نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 87
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 87 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

حجبهم في الآخرة عن رؤيته ، وقال الحسن : لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. وقال القشيري : ودليل الخطاب يوجب أن يكون المؤمنون يرونه كما يعرفونه اليوم انتهى. وفيه تمثيل لإهانتهم بإهانة من يمنع الدخول على الملك.

ولما بين ما لهم من العذاب بالحجاب الذي هو عذاب القلب الذي لا عذاب أشد منه ، لأنه يتفرع عنه جميع العذاب ، شرع يبين بعض ما تفرع عنه من عذاب القالب مؤكدا لأجل إنكارهم معبرا بأداة التراخي إعلاما بعلو رتبته في أنواع العذاب فقال :( ثُمَّ إِنَّهُمْ ) أي بعد ما شاء الله من إمهالهم( لَصالُوا الْجَحِيمِ ) أي لدخلو النار العظمى ويقيمون فيها مقاسون لحرها ويغمسون فيها كما تغمس الشاة المصلية أي المشوية.

ولما بين ما لهم من الفعل الذي هو للقلب والقالب ، أتبعه القول بالتوبيخ والتبكيت الذي هو عذاب النفس ، وبناه للمفعول لأن المنكىء سماعه لا كونه من معين ، وإشارة إلى أنه يتمكن من قوله لهم كل من يصح منه القول من خزنة النار ومن أهل الجنة وغيرهم لأنه لا منعة عندهم :( ثُمَّ يُقالُ ) أي لهم بعد مدة تبكيتا وتقريعا وتنديما وتبشيعا :( هذَا ) أي العذاب الذي هو حالّ بكم( الَّذِي كُنْتُمْ ) أي بما لكم من الجبلات الخبيثة( بِهِ ) أي خاصة لأن تكذيبكم بغيره بالنسبة إليه لما له من القباحة ولكم من الرسوخ فيه والملازمة له (؟)( تُكَذِّبُونَ ) أي توقعون التكذيب به وتجددونه مستمرين عليه.

( كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) )

ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك ، نفاه بقوله :( كَلَّا ) أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف. ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئا به لأن المقام من أول السورة للوعيد وصوادع التهديد ، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا ، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم :( إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ ) أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في شرح صدورهم ، واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن أمورهم( لَفِي عِلِّيِّينَ ) أي أماكن منسوبة إلى العلو ، وقع النسب أولا إلى فعليّ ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته ، قال

٣٦١

الكسائي : إذا جمعت العرب ما لا يذهبون فيه إلى أن له بناء من واحد واثنين فإنهم يجمعون بالواو والنون في المذكر والمؤنث ـ انتهى ، فهي درجات متصاعدة تصعد إلى الله ولا تحجب عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له بحسب رتب الأعمال ، وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به كما أن من كان كتابه من الفجار في سجين لحق به ، قال الرازي في اللوامع : من ترقى علمه عن الحواس والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق بأن يكون عليّا ، ومن كان علمه وإدراكه مقصورا على الحواس والخيال والأوهام وفعله على مقتضى الشهوات البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين.

ولما كان هذا أمرا عظيما ، زاد في تعظيمه بقوله :( وَما ) أي وأي شيء( أَدْراكَ ) أي جعلك داريا وإن بالغت في الفحص( ما عِلِّيُّونَ ) فإن وصفه لا تسعه العقول ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين. ولما عظم المكان فعلمت عظمة الكتاب ، ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال :( كِتابٌ ) أي عظيم( مَرْقُومٌ ) أي فيه أن فلانا أمن من النار فيا له من رقم ما أحسنه وما أبهاه وما أجمله.

ولما عظمه في نفسه وفي مكانه ، عظمه في حضّاره فقال :( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) أي يحضره حضورا تاما دائما لا غيبة فيه الجماعة الذين يعرف كل أحد أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب من ابتدائه إلى انتهائه هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء إلى سماء ويحفون به سرورا وتعظيما لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام والصديقين والشهداء والصالحين ، فالآية مع الأولى من الاحتباك : ذكر سجين أولا دال على الاتساع ثانيا ، وذكر عليين والمقربين ثانيا دال على أسفل سافلين والمبعدين أولا.

ولما عظم كتابهم بهذه الفضائل ، التفتت النفس إلى معرفة حالهم فقال شافيا لعي هذا الالتفات مؤكدا لأجل من ينكر :( إِنَّ الْأَبْرارَ ) أي الذين هذا كتابهم( لَفِي نَعِيمٍ ) أي محيط بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم. ولما كان لا شيء أنعم للإنسان من شيء عال يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي مما لديه ، قال مبينا لذلك النعيم :( عَلَى الْأَرائِكِ ) أي الأسرة العالية مع هذا العلو المطلق في الحجال التي يعيي الفكر وصفها بما لها من العلو من ترصيع اللؤلؤ والياقوت وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر( يَنْظُرُونَ ) أي إلى ما يشتهون من الجنان والأنهار والحور والولدان ، ليس لهم شغل غير ذلك وما شابهه من المستلذات. وقال الإمام القشيري : أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه لاختلافهم : منهم من ينظر إلى قصوره ، ومنهم من ينظر إلى حوره ، ومنهم

٣٦٢

ومنهم ، والخواص على دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما أن الفجار دائما عن ربهم محجوبون.

( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) )

ولما وصف نعيمهم ، أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم فقال تعالى :( تَعْرِفُ ) أي أيها الناظر إليهم ـ هذا على قراءة الجماعة ، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول ، وهو أدل على العموم( فِي وُجُوهِهِمْ ) عند رؤيتهم( نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته ، من نضر النبات ـ إذا أزهر ونوّر ، وقال الحسنرحمه‌الله تعالى : النضرة في الوجه والسرور في القلب.

