نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 99
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 99 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الاختصاص فقال :( هُوَ ) أي وحده( يُبْدِئُ ) أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد( وَيُعِيدُ ) أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده ، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك ، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة ، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه «أل» المعرفة مثل خير منك ، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول «أل» عليه فأشبه المعرفة ، وقال : ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم ، قال الرضي : وما قاله دعوى بلا حجة ومثل «ومكر أولئك هو يبور» ليس بنص في كونه فصلا لجواز كونه مبتدأ ما بعده خبره ، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى :( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ) [النجم : ٤٣].

ولما ذكر سبحانه بطشه ، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف ، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك ، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها عن كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلا إلا من كان قادرا على كل شيء ، قال مبينا لجميع ذلك دليلا على أنه الفاعل المختار ، ومؤكدا لخروجه عن العوائد :( وَهُوَ ) أي وحده( الْغَفُورُ ) أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلا( الْوَدُودُ ) أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه ودا أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة ، ومادة «ود» تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم ، وزاد الأمر تأكيدا بذكر ما لا ينازع أصلا في اختصاصه به تشريفا له وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات :( ذُو الْعَرْشِ ) أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاص الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة ، الذي به قوام الأمور( الْمَجِيدُ ) أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير العطاء ـ هذا إذا رفع على أنه صفة ل «ذو» وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي.

ولما كان الاختصاص يدل قطعا على كمال القدرة ، أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله :( فَعَّالٌ ) أي على سبيل التكرار والمبالغة( لِما يُرِيدُ ) لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره. ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد ، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفا لقومه وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال :( هَلْ أَتاكَ ) أي يا أعظم خلقنا( حَدِيثُ الْجُنُودِ ) أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسّلام بحيث صار حديثا يتلى ، وذكرا بين الخلق

٣٨١

لعظمته لا يبلى ، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر المعد للقتال والأعوان والمدينة ، والكل ناظر إلى النجدة العظيمة والغلبة الزائدة.

ولما كان المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم من البطش لتكذيب الرسل لا سيما في البعث الذي السياق له ، وكان الواقع من بيانه بآيات موسى وصالح عليهما الصلاة والسّلام أبين مما وقع بآيات غيرهم ممن تقدم زمنه على هذه الأزمنة ، وكانت أمة كل نبي من النبيين وأتباع فرعون تحوي أصنافا من الخلق كثيرة ، حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق كانت ستمائة ألف ، أبدل من «الجنود» إعلاما بأنهم أعداء الله قوله :( فِرْعَوْنَ ) وكذا أتباعه الذين كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة في دعوى الإلهية منه والتصديق منهم وكان هذا من عماوة قلوبهم مع ظهور علامات الربوبية السماوية والأرضية ، والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة والطيش مع رؤية تلك الآيات العظيمة على كثرتها وطول زمنها حتى دخل البحر على أمان من الغرق مع أن خطر الغرق به في تلك الحالة لم يكن يخفى على من له أدنى مسكة من عقله فأغرقه الله ومن معه أجمعين ولم يبق منهم أحدا ، فلعنة الله عليه وعلى من كان معه من أتباعه وأتباعهم الطائفة الاتحادية العربية الفارضية الذين يكفي في ظهور كفرهم تصويبهم فرعون الذي أجمع على كفره جميع الفرق( وَثَمُودَ ) الذين حملتهم الخفة على أن عقروا الناقة بعد رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين أن الذي خرق العادة بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها ، وقد جمع سبحانه بهما بين العرب والعجم والإهلاك بالماء الذي هو حياة كل شيء والصيحة التي هي أمارة الساعة ، وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء ، ومن آيات موسى عليه الصلاة والسّلام إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من الكثبان ، وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة بعد أخرى ، ولا شك عند عاقل أن من قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل له في الحياة فهو على إعادة ما كان قبل ذلك حيا أشد قدرة.

