نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 97
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 97 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) )

ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه ، استأنف ذكر استهزائهم تعجيبا منهم فقال :( يَسْئَلُونَكَ ) أي قريش على سبيل التجديد والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد :( عَنِ السَّاعَةِ ) أي البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا. ولما كان السؤال عنها مبهما بينه بقوله :( أَيَّانَ مُرْساها ) أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها واستقرارها.

ولما كان إيراد هذا هكذا مفهما للإنكار عليهم في هذا السؤال ، وكان من المعلوم أنه يقول : إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفةصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم ، فطمه عن ذلك وصرح بالإنكار بقوله :( فِيمَ ) أي في أي شيء( أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ) أي ذكرها العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصا على إسلامهم ، وذلك لا يفيد علمها ، ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من أنه لا يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال :( إِلى رَبِّكَ ) أي المحسن إليك وحده( مُنْتَهاها ) أي منتهى علمها وجميع أمرها.

ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون : إنه متقول من عند نفسه ، قلب عليهم الأمر فقال :( إِنَّما أَنْتَ ) أي يا أشرف المرسلين( مُنْذِرُ ) أي مخوف على سبيل الحتم الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه( مَنْ يَخْشاها ) أي فيه أهلية أن يخافها خوفا عظيما فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو قريب ، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية لا يزيده إبهامها إلا خشية ، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراما ، فما أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها ، فإن النافع الأول دون الثاني ، ولست في شيء مما يصفونك به كذبا منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه ، وإنما قصره على من يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره ، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار ، ولهذا المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى ، وأما غيره فهو منذر له في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه يحصل له معنى الإنذار.

ولما أثبت أنه منذر ، وكان أخوف الإنذار الإسراع ، قال مستأنفا محقرا لهم الدنيا مزهدا لهم فيها :( كَأَنَّهُمْ ) أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها( يَوْمَ يَرَوْنَها ) أي يعلمون قيامها علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من

٣٢١

القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما يأتي منه( لَمْ يَلْبَثُوا ) أي في الدنيا وفي القبور( إِلَّا عَشِيَّةً ) أي من الزوال إلى غروب الشمس. ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال :( أَوْ ضُحاها ) أي ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال ، والعشية ما بعد ذلك ، أضيف إليها الضحى لأنه من النهار ، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة ، وهي هنا كونهما من نهار واحد ، فالمراد ساعة من نهار أوله أو آخره ، لم يستكملوا نهارا تاما ولم يجمعوا بين طرفيه ، وهذا كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع»(١) وهذا تعبير لنا بما نحسه تقريبا لعقولنا وإن كانت القاعدة أنه لا نسبة لما يتناهى إلى ما لا يتناهى على أن الكفار أيضا يستقصرون مدة لبثهم ، فكأنهم أصناف : بعضهم يقول : إن لبثتم إلا عشرا ، وبعضهم يقول : إن لبثتم إلا يوما ، وبعضهم يتحير فيقول : اسأل العادين ، أو أن تلك أقوالهم ، والحق من ذلك هو ما أخبر الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما مضى لهم في جنب ما يأتي كأنه ساعة من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما قال تعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسّلام( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) [يونس : ٤٥] على أن منهم من يقول ذلك أيضا كما قال تعالى في سورة المؤمنين حين قال تعالى( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ) [المؤمنون : ١١٢ ـ ١١٣] وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبلونه مما لا آخر له أو أنهم لما نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسّلام بيد القدرة من قبورهم غرقا نزعا شديدا فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما يستقبلونه من الأوجال استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئا استقصر مدته وهم استلذوا ذلك وإن كان من أمرّ المرّ في جنب لهم عن أنهم لا قوه ، فقد رجع آخرها بالقيامة على أولها ، والتف مفصلها بنزع الأنفس اللوامة على موصلها ، واتصلت بأول ما بعدها من جهة الخشية والتذكر فيا طيب متصلها ، فسبحان من جعله متعانق المقاطع والمطالع ، وأنزله رياضا محكمة المذاهب والمراجع ، والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٨٥٨ والترمذي ٢٣٢٣ وابن ماجه ٤١٠٨ وابن حبان ٤٣٣٠ والطبراني ٢٠ / (٧٣١) وأحمد ٤ / ٤٣٠ من حديث المستورد بن شداد.

٣٢٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة عبس

مكية ـ آياتها اثنان وأربعون

وتسمى الصاخة

مقصودها شرح( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) [النازعات : ٤٥] بأن المراد الأعظم تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة التي قام الدليل على القدرة عليها بابتداء الخلق من الإنسان ، وبكل من الابتداء والإعادة لطعامه والتعجيب ممن أعرض مع قيام الدليل ، والإشارة إلى أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم القابلية والتهيؤ للكفر والفجور ، وإلى أن المصائب أمارة للطهارة والإقبال واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف الأعمال ، فكل من كان فيها أرسخ كان قلبه أرق وألطف فكان أخشى ، فكان الإقبال عليه أحب وأولى ، واسمها «عبس» هو الدال على ذلك بتأمل آياته وتدبر فواصله وغاياته ، وكذا الصاخة النافخة بشرها وشررها والباخة( بِسْمِ اللهِ ) الذي له القدرة البالغة والحكمة الباهرة( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة الإيجاد الظاهرة ثم بآيات البيان الزاهرة( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بأن أتم نعمته عليهم ، فكانت بهم إلى مرضاته سائرة.

( عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) )

لما قصره سبحانه على إنذاره من يخشى ، وكان قد جاءهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه ، وكان من السابقين ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله تعالى ، وقد وجد منهم نوع لين ، فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل ، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما علمه الله فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم المستتبع لإسلام ناس كثير من أتباعهم ، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم ، وتظهر الكراهة في وجهه ، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى ، فقال مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا ، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا ، معظما له

٣٢٣

صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسياق الغيبة كما قال سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة : وعلى من ههنا ـ يشير إلى ناحية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو معرض عنها حياء منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإجلالا له :( عَبَسَ ) أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء من تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري حين يحال بينه وبين مراده ، وآذن بمدحهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن ذلك خلاف ما طبعه عليه سبحانه من رحمة المساكين ومحبتهم والسرور بقربهم وصحبتهم بقوله( وَتَوَلَّى ) أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتعلو كلمة الله لأجل( أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ) الذي ينبغي أن يبالغ في العطف عليه وفي إكرامه جبرا لكسره واعترافا بحقه في مجيئه ، وذكره بالوصف للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام والبعث على الرأفة به والرحمة له ، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا رآه بعد ذلك قال : «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي»(١) واستخلفه على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء رضي الله عنه.

