن الإنسان ربما عاهد غيره على شيء فيلزمه الوفاء به وإن كان خارجا عما يدعو إليه العقل والنقل ، نفى ذلك بقوله :( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ ) أي غليظة جدا( عَلَيْنا ) قد حملتمونا إياها( بالِغَةٌ ) أي لأجل عظمها إلى نهاية رتب التأكيد بحيث يكون بلوغ غيرها ما يقصد بالنسبة إلى بلوغها ذلك عدما أي أن بلوغها هو البلوغ لا غيره ، أو ثباتها منته( إِلى يَوْمِ

١١٠

الْقِيامَةِ ) لا يمكن الخروج عن عهدتها إلا في ذلك اليوم ليحتاج لأجلها إلى إكرامكم في الدارين.

ولما ذكر ذلك القسم بالأيمان ذكر المقسم عليه فقال :( إِنَّ لَكُمْ ) أي خاصة دون المسلمين( لَما تَحْكُمُونَ ) أي تفعلونه فعل الحاكم الذي يلزم قوله لعلو أمره على وجه التأكيد الذي لا مندوحة عنه فتحكمون لأنفسكم بما تريدون من الخير.

ولما عجب منهم وتهكم بهم ، ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف وينزل بهم أشد الحتف ، فقال مخوفا لهم بالإعراض :( سَلْهُمْ ) أي يا أيها الرسول الذي محت دلائله بقوة أنوارها الأنوار.

ولما كان السؤال سببا لحصول العلم علقت ، «سل» على مطلوبها الثاني وكان حقه أن يعدى بعن فقال :( أَيُّهُمْ بِذلِكَ ) أي الأمر العظيم من المعاهدة والدليل النقلي والعقلي( زَعِيمٌ ) أي كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل لتلزمه في ادعائه صحة ذلك ما تدعه به ضحكة للعباد ، وأعجوبة للحاضر منهم والباد ، فلم يجسر لما تعلمون من حقية هذا القرآن وما لأقوالهم كلها من العراقة في البطلان أحد منهم على شدة عداوتهم ومحبتهم للمغالبة وشماختهم أن يبرز لادعاء ذلك ، ولما نفى أن يكون لهم منه سبحانه في تسويتهم بالمسلمين دليل عقلي أو نقلي أو عهد وثيق على هذا الترتيب المحكم والمنهاج الأقوم ، أتبعه ما يكون من عند غيره إن كان ثم غير على ما ادعوا فقال :( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ ) أي شرعوا لهم من الدين أمرا ووعدوهم بشيء أقاموا عليه من الأدلة ما أقمنا لنبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ ) أي بأقوالهم وأفعالهم كما أتينا نحن في نصر نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأمرين معا بما لا شبهة فيه ، وسجل عليهم بالكتاب ملهبا مهيجا بما يحرق به أكبادهم ولا يقدرون على دفعه بوجه ، فيكون ذلك أعظم دليل على إبطالهم : فقال :( إِنْ كانُوا ) أي جبلة وطبعا( صادِقِينَ ) أي عريقين في هذا الوصف كما يدعونه ، ولما نفى جميع شبههم التي يمكن أن يتشبثوا بها مع البيان لقدرته على ما يريد من تفتيق الأدلة وتشقيق البراهين الدال على تمام العلم اللازم منه كمال القدرة فأوصلهم من وضوح الأمر إلى حد لم يبق معه إلا العناد ، أتبع ذلك تهديدهم بما يثبت ذلك قدرته عليه من يوم الفصل ومعاملتهم فيه بالعدل فقال :( يَوْمَ ) يجوز أن يكون بيانا ليوم القيامة ، وبنى لإضافته إلى الجملة وأن يكون ظرفا ليأتوا ، أو منصوبا بما أخذ من معنى الكلام من نحو : سيعلمون ما يلقون من غب هذه المعاملات وإن نالوا في هذه الدار جميع اللذات في جميع اليوم الذي( يُكْشَفُ ) أي يحصل الكشف فيه ، وبني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو كناية عن تفاقم الأمور وخروجها

