نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 72
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 72 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الأنهار تأخذ عروق الجسد ثمانية عشر تسقي الصدر ، وسبعة تسقي العين ، وأربعة تسقي الدماغ ، والوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين الترقوتين ، ثم ينقسم عنه سائر العروق إلى سائر الجسد ، ولا يمكن في العادة الحياة بعد قطعه ، وفي المائدة عند قوله( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [المائدة : ٦٧] ما ينفع هنا.

( فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) )

ولما أتم تصوير ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه من أن يأخذ السيئات أو أعوانه بيمينه ويكبحه كالسيف فيضربه عنقه ، سبب عنه قوله إتماما لعظمته بقوله :( فَما مِنْكُمْ ) أي أيها الناس ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ ) أي القتل أو المقتول المنقول ، ولما كان «أحد» عاما حقق عمومه واصفا له ، وأخبر عن «ما» على لغة الحجاز بقوله :( حاجِزِينَ ) أي يكون حاجزا جزما كثيفا مانعا من الوصول إليه فلا غرض يتعلق من عاقل أن ينصح لأحد بنصيحة تعود إلى المنصوح وحده بالنفع ولا حظ للقائل فيها بكذب يكلف نفسه تقوله على ملك لا يقدر ذلك المنضوح أن يحميه من عقوبته على ذلك الكذب ، واختار الإخبار بالجمع لأنه يدل على عدم حجز الفرد من باب الأولى و «منكم» حال لتقدمه ، وهذا كله كناية على أبلغ الوجوه عن أن هذا الذكر كلام الله لا شبهة فيه بوجه ، مضموما ذلك إلى وجوه إعجازه ، فإن «لو» لامتناع الثاني لأجل امتناع الأول ، فالتقدير كما يقال في القياس الاستثنائي : لكنا لم نأخذه هذا الأخذ فثبت أنه ما تقول علينا شيئا ، فثبت أن ما قال كلامنا ثبوتا تاما بالبرهان على وجه لا يرام نقضه.

ولما كان هذا كناية عن هذا من غير نظر إلى حقائق مفرداته ولا معنى شيء منها على انفراده ، فكان كأنه قيل : تنزيل من رب العالمين غير متخيل فيه الكذب بوجه ، عطف على ذلك قوله :( وَإِنَّهُ ) أي القرآن بعد أن كان ذكرا لجميع العالمين( لَتَذْكِرَةٌ ) أي مذكر عظيم جدا( لِلْمُتَّقِينَ ) أي من العالمين لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد.

ولما علم من هذا أنه سبحانه عالم بقسمي المسيء والحسن ظواهرهم وبواطنهم ، صرح بالقسم الآخر ، فقال مؤكدا لأجل إنكار الضلال :( وَإِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( لَنَعْلَمُ ) أي علما عظيما محيطا( أَنَّ مِنْكُمْ ) أيها الأرضيون السفليون الذين ليس لهم أهلية العلو إلى تجريد الأرواح عن علائق الجسد الكثيفة( مُكَذِّبِينَ ) أي عريقين في التكذيب فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل ليظهر منكم إلى عالم الشهادة منها ما كنا نعمله

١٤١

في الأزل غيبا من تكذيب وإيمان فتستحقون بذلك العقاب أو الثواب ، فلذلك وجب في الحكمة التي لا يكذب بها أحد ولا يشك في أنها خاصة الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلّا بما يليق به إظهارا للعدل.

ولما كان سبب التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل ، وكان التقدير : فإنه بشرى للمؤمنين ، ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة ، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب به ،( وَإِنَّهُ ) أي القرآن العظيم( لَحَسْرَةٌ ) أي بما يرى من تأويله في الدنيا والآخرة( عَلَى الْكافِرِينَ ) أي العريقين في الكفر لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء المؤمنين.

ولما كان كل من الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة ، ه وكان كل أحد سمع القرآن ذاق أنه لا يقدر على الإتيان بشيء يماثله ولا يدانيه ، قال مؤكدا تنزيلا لهم في عداد الجاهلين :( وَإِنَّهُ ) أي القرآن أو الجزاء في يوم الجزاء( لَحَقُّ الْيَقِينِ ) أي الأمر الثابت الذي يذاق فيصير لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق. من إضافة الصفة إلى الموصوف ، وهو فوق علم اليقين ، وفي ذلك إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون مشاهدا للغيوب كمشاهدة المرئيات لما يشاهد من أمثالها ، فأمر البعث يشاهد كل يوم في الليل والنهار وفي العام في النبات وغير ذلك.

ولما كان البعث لهذا المقصد من أعظم الكمال ، وكان عدمه موجبا للنقص ، سبب عن كلا الأمرين إشارة وعبارة قوله آمرا بعد الإخبار في أول المسبحات :( فَسَبِّحْ ) أي أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص( بِاسْمِ ) أي بسبب علمك بصفات( رَبِّكَ ) أي الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع الإحسان( الْعَظِيمِ ) الذي ملأت الأقطار كلها عظمته ، وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا تسعه العقول لا سيما عن قولهم : لن يعيدنا ، فإنه سبحانه وتعالى قادر على ذلك لا يعجزه شيء ، وقد وعد بذلك وهو صادق الوعد ، وعدم البعث مخل بالحكمة لظلم أكثر الناس ، وفيه إشارة إلى المتاركة ، وتعجيب من حالهم في تصميمهم على الكذب والعناد ، والجلد على الجدل والفساد ، فقد رجع آخر السورة على أولها بإحقاق الحاقة لنفي ما وقع الخبط فيه في دار الاحتجاب بالأسباب من مواقع النقص ومظنات اللبس ، فيثبت الحق وينفي الباطل فيفرق بين المحسن والمسيء والسعيد والشقي ، فيحق السّلام لحزب الرحمن ، ويثبت الهلاك لأصحاب الشيطان ، ويظهر اسمه الظاهر لكل مؤمن وكافر ، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والله الهادي.

