نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 91
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 91 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما بين أن يوم الفصل هو النبأ العظيم بعد أن دل عليه وذكر ما فيه من المسير ، ذكر ما إليه من الدارين المصير ، فقال بعد التذكير بما في الجبال من العذاب بحزونتها وما فيها من السباع والحشرات والأشجار الشائكة والقواطع المتشابكة وغير ذلك من عجائب التقدير مؤكدا لتكذيبهم :( إِنَّ جَهَنَّمَ ) أي النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون( كانَتْ ) أي جبلة وخلقا( مِرْصاداً ) أي موضع رصد لأعداء الله ترصدهم فيها خزنة النار ، فإذا رأوهم كردسوهم فيها ، ولأولياء الله ترصدهم فيها خزنة الجنة لإنجائهم من النار عند ورودها أو هي راصدة بليغة الرصد للكفار حتى صارت مجسدة من الرصد لتجمع أصحابها فلا يفوت منهم واحد كالمطعان لكثير الطعن ، والمكثار للمبالغ في الإكثار ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن على جسر جهنم سبعة محابس يسأل عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم ، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج ، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فينسأل عن المظالم ، فإن خرج منها وإلا قيل : انظروا فإن كان له تطوع تكمل به أعماله. فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.

ولما كان درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، قدم ذكر المخوف فقال :( لِلطَّاغِينَ ) أي المجاوزين لحدود الله( مَآباً ) أي مرجعا ومأوى بعد أن كان الله ذرأهم لها فكأنهم كانوا فيها ثم هيأهم للخروج منها والبعد عنها بفطرهم الأولى ، ثم بما أنزل الله من الكتب وأرسل من الرسل فكأنه بذلك أخرجهم منها ، ثم رجعوا إليها بما أحدثوا من التكذيب.

( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) )

ولما ذكر مصيرهم إليها ذكر إقامتهم فيها فقال حالا من ضمير «الطاغين» :( لابِثِينَ فِيها ) ولما كان جمع القلة يستعار للكثرة فكان الحقب يطلق على الزمان من غير حد ، ويطلق على زمان محدود ، فقيل على ثمانين سنة ، وعلى سبعين ألف سنة ، فكان السياق من تصدير السورة بالنبأ وبوصفه مع التعبير بالنبأ العظيم وما بعد ذلك يفهم أن المراد الدوام إن أريد ما لا حد له وأن المراد إن أريد المحدود جمع الكثرة ، وأكثر ما فسر به الحقب ، وأنه للمبالغة لا التحديد ، كان جمع القلة هنا غير مشكل ، فمن حمله على ما دون ذلك فكفاه زاجرا لم يضره التعبير به ، ومن اجترأ عليه واستهان به كان فتنة له كما

٣٠١

كان حصر عدد الخزنة للنار بتسعة عشر فلم يضر إلا نفسه ، فلذلك عبر عن ظرف اللبث بقوله :( أَحْقاباً ) أي دهورا عظيمة متتابعة لا انقضاء لها على أن التعبير به ـ ولو حمل على الأقل وجعل منقضيا ـ لا ينافي ما صرح فيه بالخلود لأنه أثبت شيئا ولم ينف ما فوقه ، وعن الحسن أنه قال : لا يكاد يذكر الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها من غير انقضاء.

ولما كان المسكن لا يصلح إلا بالاعتدال والماء الذي هو حياة كل شيء ، قال ذاكرا حال هذا اللبث :( لا يَذُوقُونَ ) أي ساعة ما فكيف بما فوق الذوق( فِيها ) أي النار خاصة ، وكأنه أشار بتقديمه إلى أنهم يذوقون في دار أخرى الزمهرير( بَرْداً ) أي روحا وراحة لنفعهم من الحر أو مطلق البرد( وَلا شَراباً ) من ماء أو غيره يغنيهم من العطش على حال من الأحوال( إِلَّا ) حال كون ذلك الشراب( حَمِيماً ) أي ماء حارا يشوي الوجوه قد انتهى حره( وَ ) حال كون ذلك الشراب مع حرارته ، أو البرد( غَسَّاقاً ) أي عصارة أهل النار من القيح والصديد البارد المنتن ، فالاستثناء على هذا موزع الحميم من الشراب والغساق من البرد ، فالحميم شرابهم في دولة السعير ، والغساق في دولة الزمهرير.

ولما حكم عليهم بهذا العذاب الذي لا يطاق ، ذكر حكمته فقال إنه جزاهم بذلك( جَزاءً وِفاقاً ) أي ذا وفاق لأعمالهم لأنهم كانوا يأخذون أموال الناس فيحرقون صدورهم عليها ويبردون بها الشراب ويصفونه ويبخرونه ، فهم يحرقون الآن بعصارة غيرهم المنتنة ، وكأنهم بعد الأحقاب ـ إن جعلت منقضية ـ يبدلون عذابا غير الحميم والغساق ، ثم علل عذابهم بقوله ، مؤكدا تنبيها على أن الحساب من الوضوح بحالة يصدق به كل أحد ، فلا يكاد يصدق أن أحدا يكذب به فلا يجوزه فقال :( إِنَّهُمْ كانُوا ) أي بما هو لهم كالجبلة التي لا تقبل غير ذلك فهم يفسدون القوى العلمية بأنهم( لا يَرْجُونَ ) أي في حال من الأحوال ولو رأوا كل آية( حِساباً ) فهم لا يعملون بغير الشهوات ، فوافق هذا خلودهم في النار ، وعبر عن تكذيبهم بنفي الرجاء لأنه أبلغ ، وذلك لأن الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال.

ولما دل انتفاء رجائهم على تكذيبهم المفسد للقوة العلمية ، صرح به على وجه أعم فقال :( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ) أي على ما لها من العظمة الدالة أنها من عندنا( كِذَّاباً ) أي تكذيبا هو في غاية المبالغة بحيث لو سمعوا أكذب الكذب ما كذبوا به كما كذبوا بها ، فكان تجريعهم لما لا يصح أن يشربه أحد ـ وإن جرع منه شيئا مات في الحال من غير موت ـ لهم جزاء على تكذيبهم بالحوارق التي يجرعون بها الصادقين أنواع الحرق ، وقرىء بالتخفيف للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم.

٣٠٢

( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) )

ولما كان التقدير : فكل شيء جعلنا له وزانا ، عطف عليه قوله :( وَكُلَّ شَيْءٍ ) أي مطلقا من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع عليه الحساب( أَحْصَيْناهُ ) ولما كان الإحصاء موافقا للكتابة في الضبط ، أكد فعله بها فقال :( كِتاباً ) فلا جائز أن نترك شيئا من الأشياء بغير جزاء ، ويمكن تنزيل الآية على الاحتباك وهو أحسن : دل فعل الإحصاء على حذف مصدره ، وإثبات مصدر «كتب» عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتابا ، وذلك الإحصاء والكتب لعدم الظلم.