١١١

عن حد الطوق ، لا كونه من معين ، مع أن من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه( عَنْ ساقٍ ) أي يشتد فيه الأمر غاية الاشتداد لأن من اشتد عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه لأجله وشمرت حرمه عن سوقهن غير محتشمات هربا ، فهو كناية عن هذا ولذلك نكره تهويلا له وتعظيما ، نقل هذا التأويل عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير رضي الله عنه وغيرهما ، وعن انكشاف جميع الحقائق وظهور الجلائل فيه والدقائق من الأهوال وغيرها كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه وتركت السامع لها في مثل ضوء النهار ، وفي الجزء الخامس والثلاثين من مسند أبي يعلى الموصلي عن أبي بردة عن أبيه رضي الله تعالى عنهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذا قال : «عن نور عظيم يخرون له سجدا»(١) وهو لا ينافي ما ذكر من التأويلين : الشدة والكشف. ولما كان هذا الكشف الذي كشف لهم المعاني في هذا القرآن إنما هو لأجل العبادة التي هي الخضوع الذي يعبر عنه بالسجود وهو آيتها وأمارة ما اشتمل عليه الباطن منها وعلامتها فيأتونها وهم قادرون عليها ذكرهم يوما يريدونها فيه فلا يتأتى لهم تنديما لهم وزيادة تحسير وإظهار تظليل وتخسير لأن ظهورهم وأعضاءهم تكون طبقا واحدا لا تنثني ، فكلما أرادوا أن يسجدوا انقلبوا على أقفائهم ، فقال بانيا للمفعول دلالة على إرادتهم للانقياد ورغبتهم فيه من أي داع كان ، وهو دال على أن التكليف لا ينقطع إلا بدخول كل من الفريقين داره و( يُدْعَوْنَ ) أي من داعي الملك الديان( إِلَى السُّجُودِ ) توبيخا على تركه الآن وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا فيريدونه ليضروا أنفسهم مما يرون من المخاوف( فَلا ) أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا( يَسْتَطِيعُونَ ) أي لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم على أن تطوع لهم أعضاؤهم بما تفهمه هذه الصيغة من أن الإنسان منهم إذا أراد الفعل وعالجه بقوة فلم يطقه فإن ظهورهم تكون على حالة لا تنثني معها بل كان فيها السفافيد فيكون لهم في ذلك أشد ندم لتركهم إياه في الدنيا وهم يقدرون عليه وهو إذ ذاك نافع لهم ومعالجتهم فعله أشد معالجة وهم غير قادرين عليه وهو غير نافع لهم وإذا عجزوا مع المعالجة كانوا بدونها أعجز ، وذلك أنه يبعث المرء على ما مات عليه ويحشر على ما بعث عليه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر ، ولما كان ربما ظن ظان أن المانع لهم الكبر كما في هذه الدنيا ، قال مبينا لنفي الكبر في

__________________

(١) أخرجه أبو يعلى ٦٢٨٣ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٣٤٧ ـ ٣٤٨ من حديث أبي بردة عن أبيه وهو أبو موسى وذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ١٢٨ وقال : وفيه روح بن جناح وثقه دحيم وقال فيه :ليس بالقوي ، وبقية رجاله ثقات ا ه وقال ابن حبان في المجروحين : منكر الحديث جدا ا ه.

وروح ذكره البخاري في التاريخ ٣ / ٣٠٨ ولم يورد فيه جرحا ولا تعديلا.

١١٢

مثل هذا اليوم العظيم( خاشِعَةً ) أي مخبتة متواضعة( أَبْصارُهُمْ ) لأن ما في القلب يعرف في العين ، وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أضوأ من الشمس ، ووجوه الكافرين والمنافقين سود مظلمة.

