نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 77
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 77 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

بالنهار تحت ضوء الشمس ، من كنس الوحش ـ إذا دخل كناسه وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر ، وقال الرازي : يكنس ويستتر العلوي منها بالسفلي عند القرانات كما تستتر الظباء في الكناس ، وقال قتادة : تسير بالليل وتخنس بالنهار فتخفى ولا ترى ، وروي ذلك أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه ، قال البغوي : وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء والكنوس أن تأوي إلى مكانسها. وقال القشيري : إن ذلك غروبها ، وإنما نفى الإقسام بها لأنها وإن كانت عظيمة في أنفسها بما ناط بها سبحانه من المصالح وأنتم تعظمونها وتغلون فيها لأن فيها نقائص الغيبوبة وانبهار النور ، والقرآن المقسم لأجله منزه عن ذلك ، بل هو الغالب على كل ما سواه من الكلام غلبة هي أعظم من غلبة ضياء الشمس لنور ما سواها من الكواكب ، فلذلك لا يليق أن يقسم بها لأجله.

ولما ذكر غيابها ففهم منه محله وهو النهار ، ذكر محل ظهورها فأفهم الظهور فقال :( وَاللَّيْلِ ) أي الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها( إِذا عَسْعَسَ ) أي أقبل ظلامه ، واعتكر سواده وقتامه ، فظهرت الكواكب زهرا منثورا في بيداء تلك الغياهب ، فإن فيه نقصانا بالظلام وغير ذلك من الأحكام ، وقيل : معناه أدبر ، وقيل : أظلم ، وقيل : انتصف ، وقيل : انقضى ، وسعسع بمعناه فهو ما لا يستحيل بالانعكاس ، والآية من الاحتباك : ذكر خنوس الكواكب وكنوسها أولا يفهم ظهورها ثانيا ، وذكر الليل ثانيا يفهم حذف النهار أولا.

ولما كان ربما ظن ظان أن ما نقص بالظلام عن صلاحية الإقسام يتأهل ذلك بزواله ، قال نافيا لذلك :( وَالصُّبْحِ ) أي الذي هو أعدل أوقات النهار( إِذا تَنَفَّسَ ) أي أضاء وأقبل روحه ونسيمه ، وأنسه ونعيمه ، واتسع نوره ، وانفرج به عن الليل ديجوره ، وذلك بعد إقبال الليل ثم إدباره أي لا أقسم به لأنه وإن كان ذا نور ونعمة وحبور وبهجة وسرور فإن ذلك يتضاءل عن نور القرآن ، وما فيه من النعيم والرضوان ، «وأين الثريا من يد المتناول» على أن تنفسه بالبرد واللطافة تنسخه الشمس بالحر والكثافة ، وتنفس القرآن بنفحات القدس ونعيم المواعظ والأنس لا ينسخه شيء.

ولما بين أن هذه الأشياء ـ التي لولاها لما طاب لهم عيش ولا تهنؤوا بحياة ، وهي من الفضل بحيث لا يعلمه إلا خالقها ـ تصغر عن أن يقسم بها على شيء من فضائل القرآن لما له من عظيم الشأن الذي لا يطيق التعبير عنه البيان ، ويتضاءل دونه اللسان ، قال مجيبا لذلك إخبارا عما هو محقق في نفسه الأمر أعظم من تحقق هذه الأشياء المقسم بها ، هاد إلى مصالح الدارين أكثر من هدايتها ، مبينا للسفيرين به الملكي والبشري عليهما الصلاة والسّلام والتحية والإكرام مؤكدا لما يستحقه السياق كما يستحقه مع ما لهم من الإنكار تنبيها على ضعف عقولهم وعظيم سفههم بعد أن أقسم بثلاثة

٣٤١

أقسام ، فإن نفي الإقسام بها بما ذكر من نقائصها ـ كالإقسام ـ بها مع بيان أن المقسم عليه أعظم منها بما لا يقايس :( إِنَّهُ ) أي هذا الذكر الذي تقدم في عبس بعض ما يستحق من الأوصاف الجميلة والنعوت الجليلة( لَقَوْلُ رَسُولٍ ) وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام نحن أرسلناه به إلى خير خلقنا وجعلناه بريدا بيننا وبينه لاقتضاء الحكمة ذلك ، وهي أن يكون خلاصة الخلق ذا جهتين : واحدة ملكية يتلقى بها من الملائكةعليهم‌السلام لكون غيره من البشر لا يطيق ذلك ، وأخرى بشرية يتلقى بها منه المبعوث إليهم ، ومن المعلوم أن الرسول إنما وظيفته تبليغ ما أرسل به فهو سفير محض ، والذي أوحاه وإن كان قوله لكونه نطق به وبلغه من غير مشاركة شيطان ولا غيره هو قول الله من غير شك لكونه معبرا عن الصفة القديمة النفسية ، ولو كان قول الرسول مستقلا به لما كان لوصفه بالرسالة مدخل فما كانت البلاغة تقتضي ذكره بالوصف.

ولما بين بوصف الرسالة أنه ليس بقوله إلا لكونه مرسلا به ومبلغا له ، وأنه في الحقيقة قول من أرسله ، وصفه بما أفهمه الوصف مما يوجب حفظه من غير تحريف ما ولا تغيير أصلا بوجه من الوجوه ، وذلك ببيان منزلته عند الله ووجاهته وبيان قدره ونفوذ كلمته فقال :( كَرِيمٍ ) أي انتفت عنه وجوه المذام كلها وثبتت له وجوه المحامد كلها ، فهو جواد شريف النفس ظاهر عليه معالي الأخلاق بريء من أن يلم شيء من اللوم بساحته ، فلذلك هو يفيض الخيرات بإذن ربه على من أمر به العالمين ، فيؤدي ما أرسل به كما هو لقيامه بالرسالة قيام الكرام فلم يغير فيها شيئا أصلا ولا فرط حتى يمكن غيره أن يحرف أو يغير ، والكرم اجتماع كمالات الشيء اللائقة به.

( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) )

ولما اقتضى هذا القوة ، صرح به تأكيدا فقال :( ذِي قُوَّةٍ ) أي على ضبط ما أرسل به بنفسه وعلى المدافعة للغير عن أن يدخل فيه شيئا من نقص ، وأكد القوة بقوله :( عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ ) أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عندية في الحقيقية إلا له( مَكِينٍ ) أي بالغ المكنة عنده عظيم المنزلة جدا بليغ فيها فهو بحيث لا يتأتى منه تفريط ما في إبلاغ شيء مما أرسل به لأنه لا يغيره الأحوال ولا يعمل فيه تضاد الشهوات ، لأنه لا شهوة له إلّا ما يأمر به مرسله سبحانه وتعالى.

٣٤٢

ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان ، قال :( مُطاعٍ ثَمَ ) أي في الملأ الأعلى فهمعليهم‌السلام أطوع شيء له ، قال الحسن : فرض الله على أهل السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسّلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم . ولما كان ذلك يقتضي الأمانة ، صرح بها فقال :( أَمِينٍ ) أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهرا وفعلا وحالا ، ومن كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلّا في أمر مهم جدا لأن الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك ، ولذلك ائتمنه الله تعالى على رسالته.

ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام بهذه الصفات الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس ، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق ، وهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن ما يقوله كلام الله حقا ، وكانوا يصفونه بما هو في غاية النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك ، أبطله مبكتا لهم بالكذب وموبخا بالبلادة بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه :( وَما صاحِبُكُمْ ) أي الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين ، وأعرق في النفي فقال :( بِمَجْنُونٍ ) أي كما تبهتونه به من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام ، بل جاء بالحق وصدق المرسلين ، فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء ، وهذا النفي المؤكد ثابت له دائما على سبيل الاستغراق لكل زمان ـ هذا ما دل عليه الكلام لا ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريلعليه‌السلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى بقية الملائكة ، فإنه ما سيق لذلك ولا هو والله مما يرضي جبريلعليه‌السلام ، قال الأصبهاني هنا : هذا يدل على فضله وأما أنه يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا يمكنه ، وقال في قوله تعالى في البقرة :( وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ ) [البقرة : ٢٨٥] : ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على الرسل ، وأما تقديم جبريل على ميكائيل فليس ببعيد أن يكون للشرف كما أن تخصيصهما بالذكر لفضلهما ، وقال في النجم : ثم دنا جبريل من ربهعزوجل ، وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث : «إن أقرب الملائكة إلى اللهعزوجل جبريلعليه‌السلام »(١) ـ انتهى. ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية لكن لم أجده

__________________

(١) ذكره العلامة البقاعي نقلا عن الأصبهاني ثم قال البقاعي : لم أجد له أصلا ا ه.

٣٤٣

أصلا ، وقال الأصبهاني في عم في قوله :( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) [النبأ : ٣٨] عن ابن عباس رضي الله عنهما : هو أعظم الملائكة خلقا وأشرف منهم ، وأقرب من رب العالمين ـ انتهى. فهذا كما ترى صريح في تفضيل الروح ، وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض : ونزل جبريلعليه‌السلام بألف من الملائكة فكان في خمسمائة في الميمنة ، وميكائيلعليه‌السلام في خمسمائة في الميسرة ، ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف المذكورون في سورة آل عمران ، وكان إسرافيلعليه‌السلام وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ـ انتهى. وهذا يدل على شرف إسرافيلعليه‌السلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله ـ والله أعلم.

ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات ، فكان التقدير بعد هذا النفي : فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع ، ما التبس عليه فيه حق بباطل ، عطف عليه الإخبار برفعة شأنه في رؤية ما لم يره غيره وأمانته وجوده فقال :( وَلَقَدْ رَآهُ ) أي المرسل إليه وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات ، جامعا إلى حس السمع حس البصر( بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى ، حيث لا يكون لبس أصلا ، ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة ، وقال البيضاوي : بمطلع الشمس الأعلى ـ يعني وهو مشرق الأنوار ، والأفق : الناحية التي تفوق وتعلو.

ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ البصر ، لم يبق إلا ما يتعلق بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله :( وَما ) أي سمعه ورآه والحال أنه ما( هُوَ عَلَى الْغَيْبِ ) أي الأمر الغائب عنكم في النقل عنه ولا في غيره من باب الأولى( بِضَنِينٍ ) أي بمتهم ، من الظنة وهي التهمة ، كما يتهم الكاهن لأنه يخطىء في بعض ما يقول ، فهو حقيق بأن يوثق بكل بشيء يقوله في كل أحواله ، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء ، والمعنى في قراءة الباقين بالضاد : ببخيل كما يبخل الكاهن رغبة في الحلوان ، بل هو حريص على أن يكون كل من أمته عالما بكل ما أمره الله تعالى بتبليغه.

ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ما بهتوه به ، وكان الجنون أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم الكلام المنتظم في بعض الأوقات فنفاه لذلك ، وكان قول الكاهن أظهر من الكهانة ، نفى القول فقال :( وَما هُوَ ) أي القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات ، وأعرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال :( بِقَوْلِ شَيْطانٍ. ) ولما كان الشيطان لا ينفك عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط ،

٣٤٤

وذلك يقتضي البعد والاحتراق ، وصفه بما هو لازم له فقال :( رَجِيمٍ ) أي مرجوم باللعن وغيره من الشهب لأجل استراق السمع مطرود عن ذلك ، لأن القائل له ليس بكاهن كما تعلمون ، وبقي مما قالوه السحر وهو لا يحتاج إلى نفيه لأنه ليس بقول ، بل هو فعل صرف أو قول مقترن به ، والأضغاث وهي لذلك واضحة العوار فلم يعدها ، فمن علم هذه الأوصاف للقرآن والرسولين الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما ، وبالغ في التعظيم والإجلال ، وأقبل على تلاوته في كل أوقاته ، وبالغ في السعي في كل ما يأمر به والهرب مما ينهى عنه ، ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة من أتى به ورؤية من أتى من عنده.

ولما لم يدع وجها يلبس به على من لا يعرف حالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سبب عنه قوله موبخا منكرا :( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) أي بقلوبكم عن هذا الحق المبين يا أهل مكة المدعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ العظيم في الرسولين الملكي والبشري فمن أين يأتي ما تدعون من التخليط في هذا الكتاب العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه؟ وهو استضلال لهم واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ضلالهم معروفا لا لبس فيه.

ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه بمثل هذا القول نظر أدنى نظر ، فقال من غير وقفة : لا أين ، قال :( إِنْ ) أي ما( هُوَ ) أي القرآن الذي أتاكم به( إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) أي شرف للخلق كلهم من الجن والإنس والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم. ولما تشرف الوجود كله بإظهاره فيه نوع تشرف ، أطلق هذه العبارة. ولما كان الذي ثم شرفه المهتدي ، فكان الوعظ والشرف إنما هو له في الحقيقة قال :( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ ) أي أيها المخاطبون( أَنْ يَسْتَقِيمَ ) أي يطلب القوم ويوجده.

ولما كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال ، قال نافيا لاستقلالهم ومثبتا للكسب :( وَما تَشاؤُنَ ) أي أيها الخلائق الاستقامة( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم ، وإن لم يشأها لم تقدروا على مشيئة ، فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه فيوفقكم إليه ، وعن وهب بن منبه أنه قال : الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بضع وتسعون كتابا قرأت منها بضعا وثمانين كتابا فوجدت فيها : من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر ـ انتهى. ومن تأمل هذه الآية أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل على أن الإنسان إذا كان له هوى لا يرده شيء أصلا( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) [الرعد : ٣٣].

٣٤٥

ولما وصف نفسه سبحانه بأنه لا يخرج شيء عن أمره ، أتبع ذلك الوصف بما هو كالعلة لذلك فقال :( رَبُّ الْعالَمِينَ ) أي الموجد لهم والمالك والمحسن إليهم والمربي لهم وهو أعلم بهم منهم ، فلأجل ذلك لا يقدرون إلا على ما قدرهم عليه ، ويجب على كل منهم طاعته والإقبال بالكلية عليه سبحانه وتعالى وشكره استمطارا للزيادة ، فلهذه الربوبية صح تصرفه في الشمس وما تبعها مما ذكر أول السورة لإقامة الساعة لأجل حساب الخلائق ، والإنصاف بينهم بقطع كل العلائق ، كما يفعل كل رب مع من يربيه فكيف بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين! فقد التقى طرفاها على أشرف الوجوه وأجلاها ، وانتظم أول الانفطار بما له من بديع الأسرار ، فالتكوير كالانشقاق والتفطير ، والانكدار مثل التساقط والانتشار ، والله سبحانه هو أعلم بالصواب.

٣٤٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الانفطار

مكية ـ آياتها تسع عشر

مقصودها التحذير من الانهماك في الأعمال السيئة اغترارا بإحسان الرب وكرمه ونسيانا ليوم الدين الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير ، ولا تغني فيه نفس عن نفس شيئا ، واسمها الانفطار أدل ما فيها على ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الجلال كما أن له الجمال( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالرحمة ليشكر فغر ذلك أهل الضلال( الرَّحِيمِ ) الذي خص من أراد بالتوفيق لما يرضى من الخصال.

( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) )

ولما ختمت التكوير بأنه سبحانه لا يخرج عن مشيئته وأنه موجد الخلق ومدبرهم ، وكان من الناس من يعتقد أن هذا العالم هكذا بهذا الوصف لا آخر له «أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عود بعد الفوات» افتتح الله سبحانه هذه بما يكون مقدمة لمقصود التي قبلها من أنه لا بد من نقضه لهذا العالم وإخرابه ليحاسب الناس فيجزي كلّا منهم من المحسن والمسيء بما عمل فقال :( إِذَا السَّماءُ ) أي على شدة إحكامها واتساقها وانتظامها( انْفَطَرَتْ ) أي انشقت شقوقا أفهم سياق التهويل أنه صار لبابها أطراف كثيرة فزال ما كان لها من الكرية الجامعة للهواء الذي الناس فيه كالسمك في الماء ، فكما أن الماء إذا انكشف عن الحيوانات البحرية هلكت ، كذلك يكون الهواء مع الحيوانات البرية ، فلا تكون حياة إلا ببعث جديد ونقل عن هذه الأسباب ، ليكون الحساب بالثواب والعقاب.

ولما كان يلزم من انفطارها وهيها وعدم إمساكها لما أثبت بها ليكون ذلك أشد تخويفا لمن تحتها بأنهم يترقبون كل وقت سقوطها أو سقوط طائفة منها فوقهم فيكونون

٣٤٧

بحيث لا يقر لهم قرار ، قال :( وَإِذَا الْكَواكِبُ ) أي النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة والليل والنهار ، وغير ذلك من المقاصد الكبار ، وكانت محفوظة بانتظام السماء( انْتَثَرَتْ ) أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطا كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط.

ولما كان إخباره بما دل على وهي السماء مشعرا بوهي الأرض لأنها أتقن منها وأشرف إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى ، وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير فاعل ، صرح بوهي الأرض معبرا بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله ، وأن ذلك عليه يسير ، فقال مخبرا بانفطار الأراضي أيضا ليجمع بين التخويف بالمطل والترويع بالمقل :( وَإِذَا الْبِحارُ ) المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها( فُجِّرَتْ ) أي تفجيرا كثيرا بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة ، وقال الربيع : بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعضها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحرا واحدا ، فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر.

ولما كان ذلك مقتضيا لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان العرب يعتقدون أن من مات فات ، قال دافعا لذلك على نمط كلام القادرين إشارة إلى سهولة ذلك عليه :( وَإِذَا الْقُبُورُ ) أي مع ذلك كله( بُعْثِرَتْ ) أي نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا ، فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروّعهم.

ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطا على الساعة موجبة لعلوم دقيقة ، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة ، وكانت كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار ، ناسب أن يجيب «إذا» بقوله :( عَلِمَتْ نَفْسٌ ) أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى :( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ) والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء ، فمهما ثبت للبعض ثبت للكل ، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلا أن يجوّز أنه هو المراد فيخاف :( ما قَدَّمَتْ ) أي من عمل( وَأَخَّرَتْ ) أي جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما ، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا ـ انتهى.