ولما كان التقدير : نعم قد أتاني ذلك وعلمت من خبرهما وغيره أنك قادر على ما تريد ، ولكن الكفار لا يصدقونني ، عطف عليه قوله :( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم وإن كانوا في أدنى رتبة( فِي تَكْذِيبٍ ) أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم فيه وهو شديد محيط بهم لاتباعهم أهواءهم وتقليدهم آباءهم ، فهم لا يقدرون على الخروج من ذلك التكذيب الذي صار ظرفا لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء المهلكين ورؤية بعض آثارهم ، وبعد ما أقمت لهم من الأدلة على البعث

٣٨٢

في هذا القرآن المعجز ، ولم يعتبروا بشيء من ذلك لما عندهم من داء الحسد ، فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل مآلهم.

ولما كان هذا ربما أوهم أن تكذيبهم على غير مراده سبحانه وتعالى ، قال دافعا لذلك مؤكدا قدرته على أخذهم تحذيرا لهم وتسلية لمن كذبوه :( وَاللهُ ) أي والحال أن الملك الذي اختص بالجلال والإكرام( مِنْ وَرائِهِمْ ) أي من كل جهة يوارونها أو تواريهم ، وذلك كل جهة( مُحِيطٌ ) فهو محيط بهم من كل جهة بعلمه وقدرته ، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع ، فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك ، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب.

ولما كان من تكذيبهم ، وهو أعظم تكذيبهم ، طعنهم في أعظم آيات القرآن بأن يقولوا : هو كذب مختلق ، إنما هو أساطير الأولين ، أي أكذوباتهم لا حقائق لما يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه بما له من الإعجاز على أنه حق ، قال معبرا بالضمير إيذانا بأنه لعظمه في كل قلب لا غيبة له أصلا ، ليس لأحد حديث إلا فيه ، بانيا على ما تقديره : ليس الأمر كما يزعم الكفار في القرآن :( بَلْ هُوَ ) أي هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد( قُرْآنٌ ) أي جامع لكل منقبة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف( مَجِيدٌ ) أي شريف كريم ليس فيه شيء من شوائب الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في نظمه ومعانيه المغيبة والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقوله مخلوق ولا هو مخلوق بل هو صفة الخالق بل هو جواد بكل ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت نيته وطهرت طويته ، وعلت همته وكرمت سجيته ، فهو يأبى له مجده أن يلم بساحته طعن بوجه من الوجوه ، ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم بعالم ما شهد ، فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه وأشكاله ، فكذب من قال إنه شعر أو كهانة أو سحر ـ أو غير ذلك من الأباطيل.

ولما وصفه في نفسه مما يأبى له لحاق شيء من شبهة ، وصف محله في الملأ الأعلى إعلاما بأنه لا يطرأ عليه ما يغيره فقال :( فِي لَوْحٍ ) وهو كل صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غيرهما( مَحْفُوظٍ ) أي له الحفظ دائما على أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل إليه إلا الملائكة الكرام ، قال حجة الإسلام الغزاليرحمه‌الله تعالى في كتاب الموت من الإحياء : يعبر عنه تارة باللوح ، وتارة بالكتاب المبين ، وتارة بإمام

٣٨٣

مبين ، فجميع ما جرى في العالم وما سيجري مكتوب فيه كتبا لا يشاهد بهذه العين ، وليس مما نعهده من الألواح ، فلوحه تعالى لا يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه ، ومثاله مثال قلب الإنسان في حفظ القرآن مثلا كلماته وحروفه ، ولو فتش قلبه لم يوجد فيه شيء ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته ـ هذا معنى كلام الإمامرحمه‌الله تعالى ، وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن فحفظه من التغيير والتبديل والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما أن البروج محفوظة في لوح السماء المحفوظ ، بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة الخالق في بيان وصفه لما خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده الله سبحانه في الوجود ، فصح قطعا أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به ، ومن أعظمه أنه سبحانه يحشر الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من كذب أولياءه في الدنيا بمثل ذلك فأخذ أعداءه وأنجى أولياءه ، فرجع الختام منها على المبتدأ ، وتعانق الافتتاح بالمنتهى ، فاقتضى ذلك تنزيه المتكلم به عن أن يترك شيئا فضلا عن الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق ، وإثبات الكمالات له والأكمليات بكل طريق ـ والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وإليه المهرب والمتاب.