ولما ذكر عذابهم ووجه موافقته لجزائهم ، سبب عن تكذيبهم ما يقال لهم بلسان الحال أو المقال إهانة وزيادة في الجزاء على طريق الالتفات المؤذن بشدة الخزي والغضب عليهم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى فقال : ويجوز أن يكون سببا عن مقدر بعد «كتابا» نحو : ليجازيهم على كل شيء منه ، قائلا لهم على لسان الملائكة أو لسان الحال :( فَذُوقُوا ) أي من هذا العذاب في هذا الحال بسبب تكذيبكم بالحساب ، وأكد ذوقهم في الاستقبال فقال :( فَلَنْ نَزِيدَكُمْ ) أي شيئا من الأشياء في وقت من الأوقات( إِلَّا عَذاباً ) فإن داركم ليس بها إلا الجحيم كما أن الجنة ليس بها إلا النعيم ، فأفهم هذا أن حصول شيء لهم غير العذاب محال.

ولما ذكر جزاء الكافرين وأشعر آخره بكونه إخزاء ، ذكر جزاء المؤمنين المخالفين لهم فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافرين به :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ) أي الراسخين في الخوف المقتضي لاتخاذ الوقاية مما يخاف فوقوا أنفسهم من سخط الله بما يرضيه من الأعمال والأقوال والأحوال( مَفازاً ) أي فوزا وموضع فوز وزمان فوز بالراحة الدائمة من جميع ما مضى ذكره للطاغين الذين هم أضدادهم ، وقد كشفوا أنفسهم للعذاب كل الكشف ، ثم فسره أو أبدل منه على حذف مضاف أي فوز :( حَدائِقَ ) أي بساتين فيها أنواع الأشجار ذوات الثمار والرياحين لتجمع مع لذة المطعم لذة البصر والشم ، قد أحدقت بها الجدران وحوطت بها ، قال ابن جرير : فإن لم تكن بحيطان محدقة بها لم يقل لها حديقة. وخص أشجار العنب لطيبها وحسنها وشرفها وما فيها من لذة الذوق وعبر عن أشجارها بثمرتها إعلاما بأنها لا توجد إلا موقرة حملا وأن ثمرتها هي جل منفعتها فقال :( وَأَعْناباً ) .

٣٠٣

ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة ، ذكر ما يتمتع به وهو جامع لألذاذ الحواس : البصر واللمس والذوق فقال :( وَكَواعِبَ ) أي نساء كعبت ثديهن( أَتْراباً ) أي على سن واحد ما مس جلد واحدة التراب قبل الأخرى ، بل لو كن مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد.

ولما ذكر النساء ذكر الملائم لعشرتهن فقال :( وَكَأْساً ) أي من الخمر التي لا مثل لها في لذة الذوق ظاهرا وباطنا وكمال السرور وإنعاش القوى. ولما كانت العادة جارية بأن الشراب الجيد يكون قليلا ، دل على كثرته دليلا على جودته بقوله :( دِهاقاً ) أي ممتلئة.

ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ينغصها من اللغو والكذب إلا عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح ، قال نافيا عنها ما يكدر لذة السمع :( لا يَسْمَعُونَ فِيها ) أي الجنة في وقت ما( لَغْواً ) أي لغطا يستحق أن يلغى لأنه ليس له معنى أعم من أن يكون مهملا ليس له معنى أصلا ، أو مستعملا ليس له معنى موجود في الخارج وإن قل ، أو له معنى ولكنه لا يترتب به كبير فائدة. ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة ، وكان التكذيب أذى للمكذب ، نفاه بقوله :( وَلا كِذَّاباً ) فإن هذه الصيغة تقال على التكذيب ومطلق الكذب ، فصار المعنى : ولا أذىّ بمعارضة في القول ، مع موافقة قراءة الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبا أو مكاذبة ، وشدد في قراءة الجماعة لرشاقة اللفظ وموازنة «أعنابا وأترابا» مع الإصابة لحلق المعنى من غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما.

( جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) )

ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ قال :( جَزاءً ) وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكراما للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة من نعمه فإن عمله من نعمه فقال :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بإكرام أمتك بأنواع الإكرام ، وفي( عَطاءً ) إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء( حِساباً ) أي على قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع أنواع الحساب ، من قولهم : أعطاه فأحسبه ـ إذا تابع عليه العطاء وأكثره حتى

٣٠٤

جاوز العد وقال : حسبي ، لا يمكن أن يحتاج مع هذا العطاء وإن زاد في الإنفاق ، واختير التعبير به دون «كافيا» مثلا لأنه أوقع في النفس ، فإنه يقال : إذا كان هذا الحساب فما الظن بالثواب.

ولما ذكر سبحانه سعة فضله ، وصف نفسه الأقدس بما يدل على عظمته زيادة في شرف المخاطبصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن عظمة العبد على حسب عظمة السيد ، فقال مبدلا على قراءة الجماعة وقاطعا بالرفع على المدح عند الحجازيين وأبي عمرو :( رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي مبدعهما ومدبرهما ومالكهما( وَما بَيْنَهُمَا ) ملكا وملكا. ولما شمل ذلك العرش وما دونه ، علله بقوله :( الرَّحْمنِ ) أي الذي له الإنعام العام الذي أدناه الإيجاد ، وليس ذلك لأحد غيره ، فإن الكل داخل في ملكه وملكه ، ولذلك قال دالا على الجبروت بعد صفة الرحمة :( لا يَمْلِكُونَ ) أي أهل السماوات والأرض ومن بين ذلك أصلا دائما في وقت من الأوقات في الدنيا ولا في الآخرة لا في يوم بعينه :( مِنْهُ ) أي العام النعمة خاصة( خِطاباً ) أي أن يخاطبوه أو يخاطبوا غيره بكلمة فما فوقها في أمرهم في غاية الاهتمام به بما أفاده التعبير بالخطاب ، فكيف بما دونه وإذا لم يملكوا ذلك منه فمن والكل في ملكه وملكه؟ وعدم ملكهم لأن يخاطبهم مفهوم موافقة ، والحاصل أنهم لا يقدرون على خطاب ما من ذوات أنفسهم كما هو شأن المالك. وأما غيره فقد يملكون أن يكرهوه على خطابهم وأن يخاطبوه بغير إذن من ذلك الغير ولا رضى وبغير تمليك منه لهم لأنه لا ملك له ، وإذا كان هذا في الخطاب فما ظنك بمن يدعي الوصال بالاتحاد ـ عليهم اللعنةو لهم سوء المآب ، ما أجرأهم على الاتحاد! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : كيف يكون للمكون المخلوق والفقير المسكين مكنة تملك منه خطابا أو تتنفس نفسا كلا بل هو الله الواحد الجبار.