ولما كانت مجالس الأنس لا سيما في الأماكن النضرة لا تطيب إلا بالمآكل والمشارب ، وكان الشراب يدل على الأكل ، قال مقتصرا عليه لأن هذه السور قصار يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال :( يُسْقَوْنَ ) بانيا له للمفعول دلالة على أنهم مخدومون أبدا لا كلفة عليهم في شيء( مِنْ رَحِيقٍ ) أي شراب خالص صاف عتيق أبيض مطيب في غاية اللذة ، فإنهم قالوا : إن الرحيق الخمر أو أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي ، وضرب من الطيب. ولا شك أن العاقل لا يشرب الخمر مطلقا فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملا لمقدماتها من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك ، ولما كان الختم لا يكون إلا لما عظمت رتبته وعزت نفاسته ، قال مريدا الحقيقة ، أو الكناية عن نفاسته :( مَخْتُومٍ ) أي فهو مع نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء والأقذار.

ولما كان الختم حين الفك لا بد أن ينزل من فتاته في الشراب قال :( خِتامُهُ مِسْكٌ ) وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إن المراد بختامه آخر طعمه ، فيحصل أن ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك ، وذلك يقتضي أن لا يكون يفتحه إلا شاربه ، وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله ، والعبارة صالحة لأن يكون الختام أولا وآخرا ، وهو يجري مجرى افتضاض البكر. ولما كان التقدير : فيه يبلغ نهاية اللذة الشاربون ، عطف عليه قوله :( وَفِي ذلِكَ ) أي الأمر العظيم البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا وصفه( فَلْيَتَنافَسِ ) أي فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار( الْمُتَنافِسُونَ ) أي الذين من شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك

٣٦٣

المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره لأنه نفيس جدا ، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه. والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحات والنيات الخالصة.

ولما ذكر الشراب ، أتبعه مزاجه على ما يتعارفه أهل الدنيا لكن بما هو أشرف منه ، فقال مبينا لحال هذا المسقي :( وَمِزاجُهُ ) أي يسقون منه والحال أن مزاج هذا الرحيق( مِنْ تَسْنِيمٍ ) علم على عين معينة وهو ـ مع كونه علما ـ دال على أنها عالية المحل والرتبة ، والشراب ينزل عليهم ماؤها من العلو ـ ، وقال حمزة الكرماني : ماؤها يجري على الهواء متنسما ينصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة ، فإذا امتلأت أمسك ، وهو في الشعر اسم جبل عال وكذا التنعيم وأصله من السنام ، ولذلك قطعها مادحا فقال :( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ) أي بسببها على طريقة المزج منها( الْمُقَرَّبُونَ ) أي الذين وقع تقريبهم من اجتذاب الحق لهم إليه وقصر هممهم عليه ، كل شراب يريدونه ، وأما الأبرار فلا يشربون بها إلا الرحيق ، وأما غيرهم فلا يصل إليها أصلا ، وقال بعضهم : إن المقربين يشربون من هذه العين صرفا ، والأبرار يمزج لهم منها والفرق ظاهر ـ هنيا لهم.

ولما ذكر سبحانه جزاء الكافر بالجحيم وجزاء المؤمن بالنعيم ، وكان من أجل النعيم الشماتة بالعدو ، علل جزاء الكافر بما فيه شماتة المؤمن به لأنه اشتغل في الدنيا بما لا يغني ، فلزم من ذلك تفويته لما يغني ، فقال مؤكدا لأن ذا المروءات والهمم العاليات والطبع السليم والمزاج القويم لا يكاد يصدق مثل هذا ، وأكده إشارة إلى أن من حقه أن لا يكون :( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) أي قطعوا ما أمر الله به أن يوصل( كانُوا ) أي في الدنيا ديدنا وخلقا وطبعا وجبلة( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان( يَضْحَكُونَ ) أي يجددون الضحك كلما رأوهم أو ذكروهم استهزاء بهم وبحالاتهم التي هم عليها من علامات الإيمان في رثاثة أحوالهم وقلة أموالهم واحتقار الناس لهم مع ادعائهم أن الله تعالى لا بد أن ينصرهم ويعلي أمرهم( وَإِذا مَرُّوا ) أي الذين آمنوا( بِهِمْ ) أي بالذين أجرموا في أي وقت من الأوقات يستهزئون و( يَتَغامَزُونَ ) أي يغمز بعض الذين أجرموا بعضا لأذى الذين آمنوا.

( وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) )

٣٦٤

ولما وصفهم في مواضع التردد والتقلب ، وصفهم في المنازل فقال :( وَإِذَا انْقَلَبُوا ) أي رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير تكره( إِلى أَهْلِهِمُ ) أي منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم( انْقَلَبُوا ) حال كونهم( فَكِهِينَ ) أي متلذذين غاية التلذذ بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم ، قال : ابن برجان : وذكر عليه الصلاة والسّلام : «إن الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا ـ كما بدأ ، يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر »(١) وفي أخرى : يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة. وفي أخرى : العالم فيهم أنتن من جيفة حمار ـ فالله المستعان.

ولما ذكر مرورهم بهم ، ذكر مطلق رؤيتهم لهم فقال :( وَإِذا رَأَوْهُمْ ) أي رأى الذين أجرموا الذين آمنوا( قالُوا ) أي عند رؤيتهم للذين آمنوا مؤكدين لأنهم يستشعرون أن كل ذي عقل يكذبهم مشيرين إلى تحقيرهم بأداة القرب :( إِنَّ هؤُلاءِ ) أي الذين آمنوا( لَضالُّونَ ) أي عريقون في الضلال لأنهم تركوا الدنيا لشيء أجل لا صحة له( وَما ) أي والحال أنهم ما( أُرْسِلُوا ) أي من مرسل ما( عَلَيْهِمْ ) أي على الذين آمنوا خاصة حتى يكون لهم بهم هذا الاعتناء في بيوتهم وخارجها عند مرورهم وغيره( حافِظِينَ ) أي عريقين في حفظ أعمال الذين آمنوا فما اشتغالهم بهم إلى هذا الحد أن كانوا عندهم في عداد الساقط المهمل كما يزعمون فما هذه المراعاة المستقصية لأحوالهم وإن كانوا في عداد المنظور إليه المعتنى به فليبينوا فساد حالهم بوجه تقبله العقول ويقوم عليه دليل أو ليتبعوهم وإلا فهم غير عارفين بمواضع الإصلاح وتعاطي الأمور على وجهها فما أحقهم بقول القائل :

