نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 84
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 84 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المرسلات

مكية ـ آياتها خمسون

وتسمى العرف

مقصودها الدلالة على آخر الإنسان من إثابة الشاكرين بالنعيم ، وإصابة الكافرين بعذاب الجحيم ، في يوم الفصل بعد جمع الأجساد وإحياء العباد بعد طي هذا الوجود وتغيير العالم المعهود بما له سبحانه من القدرة على إنبات النبات وإنشاء الأقوات وإنزال العلوم وإيساع الفهوم لإحياء الأرواح وإسعاد الأشباح بأسباب خفية وعلل مرئية وغير مرئية ، وتطوير الإنسان في أطوار الأسنان ، وإيداع الإيمان فيما يرضى من الأبدان ، وإيجاد الكفران في أهل الخيبة والخسران ، مع اشتراك الكل في أساليب هذا القرآن ، الذي عجز الإنس والجان ، عن الإتيان بمثل آية منه على كثرتهم وتطاول الزمان ، واسمها المرسلات وكذا العرف واضح الدلالة على ذلك لمن تدبر الاقسام ، وتذكر ما دلت عليه من معاني الكلام( بِسْمِ اللهِ ) الذي له القدرة التامة على ما يريد( الرَّحْمنِ ) الذي له عموم الإنعام على سائر العبيد( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل رضوانه بإتمام ذلك الإنعام وعنده المزيد.

( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) )

لما ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ، وكان الكفار يكذبون بذلك ، افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال :( وَالْمُرْسَلاتِ ) أي من الرياح والملائكة( عُرْفاً ) أي لأجل إلقاء المعروف من القرآن والسنة وغير ذلك من الإحسان ، ومن إلقاء الروح والبركة وتيسير الأمور في الأقوات وغيرها ، أو حال كونها متتابعة متكاثرة بعضها في أثر بعض ، من قول العرب : الناس إلى فلان عرف واحد ـ إذا توجهوا إليه فأكثروا ، ويقال : جاؤوا عرفا واحدا ، وهم عليه كعرف الضبع ـ إذا تألبوا عليه.

٢٨١

ولما كان العصوف للعواصف يتعقب الهبوب ، عطف بالفاء تعقيبا وتسبيبا فقال :( فَالْعاصِفاتِ ) أي الشديدات من الرياح عقب هبوبها ومن الملائكة عقب شقها للهواء بما لها من كبر الأجسام والقوة على الإسراع التام( عَصْفاً ) أي عظيما بما لها من النتائج الصالحة.

ولما كان نشر الرياح للسحاب متراخيا عن هبوبها ومتباطئا في الثوران وكذا نشر الملائكة لأجنحتها كما يفعل الطائر القوي في طيرانه ، عطف بالواو الصالحة للمعية والتعقب بمهلة وغيرها قوله :( وَالنَّاشِراتِ ) أي للسحاب والأجنحة على وجه اللين في الجو وللشرائع التي تنشر العدل بين الناس( نَشْراً ) وإذا راجعت أول الذاريات ازددت في هذا بصيرة.

ولما كان السحاب يجتمع بعد الثوران من مجال البخارات ويتكائف ثم يحمل الماء ، وكان ذلك ـ مع كونه معروفا ـ قد تقدم في الذاريات والروم وغيرهما ثم بعد الحمل تضغط السحاب حتى يتحامل بعضه على بعض فتنفرق هناك فرج يخرج منها ، طوى ذلك وذكر هذا فقال بالفاء الفصيحة :( فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ) أي للسحاب حتى يخرج الودق من خلاله وللأجنحة وبين الحق والباطل والحب والنوى ـ وغير ذلك من الأشياء.

ولما كانت السحاب عقب الفرق ينزل منها ما في ذلك السحاب من ماء أو ثلج أو برد أو صواعق أو غير ذلك مما يريده الله مما يبعث على ذكر الله ولا بد والملائكة تلقي ما معها من الروح المحيي للقلوب ، قال معبرا بفاء التعقيب والتسبيب :( فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ) أطلق عليه الذكر لأنه سببه إن كان محمول السحاب أو محمول الملائكة ، وقد يكون محمول الملائكة ذكر الله حقيقة ، ولا يخفى أنهما سبب لإصلاح الدين والدنيا.

ولما ذكر هذه الأقسام عللها بقوله :( عُذْراً أَوْ نُذْراً ) وهما منصوبان على الحال جمعان لعذر بمعنى المعذرة أو العاذر ، والنذير بمعنى الإنذار أو المنذر ، أي كانت هذه منقسمة إلى عذر إن كانت ألقت مطرا نافعا مريئا مريعا غير ضار كان بعد قحط فإنه يكون كأنه اعتذار عن تلك الشدة ، وإن كانت الملائكة ألقت بشائر فهي واضحة في العذر لا سيما إن كانت بعد إنذار ، وإلى نذر إن كانت ألقت صواعق أو ما هو في معناها من البرد الكبار ونحوها ، وكذا الملائكة ، والكل سبب لذكر الله وهو سبب لاعتذار ناس بالتوبة ، وسبب لعذاب الذين يغفلون عن الشكر ، ويستقبلون ذلك بالمعاصي أو ينسبون ذلك إلى الأنواء.

ولما تمت هذه الأقسام مشتملة على أمور عظام منبهة على أن أسبابها من الرياح

٢٨٢

والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون القيامة كذلك سواء بسواء ، قال ذاكرا للمقسم عليه مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّما ) أي الذي( تُوعَدُونَ ) أي من العذاب في الدنيا والآخرة ومن قيام الساعة ومن البشائر لأهل الطاعة ، وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من معين مع أنه معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( لَواقِعٌ ) أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم لا ترونها كما في هذه الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها.

( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) )

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال ، والرياح المسخرة ، وولايته بالمطر والملائكة الفارقة بمائه بين الحق والباطل ، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله وإنذارا ، أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله :( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ) [الإنسان : ٤] الآيات وقوله :( إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) [الإنسان : ١٠] وقوله :( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) [الإنسان : ١٢] الآيات إلى( وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) [الإنسان : ٢٢] وقوله :( وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) [الإنسان : ٢٧] وقوله :( يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) [الإنسان : ٣١] ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابقه افتتاح الأخرى قسما عليه أشد المطابقة ، فكيف وسورة( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ) [الإنسان : ١] مواعد أخراوية وإخبارات جزائية ، فأقسم سبحانه وتعالى على صحة الوقوع ، وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق ـ انتهى.

ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء : متى هو؟ وكان وقته مما استأثر الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس وأهيب عند العقول ، سبب عن ذلك قوله ذاكرا ما لا تحتمله العقول لتزداد الهيبة ويتعاظم الخوف معبرا بأداة التحقق :( فَإِذَا النُّجُومُ ) أي على كثرتها( طُمِسَتْ ) أي أذهب ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع بقية السماء ، فدل طمسها على أن لفاعله غاية القدرة ، وأعاد الظرف تأكيدا للمعنى زيادة في التخويف فقال :( وَإِذَا السَّماءُ ) أي على عظمتها( فُرِجَتْ ) أي انشقت فخربت

٢٨٣

السقوف وما بها من القناديل بأسهل أمر( وَإِذَا الْجِبالُ ) أي على صلابتها( نُسِفَتْ ) أي ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح ، فكانت هباء منبثا فلم يبق لها أثر ، وذلك كما ينسف الحب ، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي ، لأن تلك الدار ليست بدار أسباب.

ولما ذكر تغيير السماء والأرض ، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال :( وَإِذَا الرُّسُلُ ) أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم( أُقِّتَتْ ) أي بلّغها الذي لا قدير سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي كانت تنتظره ، وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على الأمم بما كان منهم من الجواب ، وحذف العامل في «إذا» تهويلا له لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فيمكن أن يكون تقديره : وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول ، وعلى ذلك دل قوله ملقنا لما ينبغي أن يقال ، وهو( لِأَيِّ يَوْمٍ ) أي عظيم( أُجِّلَتْ ) أي وقع تأجيلها به ، بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين ، وتنبيها على أن المعين له معلوم أنه الله الذي لا يقدر عليه سواه ، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله مبدلا من «لأي يوم» :( لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) أي الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا إليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير ، ثم هوله وعظمه بقوله :( وَما أَدْراكَ ) أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف ، ثم زاده تهويلا بقوله :( ما يَوْمُ الْفَصْلِ ) أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم ، وكل ما عظم بشيء فهو أعظم منه ، ولا يقدر أحد من الخلق على الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له يقال عليه.

ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال :( وَيْلٌ ) أي هلاك عظيم جدا( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يكون يوم الفصل( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله ، والويل في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله ، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه ، وقد كررت هذه الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء ، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من المذكورات ، والعاشرة للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا ، فإن من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام الدليل «ويل لك» ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك القول بعينه تأكيدا له وتحقيقا لوقوع معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع

٢٨٤

موضعا للتنصل منه والبعد عنه ، وذلك في كلام العرب شائع معروف سائغ.

ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة جلية ، أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب العالم النفسي فقال منكرا على من يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ومن آمن بهم :( أَلَمْ نُهْلِكِ ) أي بما لنا من العظمة( الْأَوَّلِينَ ) أي إهلاك عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ، لم ندع منهم أحدا.

ولما كان إهلاك من في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إن لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد ، وكان جواب هذا التقدير : بلى قد أهلكتهم ، قال عاطفا على هذا الذي أرشد السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله كالمنطوق ما تقديره : نعم أهلكناهم( ثُمَ ) أي بعد إهلاكنا لهم.

ولما كان الفعل مرفوعا ، علمنا أنه ليس معطوفا على «تهلك» ليكون تقديرا ، بل هو إخبار للتهديد تقديره : نحن إن شئنا( نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ) أي الذين في زمانك من كفار العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب الفيل.

ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم ، سلى من قطعوه من أتباعهم مما يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك الإهلاك :( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك الإهلاك( نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ) أي جميع الذين يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون في ذلك القطع ، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ليوم الفصل :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يوجد( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة.

( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) )

ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ما

٢٨٥

يوعد به بعد البعث ، أتبعه الدلالة بابتداء الخلق وهو أدل فقال مقررا ومنكرا على من يخالف علمه بذلك عمله :( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ ) أي أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تعشرها عظمة( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) أي نطفة مذرة ذليلة ، وهو من مهن بالفتح ، قال في القاموس : والمهين : الحقير والضعيف والقليل( فَجَعَلْناهُ ) أي بما لنا من العظمة بالإنزال لذلك الماء في الرحم( فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) أي محفوظ مما يفسده من الهواء وغيره ومددنا ذلك لأجل التطوير في أطوار الخلقة والتدوير في أدوار الصنعة( إِلى قَدَرٍ ) أي مقدار من الزمان قدره الله تعالى للولادة( مَعْلُومٍ ) أي عندنا من تسعة أشهر للولادة إلى ما فوقها أو دونها لا يعلمه غيره.

ولما كان هذا عظيما ترجمه وبينه معظما له بقوله :( فَقَدَرْنا ) أي بعظمتنا على ذلك أو فجعلناه على مقدار معلوم من الأرزاق والآجال والأحوال والأعمال( فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ) نحن مطلقا على ذلك وغيره ، أو المقدرون في تلك المقادير لما لنا من كمال العظمة بحيث نجعل ذلك بمباشرة من أردناه منه بطوعه واختياره. ولعل التعبير بما قد يفيد مع العظمة الجمع لما أقام سبحانه في ذلك من الأسباب بالملائكة وغيرها ، وفيه مع ذلك ابتلاء للعباد الموحد منهم والمشرك :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان ذلك( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي بالناشرات التي نشرت تلك النفوس وكل ما يراد نشره وهم يعلمون قدرتنا على ما ذكر وتقديره من ابتدائنا لخلقهم وغيره مما يفيد كمال القدرة وهم يكذبون بالبعث ولا يقيسونه بمثله. ولما دل بابتداء الخلق على تمام قدرته ، أتبعه الدلالة بانتهاء أمره وأثنائه وما دبر فيهما من المصالح فقال :( أَلَمْ نَجْعَلِ ) أي نصير بما سببنا بما لنا من العظمة( الْأَرْضَ كِفاتاً ) أي وعاء قابلة لجمع ما يوضع فيها وضمه جمعا فيه فتك وهدم ، وهو اسم لما يكفت من الحديد مثلا أي يغلف بالفضة ويضم ويجمع ، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع ، أو هو مصدر نعت به أو جمع كافتة ، كصائمة وصيام أو جمع كفت وهو الوعاء ، ولو شئنا لجعلناها ناشرة لكم إذا وضعتم فيها كما تنشر النبات ، وسنجعل ذلك إذا أردنا البعث ، ولما كان من المعلوم أنه حذف المفعول وهو لكم ، أبدى حالة دالة أيضا عليه فقال :( أَحْياءً ) أي على ظهرها في الدور وغيرها( وَأَمْواتاً ) أي في بطنها في القبور وغيرها كما كنتم قبل خلق آدمعليه‌السلام .