ولما كان هذا ربما أفهم سد باب الشفاعة عنده سبحانه ، وكان الكلام إنما ينشأ من الروح ، وكان الملائكة أقرب شيء إلى الروحية ، أكد هذا المعنى مزيلا ما قد يوهمه في الشفاعة سواء قلنا : إن الروح هنا جنس أم لا ، فقال ذاكرا ظرف «لا يتكلمون» :( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) أي هذا الجنس أو خلق من خلق الله عظيم الشأن جدا ، قيل : هو الملك الموكل بالأرواح أو جبرائيلعليه‌السلام ، أو القرآن المشار إليه بمثل قوله تعالى( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) [القدر : ٤]( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) [الشورى : ٥٢] قاله ابن زيد( وَالْمَلائِكَةُ ) أي كلهم ، ونبه بالاصطفاف على شدة الأمر فقال :( صَفًّا ) للقاء ما في ذلك اليوم من شدائد الأهوال ولحفظ الثقلين وهم في وسط دائرة صفهم من الموج والاضطراب لعظيم ما هم فيه ، ثم زاد الأمر عظما

٣٠٥

بذكر العامل في لا يوم فقال :( لا يَتَكَلَّمُونَ ) أي من تقدم كلهم بأجمعهم فيه بكلمة واحدة مطلق كلام خطابا كان أي في أمر عظيم أو لا ، لا له سبحانه ولا لغيره أصلا ولا أحد منهم ، ويجوز أن يكون هذا حالا لهؤلاء الخواص فيكون الضمير لهم فغيرهم بطريق الأولى( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ) أي في الكلام إذنا خاصا( الرَّحْمنُ ) أي الملك الذي لا تكون نعمه على أحد من خلقه إلا منه( وَقالَ صَواباً ) فإن لم يحصل الأمر إن لم يقع الكلام من أحد منهم أصلا ، وهذا كالدليل على آية الخطاب بأنه إذا كان الروح والقريب منه بهذه المثابة في حال كل من حضره كان أحوج ما يكون إلى الكلام فما الظن بغيرهم؟ وهم في غيره كذلك بطريق الأولى وغيرهم فيه وفي غيره من باب الأولى ، وأما في الدنيا فإنه وإن كان لا يتكلم أحد إلا بإذنه لكنه قد يتكلم بالخطأ.

ولما عظم ذلك اليوم بالسكوت خوفا من ذي الجبروت( وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ) [طه : ١٠٨] أشار إليه بما يستحقه زيادة في عظمته فقال :( ذلِكَ ) أي المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته( الْيَوْمُ الْحَقُ ) أي في اليومية لكونه ثابتا في نفسه فلا بد من كونه ولا زوال له ثبوتا لا مرية فيه لعاقل وثابتا كل ما أثبته وباطلا كل ما نفاه. ولما قرر من عظمته ما يعجز غيره عن أن يقرر مثله ، وكان قد خلق القوى والقدر والفعل بالاختيار. فكان من حق كل عاقل تدرع ما ينجى منه ، سبب عن ذلك تنبيها على الخلاص منه وحثا عليه قوله :( فَمَنْ شاءَ ) أي الاتخاذ من المكلفين الذين أذن لهم( اتَّخَذَ ) أي بغاية جهده( إِلى رَبِّهِ ) أي خالقه نفسه المحسن إليه أو رب ذلك اليوم باستعمال قواه التي أعطاه الله إياها في الأعمال الصالحة( مَآباً ) أي مرجعا هو المرجع مما يحصل له فيه الثواب بالإيمان والطاعة ، فإن الله جعل لهم قوة واختيارا ، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله.

ولما قدم في هذه السورة من شرح هذا النبأ العظيم ما قدم من الحكم والمواعظ واللطائف والوعد والوعيد ، لخصه في قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب :( إِنَّا ) على ما لنا من العظمة( أَنْذَرْناكُمْ ) أي أيها الأمة وخصوصا العرب بما مضى من هذه السورة وغيرها( عَذاباً ) ولما كان لا بد من إتيانه وكونه سواء كان بالموت أو بالبعث ، وكان كل ما تحقق إتيانه أقرب شيء قال :( قَرِيباً ) .

ولما حذر منه ، عين وقته مشددا لتهويله فقال :( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ) أي جنسه الصالح منه والطالح نظرا لامرية فيه( ما ) أي الذي( قَدَّمَتْ يَداهُ ) أي كسبه في الدنيا من خير وشر ، وعبر بهما لأنهما محل القدرة فكنى بهما عنها مع أن أكثر ما يعمل كائن بهما مستقلتين به أو مشاركتين فيه خيرا كان أو شرا. ولما كان التقدير : فيقول المؤمن :

٣٠٦

يا ليتني قمت قبل هذا ، عطف عليه قوله :( وَيَقُولُ الْكافِرُ ) أي العريق في الكفر عند ما يرى من تلك الأهوال متمنيا محالا :( يا لَيْتَنِي كُنْتُ ) أي كونا لا بد منه ولا يزول( تُراباً ) أي في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف ، أو في هذا اليوم فلم أعذب ، والمراد به الجنس أو إبليس الذي تكبر عن السجود لآدمعليه‌السلام المخلوق من التراب ، وعظم نفسه بالحمد والافتخار بكونه مخلوقا من نار ، يقول ذلك عند ما يرى ما أعد الله لآدمعليه‌السلام ولخواص بنيه من الكرامة من النعيم المقيم ، ولهذا المتكبر على خالقه من العذاب الدائم الذي لا يزول ، وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن الله تعالى يقتص يوم البعث للبهائم بعضها من بعض ثم يقول لها : كوني ترابا ، فتكون فيتمنى الكافر مثل ذلك. فقد علم أن ذلك اليوم في غاية العظمة وأنه لا بد من كونه ، فعلم أن التساؤل عنه للتعجب من كونه من أعظم الجهل ، فرجع آخرها على أولها ، وانعطف مفصلها أي انعطاف على موصلها ، واتصل مع ذلك بما بعدها أي اتصال ، فإن المشرف بالنزع على الموت يرى كثيرا من الأهوال والزلازل والأوجال التي يتمنى لأجلها أنه كان منقطعا عن الدنيا ليس له بها وصال يوما من الأيام ولا ليلة من الليال ـ والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

٣٠٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النازعات

مكية ـ آياتها ست وأربعون

وتسمى الساهرة والطامة

مقصودها بيان أواخر أمر الإنسان بالإقسام على بعث الأنام ، ووقوع القيام يوم الزحام وزلل الأقدام ، بعد البيان التام فيما مضى من هذه السور العظام ، تنبيها على أنه وصل الأمر في الظهور إلى مقام ليس بعده مقام ، وصور ذلك بنزع الأرواح بأيدي الملائكة الكرام ، ثم أمر فرعون اللعين وموسىعليه‌السلام ، واسمها النازعات واضح في ذلك المرام ، إذا تؤمل القسم وجوابه المعلوم للأئمة الأعلام ، وكذا الساهرة والطامة إذا تؤمل السياق ، وحصل التدبر في تقرير الوفاق( بِسْمِ اللهِ ) الظاهر الباطن الملك العلام( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالإنعام( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل ولايته بالتمام ، فاختصوا بالإكرام في دار السّلام.

( وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) )

لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم ، أقسم أول هذه بنزع الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكةعليهم‌السلام على ما يتأثر عنه من البعث وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال تعالى :( وَالنَّازِعاتِ ) أي من الملائكة ـ كما قال علي وابن عباس رضي الله عنهم ـ للأرواح ولأنفسها من مراكزها في السماوات امتثالا للأوامر الإلهية( غَرْقاً ) أي إغراقا بقوة شديدة تغلغلا إلى أقصى المراد من كل شيء من البدن حتى الشعر والظفر والعظم كما يغرق النازع في القوس فيبلغ أقصى المدّ ، وكان ذلك لنفوس الكفار والعصاة كما ينزع السفود وهو الحديدة المتشعبة المتعاكسة الشعب من الصوف المبلول ، وعم ابن جرير كما هي عادته في كل ما يحتمله اللفظ فقال : والصواب أن يقال : إن الله تعالى لم يخصص ، فكل نازعة داخلة

٣٠٨

في قسمه ـ يعني الاعتبار بما آتاها الله من القدرة على ذلك النزع الدالة على تمام الحكمة والاقتدار على ما يريده سبحانه.