٣٤٨

ولما كان ذلك خالعا للقلوب ، وكان الإنسان إذا اعتقد البعث قد يقول تهاونا ببعض المعاصي : المرجع إلى كريم ولا يفعل بي إلا خيرا ، أنتج قوله مناديا بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض ، منكرا سبحانه وتعالى على من يقول هذا اغترارا بخدع الشيطان إنكارا يهد الأركان :( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ) أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه( ما غَرَّكَ ) أي أدخلك في الغرة ، وهي أن ترى فعلك القبيح حسنا أو ترى أنه يعفى عنك لا محالة ، وذلك بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش : أغرك ـ بهمزة الإنكار ، وتزيد المشهورة معنى التعجب( بِرَبِّكَ ) أي المحسن إليك الذي أنساك إحسانه ما خلقت له من خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك.

ولما كان التعبير بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند الإمعان في الإجرام لأن ذلك شأن المربي ، فكان ذلك مانعا من الاغترار لمن تأمل ، أتبعه ما هو كذلك أيضا ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر ، فقال للمبالغة في المنع عن الاغترار :( الْكَرِيمِ ) أي الذي له الكمال كله المقتضي لئلا يهمل الظالم بل يمهله ، ولا يسوي بين المحسن والمسيء والموالي والمعادي والمطيع والعاصي ، المقتضي لأن يبالغ في التقرب إليه بالطاعة شكرا له ، وأن لا يعرض أحد عنه لأن بيده كل شيء ولا شيء بيد غيره ، فيجب أن يخشى شدة بطشه لأنه كذلك يكون المتصف بالكرم لا يكون إلا عزيزا ، فإنه يكون شديد الحلم عظيم السطوة عند انتهاك حرمته بعد ذلك الحلم فإنه يجد أعوانا كثيرة على مراده ، ولا يجد المعاقب عذرا في تقصيره بخلاف اللئيم فإنه لا يجد أعوانا فلا يشتد أخذه ، فصار الإنكار بواسطة هذين الوصفين أشد وأغلظ من هذه الجهة ، ومن جهة أنه كان ينبغي أن يستحيي من المحسن الذي لا تكدير في إحسانه بوجه ، فلا يعصى له أمر ولا يفرط له في حق ، ومع ذلك ففي ذكر هذين الوصفين تلقين الحجة ، قال أبو بكر الوراق : لو سألني لقلت : غرني كرم الكريم وحلمه ، وقال علي رضي الله عنه : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، وقال الإمام الغزالي في شرحه للأسماء : هو الذي إذا قدر عفا ، وإذا وعد وفى ، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا ، ولا يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى ، وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى ، وإذا جفى عاتب وما استقصى ، ولا يضيع من لاذ به وإليه التجأ ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء.

ولما ذكر هذين الوصفين الدالين على الكمالين ، بالجلال ، دل عليهما تقريرا لهما بإفاضة الجود في التربية بوصف الجمال بالإكرام لئلا يعتقد الإنسان بما له من الطغيان أنه حر مالك لنفسه يفعل ما يشاء فقال :( الَّذِي خَلَقَكَ ) أي أوجدك من العدم مهيئا لتقدير الأعضاء( فَسَوَّاكَ ) عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل

٣٤٩

( فَعَدَلَكَ ) أي جعل كل شيء من ذلك سليما مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه الله لها ، وعدل المزاج حتى قبل الصورة ، والتعديل جعل البنية متناسبة الخلقة ، وكذا العدل في قراءة الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن تشويه الخلقة وتقبيح الصورة ، وجعلك معتدلا في صورتك ، وكل هذا يقتضي غاية الشكر والخوف منه إن عصى ، لأنه كما قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره من العذاب.

( فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) )

ولما أضاء بهذا إضاءة الشمس أنه عظيم القدرة على كل ما يريد ، أنتج قوله معلقا ب «ركب» :( فِي أَيِّ صُورَةٍ ) من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان ، ولما كان المراد تقرير المعنى غاية التقرير ، أثبت النافي في سياق الإثبات لينتفي ضد ما أثبته الكلام فيصير ثبات المعنى على غاية من القوة التي لا مزيد عليها ، فقال :( ما شاءَ رَكَّبَكَ ) أي ألف تركيب أعضائك وجمع الروح إلى البدن ، روى الطبراني في معاجمه الثلاثة برجال ثقات عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا أراد الله جل اسمه أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فلما كان اليوم السابع أحضر الله له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ( فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ) [الانفطار : ٨]»(١) فتحرر بهذا أن الإنسان رقيق رقا لازما ، ومن خلع ربقة ذلك الرق اللازم وكل إلى نفسه فهلك.

ولما أوضح سبحانه غاية الإيضاح الدليل على قدرته على الإعادة بالابتداء ، وبين تعالى أنه ما أوجب للإنسان ، الخسار بنسيان هذا الدليل الدال على تلك الدار إلا الاغترار ، وكان الاغترار يطلق على أدنى المعنى ، بين أنه ارتقى به الذروة فقال :( كَلَّا ) أي ما أوقعكم أيها الناس في الإعراض عمن يجب الإقبال عليه ويقبح غاية القباحة الإعراض بوجه عنه مطلق الغرور( بَلْ ) أعظمه وهو أنكم( تُكَذِّبُونَ ) أي على سبيل التجديد بتحدد إقامة الأدلة القاطعة وقيام البراهين الساطعة( بِالدِّينِ ) أي الجزاء الذي وظفه الله في يوم البعث ، فارجعوا عن الغرور مطلقا خاصا وعاما ، وارتدعوا غاية الارتداع( وَإِنَ ) أي والحال أن( عَلَيْكُمْ ) أي ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩ / ٢٩٠ والصغير ١٠٦ من حديث مالك بن الحويرث وذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ١٣٤ (١١٤٧٢) وقال : ورجاله ثقات ا ه.

٣٥٠

( لَحافِظِينَ ) لهم على أعمالكم غاية العلو فهم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير.

ولما أثبت لهم الحفظ ، نزههم عن الزيادة والنقص فقال :( كِراماً ) أي فهم في غاية ما يكونون من طهارة الأخلاق والعفة والأمانة.