١٤٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المعارج

مكية ـ آياتها أربع وأربعون

وتسمى سأل

مقصودها إثبات القيامة وإنذار من كفر بها وتصوير عظمتها بعظمة ملكها وطول يومها وتسلية المنذر بها بما لمن كذبه بما له من الصغار والذل والتبار ، ودل على وجوب وقوعها سابقا بما ختمه بتسميتها في السورة الماضية بالحاقة تنبيها على أنه لا بد منها ولا محيد عنها ، ودل على ذلك بالقدرة في أولها والعلم في أثنائها والتنزه عما في إهمالها من النقص في آخرها ولا خفاء بما أخبر من أنه أرسل جميع رسله بالتحذير منها فأرسل نوحاعليه‌السلام في الزمان الأقدم كما ذكر في سورته عند ما اختلف الناس بعد ما كانوا عليه في زمان أبيهم آدم عليه الصلاة والسّلام من الاتفاق على الدين الحق فافترقوا إلى مصدق ومكذب ، فعلم منه أن من بعده أولى بذلك لقربهم منها ، وأتبع ذلك الإعلام أنه دعا إلى ذلك الجن الذين كان سبيلهم فيها سبيل الآدميين ، وأتبع ذلك ـ بعد إرسال أول الرسل بها زمانا ـ آخرهم زمانا وأولهم نبوة حين كان نبيا وآدم بين الروح والجسد ، فبدأ في سورة المزمل بنبوته ومزيد تزكيته وتقديسه ورفعته والإخبار عن رسالته والتحذير من مخالفته ، وأتبع ذلك الإنذار بها بالصدع بالرسالة بمحو كل ضلالة ، فلما تقررت نبوته وثبتت رسالته على أجمل الوجوه وأجلاها وأبينها وأعلاها وأشرفها وأولاها ، جعل سبحانه سورة القيامة كلها لها إعلاما بأن الأمر عظيم جدا يجب الاعتناء به والتأهب له والاجتهاد بغاية القوة وإفراغ الجهد ، ثم أتبع ذلك الإنسان دلالة على أنه المقصود بالذات من الأكوان ، فلا يسوغ في الحكمة أن يجعله سبحانه سدى. وبين كثيرا من أحوالها ثم أقسم في المرسلات أن أمرها حق لا بد منه ولا مندوحة عنه ، ثم عجب في «عم» منهم في تساؤلهم عنها وتعجيبهم منها ثم أقسم على وقوعها في النازعات وصور من أمرها وهزاهزها ما أراد ، ثم أولى ذلك الدلالة في سورة عبس على أن من الناس من طبع على قلبه فلا حيلة في تصديقه بها مع ما يتبين بالسورة الماضية وغيرها من أمرها ، ثم صورها في «كورت» تصويرا صارت من رأي عين لو

١٤٣

كشف الغطاء ما ازداد الموقنون بها يقينا ، ثم بين في الانفطار أن الأمور فيها ليست على منهاج الأمور هنا ، بل الأسباب كلها منقطعة والأنساب مرتفعة ، والكل خاضعون مخبتون خاشعون ، أعظمهم في الدنيا تجبرا أشدهم هنالك صغارا وتحسرا ، ثم أتبع ذلك من يستحق هنالك النكال والسلاسل والأغلال ، ثم أولاه رفعة أهل الإيمان الذين طبعهم على الإقرار بها والعرفان ، واستمر على هذا إلى آخر القرآن قل أن تأتي سورة إلا وهي معرفة بها غاية المعرفة إلى أن ختم بالدين إشارة بذلك إلى أن معرفتها هي الدين وأشار في «تبت» إليها وأتبعها الإخلاص إشارة إلى أنه لا يسلم فيها إلا الموحدون المعاذون من الفتن الظاهرة والباطنة ، المتصفون بالمحامد المتعاظمة المتكاثرة ، فآذن ذلك أن أكثر غاية القرآن في أمرها العظيم الشأن لأنه لا كتاب بعد هذا الكتاب ينتظر ولا أمة أشرف من هذه تخص ببيان أعظم من بيانها وهو أحد الأوجه التي فاق بها القرآن على الكتب الماضية والصحف الكائنة في القرون الخالية ، وآذن ذلك بأن الأمر قد قرب والهول قد دهم والخوف قد قدح ، ليشمر أهل الاختصاص في النجاة من عذابها والخلاص ، حين لا مفر ولا ملجأ ولات حين مناص ، نسأل الله العافية في يومها والعيشة الراضية ، وعلى هذا المقصد دل اسمها «سأل» وكذا المعارج وهما أنسب ما فيها للدلالة على ذلك ، وقانا الله سبحانه وتعالى من آفاتها والمهالك آمين( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي تنقطع الأعناق والآمال دون عليائه( الرَّحْمنِ ) الذي أوضح نعمة البيان وعم بها وشهرها حتى صارت في الوضوح إلى حد لا مطمع لأحد في ادعاء خفائه( الرَّحِيمِ ) الذي اصطفى من عباده من وفقه للفهم عنه والطاعة له ، فكان من أوليائه.

( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) )

لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره ، وتساوى سره وجهره ، ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن والمسيء ، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعارقه من أمور العمال بعد أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين ، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ما فهمه حق فهمه ، ولا اتصف بحقيقة علمه ، عجب في أول هذه ممن سأل عنها فقال :( سَأَلَ ) ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان جديرا بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله :( سائِلٌ ) وهو من السؤال في قراءتي من خفف بإبدال الهمزة ألفا ومن همز.

١٤٤

ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب وطلبهم تعجيل ذلك إنما هو استهزاء ، ضمن «سأل» استهزاء ثم حذفه ودل عليه بحال انتزعها منه وحذفها ودل عليها بما تعدى به فقال ، أو أنه حذف مفعول السؤال المتعدي «بعن» ليعم كل مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة الأولى وما تدعوا إليه من الكمال فأطاعها فكان مسلما فاضت عليه العلوم ، وبرقت له متجليه أشعة الفهوم ، فبين المراد من دلالة النص بقوله :( بِعَذابٍ ) أي عن يوم القيامة بسبب عذاب أو مستهزئا بعذاب عظيم جدا( واقِعٍ ) وعبر باللام تهكما منهم مثل( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ) فقال :( لِلْكافِرينَ ) أي الراسخين في هذا الوصف بمعنى : إن كان لهم في الآخرة شيء فهو العذاب ، وقراءة نافع وابن عامر بتخفيف الهمزة أكثر تعجيبا أي اندفع فمه بالكلام وتحركت به شفتاه لأنه مع كونه يقال : سال يسأل مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن يكون من سأل يسأل ، قال البغوي : وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالعذاب قالوا : من أهل هذا العذاب ولمن هو؟ سلوا عنه ، فأنزلت.

ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله :( لَيْسَ لَهُ ) أي بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل( دافِعٌ ) مبتدىء( مِنَ اللهِ ) أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له فلا أمر لأحد معه ، وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره وقد تقدم الوعد به ، ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه.

ولما كان القادر يوصف بالعلو ، والعاجز يوصف بالسفول والدنو ، وكان ما يصعد فيه إلى العالي يسمى درجا ، وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركا ، وكانت الأماكن كلها بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء ، اختير التعبير بما يدل على العلو الذي يكنى به عن القدرة والعظمة ، فقال واصفا بما يصلح كونه مشيرا إلى التعليل :( ذِي الْمَعارِجِ ) أي الدرج التي لا انتهاء لها أصلا ـ بما دلت عليه صيغة منتهى الجموع وهي كناية عن العلو ، وسميت بذلك لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية الأعرج ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها السماوات ، ودل على ما دلت عليه الكثرة مع الدلالة على عجيب القدرة في تخفيفها على الملائكة بقوله :( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ ) أي وهم أشد الخلق وأقدره على اختراق الطباق ، والإسراع في النفوذ حتى يكونوا أعظم من لمح البرق الخفاق( وَالرُّوحُ ) أي جبريلعليه‌السلام ، خصه تعظيما له ، أو هو خلق هو أعظم من الملائكة ، وقيل : روح العبد المؤمن إذا قبض( إِلَيْهِ ) أي محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من العلو لمخلوقاته ، وعلق بالعروج أو بواقع قوله :( فِي يَوْمٍ ) أي من أيامكم ،

١٤٥

فيه آدميا( خَمْسِينَ أَلْفَ ) وبين المشقة في صعوده أو الكون فيه إن أريد القيامة بأن قال :( سَنَةٍ ) ولم يقل : عاما ـ مثلا ، ويجوز أن يكون هذا اليوم ظرفا للعذاب فيكون المراد به يوم القيامة ، وأن يكون طوله على الكافر باعتبار ما يلحقه من الغم لشدة المخاوف عليه لأنه ورد أنه يخفف على المؤمن حتى يكون بمقدار صلاة واحدة ـ انتهى.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار ، ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام الدنيا ، وقال مجاهد والحكم وعكرمة : هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلا الله ، وقد مضى في سور ة ألم السجدة ما ينفع ههنا.

ولما كن هذا كله تسلية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن استعجالهم إياه بالعذاب استهزاء وتكذيبا سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب ، سبب عنه قوله :( فَاصْبِرْ ) أي على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت الانتقام منهم أيها الفاتح الخاتم الذي لم أبين لأحد ما بينت على لسانه ، والصبر : حبس النفس على المكروه من الإقدام أو الإحجام ، وجماله بسكون الظاهر بالتثبت والباطن بالعرفان( صَبْراً جَمِيلاً ) أي لا يشوبه شيء من اضطراب ولا استثقال ، ولا شكوى ولا استعجال ، فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة من أرسلك ، فلا بد من وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها ، وهذا قبل الأمر بالقتال.

( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) )

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد وأعظمه أتبعت بجواب من استبطأ ذلك واستبعده إذ هو مما يلجأ إليه المعاند الممتحن ، فقال تعالى :( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) [المعارج : ١] إلى قوله( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ) [المعارج : ٦ و ٧] ثم ذكر حالهم إذ ذاك يوم( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ) [المعارج : ١١] الآية ، ثم أتبع بأن ذلك لا يغني عنه ولا يفيده( إِنَّها لَظى ) [المعارج : ١٥] ثم ختمت السورة بتأكيد الوعيد وأشد التهديد( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا

١٤٦

وَيَلْعَبُوا ) [المعارج : ٤٢] إلى قوله( ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) [المعارج : ٤٤] ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة ـ انتهى.

ولما كان كونه تعالى ، بما تقدم من العظمة ، أمرا معلوما بما له من الآثار من هذا الكون وما فيه ، وكان استبعادهم لما أخبر به أمرا واهيا ضعيفا سفسافا لا يكاد يصدق أن أحدا يحاول أن يرد به هذه الأمور التي هي في وضوحها كالشمس لا خفاء بها أصلا ولا لبس قال مؤكدا :( إِنَّهُمْ ) أي الكفار المكذبين المستعجلين( يَرَوْنَهُ ) أي ذلك اليوم الطويل أو عذابه( بَعِيداً ) أي زمن وقوعه ، لأنهم يرونه غير ممكن أو يفعلون أفعال من يستبعده( وَنَراهُ ) لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين( قَرِيباً ) سواء أريد بذلك قرب الزمان أو قرب المكان ، فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة ، وكل آت قريب والبعيد والقريب عندنا على حد سواء.

ولما ذكر عن هذا اليوم ما يبعث على السؤال عنه ، استأنف بيانه مبينا عظمته فقال :( يَوْمَ ) أي يقع حين( تَكُونُ السَّماءُ ) أي التي هي أوثق ما تراه وأصلبه من عظم ما يقع فيه من الأهوال( كَالْمُهْلِ ) أي الشيء المذاب من المعادن في مهل أو دردي الزيت( وَتَكُونُ الْجِبالُ ) التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها( كَالْعِهْنِ ) أي الصوف ، المصبوغ ألوانا المنقوش ، تطيره الريح كالهباء ، وذلك لأن الجبال في أصلها متلونة كما قال تعالى( وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ) و( بِيضٌ وَحُمْرٌ ) [فاطر : ٢٧] الآية ، قال البغوي : ولا يقال عهن إلا للمصبوغ ، قال : وأول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منثورا ـ انتهى.( وَلا يَسْئَلُ ) من شدة الأهوال( حَمِيمٌ حَمِيماً ) أي قريب في غاية القرب والصداقة قريبا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشف لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئا ، وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب لما كشف الابتلاء عن أنه لا عز إلا بالتقوى ـ هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وعلى قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول المعنى أنه لا يطالب أحد بأحد كما بعض الحكام في الدنيا من أنه يلزم أقارب من قربه لأنه لا حاجة له بذلك ، لأن القدرة محيطة بالكل على حد سواء.