ولما كان الخاشع لذلك قد يكون خشوعه لخير عنده حمله على ذلك مع العز قال :( تَرْهَقُهُمْ ) أي تغشاهم وتقهرهم( ذِلَّةٌ ) أي عظيمة لأنهم استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها سبحانه وتعالى ليتقربوا بها إليه في دار العمل في التمتع بما يبعد منه.

ولما دلت هذه العبارة مطابقة لما ورد في الحديث الصحيح على أن من كان في قلبه مرض في الدنيا يصير ظهره طبقا واحدا فقارة واحدة فيعالج السجود فيصير كلما أراده انقلب لقفاه ، عجب منهم في ملازمة الظلم الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه فقال :( وَقَدْ ) أي والحال أنهم( كانُوا ) أي دائما بالخطاب الثابت( يُدْعَوْنَ ) في الدنيا من كل داع يدعو إلينا( إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ ) أي فيأبونه والحال أنهم( سالِمُونَ ) أي فهم مستطيعون ، ليس في أعضائهم ما يمنع من ذلك. وإنما يمنعهم منه الشماخة والكبر ، فالآية من الاحتباك : ذكر عدم الاستطاعة أولا دال على حذف الاستطاعة ثانيا ، وذكر السلامة ثانيا دال على حذف عدم السلامة أولا.

( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) )

ولما علم بهذا أنه سبحانه المتصرف وحده بما يشاء كيف يشاء من المنع والتمكين ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يجد من تكذيبهم له ـ مع إتيانه بما لا يحتمل التكذيب بوجه ـ من المشقة ما لا يعلم مقداره إلا الله سبحانه وتعالى ، وكان علم المغموم بأن له منقذا يخفف عنه ، وكان علمه باقتداره على ما يراد منه أقر لعينه سبب عن كمال اقتداره قوله مخففا عنه عليه أفضل الصلاة والسّلام ، لافتا القول إلى التكلم بالإفراد تنصيصا على المراد زيادة في تسكين القلب وشرح الصدر :( فَذَرْنِي ) أي اتركني على أي حالة اتفقت( وَمَنْ يُكَذِّبُ ) أي يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أي حالة كان إيقاعه ، وأفرد الضمير نصا على تهديد كل واحد من المكذبين :( بِهذَا الْحَدِيثِ ) أي بسببه أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إليّ ولا تكترث بشيء منه أصلا فإني أكفيكهم لأنه لا مانع منهم فلا تهتم بهم أصلا.

ولما كان كأنه قيل : وماذا تعمل فيه إذا خليت بينك وبينه؟ أجابه بقوله جامعا

١١٣

الضمير ليكون الواحد مهددا من باب الأولى :( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) أي فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك درجة درجة بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من النعم التي توجب عليهم الشكر فيجعلونها سببا لزيادة الكفر فنوجب لهم النقم.

ولما كان أخذ الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب الهلاك حتى لا يحس بالهلاك إلا وهو لا يقدر على التفصي فيها بوجه قال تعالى :( مِنْ حَيْثُ ) أي من جهات( لا يَعْلَمُونَ ) أي لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات بغوائلها ، وذلك أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب في وقت المخالفة كما يتفق لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم بالنعم حتى يزول عنهم خاطر التذكر فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة فيقولون : قد قلتم : إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء وجزاءها قدر ، ويقولون : إن أفعالنا في الدنيا قبيحة ونحن لا نرى جزاءها إلا ما يسرنا لو لا يعذبنا الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا كلما أحدثنا ما تسمونه معصية تجددت لنا نعمة ، وذلك كما قادهم إلى تدريجهم وهم في غاية الرغبة ، قال القشيري : والاستدراج أن يريد السيىء ويطوي عن صاحبه وجه القصد حتى يأخذه بغتة فيدرج إليه شيئا بعد شيء.

ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من بسط النعم وغيرها ، فأبرزه بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة ، وكان تأخير الأجل لا يكون إلا لله وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه :( وَأُمْلِي ) أي أوخر أنا وحدي في آجالهم وأوسع لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثما( لَهُمْ ) لأنه لا يقدر على مد الأجل وترفيه العيش غيري.