ولما عرف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال ، وكان طول الإعراض موجبا للانقباض ، أقبل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال :( وَما يُدْرِيكَ ) أي وأي شيء يجعلك داريا بحاله وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا الله تعالى( لَعَلَّهُ ) أي الأعمى( يَزَّكَّى ) أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو أحواله الصالحة بما يسمع منك ولو على أدنى الوجوه بما يشير إليه إدغام تاء الافتعال ، وكذا قوله :( أَوْ يَذَّكَّرُ ) أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون سببا لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر فإن الخير لا يحقر شيء منه ، وسبب عن تزكية وتذكره قوله :( فَتَنْفَعَهُ ) أي عقب تذكره وسببه( الذِّكْرى ) وفي ذلك إيماء إلى أن الإعراض كان لتزكية غيره وتذكره ، وقراءة النصب على أنه جواب «لعل».

ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلا عليهم ، بين ذلك فقال :( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ) أي طلب الغنى وهو المال والثروة فوجده وإن لم يخش ولم يجىء إليك( فَأَنْتَ لَهُ ) أي دون الأعمى( تَصَدَّى ) أي تتعرض بالإقبال عليه والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه وهم عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف ، وأشار حذف تاء التفعل في قراءة الجماعة وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه خفيف كما هي عادة العقلاء.

__________________

(١) ذكره الواحدي في أسبابه (سورة عبس : ١ ـ ٢) بدون إسناد.

٣٢٤

( وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) )

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) [النازعات : ٢٦] وقال بعد( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) [النازعات : ٤٥] افتتحت هذه السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال أهل التذكر والخشية وجميل الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن كانوا في دنياهم ذوي خمول لا يؤبه لهم فهم عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته وأهله لطاعته وإجابة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأعلى منزلته لديه «رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره »(١) ومنهم ابن أم مكتوم الأعمى مؤذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو الذي بسببه نزلت السورة ووردت بطريق العتب وصاة لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتنبيها على أن يعمل نفسه الكريمة على مصابرة أمثال ابن أم مكتوم وأن لا يحتقر وحاشاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك ، ولكن التحذير من هذا وإن لم يكن وقع يشعر بعظيم الاعتناء بمن حذر ، ومنه قوله سبحانه( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) [الزمر : ٦٥] و( لا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) [ص : ٨٨] و( لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) [لقمان : ١٨] وهو كثير ، وبسط هذا الضرب لا يلائم مقصودنا في هذا التعليق ، لما دخل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ابن أم مكتوم سائلا ومسترشدا وهوصلى‌الله‌عليه‌وسلم يكلم رجلا من أشراف قريش وقد طمع في إسلامه ورجاء إنقاذه من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه ، فتمادى على طلبه هذا الرجل لما كان يرجوه ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه فأغفل ـ فورية مجاوبته وشق عليه إلحاحه خوفا من تفلت الآخر ومضيه على عقبه وهلاكه عتب سبحانه وتعالى عليه فقال :( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ ) [عبس : ١ ـ ٤] وهي منه سبحانه واجبة ، وقد تقدم في السورة قبل قول موسى عليه الصلاة والسّلام( هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ) [النازعات : ١٨] فلم يقدر له بذلك ولا انتفع ببعد صيته في دنياه ولا أغنى عنه ما نال منها وبارت مواد تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى ) [القصص : ٣٨]( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) [غافر : ٣٧] فأنى يزكى؟ ولو سبقت له سعادة لأبصر من حاله عين اللهو وللعب حين مقالته الشنعاء( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) [الزخرف : ٥٢].

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٢٢ و ٢٨٤٦ وابن حبان ٦٤٨٣ والطحاوي في المشكل ١ / ٢٩٢ والحاكم ٤ / ٣٢٨ من حديث أبي هريرة.

٣٢٥

ولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره عدم الصيت الدنياوي ولا أخل به عماه بل عظّم ربه شأنه لما نزل في حقه( وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ) [عبس : ٢ ـ ٤] فيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره ممن طرد فلم يتزك ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) [النازعات : ٤٥] كابن أم مكتوم ، ومن نمط ما نزل في ابن أم مكتوم قوله تعالى :( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [الكهف : ٢٨] وقوله :( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [الأنعام : ٥٢] فتبارك ربنا ما أعظم لطفه بعبيده ـ اللهم لا تؤيسنا من رحمتك ولا تقنطنا من لطفك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك ـ انتهى.

ولما كان فعله ذلك فعل من يخشى أن يكون عليه في بقائهم على كفرهم ملامة ، بين له أنه سالم من ذلك فقال :( وَما ) أي فعلت ذلك والحال أنه ما( عَلَيْكَ ) أي من بأس في( أَلَّا يَزَّكَّى ) أصلا ورأسا ولو بأدنى تزك ـ بما أشار إليه الإدغام ـ إن عليك إلا البلاغ ، ويجوز أن يكون استفهاما أي وأي شيء يكون عليك في عدم تزكيه وفيه إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في تزكية التابع الذي عرف منه القبول.

ولما ذكر المستغني ، ذكر مقابله فقال :( وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ ) حال كونه( يَسْعى ) أي مسرعا رغبة فيما عندك من الخير المذكر بالله وهو فقير( وَهُوَ ) أي والحال أنه( يَخْشى ) أي يوجد الخوف من الله تعالى ومن الكفار في أذاهم على الإتيان إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن معاثر الطريق لعماه( فَأَنْتَ عَنْهُ ) أي خاصة في ذلك المجلس لكونه في الحاصل( تَلَهَّى ) أي تتشاغل لأجل أولئك الأشراف الذين تريد إسلامهم ليعلو بهم الدين تشاغلا حفيفا بما أشار إليه حذف التاء ، من لهى عنه كرضى ـ إذا سلى وغفل وترك ، وفي التعبير بذلك إشارة إلى أن الاشتغال بأولئك لا فائدة فيه على ما تفهمه تصاريف المادة وإلى أن من يقصد الانسان ويتخطى رقاب الناس إليه له عليك حق عظيم ، والآية من الاحتباك : ذكر الغنى أولا يدل على الفقر ثانيا ، وذكر المجيء والخشية ثانيا يدل على ضدهما أولا ، وسر ذلك التحذير مما يدعو إليه الطبع البشري من الميل إلى الأغنياء ، ومن الاستهانة بحق الآتي إعظاما لمطلق إتيانه.

ولما كان العتاب الذي هو من شأن الأحباب ملوحا بالنهي عن الإعراض عمن وقع العتاب عليه ، وكل من كان حاله كحاله والتشاغل عن راغب ، صرح به فقال :( كَلَّا ) أي لا تفعل ذلك أصلا فإن الأمر في القضاء والقدر ليس على ما يظن العباد ولا هو جار على الأسباب التي تعرفونها بل هو من وراء علومهم على حكم تدق عن

٣٢٦

أفكارهم وفهومهم : ثم علل ذلك فقال مؤكدا لإنكارهم ذلك ،( إِنَّها ) أي القرآن ، ولعله أنث الضمير باعتبار ما تلي عليهم في ذلك المجلس من الآيات أو السور( تَذْكِرَةٌ ) أي تذكرهم تذكيرا عظيما بما إن تأملوه شاهدوه في أنفسهم وفي الآفاق ، ليس فيه شيء إلا وهم يعرفونه لو أقبلوا بكليتهم عليه ، فما على المذكر بها غير البلاغ ، فمن أقبل عليه فأهلا وسهلا ، ومن أعرض فبعدا له وسحقا.