ولما كان عدم السؤال قد يكون لعدم رؤية بعضهم بعضا لكثرة الجمع وشدة الزحام وتفرق الناس فيه على حسب مراتب أعمالهم ، استأنف الجواب لمن كأنه يقول : لعل ذلك يترك لعدم رؤيتهم لهم؟ فقال دالا بالمجهول والتفعيل على عظمة ذلك التبصير وخروجه عن العادة جامعا لأن المقصود من الحميم الجنس والجمع أدل على عموم

١٤٧

التبصير ، قال البغوي : وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس ـ انتهى ، وكان حكمة ذلك أنه أدل على تقطع الأسباب فلا يسأل أحد منهم الآخر عن شيء من أمره لاشتغال كل بنفسه ، فعدم السؤال لا للخفاء بل للاشتغال وهم كل إنسان بما عنده :( يُبَصَّرُونَهُمْ ) أي يبصرهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ويفر كل من الآخر لشغله بنفسه. ولما تناهى الإخبار بعظمة ذلك اليوم إلى حد لا تحتمله القلوب ، ذكر نتيجة ذلك فقال مستأنفا :( يَوَدُّ ) أي يتمنى ويشتهي( الْمُجْرِمُ ) أي هذا النوع سواء كان كافرا أو مسلما عاصيا علم أنه يعذب بعصيانه ، وقيد به لأن المسلم الطائع يشفع فيمن أذن له فيه ولا يهمه شيء من ذلك ، ودل على أن هذه الودادة مجرد تمن بقوله :( لَوْ يَفْتَدِي ) أي نفسه( مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ ) أي يوم إذ كانت هذه المخاوف بأعلق الناس بقلبه وأقربهم منه فضلا عن أن يسأل عن أحواله.

ولما كان السياق للافتداء ، بدأ بأعزهم في ذلك بخلاف ما يأتي في عبس فقال :( بِبَنِيهِ ) لشدة ما يرى.

ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه لنصره والذب عنه ، أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة وما الافتداء به لا سيما عند العرب من أقبح العار فقال :( وَصاحِبَتِهِ ) أي زوجته التي يلزمه الذب عنها والكون دائما معها لكونها عديلة روحه في الدنيا.

ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة ، أتبعها الشقيق الذي لا يلزم من الذب عنه ما يلزم من الذب عن الحريم وربما كان مباينا ، فقال :( وَأَخِيهِ*. )

ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم فقال :( وَفَصِيلَتِهِ ) أي عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه( الَّتِي تُؤْوِيهِ ) أي تضمه إليها عند الشدائد وتحميه ، لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها فهم أعظم الناس حقا عليه وأعزهم لديه.

( وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) )

ولما كانت هذه الآية في الفدية ، قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع والمعرة. ولما كانت آية عبس في الفرار والنفرة ، قدم الألصق فالألصق ، والأعلق في الأنس فالأعلق.

ولما خص هنا عم فقال :( وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) أي من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا. ولما كان ربما خص ذلك

١٤٨

بغيره ، قال محققا لإرادة الحقيقة في معنى «من» :( جَمِيعاً ) .

ولما كان الإنسان تكشف له الأمور هناك أي كشف ، وتظهر له أتم ظهور ، قال تعالى( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) فيعلم أنه لا ينجيه من الخطايا المحيطة المحبطة شيء ، دل على الاستبعاد بأداة البعد فقال عاطفا على «يفتدي» :( ثُمَّ يُنْجِيهِ ) أي ثم يود لو يكون له بذلك نجاة تتجدد له في وقت من الأوقات.

ولما كان هذا مما قد يطمع في النجاة ، فإن بعض الناس يطبع على قلبه فيستغويه الأطماع حتى يعد المحال ممكنا ، قال معبرا بمجمع الروادع والزواجر الصوادع :( كَلَّا ) أي ليكن للمجرم ردع أيّ ردع عن وداده هذا وترتب أثره عليه ، فإن ذلك لا يكون أبدا بوجه من الوجوه.

ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر في المهيع الذي هو فيه ، لأن ذلك إشارة إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب أصلا لما للمقام عليه من عظيم الدلالة ، قال بعد هذا الردع العظيم عن النجاة بل عن ودادة تمنيها :( إِنَّها ) أي النار التي هي سوط الملك المعد لمن عصاه ، المهدد في هذا السياق بعذابها ، المستولية عليه لتكونه سجنه :( لَظى ) أي ذات اللهب الخالص المتناهي في الحر يتلظى أي يتوقد فيأكل بسببه بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله وتأكل ما وجدته كائنا ما كان( نَزَّاعَةً لِلشَّوى ) أي هي شديدة النزع لجلود الرؤوس بليغته فما الظن بغيره من الجلد. وقال في القاموس : الشوى : اليدان والرجلان والأطراف وقحف الرأس وما كان غير مقتل ـ انتهى ، وقيل : والجلد كله واللحم تنزع ذلك ثم يعود كما كان في الحال ليروا التعب الذي كانوا ينكرونه في أنفسهم في كل لحظة.

ولما كان الخلاص غير ممكن من الداعي القادر على الإحضار كنى عن إحضارها إياهم وجذبها لهم بقوله :( تَدْعُوا ) ويجوز أن يكون ذلك حقيقة فتقول في الدعاء في نفسها : إليّ يا مشرك إليّ يا منافق ، ونحو ذلك ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب( مَنْ ) أي كل شخص( أَدْبَرَ ) أي من الجن والإنس أي من وقع منه إدبارهما من حقه الإقبال عليه سواء كان ذلك الإدبار عنها أو عن الأعمال التي من شأنها التنجية منها ، ولما كان الإدبار قد يكون عن طبع غالب فيكون صاحبه في عداد من يعذر ، بين أن الأمر ليس كذلك فقال :( وَتَوَلَّى ) أي كلف فطرته الأول المستقيمة الإعراض عن أسباب النجاة.

ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين ، فكان الإقبال على إحداهما دالا على

١٤٩

الإعراض عن الأخرى ، قال دالا على إدباره بقلبه :( وَجَمَعَ ) أي كل ما كان منسوبا إلى الدنيا.

ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه الاكتناز لا الإنفاق ، سبب عن جمعه قوله :( فَأَوْعى ) أي جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول أمل ولم يعط حق الله فيه ، فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما وجب من الحق إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة.

ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه ، بين أن ذلك لما جبله عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه الله ، وذلك دال من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه ، قال مؤكدا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم :( إِنَّ الْإِنْسانَ ) أي هذا الجنس ، عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه.

ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله :( خُلِقَ هَلُوعاً ) أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له ، وروي عنه أن تفسيره ما بعده.

ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر ، نشر معناه فقال مقدما المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك :( إِذا مَسَّهُ ) أي أدنى مس( الشَّرُّ ) أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر( جَزُوعاً ) أي عظيم الجزع ، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت( وَإِذا مَسَّهُ ) أي كذلك( الْخَيْرُ ) أي هذا الجنس وهو ما يلائمه فيعينه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق( مَنُوعاً ) أي مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة ، وهذا الوصف ضد الإيمان ، لأنه نصفان : صبر وشكر.

( إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ

١٥٠

وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) )

ولما كان التقدير : فهو يسارع في آثار ما جبل عليه مما يترتب على الجزع مما لا يجوز في الشرع ومما يترتب على المنع من ذلك أيضا فيكون من أهل النار ، وكان من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من الخزي مع جبلته ويحمله على كسر نفسه مرة بعد أخرى حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر وتبقى الروح على حالها عند الفطرة الأولى ، فلا تزال تحثه على المبادرة إلى طاعته سبحانه وتعالى وحفظ حدوده ، فكان لا كرامة أعظم من حفظ المكلف لحدود الشرع مع المنافاة لطبعه ، فيكون جامعا للإيمان بنصفيه : الصبر والشكر ، لما جمع من هذه الأوصاف الثمان المعادة لأبواب الجنة الثمان ، فكان أسبابا لها ، استثنى من هذا النوع الهلوع ولذلك جمع فقال :( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) أي المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار ، العريقين في هذا الوصف ، فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم ، فيكونوا في أحسن تقويم معتدلين مسارعين فيما يرضي الرب ، لأنه سبحانه قرن بما جبلهم عليه من الهلع من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكاء روحه ما هيأه به لتهذيب نفسه مما يسره له من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ الحسان والإبعاد عن معادن الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ذلك من سائر الأحوال ، والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلال حتى كانوا من أهل الكمال ، ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف لها فقال :( الَّذِينَ هُمْ ) أي بكلية ضمائرهم وظواهرهم( عَلى صَلاتِهِمْ ) أي التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم ـ بما أفادته الإضافة ، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض ، ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله :( دائِمُونَ ) أي لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها بل يلازمونها ملازمة يحكم بسببها أنها في حال الفراغ منه نصب أعينهم بدوام الذكر لها والتهيؤ لأدائها لأنها صلتهم بمعبودهم الذي لا خير عندهم إلا منه ، فلم يكونوا ناسين لمساوئهم ولا آسين بمحاسنهم ، وكفى بالصلاة بركة في دلالتها على النجاة من هذا الوصف الموجب لأسباب النار ، وهي عبادة ذات شروط وأركان وأبعاض وهيئات وسنن وآداب مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم ، وهي منقسمة إلى ذات ركوع وسجود ، وإلى ذات سجود بلا ركوع كسجدة الشكر والتلاوة ، وإلى ما لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة.

ولما ذكر زكاة الروح ، أتبعه زكاة عديلها المال ، فقال مبينا للرسوخ في الوصف

١٥١

بالعطف بالواو :( وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ ) أي التي منّ سبحانه بها عليهم( حَقٌ ) ولما كان السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في الذاريات اقتصر على الفرض فقال :( مَعْلُومٌ ) أي من الزكوات وجميع النفقات الواجبة.

ولما كان في السؤال من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية النفس مع المذمة ، قدم قوله :( لِلسَّائِلِ ) أي المتكلف لسؤال الإنفاق المتكفف. ولما كان في الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال بذل السؤال من الإقلال بذب المقبل على الله للتفطن والتوسم لأولئك فقال :( وَالْمَحْرُومِ ) أي المتعفف الذي لا يسأل فيظن غنيا ولا مال له يغنيه فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره ، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وإسراره إلا إلى إفاضة مدامعه بذله وانكساره ، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى ، وقد كان للسلف الصالح في هذا وأشباهه قصب السبق ، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سود عند غسله كأنها السيور ، فعجبوا منها ، فلما كان بعد أيام قال نسوة أرامل : كان شخص يأتي إلينا ليلا بقرب الماء وأجربة الدقيق على ظهره ففقدناه واحتجنا ، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك ، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شخصا رآه ماشيا في زمن خلافته في الليل فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد ، فلم يزل رضي الله عنه حتى جاء إلى بيت نسوة أرامل فقال : أعندكن ماء وإلا أملأ لكن ، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن ، والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة شهيرة جدا.

ولما كان المال قد يصرف لإصلاح الدنيا ، بين أن النافع منه إنما هو المصدق للإيمان فقال :( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ ) أي يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت( بِيَوْمِ ) ولما كان المقصود الحث على العمل لأجل العرض على الملك الأعلى عبر بقوله :( الدِّينِ ) أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة على النقير والقطمير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة ، فالذين يعملون لذلك اليوم هم العمال ، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال.

ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب والعقاب ، وكان ربما صرفه صارف إلى الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه ، وأن رحمته غلبت غضبه ، صرح بالعقاب فقال :( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي بجميع ضمائرهم( مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم ، لا

١٥٢

من عذاب غيره ، فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه ، وإذا خيف مع تجليه في مقام الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه في نعوت الجلال من الكبر والقهر والانتقام( مُشْفِقُونَ ) أي خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا أو فيهما ، فهم لذلك لا يغفلون ولا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه.

ولما كان المقام للترهيب ، ولذلك عبر عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين ، فصار العذاب مذكورا مرتين تلويحا وتصريحا ، زاده تأكيدا بقوله اعتراضا مؤكدا لما لهم من إنكاره :( إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ ) أي الذي رباهم وهم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان( غَيْرُ مَأْمُونٍ ) أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه ، بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة لأن الملك مالك وهو تام الملك ، له أن يفعل ما يشاء ـ ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحا بين الخوف والرجاء.

ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية المال بالصدقة ، ندب إلى التخلي عن أمر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو الزنا الحامل عليه شهوة الفرج التي هي أعظم الشهوات حملا للنفس على المهلكات ، فقال بعد ذكر التخويف بالعذاب إعلاما بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة وقوعا من الذباب في أحلى الشراب فقال :( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم( لِفُرُوجِهِمْ ) أي سواء كانوا ذكورا أو إناثا( حافِظُونَ ) أي حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله عنه.

( إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) )

ولما ذكر هذا الحفظ على هذا الوجه ، ذكر ما أذن فيه في أسلوب الاستثناء إشعارا بأنه كأنه لم يذكر فيخرج إلا بعد تقرير عموم الحفظ لا أنه مقصود ابتداء بقصد الصفة فقال :( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) أي بعقد النكاح.

ولما قدمهن لشرفهن وشرف الولد بهن أتبعه قوله :( أَوْ ما ) عبر بما هو الأغلب لغير العقلاء ندبا إلى إيساع البطان في احتمالهن( مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) أي من السراري اللاتي هن محل الحرث والنسل اللاتي هن أقل عقلا من الرجال.

ولما كان الناكح عبادة نادرا جدا ، وكان الأصل في العبادة الخروج عن العادة ،

١٥٣

وإن لم يتجرد للعبادة كن ملوما ، اكتفى في مدحه بنفي اللوم عنه ، وأكده لأن الأصل كان استحقاقه للملام لإقباله على تحصيل ما له من المرام فقال مسببا عن المستثنى :( فَإِنَّهُمْ ) أي بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك( غَيْرُ مَلُومِينَ ) أي في الاستمتاع بهن من لائم ما ـ كما نبه عليه بالبناء للمفعول ـ فهم يصحبونهن قصدا للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله.

ولما أفهم ذلك تحريم غير المستثنى ووجوب الحفظ للفروج عنه ، صرح به على وجه يشمل المقدمات فقال مسببا عنه :( فَمَنِ ابْتَغى ) أي طلب ، وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب( وَراءَ ذلِكَ ) أي شيئا من هذا خارجا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى ، والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة أحسنها وأجملها. ولما كان الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بتسبب من الفاعل ربط بالفاء قوله :( فَأُولئِكَ ) أي الذين هم في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة( هُمُ ) أي بضمائرهم وظواهرهم( العادُونَ ) أي المختصون بالخروج عن الحد المأذون فيه.

ولما ذكر العادي أتبعه الواقف عند الحدود فقال :( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي ببذل الجهد من توجيه الضمائر( لِأَماناتِهِمْ ) أي كل ما ائتمنهم الله عليه من حقه وحق غيره.

ولما كان ذلك قد يكون من غير عهد ، قال مخصصا :( وَعَهْدِهِمْ ) أي ما كان من الأمانات بربط بالكلام وتوثيق( راعُونَ ) أي حافظون لها معترفون بها على وجه نافع غير ضار.

( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) )

ولما كان أجل العهود والأمانات ما كان بإشهاد قال مبينا لفضل الشهادة :( وَالَّذِينَ هُمْ ) أي بغاية ما يكون من توجيه القلوب( بِشَهاداتِهِمْ ) التي شهدوا بها أو يستشهدون بها لطلب أو غيره ، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها( قائِمُونَ ) أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيىء لها واقف في انتظارها.

ولما كانت أضداد هذه المذكورات نقائص مهلكات ، وكانت الأنفس ـ لما لها من النقص ـ نزاعة إلى النقائص ميالة إلى الدسائس ، ذكر سبحانه بالدواء المبرىء من كل

١٥٤

داء ، فقال مشيرا إلى حفظ أحوال الصلاة وأوصافها بعد ذكر الحفظ لذواتها وأعيانها تنبيها على شدة الاهتمام بها :( وَالَّذِينَ هُمْ ) ولما وسط الضمير إشارة إلى الإقبال بجميع القلب قدم الصلة كما فعل بما قيل تأكيدا وإبلاغا في المراد إلى أقصى ما يمكن كما لا يخفى على ذي ذوق فقال :( عَلى صَلاتِهِمْ ) من الفرض والنقل( يُحافِظُونَ ) أي يبالغون في حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم أو يسابقون غيرهم في حفظها لأوقاتها وشروطها وأركانها ومتمماتها في ظواهرها وبواطنها من الخضوع والمراقبة ، وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ولا بد ناهية لفاعلها «أن الصلاة» الكاملة «تنهى عن الفحشاء والمنكر» فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها ، ولكون السياق هذا للتخلي عن الأوصاف الجارة إلى الكفر وحد الصلاة إشارة إلى أنه يكفي في ذلك الفرائض وإن كان الجاس يشمل ، وفي المؤمنون السياق لأهل الرسوخ في المحاسن ، فلذلك جمع بين النوعين : الإفراد في الأول لينصب بادىء بدىء إلى الفرائض ، والجمع في بعض القراءات ليفهم مع ذلك النوافل بأنواعها ، وفي فتح الأوصاف بالصلاة وختمها بها من بيان جلالتها وعظمتها أمر باهر.

ولما ذكر حلاهم أتبعه ما أعطاهم فقال مستأنفا ومستنتجا من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة :( أُولئِكَ ) أي الذين هم في غاية العلو لما لهم من هذه الأوصاف العالية ، وعبر بما يدل على أنه عجل جزاءهم سبحانه فقال :( فِي جَنَّاتٍ ) أي في الدنيا والآخرة ، أما في الآخرة فواضح ، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء أصلا ، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور ، وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور ، وضدها النار ، وزادهم على ذلك بقوله :( مُكْرَمُونَ ) معبرا باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره لأنه سبحانه قضى بأن يعلو مقدارهم حتى يكونوا أعظم مشخص؟ لهم في الغيب مبالغا في إكرامهم عند المواجهة ليكون لهم نصيب من خلق نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، «لقيه يوم بني قريظة علي رضي الله عنه وكان قد سبقه إليهم فقال : يا رسول الله ، ما عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؟ فقال : ولم ، لعلك سمعت بي منهم أذى ، لو قد دنوت منهم لم يقولوا من ذلك شيئا ، ثم دنا منهم فقال : هل أخزاكم الله يا إخوان القردة والخنازير ، فقالوا : مه يا أبا القاسم ما

١٥٥

كنت جهولا »(١) وكلموه بأحسن ما يمكنهم ، وكذا كانت معه قريش قبل الهجرة في أكثر أحوالهم ، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيتلقاهم الملائكة بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى حين دخولهم إلى قصورهم.