ولما ذكر ما تغيبه من جبال العلم والملك وغيرهما ، أتبعه ما تبرزه من الشواهق إعلاما بأنه لو كان الفعل للطبيعة ما كان الأمر هكذا ، فإنه لا يخرج هذه الجبال العظيمة على ما لها من الكبر والرسوخ والثقل والصلابة وغير ذلك من العظمة إلا الفاعل المختار ، هذا إلى ما يحفظ في أعاليها من المياه التي تنبت الأشجار وتخرج العيون

٢٨٦

والأنهار ، بل أكثر ما يخرج من المياه هو منها ، وكذا غالب المنافع من المعادن وغيرها قال :( وَجَعَلْنا ) أي بما لنا من العظمة( فِيها ) أي الأرض( رَواسِيَ ) لولاها لمادت بأهلها ، ومن العجائب أن مراسيها من فوقها خلافا لمراسي السفن( شامِخاتٍ ) أي هي مع كونها ثوابت في أنفسها مثبتة لغيرها طوال جدا عظيمة الارتفاع كأنها قد تكبرت على بقية الأرض وعلى من يريد صعودها ، وتنكيره للتعظيم.

ولما كان من العجائب الخارقة للعوائد فوران الماء الذي من طبعه أن يغور لا أن يفور لما له من الثقل واللطافة التي أفادته قوة السريان في الأعماق وفي كون ذلك منه من موضع من الأرض دون آخر ، وكونه من الجبال التي هي أصلب الأرض ومن صخورها غالبا دلالة ظاهرة على أن الفعل للواحد المختار الجبار القهار لا للطبائع قال :( وَأَسْقَيْناكُمْ ) أي جعلنا لكم بما لنا من العظمة شرابا لسقيكم وسقي ما تريدون سقيه من الأنعام والحرث وغير ذلك( ماءً ) من الأنهار والغدران والعيون والآبار وغيرها( فُراتاً ) أي عظيما عذبا سائغا وقد كان حقيقا بأن يكون ملحا أجاجا لما للأراضي الممسكة له من ذلك. ولما كان في هذا دلالة ظاهرة على قدرته على البعث وغيره قال :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي يوم إذ تقوم الساعة ليكون الفصل بين العباد فساقها مساق ما هو ثابت لا نزاع فيه إشارة إلى أنه لا يكذب بها بعد ظهور الأدلة إلا من لا مسكة له( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي الذين هم في غاية الرسوخ في التكذيب حتى كذبوا بما لنا في هذا من الفرق الذي فرقنا به بين أرض وأخرى حتى جعلنا بعضها صالحا لانفراق أرضه عن الماء ، وبعضها غير صالح وجعلنا بعضها قابلا للجبال وبعضها غير قابل ـ إلى غير ذلك من الفروق البديعة.

ولما وصلت أدلة الساعة في الظهور إلى حد لا مزيد عليه ، وحكم على المكذبين بالويل مرة ، وأكد بثلاث ، فكان من حق المخاطب أن يؤمن فلم يؤمن ، أمر بما يدل على الغضب فقال تعالى معلما لهم بما يقال لهم يوم القيامة إذ يحل بهم الويل :( انْطَلِقُوا ) أي أيها المكذبون( إِلى ما كُنْتُمْ ) أي بما هو لكم كالجبلة( بِهِ تُكَذِّبُونَ ) أي في الدنيا من العذاب تكذيبا هو من عظمه بحيث يعد غيره من التكذيب بالنسبة إليه عدما ، وتجددون ذلك التكذيب مستمرين عليه.

ولما كان المراد زيادة تبكيتهم وتقريعهم والتهويل عليهم ، كرر الأمر واصفا ما أمروا بالانطلاق إليه فقال :( انْطَلِقُوا ) هذا على قراءة الجماعة ، وقراءة رويس عن يعقوب بصيغة الماضي للدلالة على تمام انقيادهم هناك ، وأنه لا شيء من منعه عندهم

٢٨٧

أصلا ، وهي استئنافية لجواب من يقول : ما كان حالهم عند هذا الأمر الفظيع؟( إِلى ظِلٍ ) أي من دخان جهنم الذي سمي باليحموم لما ذكر في الواقعة( ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ) ينشعب من عظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب ، وخصوصية الثلاث لأن التكذيب بالله وكتبه ورسله ، فتعذبهم كل واحدة منها عذابا يعلمون هناك لأي تكذيبة منها هي ، أو لأن الحاجب عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم ، أو لأن السبب فيه القوة الوهمية الحالة في الدماغ ، والغضبية التي في عين القلب ، والشهوية التي في يساره ، وقيل : تخرج عنق من النار تكون ثلاث فرق : نار ونور ودخان ، يقف النور على المؤمنين ، واللهب الصافي على الكافرين ، والدخان على المنافقين ، تكون كذلك إلى حين الفراغ من الحساب ، وقال الرازي : الشعب لهب وشرر ودخان.

ولما كان المتبادر من الظل ما يستروح إليه فظنوا ذلك ، أزال عنهم هذا التوهم على طريق التهكم بهم ليكون أشد في النكال فقال واصفا ل «ذي» :( لا ظَلِيلٍ ) أي من الحر بوجه من الوجوه. ولما كان ما انتفى عنه غزارة الظل التي أفهمتها صيغة المبالغة قد يكون فيه نفع ما قال :( وَلا يُغْنِي ) أي شيئا من إغناء( مِنَ اللهَبِ ) أي هذا الجنس.

( إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) )

ولما بين أن هذا الظل زيادة في العذاب ، وكان من المعلوم أنه لا يكون دخان إلا من نار ، قال مبينا أنه لو كان هناك ظل ما أغنى :( إِنَّها ) أي النار التي دل عليها السياق( تَرْمِي ) أي من شدة الاستعار( بِشَرَرٍ ) وهو ما تطاير من النار إذا التهبت ، واحدتها شرارة وهي صواعق تلك الدار( كَالْقَصْرِ ) أي كل شرارة منها كأنها قصر مشيد من عظمها وقيل : هو الغليظ من الشجر ، الواحدة قصرة مثل جمر وجمرة ، وهي اسم جنس جمعي لم يستعمل إلا في جمع فهو شامل لكثير الجموع وقليلها ، وكذا كل ما فرق بين واحدة وجمعه التاء وليس بجمع لأنه ليس بجمع سلامة وهو ظاهر ولا تكسير لأن أوزانه معروفة وليس منها فعل وليس بجنس ، فإنه لا يشمل ما دون الجمع ومن عظمة شرارها تعرف عظمة جمرها.

ولما شبهه في عظمه ، شبهه في لونه فقال :( كَأَنَّهُ جِمالَتٌ ) جمع جمالة جمع

٢٨٨

جمل مثل حجارة وحجر للدلالة مع كبره على كثرته وتتابعه واختلاطه وسرعة حركته ، ومن قرأ بضم الجيم فهو عنده جمع جمالة وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة ـ شبهه به في امتداده والتفافه ، ولا تنافي فإن الشرر منه ما هو هكذا ومنه ما هو كما تقدم( صُفْرٌ ) جمع أصفر للون المعروف ، وقيل : المراد به سواد يضرب إلى صفرة كما هي ألوان الجمال.