ولما كان سبحانه قد خلق للإنسان عقلا واختيارا ، ويسر أمر القرآن في الحفظ والفهم لمن أقبل عليه ، سبب عن ذلك قوله :( فَمَنْ شاءَ ) أي ذكره بعد مشيئة الله تعالى كما تقدم تقييده في القرآن غير مرة( ذَكَرَهُ ) أي حفظ القرآن كله وتذكر ما فيه من الوعظ من غير تكرير ولا معالجة تحوج إلى الإعراض عن بعض المقبلين الراغبين ، وللإشارة إلى حفظه كله ذكر الضمير.

ولما كان التقدير : حال كون القرآن مثبتا أو حال كون الذاكر له مثبتا ، قال واصفا لتذكرة مبينا لشرفها بتشريف ظرفها وظرف ظرفها( فِي صُحُفٍ ) أي أشياء يكتب فيها من الورق وغيره( مُكَرَّمَةٍ ) أي مكررة التكريم ومعظمته في السماء والأرض في كل أمة وكل ملة( مَرْفُوعَةٍ ) أي علية المقدار بإعلاء كل أحد لا سيما من له الأمر كله( مُطَهَّرَةٍ ) أي منزهة عن أيدي أهل السفول وعن قولهم إنها شعر أو سحر ونحو ذلك ، وعلق أيضا بمثبت بالفتح أو الكسر على اختلاف المعنيين ـ قوله مبينا شرف ذلك الظرف لذلك الظرف إشارة إلى نهاية الشرف للمظروف :( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) أي كتبة يظهرون الكتابة بما فيها من الأخبار الغريبة والأحكام العلية في كل حال ، فإن كان ما تعلق به الجار بالفتح فهو حقيقة في أنهم ملائكة يكتبونه من اللوح المحفوظ ، أو يكون جمع سافر إما بمعنى الكتاب أو المسافر أي القاطع للمسافة أو السفير الذي هو المصلح لأنهم سفراء بين الله وأنبيائه ، وبهم يصلح أمر الدين والدنيا ، وإن كان بالكسر فهو مجاز لأن من أقبل على كتابة الذكر يكون مهذبا في الحال أو في المآل في الغالب ، وتركيب سفر للكشف( كِرامٍ ) أي ينطوون على معالي الأخلاق مع أنهم أعزاء على الله( بَرَرَةٍ ) أي أتقياء في أعلى مراتب التقوى والكرم وأعزها وأوسعها.

( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) )

ولما كان الوصف بهذه الأوصاف العالية للكتبة الذين أيديهم ظرف للصحف التي

٣٢٧

هي ظرف للتذكرة للتنبيه على علو المكتوب وجلالة مقداره وعظمة آثاره وظهور ذلك لمن تدبره وتأمله حق تأمله وأنعم نظره ، عقبه بقوله ناعيا على من لم يقبل بكليته عليه داعيا عليه بأعظم شدائد الدنيا التي هي القتل في صيغة الخبر لأنه أبلغ :( قُتِلَ الْإِنْسانُ ) أي هذا النوع الآنس بنفسه الناسي لربه المتكبر على غيره المعجب بشمائله التي أبدعها له خالقه ، حصل قتله بلعنه وطرده وفرغ منه بأيسر سعي وأسهله من كل من يصح ذلك منه لأنه أسرع شيء إلى الفساد لأنه مبني على النقائص إلا من عصم الله( ما أَكْفَرَهُ ) أي ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك من أمره ، فهو دعاء عليه بأشنع دعاء وتعجيب من إفراطه في ستر محاسن القرآن التي لا تخفى على أحد ودلائله على القيامة وكل شيء لا يسع أحدا التغبير في وجه شيء منها ، وهذا الدعاء على وجازته يدل على سخط عظيم وذم بليغ وهو وإن كان في مخصوص فالعبرة بعمومه في كل من كفر نعمة الله ، روي أنها نزلت في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالا وجهزه إلى الشام فبعث إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلمه أنه كافر برب النجم إذا هوى ، وأفحش في غير هذا ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك »(١) فلما انتهى إلى مكان من الطريق فيه الأسد ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حيا فجعلوه في وسط الرفقة والمتاع والرحال فأقبل الأسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه وقال : ما قال محمد شيئا إلا كان ، ومع ذلك فما نفعه ما عرف من ذلك ، فسبحان من بيده القلوب يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وكل ذلك من هدايته وإضلاله شاهد بأن له الحمد.

ولما كان اكثر انصباب التعجيب منه ناظرا إلى تكذيبه بالساعة لأجل ظهور أدلتها في القرآن جدا ولأنه توالت في هذه السور إقامة الأدلة عليها مما لا مزيد عليه ، شرع في إقامة الدليل عليها بآية الأنفس من ابتداء الخلق في أسلوب مبين لخسته وحقارته وأن من ألبسه أثواب الشرف بعد تلك الخسة والحقارة جدير منه بالشكر لا بالكفر ، فقال منبها له بالسؤال :( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ) والاستفهام للتقرير مع التحقير( خَلَقَهُ ) ثم أجاب إشارة إلى أن الجواب واضح لا يحتاج فيه إلى وقفة أصلا فقال مبينا حقارته :( مِنْ نُطْفَةٍ ) أي ماء يسير جدا لا من غيره( خَلَقَهُ ) أي أوجده مقدرا على ما هو عليه من التخطيط( فَقَدَّرَهُ ) أي هيأه لما يصلح من الأعضاء الظاهرة والباطنة والأشكال والأطوار إلى أن صلح لذلك ثم جعله في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ثم الرحم ثم المشيمة ، أو هي

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٥٣٩ من حديث أبي عقرب وصححه ، ووافقه الذهبي وفي : «اللهم سلط عليه كلبك» وأبو عقرب هو عويج بن خويلد صحابي نزل البصرة وكان جوادا كما في التقريب.