ولما تحرر بهذا الكلام الإلهي الذي يشك عاقل في أن مخلوقا لا يقدر عليه ، وأنه لا يقدر عليه إلا الله الواحد الذي لا شريك له ، العالم بكل شيء ، القادر على كل شيء ، أنه لا يتفصى عن نقائص الإنسان حتى يتخلص من ظلمات النقصان إلى نور الإحسان إلا من لازم هذه الأوصاف وزكى نفسه بها ليصير كاملا مع العلم القطعي عند المسلم والكافر أن الكمال سبب السعادة ، وأن الإنسان مطبوع على ما صدر به سبحانه من النقائص ، علم أن المتصفين بهذه الأوصاف هم المختصون بالسعادة الأخروية ، وكان الكفار يأتون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويجلسون حوله بالقرب منه ليسمعوا كلامه ويكذبوه ويهزؤوا به ، وكان العاقل لا ينبغي له أن يأتي شيئا لا سيما إن كان إتيانه إليه على هيئة الإسراع إلا لتحصيل السعادة ، سبب عن ذلك قوله معبرا عن عظمة القرآن بما حاصله أنهم حين يسمعونه يصيرون لشدة ما يفزعهم أمره لا يتمالكون فيفعلون أفعال من لاوعي له :( فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أي شيء من السعادة للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرارا بمضمون هذا الكلام الذي هو أوضح من الشمس ، حال كونهم( قِبَلَكَ ) أي نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك( مُهْطِعِينَ ) أي مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من مقالك هيبة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه.

ولما كان الذي يتطير فيراعي الأيامن والأشائم على ما تقدم في الصافات ، لا يترك ذلك إلا في أمر أدهش عقله وأطار لبه ، فلم يدعه يتأمل ، قال مشيرا إلى شدة اعتنائهم بهذا الإهطاع مع عدم التحفظ من شيء :( عَنِ ) أي متجاوزين إليك كل مكان كان عن جهة( الْيَمِينِ ) أي منك حيث يتمنون به( وَعَنِ الشِّمالِ ) أي منك وإن كانوا يتشاءمون به( عِزِينَ ) أي حال كونهم جماعات جماعات وخلقا خلقا متفرقين فرقا شتى أفواجا يتمهلون ليأتوا جميعا جمع عزة ، وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى ، جمع جمع سلامة شذوذا.

ولما كان هذا الإسراع على هذا الوجه لا ينبغي أن يكون إلا فيما يتحقق أنه

__________________

(١) انظر السيرة لابن هشام ٣ / ٢٣٤.

١٥٦

مسعد ، ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة الأبدية ؛ قال منبها على ذلك منكرا أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون فعلهم ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ أن يقولوا : إن كان ما يقول حقا من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها منهم كما أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكيا عنهم في قوله :( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) [فصلت : ٥٠] وذلك أنه كثيرا ما يأتي الغلط من أن الإنسان يكون في خير في الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من النار لأنه خير في نفس الأمر ، أو يظن أن إمهاله وهو على الباطل رضي به ، ولا يدري أنه لا يضجر ويقلق ويعجل إلا من يخاف الفوت ، أو يكون شيء بغير إرادته :( أَيَطْمَعُ ) أي بهذا الإتيان ، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له.

ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال :( كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ) أي على انفراده ، ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من مدخل معين ، قال بانيا للمفعول :( أَنْ يُدْخَلَ ) أي بالإهطاع وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسيء والمحسن( جَنَّةَ نَعِيمٍ ) أي لا شيء فيها غير النعيم في كل ما فيها على تقدير ضبطه.

( كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) )

ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي : لا يدخل ، أكد ذلك مع إفهام الضجر والاستصغار بالإتيان بأم الزواجر والروادع فقال :( كَلَّا ) أي لا يكون ما طمعوا فيه أصلا لأن ذلك تمن فارغ لا سبب له ـ بما دل عليه التعبير بالطمع دون الرجاء.

ولما كان الإنسان إذا أكثر من شيء وجعله ديدنه فساغ عندهم أن يقال : فلان خلق من كذا ، علل ذلك بقوله مؤكدا ، عدّا لهم منكرين لأنهم مع علمهم بنقصانهم يدعون الكمال :( إِنَّا ) على ما لنا من العظمة( خَلَقْناهُمْ ) بالعظمة التي لا يقدر أحد أن يقاويها فيصرف شيئا من إرادته عن تلك الوجهة التي وجهته إليها إلى غيرها( مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي مما يستحي من ذكره ذاتا ومعنى ، أما الذات فهو نطفة مذرة أخرجت من مخرج البول وغذيناها بدم الحيض ، فهي يتحلب منها البول والعذرة ، وأما المعنى فالهلع والجزع والمنع اللاتي هم موافقون على عدها نقائص ، فلا يصلحون لدار الكمال إلا

١٥٧

بتزكية أنفسهم بما تقدم من هذه الخلال التي حض عليها الملك المتعال ، روى البغوي بسنده عن بشر بن جحاش رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وبصق يوما في كفه ووضع عليها أصبعه فقال : «يقول عزوجل :ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين والأرض منك وئيد وجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت : أتصدق ، وأنّى أوان الصدقة » انتهى.

ولما كان في ذكر هذا الخلق مع ما تقدم إشارة عظيمة إلى ما كانوا يقولون : إنه إن كان الأمر كما يقولون من الحشر والجنة لنكونن آثر عند الله منكم ولندخلنها كما نحن الآن آثر منكم عنده بما لنا من الأموال ، والبسطة في الدنيا والوجاهة والإقبال ، وتنبيه على أن الكل متساوون في أنهم من نطفة فما فضلهم في هذه الدنيا بهذه النعم الظاهرة إلا هو سبحانه ، وقد فضل المؤمنين بالنعم الباطنة التي زادتهم في التمكن فيها التزكية بهذه الأوصاف العملية الناشئة عن الصفة العلمية ، وهو قادر على أن يضم إلى النعم الباطنة النعم الظاهرة ، ولذلك سبب عنه قوله ، وأكد بنفي القسم المشير إلى عدم الحاجة إليه لكثرة الأدلة المغنية عنه لما لذلك المقسم عليه من الغرابة في ذلك الوقت لكثرة الكفار وقوة شوكتهم :( فَلا ) أي فتسبب عن خلقنا لهم من ذلك المنبه على أنا نقدر على كل شيء نريده وأنه لا يعجزنا شيء أي لا( أُقْسِمُ ) فلفت القول إلى أفراد الضمير معرى عن مظهر العظمة لئلا يتعنت متعنت في أمر الوحدانية( بِرَبِ ) أي مربي وسيد ومبدع ومدبر( الْمَشارِقِ ) التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي دبره ، والقانون القويم الذي أتقنه وسخره ، ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة( وَالْمَغارِبِ ) كذلك على هذا الترتيب المحكم الذي لا يعتريه اختلال ، وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة ، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب ، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده كما يريده من غير كلفة ما.