٣٨٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الطارق

مكية ـ آياتها سبع عشر

مقصودها بيان مجد القرآن في صدقه في الإخبار بتنعيم أهل الإيمان ، وتعذيب أهل الكفران ، في يوم القيامة حين تبلى السرائر وتكشف المخبات الضمائر عن مثقال الذر وما دون المثقال ، مما دونته الحفظة الكرام في صحائف الأعمال ، بعد استيفاء الآجال ، كما قدر في أزل الآزال ، من غير استعجال ، ولا تأخير عن الوقت المضروب ولا إهمال ، واسمها الطارق أدل ما فيها على هذا الموعود الصادق بتأمل القسم والمقسم عليه حسب ما اتسق الكلام إليه( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الكمال كله( الرَّحْمنِ ) الذي وسع الخلائق فضله وعدله( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وإحسانه وكرمه وفضله.

( وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) )

لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء ، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين المؤالفين ، ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق ، فقال مقسما على ذلك لإنكارهم له :( وَالسَّماءِ ) أي ذات الأنجم الموضوعة لحفظها من المردة لأجل حفظ القرآن المجيد الحافظ لطريق الحق ، قال الملوي : والمراد بها هنا ذات الأفلاك الدائرة لا السماوات العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ودورتهما ثلاثمائة وستين درجة لا تتغير أبدا في هذه الدار بنقص ولا زيادة بنصف درجة ولا دقيقة ولا ثانية ولا ما دون ذلك ، بل كلما زاد أحدهما شيئا نقص من الآخر بحسابه عرف ذلك من العقل والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حفيظ حي لا يموت ، قيوم لا يغفل ولا ينام ـ انتهى.

٣٨٥

ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيها على ما فيها من بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة. أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم بأعربه وهو المعد للحراسة تنبيها على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال :( وَالطَّارِقِ ) أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلا ويخفى نهارا ، ويطرق مسترقي السمع فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل لسالك الطريق ، واختص عرفا بالآتي ليلا لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى طرقها ، ثم استعمل للبادي فيه كالنجم.

ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولا ثم عظم المقسم به بقوله :( وَما أَدْراكَ ) أي عرفك يا أشرف خلقنا عليه الصلاة والسّلام وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه( مَا الطَّارِقُ ) ثم زاده تهويلا بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى :( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) أي المتوهج العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه ، يقال : أثقب نارك للموقد ، أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه ، أو يثقب الشيطان بناره إذا استرق السمع ، والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل ، عبر عنه أولا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيما لشأنه لعلو مكانه.

ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان ، ذكر جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور ، ودل على حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به؟ فقال مؤكدا غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه( إِنْ ) بالتخفيف من الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن( كُلُّ نَفْسٍ ) أي من الأنفس مطلقا لا سيما نفوس الناس( لَمَّا عَلَيْها ) أي بخصوصها لا مشارك لها في ذاتها( حافِظٌ ) أي رقيب عتيد لا يفارقها ، والمراد به الجنس من الملائكة ، فبعضهم لحفظها من الآفات ، وبعضهم لحفظها من الوساوس ، وبعضهم لحفظ أعمالها وإحصائها بالكتابة ، وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشقاوة أو سعادة ومشي؟ ونكاح وسفر وإقامة ، فلا يتعدى شيئا من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا ، فإن قلت : إن الحافظ الملائكة ، صدقت ، وإن قلت : إنه الله ، صدقت ، لأنه الآمر لهم والمقدر على الحفظ ، والحافظ لهم من الوهن والزيغ ، فهو الحافظ الحقيقي ، واللام في هذه القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافية «وما» مؤكدة بنفي صدر ما أثبتته الجملة ، «وحافظ» خبر «إن» ويجوز أن يكون الظرف الخبر ، و «حافظ» مرتفع به ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد «لما» على أنها بمعنى «إلا» و «إن» نافية بمعنى