ولما ذكر الشد مبتدئا به لأنه أهول ، أتبعه الرفق فقال :( وَالنَّاشِطاتِ ) أي المخرجات برفق للأرواح أو لأجنحتها من محالها( نَشْطاً ) أي رفقا فلا تدع وإن كان رفيقا بين الروح والجسد تعلقا كما ينشط الشيء من العقال أي يحل من عروة كانت عقدت على هيئة الأنشوطة ، قال الفراء إنه سمع العرب يقولون : نشطت العقال ـ إذا حللته ، وأنشطت ـ إذا عقدت بأنشوطة ـ انتهى ، والنشط أيضا : الجذب والنزع ، يقال : نشطت الدلو نشطا ـ إذا نزعتها. وقال الخليل : النشط والإنشاط مدك الشيء إلى نفسك حتى ينحل ، وكان هذا لأرواح أهل الطاعة ، وكذلك نزع النبات والإنشاء والإنماء لكل ما يراد نزعه أو نشطه ، فالذي قدر بعض عبيده على هذا الذي فيه تمييز الأرواح من غيرها على ما لها من اللطافة وشدة الممازجة قادر على تمييز جسد كل ذي روح من جسد غيره بعد أن صار كل ترابا واختلط بتراب الآخر.

ولما ذكر نوعي السل بالشدة والرفق ، ذكر فعلها في إقبالها إليه ورجوعها عنه فقال :( وَالسَّابِحاتِ ) أي من الملائكة أيضا في الجو بعد التهيؤ للطيران إلى ما أمرهم الله به من أوامره من الروح أو غيرها( سَبْحاً ) هو في غاية السرعة لأنه لا عائق لها بل قد أقدرها الله على النفوذ في كل شيء كما أقدر السابح في الماء والهواء ، ولذلك نسق عليه بالفاء قوله :( فَالسَّابِقاتِ ) أي بعد السبح في الطيران إلى ما أمروا به من غمس الأرواح في النعيم أو الجحيم أو غير ذلك مما أمروا به في أسرع من اللمح مع القدرة والغلبة لجميع ما يقع محاولته( سَبْقاً*. )

ولما بان بذلك حسن امتثالها للأوامر ، بان به عظيم نظرها في العواقب فدل على ذلك بالفاء في قوله :( فَالْمُدَبِّراتِ ) أي الناظرات في أدبار الأمور وعواقبها لإتقان ما أمروا به في الأرواح وغيرها( أَمْراً ) أي عظيما ، ويصح أن يكون ذلك للشمس والقمر والكواكب والرياح والخيل السابحة في الأرض والجو لمنفعة العباد وتدبير أمورهم ، وبعضها سابق لبعض ، وبه قال بعض المفسرين ، والجواب محذوف إشارة إلى أنه من ظهور العلم به ـ بدلالة ما قبله وما بعده عليه ـ في حد لا مزيد عليه ، فهو بحيث لا يحتاج إلى ذكره فحذفه كإثباته بالبرهان فتقديره : لتذهبن بالدنيا التي أنتم بها مغترون لنزعنا لها من محالها وتقطيع أوصالها ، فإن كل ما تقدم من أعمال ملائكتنا هو من مقدمات ذلك تكذيبا لقول الكفار( ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) [الجاثية : ٢٤] المشار إليه بتساؤلهم عنها لأنه على وجه الاستهزاء والتكذيب ولتقومن

٣٠٩

الساعة؟ أو أنكم لمبعوثون بعد الموت وانتهاء هذه الدار؟ ثم لمجازون بما عملتم بأسباب موجودة مهيأة بين أظهركم دبرناها وأوجدناها حين أوجبنا هذه الحياة الدنيا وإن كنتم لا ترونها كما أن هذه الأمور التي أخبرناكم بها في نزع الأرواح والنبات والمنافع موجودة بين أظهركم والميت أقرب ما يكون منكم وهي تعمل أعمالها. والمحتضر أشد ما يكون صوتا وأعظمه حركة إذا هو قد خفت وهمد بعد ذلك الأمر وسكت وامتدت أعضاؤه ومات ، وذهب عنكم قهرا وفات الذي فات كأنه قط ما كان ، ولا تغلب في زمن من الأزمان ، بتلك الأسباب التي تعمل أعمالها وتمد حبالها وترسي أثقالها ، وتلقي أهوالها وأوجالها ، وأنتم لا ترونها ، فيالله العجب أن لا يردكم ذلك على كثرته عن أن تستبعدوا على قدرته تمييز تراب جسد من تراب جسد آخر.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في قوله( يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) [النبأ : ٤٠] عند نظره ما قدمت يداه ، ومعاينته من العذاب عظيم ما يراه ، وبعد ذكر تفصيل أحوال وأهوال ، أتبع ذلك ما قد كان حاله عليه في دنياه من استبعاد عودته في أخراه ، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في الموضع الآخر( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) [الروم : ٢٧] وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه ، وإلا فليس عنده سبحانه شيء أهون من شيء( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [يس : ٨٢] فقال تعالى :( وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ) [النازعات : ١] إلى قوله :( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ) [النازعات : ١٠ ـ ١١] إذ يستبعدون ذلك ويستدفعونه( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ) [النازعات : ١٣] أي صيحة( فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) [النازعات : ١٤] أي الأرض قياما ينظرون ما قدمت أيديهم ويتمنون أن لو كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك ، ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار ، ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) [النازعات : ٢٦] انتهى.

ولما أقسم على القيام بتلك الأفعال العظام التي ما أقدر أهلها عليها إلا الملك العلام. ذكر ما يكون فيه من الأعلام تهويلا لأمر الساعة لأن النفوس المحسوسات نزاعة ، فالغائبات عندها منسية مضاعة فقال ناصبا الظرف بذلك المحذوف لأنه لشدة وضوحه كالملفوظ به :( يَوْمَ تَرْجُفُ ) أي تضطرب اضطرابا كبيرا مزعجا( الرَّاجِفَةُ ) أي الصيحة ، وهي النفخة الأولى التي هي بحيث يبلغ ـ من شدة إرجافها للقلوب وجميع الأشياء الساكنة من الأرض والجبال إلى نزع النفوس من جميع أهل الأرض ـ مبلغا تستحق به أن توصف بالعراقة في الرجف ، قال البغوي : وأصل الرجفة الصوت والحركة.