ولما كان المعنى : لا أقسم بذلك وإن كان عظيما لأن الأمر في وضوحه لا يحتاج إلى قسم ، كما لو قال خصم لخصمه : احلف ، فيقول له : الأمر غني عن حلفي إذ يحتاج إلى اليمين من لا بينة له ، ثم يأتي من البينات بما لا يكون معه شبهة ، وكانوا في تفضيل أنفسهم ـ مع الاعتراف لله بالقدرة ـ كالمنكرين للقدرة على قلب الأمر ، أكد قوله عائدا إلى مظهر العظمة بعد دفع اللبس بما هو في وضوحه أجلى من الشمس :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( لَقادِرُونَ ) بأنواع التأكيد بالأداة والأسمية والالتفات إلى مظهر

١٥٨

العظمة في كل من الاسم والخبر ، فكان في إخباره بعد الإقسام مع التأكيد إشارة إلى أعلى مراتب التأكيد( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ ) أي تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة عوضا عنهم( خَيْراً مِنْهُمْ ) أي بالخلق أو تحويل الوصف فيكونوا أشد بسطة في الدنيا وأكثر أموالا وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما ووجاهة وحزما وخدما ، فيكونوا عندك خلقا على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك ، وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر ، والتمكن في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة ، فرجوا الكرب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال.

ولما كان الإنسان قد يفعل شيئا ثم ينقض عليه ، أخبر أنه سبحانه على غير ذلك فقال :( وَما ) وأكد الأمر بالأسمية الكائنة في مظهر العظمة فقال :( نَحْنُ ) وأعرق في النفي فقال :( بِمَسْبُوقِينَ ) أي من سابق ما يغلب على شيء لم نرده بوجه من الوجوه ، ولذلك أتى باسم المفعول.

ولما ثبت أن له سبحانه العظمة البالغة الباهرة من شمول العلم وتمام القدرة ، فأنتج اعتماد أهل حزبه عليه وإعراضهم عن كل ما سواه ، سبب عن ذلك قوله تهديدا للمخالفين وتسلية للمؤالفين :( فَذَرْهُمْ ) أي اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم( يَخُوضُوا ) أي يفعلوا في مقالهم وفعالهم الذي لا شيء منه على إتقان بل هو كفعل الخائض في الماء الذي لا يضع رجله في موضع يعلم أنه يرضيه ، فهو بصدد أن يقع أو يغرق( وَيَلْعَبُوا ) أي يفعل فعل اللاعب الذي لا فائدة لفعله إلا ضياع الزمان والتعطل عما يهم من عظيم الشأن.

ولما كان ما توعد الله من أحوال الآخرة لا بد من وقوعه كان كأنه قادم على الإنسان والإنسان ساع بجهده إليه ، فلذلك عبر بالمفاعلة فقال :( حَتَّى يُلاقُوا ) ولما كان ما يقع للكفار منه أعظم ، كان ذلك اليوم كأنه خاص بهم فقال :( يَوْمَهُمُ الَّذِي ) ولما كان الوعيد ـ وهو ما كان من الخبر تخويفا للمتوعد ـ صادعا للقلوب إذا كان من القادر من غير حاجة إلى ذكر المتوعد ، بني المفعول قوله :( يُوعَدُونَ ) وهو يوم كشف الغطاء الذي أول تجليته عند الغرغرة ونهايته النفخة الثانية إلى دخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره ، والآية منسوخة بآية السيف.

ولما كان ما بعد النفخة الثانية أعظمه وأهوله ، أبدل منه قوله :( يَوْمَ يَخْرُجُونَ )

١٥٩

أي هؤلاء الذين يسألون عنه سؤال استهزاء ويستبعدونه ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما هو في غاية السهولة( مِنَ الْأَجْداثِ ) أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت وقع الحافر والخف ، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ ، فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم( سِراعاً ) أي نحو صوت الداعي.

ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام المنصوبة ، وعادتهم ـ هم بالخصوص ـ المبادرة إلى الأنصاب التي يعبدونها ما هي عليه من الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشا في الحلوم قال :( كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ ) أي علم منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول : هذا نصب عيني وضرب الأمير ـ هذا على قراءة الجماعة بالفتح ، وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم : إلى علم أو شيء يعبدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء ، أو حجر يذبحون عليه ، قال في الجمع بين العباب والمحكم : النصب والنصب والنصب : الداء والبلاء ، والنصب كل ما نصب فجعل علما ، والنصب والنصب : العلم المنصوب ، والنصب والنصب : كل ما عبد من دون الله ، والجمع أنصاب ، والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح عليها لغير الله ، وانصاب الحرم : حدوده ، وقال أبو حيان : والنصب ما نصب للإنسان فهو يقصده مسرعا إليه من علم أو بناء أو صنم ، وغلب في الأصنام حتى قيل : الأنصاب( يُوفِضُونَ ) أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره حتى كأنه يطرد إليه كما كانوا يسرعون إلى أنصابهم.

ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور ، أخبر أن هذا على خلاف ذلك ، وأن ذكر النصب وتصوير حالة الإتيان إليه ما كان إلا تهكما بهم فقال :( خاشِعَةً ) أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل والصغار ، وألحقها علامة التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله :( أَبْصارُهُمْ ) .

ولما كان خشوعها دائما فعبر بالاسم ، وكان ذلهم يتزايد في كل لحظة ، عبر بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال :( تَرْهَقُهُمْ ) أي تغشاهم فتعمهم ، وتحمل عليم فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم( ذِلَّةٌ ) ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة ، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة.

ولما صوره بهذه الصورة أشار إلى أن هذا ما تدركه العقول من وصفه وأنه أعظم

١٦٠