نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 86
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 86 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

سورة والنجم :( وَأَحْصى ) أي الله سبحانه وتعالى( كُلَّ شَيْءٍ ) أي على العموم من غير استثناء أصلا( عَدَداً ) أي من جهة العدد لكل ما يمكن عده ولو على أقل مقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال ، فهو دليل قاطع على علمه تعالى بالجزئيات كعلمه بالكليات ، وقد التقى أول السورة وآخرها وباطنها الغيبي وظاهرها ، فدل آخرها على الأول المجمل ، وأولها على الآخر المفصل ، وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن ، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي السمع ، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته واستمر في تأكيد أمره حتى بانت عظمة هذا القرآن ، وظهرت عزة هذا الفرقان ، على كل كتاب ، بكل اعتبار وحساب ، فافتتح المزمل بمثل ذلك وختمها بالأمر بقراءة ما تيسر منه ، وذكر في المدثر طعن الطاعن فيه وما ناله بسبب ذلك الطعن من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة مع ضمان الحفظ منه ، ثم نهى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سورة القيامة عن العجلة في أمره لئلا يختل حفظه ، أو يزيغ أدنى زيغ لفظه ، وتشريعا لأمته في ترك الاستعجال ، فإنه ليس من دأب الرجال ، ثم أكد أمر تنزيله في الإنسان ، وبين أن علة الإعراض عنه حب العاجلة التي هي عين النقصان ، وختم المرسلات بنهاية ما تخيل الأوهام والظنون ، فقال( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) [الأعراف : ١٨٥] فسبحان من نظمه هذا النظام ، وجعله أقصى المراد وغاية المرام ، وصلّى الله على من لا نبي بعده على الدوام.

٢٠١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المزمل

مكية ـ آياتها عشرون

مقصودها الإعلام بأن محاسن الأعمال تدفع الأخطار والأوجال ، وتخفف الأحمال الثقال ، ولا سيما الوقوف بين يدي الملك المتعال ، والتجرد في خدمته في ظلمات الليال ، فإنه نعم الإله لقبول الأفعال والأقوال ، ومحو ظلل الضلال ، والمعين الأعظم على الصبر والاحتمال ، لما يرد من الكدورات في دار الزوال ، والقلعة والارتحال ، واسمها المزمل أدل ما فيها على هذا المقال( بِسْمِ اللهِ ) الكافي من توكل عليه في جميع الأحوال( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة الإيجاد والبيان المهدي والضال( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بالسداد في الأقوال والأفعال لإيصالهم إلى دار الكمال.

( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) )

لما تقدم في آخر الجن من تعظيم الوحي وأن من تعظيمه حفظ المرسل به من جميع الآفات المفترة عن إبلاغه بما له سبحانه من إحاطة العلم والقدرة وندب نبيه الذي ارتقاه لرسالته والاطلاع على ما أراده من غيبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أول هذه إلى القيام بأعباء النبوة بالمناجاة بهذا الوحي في وقت الأنس والخلوة بالأحباب ، والبسط والجلوة لمن دق الباب ، للاعتلاء والمتاب ، المهيىء لحمل أعباء الرسالة ، والمقوي على أثقال المعالجة لأهل الضلالة ، فقال معبرا بالأداة الصالحة للقرب والبعد المختصة بأنها لا يقال بعدها إلا الأمور التي هي في غاية العظمة ، أشار إلى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يراد به غاية القرب بالأمور البعيدة عن تناول الخلق بكونها خوارق للعادات ونواقض للمألوفات المطردات ، وأما التزمل فهو وإن كان من آلات ذلك إلا أنه من الأمور العادية ، فهو دون ما يراد من التهيئة لذلك الاستعداد ، وبالتزمل لكونه منافيا للقيام في الصلاة :( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) أي الذي أخفى شخصه وستر أمره وما أمرناه به ـ بما أشار إليه التزمل الذي مدلوله التلفف في الثوب على جميع البدن والاختفاء ولزوم مكان واحد ، ولأنه يكون منطرحا على الأرض كما

٢٠٢

قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قتلى أحد ـ «زملوهم بثيابهم ودمائهم »(١) مع الإشارة إلى الإخفاء أيضا بإدغام تاء التفعل ، وربما أشار الإدغام إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن ، كما يأتي في المدثر على أن فيه مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به ، من قولهم : زمل الشيء ـ إذا رفعه وحمله ، والازدمال : احتمال الشيء ، وزملت الرجل على البعير وغيره ـ إذا حملته عليه ، ومن زملت الدابة في عدوها ـ إذا نشطت ، والزامل من حمر الوحش الذي كأنه يظلع من نشاطه ، ورجل إزميل : شديد ، والزاملة : بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه ، ويقال للرجل العالم بالأمر : هو ابن زوملتها ، وقال ابن عطاء : يا أيها المخفي ما تظهره عليه من آثار الخصوصية! هذا أوان كشفه ، وقال عكرمة ـ : يا أيها الذي حمل هذا الأمر ، وقال السدي : أراد يا أيها النائم ، وقال غيره : كان هذا في ابتداء الوحي بالنبوة ، والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة ، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول :( قُمِ ) أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والازدمال بالاجتهاد في الاحتمال ، واترك التزمل فإنه مناف للقيام.

ولما كان الاجتهاد في الخدمة دالّا على غاية المحبة ، وكانت النية خيرا من العمل ، وكان الإنسان مجبولا على الضعف ، وكان سبحانه لطيفا بهذه الأمة تشريفا لإمامهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رضى منا سبحانه بصدق التوجه إلى العمل وجعل أجورنا أكثر من أعمالنا ، فجعل إحياء البعض إحياء للكل ، فأطلق اسم الكل وأراد البعض فقال :( اللَّيْلَ ) أي الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر ، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزلنا عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر والجهر ، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة ، فلذا لم يقيده ، وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة ، وهي عمادها ، فذكرها دال على ما عداها.