أوردها سعد وسعد مستمل

ما هكذا تورد يا سعد الإبل

ولما كان لا نعيم أفضل من الشماتة بالعدو لا سيما إذا كانت على أعلى طبقات الشماتة قال تعالى :( فَالْيَوْمَ ) أي فتسبب عن هذا من فعلهم في دار العمل أنه يكون في دار الجزاء( الَّذِينَ آمَنُوا ) ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان( مِنَ الْكُفَّارِ ) خاصة ، وهم الراسخون في الكفر من عموم الذين أجرموا ، في الحشر والجنة سخرية وهزؤا ، فإن الذين آمنوا لا يضحكون من عصاة المؤمنين لو رأوهم يعذبون بل يرحمونهم لاشتراكهم في الدين( يَضْحَكُونَ ) قصاصا وجزاء حين يرون ما هم فيه من الذل سرورا بحالهم شكرا لله على ما أعطاهم من النجاة من النار والنقمة من أعدائهم ، قال أبو

__________________

(١) صحيح. أخرجه مسلم ١٤٥ وابن ماجه ٣٩٨٦ والخطيب في تاريخه ١١ / ٣٠٧ من حديث أبي هريرة بدون لفظ : «يكون القابض على دينه ...». وإنما هو حديث آخر أخرجه أحمد ٣ / ٣٩٠ ـ ٣٩١ من حديث أبي هريرة وإسناده حسن وله شواهد.

٣٦٥

صالح : تفتح لهم الأبواب ويقال : اخرجوا ، فيسرعون فإذا وصلوا إلى الأبواب غلقت في وجوههم وردوا على أقبح حال ، فيضحك المؤمنون ـ انتهى. ويا لها من خيبة وخجلة وسواد وجه وتعب قلب وتقريع نفس من العذاب بالنار وبالشماتة والعار ، حال كون الذين آمنوا ملوكا( عَلَى الْأَرائِكِ ) أي الأسرة العالية المزينة التي هي من حسنها أهل لأن يقيم المتكىء بها( يَنْظُرُونَ ) أي يجددون تحديق العيون إليهم كلما أرادوا فيرون ما هم فيه من الهوان والذل والعذاب بعد العزة والنعيم نظر المستفهم( هَلْ ثُوِّبَ ) بناه للمفعول لأن الملذذ مطلق مجازاتهم( الْكُفَّارُ ) أي وقع تثويب العريقين في الكفر أي إعطاؤهم الثواب والجزاء على أنهى ما يكون ، فالجملة في محل نصب «ينظرون»( ما كانُوا ) أي نفس فعلهم بما هو لهم كالجبلات( يَفْعَلُونَ ) أي بدواعيهم الفاسدة ورغباتهم المعلولة ، فالجملة في موضع المفعول ، وقد علم أن لهم الويل الذي افتتحت السورة بالتهديد به لمن يفعل فعل من لا يظن أنه يجازى على فعله ، وآخرها فيمن انتقص الأعراض في خفاء ، وأولها فيمن انتقص الأموال كذلك ، وجفاء العدل والوفاء ، والله الهادي للصواب ، وإليه المرجع والمآب وإليه المتاب.

٣٦٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الانشقاق

مكية ـ آياتها خمس وعشرون

مقصودها الدلالة على آخر المطففين من أن الأولياء ينعمون والأعداء يعذبون ، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ولا بالعرض على الملك الذي أوجدهم ورباهم كما يعرض الملوك عبيدهم ويحكمون بينهم فينقسمون إلى أهل ثواب وأهل عقاب ، واسمها الانشقاق أدل دليل على ذلك بتأمل الظرف وجوابه الدال على الناقد البصير وحسابه( بِسْمِ اللهِ ) ذي الجلال والإكرام( الرَّحْمنِ ) الذي كملت نعمته فشملت الخاص والعام( الرَّحِيمِ ) الذي أتمها بعد العموم على أوليائه فأسعدهم بإتمام الإنعام.

( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) )

لما ختمت التطفيف بأن الأولياء في نعيم ، وأن الأعداء في جحيم ثوابا وعقابا ، ابتدأ هذه بالإقسام على ذلك فقال :( إِذَا السَّماءُ ) أي على ما لها من الإحكام والعظمة والحكمة الذي لا يقدر على مثلها غيره جلت قدرته( انْشَقَّتْ ) أي فصارت واهية وفتحت أبوابا فتخربت وتهدمت ، وذلك بعد القيام من القبور كما مضى في الحاقة عن إحدى روايتي ابن عباس رضي الله عنهما( وَأَذِنَتْ ) أي كانت شديدة الاستماع والطواعية والانقياد على أتم وجه كمن له أذن واعية ونفس مطمئنة راضية( لِرَبِّها ) أي لأمر المخترع لها والمدبر لجميع أمرها ، وهي الآن وإن كانت منقادة فانقيادها ظاهر لأكثر الخلق وهم المثبتة ، وأما المعطلة فربما نسبوا تأثيراتها إلى الطبائع والكواكب وأما عند الانشقاق فيحصل الكشف التام فلا يبقى لأحد شبهة( وَحُقَّتْ ) بالبناء للمفعول بمعنى أنها مجبولة على أن ذلك حق عليها ثابت لها ، فهي حقيقة به لأنها مربوبة له سبحانه ، وكل مربوب فهو حقيق بالانقياد لربه ، وهي لم تزل مطيعة له في ابتدائها وانتهائها ، لكن هناك يكون الكشف التام لجميع الأنام.

٣٦٧

ولما بدأ بالعالم العلوي لكونه أشرف لأنه أعلى مكانة ومكانا ، ثنى بالسفلي فقال تعالى :( وَإِذَا الْأَرْضُ ) أي على ما لها من الصلابة والثخانة والكثافة ، وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة الفعل فيها عليه سبحانه وتعالى وسرعة انفعالها مع كونه أعجب من انشقاق السماء فإنه ربما كان في الشيء لوهيه من تطاول مرور الزمان عليه بخلاف المد فقال :( مُدَّتْ ) أي بسطت بسط الأديم ومطت فامتطت فزيد في سعتها جدا بعد أن تمهدت فصارت دكاء فزالت جبالها وآكامها وتلالها ، فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا كما أن الأديم إذا مد كان كذلك فزال تثنيه واتسع.