ولما كان هذا أمرا هائلا كانت ترجمته :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يكون ذلك( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي العريقين في التكذيب بإلقاء الذكر على الأنبياء للبشارة والنذارة.

ولما دلت قراءة «انطلقوا» بالفتح على امتثالهم للأمر من غير أن ينبسوا بكلمة ، صرح به فقال دالا على ما هم فيه من المقت والغضب :( هذا ) أي الموقف الذي هو بعض مواقف ذلك اليوم ، سمي يوما لتمام أحكامه ، فلذا قال مخبرا عن المبتدأ :( يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) أي ببنت شفة من شدة الحيرة والدهشة في بعض المواقف ، وينطقون في بعضها فإنه يوم طويل ذو ألوان ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، أو لا ينطقون بما ينفعهم لأنهم كانوا في الدنيا لا ينطقون بالتوحيد الذي ينفعهم.

ولما كانوا لا يقدرون على شيء ما إلا بإذن الله ، وكان الموجع لهم عدم الإذن ، بني للمفعول قوله دلالة على عدم ناصر لهم أو فرج يأتيهم :( وَلا يُؤْذَنُ ) أي من آذن ما( لَهُمْ ) أي في كلام أصلا. ولما كان المراد أنه لا يوجد لهم إذن ولا يوجد منهم اعتذار من غير أن ينظر إلى تسببه عن عدم الإذن لئلا يفهم أن لهم عذرا ولكنهم لم يبدوه لعدم الإذن ، قال رافعا عطفا على«يُؤْذَنُ»( فَيَعْتَذِرُونَ ) فدل ذلك على نفي الإذن ونفي الاعتذار عقبه مطلقا ، ولو نصبه لدل على أن السبب في عدم اعتذارهم عدم الإذن فينقض المعنى.

ولما كان هذا أمرا فظيعا ترجمه بقوله :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان هذا الموقف( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي العريقين في التكذيب بالإخبار بطمس النجوم فجعلت عقوبتهم سكوتهم الذي هو ذهاب نور الإنسان ليكون كالطمس كذبوا به.

ولما ذكر حيرتهم ودهشتهم التي هي أمارة قول الحكم ، وكانت مواطن ذلك اليوم تسمى أياما لتمام الأحكام في كل مواطن منها ، وتميزه بذلك عما عداه ، قال :( هذا ) أي ذلك اليوم كله( يَوْمُ الْفَصْلِ ) أي بين ما اختلف فيه العباد من الحق والباطل والعالي والسافل ؛ ثم استأنف قوله :( جَمَعْناكُمْ ) أي يا مكذبي هذه الأمة بما لنا من العظمة( وَالْأَوَّلِينَ ) أي الذين تقدم أنا أهلكناهم ، وقد كانوا أكثر منكم عددا وأعظم عددا لنفصل بين المتنازعين ونصلي العذاب ونجزي بالثواب ، وقد كان منكم من يقول : أنا

٢٨٩

أكفي عشرة من ملائكة النار ، ثم أشار إلى انقطاع الأسباب فقال مسببا عن ذلك :( فَإِنْ كانَ لَكُمْ ) أي أيها المكذبون على وجه هو ثابت من ذواتكم( كَيْدٌ ) أي مقاواة بنوع حيلة أو شدة( فَكِيدُونِ ) تقريع لهم على كيدهم لأوليائنا المؤمنين في الدنيا ـ بما مكنهم به من الأسباب وتنبيه على أنه من آذى وليه فقد آذنه بالحرب وعلى أنهم عاجزون.

ولما كانوا أقل من أن يجيبوا عن هذا وأحقر من أن يمهلوا للكلام ، قال مترجما لحالهم بعد هذا الكلام منبها على أنهم لو عقلوا بكوا على أنفسهم الآن لأنه لا حيلة إذ ذاك :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابهم( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي الراسخين في التكذيب بأن السماء تفرج كما كانوا يكذبون بأنه يفصل بينهم بعد الموت.

ولما كان الواقع بعد الفصل قرار كل في داره ، وكان قد بدأ بالمكذبين لأن التحذير في السورة أعظم ففصلهم عن المصدقين فقال : انطلقوا ـ إلى آخره ، ثنى بأضدادهم الفريق الناجي المشار إليه في آخر الإنسان بقوله تعالى :( يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ) [الإنسان : ٣١] فقال مؤكدا لأجل تكذيب الكفار بتلك الدار وبأن يكون المؤمنون أسعد منهم :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) أي الذين كانوا يجعلون بينهم وبين كل ما يغضب الله وقاية مما يرضيه لعراقتهم في هذا الوصف يوم القيامة( فِي ظُلَلٍ ) هي في الحقيقة الظلال لا كما تقدم من ظل الدخان ، ولا يشبهها أعلى ظل في الدنيا ولا أحسنه إلا بالاسم ، ودل على أنها على حقيقتها بقوله :( وَعُيُونٍ ) لأنها تكون عنها الرياض والأشجار الكبار كما دل على أن ذلك الظل المتشعب للتهكم بما ذكر بعده من أوصاف النار ، فهذه العيون تبرد الباطن وتنبت الأشجار المظلة كما أن اللهب يحرّ الظاهر والباطن ويهلك ما قرب منه من شجر وغيره فلا يبقى ولا يذر.

ولما ذكر العيون ، أتبعها ما ينشأ عنها فقال دالا على أن عيشهم كله لذة :( وَفَواكِهَ ) ولما كان يوجد في فواكه الدنيا الدون ، قال دالا على أن عيشهم كله لذة وأنه ليس هناك دون :( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) أي بغاية الرغبة.

( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) )

ولما فهم من التعبير ب «في» أنهم متمكنون من هذا جميعه تمكن المظروف من

٢٩٠

ظرفه ، قال منبها على أنه أريد بالفاكهة جميع المآكل ، وإنما عبر بها إعلاما بأن كل أكل فيها تفكه ليس منه شيء لجلب نفع غير اللذة ولا دفع ضر :( كُلُوا ) أي مقولا لهم : تناولوا جميع المآكل على وجه التفكه والتلذذ لا لحفظ الصحة فإنها حاصلة بدونه( وَاشْرَبُوا ) أي من جميع المشارب كذلك فإن عيونها ليست من الماء خاصة بل من كل شراب أكلا وشربا( هَنِيئاً ) ليس في شيء من ذلك توقع ضر ، وزاد في نعيمهم بأن جعل ذلك عوضا فقال :( بِما كُنْتُمْ ) أي بجبلاتكم التي جبلتكم عليها( تَعْمَلُونَ ) أي في الدنيا من الأعمال الصالحة المبنية على أساس العلم الذي أفاد التصديق بالجنة فأوجب دخولها كما أوجب تكذيب المجرمين بالنار دخولهم إياها وعذابهم بها ، وتكذيبهم بالجنة طردهم عنها وحرمانهم لنعيمها جزاء وفاقا.

ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا لناس معينين في زمن مخصوص. قال معلما بالتعميم مؤكدا ردا على من ينكر :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الجزاء العظيم( نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي كل من كان عريقا في وصف الإحسان لسنا كملوك الدنيا ، يعوقهم عن الإحسان إلى بعض المحسنين عندهم بما يرونه جزاء لهم بعض أهل مملكتهم لما لهم من الأهوية ولملوكهم من الضعف.

ولما كان هذا النعيم عذابا عظيما على من لا يناله قال :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي الذين يكذبون بأن الجبال تنسف فتكون الأرض كلها سهلة دمثة مستوية لا عوج فيها أصلا صالحة للعيون والأشجار والتبسط في أرجائها كيفما يريد صاحبها ويختار.

ولما ذكر نعيم أهل الجنة الذي لا ينقضي لأن لهم غاية المكنة فيه ، وكان ذلك آجلا ، وكان المكذبون في اتساع في الدنيا ، وتقدم قوله تعالى( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) [الطور : ٧] وكان الشقاء متى وقع بعد نعيم نسخه وعد النعيم ـ ولو كان كثيرا طويلا ـ قليلا ، قال نتيجة لجواب القسم ضد ما يقال للمتقين تسلية لهم وتحزينا للمكذبين بناء على ما تقديره : إن المكذبين في هذه الدنيا في استدراج وغرور ، ويقول لهم لسان الحال المعرب عن أحوالهم في المآل توبيخا وتهديدا :( كُلُوا ) أي أيها المكذبون في هذه الدنيا( وَتَمَتَّعُوا ) أي كذلك بمثل الجيفة ، فإن المتاع من أسمائها كما مر غير مرة عن أهل اللغة( قَلِيلاً ) أي وإن امتد زمنه فإنه زائل مع قصر مدته في مدة الآخرة ، ولا يؤثر ذلك على الباقي النفيس إلا خسيس الهمة ، قال الرازي ، وقال بعضهم : التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الإذن والأخذ منها على قدر الحاجة

٢٩١

من أفعال عوام المؤمنين ، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.

ولما أحلهم هذا المحل الخبيث ، وكان التقدير : فإنه لا بد من وقوع العذاب بكم يوم الفصل ، علل ذلك بقوله مؤكدا لأنهم ينكرون وصفهم بذلك :( إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ) أي عريقون في قطع كل ما أراد الله به أن يوصل ، فلا جائز أن تعاملوا معاملة المحسنين ، فلذلك كانت نتيجة هذا( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ تعذبون بأجرامكم( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي بوصول الرسل إلى وقتها المعلوم الذي كانت تتوعد به المجرمين في الدنيا حيث كذبوهم لأجل تمتعهم هذا القليل الكدر ، وعرضوا أنفسهم للعذاب الدائم المستمر.

ولما كان التقدير : فإنهم كانوا في دار العمل إذا قيل لهم آمنوا لا يؤمنون ، عطف عليه قوله :( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ) أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل كان( ارْكَعُوا ) أي صلوا الصلاة التي فيها الركوع ، وأطلقه عليها تسمية لها باسم جزء منها ، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة ، ولأنه خاص بصلاة المسلمين ، ولأن بعض العرب نفر عن الدين من أجله ، وقال : لا أجبي لأن فيه ـ زعم ـ إبرازا للاست فيكون ذلك مسبة ، وكذلك السجود ، قال في القاموس : جبى تجبئة : وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه ، والتجبئة أن تقوم قيام الركوع( لا يَرْكَعُونَ ) أي لا يخضعون ولا يوجدون الصلاة فلذلك كان وعيدهم ، وفيه دلالة على أن الأمر للوجوب ليستحق تاركه العذاب وعلى أن الكفار مخاطبون بالفروع( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يكون الفصل( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي بذلك الذي تقدم في هذه السورة أو بشيء منه أو بغيره مما جاءت به الرسل ، وقد كررت هذه الجملة بعدد أجزاء طرف القسم أو أجزاء الجواب لتكون كل جملة منها وعيدا على التكذيب بواحد من تلك الأجزاء ، وتكون هذه الجملة العاشرة مؤكدة لتلك التسع ، وتكملة لعدها ومعناها ، ومعلمة بأن الويل لهم دائما من غير انقضاء كما أن الواحد لا انقضاء له.

ولما أعلم هذا أن لهم الويل دائما ، ذكر أن سببه عدم الإيمان بالقرآن وأن من لم يؤمن بالقرآن لم يؤمن بشيء أبدا ، فقال مسببا عن معنى الكلام :( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ) أي ذكر يتجدد نزوله على المرسل به في كل وقت تدعو إليه حاجة( بَعْدَهُ ) أي بعد هذا القرآن الذي هو شاهد لنفسه عنه بصحة النسبة إلى الله تعالى من جهة ما حاز من البلاغة في تراكيبه بالنسبة إلى كل جملة وبالنسبة إلى نظم الجمل بعضها مع بعض ، وبالإخبار بالمغيبات والحمل على المعالي والتنبيه على الحكم وغير ذلك من بحور العلم ورياض

٢٩٢

الفنون ، فالله باعتبار ذلك هو الشاهد بأنه كلامه( يُؤْمِنُونَ ) أي يجددون الإيمان بسببه بكل ما أتى به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث الذي الله شاهد بأنه كلامه بما اشتمل عليه بعد إعجازه من الدلائل الواضحة ، والمعاني الشريفة الصالحة ، والنظوم الملائمة للطبع والرقائق المرققة لكل قلب ، والبشائر المشوقة لكل سمع ، فمن لم يؤمن به لم يؤمن بحديث غيره ، فإنه لا شيء يقاربه ولا يدانيه ، فكيف بأن يدعي شيء يباريه أو يراقيه ، ومثل هذا إنما يقال عند مقاربة اليأس من الموعوظ والعادة قاضية بحلول العذاب إذ ذاك وإنزال البأس ، فهو من أعظم أنواع التهديد ، فقد رجع آخرها على أولها في وعيد المكذبين ، وانطبق أولها على آخرها في إخزاء المجرمين ـ والله الهادي للصواب.