٣٨٦

«ما» ، والمستثنى منه «كل نفس» وخبر النافية محذوف تقديره : كائنة أو موجودة أو نحوهما ، والمستثنى «نفس» موصوفة ب «عليها حافظ» ويحتمل أن يكون حالا فمحله يحتمل الرفع بأنه خبر النافي في هذا الاستثناء المفرغ عند بني نميم ، والنصب بأنه خبر عند غيرهم ، أو حال من «نفس» ، لأنها عامة ، والتقدير : ما كل نفس موجودة إلا نفس كائنا أو كائن عليها حافظ ، والنسبة بين مفهومي القراءتين أن المشدد أخص لأنها دائمة مطلقة ، والمخففة مطلقة عامة ، ولا يظن أن المشددة غير مساوية للمخففة ، فضلا عن أن تكون أخص لأن حرف النفي دخل على «كل» وهو من أسوار السلب الجزئي كما تقرر في موضعه فينحل إلى أن بعض النفوس ليس إلا عليها حافظ وإنما كان لا يظن ذلك لأنها تنحل لما فيها من الحصر المتضمن للنفي والإثبات إلى جملتين ، إحداهما إثبات الحفظ للنفس الموصوفة والأخرى سلب نقيضه عنها ، لأنه من قصر الموصوف على الصفة. ونقيض الكلية الموجبة الجزئية السالبة أي ليس كل نفس عليها حافظ والسالبة الجزئية أعم من السالبة الكلية ، فإذا نفيتها قلت : ليس ليس كل نفس عليها حافظ فهو سلب السلب الجزئي ، وإذا سلب السلب الجزئي سلب الكلي لما تبين أنه أخف. وإذا انتفى الأعم انتفى الأخص فلا شيء من الأنفس ليس عليها حافظ ، فانحل الكلام إلى : لا نفس كائنة إلا نفس عليها حافظ ، وإن كان لفظ «ليس كل» من أسوار الجزئية لما مضى ، فصارت الآية على قراءة التشديد مركبة من مطلقة عامة هي «كل نفس عليها حافظ» بالفعل. ومن سلب نقيضها وهو الدائمة المطلقة الذي هو «دائما ليس كل نفس عليها حافظ» ورفعه بأن يقال : ليس دائما ليس كل نفس عليها حافظ ، أي ليس دائما كل نفس ليس عليها حافظ ، وذلك على سبيل الحصر وقصر الموصوف على الصفة ، معناه أن الموصوف لا يتعدى صفته التي قصر عليها ، فأقل الأمور أن لا يتجاوزها إلى عدم الحفظ ، وذلك معنى الدائمة المطلقة وهو الحكم بثبوت المحمول للموضوع ما دام ذات الموضوع موجودة ، وهي على قراءة التخفيف مطلقة عامة أي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل وهو الجزء الأول مما انحلت إليه قراءة التشديد ، فمفهوم الآية في قراءة التشديد أخص منه في قراءة التخفيف ، لأن كل دائم كائن بالفعل ، ولا ينعكس ـ هذا إذا نظرنا إلى نفس المفهوم من اللفظ مع قطع النظر عن الدلالة الخارجية ، وأما بالنظر إلى نفس الأمر فالجهة الدوام فلا فرق ، غير أنه دل عليها باللفظ في قراءة التشديد دون قراءة التخفيف والله تعالى أعلم.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبيررحمه‌الله تعالى : لما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البروج( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [البروج : ٩]( وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ )

٣٨٧

[البروج : ٢٠] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب ، أردف ذلك بتفصيل يزيد إيضاح ذلك التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء وإحاطته به فقال تعالى( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) [الطارق : ٤] فأعلم الله سبحانه وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها «ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد» ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع ، وهو سبحانه وتعالى الغني عن كتب الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم ، وإنما كان ذلك لإظهار عدله سبحانه وتعالى( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) [النساء : ٤٠] ولا أقل من المثقال ، ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق ، وأقسم سبحانه وتعالى على ذلك تحقيقا وتأكيدا يناسب القصد المذكور ـ انتهى.

ولما كان التقدير : لأنه لا بد له من العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر والبرهان ومحاسبته له على ما كان ، كان التقدير : يحفظ أعمالها ويكتبها ليحاسبها الملك على ذلك ، فتسبب عنه قوله تعالى :( فَلْيَنْظُرِ ) أي بالبصيرة( الْإِنْسانُ ) أي الآنس بنفسه الناظر في عطفه إن كان يسلك في ذلك( مِمَ ) أي من أي شيء ، وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله :( خُلِقَ ) إعلاما بأن الدال هو مطلق الخلق ، وتنبيها على تعظيم الفاعل بأن العلم به غير محتاج إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره ، وأمر الإنسان بهذا النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده ، فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة قطعا ، فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي على حافظيه إلا ما يرضي الله تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت حسابه.