٣١٠

ولما ذكر الصيحة الأولى ، أتبعها الثانية حالا منها دلالة على قربها قربا معنويا لتحقق الوقوع ، ولأن ذلك كله في حكم يوم واحد ، فصح مجيء الحال وإن بعد زمنه من زمن صاحبه فقال :( تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) أي الصيحة التابعة لها التي يقوم بها جميع الأموات وتجتمع الرفات ، وتضطرب من هولها الأرض والسماوات ، وتدك الجبال ويعظم الزلزال. ويكون عنها التسيير بعد المصير إلى الكثيب المهيل ، ونحو ذلك من الأمر الشديد الطويل ، قال حمزة الكرماني : روى السدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء ، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقى عليهم نومة فبينما هم في قبورهم نفخ في الصور ثانية فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم.

ولما ذكر البعث ، ذكر حال المكذب به لأن السياق له ، فقال مبتدئا بنكرة موصوفة :( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى( واجِفَةٌ ) أي شديدة الاضطراب أجوافها خوفا تكاد تخرج منها من شدة الوجيف ، ولما وصفها بالاضطراب ، وكان قد يخفى سببه لكونه قد يكون عند السرور العظيم كما قد يكون عند الوجل الشديد ، أخبر عنه بما يحقق معناه فقال :( أَبْصارُها ) أي أبصار أصحابها فهو من الاستخدام( خاشِعَةٌ ) أي ذليلة ظاهر عليها الذل واضطراب القلوب من سوء الحال ولذلك أضافها إليها.

ولما وصفها بالاضطراب والذل ، علله ليعرف منه أن من يقول ضد قولهم يكون له ضد وصفهم من الثبات والسكون والعز الظاهر فقال :( يَقُولُونَ ) أي في الدنيا قولا يجددونه كل وقت من غير خوف ولا استحياء استهزاء وإنكارا.( إِنَّا لَمَرْدُودُونَ ) أي بعد الموت ممن يتصف بردنا كائنا من كان( فِي الْحافِرَةِ ) أي في الحياة التي كنا فيها قبل الموت وهي حالتنا الأولى ، من قولهم : رجع فلان في حافرته ، أي طريقته التي جاء بها فحفرها أي أثر فيها بمشيه كما تؤثر الأقدام ، والحوافر في الطرق ، أطلق على المفعولة فاعلة مبالغة وذلك حقيقته ، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم رجع إليه : رجع إلى حافرته ، وقيل : الحافرة الأرض التي هي محل الحوافر.

ولما وصف قلوبهم بهذا الإنكار الذي ينبغي لصاحبه أن يذوب منه خجلا إذا فرط منه مرة واحدة ، وأشار إلى شدة وقاحتهم بتكريره ، أتبعه التصريح بتكريرهم له على وجه مشير إلى العلة الحاملة لهم على قوله وهو قولهم :( أَإِذا كُنَّا ) أي كونا صار جبلة لنا( عِظاماً نَخِرَةً ) أي هي في غاية الانتخار حتى تفتتت ، فكان الانتخار وهو البلى

٣١١

والتفتت والتمزق كأنه طبع لها طبعت عليه ، وهي أصلب البدن فكيف بما عداها من الجسم ، وعلى قراءة «ناخرة» المعنى أنها خلا ما فيها فصار الهواء ينخر فيها أي يصوّت.

( قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) )

ولما كان العامل في «إذا» مقدرا بنحو أن يقال : نرد إذ ذاك إلى حالتنا الأولى ونقوم كما كنا؟ دل على هذا المحذوف قوله تعالى عنهم :( قالُوا ) أي مرة من المرات :( تِلْكَ ) أي الردة إلى الحالة الأولى العجيبة جدا البعيدة من العقل في زعمهم( إِذاً ) أي إذ نرد إلى حياتنا الأولى لا شيء لنا كما ولدنا لا شيء لنا ، ونفقد كل ما سعينا في تحصيله وجمعه وتأثيله( كَرَّةٌ ) أي رجعة وإعادة وعطفة( خاسِرَةٌ ) أي هي لشدة خسارتنا فيها بما فقدنا مما حصلناه من الحال والمآل وصالح الخلال ، عريقة في الخسارة حتى كأنها هي الخاسرة ، ولعله عبر بالماضي لأنهم ما سمحوا بهذا القول إلا مرة من الدهر ، وأما أغلب قولهم فكان أنهم يكونون على تقدير البعث أسعد من المؤمنين على قياس ما هم عليه في الدنيا ونحو هذا من الكذب على الله.

ولما كان التقدير : نعم والله لتردن يا هؤلاء ، إنما هذا الذي تقولونه كله استبعاد منكم كما أنكم مقرون بسهولته لو عقلتم ، أما من جهة القدرة فلأن الابتداء أصعب من الإعادة وأنتم مقرون بالابتداء ولأن الاستبعاد إن كان من جهة وقوع الظن بأن من صار ترابا يصير عوده محالا من جهة تعذر تمييز ترابه من تراب غيره ، فتمييز النازع والناشط من الملائكة للروح من الجسد أصعب من ذلك بكثير ، وكذا غير هذا مما تدبره الملائكة من الأمور ، فكيف يصعب على ربهم سبحانه شيء يسهل مثله عليهم ، وأما من جهة العوائد فإن أحدا لا يدع رعية له بغير حساب أصلا ، وأما من جهة الوعد فقد تقدم به ، وليس من شيم الكرام فضلا عن الملوك إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم فلا تكذبوا بها ولا تستصعبوها ، قال مسببا عن هذا المقدر مهددا لأصحاب الشبهة المقلدين :( فَإِنَّما هِيَ ) أي القيامة( زَجْرَةٌ ) أي صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف( واحِدَةٌ ) عبر بالزجر وهو أشد من النهي لأنه يكون للعرض لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلا ، فكان كأن لسان الحال قال عن تلك الصيحة : أيها الأجساد البالية! انتهي عن الرقاد ، وقومي إلى الميعاد ، بما حكمنا به من المعاد ، فقد انتهى زمان الحصاد ، وآن أوان الاجتناء لما قدم من الزاد ، فيا ويل من ليس له زاد!

٣١٢

( فَإِذا هُمْ ) أي فتسبب عن هذه النفخة ـ وهي الثانية ـ أنهم فاجؤوا بغاية السرعة كونهم أحياء قائمين( بِالسَّاهِرَةِ ) أي على ظهر الأرض البيضاء المستوية الواسعة التي يجددها الله للجزاء فتكون سعتها كأنها قد ابتلعتهم على كثرتهم التي تفوت العد ، وتزيد على الحد ، سميت بذلك لأن الشراب يجري فيها من الساهرة وهي العين الجارية ، أو لأن سالكها يسهر خوفا كما أن النوم يكون آمنة ، أو لأن هذه الأرض بالخصوص لا نوم فيها مع طول الوقوف وتقلب الصروف الموجبة للحتوف.