٣٢٨

على ما قال أهل التشريح ثلاثة أغشية : أحدها المشيمة تتصل بسرة الجنين تمده بالغذاء ، والثاني يقبل بوله ، والثالث يقبل البخارات التي تصعد منه بمنزلة العرق والوسخ في أبدان الكاملين ، وأعطاه قدرة لما أراده منه( ثُمَ ) أي بعد انتهاء المدة( السَّبِيلَ ) أي الأكمل في العموم والاتساع والوضوح لا غيره ، وهو مخرجه من بطن أمه وطريقه إلى الجنة أو النار( يَسَّرَهُ ) أي سهل له أمره في خروجه بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ينتكس ، وذلل له سبيل الخير والشر ، وجعل له عقلا يقوده إلى ما يسر له منهما ، وفيه إيماء إلى أن الدنيا دار الممر ، والمقصد غيرها وهو الأخرى التي تدل عليها الدنيا ، ولذلك عقبه بقوله عادا الموت من النعم لأنه لو دام الإنسان حيا مع ما يصل إليه من الضغف والخوف لكان في غاية البشاعة والشماتة لأعدائه والمساءة لأوليائه على أن الموت سبب الحياة الأبدية :( ثُمَ ) أي بعد أمور قدرها سبحانه من أجل وتقلبات( أَماتَهُ ) وأشار إلى إيجاب المبادرة إلى التجهيز بالفاء المعقبة في قوله( فَأَقْبَرَهُ ) أي جعل له قبرا فغيبه فيه وأمر بدفنه تكرمة له وصيانة عن السباع ، والإقبار جعلك للميت قبرا وإعطاؤك القتيل لأهله ليدفنوه ، والمعنى الامتنان بأنه جعل للإنسان موضعا يصلح لدفنه وجعله بعد الموت بحيث يتمكن من دفنه ، ولو شاء لجعله يتفتت مع النتن ونحوه مما يمنع من قربانه ، أو جعله بحيث يتهاون به فلا يدفن كبقية الحيوانات ، فقد عرف بهذا أن أول الإنسان نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة ، فما شرفه بالعلم إلا الذي أبدعه وصوره ، وذلك موجب لأن يشكره لا أن يكفره.

ولما كانت مدة البرزخ طويلة ، وكان البعث أمرا محققا غير معلوم الوقت بالعين بغيره تعالى ، عبر عن المعاني الثلاثة بأداتي التراخي والتحقق فقال :( ثُمَّ إِذا شاءَ ) أي إنشاره( أَنْشَرَهُ ) أي بعثه من قبره كما كان في دنياه بزيادة أنه على تركيب قوي لا يتهيأ فيه فراق الروح الجسد.

ولما كان إخباره بأنه مع الذي يسر له السبيل قد يفهم أنه لا يعمل إلا بما يرضيه ، نفى ذلك على سبيل الردع فقال :( كَلَّا ) أي ليرتدع هذا الإنسان الذي عرف أن هذه حالاته أولا وآخرا واثناء ومخرجا تارة من مخرج البول وأخرى من مخرج الحيض ومقبرا ، ولينزجر وليعرف ، نفسه بالذلة والخسة والحاجة والعجز ، وليعرف ربه سبحانه بالعزة والعظمة والكبرياء والفناء والقدرة على تشريف الحقير وتحقير الشريف ، وبأنه سبحانه لا يلزمه شيء فلا يلزم من تعريف هذا الإنسان السبيل وتمييزه له أنه لا يفعل إلا ما لا يعاتب عليه ، فإنه لا يكون من الإنسان وغيره إلا ما يريده ، وتارة يريد هداه ، وتارة يريد ضلاله ، فقد يأمر بما لا يريده ويريد ما لا يأمر به ولا يرضاه ، ولذلك قال مستأنفا

٣٢٩

نفي ما أفهمه بتيسيره للسبيل من أن الإنسان يفعل جميع ما أمره به الله الذي يسر له السبيل :( لَمَّا يَقْضِ ) أي يفعل الإنسان فعلا نافذا ماضيا( ما أَمَرَهُ ) أي به الله كله من غير تقصير ما من حين تكليفه إلى حين إقباره بل من حين وجد آدم عليه الصلاة والسّلام إلى حين نزول هذه الآية وإلى آخر الدهر ، لأن الإنسان مبني على النقصان والإله منزه التنزه الأكمل ، وما قدروا الله حق قدره ، وأيضا الإنسان الذي هو النوع لم يعمل بأسره بحيث لم يشذ منه فرد جميع ما أمره ، بل أغلب الجنس عصاه وكذب بالساعة التي هي حكمة الوجود ، وإن صدق بها بعضهم كان تصديقه بها تكذيبا لأنه يعتقد أشياء منها على خلاف ما هي عليه.

ولما ردعه بعد تفصيل ما له في نفسه من الآيات ، وأشار إلى ما له من النقائص ، شرع يقيم الدليل على تقصيره بأنه لا يقدر على شكر نعمة المنعم فيما له من المطعم الذي به قوامه فكيف بغيرها في أسلوب دال على الإنشار بآيات الآفاق منبه على سائر النعم في مدة بقائه المستلزم لدوام احتياجه إلى ربه فقال مسببا عن ذلك :( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ ) أي يوقع النظر التام على كل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ومدّ له المدى فقال :( إِلى طَعامِهِ ) يعني مطعومه وما يتصل به ملتفتا إليه بكليته بالاعتبار بما فيه من العبر التي منها أنا لو لم نيسره له هلك.

ولما كان المقصود النظر إلى صنائع الله تعالى فيه. وكانت أفعال الإنسان وأقواله في تكذيبه بالبعث أفعال من ينكر ذلك الصنع ، قال سبحانه مفصلا لما يشترك في علمه الخاص والعام من صنائعه في الطعام ، مؤكدا تنبيها على أن التكذيب بالبعث يستلزم التكذيب بإبداع النبات وإعادته ، وذلك في أسلوب مبين أن الإنسان محتاج إلى جميع ما في الوجود ، ولو نقص منه شيء اختل أمره ، وبدأ أولا بالسماوي لأنه أشرف ، وبالماء الذي هو حياة كل شيء ، تنبيها له على ابتداء خلقه :( أَنَّا ) أي على ما لنا من العظمة( صَبَبْنَا الْماءَ ) أي الذي جعلنا منه كل شيء حي( صَبًّا ) وثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال :( ثُمَ ) أي بعد مهلة من إنزال الماء ، وفاوتنا بينها في البلاد والنبات( شَقَقْنَا ) أي بما لنا من العظمة( الْأَرْضَ ) بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أصعب الأشياء فكيف بالأرض اليابسة المتكزرة جدا عند مخالطة الماء ، وحقق المعنى فقال :( شَقًّا ) ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له مبينا الاحتياج إلى النبات بقوله :( فَأَنْبَتْنا ) أي أطلعنا على وجه الاتصال الموجب للتغذي والنمو( فِيها ) بسبب الشق( حَبًّا ) أي لاقتيات الإنسان وغيره من الحيوان كالحنطة والشعير والرز وغيرها.

٣٣٠

( وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) )

ولما كان الحب قوتا فبدأ به لأنه الأصل في القوام ، عطف عليه ما هو فاكهة وقوت فقال :( وَعِنَباً ) هو فاكهة في حال عنبيته وقوت باتخاذه زبيبا ودبسا وخلا. ولما كان ذلك في بيان عجائب الصنع ليدل على القدرة على كل شيء فيدل على القدرة على البعث فذكر ما إن أخذ من منبته قبل بلوغه فسد ، وإن ترك اشتد وصلح للادخار ، واتبعه ما إن ترك على أصله فسد ، وإن أخذ وعولج ـ صلح للادخار ، أتبعه ما لا يصلح للادخار بوجه فقال :( وَقَضْباً ) وهو الرطب من البقل وغيره ، وهو يزيد على الماضيين بأنه فيه ما هو دواء نافع وسم ناقع ، وبأنه يقطع مرة بعد أخرى فيخلف ، سمي بمصدر قضبه ـ إذا قطعه بحصد أو قلع.