ولما نبه بالاستفهام على أن هذا أمر مهم جدا ينبغي لكل أحد أن يترك جميع مهماته ويتفرغ للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة ، وكان الإنسان ـ مع كونه ضعيفا عاجزا ـ لا ينفك عن شاغل ومفتر ، فلا يكاد يصح له نظر ، تولى سبحانه وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله :( خُلِقَ ) أي الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسّلام من تراب ، وأمه حواء عليهاالسّلام من ضلعه( مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) أي هو ـ لقوة دفق الطبيعة له ـ كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي ، والدفق لصاحبه ، أو هو مثل «لابن» أي ذي دفق ، والدفق صب فيه دفع ، ولم يقل : ماءين ـ إشارة إلي أنهما يجتمعان في الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماء واحدا.

ولما كان المراد به ماء الرجل وماء المرأة قال :( يَخْرُجُ ) وبعض بإثبات الجار

٣٨٨

فأفهم الخروج عن مقره بقوله :( مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ ) أي صلب الرجل وهو عظم مجتمع من عظام مفلكة أحكم ربطها غاية الإحكام من لدن الكاهل إلى عجب الذنب( وَالتَّرائِبِ ) أي ترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة ، وصوبه ابن جرير ، أو ما ولي الترقوتين منه ، أو ما بين الثديين والترقوتين أو أربعة أضلاع من يمنة الصدر ، وأربعة من يسرته ، أو اليدان والرجلان والعينان ، وعلى كل تقدير شهوتها من أمامها وشهوة الرجل فيما غاب عنه من ورائه ، ولو نزع الخافض لأفهم أن الماء يملأ البين المذكور ولم يفهم أنه يخرج عن صاحبي البين ، قال البيضاوي : ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند الأنثيين ، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها ، ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب ، وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر. وقال الملوي : فالذي أخرجه من ظروف عظام الصلب والترائب إلى أن صيره في محله من الأنثيين إلى أن دفق واعتنى بعد ذلك بنقله من خلق إلى خلق بعد كل أربعين يوما إلى أن صيره إنسانا يعقل ويتكلم ويبني القصور ، ويهدم الصخور ، قادر على بعثه.

ولما علم بالحفظ والخلق في الأطوار المشار إليها أنه خلق لأمر عظيم وهو الحساب ، وثبت بالقدرة على ابتدائه من هذا الماء وبتطويره في الحالات المشار إليها بذكر الماء ، المعلومة لكل أحد القدرة على الإعادة بلا فرق إلا كون الإعادة على ما نعرف أسهل ، وكان العرب ينكرونها ، قال مؤكدا استئنافا لمن يقول : قد نظرت في ذلك فمه :( إِنَّهُ ) أي خالقه القادر على ما ذكر من شؤونه المدلول على عظمه ببناء «خلق» للمفعول( عَلى رَجْعِهِ ) أي رجع الإنسان بالبعث ورده إلى حالته الأولى وخلقه الأول كما كان قبل الموت وعلى رد هذا الماء الدافق إلى مجاريه التي خرج منها وحله إلى المائية بعد انعقاده عظما ولحما ودما( لَقادِرٌ ) أي لثابتة قدرته على ذلك أتم ثبات ، فمن أيسر ما يكون عنده سبحانه وتعالى رده بعد شيخوخته على عقبه بأن يجعله كهلا ثم شابا ثم طفلا ثم مضغة ثم علقة ثم نطفة ثم يدفعه إلى ذكر الرجل ورحم المرأة ثم إلى صلبه وترائبها وهو أهون عليه ، وذلك كقدرته على رده بالبعث ، وعبر ب «أنه» ولم يقل : إن الله ـ مثلا لأنه أقعد لأنه يقال لكل إنسان : من أخرجك على هذه الهيئة فصيرك على هذه الصفة؟ فإذا قال : القادر على كل شيء بقدرته الكاملة ، قيل له : وبتلك القدرة بعينها يعيدك ، ولو سمى له اسم غير الضمير لكان ربما قال : ليس هو خالقي.