ولما كان الجلد جديرا بأنه إذا مد أن يبين عن كل ما فيه من غيره قال :( وَأَلْقَتْ ما فِيها ) أي أخرجت ما في بطنها من الأموال والكنوز والأموات إخراجا سريعا كأنها تقذفه قذفا ، وذلك أيضا كالبساط إذا نقض( وَتَخَلَّتْ ) أي تعمدت وتكلفت الخلو عن ذلك والترك له بغاية جهدها ، أي فعل ذلك سبحانه فعلا كانت الأرض كأنها فاعلة له على هذا الوجه ، فصارت خلية عن كل شيء كان في بطنها ، وصار بارزا على ظهرها. ولما كان هذا ربما أوهم أنه بغير أمره سبحانه وتعالى قال :( وَأَذِنَتْ لِرَبِّها ) أي فعلت ذلك بإذن الخالق لها والمربي وتأثرت في ذلك عن تأثيره لا بنفسها ، وفعلت فيه كله فعل السميع المجيب( وَحُقَّتْ ) أي وكانت حقيقة بذلك كما أن كل مربوب كذلك وتكرير «إذا» للتنبيه على ما في كل من الجملتين من عظيم القدرة ، والجواب محذوف ـ لأنه في غاية الانكشاف بما دل عليه المقام مع ما تقدم من المطففين وما قبلها من السور وما يأتي في هذه السورة تقديره : ليحاسبن كل أحد على كدحه كله فليثوبنّ الكفار ما كانوا يفعلون وليجازين أهل الإسلام بما كانوا يعملون.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة وإحصائهم على العباد في كتبهم ، وعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى :( إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) [المطففين : ١٨] وقوله :( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) [المطففين : ٧] أتبع ذلك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند العرض ، وأن أخذها بالأيمان عنوان السعادة ، وأخذها وراء الظهر عنوان الشقاء إذ قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف مضمناتها فمنها ما هو في عليين ومنها ما هو في سجين إلى يوم العرض ، فيؤتى كل كتابه فآخذ بيمينه وهو عنوان سعادته ، وآخذ من وراء ظهره وهو عنوان هلاكه ، فتحصّل الإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقرارا وتفريقا يوم العرض ، وافتتحت السورة بذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتحليها تعريفا بهذا اليوم العظيم بما يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة ـ انتهى.

٣٦٨

ولما كان الجواب ما ذكرته ، أتبعه شرحه فقال مناديا بأداة صالحة للبعد لأن المنادى أدنى الأسنان بادئا بالأولياء لأن آخر التطفيف الذي هذا شرح له إدخال السرور عليهم :( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ) أي الآنس بنفسه الناسي لربه. ولما كان أكثر الناس منكرا للبعث أكد فقال :( إِنَّكَ كادِحٌ ) أي ساع وعامل مع الجهد لنفسك من خير أو شر ، وأكثره مما يؤثر خدوشا وشينا وفسادا وشتاتا ، منتهيا( إِلى رَبِّكَ ) الذي أوجدك ورباك بالعمل بما يريد معنىّ وبالموت حسا ، وأشار إلى اجتهاد كل فيما هو فيه وخلق له بالتأكيد بالمصدر فقال :( كَدْحاً ) أي عظيما( فَمُلاقِيهِ ) أي فمتعقب كدحك لقاؤك لربك ، وأنه ينكشف لك أنك كنت في سيرك إليه كالمجتهد في لقائه اجتهاد من يسابق في ذلك آخر ، وكل ذلك تمثيل لنفوذ إرادته ومضي أقضيته بسبب الانتهاء إليه ، وحقيقته تلاقي جزاءه وينكشف لك من عظيم أمره ما ينكشف للملاقي مع من يلقاه بسبب اللقاء ، وهذا أمر أنت ساع فيه غاية السعي لأن من كان الليل والنهار مطيتيه أو صلاه بلا شك إلى منتهى سفره شاء أو أبى ، فذكر هذا على هذا النمط حث على الاجتهاد في الإحسان في العمل لأن من أيقن بأنه لا بد له من العرض على الملك أفرغ جهده في العمل بما يحمده عليه عند لقائه.

ولما كان من المعلوم أن عبيد الملك إذا عرضوا عليه ، كان فيهم المقبول والمردود ، بسبب أن كدحهم تارة يكون حسنا وتارة يكون سيئا ، قال معرفا أن الأمر في لقائه كذلك على ما نعهد ، فمن كان مقبولا أعطي كتاب حسناته بيمينه لأنه كان في الدنيا من أهل اليمين أي الدين المرضي ، ومن كان مردودا أعطي كتابه بشماله لأنه كان في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين الباطل الذي يعمل من غير إذن المالك ، فكأنه يفعل من ورائه ، فترجم هذا الغرض بقوله سبحانه وتعالى مفصلا للإنسان المراد به الجنس جامعا للضمير بعد أن أفرده تنصيصا على حشر كل فرد :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ ) بناه للمفعول إشارة إلى أن أمور الآخرة كلها قهر وفي غاية السهولة عليه سبحانه وتعالى ، وفي هذه الدار للأمر وإن كان كذلك إلا أن الفرق في انكشاف ستر الأسباب هناك فلا دعوى لأحد( كِتابَهُ ) أي صحيفة حسابه التي كتبتها الملائكة وهو لا يدري ولا يشعر( بِيَمِينِهِ ) من أمامه وهو المؤمن المطيع( فَسَوْفَ يُحاسَبُ ) أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر( حِساباً يَسِيراً ) أي سهلا لا يناقش فيه لأنه كان يحاسب نفسه فلا يقع له المخالفة إلا ذهولا ، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفو عن سيئها.

( وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١)

٣٦٩

وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) )

ولما كان هذا دالا على العفو ، أتبعه ما يدل على الإكرام فقال :( وَيَنْقَلِبُ ) أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول( إِلى أَهْلِهِ ) أي الذين أهله الله بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزله الذي أعد له منه بمنزله في الدنيا. ولما كانت السعادة في حصول السرور من غير قيد ، بنى للمفعول قوله :( مَسْرُوراً ) أي قد أوتي جنة وحريرا ، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقا من العرض على الله مغموما مضرورا يحاسب نفسه بكرة وعشيا حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين ، فذكر هنا الثمرة والمسبب لأنها المقصودة بالذات ، وفي الشق الآخر السبب والأصل ، وقد استشكلت الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذه الآية بما روي عنها في الصحيح بلفظين أحدهما «ليس أحد يحاسب إلا هلك » والثاني «من نوقش الحساب عذب » قالت عائشة رضي الله عنها : فقلت : يا رسول الله! أليس الله يقول( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ ) [الانشقاق : ٨] الآية ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنما ذلك العرض»(١) فإن كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه واضح ، وذلك أنه يرجع إلى كلية موجبة هي «كل من حوسب هلك» والآية مرجع إلى جزئية سالبة وهي «بعض من يحاسب لا يهلك» وهو نقيض ، وحينئذ يكون اللفظ الثاني من تصرف الرواة ، وإن كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقرير الإشكال فيه أن يقال : المناقشة في اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية ، وذلك في الحساب بذكر الجليل والحقير والمجازاة عليه ، فرجع الأمر أيضا إلى كلية موجبة هي «كل من حوسب بجميع أعماله عذب» وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيرا أو لا ، لأن الأعم يشمل جميع أخصّياته ، والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه يحاسب عليه ولا يهلك ، والصديقة رضي الله عنها عالمة بأن الكتاب يثبت فيه جميع الأعمال من قوله تعالى :( لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) [الكهف : ٤٩] ومن حديث الحافظين وغير ذلك ، فرجع الأمر إلى أن بعض من يحاسب بجميع أعماله لا يهلك ، وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت ، فأقرهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في الحديث مدلوله المطابقي ، وهو ذكر الأعمال كلها ـ والمقابلة على كل منها ، وذلك هو معنى المناقشة ، فمعنى «من نوقش الحساب» من حوسب حسابا حقيقيا بذكر جميع أعماله والمقابلة على كل منها ، وأن المراد بالحساب

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٣٩ و ١٠٣ و ٦٥٣٧ ومسلم ٢٨٧٦ وأبو داود ٣٠٩٣ والترمذي ٣٣٣٧ وابن حبان ٧٣٦٩ و ٧٣٧٠ وأحمد ٦ / ١٠٨ و ١٢٧ و ٢٠٦ من حديث عائشة مرفوعا.

٣٧٠

في الآية جزء المعنى المطابقي وهو ذكر الأعمال فقط من غير مقابلة ، وذلك بدلالة التضمن مجازا مرسلا لأنه إطلاق اسم الكل على الجزء ، ولأجل هذا كانت الصديقة رضي الله تعالى عنها تقول بعد هذا في تفسير الآية : يقرر بذنوبه ثم يتجاوز عنها ـ كما نقله عنها أبو حيان ، وعلى ذلك دل قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما : «إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيضع كنفه عليه ويستره ثم يقول له : أتعرف ذنب كذا ـ حتى يذكره بذنوبه كلها ويرى في نفسه أنه قد هلك ، قال الرب سبحانه : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم »(١) ولفظ «كنفه» يدل على ذلك فإن كنف الطائر جناحه ، وهو إذا وقع فرخه في كنفه عامله بغاية اللطف ، فالله تعالى أرحم وألطف( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ ) أي بغاية السهولة وإن أبى هو ذلك( كِتابَهُ ) أي صحيفة حسابه( وَراءَ ظَهْرِهِ ) أي في شماله إيتاء مستغرقا لجميع جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان يعمل ما لم يأذن به الله ، فكأنه عمل من ورائه مما يظن أنه يخفى عليه سبحانه ، فكان حقيقا بأن تعل يمينه إلى عنقه ، وتكون شماله إلى وراء ظهره ، ويوضع كتابه فيها ، وهذا احتباك : ذكر اليمين أولا يدل على الشمال ثانيا ، وذكر الوراء ثانيا يدل على الأمام أولا ، وسر ذلك أنه ذكر دليل المودة والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد ، ودليل الغدر والاغتيال في الشقي( فَسَوْفَ يَدْعُوا ) أي بوعد لا محالة في وقوعه أبدا( ثُبُوراً ) أي حسرة وندما بنحو قوله : واثبوراه ، وهو الهلاك الجامع لأنواع المكاره كلها لأن أعماله في الدنيا كانت أعمال الهالكين.

ولما كان ذلك لا يكون إلا لبلاء كبير ، أتبعه ما يمكن أن يكون علة له فقال :( وَيَصْلى سَعِيراً ) أي ويغمس في النار التي هي في غاية الاتقاد ويقاسي حرها وهي عاطفة عليه ومحيطة به لأنه كان تابعا لشهواته التي هي محفوفة بها فأوصلته إليها وأحاطت به.

ولما ذكر هذا العذاب الذي لا يطاق ، أتبعه سببه ترهيبا منه واستعطافا إلى التوبة وتحذيرا من السرور في دار الحزن ، فقال مؤكدا تنبيها على أنه لا ينبغي أن يصدق أن عاقلا يثبت له سرور في الدنيا :( إِنَّهُ كانَ ) أي بما هو له كالجبلة والطبع( فِي أَهْلِهِ ) أي في دار العمل( مَسْرُوراً ) أي ثابتا له السرور بطرا بالمال والجاه فرحا به مخلدا إليه مترفا مع الفراغ والفرار عن ذكر حساب الآخرة كما قال في التي قبلها( وَإِذَا انْقَلَبُوا

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٠٧٠ و ٧٥١٤ و ٧٩٠ ومسلم ٢٧٦٨ وابن ماجه ١٨٣ وابن حبان ٧٣٦٩ وأحمد ٢ / ٧٤ و ١٠٥ من حديث ابن عمر.

