نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 96
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 96 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة القيامة

مكية ـ آياتها أربعون

مقصودها الدلالة على عظمة المدثر المأمور بالإنذارصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعظمة مرسله سبحانه وتمام اقتداره بأنه كشف له العلوم حتى صار إلى الأعيان بعد الرسوم بشرح آخر سورته من أن هذا القرآن تذكرة عظيمة لما أودعه الله من وضوح المعاني وعذوبة الألفاظ وجلالة النظوم ورونق السبك وعلو المقاصد ، فهو لذلك معشوق لكل طبع ، معلوم ما خفي من أسراره وإشاراته بصدق النية وقوة العزم بحيث يصير بعد كشفه إذا أثر كأنه كان منسيا بعد حفظه فذكر( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) [عبس : ١٢] فحفظه وعلم معانيه وتخلق بها ، وإنما المانع عن ذلك مشيئة الله تعالى ، فمن شاء حجبه عنه أصلا ورأسا ، ومن شاء حجبه عن بعضه ، ومن شاء كشف عنه الحجاب ، وجعله يعينه على أعظم صواب ، دون شك ولا ارتياب ، وجلى عليه أوانسه وعرائسه وحباه جواهره ونفائسه ، وحلاه به ؛ فكان ملكه وسائسه ، كما كان المدثرصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين كان خلقه القرآن ، واسمها القيامة واضح في ذلك جدا ، وليس فيها ما يقوم بالدلالة عليه غيره إذا تؤملت الآية مع ما أشارت إليه «لا» النافية للقسم أو المؤكدة مع أنها في الوضوح في حد لا يحتاج إلى الإقسام عليه لأنه لا يوجد أحد يدع من تحت يده يعدو بعضهم على بعض ، ويتصرفون فيما خولهم فيه من غير حساب ، فكيف بأحكم الحاكمين الذي وكل بعبيده أضعافهم من الملائكة فهم يديرون في كل لحظة فيهم كؤوس المنايا ، ويأخذون من أمرهم به سبحانه إلى داره البرزخ للتهيئة للعرض ويسوقونهم زمرا بعد زمر إلى العود في الأرض حتى ينتهي الجمع في القبور ، ويقيمهم بالنقر في الناقور ، والنفخ في الصور ، إلى ساحة الحساب للثواب والعقاب ، ولم يحجب عن علم ذلك حتى ضل عنه أكثر الخلق إلا مشيئته سبحانه بتغليب النفس الأمارة حتى صارت اللوامة منهمكة في الشر شديدة اللوم عن الإقصار عن شيء منه كما أن ما جلاه لنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى كان خلقه ، ولمن أراد من أتباعه إلا إرادته سبحانه بتغليب المطمئنة حتى صار الكل روحا صرفا ونورا خالصا بحتا( بِسْمِ

٢٤١

اللهِ ) الذي شرف رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأعجز الخلق بكتابه بما له من الجلال( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمتي الإيجاد والبيان أهل الهدى والضلال( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل العناية بالسداد في الأقوال والأفعال.

( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) )

لما ذكر سبحانه الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما تبعه ، ثم أعاد أمرها آخرها ، وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها والمغفرة التي هي الدواء الأعظم لها ، وكان الكفار يكذبون بها ، وكان سبحانه قد أقام عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام وأخرى مع الخلو عنه ما صيرها في حد البديهيات ، وكانت العادة قاضية بأن المخبر إذا كذبه السامع حلف على ما أخبره به ، وكان الإقسام مع تحقق العناد لا يفيد ، أشار سبحانه وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنيا عن الإقسام لما له من الظهور الذي لا ينكره إلا معاند ، فقال مشيرا إلى تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها وإثبات أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده :( لا أُقْسِمُ ) أي لا أوقع الإقسام أو أوقعه مؤكدا( بِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) على وجود يوم القيامة أو بسبب وجوده لأن الأمر غني فيه عن ذلك وعلى القول بأنه قسم هو مؤكد بالنافي ، ودخوله في التأكيد سائغ بل شائع في كلامهم جدا ، وجاز القسم بالشيء على وجوده إشارة إلى أنه في العظمة في الدرجة العليا كما يقول الإنسان : والله إن الله موجود ، أي لا شيء أحلف به على وجوده ـ يا أيها المنكر ـ أعظم منه حتى أحلف به ولا بد لي من الحلف لأجل إنكارك فأنا أحلف به عليه ، فالمعنى حينئذ أنه لا شيء أدل على عظمة الله من هذين الشيئين فلذا أوقع القسم بهما ، وسر التأكيد ب «لا» ـ كما قال الرازي في اللوامع : إن الإثبات من طريق النفي آكد كأنه رد على المنكر أولا ثم أثبت القسم ثانيا ، فإن الجمع بين النفي والإثبات دليل الحصر.

ولما كان من المقرر المعلوم الذي هو في أقصى غايات الظهور أن من طلبه الملك طلب عرض وحساب وثواب وعقاب يلوم نفسه في كونه لم يبالغ في العمل بما يرضي الملك والإخلاص في موالاته ، والتحيز إليه ومصافاته. وكان أكثر لوم النفس واقعا في ذلك اليوم ، وكان إدراكها للوم المرتب على إدراك الأمور الكلية والجزئية ومعرفة الخير والشر ، والتمييز بينهما من أعظم الدلائل على تمام قدرة الخالق وكمال عظمته الموجب لإيجاد ذلك اليوم لإظهار عظمته وحكمه وحكمته قال( وَلا أُقْسِمُ

٢٤٢

بِالنَّفْسِ ) على حد ما مضى في أن الباء صلة أو سبب( اللَّوَّامَةِ ) أي التي تلوم صاحبها وهي خيرة وشريرة ، فالخيرة تكون سببا للنجاة فيه والأخرى تكون سببا للهلاك فيه ، فإن لامت على الشر أو على التهاون بالخير أنجت ، وإن لامت على ضد ذلك أهلكت ، وكيفما كانت لا بد أن تلوم ، وهي بين الأمارة والمطمئنة ، فما غلب عليها منهما كانت في حيزه ، قال الرازي في اللوامع : فالمطمئنة التي انقادت لأوامر الله ، والأمارة المخالفة لها المتبعة للهوى ، واللوامة هي المجاهدة ، فتارة لها اليد وتارة عليها ، وهي نفس الإنسان خاصة لأنها بين طوري الخير والشر والكمال والنقصان والصعود والهبوط والطاعة والعصيان ، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والخمسين من معارفه : وهي نفس واحدة لها صفات متغايرة ، فالملائكة في درجة الكمال ، والحيوانات الأخر في دركة النقصان. ولهذا جمع بين القيامة وبين اللوامة ، لأن الثواب والعقاب للآدمي دون الملائكة والحيوانات العجم ، واللوامة يشتد لومها في ذلك اليوم على عدم الخير أو عدم الزيادة منه ، لا أقسم على ذلك بهذا الذي هو من أدل الأمور على عظمته سبحانه فإن الأمر في ذلك غني عن القسم.