٢٩٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النبأ

مكية ـ آياتها أربعون

وتسمى عم يتساءلون

( عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) )

مقصودها الدلالة على أن يوم القيامة ـ الذي كانوا مجمعين على نفيه ، وصاروا بعد بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في خلاف فيه مع المؤمنين ـ ثابت ثباتا لا يحتمل شكا ولا خلافا بوجه ، لأن خالق الخلق مع أنه حكيم قادر على ما يريد دبرهم أحسن تدبير ، بنى لهم مسكنا وأتقنه ، وجعلهم على وجه يبقي به نوعهم من أنفسهم بحيث لا يحتاجون إلى أمر خارج يرونه ، فكان ذلك أشد لإلفتهم وأعظم لأنس بعضهم ببعض ، وجعل سقفهم وفراشهم كافلين لمنافعهم ، والحكيم لا يترك عبيده ـ وهو تام القدرة كامل السلطان ـ يمرحون يبغي بعضهم على بعض ويأكلون خيره ويعبدون غيره بلا حساب ، فكيف إذا كان حاكما فكيف إذا كان أحكم الحاكمين ، هذا ما لا يجوز في عقل ولا يخطر ببال أصلا ، فالعلم واقع به قطعا ، وكل من اسميها واضح في ذلك بتأمل آيته ومبدأ ذكره وغايته( بِسْمِ اللهِ ) الحكيم العليم الذي له جميع صفات الكمال( الرَّحْمنِ ) الذي ساوى بين عباده في أصول النعم الظاهرة : الإيجاد والجاه والمال ، وبيان الطريق الأقوم بالعقل الهادي والإنزال والإرسال( الرَّحِيمِ ) الذي خص من شاء بإتمام تلك النعم فوفقهم لمحاسن الأعمال لما أخبر في المرسلات بتكذيبهم بيوم الفصل وحكم على أن لهم بذلك الويل المضاعف المكرر ، وختمها بأنهم إن كفروا بهذا القرآن لم يؤمنوا بعده بشيء ، افتتح هذه بأن ما خالفوا فيه وكذبوا الرسول في أمره لا يقبل النزاع لما ظهر من بيان القرآن لحكمة الرحمن التي لا يختلف فيها اثنان مع الإعجاز في البيان ، فقال معجبا منهم غاية العجب زاجرا لهم ومنكرا عليهم ومتوعدا لهم ومفخما للأمر بصيغة الاستفهام منبها على أنه ينبغي أن لا يعقل خلافهم ، ولا يعرف محل نزاعهم ، فينبغي أن يسأل عنه كل أحد حتى

٢٩٤

العالم به إعلاما بأن ما يختلفون فيه لوضوحه لا يصدق أن عاقلا يخالف أمره فيه وأنه لا ينبغي التساؤل إلا عما هو خفي فقال :( عَمَ ) أي عن أي شيء ـ خفف لفظا وكناية بالإدغام ، وحذف ألفه لكثرة الدور والإشارة إلى أن هذا السؤال مما ينبغي أن يحذف ، فإن لم يكن فيخفى ويستحى من ذكره ويخفف( يَتَساءَلُونَ ) أي أهل مكة لكل من يسأل عن شيء من القرآن سؤال شك وتوقف وتلدد فيما بينهم وبين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم ، ولشدة العجب سمي جدالهم وإنكارهم وعنادهم ـ إذا تليت عليهم آياته وجليت بيناته ـ مطلق سؤال.

ولما فخم ما يتساءلون عنه معجبا منهم فيه ، بينه بقوله إعلاما بأن ذلك الإيهام ما كان إلا للإعظام :( عَنِ النَّبَإِ ) أي من رسالة الرسول وإتيانه بالكتاب المبين ، وإخباره عن يوم الفصل ، والشاهد بكل شيء من ذلك الله بإعجاز هذا الحديث ، وبوعده الجازم الحثيث. ولما كان في مقام التفخيم له ، وصفه تأكيدا بقوله :( الْعَظِيمِ ) مع أن النبأ لا يقال إلا لخبر عظيم شأنه ، ففي ذلك كله تنبيه على أنه من حقه أن يذعن له كل سامع ويهتم بأمره ، لا أن يشك فيه ويجعله موضعا للنزاع ؛ وعظم توبيخهم بقوله :( الَّذِي هُمْ ) أي بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوم الضمائر( فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) أي شديد اختلافهم وثباتهم فبعضهم صدق وبعضهم كذب ، والمكذبون بعضهم شك وبعضهم جزم وقال بعضهم : شاعر ، وبعضهم : ساحر ـ إلى غير ذلك من الأباطيل ، وذلك الأمر هو أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي أهمه البعث بعد الموت اشتد التباسه عليهم وكثرت مراجعتهم فيه ومساءلتهم عنه مع عظمه وعظم ظهوره ، والعظيم لا ينبغي الاختلاف فيه بوجه ، فإن ذا المروءة لا ينبغي له أن يدخل في أمر إلا وهو على بصيرة فكيف به إذا كان عظيما فكيف به إذا تناهى عظمه فكيف به إذا كان أهم ما يهمه فإنه يتعين عليه أن يبحث عنه غاية البحث ويطلب فيه الأدلة ويفحص عن البراهين ويستوضح الحجج حتى يصير من أمره بعد علم اليقين إلى عين اليقين من حين يبلغ مبلغ الرجال إلى أن يموت فكيف إذا كان بحيث تتلى عليه الأدلة وتجلى لديه قواطع الحجح وتجلب إليه البينات وهو يكابر فيها ويماري ، ويعاند ويداري.

قال الإمام أبو جعفر بن الزبير : سورة النبأ أما مطلقها فمرتب على تساؤل واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول والالتفات ، وأما قوله :( كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ) [النبأ : ٤ ـ ٥] فمناسب للوعيد المتكرر في قوله :( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) [المرسلات : ١٩] وكأن قد قيل : سيعلمون عاقبة تكذيبهم ، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شيء منه عبثا بل يعتبر به ويستوضح وجه

٢٩٥

الحكمة فيه ، فعلم أنه لا بد من وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل ، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد موتها ، جرى ذلك في البعث واطراد الحكم ، وإليه الإشارة بقوله :( كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى ) [الأعراف : ٥٧] وقال تعالى منبها على ما ذكرناه( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ) [النبأ : ٦] إلى قوله :( وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ) [النبأ : ١٦] فهذه المصنوعات المقصود بها الاعتبار كما قدم ، ثم قال تعالى :( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ) [النبأ : ١٧] أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم «فويل يومئذ للمكذبين» ويشهد لهذا القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين :( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ) [النبأ : ٢٧ ـ ٢٩] ثم قال بعد :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً ) [النبأ : ٣١ ـ ٣٢] وقوله بعد :( ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ ) وأما الحياة الدنيا فلعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ، وقوله بعد :( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) [النبأ : ٤٠] انتهى. ولما كان الأمر من العظمة في هذا الحد قال مؤكدا لأن ما اختلفوا فيه وسألوا عنه ليس موضعا للاختلاف والتساؤل بأداة الردع ، فقال تهديدا لهم وتوكيدا لوعيدهم :( كَلَّا ) أي ليس ما سألوا عنه واختلفوا فيه بموضع اختلاف أصلا ، ولا يصح أن يطرقه ريب بوجه من الوجوه فلينزجروا عن ذلك وليرتدعوا قبل حلول ما لا قبل لهم به.