ولما كانت قصة موسى عليه الصلاة والسّلام مع القبط أشبه شيء بالقيامة لما حصل فيها من التقلبات والتغيرات وإيجاد المعدومات من الجراد والقمل والضفادع على تلك الهيئات الخارجة عن العادات في أسرع وقت. وقهر الجبابرة والمن على الضعفاء حتى كان آخر ذلك أن حشر بني إسرائيل فنشطهم من القبط نشطا رقيقا كلهم وجميع ما لهم مع دوابهم إلى ربهم وحشر جميع القبط وراءهم فنزعهم نزعا كلهم بحشر فرعون لهم بأصوات المنادين عنه في أسرع وقت وأيسر أمر إلى هلاكهم كما يحشر الأموات بعد إحيائهم بالصيحة إلى الساهرة ، ثم كانت العاقبة في الطائفتين بما للمدبرات أمرا أن نجا بنو إسرائيل بالبحر كما ينجو يوم البعث المؤمنون بالصراط. وهلك فرعون وآله به كما يتساقط الكافرون بالصراط ، وذلك أنه رأى فرعون وجنوده البحر قد انفلق لبني إسرائيل فلم يعتبروا بذلك ثم دخلوا فيه وراءهم ، ولم يجوزوا أن الذي حسره عن مكانه قادر على أن يعيده كما ابتدأه فيغرقهم واستمروا في عماهم حتى رده الله فأغرقهم به كما أن من يكذب بالقيامة رأى بدء الله له ولغيره وإفناءه بعد إبدائه ثم إنه لم يجز أن يعيده كما بدأه أول مرة ، وصل بذلك قوله تعالى جوابا لمن يقول : هل لذلك من دليل؟ مخاطبا لأشرف الخلق إشارة إلى أنه لا يعتبر هذا حق اعتباره إلا أنت ، مستفهما عن الإتيان للتنبيه والحث على جمع النفس على التأمل والتدبر والاعتبار مقررا ومسليا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومهددا للمكذبين أن يكون حالهم ـ وهم أضعف أهل الأرض لأنه لا ملك لهم ـ كحال فرعون في هذا ، وقد كان أقوى أهل الأرض بما كان له من الملك وكثرة الجنود وقوتهم وسحرهم ومرودهم في خداعهم ومكرهم ورأى من الآيات ما لم يره أحد قبله ، فلما أصر على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقه الله وآله فلم يبق منهم أحدا وقد كانوا لا يحصون عددا بحيث إنه قيل : إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف :( هَلْ أَتاكَ ) أي يا أعلم الخلق( حَدِيثُ مُوسى ) أي ما كان من أمره الذي جددناه له حين أردناه فيكون كافيا لك في التسلية ولقومك في الحث على التصديق والتنبيه على الاعتبار والتهديد على التكذيب والإصرار( إِذْ ) أي حين( ناداهُ رَبُّهُ ) أي

٣١٣

المحسن إليه بإيجاده وتقريبه وتدبيره أمر إرساله وتقديره( بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ ) أي المطهر غاية التطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة المفيضة للبركات ، ثم بينه بقوله :( طُوىً ) وهو الذي طوى فيه الشر عن بني إسرائيل ومن أراد الله من خلقه ونشر بركات النبوة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه ، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه ، فإن العلماء قالوا : إن عذاب القبر ـ أي عذاب الاستئصال ـ ارتفع حين أنزلت التوراة. وهو واد بالطور بين أيلة ومصر.

ولما ذكر المناداة فسر ثمرتها بقوله مستأنفا منبها لأصحاب الشهوة المعجبين المتكبرين ، وقد أرشد السياق إلى أن التقدير : ناداه قائلا :( اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ ) أي ملك مصر الذي كان استعبد بني إسرائيل ثم خوّف من واحد منهم فصار يذبح أبناءهم خوفا منه وهو أنت فربيناك في بيته لهلاكه حتى يعلم أنه لا مفر من قدرنا ، فكنت أعز بني إسرائيل ، وكان سبب هلاكه معه في بيته بمرأىّ منه ومسمع وهو لا يشعر بذلك ثم قتلت منهم نفسا وخرجت من بلدهم خائفا تترقب.

ولما أمره بالذهاب إليه ، علله بما يستلزم إهلاكه على يده عليه الصلاة والسّلام إشارة له بالبشارة بأنه لا سبيل له عليه ، ولذلك أكده لأن مثل ذلك أمر يقتضي طبع البشر التوقف فيه فقال :( إِنَّهُ طَغى ) أي الحد وتجاوز الحد فاستحق المقابلة بالجد ، ثم سبب عن الذهاب إليه قوله( فَقُلْ ) أي له تفصيلا لبعض ما تقدم في «طه» من لين القول ولطف الاستدعاء في الخطاب :( هَلْ لَكَ ) أي ميل وحاجة( إِلى أَنْ تَزَكَّى ) أي تتحلى بالفضائل ، وتتطهر من الرذائل ، ولو بأدنى أنواع التزكي : الطهارة الظاهرة والباطنة الموجبة للنماء والكثرة ، وإفهام الأدنى بما يشير إليه إسقاط تاء التفعل المقتضي للتخفيف ، وذلك بالإذعان المقتضي للإيمان وإرسال بني إسرائيل ، وقرأ الحجازيان ويعقوب بالتشديد أي تزكية بليغة لأن من دخل في التزكي على يد كامل لا سيما بني من أولي العزم أوشك أن يبلغ الغاية في الزكاء.

ولما أشار له إلى الطهارة عن الشرك ، أتبعها الأعمال فقال :( وَأَهْدِيَكَ ) أي أبين لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس : كيف المسير( إِلى رَبِّكَ ) أي الموجد لك والمحسن إليك والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال وما يغضبه من الخصال بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال( فَتَخْشى ) أي فيتسبب عن ذلك أنك تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفا عظيما ، فتؤدي الواجبات وتترك المحرمات وسائر المنهيات ، فتصير إلى أعلى رتب التزكية فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا ، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير ، والأمن هو الحامل على الشر.

٣١٤

( فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) )

ولما كان التقدير : فذهب إليه كما أمره الله تعالى ، فقال له ذلك فطلب الدليل على صحة الرسالة واستبعد أن يختص عنه بهذه المنزلة العلية وقد رباه وليدا( فَأَراهُ ) أي فتسبب عن طلبه له أنه دل على صدقه بأن أراه( الْآيَةَ ) أي العلامة الدالة على ذلك( الْكُبْرى ) وهي قلب العصا حية أو جميع معجزاته( فَكَذَّبَ ) أي فتسبب عن رؤية ذلك أنه أوقع التكذيب بشيء إنما يقتضي عند رؤيته التصديق( وَعَصى ) أي أوقع العصيان ، وهو الإباء الكبير والتكبر عن امتثال ما دعي إليه مجموعا إلى التكذيب بعد إقامة الدليل على الصدق وتحقق الأمر.