ولما كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنيا من الليل :( إِلَّا قَلِيلاً ) أي من كل ليلة ، ونودي هذا النداء لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما جاءه الوحي بغار حراء رجع إلى خديجة زوجته رضي الله تعالى عنها يرجف فؤاده فقال : «زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي » فسألته رضي الله عنها عن حاله ، فلما قص عليها أمره ـ قال : «خشيت على نفسي »(٢)

__________________

(١) صحيح. أخرجه النسائي ٦ / ٢٩ وأحمد ٥ / ٤٣١ من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير. وأخرجه أبو يعلى ١٩٥١ من حديث ابن أبي صعير عن جابر مرفوعا وابن أبي صعير هو عبد الله بن ثعلبة. ـ وله شاهد من حديث جابر عند البخاري ١٣٤٦ بلفظ : «ادفنوهم بدمائهم» يعني يوم أحد ولم يغسلهم.

(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٣ و ٤٩٥٦ و ٦٩٨٢ ومسلم ١٦٠ وابن حبان ٣٣ وأحمد ٦ / ٢٣٢ و ٢٣٣ من حديث عائشة.

٢٠٣

يعني أن يكون هذا مبادىء شعر أو كهانة ، وكل ذلك من الشياطين وأن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس بملك ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة ، فقالت له وكانت وزيرة صدق : «كلا والله! لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق »(١) ونحو هذا من المقال الذي يثبت ، وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل إذا دهمه أمر هو فوق قواه ففرق أمره فرجع إلى نفسه ، وقصر بصره وبصيرته على حسه ، اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته الصالحة على تلك العوارض التخييلية فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية ، وزال ما عرض من العلة البدنية.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها وتم مقصدها ومبناها ، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة ، وأقرب في ظاهر الأمر إلى الإنابة ، بعد تقدم وعيدهم وشديد تهديدهم ، صرف الكلام إلى أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره ، مفتتحا ذلك بأجمل مكالمة وألطف مخاطبة( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) [المزمل : ١] وكان ذلك تسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ورد( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) [فاطر : ٨] إلى آخره ، وليحصل منه الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرت لججه ، وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى( فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ) [المعارج : ٥]( وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) [المزمل : ١٠ ـ ١١] وهذا عين الوارد في قوله تعالى :( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) [فاطر : ٨] وفي قوله( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) [ق : ٤٥] ثم قال :( إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً ) [المزمل : ١٢] فذكر ما أعد لهم ، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه ، وبان لك التحام ما ذكره ، ثم رجع الكلام إلى التلطف به عليه الصلاة والسّلام وبأصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) [المزمل : ٢٠] ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى :( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) [المزمل : ٢٠] انتهى.

ولما كان الليل اسما لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ، وكان قيامه في غاية المشقة ، حمل سبحانه من ثقل ذلك ، فقال مبينا لمراده بما حط عليه الكلام بعد

__________________

(١) هو بعض الحديث المتقدم.

٢٠٤

الاستثناء ، ومبدلا من جملة المستثنى والمستثنى منه :( نِصْفَهُ ) أي الليل ، فعلم أن المراد بالقليل المستثنى النصف ، وسماه قليلا بالنسبة إلى جميع الليل ، وبالنسبة إلى النصف الذي وقع إحياؤه ، لأن ما يلي بالعمل أكثر مما لا عمل فيه ، ويجوز أن يكون «نصفه» بدلا من الليل ، فيكون كأنه قيل : قم نصف الليل إلا قليلا وهو السدس أو انقص منه إلى الربع ، وجاءت العبارة هكذا لتفيد أن من قام ثلث الليل بل ربعه فما فوقه كان محييا لليل كله.

ولما كانت الهمم مختلفة بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى الأوقات قال :( أَوِ انْقُصْ مِنْهُ ) أي هذا النصف الذي أمرت بقيامه ، أو من النصف المستثنى منه القليل على الوجه الثاني وهو الثلث( قَلِيلاً ) فلا تقمه حتى لو أحييت ثلث الليل على الوجه الأول أو ربعه على الوجه الثاني كنت محييا له كله في فضل الله بالتضعيف( أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) أي على النصف قليلا كالسدس مثلا ، فيكون الذي تقومه الثلثين مثلا ، وعلى كل تقدير من هذه التقادير يصادف القيام ـ وهو لا يكون إلا بعد النوم : الوقت الذي يباركه الله بالتجلي فيه فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن يشبه ذاته شيئا أو نزوله نزول غيره بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة الدعاء ـ حين يبقى ثلث الليل ـ وفي رواية : حين يبقى شطر الليل الآخر ـ إلى سماء الدنيا فيقول : هل من سائل فأعطيه ، هل من تائب فأتوب عليه ، هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر. وكان هذا القيام في أول الإسلام فرضا عليهم على التخيير بين هذه المقادير الثلاثة فكانوا يشقون على أنفسهم ، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب ، وكذا بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم ، وكان هذا قبل فريضة الخمس ، فنزل آخرها بالتخفيف بعد سنة( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) [المزمل : ٢٠] الآيات ، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة.

ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه ، أمر بهيئة التلاوة على وجه عام للنهار معلم بأن القيام بالصلاة التي روحها القرآن فقال :( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ ) أي اقرأه على تؤدة وبين حروفه بحيث يتمكن السامع من عدها وحتى يكون المتلو شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان ، فإن ذلك موجب لتدبره فتكشف له مهماته وينجلي عليه أسراره وخفياته ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر ، ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها : «أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قام حتى أصبح بآية ، والآية( إِنْ

٢٠٥

تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ) (١) [المائدة : ١١٨] ولما أعلم سبحانه بالترتيل أعلم بشرفه بالتأكيد بالمصدر فقال :( تَرْتِيلاً ) .

ولما كان المراد منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات في الاقتداء به في العمل والأمر والنهي ، وكان ذلك في غاية الصعوبة ، وكان الإنسان عاجزا إلا بإعانة مولاه ، وكان العون النافع إنما يكون لمن صفت نفسه عن الأكدار وأشرقت بالأنوار ، وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته سبحانه ، علل هذا الأمر بقوله مبينا للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما وصفه ، معلما أن التهجد يعد للنفس من القوى ما به يعالج المشقات ، مؤكدا لأن الإتيان بما هو خارج عن جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( سَنُلْقِي ) أي قريبا بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما يحق له.