ولما ثبت الحفظ والأمانة بغاية الإبانة ، وكان الحافظ ربما ينسى قال :( كاتِبِينَ ) أي هم راسخون في وصف الكتابة يكتبونها في الصحف كما يكتب الشهود بينكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير.

ولما أفهم الاستعلاء والتعبير بالوصف إحاطة الاطلاع على ما يبرز من الأعمال ، صرح به فقال :( يَعْلَمُونَ ) أي على التجدد والاستمرار( ما تَفْعَلُونَ ) أي تجددون فعله من خير وشر بالعزم الثابت والداعية الصادقة سواء كان مبنيا على علم أو لا ، فكيف يكون مع هذا تكذيب بالجزاء على النقير والقطمير هل يكون إحصاء مثاقيل الذر من أعمالكم عبثا وهل علمتم بملك يكون له رعية يتركهم هملا فلا يحاسبهم على ما في أيديهم وما عملوه ، ولأجل تكذيبهم بالدين أكد المعنى المستلزم له وهو أمر الحفظة غاية التأكيد ، والتعبير بالمستقبل يدل على أنهم يعلمون كل ما انقدح في القلب وخطر في الخاطر قبل أن يفعل ، وأما ما لم يجر في النفس له ذكر فلا يعلمونه كما بينه حديث : «ومن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة ».

ولما كانت نتيجة حفظ الأعمال الجزاء عليها ، أنتج ذلك بيان ما كانت الكتابة لأجله تفريقا بين المحسن والمسيء الذي لا يصح في حكمة حكيم ولا كرم كريم غيره بقوله على سبيل التأكيد ، لأجل تكذيبهم :( إِنَّ الْأَبْرارَ ) أي العاملين بما هو واسع لهم مما يرضي الله جلت قدرته( لَفِي نَعِيمٍ ) أي محيط بهم لا ينفك عنهم ولا ينفكون عنه أصلا في الدنيا في نعيم الشهود ، وفي الآخرة في نعيم الرؤية والوجود في هذه الدار معنى وفي الآخرة حسا ، فكل نعيم في الجنة لهم من المنح الآجلة فرقائقه في هذه الدنيا لهم عاجلة( وَإِنَّ الْفُجَّارَ ) أي الذين شأنهم الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله إلى سخطه( لَفِي جَحِيمٍ ) أي نار تتوقد غاية التوقد يصلون بها جحيم العقوبة الفظيعة كما كانوا في الدنيا في جحيم البعد والقطيعة.

ولما كان السياق للترهيب ، وصف عذاب الفجار فقال :( يَصْلَوْنَها ) أي يغمسون فيها كالشاة المصلية فيباشرون حرها( يَوْمَ الدِّينِ ) أي الجزاء على الأعمال المضبوطة على مثاقيل الذر. ولما كان العذاب على ما نعهده لا بد أن ينقضي ، بين أن عذابه على

٣٥١

غير ذلك فقال :( وَما ) أي والحال أنهم ما( هُمْ عَنْها ) أي الجحيم( بِغائِبِينَ ) أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما ، بل هم فيها خالدون جزاء لأعمالهم وفاقا وعدلا طباقا حتى الآن في دار الدنيا وإن كانوا لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا.

( وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) )

ولما علم أن الوعيد الأعظم يوم الدين ، هول أمره بالسؤال عنه إعلاما بأنه أهل لأن يصرف العمر إلى الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال إيمان وإذعان لا سؤال كفران وطغيان ، ليكون أقعد في الوعيد به فقال :( وَما أَدْراكَ ) أي أعلمك وإن اجتهدت في طلب الدراية به( ما يَوْمُ الدِّينِ ) أي أيّ شيء هو في طوله وأهواله وفظاعته وزلزاله. ولما كانت أهواله زائدة على الحد ، كرر ذلك السؤال لذلك الحال فقال معبرا بأداة التراخي زيادة في التهويل :( ثُمَّ ما أَدْراكَ ) أي كذلك( ما يَوْمُ الدِّينِ ) .

ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه دراية دار وإن عظم وإن اجتهد ، لخص أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على سبيل الإجمال دافعا ما قد يقوله بعض من لا عقل له : إن كان انضممت والتجأت إلى بعض الأكابر وقصدت بعض الأماثل فأخلص قهرا أو بشفاعة ونحوها ، فقال مبدلا من «يوم الدين» في قراءة ابن كثير والبصريين بالرفع :( يَوْمَ ) وهو ظرف ، قال الكسائي : العرب تؤثر الرفع إذا أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل ، وإذا أضافوا إلى فعل ماض آثروا النصب( لا تَمْلِكُ ) أي بوجه من الوجوه في وقت ما( نَفْسٌ ) أيّ نفس كانت من غير استثناء ، ونصبه الباقون على الظرف ، ويجوز أن تكون الفتحة للبناء لإضافته إلى غير متمكن( لِنَفْسٍ شَيْئاً ) أي قل أو جل ، وهذا وإن كان اليوم ثابتا لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب ، فتقرر في النفوس أن الموجودين يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون ، وأما هناك فالمقرر في النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذنا ظاهرا ، ولا يكون لأحد فعل ما إلا بإذنه كذلك ، فالأمر كله له دائما ، لكن اسمه الظاهر هناك ظاهر واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور ولما كان التقدير : فلا أمر لأحد من الخلق أصلا ، لا ظاهرا ولا باطنا ، عطف عليه قوله :( وَالْأَمْرُ ) أي كله( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان البعث للجزاء( لِلَّهِ ) أي مختص

٣٥٢

به لا يشاركه فيه مشارك ظاهرا كما أنه لا يشاركه فيه باطنا ، ويحصل هناك الكشف الكلي فلا يدعي أحد لأحد أمرا من الأمور بغير إذن ظاهر خاص ، وتصير المعارف بذلك ضرورية ، فلذلك كان الانفطار والزلازل الكبار ، والإحصاء لجميع الأعمال الصغار والكبار ، وقد رجع آخرها كما ترى إلى أولها ، والتف مفصلها بموصلها ـ والله الهادي للصواب.