ولما كان التمادي على التكذيب ممن رأى وعرف الحق ولا سيما إذا كان كبيرا مستبعدا جدا ، أشار إليه بأداة التراخي مع دلالتها على حقيقة التراخي أيضا فقال :( ثُمَّ أَدْبَرَ ) أي فرعون بعد المهلة والأناة إدبارا عظيما بالتمادي على أعظم مما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة. حال كونه( يَسْعى ) أي يعمل بغاية جهده عمل من هو مسرع غاية الإسراع في إبطال الأمر الرباني بقلة عقله وفساد رأيه وأبى أن يقبل الحق( فَحَشَرَ ) أي فتسبب عن إدباره ساعيا وتعقبه أنه جمع السحرة طوعا وكرها وزاد عليهم أيضا جنوده( فَنادى ) أي في المجامع( فَقالَ ) أي مناديه الذي لا يشك أنه عنه ، فكان قوله كقوله :( أَنَا ) وقال حمزة الكرماني : قال له موسىعليه‌السلام : إن ربي أرسلني إليك ، لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في السرور والنعيم ، ثم تموت فتدخل الجنة ، فقال : حتى أستشير هامان ، فاستشاره فقال : أتصير عبدا بعد ما كنت ربا تعبد ، فعند ذلك بعث الشرط وجمع السحرة والجنود ، فلما اجتمعوا قام عدو الله على سريره فقال : أنا( رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) فكان هذا نداؤه يعني كلكم أرباب بعضكم فوق بعض وأنا أعلاكم ، ولا رب فوقي أصلا ، وذلك لأن الإله عنده الطبيعة ، وهي مقسمة في الموجودات ، فهم كلهم أرباب ، ومن كان أعلى كان أقعد في المراد ، وهو كان أعلى منهم فقبحه الله ولعنه ولعن من تمذهب بمذهبه كابن عربي وابن الفارض وأتباعهما حيث أنكروا المختار الملك القهار ، ورسوله المصطفى المختار ، وتبعوا في وحدة الوجود بعض الفلاسفة ثم الحلاج بعد فرعون هذا الذي لم يصرح الله بذم أحد ما صرح بذمه ، ولم يصرح بشقاء أحد ما صرح بشقائه ، كهذه الآية فإنها مصرحة بوقوع نكاله في الآخرة كما وقع في الدنيا ، وقوله تعالى :( فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ

٣١٥

عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) [القصص : ٤٠ ـ ٤٢] إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلائل الواضحات التي لا تحصى وهي كثيرة ، وأعظمها القياس البديهي الإنتاج( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) [يونس : ٨٣]( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) [غافر : ٤٣] ويروى أن إبليس لما سمع منه قوله هذا قال : إني تجبرت على آدم فلقيت ما لقيت ، وهذا يقول هذا؟ وهذا دعاه إليه الكبر الناشىء من فتنة السراء التي الصبر فيها أعظم من الصبر في الضراء ، قال الإمام الغزالي في كتاب الصبر من الإحياء : فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ، ولذلك قال بعض العارفين : ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) [النازعات : ٢٤] ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا فأظهره إذ استحف فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره. فإن امتعاضه وغيظه عند تقصيرهم في خدمته لا يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء ـ انتهى. ويؤيده أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لام خادمه في شيء قط ـ والله تعالى هو الموفق للصواب.

ولما أخبر سبحانه عنه بهذه الكلمة الشنعاء القادحة في الملك ، وكان الملوك لا يحتملون ذلك بوجه ، سبب عنها وعقب قوله :( فَأَخَذَهُ اللهُ ) أي الملك الذي لا كفوء له ولا أمر لأحد معه أخذ قهر وذلك منكلا به مخذلا له :( نَكالَ الْآخِرَةِ ) فهو مصدر من المعنى ، أي أخذ تنكيل فيها يكون مثلا يتقيد به ويتعظ كل من سمعه عن مثل حال فرعون ، وقدمها اهتماما بشأنها وإشارة إلى أن عظمة عذابها أعظم ولا يذوقه الإنسان إلا بكشف غطاء الدنيا بالموت ، وتنبيها على أن المنع من مثل هذه الدعوى للصدق بها أمكن ، وليس ذلك للفاصلة لأنه لو قيل : «الأخرى» لوافقت( وَالْأُولى ) أي ونكال الدنيا الذي هو قبل الآخرة فإن من سمع قصة غرقه ومجموع ما اتفق له كان له ذلك نكالا مانعا من عمل مثله أو أقل منه ، قال الضحاك : أما في الدنيا فأغرقه الله تعالى وألقاه بنجوة من الأرض ، أما في العقبى فيدخله الله تعالى النار ويجعله ظاهرا على تل منها مغلولا مقيدا ينادي عليه هذا الذي ادعى الربوبية دون الله انتهى. وأنا لا أشك أن الحلاج وابن عربي وابن الفارض وأتباعهم يكونون في النار تحتهم وتحت آله يشربون عصارتهم ، فإنهم ادعوا أنه ناج وصدقوه فيما ادعاه وادعوا لأنفسهم وغيرهم مثل ما ادعاه تكذيبا للقرآن وإغراقا في العدوان ، وزادوا عليه بابتذال الاسم الأعظم الذي حماه

٣١٦

الله من أن يدعيه أحد قبل إرسال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فادعوا أنه يطلق عليهم وعلى كل أحد بل كل شيء ، وأمارة هذه الطائفة الخبيثة التي لا تتخلف أن تقول لأحدهم : العن فرعون الذي أجمع على لعنه جميع الطوائف. وهو مثل عندهم في الشرارة والخبث فلا يلعنه ، وإن لعنه فبعد توقف.

ولما لخص سبحانه وتعالى ما مضى من قصصه في هذه الكلمات اليسيرة أحسن تلخيص وأقربه مع عدم المخالفة لشيء مما مضى لأن المفصل موضع الاختصار أما باعتبار النزول فإنه نزل أولا فكان تقريب القصص للناس بالاقتصار على ما لا بد منه أولى ليستأنسوا به ، وأما من جهة الترتيب فلتذكيرهم بما مضى ليجتمع في المخيّلة في أقرب وقت ويتذكر به ذلك المبسوط ، وختمه بأخذه هذا الأخذ الغريب أرشد إلى ما في القصة من العبرة ، مشيرا إلى استحضار ما مضى كله ، فقال مؤكدا مقررا للمكذب ومنبها للمصدق :( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي فعله والذي فعل به( لَعِبْرَةً ) أي أمرا عظيما يتعمد الاعتبار به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف( لِمَنْ يَخْشى ) أي من شأنه الخوف العظيم من الله لأن الخشية ـ كما تقدم ـ هي أساس الخير ، فأول العبور أن ينقل السامع حال غيره إليه فيتذكر بإنجاء بني إسرائيل على ضعفهم منهم على قوتهم ثم بقوة ما حصل لهم من القهر من ذلك حتى أوجب اتباعهم بالجنود ثم بفرق البحر ثم بإيرادهم إياه ثم بإغراقهم فيه كلمح البصر لم يخرج منهم مخبر قدرة الله تعالى على إيراد الكفار النار وقهر كل جبار وبجعل العصا حية وإخراج القمل والضفادع من الأرض وتحويل الماء دما قدرته سبحانه وتعالى على ذلك السامع بالعذاب وغيره وعلى خصوص البعث ـ إلى غير ذلك من العبر وواضح الأثر.

ولما ختم قصة فرعون ـ لعنه الله ـ بالعبرة ، وكان أعظم عبرتها القدرة التامة لا سيما على البعث كما هي مشيرة إليه بأولها وآخرها ، والعقوبة على التكذيب به لأن التكذيب به يجمع مجامع الشر والتصديق به يجمع مجامع الخير ، وكانوا يستبعدونه لاستبعاد القدرة عليه ، وصل به ما هو كالنتيجة منه ، فقال مقررا مخاطبا لأصحاب الشبهة الشاكين موقفا لهم على القدرة منكرا عليهم استبعادهم ذلك ملتفتا بعد تخصيص الخطاب بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تقدم من دقة فهمه وجلالة علمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى عموم الخطاب لوضوح هذا البرهان لكل إنسان استعطافا بهم في توبيخ :( أَأَنْتُمْ ) أي أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا( أَشَدُّ خَلْقاً ) أي أصعب وأثقل من جهة التقدير والإيجاد( أَمِ السَّماءُ ) على ما فيها من السعة والكبر والعلو والمنافع.