ولما كان التقدير قطعا بما يرشد إليه جميع ما مضى جوابا للقسم : إنك والله صادق في إنذارك فلا بد أن ينقر في الناقور بالنفخ في الصور. قال بانيا عليه بعد الإشارة إلى تعظيم أمر القيامة بما دل عليه حذف الجواب من أنها في وضوح الأمر وتحتم الكون على حالة لا تخفى على أحد منكرا على من يشك فيها بعد ذلك :( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) أي هذا النوع الذي يقبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفه والسرور بحسبه ، وأسند الفعل إلى النوع كله لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله (أن) أي أنا.

ولما كان فيهم من يبالغ في الإنكار ، عبر أيضا بأداة التأكيد فقال : لن( نَجْمَعَ ) أي على ما لنا من العظمة( عِظامَهُ ) أي التي هي قالب بدنه وعماده من الأرض فيعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها وافتراقها وبلاها وانمحاقها ، وقد سدت المخففة مسد مفعولي «يحسب» المقدرين ب «يحسبنا» غير جامعين.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم قوله مخبرا عن أهل الكفر( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) [المدثر : ٤٦] ثم تقدم في صدر السورة قوله تعالى :( فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) [المدثر : ٨] إلى قوله :( غَيْرُ يَسِيرٍ ) [المدثر : ٩] والمراد به يوم القيامة ، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) [المدثر : ١١] الآيات ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم ، ثم تكرر ذكره عند جواب من سئل

٢٤٣

بقوله( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) [المدثر : ٤٢] فبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله ، وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى( يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ) [القيامة : ٦] وفي قوله تعالى :( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) أن لن( نَجْمَعَ عِظامَهُ ) [القيامة : ٣] ثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم( يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) [القيامة : ١٣] انتهى.

ولما أسند الحسبان إلى النوع لأن منهم من يقول : لا نبعث لأننا نتفتت وننمحق ، قال مجيبا له :( بَلى ) أي لنجمعن عظامه وجمع أجزائه لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها من بعد ارتتاقها حال كونها نطفة واحدة لأن كل من قدر على التفصيل قدر على الجمع والتوصيل حال كوننا( قادِرِينَ ) أي بما لنا من العظمة( عَلى أَنْ ) .

ولما كانت تسوية الصغير أصعب ، قال :( نُسَوِّيَ بَنانَهُ ) أي أصابعه أو سلامياته وهي عظامه الصغار التي في يديه ورجليه كل منها طول إصبع وأقل ، خصها لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه بأن نجمع بعضها إلى بعض على ما كانت عليه قبل الموت سواء ، فالكبار بطريق الأولى لأنها أبين ، ولا فرق بين تسويتنا ذلك من النطفة وتسويتنا له من التراب ، وهي لا تكون مسواة وهي قالب البدن إلا بتسوية ما عليه من لباس اللحم والعصب والجلد كما يعهدها العاهد ، فتسوية البنان كناية عن تسوية جميع البنيان كما لو قيل لك : هل تقدر على تأليف هذا الحنظل ، فقلت : نعم ، وعلى تأليف الخردل ، مع ما يفهم من تخصيصها من التنبيه على ما فيها من بديع الصنع المتأثر عنه ما لها من لطائف المنافع ، أو أن نسويها الآن فنجمعها على ما كانت عليه حال كونها نطفة من الاجتماع قبل فتقها وتفريقها حتى تكون كخف البعير ، فإن القادر على تفصيل الأنامل حتى تتهيأ للأعمال اللطيفة قادر على جمعها ، فتزول عنها تلك المنفعة. ومن قدر على تفصيل الماء بعد اختلاطه وجمعه بعد انفصاله قادر على جمع التراب بعد افتراقه ، وكيفما كان فهو تنبيه على التأمل في لطف تفصيل الأنامل وبديع صنعها الموجب للقطع بأن صانعها قادر على كل ما يريد ، قال في القاموس : البنان : الأصابع أو أطرافها. والسلامى ـ وزن حبارى : عظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل.

ولما تقدم ما أشار إلى أن القيامة في غاية الظهور ، أضرب عن هذا الإنكار فقال بانيا على ما تقديره : إنه لا يحسب عدم ذلك لأنه من الظهور في حد لا يحتاج إلى كبير تأمل فلو مشى مع عقله عرف الحق :( بَلْ يُرِيدُ ) أي يوقع الإرادة( الْإِنْسانُ ) أظهر في موضع الإضمار للتصريح بالتعميم لمقتضى الطبع الموجب له عدم الفكر في الآخرة مع شدة ظهورها لأنه معني بشهواته فلا نجاة إلا بعصمة الله تعالى ، وحذف مفعول «يريد»

٢٤٤

إشارة إلى أن كل ما يريده بمقتضى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد ، والعبد يجب عليه أن يكون مراقبا للسيد ، لا يريد إلا ما يأمره به ، فإذا أراد ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له.

ولما كان ذلك ، وكانت إرادته الخارجة عن الأمر معصية ، قال معللا :( لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ) أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكبا رأسه في هواه ، ونفسه الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون عمل ، قال الحسن : المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول : ما أردت بكلامي؟ وما أردت بأكلي؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى : ليعمل الفجور بين يدي الله تعالى وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره ، قال في القاموس : والفجر : الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور.

ولما كان عريقا في التلبس بهذا الوصف ، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب الأعظم فترجم ذلك بقوله :( يَسْئَلُ ) أي سؤال استهزاء واستبعاد ، ويوضع موضع مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال :( أَيَّانَ ) أي أيّ وقت يكون( يَوْمُ الْقِيامَةِ ) ولما كان الجواب : يوم يكون كذا وكذا ، عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول ، فقال دالا على خراب العالم لتجرد الإنسان عن مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبرا بأداة التحقق لأنها موضعها :( فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ) أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى ـ هذا على قراءة نافع بالفتح ، وهي إشارة إلى مبدأ حاله ، وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى مآله فإن معناها : تحير ودهش وغلب ، من برق الرجل ـ إذا نظر إلى البرق فحسر بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من بلق الباب ـ إذا انفتح ، وبلق الباب كنصر : فتحه كله ، أو شديدا كأبلقه فانبلق ، وبلق كفرح : تحير ـ قاله في القاموس.

( وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) )

ولما كانت آيات السماوات أخوف ، ذكرها بادئا بما طبعه البرد ، إشارة إلى شدة الحر والتوهج والأخذ بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال :( وَخَسَفَ الْقَمَرُ ) أي وجد خسفه بأن خسفه الله تعالى فأذهب صورته كما تذهب صورة الأرض المخسوفة ، وذلك بإذهاب ضوئه من غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم بالأسباب وظهور

٢٤٥

الخوارق بدليل قوله :( وَجُمِعَ ) أي جمعا هو في غاية الإحكام والشدة كما أفهمه التذكير وعلى أيسر الوجوه وأسهلها( الشَّمْسُ ) أي آية النهار( وَالْقَمَرُ ) مع عدم إنارته وإن كان نوره الآن من نورها فذهب الانتفاع بهما وهما مع ذهاب النور وتفرق البصر مدركان لوجود الكشف التام عن الخفيات كما قال تعالى :( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) [ق : ٢٢] وبعد جمعهما يلقيان في النار كأنهما ثوران عقيران ، وبني الفعل للمفعول لأن المهول مطلق جمعهما المخرج لهما عن العادة وللدلالة على السهولة.

ولما عظم أمر يوم القيامة بما تقدم ، أكد ذلك بأن الأمر فيه على غير ما نعهده في الدنيا من وجدان مهرب أو حاكم غير الذي يخافه المطلوب أو شيء من تشعب الكلمة وتفرقها فقال :( يَقُولُ الْإِنْسانُ ) أي بشدة روعه جريا مع طبعه( يَوْمَئِذٍ ) أي إذا كان هذا الخطب الأجل والقادح الأكبر ، وحكى بيقول جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال :( أَيْنَ الْمَفَرُّ ) أي الفرار والموضع الذي إليه الفرار والزمان القابل لذلك ، قول آيس مدهوش قاده إليه الطبع ، وذلك حين تقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة ، كل سلسلة بأيدي سبعين ألف ملك ، لها زفير وشهيق.

ولما كان ذلك اليوم يوم انقطاع الأسباب ، قال نافيا بما سال عنه بأداة الردع :( كَلَّا ) أي لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى( لا وَزَرَ ) أي ملجأ ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام ، وكون هذا من كلام الإنسان رجوعا من طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه بعد أن سأل من عظيم الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه أصلا ، فقال معبرا بالأداة الجامعة لمجامع الردع.

ولما كان المعنى : لا مفر من الله إلا إليه ، لأن ملكه محيط وقدرته شاملة ، قال مترجما عنه ذاكرا صفة الإحسان لوما لنفسه على عدم الشكر :( إِلى رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده ، لا إلى شيء غيره( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كانت هذه الأشياء( الْمُسْتَقَرُّ ) أي استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لأحد غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا.

( يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) )

ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار ، قال مستأنفا بانيا للمفعول لأن

٢٤٦

المنكىء إنما هو كشف الأسرار لا كونه من كاشف معين ، وللدلالة على يسر ذلك عليه سبحانه وتعالى بأن من ندبه إلى ذلك فعله كائنا من كان :( يُنَبَّؤُا ) أي يخبر تخبيرا عظيما مستقصى( الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان هذا الزلزال الأكبر( بِما قَدَّمَ ) أي من عمله العظيم( وَأَخَّرَ ) أي في أول عمره وآخره ـ كناية عن الاستقصاء أو بما قدمه فآثره على غيره هل هو الشرع أو الهوى أو بما عمل في مدة عمره وبما أخر عمله لمعاجلة الموت له عنه فيخبر بما كان يعمله من أمله لو مد في أجله ، أو الذي قدمه هو ما عمله بنفسه وما أخره هو ما سنه فعمل به الناس من بعده من خير أو شر ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وعليه مشى الغزالي في الباب الثالث من كتاب البيع من الإحياء.

ولما عظم القيامة بكشف الأسرار فيها والإنباء بها ، وكان الشأن أن الإنسان لا ينبأ إلا بما هو جاهل له أو غائب عنه ، وكان مما يخف على الإنسان في الدنيا النسيان ، وكان ذلك اليوم يوم كشف الغطاء ، زاده عظما بالإعلام بأنه يجلو بصيرة الإنسان حتى يصير مستحضرا لجميع ما له من شأن ، فكان التقدير : وليس جاهلا بشيء من ذلك ولا محتاجا إلى الإنباء به ، قال بانيا عليه :( بَلِ الْإِنْسانُ ) أي كل واحد من هذا النوع( عَلى نَفْسِهِ ) خاصة( بَصِيرَةٌ ) أي حجة بينة على أعماله ، فالهاء للمبالغة ـ يعني أنه في غاية المعرفة لأحوال نفسه فإنه إذا تأمل وأنعم النظر ولم يقف مع الحظوظ عرف جيد فعله من رديئه ، أما في الدنيا فلان الفطر الأولى شاهدة بالخير والشر ـ كما أشار إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في الصدر وترددت فيه النفس وإن أفتاك الناس وأفتوك»(١) رواه الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت»(٢)

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢ / ٢١٩ وأبو نعيم في الحلية ٢ / ٣٠ من حديث أبي ثعلبة الخشني.

ـ وأخرجه الطبراني ٢٢ / ١٤٧ و ١٤٩ وأحمد ٤ / ٢٢٧ و ٢٢٨ من حديث وابصة بن معبد.

ولفظ أحمد : «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون ...» وحسنه النووي في الأربعين وهو الحديث السابع والعشرون. وأصله عند مسلم.

(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٨٤ وفي الأدب المفرد ١٣١٦ وأبو داود ٤٧٩٧ وابن ماجه ٤١٨٣ وأبو نعيم في الحلية ٤ / ٤٠٧ من حديث أبي مسعود.

ـ وفي الباب من حديث حذيفة عند أحمد ٥ / ٤٠٥٤٨٣ وأبي نعيم في الحلية ٤ / ٣٧١ والخطيب في تاريخ بغداد ١٢ / ١٣٥ و ١٣٦. تنبيه : قال المصنف : «رواه البخاري عن ابن مسعود» والصواب : «عن أبي مسعود» وهو أنصاري بدري.

٢٤٧

ـ رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وأما في الآخرة فإن الله يعطيه في ذلك اليوم قوة الذكرى حتى تصير أعماله كلها بين عينيه لأنه تعالى ينفي عنه الشواغل البدنية ويكشف عنه الحجب النفسانية حتى تصير أعماله ممثلة له كأنه يراها ولا تنفعه معذرته ، لأن كل شيء يعتذر به عن نفسه يعرف كذبه بنفس وجوده لا بشيء خارج عنه تارة يكون خالقه أوجده على ما هو عليه من العلم وسلامة الأسباب المزيلة للعلل وتارة بإنطاق جوارحه.

ولما كان الإنسان يعتذر في ذلك اليوم عن كل سوء عمله ، ويجادل أعظم مجادلة ، وكان المجادل في الغالب يظن أنه لم يذنب أو لا يعلم له ذنبا ، قال :( وَلَوْ أَلْقى ) أي ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على غاية الصدق والاهتمام والتملق( مَعاذِيرَهُ ) أي كل كلام يمكن أن يخلص به ، جمع عذر أو معذرة وهو إيساع الحيلة في دفع الخلل : وقال في القاموس : المعاذير : الستور والحجج جمع معذار ، وذلك لاشتراكهما في مطلق الستر بالفتح والستر بالكسر في ستر المذنب والحجة في ستر الذنب فالمعنى أنه حجة على نفسه ولو احتج عنها واجتهد في ستر عيوبها ، فلا تقبل منها الأعذار ، لأنه قد أعطى البصيرة فأعماها بهوى النفس وشهواتها ، وتلك البصيرة هي نور المعرفة المركوز في الفطرة الأولى وهي كقوله تعالى :( لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) .