٣٥٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المطففين

مكية ـ آياتها ست وثلاثون

مقصودها شرح آخر الانفطار بأنه لا بد من دينونة العباد يوم التناد بإسكان الأولياء أهل الرشاد دار النعيم ، والأشقياء أهل الضلال والعناد غار الجحيم ، ودل على ذلك بأنه مربيهم والمحسن إليهم بعموم النعمة ، ولا يتخيل عاقل أن أحدا يربي أحدا من غير سؤال عما حمله إياه وكلفه به ولا أنه لا ينصف بعض من يربيهم من بعض ، واسمها التطفيف أدل ما فيها على ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الحكمة البالغة والقدرة الكاملة( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة الإيجاد والبيان الشاملة( الرَّحِيمِ ) الذي أكرم حزبه بالتوفيق لحسن المعاملة.

( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) )

ولما ختم الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب ، وأبلغ في التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه ، وذكر الأشقياء والسعداء ، وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير ، وكانت المعصية بالبخس فيها من أخس المعاصي وأدناها ، حذر من الخيانة فيها وذكر ما أعد لأهلها وجمع إليهم كل من اتصف بوصفهم فحمله وصفه على نوع من المعاصي ، كل ذلك تنبيها للأشقياء الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة ، ونبه على الشفاء لمن أراده فقال :( وَيْلٌ ) أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة( لِلْمُطَفِّفِينَ ) أي الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس ، وفي ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيىء وهو حب الدنيا الموقع في جمع الأموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه : التطفيف الذي لا يرضاه ذو مروءة وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملؤون ولا يعدلون ، وكأنه من الإزالة أي أزال ما أشرف من أعلى الكيل ، من الطف ، وهو ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق ، ومنه ما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : كنت فارسا

٣٥٤

فسبقت الناس حتى طفت لي الفرس مسجد بني زريق ـ يعني أن الفرس وثب حتى كاد يساوي المسجد ، ويقال : طف الرجل الحائط ـ إذا علاه ، أو من القرب ، من قولهم : أخذت من متاعي ما خف وطف ، أي قرب مني ، وكل شيء أدنيته من شيء فقد أطففته ، والطفاف من الإناء وغيره : ما قارب أن يملأه ، ولا يتم ملأه ، وفي الحديث : «كلكم بنو آدم طف الصاع »(١) ، أو من الطفف وهو التقتير ، يقال : طفف عليه تطفيفا ـ إذا قتر عليه ، أو من الطفيف وهو من الأشياء الخسيس الدون والقليل ، فكأن التضعيف للإزالة على المعنى الأول كما مضى ، وللمقاربة الكثيرة على المعنى الثاني أي أنه يقارب ملء المكيال مقاربة كبيرة مكرا وخداعا حتى يظن صاحب الحق أنه وفى ولا يوفي ، يقال : أطف فلان لفلان ـ إذا أراد ختله ، وإذا نهى عن هذا فقد نهى عما نقص أكثر بمفهوم الموافقة ، وعلى المعنى الثالث بمعنى التقتير والمشاححة في الكيل ، وعلى المعنى الرابع بمعنى التنقيص والتقليل فيه ، وكأنه اختير هذا اللفظ لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء اليسير جدا ، هذا أصله في اللغة وقد فسره الله سبحانه وتعالى فقال :( الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا ) أي عالجوا الكيل أو الوزن فاتزنوا ـ بما دل عليه ما يأتي ، وعبر بأداة الاستعلاء ليكون المعنى : مستعلين أو متحاملين( عَلَى النَّاسِ ) أي خاصة بمشاهدتهم كائنين من كانوا لا يخافون شيئا ولا يراعون أحدا ، بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدنا ، وهذا الفعل يتعدى بمن وعلى ، يقال : اكتال من الرجل وعليه ، ويجوز أن يكون اختيار التعبير بعلى هنا مع ما تقدم للإشارة إلى أنهم إذا كان لهم نوع علو بأن كان المكتال منه ضعيفا خانوه فيكون أمرهم دائرا على الرذالة وسفول الهمة التي لا أسفل منها( يَسْتَوْفُونَ ) أي يوجدون لأنفسهم الوفاء وهو تمام الكيل بغاية الرغبة والمبالغة في الملء ، فكأنه ذكر «اكتالوا» ولم يذكر «اتزنوا» لأنه لا يتأتى في الوزن من المعالجة ما يتأتى في الكيل ، ولأنهم يتمكنون في الاكتيال من المبالغة في استيفاء المؤدي إلى الزيادة ما لا يتمكنون من مثله في الاتزان ، وهذا بخلاف الإخسار فإن التمكن بسببه حاصل في الموضعين فلذلك ذكرهما فيه.

ولما أفهم تقديم الجار الاختصاص فأفهم أنهم إذا فعلوا من أنفسهم لا يكون كذلك ، صرح به فقال :( وَإِذا كالُوهُمْ ) أي كالوا الناس أي حقهم أي ما لهم من الحق( أَوْ وَزَنُوهُمْ ) أي وزنوا ما عليهم له من الحق ، يقال : اكتال من الرجل وعليه وكال له الطعام وكاله الطعام ، ووزنت الرجل الشيء ووزنت له الشيء ، ولعله سبحانه اختار

__________________

(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤ / ١٥٨ من حديث عقبة بن عامر بأتم منه وفيه ابن لهيعة فيه لين وبقية رجاله وثقوا. قاله في المجمع ٨ / ٨٤.

٣٥٥

«على» في الأول والمعدى إلى اثنين في الثاني لأنه أدل على حضور صاحب الحق ، فهو في غيبته أولى ، فهو أدل على المرون على الوقاحة ، فهما كلمتان لا أربع لأنه ليس بعد الواو ألف جمع ، قال البغوي : وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على كالوا ووزنوا ويبتدىءهم ، قال أبو عبيدة : والاختيار الأولى ، قال البغوي : يعني أن كل واحدة كلمة لأنهم كتبوهما بغير ألف باتفاق المصاحف ، وقال الزمخشري : ولا يصح أن يكون ضميرا للمطففين لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ، وذلك أن المعنى : إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا ، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا ، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا ، وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر ، والتعلق في إبطاله بخط المصحف وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط ـ انتهى. ولا شك أن في خط المصحف تقوية لهذا الوجه المعنوي وتأكيدا( يُخْسِرُونَ ) أي يوجدون الخسارة بالنقص فيما يكيلون لغيرهم ، والحاصل أنهم يأخذون وافيا أو زائدا ويعطون ناقصا.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ ) [الانفطار : ١٠] الآية وكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى :( وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) [الأنبياء : ٤٧] أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب وهو من أكبر الجرائم ، وذلك التطفيف في المكيال والميزان والانحراف عن إقامة القسط في ذلك ، فقال تعالى :( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) [المطففين : ١] ثم أردف تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال :( أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ) [المطففين : ٤ ـ ٥] ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى ختامها ـ انتهى.