ولما كان كأنه قيل : فهل ينقطع ما هم فيه؟ أجاب بقوله مهددا حاذفا متعلق العلم للتهويل لأجل ذهاب النفس كل مذهب :( سَيَعْلَمُونَ ) أي يصلون إلى حد يكون حالهم فيه في ترك العناد حال العالم بكل ما ينفعهم ويضرهم ، وهذا عن قريب بوعد لا خلف فيه ، ويكون لهم حينئذ عين اليقين الذي لا يستطاع دفاعه بعد علم اليقين الذي دافعوه ، وعظم رتبة هذا الردع والتهديد والزجر والوعيد بقوله :( ثُمَّ كَلَّا ) أي أن أمره في ظهوره رادع عن الاختلاف في أمره( سَيَعْلَمُونَ ) أي بعد الموت بعد علمهم قبله ما يكون من أمره بوعد صادق لا شك فيه ، ويصير حالهم إذ ذاك حال العالم في كفهم عن العناد ، وهم بين ذلول وذليل وحقير وجليل ، فأما من اخترناه منه للإيمان فيكون ذلولا ، ومن أردنا شقاءه بالكفران فتراه ناكسا ذليلا ، ويشترك الكل بالذوق في حق اليقين ، وقد كان هذا كما قال الجليل بعد زمن قليل ، عند ما أوقعتهم أيام الله وأرغمت منهم الأنوف وأذلت الجباه ، وقراءة ابن عامر على ما قيل عنه بتاء الخطاب أعظم في الوعيد وأدل على الاستعطاف للمتاب.

٢٩٦

ولما حقق لهم أمره تحقيق من هو على غاية الوثوق بما يقول ، دل على ذلك بما لا يحتمل شكا ولا وقفه أصلا ، فقال مقررا لهم ومنكرا عليهم التساؤل بما ندب إليه من التأمل وقرر به من النظر في باهر آياته وغرائب مخلوقاته التي أبدعها من العدم دلالة تامة عظيمة على كمال القدرة مع تمام الحكمة الموجب للقطع بكل ما نبهت عليه الرسل من الشرائع والبعث والجزاء بادئا بما هم له أشد ملابسة وهو الظرف :( أَلَمْ نَجْعَلِ ) أي بما لنا من العظمة( الْأَرْضَ مِهاداً ) أي فراشا لكم موطئا مذللا يمكن الاستقرار عليه لتتصرفوا فيها كيف شئتم( وَالْجِبالَ ) أي تعرفون شدتها وعظمتها وعجزكم عن أقل شيء من أمورها( أَوْتاداً ) تثبتها كما أن البيت لا يثبت إلا بأوتاده ، قال الأفوه الأودي :

والبيت لا يبتنى إلا له عمد

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

وذلك لئلا تميد بكم فإنها معلقة على فضاء العلم ممسكة بيد القدرة ، فلو لا الجبال لعظم ثقلها لأنها بمنزلة السفينة العالية الفارغة على متن البحر فهي في غاية الحركة لا سيما إذا عظمت الريح فإنها حينئذ لا يستقر عليها قائم ولا يثبت قاعد ولا نائم ، فالجبال بمنزلة الأمتعة الثقيلة التي تنزلها في الماء فتحفظ عن كثرة التقلب فكيف يصح بوجه أن يتوقف في إخبار من هذه قدرته لا سيما إذا كان ذلك المخبر به مما ركز سبحانه أمره في الفطر الأولى وقرر صحته في العقول التقرير الأوضح الأجلى.

ولما ذكر بما في الظرف الذي هو فرشهم من الدلالة على تمام القدرة ، أتبعه التذكير بما في المظروف وهو أنفسهم لتجتمع آيات الأنفس والآفاق فيتبين لهم أنه الحق فقال :( وَخَلَقْناكُمْ ) أي بما دل على ذلك من مظاهر العظمة( أَزْواجاً ) طوالا وقصارا وحسانا ودماما وذكرانا وإناثا لجميع أصنافكم على تباعد أقطارهم وتنائي ديارهم لتدوم أنواعكم إلى الوقت الذي يكون فيه انقطاعكم.

ولما ذكر ما هو سبب لبقاء النوع ، ذكر ما هو سبب لحفظه من إسراع الفساد فقال :( وَجَعَلْنا ) أي بما لنا من العظمة( نَوْمَكُمْ ) الذي ركبنا البدن على قبوله( سُباتاً ) أي قطعا عن الإحساس والحركة التي أتعبتكم في نهاركم مع الامتداد والاسترسال إراحة للقوى الحيوانية والحواس الجثمانية وإزاحة لكلالها مع أنه قاطع لكمال الحياة ، فهو مذكر بالموتة الكبرى والاستيقاظ مذكر بالبعث ، قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه.

( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا

٢٩٧

سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) )

ولما ذكر النوم ، اتبعه وقته الأليق به مذكرا بنعمة الظرف الزماني بعد التذكير بالظرف المكاني ، فقال دالا بمظهر العظمة على عظمه :( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ) أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن( لِباساً ) أي غطاء وغشاء ساترا بظلمته ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن المعاش( وَجَعَلْنَا النَّهارَ ) أي الذي آيته الشمس( مَعاشاً ) أي وقتا للتقلب الذي هو من أسباب التحصيل الذي هو من أسباب المعاش ، وهو العيش ووقته وموضعه ، ومظهرا لما ستره الليل ، فالآية من الاحتباك : ذكر اللباس أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والمعاش ثانيا دليلا على حذف ضده أولا.

ولما ذكر المهاد وما فيه ، أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزماني وما يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه من العباد فقال :( وَبَنَيْنا ) أي بناء عظيما( فَوْقَكُمْ ) أي عاما لجميع جهة الفوق ، وهي عبارة تدل على الإحاطة( سَبْعاً ) أي من السماوات( شِداداً ) أي هي في غاية القوة والإحكام ، لا صدع فيها ولا فتق ، لا يؤثر فيها كر العصور ولا مر الدهور ، حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور.

ولما ذكر السقف ، ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر العظمة على عظمها :( وَجَعَلْنا ) أي مما لا يقدر عليه غيرنا( سِراجاً ) أي نجما منيرا جدا( وَهَّاجاً ) أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار مضطرم الاتقاد وهو الشمس ، من قولهم : وهج الجوهر : تلألأ ، والجمر : اتقد.

ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته ، أتبعه ما يطفىء الحرارة برطوبته وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب ، التي بها تمام الحياة ويكون تولدها من الظرف بالمهاد والسقف ، وجعل ذلك أشبه شيء بما يتولد بين الزوجين من الأولاد ، فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة ، والماء كالمني ، والنبات من النجم والشجر كالأولاد فقال :( وَأَنْزَلْنا ) أي مما يعجز غيرنا( مِنَ الْمُعْصِراتِ ) أي السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن يعصرها الرياح فتمطر كما حصد الزرع ـ إذا حان له أن يحصد ، قال الفراء : المعصر : السحابة التي تتحلى بالمطر ولا تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا حيضها ولم تحض ، وقال الرازي : السحائب التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت من الحيض( ماءً ثَجَّاجاً ) أي منصبا بكثرة يتبع بعضه بعضا ، يقال : ثجه وثج بنفسه.