ولما سلاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا غاية التسلية ، علل أو استأنف في جواب من لعله يقول : لم يكون أحدهم على هذا الوجه؟ مسميا إنعامه كيدا :( إِنَّ كَيْدِي ) أي ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان وخلع البر والامتنان( مَتِينٌ ) أي في غاية القوة حيث كان حاملا للإنسان على إهلاك نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما أهملته وأن إمهالي إنما كان استدراجا.

ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان ، ساقه سبحانه وتعالى إليهم فكان موجبا للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به ، فكان سببا لمباشرتهم من التكذيب به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم ، قال دالا على متانة كيده سبحانه ودقة استدراجه عاطفا على ما تقديره لبيان أنهم يباشرون ما يهلكهم باختيارهم من غير موجب : أكان تكذيبهم بهذا الذكر لشيء فيه يرتابون؟ قوله منكرا عليهم ، مبينا أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث

١١٤

سجية لا شهوة لهم فيه ولا شبهة :( أَمْ تَسْئَلُهُمْ ) أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همما( أَجْراً ) على إبلاغك إياهم( فَهُمْ ) أي فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم( مِنْ مَغْرَمٍ ) كلفتهم به فهم لشدته( مُثْقَلُونَ ) أي واقع إثقالهم به حتى أوجب لهم ذلك الغرم الناقص لأموالهم التقاعد عن التصديق بما جئت به إليهم من عندنا فصاروا يشتهون إقلاعك عنه.

ولما نفى أن يكون تكذيبهم بشهوة دعتهم إلى ذلك نفى أن يكون لهم في ذلك شبهة من شك في الذكر أو حيف في المذكر وأن يكونوا على ثقة أو ظن من سلامة العاقبة فقال :( أَمْ عِنْدَهُمُ ) أي خاصة( الْغَيْبُ ) أي علموه من اللوح المحفوظ أو غيره( فَهُمْ ) بسبب ذلك( يَكْتُبُونَ ) أي ما يريدون منه ليكونوا قد اطلعوا على أن هذا الذكر ليس من عند الله أو على أنهم لا درك عليهم في التكذيب به ، فقد علم بهذا أنه لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة ، وإنما تكذيبهم مجرد خبث طباع ، وظلمة نفوس وأمالي فارغة وأطماع.

ولما انتفى جميع ذلك فثبت أنهم على خطر عظيم ، وأنه سبحانه المختص بعلم الغيب ، وقد أخبر بإهلاكهم من أجلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن كفر من كفر وإيمان من آمن بقضائه وتقديره ، فكان لا بد منهما ، كان ذلك سببا حاملا له على الصبر إلى الوقت الذي ضربه سبحانه للفرج ، فقال مسببا عما تقديره : لم يكن له شيء مما ذكر ، وإنما هو القضاء والقدر :( فَاصْبِرْ ) أي أوفر الصبر وأوجده على كل ما يقولون فيك وعلى غير ذلك من كل ما يقع منهم ومن غيره من مر القضاء والقدر( لِحُكْمِ رَبِّكَ ) أي للقضاء الذي قضاه وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الآجال وأوسع عليهم النعم وأخر ما وعدك به من النصر.

ولما كان حاصل قصة يونس ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام ـ أنه استثقل الكرامة بالرسالة لما فيها من الأمور الشديدة من معالجة الخلق فامتحن ، كان سببا لقبوله ذلك ، ثم كان سبب إسلام قومه إدناء العذاب منهم وتقريب غشيانه لهم ، أشار له بقصته إلى أنه يراد إعلاؤه ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى سائر الأنبياء ـ وإعلاء أمته على سائر الأمم بما يحتاج إلى صبر على ما يستثقل من ضر أو أمر شديد مر فقال :( وَلا تَكُنْ ) أي ولا يكن حالك في الضجر والعجلة إلى غير ذلك. ولما كان قد افتتح السورة بالنون الذي من مدلولاته الحوت ، عبر به هنا تحقيقا لإرادته فقال :( كَصاحِبِ ) أي كحال صاحب( الْحُوتِ ) وهو يونس بن متى عليه الصلاة والسّلام( إِذْ ) أي حين ، والعامل في هذا الظرف