٣٨٩

( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) )

ولما كان هذا يحرك السامع غاية التحريك لأن يقول : متى تكون رجعه له؟ قال مجيبا له :( يَوْمَ تُبْلَى ) وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة إلى أن من الأمر البين غاية البيان أن الذي يبلوها هو الذي يرجعها ، وهو الله سبحانه وتعالى من غير احتياج إلى ذكره( السَّرائِرُ ) أي كل ما انطوت عليه الصدور من العقائد والنيات ، وأخفته الجوارح من الإخلال بالوضوء والغسل ونحو ذلك من جميع الجنايات ، بأن تخالط السرائر في ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة ، من الأمور الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي عليه فتعود جهرا بعد أن كانت سرا ، فيميز طيبها من خبيثها ويجازى عليه صاحبه.

ولما كان المانع من جزائه عند إظهار سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره ، قال مسببا عن إظهار ما يجتهد في إخفائه :( فَما لَهُ ) أي الإنسان الذي أخرجت سرائره ، وأعرق في التعميم والنفي فقال :( مِنْ قُوَّةٍ ) أي يمنع بها نفسه من الجزاء( وَلا ناصِرٍ ) أي ينصره فيمنعه من نفوذ الحكم فيه. وليس الدفع إلا بهذين الأمرين : قوة قائمة به أو قوة خارجة عنه.

ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من البلاغة في إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من بحور العلوم ، فثبت أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى ، فثبت أن كل ما فيه حق مع منازعتهم في ذلك كله ، اقتضى الحال الإقسام على حقيته فقال :( وَالسَّماءِ ) أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يؤكد العلم بالبعث الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه مدار السعادة فقال :( ذاتِ الرَّجْعِ ) التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي ابتدأت الدوران منه فترجع الأحوال التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر ، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك والنبات بعد تهشمه وصيرورته ترابا مختلطا بتراب الأرض وترجع الماء على قول من يقول : إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم يرده إلى الأرض ـ وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعا على أن فاعل ذلك قادر على إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلا.

ولما ذكر الأمر العلوي بادئا به لشرفه ، أتبعه السفلي فقال تعالى :( وَالْأَرْضِ ) أي

٣٩٠

مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعانوه كل وقت وملامسوه( ذاتِ الصَّدْعِ ) أي التي تتصدع وتنشق فيخرج منها النبات والعيون بدءا وإعادة دلالة ظاهرة على البعث ، فجمع بالقسم العالم العلوي الذي هو كالرجل والسفلي الذي هو كالمرأة ، فكما أن الرجل يسقيها من مائه فتصدع عن الولد ، فكذلك السماء تسقي الأرض فتتصدع عن النبات وكما أنها تتصدع عن النبات بعد فنائه وصيرورته رفاتا فيعود كما كان فكذلك تتصدع عن الناس بعد فنائهم فيعودون كما كانوا بإذن ربها من غير فرق أصلا.

ولما كانت هذه كلها براهين قاطعة ودلائل باهرة ساطعة على حقية القرآن وإتيانه بأعلى البيان ، فكان من المستبعد جدا طعنهم في القرآن بعد هذا البيان ، قال تعالى منبها على ذلك بالتأكيد معبرا بالضمير إشارة لما مضى إلى أنه المحدث عنه الآن ، فهو الثابت في جميع الأذهان لا غيبة له عن شيء منها أصلا( إِنَّهُ ) أي القرآن الذي أخبر بهذه الإخبارات التي هي في غاية الوضوح وتقدم أنه مجيد وفي لوح محفوظ ، وأن الكفرة في تكذيب به ولا سيما ما تضمن منه الإخبار بالبعث :( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) أي جدا يراد به فصل الأمور ، وله من العراقة في الفرق بين الحق والباطل ما صار به يطلق عليه نفس الفصل ، ثم أكد الأمر لشدة إنكارهم وجحدهم وتغطيتهم الحق بالباطل فقال :( وَما هُوَ ) أي القرآن في باطنه ولا ظاهره( بِالْهَزْلِ ) أي بالضعيف المرذول الذي لا طائل تحته ، فمن حقه ما هو عليه الآن من كونه مهيبا في القلوب معظما في الصدور يرتفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل ويعلم به في أعين العامة والخاصة.