٢٩٨

ولما ذكر بدايته ، أتبعها نهايته فقال :( لِنُخْرِجَ ) أي بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب( بِهِ ) أي الماء تسبيبا( حَبًّا ) أي نجما ذا حب هو مقصوده لأنه يقتاته العباد ، صرح به لأنه المقصود وبدأ به لأنه القوت الذي به البقاء كالحنظة والشعير وغيرهما( وَنَباتاً ) يتفكهون ويتنزهون فيه وتعتلفه البهائم. ولما كان من المشاهد الذي لا يسوغ إنكاره أن في الأرض من البساتين ما يفوت الحصر ، عبر بجمع القلة تحقيرا له بالنسبة إلى باهر العظمة ونافذ الكلمة فقال :( وَجَنَّاتٍ ) أي بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره( أَلْفافاً ) أي ملتفة الأشجار مجتمعة بعضها إلى بعض من شدة الري ، جمع لف كجذع ، قال البغوي : وقيل : هو جمع الجمع ، يقال : جنة لفاء ، وجمعها لف ـ بضم اللام ، وجمع الجمع ألفاف. وتضمن هذا الذي ذكره المياه النابعة الجارية والواقفة ، فاكتفى بذكره عن ذكرها ، قال مقاتل : وكل من هذا الذي ذكر أعجب من البعث.

( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) )

ولما ذكر ما دل على غاية القدرة ونهاية الحكمة فدل قطعا على الوحدانية لأنه لو كان التعدد لم تكن الحكمة ولم تتم القدرة ، فأثمر المحبة لمن اتصف بذلك ، فأنتج للطائع الشوق إلى لقائه والترامي إلى مطالعة كمال نعمائه ، وللعاصي ما هو حقيق به من الخوف من لقائه ليرده ذلك عن إعراضه وإبائه ، أتبعه ما أعلم أنه ما ذكره إلا للدلالة على النبأ العظيم في لقاء العزيز الرحيم ، فقال منتجا عما مضى من الوعيد وما دل على تمام القدرة مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ) أي الذي هو النبأ العظيم ، وتقدم الإنذار به في المرسلات وما خلق الخلق إلا لجمعهم فيه وإظهار صفات الكمال ليفصل فيه بين كل ملبس فصلا لا شبهة فيه ويؤخذ للمظلوم من الظالم( كانَ ) أي في علم الله وحكمته كونا لا بد منه جعل فيه كالجبلة في ذوي الأرواح( مِيقاتاً ) أي حدا يوقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق.

ولما ذكره ، ذكر ما فيه تعظيما له وحثا على الطاعة فقال مبدلا منه أو مبينا له :( يَوْمَ ) ولما كان الهائل المفزع النفخ ، لا كونه من معين ، بنى للمفعول قوله :( يُنْفَخُ ) أي من نافخ أذن الله له( فِي الصُّورِ ) وهو قرن من نور على ما قيل سعته أعظم مما بين السماء والأرض وهي نفخة البعث وهي الثانية من النفخات الأربع كما مر في آخر الزمر ، ولذلك قال :( فَتَأْتُونَ ) أي بعد القيام من القبور إلى الموقف أحياء كما كنتم أول

٢٩٩

مرة لا تفقدون من أعضائكم وجلودكم وأشعاركم وأظفاركم وألوانكم الأصلية شيئا يجمعكم من الأرض بعد أن تمزقتم فيها ، واختلط تراب من بلي منكم بترابها وتراب بعضكم ببعض ، وتمييز ذلك وجمعه وتركيبه كما كان وإعادة الروح فيه يسير عليه سبحانه وتعالى كما فعل ذلك كله من نطفة بعد أن فعله في آدمعليه‌السلام من تراب لا أصل له في الحياة ، حال كونكم( أَفْواجاً ) أي أمما وزمرا وجماعات مشاة مسرعين كل أمة بإمامها ، روى الثعلبي وابن مردويه عن البراء رضي الله عنهم ـ وقال شيخنا ابن حجر في ترجمة محمد بن زهير في لسان الميزان : إنه ظاهر الوضع ـ أن معاذا رضي الله عنه سأل عن هذه الأفواج فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن أمتي تحشر على عشرة أصناف : على صور القردة ، وعلى صور الخنازير ، وبعض منكسون يسحبون على وجوههم ، وبعض عمي وبعض صم بكم ، وبعض يمضغون ألسنتهم ، فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعض منقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعض مصلوبون على جذوع من نار ، وبعض أشد نتنا من الجيف ، وبعض ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم ، فسرهم بالقتات وآكلي السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم والعلماء الذين يخالف قولهم فعلهم والمؤذين للجيران والساعين بالناس للسلطان ، والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى والمتكبرين خيلاء »(١) .

ولما ذكر الآية في أنفسهم ذكر بعض آيات الآفاق ، وبدأ بالعلوي لأنه أشرف فقال بانيا للمفعول لأن المفزع مطلق التفتيح ، ولأن ذلك أدل على قدرة الفاعل وهوان الأمور عليه :( وَفُتِحَتِ السَّماءُ ) أي شقق هذا الجنس تشقيقا كبيرا ، وقرأ الكوفيون بالتخفيف لأن التكثير يدل عليه ما سبب عن الفتح من قوله :( فَكانَتْ ) أي كلها كينونة كأنها جبلة لها( أَبْواباً ) أي كثيرة جدا لكثرة الشقوق الكبيرة بحيث صارت كأنها لا حقيقة لها إلا الأبواب.

ولما ذكر السقف ، ذكر أقرب الأرض إليه وأشدها ، فقال على طريقة كلام القادرين أيضا :( وَسُيِّرَتِ ) أي حملت بأيسر أمر على السير( الْجِبالُ ) على ما تعلمون من صلابتها وصعوبتها في الهواء كأنها الهباء المنثور ، وعلى ذلك دل قوله :( فَكانَتْ ) أي كينونة راسخة( سَراباً ) أي لا نرى فيها إلا خيالا يتراءى وهي سائرة تمر مر السحاب ثم تخفى لتناثر أجزائها كالهباء ـ يا لها من عظمة تجب لها القلوب وتتعاظم الكروب.

__________________

(١) قال الحافظ في اللسان في ترجمة محمد بن زهير : وأظنه الذي روى الحديث الطويل الظاهر الوضع ، المذكور عند الثعلبي في تفسير سورة عم يتساءلون ، من حديث البراء ا ه. وقد ذكر هذا الإمام البقاعي فلا فائدة في ذكر هذا الخبر الموضوع.

٣٠٠