٣٧١

إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ) [المطففين : ٣١] ، لا يحزن أحدهم لذنب عمله ولا لقبيح ارتكبه ، بل يسر بكونه يأتي له ذلك فهو يحاسب في الآخرة حسابا عسيرا ، وينقلب إلى أعدائه مغموما كسيرا ، وقد بان أن الكلام من الاحتباك : ذكر الحساب اليسير الذي هو الثمرة والمسبب أولا يدل على حذف ضده ثانيا ، وذكر السرور في الأهل الذي هو السبب في الثاني يدل على حذف ضده وهو سبب السعادة وهو الغم ومحاسبة النفس في الأول ، فهو احتباك في احتباك ، ثم علل ثبات سروره فقال مؤكدا تنبيها أيضا على أنه لا يصدق أن أحدا ينكر البعث مع ما له من الدلائل التي تفوت الحصر :( إِنَّهُ ظَنَ ) لضعف نظره( إِنَ ) أي أنه( لَنْ يَحُورَ ) أي يرجع إلى ربه أو ينقص أو يهلك( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) [الجاثية : ٢٤] فلهذا كان يعمل عمل من لا يخاف عاقبة( بَلى ) ليرجعن صاغرا ناقصا هالكا ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل من ينكر :( إِنَّ رَبَّهُ ) أي الذي ابتدأ إنشاءه ورباه( كانَ ) أزلا وأبدا( بِهِ ) أي هذا الشقي في إعادته كما كان في ابتدائه وفي جميع أعماله وأحواله التي لا يجوز في عدل عادل ترك الحساب عليها( بَصِيراً ) أي ناظرا له وعالما به أبلغ نظر وأكمل علم ، فتركه مهملا مع العلم بأعماله مناف للحكمة والعدل والملك ، فهو شيء لا يمكن في العقل بوجه.

( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) )

ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من الحشر على وجه موضح للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع ، سبب عنه الإقسام على صحة ذلك لأنه ليس عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلّا الإيمان على صحة ما قال نظرا منه للمنصوح وشفقة عليه ، وكان ترك الحلف على ما هو ظاهر أبلغ من الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر والتأمل فقال :( فَلا أُقْسِمُ ) أي أحلف حلفا عظيما هو كقاموس البحر بهذه الأمور التي سأذكرها لما لها من الدلالة على القدرة على الإبداء والإعادة ، لا أقسم بها وإن كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه أجل منها وأظهر فهو غني عن الإقسام( بِالشَّفَقِ ) أي الضياء الذي يكون في المغرب عقب غروب الشمس أطباقا حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد ، وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلا إلى أن يسود مربادا فيوسق كل شيء ظلاما ، سمي شفقا لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب( وَاللَّيْلِ ) أي الذي يغلبه فيذهبه( وَما وَسَقَ ) أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك الشفق ومن النهار الذي كان قبله والنجوم التي

٣٧٢

أظهرها وغير ذلك من الغرائب التي تدل على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء والإعادة وكل ما يريد( وَالْقَمَرِ ) أي الذي هو آيته( إِذَا اتَّسَقَ ) أي انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلا ثم بدأ هلالا خفيا ضئيلا دقيقا ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى ثم يعود إلى حاله دليلا أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من الإبداء والإعادة.

ولما كانت هذه الأمور عظيمة جدا لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى ، وكل منها مع ذلك دال على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة التامة على إعادة الشيء كما كان سواء ، ونفي الإقسام بها دليلا على أن ذلك في غاية الظهور ، فالأمر فيه غني عن الإقسام ، قال في موضع جواب القسم مقرونا باللام الدالة على القسم ذاكرا ما هو في الظهور والبداهة بحيث لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغير ذكره :( لَتَرْكَبُنَ ) أي أيها المكلفون ـ هذا على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ( طَبَقاً ) مجاوزا( عَنْ طَبَقٍ ) أي حالا بعد حال من أطوار الحياة وأدوار العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب سواء ، فتكونون في تمكن الوجود في كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب ، وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره ، ومنه قيل للغطاء : طبق ـ لمطابقته المغطى ، والطبق كل ما ساوى شيئا ووجه الأرض والقرن من الزمان أو عشرون سنة ، وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون ، فأول أطباق الإنسان جنين ، ثم وليد ، ثم رضيع ، ثم فطيم ، ثم يافع ، ثم رجل ، ثم شاب ، ثم كهل ، ثم شيخ ، ثم ميت ، وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ثم مقرّ ، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل.

( فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) )

ولما ظهر المراد ولم يبق إلا العناد ، سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ والتقريع والتهديد ، فقال معرضا عن خطابهم إلى الغيبة إيذانا باستحقاقهم للأخذ إن لم يرجعوا :( فَما لَهُمْ ) أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا الكتاب المعجز في أنهم( لا يُؤْمِنُونَ ) أي يوقعون الإيمان ويجددونه كل وقت على الاستمرار بكل ما

٣٧٣

دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك الملوك وقد وضحت الدلائل وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا واحدة من هذه الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغدا على أخرى جدير بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه ، ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه دواء ، ومن علم أن تدبيره إلى سواه علم أن المشيئة في التدبير ـ إليه لا إلى نفسه ، وقيل لأبي بكر الوراق : ما الدليل على الصانع؟ قال : تحويل الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المشيئة ، وفسخ العزيمة.( وَإِذا قُرِئَ ) أي من أيّ قارىء كان( عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ ) أي الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك( لا يَسْجُدُونَ ) أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي فيسجدون بالقالب السجود الشرعي لتلاوته لأنه ملك الكلام ، قد أبان عن معارف لا تحصر ، مع الشهادة لنفسه بإعجازه أنه من عند الله ، ليس لهم في ذلك عذر إلا الجهل أو العجز ، ولا جهل مع القرآن ولا عجز مع القوة والاختيار.

ولما كان هذا استفهاما إنكاريا معناه النفي ، فكان التقدير : إنهم لا يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلا ، أضرب عنه بقوله :( بَلِ ) ووضع الظاهر موضع المضمر تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق( يُكَذِّبُونَ ) أي بالقرآن وبما دل عليه من حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان( وَاللهُ ) أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما( أَعْلَمُ ) أي منهم أنفسهم( بِما يُوعُونَ ) أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد الموجودات.