١١٥

المضاف المحذوف من الحال ونحوها ، أو يكون التقدير : لا يكن حالك كحاله يحصل لك مثل ما حصل له حين( نادى ) أي ربه المربي له بإحسانه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة وظلمة لحج البحار( وَهُوَ ) أي والحال أنه عند ندائه( مَكْظُومٌ ) أي مملوء كربا وهما وشدة وغما محمول على السكوت ببطنه فهو لا ينطق من شدة حزنه ، ومحبوس عن جميع ما يريد من التصرف إلى أن ألجأه سبحانه بذلك إلى الدعاء والتضرع ، من الكظم ، وهو السكوت عن امتلاء وتجرع للمرارات ، ومن هذا كظمت السقاء أي شددته وملأته فكان مكظوما ، والمكظوم : المكروب ـ كأنه قد أخذ بكظمه وهو مخرج نفسه.

( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) )

ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال :( لَوْ لا أَنْ ) وعظم الإحسان بالتذكير وصيغة التفاعل فقال :( تُدْرِكُهُ ) أي أدركه إدراكا عظيما كأن كلّا من النعمة والمنة يريد أن تدرك الآخر( نِعْمَةٌ ) أي عظيمة جدا( مِنْ رَبِّهِ ) أي الذي أرسله وأحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه والرحمة له( لَنُبِذَ ) أي لو لا هذه الحالة السنية التي أنعم الله عليه بها لطرح طرحا هينا جدا( بِالْعَراءِ ) أي الأرض القفر التي لا بناء فيها ولا نبات ، البعيدة من الإنس حين طرح فيها كما حكم بذلك من الأزل( وَهُوَ ) أي والحال أنه( مَذْمُومٌ ) أي ملوم على الذنب ، ولما كان التقدير : ولكنه تداركه بالنعمة فلم يكن في نبذه ملوما ، سبب عنه قوله :( فَاجْتَباهُ ) أي اختاره لرسالته( رَبُّهُ ) ثم سبب عن اجتبائه قوله :( فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة وصلح بهم غيرهم ، فنبذ بالعراء وهو محمود ، ومن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجرا من أجره ، وأنت كذلك فأنت أشرف العاملين والعالمين.

ولما نهاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن طاعة المكذبين وحذره إدهانهم وضرب لهم الأمثال ، وتوعدهم إلى أن قال : ذرني( وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) وختم بقصة يونسعليه‌السلام للتدريب على الصبر وعدم الضعف ولو بالصغو إلى المدهن ، فكان التقدير تسبيبا عما فيها من النهي : فإنهم إنما يبالغون في أذاك لتضجر فتترك ما أنت فيه ، قال عاطفا على هذا المقدر مخبرا له بما في صدورهم من الإحن عليه وفي قلوبهم من الضغائن له ليشتد حذره من إدهانهم ، مؤكدا لأن من يرى إدهانهم يظن إذعانهم وينكر لمبالغتهم فيه طغيانهم :( وَإِنْ ) أي وإنه( يَكادُ ) وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم

١١٦

بالوصف فقال :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل.