ولما ذكر ما لا يصلح أن يؤكل إلّا رطبا من غير تأخير ، أتبعه ما لا يفسد بحال لا على أمه ولا بعد القطاف ويصلح بعد القطاف فيؤكل أو يعصر ، فيكون له دهن للاستصباح والإدهان والائتدام ، وفيه تقوية للعظام والأعصاب ولا يفسده الماء بوجه كما أن العنب يعصر فيكون منه دبس وخل وغيرهما ، ومتى خالطه الماء فسد ، فقال :( وَزَيْتُوناً ) يكون فيه مع ما مضى حرافة وغضاضة فيها إصلاح المزاج. ولما ذكر ما لا يفسد وشجره يصبر على البرد ، أتبعه ما هو كالعنب يؤكل على أمه ويقطع فيدخر ، فهو جامع بين التحلي والتحمض بالخل والتفكه والتقوي والتداوي للسم الناقع والسحر الصارع من عجوة المدينة الشريفة وغير ذلك من ثمرة وشجرة ، ولا يصبر شجره على البرد فقال :( وَنَخْلاً ) وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع الموافقة في الأرض والسقي.

ولما ذكر هذه الأشياء من الأقوات والفواكه لكثرة منافعها ، وكانت البساتين تجمعها وغيرها مع ما لها من بهجة العين وسرور النفس وبسط الخاطر وشرح القلب قال :( وَحَدائِقَ ) جمع حديقة وهي الروضة ذات النخل والشجر ، أو كل ما أحاط به البناء وهي تجمع ذلك كله( غُلْباً ) جمع غلباء ـ بفتح الغين والمد ، وهي الحديقة ذات أشجار كثيرة عظام غلاظ طوال ملتفة الأغصان متكاثفة متكاثرة ، مستعار من وصف الرقاب ، يقال : غلب فلان ـ كفرح أي غلظ عنقه ، والغلباء أيضا من القبائل العزيزة الممتنعة ، ومن الهضاب المشرفة.

ولما ذكر ما يتفكه ويدخر جمع فقال :( وَفاكِهَةً ) أي ثمرة رطبة يتفكه بها كالخوخ والعنب والتين والتفاح والكمثرى والبرقوق مما يمكن أن يصلح فيدخر ومما لا

٣٣١

يمكن. ولما ذكر فاكهة الناس ، ذكر فاكهة بقية الحيوان فقال :( وَأَبًّا ) أي ومرعى ونباتا وعشبا وكلأ ما دام رطبا يقصد ، من أب الشيء ـ إذا أمه.

ولما جمع ما يقتات وما يتفكه ، فدل دلالة واضحة على تمام القدرة ، ذكر بالنعمة فيه قارعا بأسلوب الخطاب لتعميم الأفراد بعد سياق العتاب للتصريح بأن الكل عاجزون عن الوفاء بالشكر فكيف إذا انضم إليه الكفر فقال :( مَتاعاً ) وهو منصوب على الحال. ولما ذكر ما يأكله الناس وما يعلف للدواب ، وكان السياق هنا لطعام الإنسان ، قال مقدما ضميرهم :( لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) بخلاف ما في السجدة وقد مضى ، والأنعام بها يكون تمام الصلاح للإنسان بما له فيها من النعم بالركوب والأكل والشرب والكسوة والجمال وسائر المنافع ، وذكر هذا ذكرا ظاهرا مشيرا إلى المعادن لأن منها ما لا يتم ما مضى إلا به ، وهي آلات الزرع والحصد والطبخ والعجن وغير ذلك ، والملائكة المدبرة لما صرفها الله فيه من ذلك ، فدل ذلك على أن الوجود كله خلق لأجل منافع الإنسان ليشكر لا ليكفر ، ودلت القدرة على ذلك قطعا على القدرة على البعث.

( فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) )

ولما ذكر عجائب الصنع في الطعام ، وكان ذلك يقطف فيعود لا سيما المرعى فإنه يأتي عليه الخريف فينشف ثم يتحطم من الرياح ويتفرق في الأرض ثم يصير ترابا ثم يبعث الله المطر فيجمعه من الأرض بعد أن صار ترابا ثم ينبته كما كان ، وكان ذلك مثل إحياء الموتى سواء ، فتحقق لذلك ما تقدم من أمر الإنشار بعد الإقبار ، وكان ذلك أيضا مذكرا بأمر أبينا آدم عليه الصلاة والسّلام لما أمره الله بالأكل من الجنة إلا من الشجرة التي نهاه عنها ، فلما أكل منها أخرجه من الجنة فسجنه في دار ليست بجنة ولا نار ولا غيرهما بل هي من ممتزج الدارين وكالبرزخ بينهما ، فيها ما يذكر بهذه وما يذكر بتلك ، وفيها أمثلة الموجودات كلها ، قال مسببا عما ثبت به الإحياء للبعث إلى المحشر معبرا بأداة التحقق لأن الساعة مما لا بد منه ولا محيد عنه لأنها سر الكون فإن فيها حساب الذين استخلفوا في هذا الوجود وأفيضت عليهم النعم التي أودعها فيه ، وأشار إلى أنهم عاجزون عن القيام بشكرها ، وكثير منهم ـ بل أكثرهم ـ زاد على ذلك بكفرها ، فأوجب ذلك ـ ولا بد ـ حسابهم على ما فعلوا فيما استخلفوا فيه واسترعوه كما هي عادة كل مسترع ومستخلف :( فَإِذا جاءَتِ ) أي كانت ووجدت لأن كل ما هو كائن كأنه لاقيك وجاء إليك( الصَّاخَّةُ ) أي الصرخة العظيمة التي يبالغ في إسماع الأسماع بها حتى

٣٣٢

تكاد تصمها لشدتها ، وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها وعظيم وجبتها ، وتضطر الآذان إلى أن تصيخ إليها أي تسمع ، وهي من أسماء القيامة ، وأصل الصخ : الضرب بشيء صلب على مصمت.

ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب ، قال مبدلا من «إذا» ما يدل على جوابها من نحو : اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما لغيره :( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ ) أي الذي هو أعظم الخلق مروءة. ولما كان السياق للفرار ، قدم أدناهم رتبة في الحب والذب فأدناهم على سبيل الترقي ، وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في «سأل» كما مضى فقال :( مِنْ أَخِيهِ ) لأنه يألفه صغيرا وقد يركن إليه كبيرا مع طول الصحابة وشدة القرب في القرابة فيكون عنده في غاية العزة.

ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف ، ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم الأخ وهو لها آلف وإليها أحنّ وعليها أرق وأعطف قال( وَأُمِّهِ ) ولما كان الأب أعظم منها في الإلف لأنه أقرب في النوع وللولد عليه من العاطفة لما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله قال :( وَأَبِيهِ ) ولما كانت الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد ، وكان الإنسان أذب عنها عند الاشتداد ، قال :( وَصاحِبَتِهِ ) ولعله أفردها إشارة إلى أنها عنده في الدرجة العليا من المودة بحيث لا يألف غيرها.

ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة ـ بالسر والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره ، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال :( وَبَنِيهِ ) وإن اجتمع فيهم الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في قلبه أجل وفي عينه أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى.

ولما ذكر فراره الذي منعه قراره ، علله فقال :( لِكُلِّ امْرِئٍ ) أي وإن كان أعظم الناس مروءة( مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام( شَأْنٌ ) أي أمر بليغ عظيم( يُغْنِيهِ ) أي يكفيه ـ في الاهتمام بحيث لا يدع له حصة يمكنه صرفها إلى غيره ويوجب له لزوم المغنى ، وهو المنزل ـ الذي يرضيه مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف أن يطالبوه لما هم فيه من الكرب بما لعله قصر فيه من حقوقهم.

ولما ذكر اليوم ، قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة ، فقال دالّا على البواطن بأشرف الظواهر :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان ما تقدم من الفرار وغيره( مُسْفِرَةٌ ) أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة ، من أسفر الصبح ـ إذا أشرق واستنار( ضاحِكَةٌ ) لما علمت من سعادتها( مُسْتَبْشِرَةٌ ) أي طالبة للبشر وهو تغير البشرة من

٣٣٣

السرور وموجدة لذلك ، وهي بيضاء نيرة بما يرى من تبشير الملائكة ، وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس الوجوه وتغيرها وشحوبها من خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة كابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في أشد الحروب كيوم القادسية والثبات بها حتى يكون كالعمود ، لا يزول عن مركزه أصلا ليرضي المعبود.

ولما ذكر أهل السعادة الذين هم المقبلون على الخير المصابون في أنفسهم بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم ، ذكر أضدادهم فقال تعالى :( وَوُجُوهٌ ) وأكد بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ وجد ما ذكر( عَلَيْها ) أي ملاصقة لها مع الغلبة والعلو( غَبَرَةٌ ) أي اربداد وكأنه بحيث يصير كأنه قد علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة ، وذلك مما يلحقها من المشقات وكثرة الزحام مع رعب الفؤاد ، وتذكر ما هي صائرة إليه من الأنكاد الشداد( تَرْهَقُها ) أي تغشاها وتقهرها وتعلوها( قَتَرَةٌ ) أي كدورة وسواد وظلمة ضد الإسفار فهي باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا من الفرح واللعب والضحك والأمن من العذاب ، فالآية من الاحتباك : ذكر الإسفار والبشر أولا يدل على الخوف والذعر ثانيا ، وذكر الغبرة ثانيا يدل على البياض والنور أولا ، وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيبا وترهيبا.

ولما كان هذا الأمر هائلا ، وكان الفاجر ، لما علا قلبه من الرين وله من القساوة ، قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه من الشهوتين : السبعية والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك ، استأنف الإخبار زيادة في التهويل فقال :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( هُمُ ) أي خاصة لا غيرهم( الْكَفَرَةُ ) أي الذين ستروا دلائل الإيمان( الْفَجَرَةُ ) أي الذين خرجوا عن دائرة الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا عريقين في ذلك الكفر والفجور ، وهم في الأغلب المترفون الذين يحملهم غناهم على التكبر والأشر والبطر ، فلجمعهم بين الكفر والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة ، كما يكون للزنوج من البقاعة إذا علا وجوههم غبار ووسخ ، فقد عاد آخرها على أولها فيمن يستحق الإعراض عنه ومن يستحق الإقبال عليه ـ والله الهادي.

٣٣٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة التكوير

مكية ـ آياتها تسع وعشرون

مقصودها التهديد الشديد بيوم الوعيد الذي هو محط الرحال ، لكونه أعظم مقام لظهور الجلال ، لمن كذب بأن هذا القرآن تذكرة لمن ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ، والدلالة على حقية كونه كذلك بأن السفير به أمين في الملأ الأعلى مكين المكانف فيما هنالك والموصل له إلينا منزه عن التهمة بريء من النقص لما يعلمونه من حاله قبل النبوة وما كانوا يشهدون له به من الكمال في صحبته لهم المتطاولة التي نبههم بالتعليق بها على ما لا يشكون فيه من أمره ولم يأتهم بعدها إلا بما هو شرف له وتذكير بما في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات ، وذلك كاف لهم في الحكم بأنه صدق والعلم اليقين بأنه حق ، واسمها التكوير أدل ما فيها على ذلك بتأمل الظرف وجوابه وما فيه من بديع القول وصوابه ، وما تسبب عنه من عظم الشأن لهذا القرآن( بِسْمِ اللهِ ) الواحد القهار( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه الأبرار والفجار( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وداده بما أسعدهم في دار القرار.

( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) )

لما ختمت سورة عبس بوعيد الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا القرآن من التذكرة ، ابتدئت هذه بإتمام ذلك ، فصور ذلك اليوم بما يكون فيه من الأمور الهائلة من عالم الملك والملكوت حتى كأنه رأى عين كما رواه الإمام أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم برجال ثقات أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) (١) »

__________________

(١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٣٣٣ وأحمد ٢ / ٢٧ والطبراني كما في المجمع ٧ / ١٣٤ (١١٤٦٨) من حديث ابن عمر ، قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ا ه.

٣٣٥

[التكوير : ١] فقال بادئا بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصورا لما يغلب على الإنسان من الوقوف مع المحسوسات ، معلما بأنه سيخرب تزهيدا في كل ما يجر إليه وحثا على عدم المبالاة به والابتعاد من التعلق بشيء من أسبابه :( إِذَا الشَّمْسُ ) أي التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس.

ولما كان المهول مطلق تكويرها الدال على عظمة مكورها ، بني للمفعول على طريقة كلام القادرين قوله :( كُوِّرَتْ ) أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما أصلا ، فأدخلت في العرش ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ينبسط من نورها ، من كورت العمامة ـ إذا لففتها فكان بعضها على بعض وانطمس بعضها ببعض ، والثوب ـ إذا جمعته فرفعته ، فالتكوير كناية عن رفعها أو إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما عبدتها ، أو ألقيت عن فلكها ، من طعنه فكوره أي ألقاه مجتمعا ، والتركيب للإدارة والجمع والرفع للشمس ، فعل دل عليه «كورت» لأن «إذا» تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط ، ولما كان التأثير في الأعظم دالّا على التأثير فيما دونه بطريق الأولى ، أتبع ذلك قوله معمما بعد التخصيص :( وَإِذَا النُّجُومُ ) أي كلها صغارها وكبارها( انْكَدَرَتْ ) أي انقضّت فتهاوت وتساقطت وتناثرت حتى كان ذلك كأنه بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع ، أو أظلمت ، من كدرت الماء فانكدر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة ـ في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا ، وقال الكلبي وعطاء : تمطر السماء يومئذ نجوما ، لا يبقى نجم إلا وقع.

ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفا وإرهابا ، وذكر منها اثنين هما أشهر ما فيها وأعمها نفعا ، أتبعها أعلام الأرض فقال مكررا للظرف لمزيد الاعتناء بالتهويل :( وَإِذَا الْجِبالُ ) أي التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي ، وهي أصلب ما في الأرض ، ودل على عظمة القدرة بالبناء للمفعول فقال :( سُيِّرَتْ ) أي وقع تسييرها بوجه الأرض فصارت كأنها السحاب في السير والهباء في النثر لتستوي الأرض فتكون قاعا صفصفا لا عوج فيها ، لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في شيء من الأشياء بوجه.

ولما ذكر أعلام الجماد ، أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال العرب وأغلبها على وجه دل على عظم الهول فقال :( وَإِذَا الْعِشارُ ) أي النوق التي أتى على

__________________

قال الهيثمي : رواه أحمد بإسنادين ورجالهما ثقات. ورواه الطبراني بإسناد أحمد.

٣٣٦

حملها عشرة أشهر ، جمع عشراء مثل نفساء ، وهي أحب أموال العرب إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع اللحم والظهر واللبن والوبر ، «روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفّل ، فأعرض عنها وغض بصره فقيل له : يا رسول الله! هذا أنفس أموالنا ، لم لا تنظر إليها؟ فقال : قد نهاني الله عن ذلك ، ثم تلا( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا ) [طه : ١٣١] الآية(١) ». ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام السنة( عُطِّلَتْ ) أي تركت مهملة كأنه لا صاحب لها مع أنها أنفس أموالهم ، فكانت إذا بلغت ذلك أحسنت إليها وأعزتها واشتد إقبالها عليها : وقالت : جاء خيرها من ولد ولبن ، لأن الأمر ، لاشتغال كل أحد بنفسه ، أهول من أن يلتفت أحد إلى شيء وإن عز.

ولما ذكر المقرعات الدالات على إرادة أمر عظيم ، قرب ذلك الأمر بإفهام أنه الحشر ، ودل على عمومه بذكر ما يظن إهماله فقال :( وَإِذَا الْوُحُوشُ ) أي دواب البر التي لا تأنس بأحد التي يظن أنه لا عبرة بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها( حُشِرَتْ ) أي بعثت وجمعت من كل أوب قهرا لإرادة العرض على الملك الأعظم والفصل فيما بينها في أنفسها حتى يقتص للجماء من القرناء وبينها وبين غيرها أيضا حتى يسأل العصفور قاتله ، لم قتله؟ قال قتاده : يحشر كل شيء للقصاص حتى الذباب ـ انتهى. ولا يستوحش الوحش من الناس ولا الناس من الوحوش من شدة الأهوال ، وذلك أهول وأفزع وأخوف وأفظع ، قال القشيري : ولا يبعد أن يكون ذلك بإيصال منافع إليها جوازا لا وجوبا كما قاله أهل البدع ـ انتهى. وكل شيء في الدنيا يحضر في تلك الدار ، فإذا وقع الفصل جعل الخبيث في جهنم زيادة في عذاب أهلها ، والطيب في الجنة زيادة في نعيم أهلها.

ولما أفهم هذا الحشر ، ذكر ما يدل على ما ينال أهل الموقف من الشدائد من شدة الحر فقال :( وَإِذَا الْبِحارُ ) أي على كثرتها( سُجِّرَتْ ) أي فجر بعضها إلى بعض حتى صارت بحرا واحدا وملئت حتى كان ما فيها أكثر منها وأحمئت حتى كان كالتنور التهابا وتسعرا فكانت شرابا لأهل النار وعذابا عليهم ، ولا يكون هذا إلا وقد حصل من الحر ما يذيب الأكباد.

ولما ذكر من الآيات العلوية من عالم الملك اثنين ومن السفلية أربعة ، فأفهم جميع الخلق أن الأمر في غاية الخطر فتشوفت النفوس إلى ما يفعل ، قال ذاكرا لما أراد

__________________

(١) أخرجه ابن المنذر وأبو عبيد كما في الدر المنثور ٤ / ١٩٧ عن يحيى بن أبي كثير مرسلا مع إخلاف يسير فيه.

٣٣٧

من عالم الغيب والملكوت ، وهو أمور ستة على عدد ما مضى من عالم الملك والشهادة ترغيبا في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا يزوج بما يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس :( وَإِذَا النُّفُوسُ ) أي من كل ذي نفس من الناس وغيرهم( زُوِّجَتْ ) أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق إلى ما كانت نفسه تألفه وتنزع إليه ، فكانوا أصنافا كما قال تعالى( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) [الصافات : ٢٢ ، ٢٣] والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها.

ولما صرح الأمر فكانت القلوب أحر من الجمر ، ذكر ما هو المقصود الأعظم وهو السؤال على وجه يفهم العموم فقال :( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ ) أي ما دفن من الأولاد حيا بعد الولادة أو حصل تسبب في قتله قبل الولادة بدواء ونحوه ، سميت موءودة لما يوضع عليها من التراب فيثقلها فيقتلها «وأدا» مقلوب «آدا» إذا أثقل ، وإلقاؤها في البئر المحفور لها قريب من انكدار النجوم وتساقطها. ولما كان هذا أهون القتل عندهم ، وكانوا يظنون أنه مما لا عبرة به ، بين أنه معتنى به وأنه لا بد من بعثها وجعلها بحيث تعقل وتجيب وإن كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال :( سُئِلَتْ ) أي وقع سؤالها عما يليق أن تسأل عنه ، ثم قيل على طريق الاستئناف تخويفا للوالدين :( بِأَيِ ) أي بسبب أيّ( ذَنْبٍ ) يا أيها الجاهلون( قُتِلَتْ ) أي استحقت به عندكم القتل وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حد التكليف ، فما ظنك بمن هو فوقها وبمن هو جان ، وسؤالها هو على وجه التبكيت لقاتلها ، فإن العرب كانت تدفن البنات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق العار بهن ، ويقولون : نردها إلى الله هو أولى بها ، فلا يرضون البنات لأنفسهم ويرضونها لخالقهم ، وكان فيهم من يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ويربيهن ، وليس في الآية دليل على تعذيب أطفال الكفرة ولا عدمه ، فإن الكافر الذي يستحق الخلود قد يكون مستأمنا فلا يحل قتله ، والأطفال ما عملوا ما يستحقون به القتل ، ويؤخذ من سؤال المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد واللسان عن كل إنسان.

( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) )

ولما دل هذا على عموم السؤال ، ذكر ما ينشأ عنه مما يدل على النعيم أو النكال فقال :( وَإِذَا الصُّحُفُ ) أي الأوراق التي كتبت فيها أعمال العباد( نُشِرَتْ ) أي فرقت مفتحة تفتيحا عظيما على أربابها بأيسر أمر فتأتي السعيد في يمينه من تلقاء وجهه على وجه يكون فيه بشارة له ، وتأتي الشقي من وراء ظهره وفي شماله بعد أن كانت طويت

٣٣٨

عند موته ، ونشرها مثل تسيير الجبال وتطايرها ، فمن اعتقد أن صحيفته ثابتة فترديه أو تنجيه لم يضع فيها إلا حسنا من قول أو عمل أو اعتقاد.

ولما ذكر ما يطلق وينشر ، أتبعه ما يطوى ويحصر ، ليبدو ما فوقه من العجائب وينظر ، فقال :( وَإِذَا السَّماءُ ) أي هذا الجنس كله ، أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي( كُشِطَتْ ) أي قلعت بقوة عظيمة وسرعة زائدة وأزيلت عن مكانها التي هي ساترة له محيطة به ، أو عن الهواء المحيط بسطحها الذي هو كالروح لها كما يكشط الإهاب عما هو ساتر له ومحيط به مع شدة الالتزاق به لأن ذلك يوم الكشف والإظهار( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ) [ق : ٢٢] وكشطها هو مثل انكشاف الناس عن العشار وتفرقهم عنها ، فمن اعتقد زوالها أعرض عن ربط همته بشيء منها وناط أموره كلها بربها.

ولما زالت الموانع ظهرت عجائب الصنائع التي هي غايات المطالب ، ونهايات الرغائب والرهائب ، فقال :( وَإِذَا الْجَحِيمُ ) أي النار الشديدة التأجج والتي بعضها فوق بعض والعظيمة في مهواة عميقة( سُعِّرَتْ ) أي أوقدت إيقادا شديدا بأيسر أمر وقربت من الكافرين بغاية السرعة ، فكان الأمر في غاية العسر ، وذلك قريب من نتيجة ما يحصل من الهول من حشر الوحوش.

ولما ذكر دار الأعداء البعداء ترهيبا ، أتبعه دار المقربين السعداء ترغيبا ، فقال :( وَإِذَا الْجَنَّةُ ) أي البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة( أُزْلِفَتْ ) أي قربت من المؤمنين ونعمت ببرد العيش وطيب المستقر ، ودرجت درجاتها وهيئت ، وملئت حياضها ومصانعها ، وزينت صحافها ونظفت أرضها وطهرت عن كل ما يشين ، وحسنت رياضها بكل ما يزين ، من قول أهل اللغة ، الزلف ـ محركة : القربة والدرجة والحياض الممتلئة والزلفة ـ : المصنعة الممتلئة والصحفة والأرض المكنوسة ، والزلف ـ بالكسر : الروضة ، ومعنى هذا ضد سجر البحار ، فالآية من الاحتباك : ذكر التسعير أولا دال على ضده في الجنة ثانيا ، وذكر التقريب ثانيا دال على مثله أولا.

ولما كانت هذه الأشياء لهولها موجبة لاجتماع الهم وصرف الفكر عما يشغله من زينة أو لهو أو لعب أو سهو ، فكان موجبا للعلم بما يرجى نعيما أو يوجب جحيما ، وكان ذلك موجبا لتشوف السامع إلى ما يكون ، قال تعالى كاشفا تلك النعمة بالعامل في «إذا» وما عطف عليها :( عَلِمَتْ نَفْسٌ ) أي كل واحدة من النفوس ، فالتنكير فيه مثله في «ثمرة خير من جرادة» ودلالة هذا السياق المهول على ذلك يوجب اليقين فيه( ما ) أي كل شيء( أَحْضَرَتْ ) أي عملت وأوجدت ، فكان أهلا للحضور ، وكان عمله لها

٣٣٩

سببا لإحضار القدير إياه لها في ذلك اليوم محفوظا لم يغب عنه منها ذرة من خيره وشره ، فلأجل ذلك كان لكل امرىء شأن يغنيه ، فإنه لا بد أن يكون في أعماله ما لا يرضيه وما يستصغره عن حضرة العلي الكبير ، فمن اعتقد ذلك رغب في أن لا يحضر إلا ما يسره ، ورهب في إحضار ما يسوءه فيضره ، وجميع هذه الأشياء الاثني عشر المعدودة المذكورة في حيز «إذا» في الآخرة بعد النفخة الثانية على ما تقدم في الحاقة أنه الظاهر ، وأنه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، لأن التهويل بعد القيام أنسب ، وأدخل في الحكمة وأغرب.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه( فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) [عبس : ٣٣ ـ ٣٤] الآيات إلى آخر السورة ، كان مظنة لاستفهام السائل عن الوقوع ومتى يكون؟ فقال تعالى :( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) [التكوير : ١] ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل العشار كل ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه ـ إلى ما ذكر إلى آخر السورة لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة ، فيصح أن يكون أمارة للأول وعلما عليه ـ انتهى.

ولما كان السياق للترهيب ، وكان الأليق بآخر عبس أن يكون للكفرة ، وكان أعظم ما يحضره الكفرة من أعمالهم بعد الشرك التكذيب بالحق ، وأعظمه التكذيب بالقرآن ، وذلك التكذيب هو الذي جمع الخزي كله للمكذب به في قوله( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ) [عبس : ١٧] الذي السياق كله له ، وإنما استحق المكذب به ذلك لأن التكذيب به يوقع في كل حرج مع أنه لا شيء أظهر منه في أنه كلام الله لما له من الرونق والجمع للحكم والأحكام والمعارف التي لا يقدر على جمعها على ذلك الوجه وترتيبها ذلك الترتيب إلا الله ، ثم وراء ذلك كله أنه معجز ، سبب عن هذا التهديد قوله مقسما بما دل على عظيم قدر المقسم عليه بترك الإقسام بأشياء هي من الإجلال والإعظام في أسنى مقام :( فَلا أُقْسِمُ ) أي لأجل حقية القرآن لأن الأمر فيه غنىّ عن قسم لشدة ظهوره وانتشار نوره ، ولذلك أشار إلى عيوب تلحق هذه الأشياء التي ذكرها والقرآن منزه عن كل شائبة نقص ، لأنه كلام الملك الأعلى فقال :( بِالْخُنَّسِ ) أي الكواكب التي يتأخر طلوعها عن طلوع الشمس فتغيب في النهار لغلبة ضياء الشمس لها ، وهي النجوم ذوات الأنواء التي كانوا يعظمونها بنسبة الأمطار والرحمة ـ التي ينزلها الله ـ إليها ، قالوا : وهي القمر فعطارد فالزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل وقد نظمها بعضهم متدليا فقال :

زحل اشترى مريخه من شمسه

فتزهرت لعطارد أقمار

ثم أبدل منها أعظمها فقال :( الْجَوارِ الْكُنَّسِ ) أي السيارة التي تختفي وتغيب

٣٤٠