ولما كان الجواب قطعا : السماء ـ لما يرى من أعظمها لأن العالم الإنساني

٣١٧

مختصر العالم الآفاقي ، ويزيد الآفاقي طول البقاء مع عدم التأثر ، وصل به قوله دليلا على قدرته على البعث لقدرته على ما هو أشد منه لأن الذي قدر على ابتداء الأكبر هو على إعادة الأصغر أقدر ، مبينا لكيفية خلقه لها :( بَناها ) أي جعلها سقفا للأرض على ما لها من العظمة ، ثم بين البناء بقوله :( رَفَعَ سَمْكَها ) أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو سمنها الذاهب في العلو رفيعا ، قال في القاموس : السمك السقف ، أو من أعلى البيت إلى أسفله ، أو القامة من كل شيء ، وقال أبو حيان : السمك الارتفاع الذي بين سطح السماء الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها.( فَسَوَّاها ) أي عدلها عقب ذلك بأن جعلها مستوية لا شيء فيها أعلى من شيء ولا أخفض ولا فطور فيها ، وأصلحها بما تم به كمالها من الكواكب وغيرها ، وجعل مقدار تخن كل سماء وما بين كل سماءين وتخن كل أرض وما بين كل أرضين على السواء لا يزيد شيء من ذلك على الآخر أصلا.

( وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) )

ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد من خلق الآدمي من عدم ، أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين فقال :( وَأَغْطَشَ ) أي أظلم إظلاما لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء( لَيْلَها ) أي بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه. وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها ، وبدأ به لأنه كان أولا ، والعدم قبل الوجود( وَأَخْرَجَ ضُحاها ) بطلوع شمسها فأضاء نهارها ، فالآية من الاحتباك : دل ب «أغطش» على «أضاء» وبإخراج الضحى على إخفاء الضياء ، ولعله عبر بالضحى عن النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نورا.

ولما بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع كونه أشرف ، فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر ، ثنى بأنه سوى ما هي لها كالأنثى فقال :( وَالْأَرْضَ ) ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار الدحو ، حذف الخافض فقال :( بَعْدَ ذلِكَ ) أي المذكور كله( دَحاها ) أي بسطها ومدها للسكنى وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء غير مسواة بالفعل ولا مدحوة.

ولما ذكر الدحو ، أتبعه ما استلزمه من المنافع لتوقف السكنى المقصودة بالدحو

٣١٨

عليه فقال كالمبين له من غير عاطف :( أَخْرَجَ مِنْها ) أي الأرض( ماءَها ) بتفجير العيون ، وإضافته إليها دليل على أنه فيها( وَمَرْعاها ) الذي يخرج بالماء ، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه.

ولما ذكر الأرض ومنافعها ، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال :( وَالْجِبالَ ) أي خاصة( أَرْساها ) أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سببا لثباتها كما أن المراسي سبب لثبات السفينة. ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ذلك أو بعضه ، قال منبها على أنه كل يوم في إعادة بانيا حالا مما تقدم تقديره : حال كونها( مَتاعاً ) مقدرا( لَكُمْ ) تتمتعون بما فيها من المنافع( وَلِأَنْعامِكُمْ ) أي مواشيكم بالرعي وغيره.

ولما ذكر ما دل على البعث ، أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة :( فَإِذا جاءَتِ ) أي بعد الموت( الطَّامَّةُ الْكُبْرى ) أي الداهية الدهياء التي تطم ـ أي تعلو ـ على سائر الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد ، وهي البعث بالنفخة الثانية ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، والعامل في «إذا» محذوف تقديره : فصل الناس إلى شقي وسعيد.

ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه ، قال مبدلا منه :( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ) أي تذكرا عظيما ظاهرا ـ بما أشار إليه الإظهار( الْإِنْسانُ ) أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له( ما سَعى ) أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله ، والإخبار عن تذكره منبها على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحدا لا يعمل جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله.

ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال :( وَبُرِّزَتِ ) أي أظهرت إظهارا عظيما ، وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين ، مع الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين( الْجَحِيمُ ) أي النار التي اشتد وقدها وحرها( لِمَنْ يَرى ) أي كائنا من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين رؤيتها ، لكن الناجي لا يصرف بصره إليها فلا يراها كما قال تعالى :( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ) [الأنبياء : ١٠٢].

ولما كان جواب «إذا» كما مضى محذوفا ، وكان تقديره أن قسم الناس قسمين : قسم للجحيم وقسم للنعيم ، قال تعالى مسببا عنه مفصلا :( فَأَمَّا مَنْ طَغى ) أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه ، قال في القاموس : طغى : جاوز القدر

٣١٩

وارتفع وطغى : غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم ، والماء : ارتفع.

( وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) )

ولما كان الذي بعد حدود الله هو الدنيا ، صرح به فقال :( وَآثَرَ ) أي أكرم وقدم واختار( الْحَياةَ الدُّنْيا ) بأن جعل أثر العاجلة الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها ، فكان كالبهائم لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة ، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى.

ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب ، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدا لتكذيبهم ذلك :( فَإِنَّ الْجَحِيمَ ) أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموح على من يدخلها( هِيَ ) أي لا غيرها( الْمَأْوى ) أي المسكن له ـ هذا مذهب البصريين أن الضمير محذوف ، وعند الكوفيين أن «أل» نائب عن الضمير ـ قاله أبو حيان.

ولما ذكر الطاغي ، أتبعه المتقي فقال :( وَأَمَّا مَنْ خافَ ) ولما كان ذلك الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه فقال :( مَقامَ رَبِّهِ ) أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه ، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه والزمان ، وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه ، وهذا لا يفعله إلا من تحقق المعاد.

ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلّا منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال :( وَنَهَى النَّفْسَ ) أي التي لها المنافسة( عَنِ الْهَوى ) أي كل ما تهواه فإنه لا يجر إلى خير لأن النار حفت بالشهوات ، والشرع كله مبني على ما يخالف الطبع وما تهوى الأنفس ، وذلك هو المحارم التي حفت بها النار فإنها بالشهوات ، قال الرازي : والهوى هو الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع. قال الجنيد : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها ، أي فأفاد ذلك أنه لم يؤثر الحياة الدنيا ، فالآية من الاحتباك : أتى بطغى دليلا على ضده ثانيا ، وبالنهي عن الهوى ثانيا دلالة على إيثار الدنيا أولا. ولما كان مقام ترغيب ، ربط الجزاء بالعمل كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب الكفار :( فَإِنَّ الْجَنَّةَ ) أي البستان الجامع لكل ما يشتهي( هِيَ ) أي خاصة( الْمَأْوى ) أي له ، لا يأوي إلى غيرها ، وهذا حال المراقبين.

٣٢٠