ولما ذكر سبحانه وتعالى أنهم أدمنوا على هذه الرذائل حتى صارت لهم خلقا مرنوا عليه وأنسوا به وسكنوا إليه ، وكان ذلك لا يكون إلا ممن أمن العقاب وأنكر الحساب ، أنتج ذلك الإنكار عليهم على أبلغ الوجوه لإفهامه أن حالهم أهل لأن يتعجب منه ويستفهم عنه وأن المستفهم عن حصوله عندهم الظن ، وأما اليقين فلا يتخيل فيهم لبعد أحوالهم الجافية وأفهامه الجامدة عنه فقال تعالى :( أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ ) أي الأخساء البعداء الأرجاس الأراذل يتجدد لهم وقتا من الأوقات ظن أن لم يتيقنوا بما مضى من البراهين التي أفادت أعلى رتب اليقين ، فإنهم لو ظنوا ذلك ظنا نهاهم إن كان لهم نظر

٣٥٦

لأنفسهم عن أمثال هذه القبائح ، ومن لم تفده تلك الدلائل القاطعة ظنا يحتاط به لنفسه فلا حس له أصلا( أَنَّهُمْ ) وعبر باسم المفعول فقال :( مَبْعُوثُونَ ) إشارة إلى القهر على أهون وجه بالبعث الذي قد ألفوا مثله من القهر باليقظة بعد القهر بالنوم( لِيَوْمٍ ) أي لأجله وفيه ، وزاد التهويل بقوله :( عَظِيمٍ ) أي لعظمة ما يكون فيه من الجمع والحساب الذي يكون عنه الثواب والعقاب مما لا يعلمه على حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى.

( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) )

ولما عظم ذلك اليوم تحذيرا منه ، وزاده تعظيما بأن أتبعه على سبيل القطع قوله ناصبا بتقدير «أعني» إعلاما بأن الجحد فيه بأعين جميع الخلائق فهو فضيحة لا يشبهها فضيحة :( يَوْمَ يَقُومُ ) أي على الأرجل( النَّاسُ ) أي كل من فيه قابلية الحركة ، وذلك يوم القيامة خمسين ألف سنة لا ينظر إليهم سبحانه ـ رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو رفعه ورجاله ثقات( لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) أي لأجل حكم موجد الخلائق ومربيهم كلهم فلا ينسى أحدا من رزقه ولا يهمله من حكمه ولا يرضى بظلم أحد ممن يربيه فهو يفيض لكل من كل بحكم التربية ، كل ذلك من استفهام الإنكار وكله الظن ، ووصف اليوم بما وصف وغير ذلك للإبلاغ في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه ، وروى الحاكم من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه رفعه : «ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر »(١) ومن طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه ، وللطبراني من طريق الضحاك عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا نحوه.

ولما أنهى سبحانه ما أراد من تعظيم ذلك اليوم والتعجيب ممن لم يفده براهينه أن يجوزه والإنكار عليه ، وكان مع ما فيه من التقريع مفهما للتقرير ، نفى بأداة الردع للمبالغة في النفي مضمون ما وقع الاستفهام عنه فقال :( كَلَّا ) أي لا يظن أولئك ذلك

__________________

(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢ / ١٢٦ من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا وصححه على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي.

٣٥٧

بوجه من الوجوه لكثافة طباعهم ووقوفهم مع المحسوس دأب البهائم بل لا يجوزونه ، ولو جوزوه لما وقعوا في ظلم أحد ممن يسألون عنه في ذلك اليوم المهول ، وما أوجب لهم الوقوع في الجرائم إلا الإعراض عنه ، وقال الحسنرحمه‌الله تعالى : هي بمعنى حقا متصلة بما بعدها ـ انتهى. وهي مع ذلك مفهمة للردع الذي ليس بعده ردع عن اعتقاد مثل ذلك والموافقة لشيء مما يوجب الخزي فيه.

ولما أخبر عن إنكارهم ، استأنف إثبات ما أنكروه على أبلغ وجه وأفظعه مهولا لما يقع لهم من الشرور وفوات السرور ، مؤكدا لأجل إنكارهم فقال :( إِنَّ كِتابَ ) وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :( الفُجَّارِ ) أي صحيفة حساب هؤلاء الذين حملهم على كفرهم مروقهم وكذا كل من وافقهم في صفاتهم فكان في غاية المروق مما حقه ملابسته وملازمته ، وأبلغ في التأكيد فقال :( لَفِي سِجِّينٍ ) هو علم منقول في صيغة المبالغة عن وصف من السجن وهو الحبس لأنه سبب الحبس في جهنم أي إنه ليس فيه أهلية الصعود إلى محل الأقداس إشارة إلى أن كتابهم إذا كان في سجن عظيم أي ضيق شديد كانوا هم في أعظم ، قال ابن جرير : وهي الأرض السابعة ـ انتهى وهو يفهم مع هذه الحقيقة أنهم في غاية الخسارة لأنه يقال لكل من انحط : صار ترابا ولصق بالأرض ـ ونحو ذلك ، ثم زاد في هوله بالإخبار بأنه أهل لأن يسأل عنه ويضرب إلى العالم به ـ إن كان يمكن ـ آباط الإبل فقال :( وَما أَدْراكَ ) أي جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك( ما سِجِّينٌ ) أي أنه بحيث لا تحتمل وصفه العقول ، وهو مع ذلك في أسفل سافلين ويشهده المبعدون من الشياطين وسائر الظالمين ، يصعد بالميت منهم إلى السماء فتغلق أبوابها دونه فيرد تهوي به الريح تشمت به الشياطين. وكل ما قال فيه : «وما أدراك» فقد أدراه به بخلاف «وما يدريك».