ولما كان معنى هذا كله أن الإنسان محجوب في هذه الدار عن إدراك الحقائق بما فيه من الحظوظ والكسل والفتور ، لما فيه من النقائص ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مبرءا من ذلك لخلق الله له كاملا وترقيته بعد ميلاده كل يوم في مراقي الكمال حتى صار إلى حد لا يشغله عن العلوم شيء فكان بحيث يرى مواقع الفتن خلال البيوت كمواقع القطر ، ويرى من ورائه كما يرى من أمامه ، ويقول : «والله لا يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إني أراكم من وراء ظهري »(١) وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يرى في أشد الظلام وغير ذلك مما لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من رقة الجوهر الذي لم ينله أحد غيره وذلك مما يدل على الكشف التام ولكنه كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم لتعظيمه لهذا القرآن لما له في نفسه من الجلالة ولما فيه من خزائن السعادة والعلوم التي لا حد لها فتستقصى ، ولأنه كلام الملك الأعظم ، وبأمره نزل إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع رسوله جبريل عليه الصلاة والسّلام ، يعالج عند سماعه أول ما يأتيه شدة ، فكان يحرك به لسانه استعجالا

__________________

(١) أخرجه البخاري ٧١٨ و ٧١٩ و ٧٢٥ وأحمد ٣ / ٢٦٣ وعبد الرزاق ٢٤٦٢ من حديث أنس بأتم منه دون أوله.

٢٤٨

بتعهده ليحفظه ولا يشذ عنه منه شيء ، وكان قد ختم سبحانه ما قبلها بالمعاذير ، وكانت العجلة مما يعتذر عنه ، وكان الحامل على جميع ما يوجب الملامة والاعتذار ما طبع عليه الإنسان من حب العاجل ، قال سبحانه نتيجة عن هذه المقدمات الموجبة لانكشاف الأشياء للإنسان الموجب للإخبار بها والخوف من عواقبها لئلا يميل إلى العاجلة ولا يقع في مخالفة لو لا ما شغله به من الحجب إعلاما بأنه سبحانه وتعالى قد دفع عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تلك الحجب وأوصله من رتبة «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» إلى أنهاها ، وأنه قادر على ما يريد من كشف ما يريد لمن يريد كما يكشف لكل إنسان عن أعماله في القيامة حتى يصير يعرف ما قدم منها وما أخر ، وتنبيها على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا كسب له في هذا القرآن بغير حسن التلقي إبعادا له عن قول البشر وتمهيدا بما يحرك من لسانه بالقرآن قبل تمام الإلقاء لذم ما طبع عليه الإنسان :( لا تُحَرِّكْ بِهِ ) أي القرآن الذي هو تذكرة من شاء ذكره لو لا حجاب المشيئة ، وقد كشف سبحانه وتعالى حجاب المشيئة لهذا النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشاء أن يذكره حين قال( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) [الإنسان : ٣٠] لأنه ما نزله إليه بغير اكتساب منه إلا وقد شاء ذلك( لِسانَكَ ) الذي ليست له حركة إلا في ذكر الله تعالى.

ولما لم يكن لهذا التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد الطاعة بالعجلة ، وكانت العجلة هي الإتيان بالشيء قبل أوانه الأليق به ، وإن كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مثابا على ذلك أعظم الثواب لأنه لا حامل له عليه إلا حب الله وحب ما يأتي منه ، وجعلها الله سبحانه وتعالى علة وإن لم تكن مقصودة فقال :( لِتَعْجَلَ بِهِ ) أي بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من إلقائه إليك رسولنا جبريل عليه الصلاة والسّلام مخافة أن ينفلت منك ، لأن هذه العجلة وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام كما قال موسى عليه الصلاة والسّلام :( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) [طه : ٨٤] لأنها من النفس اللوامة التي تلوم على ترك المبادرة إلى أفعال الخير فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها ، فنقلصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مقام كامل إلى أكمل منه ، وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذي بعده فرقانا بين صفتي اللوامة في الخير واللوامة في الشر ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى في المدثر حكاية( إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) وما بينهما اعتراض في وصف حال القيامة جر إليه قوله تعالى :( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) [المدثر : ٢٦] أي أن الذي خيل به المتقول في القرآن أمران : أحدهما أنه سحر والآخر أنه قول البشر ، والعلم اليقين حاصل بانتفاء الأول ، وأما الثاني فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخشى أن لا يتقن حفظه فتدخل عليه كلمة مثلا فيكون من قول البشر فنهاه الله تعالى عن العجلة وضمن له الحفظ ، ثم

٢٤٩

علل هذا النهي بقوله مؤكدا لأنه من مجراته :( إِنَّ عَلَيْنا ) أي بما لنا من العظمة ، لا على أحد سوانا( جَمْعَهُ ) أي في صدرك حتى نثبته ونحفظه( وَقُرْآنَهُ ) أي إطلاق لسانك به وإثباته في رتبته من الكتاب حال كونه مجموعا أتم جمع ميسرا حسن تيسير فأرح نفسك مما تعالج في أمره من المشقة وتكابده من العناء.

( فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) )

ولما نهاه أمره فقال :( فَإِذا قَرَأْناهُ ) أي أقدرنا جبريل عليه الصلاة والسّلام على تأديته إليك كما حملناه إياه بما لنا من العظمة وعلى حسبها( فَاتَّبِعْ ) أي بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار ذهنك( قُرْآنَهُ ) أي قراءته مجموعة على حسب ما أداه إليك رسولنا وجمعناه لك في صدرك ، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة عظيمة واعمل به حتى يصير لك خلقا فيكون قائدك إلى كل خير ، فالضمير يجوز أن يكون للقرآن ، يكون القرآن هنا بمعنى القراءة ، عبر به عنها تعظيما لها ، أي اتبع قراءة القرآن أي قراءة جبريلعليه‌السلام له ، ولو كان على بابه لم يكن محذورا ، فإن المراد به خاص وبالضمير عام ، ويجوز أن يكون الضمير لجبريلعليه‌السلام أي اتبع قراءته ولا تراسله.