ولما كانت «ن» مخففة ، أتى باللام التي هي علمها فقال :( لَيُزْلِقُونَكَ ) أي من شدة عداوتهم وحسدهم وغيظ قلوبهم( بِأَبْصارِهِمْ ) أي يوجدون لك التنحية عما أنت فيه والزلل العظيم الذي صاحبه في موضع دحض لا مستمسك فيه بالهلاك فما دونه من الأذى حتى يرموك من قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم حين تصويب النظر للفطن من الحنق والسخط الدال على أن صدورهم تغلي ، وهو من قولهم : نظر إليّ نظرا كاد يصرعني ، يعني لو أمكنه أن يصرعني به لصرعني كما قال تعالى( يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ) [الحج : ٧٢] وقيل : يهلكونك بإصابة العين ، قال القشيري : كانوا إذا أرادوا أن يصيبوا شيئا بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام ثم نظروا إلى ذلك الشيء وقالوا : ما أحسنه من شيء ، فيسقط المنظور إليه في الوقت ، ففعلوا ذلك بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالوا : ما أنصحه من رجل ، فحفظه الله منهم ، وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «العين حق »(١) وفي رواية عند أحمد وابن ماجة : «يحضر بها الشيطان وحسد ابن آدم »(٢) ولأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه : «العين حق ولو أن شيئا سابق القدر سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا »(٣) ولأبي نعيم في الحلية من حديث جابر رضي الله عنه رفعه : «العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر »(٤) ولأبي داود من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها : «وإنها لتدرك الفارس فتدعثره »(٥) .

ولما ذكر هذا الإزلاق العظيم ، ذكر ظرفه معبرا بالماضي تذكيرا بالحال الماضية فقال :( لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) أي القرآن الذي غلب عليه التذكير بأمور يعليها كل أحد من

__________________

(١) أخرجه البخاري ٥٧٤٠ و ٥٩٤٤ ومسلم ٢١٨٧ وابن ماجه ٣٥٠٧ وعبد الرزاق ١٩٧٧٨ وابن حبان ٥٥٠٣ وأحمد ٢ / ٣١٩ من حديث أبي هريرة.

(٢) هي إحدى روايات الحديث المتقدم.

(٣) أخرجه مسلم ٢١٨٨ والترمذي ٢٠٦٢ وابن حبان ٦١٠٧ وعبد الرزاق ١٩٧٧٠ والبيهقي ٩ / ٣٥١ من حديث ابن عباس.

(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧ / ٩٠ والخطيب في تاريخه ٩ / ٢٤٤ والقضاعي ١٠٥٧ من حديث جابر ، وفي إسناده شعيب بن أيوب وثقه ابن حبان والدارقطني ، وتكلم فيه أبو داود ، انظر الميزان للذهبي ، حيث قال عن شعيب : إنه منكر.

(٥) هو عند أبي داود ٣٨٨١ من حديث أسماء بنت يزيد لكن بلفظ : «لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الفيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» والفيلة : أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع. وما أراده المصنف هو عند الديلمي في الفردوس ٤٢١٥ من حديث أسماء بنت يزيد.

١١٧

نفسه ، ومن الآفاق حتى كان هواياه أول ما سمعوه حسدا على ما أوتيت من الشرف فكان سماعهم له باعثا لما عندهم من البغض والحسد على أنه لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا بدلالة( وَيَقُولُونَ ) أي قولا لا يزالون يجددونه.

ولما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غاية البعد عما يشين ، أكدوا قولهم :( إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ) حيرة في أمرك وتنفيرا عنك لما يعلمون من أنه لا يسمعه أحد لا غرض له إلا كذبهم ومال بكليته إليك وكان معك وارتبط بك واغتبط بما جئت به ، وعن الحسن أن قراءة هذه الآية دواء للإصابة بالعين.

ولما كان معنى قولهم هذا أن ما يقوله تخاليط من يصرع بالجن ، أكد بقصر القلب قوله معجبا منهم( وَما ) أي والحال أن هذا القرآن أو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما( هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) أي موعظة وشرف( لِلْعالَمِينَ ) أي كلهم عاليهم ودانيهم ليس منهم أحد إلا وهو يعلم أنه لا شيء يشبهه في جلالة معانيه وحلاوة ألفاظه وعظمة سبكه ودقة فهمه ورقة حواشيه وجزالة نظومه ، ويفهم منه على حسب ما هيأه الله له ليناسب عموم ذكريته عموم الرسالة للمرسل به ، وكل ما فيه من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ شامل لهم كلهم ، فوجبت التفرقة بين مسلمهم ومجرمهم لتصدق أقواله فيكمل جلاله وجماله فقد رجعت خاتمتها ـ كما ترى ـ على فاتحتها بالنون والقلم وما يسطرون من هذا الذكر ، وسلب ما قالوا فيه من الجنون والإقسام على الخلق العظيم الذي هو هذا الذكر الحكيم ، ونبه كونه ذكرا لجميع الخلق بما فيه من الوعد والوعيد على أنه لا بد من الحاقة وهي القيامة ليظهر فيها تأويله وإجماله وتفصيله ، ويتضح غاية الاتضاح سبيله ، وتحق فيها حقائقه وتظهر جلائله ودقائقه بما يقع من الحساب ، ويتبين غاية البيان ويظهر الخطأ من الصواب ـ والله الهادي.