ولما كان المقام لبيان الصعوبة ، عبر بأداة الاستعلاء فقال :( عَلَيْكَ ) وأشار إلى اليسر مع ذلك إشارة إلى( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر : ١٧] بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال :( قَوْلاً ) يعني القرآن( ثَقِيلاً ) أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها وتحميلها للمدعوين لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس ، ومن جهة رزانة لفظه لامتلائه بالمعاني مع جلالة معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ويستخرج ما فيه من الجواهر إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر ، فهو ثقيل على الموافق من جميع هذه الوجوه وغيرها ، وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه وله وزن وخطر وقدر عظيم ، روي في الصحيح : «إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا أتاه الوحي يفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشاتي الشديد البرد »(٢) وكان ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أنزل عليه الوحي وهو راكب على ناقته وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك حتى يسري عنه » قال القشيري : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأنعام نزلت عليه جملة واحدة وهو راكب فبركت ناقته من ثقل القرآن وهيبته ، وهو مع ثقله على الأركان خفيف على اللسان سهل التلاوة والحفظ على الإنسان.

( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) )

__________________

(١) جيد. أخرجه الترمذي ٤٤٨ من حديث عائشة وقال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

ـ وله شاهد أخرجه ابن ماجه ١٣٥٠ من حديث أبي ذر قال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح ، ورجاله ثقات ا ه. وصححه الحاكم في المستدرك ١ / ٢٤١ ووافقه الذهبي.

(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٢ و ٣٢١٥ من حديث عائشة.

٢٠٦

ولما أفهم هذا أن التهجد في غاية العظمة ، أكد ذلك حاثا على عدم الرضى بدون الأفضل الأجمل الأكمل بقوله : مؤكدا ليخف أمر القيام على النفس :( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ) أي ساعاته التي كل واحدة منها ناشئة والعبادة تنشأ فيه بغاية الخفة ، من نشأ أي نهض من مضجعه بغاية النشاط لقوة الهمة ومضاء العزيمة التي جعلتها كأنها نشأت بنفسها ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما كان بعد العشاء فهو ناشئة ، وما كان قبله فليس بناشئة ، وقالت عائشة رضي الله عنها : الناشئة القيام بعد النوم ، وقال الأزهري : الناشئة القيام ، مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى العفو.

ولما كان ذلك في غاية الصعوبة لشدة منافرته للطبع ، زاد في التأكيد ترغيبا فيه فقال :( هِيَ ) أي خاصة لما لها من المزايا( أَشَدُّ ) أي أثقل وأقوى وأمتن وأرصن( وَطْئاً ) أي كلفة ومشقة لما فيها من ترك الراحة وفراق الألف والمحبوب ، وأشد ثبات قدم ـ على أنه مصدر وطىء في قراءة الجماعة ـ بفتح ثم سكون ، ومواطأة بين القلب واللسان في الحضور وفي التزام الدين بالإذعان والخضوع على أنه مصدر واطأ مثل قاتل على قراءة أبي عمرو وابن عامر بالكسر والمد وهي أبلغ لأن صيغة المفاعلة تكون بين اثنين يغالبان فيكون الفعل أقوى.

ولما كان التهجد يجمع القول والفعل ، وبين ما في الفعل لأنه أشق ، فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق ، أتبعه القول فقال :( وَأَقْوَمُ قِيلاً ) أي وأعظم سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب بحضور القلب ورياقة الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه وتعالى بحصول البركات ، وأخلص من الرياء والقصود الدنيات.

ولما بين سبحانه من أول السورة إلى هنا ما به صلاح الدين الذي عصمة الأمر وبه صلاح الدارين ، وأظهر ما للتهجد من الفضائل ، فكان التقدير حتما : فواظب عليه لتناول هذه الثمرات ، قال معلّلا محققا له مبينا ما به صلاح الدنيا التي هي فيها المعاش ، وصلاحها وسيلة إلى صلاح المقصود ، وهو الدين وهو الذي ينبغي له لئلا يكون كلّا على الناس ليحصل من الرزق ما يعينه على دينه ويوسع به على عيال الله من غير ملل ولا ضجر ولا كسل ولا مبالغة ، مؤكدا لما للنفس من الكسل عنه :( إِنَّ لَكَ ) أي أيها المتهجد أو يا أكرم العباد إن كان الخطاب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليكون آكد في إلزام الأمة به( فِي النَّهارِ ) الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا.

ولما كان الإنسان يهتم في سعيه لنفسه حتى يكون كأنه لشدة عزمه وسرعة حركته كالسابح فيما لا عائق له فيه قال :( سَبْحاً طَوِيلاً ) أي تقلبا ممتد الزمان ، قال البغوي : وأصل السبح سرعة الذهاب ، وقال الرازي : سهولة الحركة.

٢٠٧

ولما كان التقدير : فاجتهد في التهجد ، عطف عليه قوله حاثا على حضور الفكر :( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرا من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي ودم على ذلك ، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص ، وذلك عون لك على مصالح الدارين ، أما الآخرة فواضح ، وأما الدنيا فقد أرشد النبىصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعز الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله عنها لما سألته خادما يقيها التعب إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم.(١)

ولما كان الذكر قد يكون مع التعلق بالغير ، أعلم أن الذاكر في الحقيقة إنما هو المستغرق فيه سبحانه وبه يكون تمام العون فقال :( وَتَبَتَّلْ ) أي اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل ، والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلا قليلا ، منتهيا :( إِلَيْهِ ) ولا تزل على ذلك حتى يصير لك ذلك خلقا فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع ومقطعة تقطيعا كثيرا بكل قاطع ، فيكون التقدير ـ بما أرشد إليه المصدر «تبتلا» وبتلها( تَبْتِيلاً ) فأعلم بالتأكيد بالمصدر المرشد إلى الجمع بين التفعل والتفعيل بشدة الاهتمام وصعوبة المقام ، وهو من البتل وهو القطع ، صدقة بتلة أي مقطوعة عن صاحبها ، ولذلك قال زيد بن أسلم : التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله تعالى ، والبتول مريم عليهاالسّلام لانقطاعها إلى الله تعالى ، عن جميع خلقه ، وكذا فاطمة الزهراء البتول أيضا لانقطاعها عن قرين ومثيل ونظير ، فالمراد بهذا هو المراد بكلمة التوحيد المقتضية للإقبال عليه والإعراض عن كل ما سواه ، وذلك بملازمة الذكر وخلع الهوى ، والآية من الاحتباك وهو ظاهر : ذكر فعل التبتل دليلا على حذف مصدره ، وذكر مصدر بتل دليلا على حذف فعله.

ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم ، بين أنه سبحانه الذي أنعم بسكن الليل الذي أمر بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه ، فقال واصفا الرب المأمور بذكره في قراءة ابن عامر ويعقوب والكوفيين غير حفص معظما له بالقطع في قراءة الباقين بالرفع :( رَبُّ الْمَشْرِقِ ) أي موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ويضيء بها الصباح وعند الصباح يحمد القوم السرى بما أنالهم من الأنوار في مرائي قلوبهم وما زينها به من شهب المعاني كما أوجد لهم في آفاق أفلاكهم

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٧٠٥ ومسلم ٢٧٢٧ وأبو داود ٥٠٦٢ و ٢٩٨٩ وابن حبان ٥٥٢٤ و ٦٩٢٢ وأحمد ١ / ١٤٦ و ١٤٧ من حديث علي. وأخرجه البخاري ٥٣٦١ من حديث فاطمة.

٢٠٨

من شموس المعاني المثمرة ليدور الأنس في مواطن القدس ، فلا يطلع كوكب في الموضع الذي هو ربه إلا بإذنه ، وهو رب كل مكان ، وما أحسن ما قال الإمام الرباني تقي الدين بن دقيق العيد :(١)

كم ليلة فيك وصلنا السرى

لا نعرف الغمض ولا نستريح

واختلف الأصحاب ما ذا الذي

يزيح من شكواهم أو يريح

فقيل تعريسهم ساعة

وقلت بل ذكراك وهو الصحيح

ولما ذكر مطالع الأنوار ، لأنها المقصود لما لها من جلي الإظهار ، ووحد لأنه أوفق لمقصود السورة الذي هو محطة لانجماح المدلول عليه بالتزمل ، أتبعه مقابله فقال :( وَالْمَغْرِبِ ) أي الذي يكون عنه الليل والذي هو محل السكن وموضع الخلوات ولذيذ المناجاة ، فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا بتقديره سبحانه ، وإذا كان رب ما فيه هذه الصنائع التي هي أبدع ما يكون كان رب ما دون ذلك.

ولما علم بهذا أنه المختص بتدبير الكائنات ، المتفرد بإيجاد الموجودات ، كان أهلا لأن يفرد بالعبادة وجميع التوجه فقال مستأنفا :( لا إِلهَ ) أي معبود بحق( إِلَّا هُوَ ) أي ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأنهى صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص. ولما علم تفرده سبحانه كان الذي ينبغي لعباده أن لا يوجه أحد منهم شيئا من رغبته لغيره فلذلك سبب عنه قوله :( فَاتَّخِذْهُ ) أي خذه بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه تعالى( وَكِيلاً ) أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيكها كلها ويكلؤها غاية الكلاية فإنه المتفرد بالقدرة عليها ، ولا شيء أصلا في يد غيره ، فلا تهتم بشيء أصلا ، وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل ، فإن ذلك طمع فارغ بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ، ليكون متوكلا في السبب لا من دون سبب ، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة ، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب ، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك أن تكلمه كثيرا في مصالحك وتسأله طويلا ووكيلك من الناس ـ إذا حصّل مالك سألك الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر ، ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو سبحانه

__________________

(١) هو الإمام تقي الدين محمد بن علي بن وهب الشافعي المالكي المصري ابن دقيق العيد ولد سنة ٦٢٥ له تصانيف منها الإلمام في الحديث وشرحه توفي سنة ٧٠٢.

٢٠٩

يرزقك وينفق عليك من ماله ، ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ، ومات خالصا شريفا ، ولقي الله تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا ، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه على نفسه ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ، ويتواضع لعظمته ويتزين ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة.

( وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) )

ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز ، وكان الأمر بها مشيرا إلى أنه لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال ، قال :( وَاصْبِرْ ) وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال :( عَلى ما ) وخفف الأمر بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول ، وعظمه باستمرارهم عليه فقال :( يَقُولُونَ ) أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق بالباطل في حق الله وحقك.

ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال :( وَاهْجُرْهُمْ ) أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن( هَجْراً جَمِيلاً ) بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك ، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك الله به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا.

ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما فيه من احتمال علوهم ، أعلم بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعا فقال :( وَذَرْنِي ) أي اتركني على أي حالة اتفقت مني في معاملتهم ، وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف وتعميما فقال :( وَالْمُكَذِّبِينَ ) أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم.

ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب ، ذكر الحامل عليه تزهيدا فيه وصرفا عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به وجارّة إلى حب الدنيا فقال :( أُولِي النَّعْمَةِ ) أي أصحاب التنعم بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة ـ بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من الأموال والأولاد ، والجاه الذي أفادته النعمة ـ بالضم وهي المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم.

٢١٠

ولما كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه ، قال محققا للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها قصير :( وَمَهِّلْهُمْ ) أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم.

ولما سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو سبحانه يسأل في تأخيره لهم ، زاد في البشارة بقوله :( قَلِيلاً ) أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله ، وكان بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير ـ قاله المحب الطبري ، وفيه بشارة لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان ، وأنه ليس محتاجا في أمرهم إلى غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن بالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتفريغ ظاهره وباطنه لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال على الله سبحانه ، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه ، فكان ذلك كالمانع من أخذ الله له ، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع ـ.

ولما كان هذا مناديا بعذابهم ، وكان وصفهم بالنعمة مفهما لأنهم معتادون بالمآكل الطيبة ، وكان منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية النفس بحد نكاية البدن إلّا بعد تقدم إهانة ، استأنف قوله بيانا لنوع ما أفهمه التهديد من مطلق العذاب ، وأكد لأجل تكذيبهم :( إِنَ ) وأشار إلى شدة غرابته وجلالته وعظمته وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله :( لَدَيْنا ) دون عندنا ولما كان أشد ما على الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات ، قال ذاكرا ما يضاد ما هم فيه من النعمة والعز :( أَنْكالاً ) جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا يفك أبدا إهانة لهم لا خوفا من فرارهم ، جزاء على تقييدهم أنفسهم بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء الأهوية. ولما كان ذلك ـ محرقا للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال :( وَجَحِيماً ) أي نارا حامية جدا شديدة الاتقاد بما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب ، والتنعم برقيق اللباس والثياب ، وتكلف أنواع الراحة.