ولما كان بيان كلماته ونظومه على أي وجه سمعه من مثل صلصلة الجرس وغيرها وبيان معانيه وما فيه من خزائن العلم من العظمة بمكان يقصر عنه الوصف ، أشار إليه بأداة التراخي ، فقال دالا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ، مشعرا بأنه كان يعجل بالسؤال عن المعنى كما كان يعجل بالقراءة :( ثُمَ ) وأكد ذلك إشارة إلى أنه لعظمه مما يتوقف فيه فقال :( إِنَّ عَلَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( بَيانَهُ ) أي بيان ألفاظه ومعانيه لك سواء سمعته من جبريل عليه الصلاة والسّلام على مثل صلصلة الجرس أو بكلام الناس المعتاد بالصوت والحرف ، ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من أمتك ، والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة لأنه إذا نهى عنها في أعظم الأشياء وأهمها كان غيره بطريق الأولى ، روى البخاري في تفسير الآية في أول صحيحه وآخره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعالج من التنزيل شدة ، كان يحرك شفتيه ، قال سعيد بن جبير : قال ابن عباس رضي الله عنهما : فأنا أحركهما لك كما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحركهما»(١) فأنزل اللهعزوجل الآية حتى قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه( فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) [القيامة : ١٨] قال : فاستمع له وأنصت ثم إن

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري (٥) و ٤٩٢٧ و ٥٠٤٤ والترمذي ٣٣٢٩ من حديث ابن عباس.

٢٥٠

علينا أن تقرأه ، قال فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أتاه جبريل عليه الصلاة والسّلام استمع مطرقا ، فإذا انطلق جبريل عليه الصلاة والسّلام قرأه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما أقرأه جبريل عليه الصلاة والسّلام كما وعده الله بكفالة قوله تعالى :( فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ ) مما( لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) [الجن : ٢٧ ـ ٢٨].

ولما كان سبحانه وتعالى قد ختم الكلام في المكذبين بأن أعمالهم محفوظة ، وأن كل أحد على نفسه شاهد ، لأنه يعلم جميل ما يفعل من قبيحه وإن اعتذر ، ولولاه ما اشتد اتصاله به ، وختم بضمان البيان للقرآن ، فكان شاهدا بينا على كل إنسان بما له من عظيم البيان. قال نافيا لما يظن من جهلهم بقبيح أفعالهم الذي اقتضاه اعتذارهم مشعرا بأن الآدمي مطبوع على الاستعجال بعد النهي عن العجلة في أعز الأشياء وأعلاها وأهمها وأولاها ، لأنه أصل الدين ليكون ذلك مؤكدا للنهي عن العجلة بالقرآن ومؤكدا لذمهم بحب العاجلة مغلظا لتوبيخهم على الميل مع الطبع وترك ما يقتضيه العلم والعقل :( كَلَّا ) أي لا يجهل أحد منهم قبائح ما ارتكبه وإن اعتذر وما ارتكب شيئا منها عن جهل( بَلْ ) هم (يحبون) أي محبة متجددة مستمرة على تجدد الزمان( الْعاجِلَةَ ) بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها فيأخذونها ، وحبّها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه فإن الآخرة والأولى ضرتان من أحب إحداهما فعل ولا بد ما يباعده عن الأخرى ، فإن «حبك للشيء يعمي ويصم» وهذا بخلاف نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مطلق العجلة فكيف بالعاجلة فإنما طبعناه على الكمال ، فكان يعالج من العجلة بالقراءة شدة فحين نهيناه عن ذلك انتهى رجوعا إلى طبعه الكامل الذي لا يشوبه نقص ، وكذا كان أمره تكوينيا لا إباء معه ولا كلفة ، فإن نفسه المطمئنة هي الغالبة ولها السلطان الأكبر ، ولأجل تضارر الدارين وكونهم يحبون العاجلة قال :( وَتَذَرُونَ ) أي يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن( الْآخِرَةَ ) لأنهم يبغضونها لارتكابهم ما يضربهم فيها ، وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع الإنسان نظرا للمعنى إشارة إلى أنه لا يسلم من العجلة المذمومة إلا أفراد حفظهم الله بقدرته الباهرة ، والآية من الاحتباك : ذكر الحب أولا دليلا على البغض ثانيا ، والترك ثانيا دليلا على الإقبال والأخذ أولا ، فأنفسهم اللوامة تلومهم على التقصير في الشر كما أن نفسك تحثك على الازدياد من الخير والمبادرة إليه ، فنعم النفس هي ولتعلين مقامها ، وأما أنفسهم فإنها تحثهم لأجل اللوم على التقصير في الشر على الإخلاد إلى العاجل الفاني والإقلاع عن الباقي لكونه غائبا فبئس الأنفس هي.

٢٥١

ولما ذكر الآخرة التي أعرضوا عنها ، ذكر ما يكون فيها بيانا بجهلهم وسفههم وقلة عقلهم ، ترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ورحمة لهم فقال :

( وُجُوهٌ ) أي من المحشورين وهم جميع الخلائق( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ تقوم القيامة( ناضِرَةٌ ) من النضرة بالضاد ، وهي النعمة والرفاهية أي هي بهية مشرقة ظاهر عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها( إِلى رَبِّها ) أي المحسن لها خاصة باعتبار أن عدّ النظر إلى غيره كلا نظر( ناظِرَةٌ ) أي دائما هم محدقون أبصارهم نحو جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل التعدية ب «إلى» وذلك ، النظر جهرة من غير اكتتام ولا تضامّ ولا زحام ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين وجميع أهل السنة ، وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأحاديث الصحاح من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة ، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث «كما يرى القمر ليلة البدر »(١) كل من يريد رؤيته من بيته مخليا به ـ هذا وجه الشبه ، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه ـ تعالى الله عن التشبيه ، وهكذا رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المنام من الأشخاص المستكثرة في البلاد المتباينة في الوقت الواحد ، وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى أن هذا النظر مباين للنظر إلى غيره فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه ، وإلى أن تلك الوجوه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث لا تفتر عن ذلك ، ولا يعد نظرها إلى ما سواه شيئا ، وهي آمنة من أن يفعل بها فاقرة ، وعبر بالوجوه عن أصحابها لأنها أدل ما يكون على السرور ، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته ، وزاده صراحة بالتعدية ب «إلى» فإن الانتظار لا يعدى بها ، قال الإمام حجة الإسلام الغزاليرحمه‌الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء بعد أن جوّز أن يخلق الله النظر في الجهة وغيرها : والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة ـ انتهى ، وأهل الجنة متفاوتون في النظر : روي أن منهم من ينظر إلى الله بكرة وعشية ، وفي خبر آخر ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ، ومتفاوتون في مقدار الكشف في الجمال والأنس والبهجة التي يكون عنها اللذة بحسب أعمالهم.

ولما ذكر أهل النعمة ، أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال :( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ) أي في ذلك اليوم بعينه( باسِرَةٌ ) أي شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي فيه من

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٧٤٣٧ و ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢ وابن حبان ٧٤٢٩ وأحمد ٢ / ٢٧٥ و ٢٩٣ من حديث أبي هريرة. ـ وأخرجه ابن حبان ٧٤٢٩ و ٧٤٤٥ من حديث أبي سعيد الخدري.