١١٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الحاقة

مكية ـ آياتها اثنا وخمسون

مقصودها تنزيه الخالق ببعث الخلائق لإحقاق الحق وإزهاق الباطل بالكشف التام لشمول العلم للكليات والجزئيات وكمال القدرة على العلويات والسفليات ، وإظهار العدل بين سائر المخلوقات ، ليميز المسلم من المجرم بالملذذ والمؤلم ، وتسميتها بالحاقة في غاية الوضوح في ذلك وهو أدل ما فيها عليه( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الكمال كله نزاهة وحمدا( الرَّحْمنِ ) الذي عم جوده بالعدل كبرا ومجدا( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وده بالوقوف عند حدوده لينالوا بطيب جواره علوا وجدا وفوزا بالأماني وسعدا.

( الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) )

لما قدم سبحانه في «نون» الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن ، وذكر القيامة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق ، وهدد التهديد العظيم بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج ، وختم بأن القرآن ذكر ـ أي شرف ـ وتذكير ، ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم برحمته ، أما من بعد إنزاله فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه ، وأما من قبل إنزاله فبالشهادة لهم وعليهم ، وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إنما يظهر ظهورا تاما يوم الجمع الأكبر ، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم وزاجر ، تنبني جميع الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان ، والسر في إنزال القرآن هو التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود ، قال واصفا للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق ، واعظا بذكرها ومحذرا من أمرها :( الْحَاقَّةُ ) أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا كاذبة لها ولا لشيء عنها ، فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها ، ومن إحضار الأمور فيها بحقائقها ، والمجازاة عليها

١١٩

بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق ، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها ، وهي فاعلة أيضا لأنها غالبة لكل خصم ، من حاققته فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه ، فهي تحق الحق ولا بد فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين ، وكل ما فيها دائر على الثبات والبيان ، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم العليم ، وقصة صاحب الحوتعليه‌السلام أدل دليل على القدرة عليها.

ولما كان ذلك كله أمرا رائعا للعقول ، هازا للقلوب ، مزعجا للنفوس ، وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي ، أكد أمره وزاد في تهويله ، وأطنب في تفخيمه وتبجيله ، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله ، معلما أنه مما يحق له أن يستفهم عنه سائقا له بأداة الاستفهام مرادا بها التعظيم للشأن ، وأن الخبر ليس كالعيان :( مَا الْحَاقَّةُ ) فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة وهما خبر عن الأولى ، والرابطة تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما هو ، وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل.

ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق ، عظم التهويل بقوله :( وَما أَدْراكَ ) أي في الزمن الماضي ، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب ، أي وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة ، ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول مستفهما والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم :( مَا الْحَاقَّةُ ) أي إنها بحيث لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك ، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان.

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما بنيت سورة( ن وَالْقَلَمِ ) على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم ، وبين حسدهم وعداوتهم( وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ) [القلم : ٥١] أتبعت بسورة الحاقة وعدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم( كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ) [الحاقة : ٤]( فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ) [الحاقة : ٨]( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) [الأنعام : ٦]( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ) [يونس : ١٠٢] ، و( كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) [مريم : ٩٨] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية.

ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم ، أتبع ذلك

١٢٠