ولما كان هذا موجبا لشديد الإنذار ، وضع موضعه تهكما بهم وإعلاما بأن الغضب قد بلغ منتهاه قوله :( فَبَشِّرْهُمْ ) أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم وأعدلهم خبرا يغير إبشارهم( بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) أي شديد الألم لشدة إيلامه ، إن كان لهم يوما من الأيام بشارة فهي هذه.

ولما أخبر عنهم بهذا الهوان ، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى أن منهم من يقبل الإيمان ، استثنى منهم فقال :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان( وَعَمِلُوا ) دلالة على صدق إيمانهم( الصَّالِحاتِ ) .

ولما تقدم أن من حوسب عذب ، وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضا ، علم أنه ليس للأعمال دخل في الحقيقة في الأجر ، وإنما المدار كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على التغمد

٣٧٤

بالرحمة حتى في تسمية النعيم أجرا ، أسقط الفاء المؤذنة بالسبب تنبيها على ذلك بخلاف ما في سورة التين لما يأتي من اقتضاء سياقها للفاء فقال :( لَهُمْ أَجْرٌ ) أي عظيم وثواب جزيل يعلمه الله تعالى وهو التجاوز عن صغائرهم وسترها( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أي مقطوع أو منقوص أو يمتن عليهم به في الدنيا والآخرة يؤتون ذلك في يوم الدين يوم تنشق السماء وتمد الأرض ويثوب الكفار ما كانوا يفعلون ، فقد رجع آخرها على أولها ، واعتلق مفصلها حق الاعتلاق بموصلها.

٣٧٥

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة البروج مكية ـ آياتها اثنان وعشرون

مقصودها الدلالة على القدرة على مقصود الانشقاق الذي هو صريح آخرها من تنعيم الولي وتعذيب الشقي بمن عذبه في الدنيا ممن لا يمكن في العادة أن يكون عذابه ذلك إلا من الله وحده تسلية لقلوب المؤمنين وتثبيتا لهم على أذى الكافرين ، وعلى ذلك دل اسمها البروج بتأمل القسم والمقسم عليه وما هدى ذلك السياق إليه( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما( الرَّحْمنِ ) الذي عم الخلائق عدلا وحلما( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم عينا كما أظهره رسما.

( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) )

لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء وتوعدهم بما لا يطيقون ، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا في فتنة من قدروا عليه منهم ، وبالغوا في التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد ، ومفارقة الأهل والأولاد ، ابتدأ هذه بما أوقع بأهل الجبروت ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعا ، ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار ، وأن أهل الإيمان ثبتوا ، وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم ، وتوعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم ، فقال مقسما لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي في عداوة حزب الله فعل المنكر أن الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة على القيامة :( وَالسَّماءِ ) أي العالية غاية العلو المحكمة غاية الإحكام( ذاتِ الْبُرُوجِ ) أي المنازل للكواكب السيارة التي ركبها الله تعالى على أوضاع جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء

٣٧٦

والإعادة بالإنبات وفي بعضها قوة التربية كذلك ، وفي الأخرى قوة الاستحصاد بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ترونها ، غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم تدركون منه بالتجارب أمورا تدلكم على تمام القدرة ، فنسبها بعضكم إلى الطبيعة لقصور النظر في أسباب الأسباب وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما تصل إليه الألباب ، فاستبدل بالشكر الكفر ، واستدل بالآيات على ضد ما تدل عليه لجمود الذهن وانعكاس الفكر ، والمراد بها المنازل الاثنا عشر : الحمل ـ والثور ـ والجوزاء ـ والسرطان ـ والأسد ـ والسنبلة ـ والميزان ـ والعقرب ـ والقوس ـ والجدي ـ والدلو ـ والحوت ـ وهي التي تقطعها الشمس في السنة ، أو هي الثمانية والعشرون التي يقطعها القمر في الشهر ، وهي منازل الشمس هذه الاثنا عشر بسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا ، فذلك ثمانية وعشرون يوما ويستسر ليلتين ، فذلك شهر ، وهو إشارة إلى أن الذي فصل السماء هذا التفصيل وسخر فيها هذه الكواكب لمصالح الإنسان لا يتركه سدىّ ، بل لا بد من دينونته على ما يفعله من خير وشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة وتكون فيها الثوابت وعظام الكواكب ، سميت بروجا لظهورها ، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها ، وأصل التركيب للظهور.

ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على البعث قال تصريحا :( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ) أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتا لا بد منه بما دل عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسبابا هي عتيدة لديكم وأنتم لا ترونها ولا تحسون شيئا منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور عقولكم عنها بأكثر من الدلالة بالأسباب التي ألفتموها على مثلها من غير فرق غير أنه وإن كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه غير السماء للوعد به من الرسل فهو لا يحيله بعد سماعه.

ولما كان الجمع لأجل العرض ، وكان العرض لا بد فيه من شهود ومشهود عليهم وجدال على عهود ، قال منكّرا للإبهام للتعظيم والتعميم مثل( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ) [التكوير : ١٤] :( وَشاهِدٍ ) أي كريم من الأولياء( وَمَشْهُودٍ ) أي في نفسه من الأعيان والآثار الهائلة ، أو عليه فإنه يوم تشهده جميع الخلائق ، ويحضر فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف ، ويحضره الأنبياء الشاهدون وأممهم المشهود عليهم ، ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا كبيرة إلّا أحصيت ، وفي ذلك أشد وعيد لجميع العبيد.