٢٥٢

الغم كأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت أحوالها ، فلم يظهر لها وجه خلاص ، والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع لاشتداد كلوحه عند العراك ، وتلك الوجوه عن ربها محجوبة ، وإلى أنواع العذاب ناظرة.

( تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) )

ولما كان ظن الشر كافيا في الحذر منه والمبالغة في استعمال ما يحمي منه ، قال دالا على أنه عبر بالوجه عن الجملة :( تَظُنُ ) أي تتوقع بما ترى من المخايل :( أَنْ يُفْعَلَ ) بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الشر لا كونه من معين( بِها ) أي بهم فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى( فاقِرَةٌ ) أي داهية تكسر الفقار وهو عظم سلسلة الظهر الذي هو أصلب ما في العظام فتكون قاصمة الظهر ، فالآية من الاحتباك : ذكر النظر في الأولى دليل على ضده في الثانية ، وذكر الفاقرة في الثانية دليل على ضدها في الأولى.

ولما ذكر محبتهم للعاجلة بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار ، فاقتضى ذلك أنه حب غير منفك التجدد أصلا ، أخبر أنه ينقطع عن هول المطلع مع الدلالة على تمام القدرة ، وأنه لا يرد قضاؤه ، فقال رادعا لمن يظن عدم انقطاعه :( كَلَّا ) أي لا يدوم هذا الحب بل لا بد أن ينقطع انقطاعا قبيحا جدا. ولما كان المحب للدنيا هو النفس ، أضمرها لذلك ولدلالة الكلام عليها فقال ذاكرا ظرف ما أفهم حرف الردع تقديره من عدم المحبة :( إِذا بَلَغَتِ ) أي النفس المقبلة على العاجلة بأمر محقق ـ بما أفهمته أداة التحقق( التَّراقِيَ ) أي عظام أعالي الصدر ، جمع ترقوة وهي العظام التي حول الحلقوم عن يمين ثغرة النحر وشمالها بين الثغرة وبين العاتق ، ولكل إنسان ترقوتان ، وهو موضع الحشرجة ، لعله جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها بغاية الجهد لما هي فيه من الكرب لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك وضيق المجال عليها كأنها تريد أن تخرج من أدنى موضع يقرب منها ، وهذا كناية عن الإشفاء على الموت وما أحسن قول حاتم الطائي وأشد التئامه مع ما هنا من أمر الروح :

أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى

إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

ولما كان أهل الميت يشتد انزعاجهم إذ ذاك ويشتد تطلبهم لما ينجي المحتضر من غير أن يفيدهم ذلك شيئا ، فكان قولهم كأنه لا قائل له على التعيين ، بني للمفعول قوله :

٢٥٣

( وَقِيلَ ) أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام استبعاد :( مَنْ راقٍ ) أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى الشافية ليرقيه فيخلصه مما هو فيه فإنه صار إلى حالة لا يحتمل فيها دواء فلا رجاء إلا في الرقى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا القول من بعض الملائكة للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى السماء : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في المضارع ، والثاني الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والكسر في المضارع.

ولما كان الإنسان مطبوعا على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء ، عبر عما هو أهل للتحقق بالظن فقال :( وَظَنَ ) أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو القائل «هل من راق» من أهله( أَنَّهُ ) أي الشأن العظيم الذي هو فيه( الْفِراقُ ) أي لما كان فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله ، ففي الخبر أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول : السّلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة.( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ ) أي هذا النوع( بِالسَّاقِ ) أي انضمت إليها واتصلت بها ودارت إحداهما بالأخرى فكانتا كالشيء الواحد ، وهو كناية عن الموت لأن المشي لا يكون إلا مع انفصال إحدى الساقين عن الأخرى ، أو عن اشتداد الأمر جدا وبعده عن الخلاص ، فإن العرب لا تذكر الساق في مثل هذا السياق إلا في أمر شديد مثل «شمر عن ساق» وإذا اشتد حراب المتحاربين : «دنت السوق بعضها من بعض» فلا افتراق إلا عن موت أحدهما أو أشد من موته من هزيمته ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كناية عن اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ، وجواب إذا محذوف تقديره : زال تعلقه الذي كان بالدنيا وحبه لها وإعراضه عن الآخرة.

ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ، ذكر غاية ذلك فقال مفردا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره :( إِلى رَبِّكَ ) أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما بلغته عنه ونصرك على كل من ناواك ، لا إلى غيره( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ وقع هذا الأمر( الْمَساقُ ) أي السوق وموضع السوق وزمانه ، كل ذلك داخل في حكمه ، قد انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا ، فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة وإما إلى شقاوة بينة ، أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على الله تعالى فلا ينفعه إذا حقق له الوعظ بالموت قوله : أموت فأستريح ، فإنه يرجع بالموت إلى سيده ، فإن كان مطيعا لقيه بما يرضيه ، وإن كان عاصيا لقيه بما يلقى به العبد الآبق على قدر إباقه.

٢٥٤

ولما ذكر كراهته للآخرة ذكر أن سببه إفساده ما آتاه الله من قوى العلم والعمل بتعطيلهما عن الخير واستعمالهما في الشر فقال مبينا عمل العبد الموافق والآبق ، عاطفا على( يَسْئَلُ أَيَّانَ ) [القيامة : ٦] الذي معناه جحد البعث :( فَلا صَدَّقَ ) ـ أي هذا الإنسان الذي الكلام فيه ـ الرسول فيما أخبره بما كان يعمل من الأعمال الخبيثة ، ولا إيمانه بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها واجبة كانت أو مسنونة ، وحذف المفعول لأنه أبلغ في التعميم.

ولما ذكر أصل الدين ، أتبعه فروعه دلالة على أن الكافر مخاطب بها فقال :( وَلا صَلَّى ) أي ما أمر به من فرض وغيره ، فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل إلى حبل الخلائق على حد ما شرع له.

ولما نفى عنه أفعال الخير ، أثبت له أفعال الشر فقال :( وَلكِنْ ) أي فعل ضد التصديق بأن( كَذَّبَ ) أي بما أتاه من الله( وَتَوَلَّى ) أي وفعل ضد الصلاة التي هي صلة بين المخلوق والخالق ، فاجتهد في خلاف ما تدعوه إليه فطرته الأولى المستقيمة من الإعراض عن الطاعة من الصلاة وغيرها حتى صار له ذلك ديدنا ، فصارت الطاعة لا تخطر له بعد ذلك على بال لموت الفطرة الأولى وحياة النفس الأمارة بالسوء ، وليس هذا بتكرار لأنه لا يلزم من عدم التصديق التكذيب.

( ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) )

ولما كان الإصرار على هذا عظيما يبعد كل البعد أن يعمله أحد فكيف بالافتخار به والتكبر لأجله ، أشار إليه بأداة البعد ، فقال مؤذنا بأن الحال على التكذيب الكبر ، والحامل على الكبر الترف ، وسبب ذلك الانقياد أولا مع الطبع في إفساد القوتين : العملية والعلمية حتى نشأ عنهما هذا الخلق السيىء ، وهو عدم المبالاة ، ولم يزل به ذلك حتى صار ملكة يفتخر به( ثُمَّ ذَهَبَ ) أي هذا الإنسان بعد توليه عن الحق( إِلى أَهْلِهِ ) غير مفكر في عاقبة ما فعل من التكذيب حال كونه( يَتَمَطَّى ) أي يفتخر افتخارا بتكذيبه وإعراضه وعدم مبالاته بذلك ، من المط ، أبدل الحرف الثاني ألفا تخفيفا فصار من المطي وهو الظهر كأنه يساعده على مد الخطى ، أو أن المتبختر إذا مشى لوى ظهره ، وإنما فعل هذا لمرونه على المعصية بدل الاستحياء والخجل والانكسار.

ولما كان هذا غاية الفجور ، وكان أهل الإنسان يحبونه إذا أقبل إليهم لا سيما إذا

٢٥٥

كان على هذه الحالة عند أغلب الناس ، أخبر بما هو حقيق أن يقال له في موضع «تحية أهله» من التهديد العظيم فقال :( أَوْلى لَكَ ) أي أولاك الله ما تكره ، ودخلت اللام للتأكيد الزائد والتخصيص ، وزاد التأكيد بقوله :( فَأَوْلى ) أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية ، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه على مدى الأعصار ، فقال مشيرا بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة استحقاقه لهذا التأكيد :( ثُمَّ أَوْلى لَكَ ) أي أيها الذي قد أحل نفسه بالغفلة دون محل البهائم( فَأَوْلى ) أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة متواليا وتارة متراخيا ، وبعضها أعظم من بعض ، لحقك ذلك لا محالة ، فإن هذا دعاء ممن بيده الأمر كله ، ويجوز أن يكون المعنى : أولى لك أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ما ينفعك ، وقال ابن جرير في تفسير المدثر : إن أبا جهل لما استهزأ على جعل خزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له : أولى لك ـ إلى آخرها ، فلما قال ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال أبو جهل : والله لا تفعل أنت وربك شيئا ، فأخزاه الله يوم بدر ـ انتهى. ويمكن تنزيل الكلمات الأربع على حالاته الأربع : الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول النار ، فيكون المعنى : لك المكروه الآن وفي الموت والبعث ودخول النار. قال البغوي : وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن لكل أمة فرعونا ، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل »(١) وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي هي عمادها ، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة ، فهنالك يقال له : بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى.

ولما كان هذا فعل من أعرض عن الله أصلا فلم يخطر شيئا من عظمته على باله ، فكان ظانا أنه مهمل لا مالك له وأنه هو السيد لا عبودية عليه ، فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا بمقتضى شهواته ، قال منكرا عليه معبرا بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل :( أَيَحْسَبُ ) أي أيجوز لقلة عقله( الْإِنْسانُ ) أي الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى في نفسه وأبناء جنسه.

ولما كان الحامل على الجراءة مطلق الترك هملا ، لا كون الترك من معين ، قال بانيا للمفعول :( أَنْ يُتْرَكَ ) أي يكون تركه بالكلية( سُدىً ) أي مهملا لاعبا لاهيا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن شكره فيما

__________________

(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣ / ٨٨ بسنده عن ابن مسعود وهو خبر مطول وهذا عجزه. وكرره من وجه آخر عن الواقدي وهذا مرسل. وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٣ / ٢٨٩.

٢٥٦

أسدى إليه ، فإن ذلك مناف للحكمة ، فإنها تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن المساوىء والجزاء على كل منهما ، وأكثر الظالمين والمظلومين يموتون من غير جزاء ، فاقتضت الحكمة ولا بد البعث للجزاء.

ولما كان الإنسان يجري على ما في طبعه من النقائص فيغفل عما خلق له فتتراكم عليه ظلماته فيبعد عن علم ذلك إما بجهل بالحكمة أو بجهل بالقدرة ، رحمه سبحانه بإعادة البرهان على المعاد بأمر يجمع القدرة والحكمة ، وذلك أنه لا يجوز في عقل عاقل أن صانعا يصنع شيئا ويتركه ضياعا وهو حكيم أو حاكم فكيف بأحكم الحكماء والحاكمين فقال منكرا عليه ظنه أنه يهمله سبحانه مع علمه بصنائعه المحكمة فيه ، مقررا أحوال بدايته التي لا يسوغ معها إنكار إعادته لأنها أدل دليل على أنه لا مانع منها أصلا ، حاذفا نون الكون إعلاما بأن الأمر في هذه النتيجة العظمى ضاق عن أقل شيء يمكن الاستغناء عنه كراهية التمادي من الموعوظ على ما وعظ لأجله فيحصل له الهلاك ، وإشارة إلى مهانة أصله وحقارته :( أَلَمْ يَكُ ) أي الإنسان( نُطْفَةً ) أي شيئا يسيرا جدا( مِنْ مَنِيٍ ) أي ماء من صلب الرجل وترائب المرأة مقصود ومقدر من الله للابتلاء والاختبار مثاله المنية التي هي الموت (تمنى) أي سبب الله للإنسان المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة وجعل له من الروح التي يسرها لقضاء وطره منها حتى أن وقت صبها في الرحم انصبت منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل له فيها أصلا ، ولذلك بنى الفعل لما لم يسم فاعله ، ولما كان تكثير تلك النطفة وتحويلها أمرا عظيما عجيبا ، أشار إليه بأداة البعد مع إفادتها للتراخي في الزمان أيضا فقال :( ثُمَّ كانَ ) أي كونا محكما( عَلَقَةً ) أي دما أحمر عبيطا شديد الحمرة والغلظة( فَخَلَقَ ) أي قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من جواهره وأعراضه( فَسَوَّى ) أي عدل عن ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا مستقلا.

ولما كان استبعادهم للقيامة إما لاستبعاد القدرة على إعادة الأجزاء بعد تفرقها أو لاستبعاد القدرة على تمييز ترابها من تراب الأرض بعد الاختلاط ، وكان تمييز النطفة إلى ذكر وأنثى كافيا في رد الاستبعادين قال :( فَجَعَلَ ) أي بسبب النطفة( مِنْهُ ) أي هذا الماء الدافق أو المخلوق المسوى وهما شيء واحد( الزَّوْجَيْنِ ) أي القرينين اللذين لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر ، ثم بينهما بقوله :( الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) وهما كما تعلمون متباينان في الطباع مختلفان في أوصاف الأعضاء والآلات والمتاع ، كما لم يترك النطفة حتى صيرها علقة ولا ترك العلقة حتى صيرها مضغة ولا ترك المضغة حتى صيرها عظاما ولم يترك العظام حتى صيرها خلقا آخر إلى تمام الخلقة لتمام الحكمة الظاهرة وفصلها

٢٥٧

إلى ذكر وأنثى وهي ماء ، تمييز ما يصلح منه للذكر وما يصلح منه للأنثى أشد وأخفى من تمييز تراب الميت من تراب الأرض ، فكذلك لا يترك الجسم بعد موته حتى يعيده ثم يبعثه إلى آخر ذلك لتمام الحكمة الباطنة وهي الجزاء والحكم الذي هو خاصة الملك.