ولما أتم ما أراد من وصفه ، أعرض عن بيانه إشارة إلى أنه من العظمة بحيث إنه يكل عنه الوصف ، واستأنف أمر الكتاب المسجون فيه فقال محذرا منه مهولا لأمره :( كِتابٌ ) أي عظيم لحفظه النقير والقطمير( مَرْقُومٌ ) أي مسطور بين الكتابة كما تبين الرقمة البيضاء في جلد الثور الأسود ، ويعلم كل من رآه أنه غاية في الشر ، وهو كالرقم في الثوب والنقش في الحجر لا يبلى ولا يمحى.

ولما أعلم هذا بما للكتاب من الشر ، استأنف الإخبار بما أنتجه مما لأصحابه فقال :( وَيْلٌ ) أي أعظم الهلاك( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ يقوم الناس لما تقدم. ولما كان الأصل : لهم ، أبدله بوصف ظاهر تعميما وتعليقا للحكم به فقال :( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي الراسخين في التكذيب بكل ما ينبغي التصديق به.

٣٥٨

ولما أخبر عن ويلهم ، وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ذمهم فقال :( الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ ) أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه ، مستهينين( بِيَوْمِ ) أي بسبب الإخبار بيوم( الدِّينِ ) أي الجزاء الذي هو سر الوجود( وَما ) أي والحال أنه ما( يُكَذِّبُ ) أي يوقع التكذيب( بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ ) أي متجاوز للحد في العناد أو الجمود والتقليد لأن محطه نسبة من ثبت بالبراهين القاطعة أنه على كل شيء قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه( أَثِيمٍ ) أي مبالغ في الانهماك في الشهوات الموجبة للآثام ، وهي الذنوب ، فاسود قلبه فعمي بنظر الشهوات التي حفت بها النار عما عداها.

( إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) )

ولما أثبت له الإبلاغ في الإثم ، دل عليه بقوله بأداة التحقق :( إِذا تُتْلى ) أي من أي تال كان ، مستعلية بما لها من البراهين( عَلَيْهِ آياتُنا ) أي العلامات الدالة على ما أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة إلينا( قالَ ) أي من غير توقف ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه فيه شهوة المغالبة التي سببها الكبر :( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي من الأباطيل وليست كلام الله ، فكان لفرط جهله بحيث لا ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ينظر في دلائل العقل.

ولما كان هذا قد صار كالأنعام في عدم النظر بل هو أضل سبيلا لأنه قادر على النظر دونها ، قال رادعا له ومكذبا ومبينا لما أدى به إلى هذا القول وهو لا يعتقده :( كَلَّا ) أي ليرتدع ارتداعا عظيما ولينزجر انزجارا شديدا ، فليس الأمر كما قال في المتلو ولا هو معتقد له اعتقادا جازما لأنه لم يقله عن بصيرة( بَلْ رانَ ) أي غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء والصدأ للمرآة ، وجمع اعتبارا بمعنى «كل» لئلا يتعنت متعنت ، فقال معبرا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرتهم :( عَلى قُلُوبِهِمْ ) أي كل من قال هذا القول( ما كانُوا ) أي بجبلاتهم الفاسدة( يَكْسِبُونَ ) أي يجددون كسبه مستمرين عليه من الأعمال الردية ، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، فيتراكم الذنب على القلب فيسود ، فلذلك كانوا يقولون مثل هذا الاعتقاد ، بل هو شيء يسدون به المجلس ويقيمون لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التالين بما يحرقون من قلوبهم ـ أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار ـ فإنهم لا ينقطعون في عصر من الأعصار ولا يخشون من عار ولا شنار ، روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة

٣٥٩

سوداء فإن تاب صقل منها ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال الله سبحانه وتعالى »(١) وقال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته عن اتباع الشهوات ، وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة ، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا ، فإذا تراكم الرين صار طبعا كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده ، وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو تلك الآثار التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصورة في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الآثار ، وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة ، وإليه الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها ».

ولما كان ادعاؤهم إنما هو قول قالوه بأفواههم لا يتجاوزها عظيما جدا ، أعاد ردعهم عنه وتكذيبهم فيه فقال :( كَلَّا ) أي ليس الأمر كما قالوا من الأساطير لا في الواقع ولا عندهم فليرتدعوا عنه أعظم ارتداع. ولما كان قول الإنسان لما لا يعتقده ولا هو في الواقع كما في غاية العجب لا يكاد يصدق ، علله مبينا أن الحامل لهم عليه إنما هو الحجاب الذي ختم به سبحانه على قلوبهم ، فقال مؤكدا لمن ينكر ذلك من المغرورين :( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ ) أي عن ذكر المحسن إليهم وخشيته ورجائه( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ قالوا هذا القول الفارغ. ولما كان المانع إنما هو الحجاب ، بني للمفعول قوله :( لَمَحْجُوبُونَ ) فلذلك استولت عليهم الشياطين والأهوية ، فصاروا يقولون ما لو عقلت البهائم لاستحيت من أن تقوله ، والأحسن أن تكون الآية بيانا وتعليلا لويلهم الذي سبق الإخبار به ، ويكون التقدير : يوم إذ كان يوم الدين ، ويكون المراد الحجاب عن الرؤية ، ويكون في ذلك بشارة للمؤمنين بها. وقال البغوي : قال أكثر المفسرين : عن رؤيته ، وقال : إن الإمامين الشافعي وشيخه مالكا استدلا بهذه الآية على الرؤية ، وأسند الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة الشافعي أنه قال : في هذه الآية دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته ، وقال ابن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده

__________________

(١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٣٣٤ والنسائي في الكبرى ١٠٢٥١ و ١١٦٥٨ وابن ماجه ٤٢٤٤ وابن حبان ٩٣٠ و ٢٧٨٧ والحاكم ٢ / ٥١٧ وأحمد ٢ / ٢٩٧ من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وقال الترمذي : حسن صحيح. وهو كما قالوا.

٣٦٠