ولما أتم ما يقابل تكذيبهم ، أتبعه ما يقابل النعمة فقال :( وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ ) أي صاحب انتشاب في الحلق كالضريع والزقوم يشتبك فيه فلا يسوغ : لا ينزل ولا يخرج بما كانوا يعانونه من تصفية المآكل والمشارب ، وإفراغ الجهد في الظفر بجميع المآرب. ولما خص عم فقال :( وَعَذاباً أَلِيماً ) أي مؤلما شديد الإيلام لا يدع لهم عذوبة بشيء من الأشياء أصلا بما كانوا يصفون به أوقاتهم ويكدرون على من يدعوهم إلى ما ينفعهم بالخلاص من قيود المشاهدات والعروج من حضيض الشهوات إلى أوج الباقيات الصالحات.

٢١١

ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال :( يَوْمَ تَرْجُفُ ) أي تضطرب وتتزلزل زلزالا شديدا( الْأَرْضُ ) أي كلها( وَالْجِبالُ ) التي هي أشدها. ولما كان التقدير : فكانت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، عطف عليه قوله : :( وَكانَتِ الْجِبالُ ) أي التي هي مراسي الأرض وأوتادها ، وعبر عن شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد فقال :( كَثِيباً ) أي رملا مجتمعا ، فعيل بمعنى مفعول ، من كثبه ـ إذا جمعه ، ومادة كثب بتركيبها كثب ـ وكبث تدور على الجمع مع القرب ، وتلزمه القلة ، فإن حقيقة القرب قلة المسافة زمانا أو مكانا ، والنعومة ، من كثبت التراب : درسته ، وكثب عليه ـ بمعنى حمل أوكر ، معناه قارب أن يخالطه ، وكثيب الرمل : قطعة تنقاد محدودبة ـ ناظر إلى القلة من معنى قطعة ، وكل ما انصب كذلك أيضا لأن الانصباب عادة يكون لما قل وأما نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضا أي كثير فجاءته الكثرة من الصيغة ، والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها ، والكثبة من الأرض : المطمئنة بين الجبال ـ لأنها تكون صغيرة غالبا ، والكباث كسحاب : النضيج من ثمر الأراك ، وقيل : ما لم ينضج ، وقيل : حمله إذا كان متفرقا ، فإن أريد النضيج منه فتسميته به لأنه مجتمع ، وإن أريد ما لم ينضج فهو من مقاربة النضج ، وإن أريد المتفرق فلقرب بعضه من بعض لأن الأراك نفسه صغير الشجر ، وكبث اللحم ـ كفرح : بات مغموما فتغير أو أروح أي جمع على إنائه الذي هو فيه إناء آخر ، أو جمع ما هو فيه حتى تضايق فهو من الجمع لهذا ، وأما الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة : الصلب الشديد ، فهو في الغالب من تجمع أجزائه وتداخل بعضها في بعض ، وتكبيث السفينة أن تجنح إلى الأرض ، هو من الجمع والقرب معا ، وأما كثب كنانته ـ بمعنى نكثها ، فكان فعل استعمل هنا للإزالة ، أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها من رميه بتسييرها لسرعة التناول.

ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازا على ما ارتفع وإن لم يكن ناعما قال :( مَهِيلاً ) أي رملا سائلا رخوا لينا منثورا ، من هاله إذا نثره ، وقال الكلبي : هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده ، ولما ذكر العذاب ووقته وقدمهما ليكون السامع أقبل لما يطلب منه ، أتبعهما السبب فيه مشيرا إلى ما به إصلاح أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب ، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم :( إِنَّا أَرْسَلْنا ) أي بما لنا من العظمة( إِلَيْكُمْ ) يا أهل مكة شرفا لكم خاصة ، وإلى كل من بلغته الدعوة عامة( رَسُولاً ) أي جدا هو محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاتم النبيين وإمامهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( شاهِداً عَلَيْكُمْ ) أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو الحق يوم ننزع من كل أمة شهيدا وهو يوم القيامة.

٢١٢

ولما كانت هذه السورة من أول ما نزل والدين ضعيف وأهله في غاية القلة والذلة ليعتبر بهم من آل به أمره إلى أن كان في زمان صار فيه الدين غريبا كغربته إذ ذاك ، وكان فرعون أعتى الناس في زمانه وأجبرهم ، وأشدهم خداعا وأمكرهم وكان بنو إسرائيل في غاية الذل له والطواعية لأمره ، ومع ذلك فلما أرسل الله إليه موسىعليه‌السلام الذي ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل لأجل أن يكون في جملة من ذبحه لأنه قيل له أنه يولد لبني إسرائيل مولود يكون هلاك القبط على يده أظهره به وأهلكه على قوته وأنجى منه بني إسرائيل على ضعفهم ، قال تعالى تنبيها لقريش والعرب وغيرهم على أن من كان الله معه لا ينبغي أن يقاوي ولو أنه أضعف الخلق ، وتنبيها لهم على الاعتبار بحال هذا الطاغية الذي يزيد عليهم بالملك وكثرة الجنود والأموال :( كَما أَرْسَلْنا ) أي بما لنا من العظمة( إِلى فِرْعَوْنَ ) أي ملك مصر( رَسُولاً ) ولعله نكره للتنبيه على أنه ليس من قوم فرعون فلا مانع له منه من حميم ولا شفيع يطاع ، ليعلم أنه من كانت له قبيلة تحامي عنه أولى بالنصرة.

( فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) )

ولما كان الإرسال سببا للقبول أو الرد قال :( فَعَصى فِرْعَوْنُ ) أي بما له من تعوج الطباع( الرَّسُولَ ) أي الذي تقدم أنا أرسلناه إليه فصار معهودا لكم بعد ما أراه من المعجزات البينات والآيات الدامغات ـ بما أشار إليه مظهر العظمة ، ولذلك سبب عن عصيانه قوله :( فَأَخَذْناهُ ) أي بما لنا من العظمة ، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله :( أَخْذاً وَبِيلاً ) أي ثقيلا شديدا متعبا مضيقا رديء العاقبة من قولهم : طعام وبيل ـ إذا كان وخما لا يستمرا أي لا ينزل في المري ولا يخف عليه ، وذلك بأن أهلكناه ومن معه أجمعين لم ندع منهم أحدا ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في «ألم نشرح» قاعدة إعادة النكرة والمعرفة.

ولما علم بهذا أنه سبحانه شديد الأخذ ، وأنه لا يغني ذا الجد منه الجد ، سبب عن ذلك قوله محذرا لهم الاقتداء بفرعون :( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ) أي توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم ، ولما كان التنفير من سبب التهديد أهم لأنه أدل على رحمة المحذر وأبعث على اجتنابه ، قال مشيرا بأداة الشك إلى أن كفرهم بالله مع ما نصب لهم من الأدلة العقلية المؤيدة بالنقلية ينبغي أن لا يوجد بوجه ، وإنما يذكر على سبيل الفرض والتقدير :( إِنْ كَفَرْتُمْ ) أي أوقعتم الستر لما غرس في فطركم من أنوار الدلائل القائدة إلى الإيمان

٢١٣

فبقيتم على كفركم ـ على أن العبارة مشيرة إلى أنه عفا عنهم الكفر الماضي فلا يعده عليهم رحمة منه وكرما ولا يعد عليهم إلا ما أوقعوه بعد مجيء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( يَوْماً ) أي هو مثل في الشدة بحيث إنه يقال فيه( يَجْعَلُ ) لشدة أهواله وزلزاله وأوجاله( الْوِلْدانَ ) أي عند الولادة أو بالقرب منها( شِيباً ) جمع أشيب وهو من ابيض شعره ، وذلك كناية عن كثرة الهموم فيه لأن العادة جارية بأنها إذا تفاقمت أسرعت بالشيب ، والمعنى إنكار أن يقدروا على أن يجعلوا لهم وقاية بغاية جهدهم تقيهم عذاب ذلك اليوم الموصوف بهذا الهول الأعظم ، وذلك حين يقول الله : «يا آدم قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين(١) » وأسند الجعل إلى اليوم لكونه واقعا فيه كما جعله المتقي ، وإنما المتقي العذاب الواقع فيه.

ولما كان هذا أمرا عظيما ، صور بعض أهواله زيادة في عظمه فقال :( السَّماءُ ) أي على عظمها وعلوها وشدة إحكامها. ولما كان المراد الجنس الشامل للكل ذكر فقال :( مُنْفَطِرٌ ) أي منشق متزايل من هيبة الرب تزايل المتفرط من السلك ، ولو أنث لكان ظاهرا في واحدة من السماوات ، وفي اختيار التذكير أيضا لطيفة أخرى ، وهي إفهام الشدة الزائدة في الهول المؤدي إلى انفطاره ما هو في غاية الشدة لأن الذكر في كل شيء أشد من الأنثى ، وذلك كله تهويلا لليوم المذكور( بِهِ ) أي بشدة ذلك اليوم وباؤه للآلة ، ويجوز كونها بمعنى «فيه» أي يحصل فيه التفطر والتشقق بالغمام ونزول الملائكة وغير ذلك من التساقط والوهي على شدة وثاقتها فما ظنك بغيرها. ولما كان هذا عظيما ، استأنف بيان هوانه بالنسبة إلى عظمته سبحانه وتعالى فقال :( كانَ ) أي على كل حال وبكل اعتبار( وَعْدُهُ ) أي وعد الله الذي تقدم ذكره في مظاهر العظمة ، فالإضافة للمصدر إلى الفاعل( مَفْعُولاً ) أي سهلا مفروغا منه في أي شيء كان ، فكيف إذا كان بهذا اليوم الذي هو محط الحكمة ، أو الضمير لليوم فالإضافة إلى المفعول ، إشارة إلى أن الوعد الواقع به وفيه لا بد منه ، ومعلوم أنه لا يكون إلا من الله.

ولما كان ما مضى من هذه السورة من الأحكام والترغيب والترهيب مرشدا إلى معالي الأخلاق منقذا من كل سوء ، قال مستأنفا مؤكدا تنبيها على عظمها وأنها مما ينبغي التنبيه عليه :( إِنَّ هذِهِ ) أي القطعة المتقدمة من هذه السورة( تَذْكِرَةٌ ) أي تذكير عظيم

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٥٣٠ ومسلم ٢٢٢ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٢١٩ وأحمد ٣ / ٣٢ و ٣٣ من حديث أبي سعيد الخدري.

ـ وأخرجه أبو يعلى ٣١٢٢ والحاكم ١ / ٢٩ و ٤ / ٥٦٦ وابن حبان ٧٣٥٤ من حديث أنس بن مالك.

ـ وأخرجه الترمذي ٣١٦٨ وأحمد ٤ / ٤٣٢ من حديث عمران بن حصين.

٢١٤

هو أهل لأن يتعظ به المتعظ ويعتبر به المعتبر ، ولا سيما ما ذكر فيها بأهل الكفر من أنواع العقاب. ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح ، واختيارا يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قسر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها ، سبب عن ذلك قوله :( فَمَنْ شاءَ ) أي التذكر للاتعاظ( اتَّخَذَ ) أي أخذ بغاية جهده( إِلى رَبِّهِ ) أي خاصة ، لا إلى غيره( سَبِيلاً ) أي طريقا يسلبه حظوظه لكونه لا لبس فيه ، فيسلك على وفق ما جاءه من التذكرة ، وذلك الاعتصام حال السير بالكتاب والسنة على وفق ما اجتمعت عليه الأمة ، ومتى زاغ عن ذلك هلك.

( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) )

ولما كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه ، وربما شق على غيره ، أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفا لما يلحق الإنسان من النصب ، مشيرا إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة الحياة ، لأن منفعتها التزود من كل خير لما أدناه هول المقابر ، فإن الروح في غاية اللطافة ، والجسد في غاية الكثافة ، لأنها من عالم الأمر ، وهو ما يكون الإيجاد فيه بمرة واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي غريبة فيه تحتاج إلى التأنيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني المجرد عن علائق الأجسام ، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس بالأذكار والصلوات وجميع الأعمال الصالحات ، فإن ذلك هو المعين على اتصالها بعالمها العالي العزيز الغالي ، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة ، وهي العدل في الأعمال والاقتصاد في الأقوال والأفعال ، فقال مستأنفا الجواب عن تيسير السبيل وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه إلا يد القدرة( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك وبأمتك( يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ) أي في الصلاة كما أمرت به أول السورة.

ولما كانت كثرة العمل ممدوحة وقلته بخلاف ذلك ، استعار للأقل قوله :( أَدْنى ) أي زمانا أقل ، والأدنى مشترك بين الأقرب ، والأدون للأنزل رتبة لأن كلّا منهما يلزم منه

٢١٥

قلة المسافة( مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ) في بعض الليالي( وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ) أي وأدنى من كل منهما في بعض الليالي ـ هذا على قراءة الجماعة ، والمعنى على قراءة ابن كثير والكوفيين بالنصب تعيين النصف والثلث الداخل تحت الأدنى من الثلثين ، وهو على القراءتين مطابق لما وقع التخيير فيه في أول السورة بين قيام النصف بتمامه أو الناقص منه وهو الثلث أو الزائد عليه وهو الثلثان ، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع.

ولما ذكر سبحانه قيامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أتبعه قيام أتباعه ، فقال عاطفا على الضمير المستكن في تقوم وحسنه الفصل :( وَطائِفَةٌ ) أي ويقوم كذلك جماعة فيها أهلية التحلق بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض. ولما كانت العادة أن الصاحب ربما أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل إلى قوله :( مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) أي بأقوالهم وأفعالهم ، أي على الإسلام ، وكأنه اختار هذا دون أن يقول من المسلمين لأنه يفهم أن طائفة لم تقم بهذا القيام فلم يرد أن يسميهم مسلمين ، والمعية أعم.

ولما كان القيام ـ على هذا التفاوت مع الاجتهاد في السبق في العبادة دالا على عدم العلم بالمقادير على ما هي عليه قال تعالى :( وَاللهُ ) أي تقومون هكذا لعدم علمكم بمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده( يُقَدِّرُ ) أي تقديرا عظيما هو في غاية التحرير( اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) فيعلم كل دقيقة منهما على ما هي عليه لأنه خالقهما ولا يوجد شيء منهما إلا به( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) [الملك : ١٤].

ولما علم من هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علما وعملا ، ترجم ذلك بقوله :( عَلِمَ ) أي الله سبحانه( أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) أي تطيقوا التقدير علما وعملا ، ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «استقيموا ولن تحصوا»( فَتابَ ) أي فتسبب عن هذا العلم أنه سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب( عَلَيْكُمْ ) بالترخيص لكم في ترك القيام المقدر أول السورة ، أي رفع التبعة عنكم في ترك القيام على ذلك التقدير الذي قدره كما رفع عن التائب ، وكأنه سماه توبة وإن لم يكن ثم معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى المعصية.

ولما رفعه سبب عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبرا عن الصلاة بالقراءة لأنها أعظم أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب :( فَاقْرَؤُا ) أي في الصلاة أو غيرها في الليل والنهار( ما تَيَسَّرَ ) أي سهل وهان إلى الغاية عليكم ولان وانقاد لكم( مِنَ الْقُرْآنِ ) أي الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم ، قال القشيري : يقال : من خمس آيات إلى ما زاد ، ويقال : من عشر آيات إلى ما يزيد ، قال البغوي : قال قيس بن أبي

٢١٦

حازم : صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة ، فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة ، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية. وقيل : إنه أمر بالقراءة مجردة إقامة لها مقام ما كان يجب عليهم من الصلاة بزيادة في التخفيف ، ولذلك روى أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن عبد لله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (١) ». قال المنذري : من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية.

ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه بعدم إحصائه ، فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى للنسخ فقال :( عَلِمَ أَنْ ) أي أنه( سَيَكُونُ ) يعني بتقدير لا بد لكم منه( مِنْكُمْ مَرْضى ) جمع مريض ، وهذه السورة من أول ما أنزل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ففي هذه بشارة بأن أهل الإسلام يكثرون جدا.

ولما ذكر عذر المريض وبدأ به لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه ، أتبعه السفر للتجارة لأنه يليه في العموم ، فقال مبشرا مع كثرة أهل الإسلام باتساع الأرض لهم :( وَآخَرُونَ ) أي غير المرضى( يَضْرِبُونَ ) أي يوقعون الضرب( فِي الْأَرْضِ ) أي يسافرون لأن الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله ، ثم استأنف بيان علة الضرب بقوله :( يَبْتَغُونَ ) أي يطلبون طلبا شديدا ، وأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم فقال :( مِنْ فَضْلِ اللهِ ) أي بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده ولا حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو تعلم العلم( وَآخَرُونَ ) أي منكم أيها المسلمون( يُقاتِلُونَ ) أي يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله ، ولذلك بينه بقوله :( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي ذلك القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ليزول عن سلوكه المانع لقتل قطاع الطريق المعنوي والحسي ، وأظهر ولم يضمر تعظيما للجهاد ولئلا يلبس بالعود إلى المتجر ، وهو ندب لنا من الله إلى رحمة العباد والنظر في أعذارهم ، فمن لا يرحم لا يرحم ، قال البغوي : روى إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أيما رجل جلب شيئا من مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ، ثم قرأ عبد الله( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ ) [المزمل : ٢٠] الآية. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله.

__________________

(١) أخرجه أبو داود ١٣٩٨ وابن خزيمة ١١٤٤ وابن السني ٧٠١ وابن حبان في صحيحه ٢٥٧٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وإسناده حسن لأجل أبي سوية.