ولما كان جواب القسم على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها : لنثوبن الفريقين الأولياء والأعداء ، ولندينن كلّا بما عمل ، دل عليه بأفعاله في الدنيا

٣٧٧

ببعض الجبابرة فيما مضى ، وفيما يفعل بجبابرة من كذب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال بادئا بمن عذب بعذاب الله في القيامة للبداءة في آخر الانشقاق بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم ، معبرا بما يصلح للدعاء والحقيقة تسلية للمؤمنين وتثبيتا لهم بما وقع لأمثالهم ، وتحذيرا مما كان لأشكالهم :( قُتِلَ ) أي لعن بأيسر أمر وأسهله من كل لا عن لعنا لا فلاح معه ، ووقع في الدنيا أنه قتل حقيقة( أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ) أي الخد العظيم ، وهو الشق المستطيل في الأرض كالنهر ، روي أن ملكا من الكفار ـ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان من حمير ـ من ملوك اليمن ، وكان قبل مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبعين سنة ، آمن في زمانه ناس كثير ، فخدّ لهم أخدودا في الأرض وسجره نارا وعرض من آمن عليه ، فمن رجع عن دينه تركه ، ومن ثبت ـ وهم الأغلب ـ قذفه في ذلك الأخدود فأحرقه.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وردت هذه السورة في معرض الالتفات والعدول إلى إخبار نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما تضمنته هذه السورة من قصة أصحاب الأخدود ، وقد تقدم هذا الضرب في سورة المجادلة وسورة النبأ ، وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح ـ انتهى.

ولما ذمهم سبحانه وتعالى ، بين وجه ذمهم ببدل اشتمال من أخدودهم فقال :( النَّارِ ) أي العظيمة التي صنعوها لعذاب أوليائنا ، وزاد في تعظيمها بقوله :( ذاتِ الْوَقُودِ ) أي الشيء الذي نوقد به من كل ما يصلح لذلك من الحطب وغيره ، وعلق ب «قتل» قوله :( إِذْ هُمْ ) أي بظواهرهم وضمائرهم( عَلَيْها ) أي على جوانب أخدودها( قُعُودٌ ) أي يحفظونها ويفعلون مما يأمرهم ملكهم في أمرها من إلقاء الناس وغيره فعل القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها( وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ ) أي خاصة بقوة دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه من الفتنة بالعرض على النار وغيره مكررين ذلك الفعل( بِالْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب عنه( شُهُودٌ ) أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه لم يقصر فيما أمره به ويشهدون يوم القيامة بما تشهد به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا الظلم ، ويشهد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضا ، ويحيل كل على الآخر طمعا في النجاة.

( وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) )

٣٧٨

ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به ، بين أنه إنما هو لسبب يبعد منه ، فقال على طريقة :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

( وَما نَقَمُوا ) أي أنكروا وكرهوا( مِنْهُمْ ) من الحالات وكان دينا لهم ونقصا فيهم( إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا ) أي يجددوا الإيمان مستمرين عليه( بِاللهِ ) أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال.

ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به لأجل الإيمان به ما لا يليق ، نفى ذلك بقوله واصفا له بما يحقق وجوب العبادة له وتفرده بها :( الْعَزِيزِ ) أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء ، فلا يظن إمكانه من أهل ولايته لعجز ، بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم عقاب أعدائهم ويعظم الانتقام منهم( الْحَمِيدِ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال ، فهو يثيب من أصيب فيه أعظم ثواب ، وينتقم ممن آذاه بأشد العذاب ، وقرر ذلك بقوله :( الَّذِي لَهُ ) أي خاصة( مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي على جهة العموم مطلقا ، فكل ما فيهما جدير بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئا.

ولما قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود ، وأن الكافرين شهود على أنفسهم ، زاد في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا يحتاج إلى غيره ، ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال :( وَاللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة( عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي هذا الفعل وغيره( شَهِيدٌ ) أي أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلا ، ولا يكون شيء ولا يبقى إلا بتدبيره ، ومن هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلا ، بل لا بد أن ينتقم لهم من أعدائه ويعليهم بعلائه ، ولذلك قال مستأنفا جوابا لمن يقول : فما فعل بهم؟ مؤكدا لإنكار الكفار ذلك :( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ) أي خالطوا من الأذى بما لا تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان كان ومن أي قوم كانوا( الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) أي ذوي الرسوخ في وصف الإيمان.

ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان ، عبر بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) أي عن ذنوبهم وكفرهم. ولما كان سبحانه لا يعذب أحدا إلا بسبب ، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله :( فَلَهُمْ ) أي خاصة لأجل كفرهم( عَذابُ جَهَنَّمَ ) أي الطبقة التي تلقى داخلها بغاية الكراهة والتجهم ، هذا في الآخرة( وَلَهُمْ ) أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله( عَذابُ الْحَرِيقِ ) أي العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء ، وقد صدق سبحانه قوله هذا فيمن

٣٧٩

كذب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بإهلاكهم شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن كان قبلهم ، فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير ، فدل على أنه يبدىء ويعيد.

ولما ذكر عقاب المعاندين بادئا به لأن المقام له ، أتبعه ثواب العابدين ، فقال مؤكدا لما لأعدائهم من إنكار ذلك :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) تصديقا لإيمانهم وتحقيقا له. ولما كان الله سبحانه من رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم يجعلها سبب سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله :( لَهُمْ ) أي جزاء مقاساتهم لنيران الدنيا من نار الأخدود الحسية التي ذكرت ، ومن نيران الغموم والأحزان المعنوية التي يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي لها مع حفظه للدين كالقابض على الجمر( جَنَّاتٌ ) أي فضلا منه( تَجْرِي ) وقرب منالها بالجار فقال :( مِنْ تَحْتِهَا ) أي تحت غرفها وأسرتها وجميع أماكنها( الْأَنْهارُ ) يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا ويروقهم النظر إليها مع خضرة الجنان والوجوه الحسان الجالبة للسرور الجالية للأحزان.

ولما ذكر هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس ، فذلكه بقوله :( ذلِكَ ) أي الأمر العالي الدرجة العظيم البركة( الْفَوْزُ ) أي الظفر بجميع المطالب لا غيره( الْكَبِيرُ ) كبرا لا تفهمون منه أكثر من ذكره بهذا الوصف على سبيل الإجمال ، وذلك أن من كبره أن هذا الوجود كله يصغر عن أصغر شيء منه.

( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) )

ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة ، قال معللا لفعله ذلك دالا بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر الأفكار دون عليائها ، مؤكدا لما للأعداء من الإنكار :( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ) أي أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة( لَشَدِيدٌ ) أي شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشروط في تسميته ، فهو عنف مضاعف.

ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة ، دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار :( إِنَّهُ ) وزاد التأكيد بمبتدأ آخر ليدل على

٣٨٠