ولما تقرر من حيث إتقان الاصطناع أنه لا يجوز معه الإهمال وانقطاع النزاع ، وكان ربما توقف من حيث ظن عدم القدرة على ذلك بعد الموت ، قال منبها على تمام القدرة مقررا عليه منكرا على من يتوقف فيه موبخا له مرتبا على ما قام على القدرة على الإعادة من دليل القدرة الشهودي على البداية :( أَلَيْسَ ذلِكَ ) أي الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على هذه الإنشاءات وصنع هذه الصنائع المتقنة التي لا يقدر غيره على شيء منها ، وأعرق في النفي فقال :( بِقادِرٍ ) أي عظيم القدرة( عَلى أَنْ يُحْيِيَ ) أي كيف أراد دفعة أو في أوقات متعاقبة( الْمَوْتى ) فيقيم القيامة بل وعزته وجلاله وعظمته وكماله إنه على كل ما يريد قدير ، وقد رجع آخر السورة على أولها أتم رجوع ، والتأم به أتم التئام ، فتمت معانيها أعظم تمام بجمع العظام وإيجاد القيام ليوم التغابن والزحام ـ أعاننا الله فيه بحسب الختام ، روى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن أعرابي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من قرأ منكم( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) [التين : ١] فانتهى إلى آخرها( أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ) [التين : ٨] فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، ومن قرأ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) [القيامة : ١] فانتهى إلى قوله( أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) [القيامة : ٤٠] فليقل : بلى ، ومن قرأ المرسلات فقرأ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) [المرسلات : ٥٠] فليقل : «آمنا بالله(١) » ورواه الترمذي وقال في آخر القيامة أن يحيي الموتى : «بلى وعزة ربنا» وقال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد : وروى أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :من قرأ : والمرسلات عرفا فبأي حديث بعده يؤمنون ، ومن قرأ : والتين والزيتون ، فليقل : وأنا على ذلك من الشاهدين ، ومن قرأ : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، فليقل بلى (٢) » والله الهادي للصواب.

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٨٨٧ والترمذي ٣٣٤٧ من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي : هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمّى ا ه. فهو مجهول.

(٢) أخرجه أحمد ٢ / ٢٤٩ من حديث أبي هريرة. ـ وذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ١٣٢ (١١٤٥٧) وقال :رواه أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما ا ه. فالخبر واه.

٢٥٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الإنسان

مدنية ـ آياتها إحدى وثلاثون

وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر

مقصودها ترهيب الإنسان بما دل عليه آخر القيامة من العرض على الملك الديان بتعذيب العاصي في النيران وتنعيم المطيع في الجنان بعد جمع الخلائق كلها الإنس والملائكة والجان وغير ذلك من الحيوان ، ويكون لهم مواقف طوال وأهوال وزلزال ، لكل منها أعظم شأن ، وأدل ما فيها على ذلك الإنسان بتأمل آيته وتدبر مبدئه وغايته ، وكذا تسميتها بهل أتى وبالدهر وبالأمشاج من غير ميل ولا اعوجاج( بِسْمِ اللهِ ) الملك الذي خلق الخلائق لمعرفة أسمائه الحسنى( الرَّحْمنِ ) الذي عمهم بنعمه الظاهرة فرادى ومثنى( الرَّحِيمِ ) الذي خص منهم من اختاره لو داده بالنعمة الباطنة والمقام الأسنى.

( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) )

ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب ، وأن المرجع إلى الله وحده ، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على البعث وتمام القدرة عليه ، تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكاري على ما يقطع معه بأن لا يترك سدى ، فقال مفصلا ما له سبحانه عليه من نعمة الإيجاد والإعداد والإمداد والإسعاد :( هَلْ أَتى ) أي بوجه من الوجوه( عَلَى الْإِنْسانِ ) أي هذا النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس الأمر الأنس بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) أي مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه( لَمْ يَكُنْ ) أي في ذلك الحين كونا راسخا( شَيْئاً مَذْكُوراً ) أي ذكرا له اعتبار ظاهر في الملأ الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاونا به غير منظور إليه ليجوز أن يكون سدى بلا أمر ونهي ، ثم يذهب عدما بالكلية ليس الأمر كذلك ، بل ما أتى عليه شيء من ذلك بعد

٢٥٩

خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور ، وذلك أن الدهر هو الزمان ، والزمان هو مقدار حركة الفلك ـ كما نقله الرازي في كتاب اللوامع في سورة «يس» عند قوله تعالى( وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) فإنه قال : الزمان ابتداؤه من حركات السماء فإن الزمان مقدار حركات الفلك ـ انتهى وآدمعليه‌السلام تم الخلق بتمام خلقه في آخر يوم الجمعة أول جمعة كانت ، وكانت طينته ـ قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : خلق الله آدمعليه‌السلام من تراب فأقام أربعين سنة ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة ، وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة ـ : فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء مذكور إما بالتخمير وإما بتمام التصوير ، فالاستفهام على بابه وهو إنكاري ، وليست «هل» بمعنى «قد» إلا إن قدرت قبلها الهمزة ، وكان الاستفهام إنكاريا لينتفي مضمون الكلام ، والمراد أنه هو المراد من العالم ، فحينئذ ما خلق الزمان إلا لأجله ، فهو أشرف الخلائق ، وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء ، فهل يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات ، ويبقى الظرف الذي ما خلق إلا صوانا له ، والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه روي أن رجلا قرأها عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال : يا ليت ذلك لم يكن.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : قوله تعالى :( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) [الإنسان : ١] تعريف الإنسان بحاله وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه ، وأن لا يغلطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد أنه يستوجب ذلك ويستحقه( وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ) [النحل : ٥٣] ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث عنادا واستكبارا وتعاميا عن النظر والاعتبار( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ) أن لن( نَجْمَعَ عِظامَهُ ) [القيامة : ٣] وقوله بعد( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ) [القيامة : ٣١ ـ ٣٣] أي يتبختر عتوا واستكبارا ومرحا وتجبرا ، وتعريفه بحاله التي لو فكر فيها لما كان منه ما وصف ، وذلك قوله( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) [القيامة : ٣٧ ـ ٣٨] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة ، ثم أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين ثم كان علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها والواضح فناؤها واضمحلالها ، وأمده

٢٦٠