٢١٧

ولما كانت هذه أعذارا أخرى مقتضية للترخيص أو أسبابا لعدم الإحصاء ، رتب عليها الحكم السابق ، فقال مؤكدا للقراءة بيانا لمزيد عظمتها :( فَاقْرَؤُا ) أي كل واحد منكم( ما تَيَسَّرَ ) أي لكم( مِنْهُ ) أي القرآن ، أضمره إعلاما بأنه عين السابق ، فصار الواجب قيام شيء من الليل على وجه التيسير ، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. ولما كان صالحا لأن يراد به الصلاة لكونه أعظم أركانها وأن يراد به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف ، قال ترجيحا لإرادة هذا الثاني أو تنصيصا على إرادة الأول :( وَأَقِيمُوا ) أي أوجدوا إقامة( الصَّلاةَ ) المكتوبة بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها ومقدماتها ومتمماتها وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها.

ولما ذكر بصفة الخالق التي هي أحد عمودي الإسلام البدني والمالي ، أتبعها العمود الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال :( وَآتُوا ) من طيب أموالكم التي أنعمنا بها عليكم( الزَّكاةَ ) أي المفروضة ، ولما كان المراد الواجب المعروف ، أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة ، فقال :( وَأَقْرِضُوا اللهَ ) أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق ، من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم( قَرْضاً حَسَناً ) من نوافل الخيرات كلها في جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه وجميع أحواله ، فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم مضاعفا أحوج ما تكونون إليه.

ولما كان هذا الدين جامعا ، وكان هذا القرآن حكيما لأن منزله له صفات الكمال فأمر في هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماما بها ، أتبع ذلك أمرا عاما بجميع شرائع الدين فقال :( وَما تُقَدِّمُوا ) وحث على إخلاص النية بقوله :( لِأَنْفُسِكُمْ ) أي خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على الأعمال( مِنْ خَيْرٍ ) أي أيّ خير كان من عبادات البدن والمال( تَجِدُوهُ ) محفوظا لكم( عِنْدَ اللهِ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما( هُوَ ) أي لا غيره( خَيْراً ) أي لكم ، وجاز وقوع الفصل بين غير معرفتين لأن «أفعل من» كالمعرفة ، ولذلك يمنع دخول أداة التعريف عليها.

ولما كان كل من عمل خيرا جوزي عليه سواء كان عند الموت أو في الحياة سواء كان كافرا أو مسلما مخلصا أو لا ، إن كان مخلصا كان جزاؤه في الآخرة ، وإلا ففي الدنيا ، قال :( وَأَعْظَمَ أَجْراً ) أي مما لمن أوصى في مرض الموت ، وكان بحيث يجازى به في الدنيا.

ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ربما أدركه الإعجاب ، بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله حق قدره ، فلا يزال مقصرا

٢١٨

فلا يسعه إلا العفو بل الغفر فقال حاثا على أن يكون ختام الأعمال بالاستغفار والاعتراف بالتقصير في خدمة المتكبر الجبار مشيرا إلى حالة انفصال روحه عن بدنه وأن صلاحها الراحة من كل شر :( وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ) أي اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته فكيف بأداء حق خدمته لتقصيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.

ولما علم من السياق ومن التعبير بالاسم الأعظم أنه سبحانه بالغ في العظمة إلى حد يؤيس من إجابته ، علل الأمر بقوله مؤكدا تقريبا لما يستبعده من يستحضر عظمته سبحانه وشدة انتقامه وقوة بطشه :( إِنَّ اللهَ ) وأظهر إعلاما بأن صفاته لا تقصر آثارها على المستغفرين ولا على مطلق السائلين( غَفُورٌ ) أي بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون عليها عتاب ولا عقاب( رَحِيمٌ ) أي بالغ الإكرام بعد الستر إفضالا وإحسانا وتشريفا وامتنانا ، وقد اشتملت هذه السورة على شرح قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أوتي من جوامع الكلم «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر »(١) كما أشير إلى كل جملة منها في محلها ، ولقد رجع آخر السورة ـ بالترغيب في العمل وذكر جزائه ـ على أولها الأمر بالقيام بين يديه وبإشارة الاستغفار إلى عظم المقام وإن جل العمل ودام وإن كان بالقيام في ظلام الليالي والناس نيام ، فسبحان من له هذا الكلام المعجز لسائر الأنام لإحاطته بالجلال والإكرام ، فسبحانه من إله جابر القلوب المنكسرة.

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٧٢٠ من حديث أبي هريرة.

٢١٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المدثر

مكية ـ آياتها ست وخمسون

مقصودها الجد والاجتهاد في الإنذار بدار البوار لأهل الاستكبار ، وإثبات البعث في أنفس المكذبين الفجار ، والإشارة بالبشارة لأهل الأدكار ، بحلم العزيز الغفار ، واسمها المدثر أدل ما فيها على ذلك ، وذلك واضح لمن تأمل النداء والمنادى به والسبب( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعلى الواحد القهار( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمتي الإيجاد والبيان الأبرار والفجار( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل أصفيائه بالاستبصار ، والتوفيق إلى ما يوصل إلى دار القرار.

( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) )

ولما ختمت «المزمل» بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيىء للقيام بأعباء الدعوة ، افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة لأصحاب الخسارة ، فقال معبرا بما فيه بشارة بالسعة في المال والرجال والصلاح وحسن الحال في الحال والمآل ، ومعرفا بأن المخاطب في غاية اليقظة بالقلب وإن ستر القالب :( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) المشتمل بثوبه ، من تدثر بالثوب : اشتمل به ، والدثار ـ بالكسر ما فوق الشعار من الثياب ، والشعار ما لاصق البدن «الأنصار شعار والناس دثار» والدثر : المال الكثير ، ودثر الشجر : أورق ، وتدثير الطائر : إصلاحه عشه ، والتعبير بالأداة الصالحة للقرب والبعد يراد به غاية القرب بما عليه السياق وإن كان التعبير بالأداة فيه نوع ستر لذلك مناسبة للتدثر ، واختير التعبير بها لأنه لا يقال بعدها إلا ما جل وعظم من الأمور ، وكان الدثار لم يعم بدنه الشريف بما دل عليه التعبير بالإدغام دون الإظهار الدال على المبالغة لأن المراد إنما كان ستر العين ليجتمع القلب ، فيكفي في ذلك ستر الرأس وما قاربه من البدن ، والإدغام شديد المناسبة للدثار.

٢٢٠