ولما كان ثبات هذا على هذا الوجه مقتضيا ولا بد رجوعهم عن العناد ، فكان ذلك محركا للسامع إلى تعرف ما كان من أمرهم ، استأنف قوله دلالة على بقائهم على الإنكار وأكده تنبيها على أن بقاءهم على العناد ـ مع هذا مستبعد جدا( إِنَّهُمْ ) أي الكفار( يَكِيدُونَ ) أي بما يعملون في أمره من الحيل( كَيْداً ) في إبطاله وإطفاء نوره بإثباتك أو إخراجك أو قتلك أو تنفير الناس عنك والحال أنه لا قوة لهم أصلا على ذلك ولا ناصر لهم بوجه من الوجوه وسمي جزاؤه لهم سبحانه كيدا مشاكلة ، ولأنه خفي عنهم ومكروه إليهم فهو على صورة الكيد فقال :( وَأَكِيدُ ) أي أنا بإتمام اقتداري( كَيْداً ) باستدراجي لهم إلى توغلهم فيما يغضبني ليكمل ما يوجب أخذي لهم من حيث لا يشعرون.

ولما كان هذا معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم ، قال مسببا عنه تهديدا لهم يا له من تهديد ما أصعبه :( فَمَهِّلِ ) أي تمهيلا عظيما بالتدريج. ولما كان في المكذبين في علم الله من يؤمن فليس مستحقا لإيقاع مثل هذا التهديد ، عبر بالوصف المقتضي للرسوخ

٣٩١

فقال :( الْكافِرِينَ ) أي فلا تدع عليهم ولا تستعجل لهم بالإهلاك ، فإنا لا نعجل لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، حكي أن الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص ، فكان يتلون بتلون الأوقات ، فوقت الحر جهنم ، ووقت البرد زمهرير ، فمر به يوما فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم وقال : اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، فأخذت الأرض قوائم جواده فرفع طرفه إلى السماء وقال : سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت ، وانطلق من وقته ، فإن العجلة ـ وهي ـ إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به ـ نقص فإنه لا يعجل إلا من يكون ما يفعل المستعجل عليه خارجا عن قبضته.

ولما كانت صيغة التفعيل ربما أفهمت التطويل ، أكد ذلك مجردا للفعل دلالة على أن المراد بالأول إيقاع الإمهال مع أن زمنه قصير بالتدريج ليطمئن الممهل بذلك وتصير له به قوة عظيمة ودرته؟ وعزيمة صادقة لأن ما يقولونه مما تشتد كراهة النفوس له ، فلا يقدر أحد على الإعراض عنه إلا بمعونة عظيمة :( أَمْهِلْهُمْ ) أي بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد التدريج لما صار لك على حمله من القوة بالتدريج ـ الذي أمرت به سابقا( رُوَيْداً ) أي إمهالا يسيرا فستكون عن قريب لهم أمور ، وأي أمور تشفي الصدور ، وهو تصغير «اروادا» تصغير ترخيم ، قال ابن برجان : وهي كلمة تعطي الرفق ، وهذا الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلّا منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحواله ، فإن ذلك مستلزم لأنه في القبضة ، فقد التقى الطرفان على أعظم شأن بأبين برهان ، ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ثم تولى نكالهم وتحقيرهم وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثير منهم بالموت حتف الأنف إلى النار ، وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام ، وصاروا من الأكابر الأعلام ، تشريفا وتكريما وتعظيما لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسّلام ـ والله تعالى هو أعلم بالصواب.

٣٩٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأعلى

مكية ـ آياتها تسع عشر

وتسمى سبح

قال الملوي : وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبها لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم والخيرات ـ مقصودها إيجاب التنزيه للأعلى سبحانه وتعالى عن أن يلحق ساحة عظمته شيء من شوائب النقص كاستعجال في أمر من إهلاك الكافرين أو غيره أو العجز عن البعث أو إهمال الخلق سدى يبغي بعضهم على بعض بغير حساب ، أو أن يتكلم بما لا يطابق الواقع أو بما يقدر أحد أن يتكلم بمثله كما أذنت بذلك الطارق مجملا وشرحته هذه مفصلا ، وعلى ذلك دل كل من اسميها سبح والأعلى( بِسْمِ اللهِ ) الذي له العلي كله فلا نقص يلحقه( الرَّحْمنِ ) الذي عم جوده ، فكل موجود هو الذي أوجده وكل حيوان هو الذي يربيه ويرزقه( الرَّحِيمِ ) الذي من كان من حزبه فإنه يلزمه الطاعة وييسرها له ويوفقه.

( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) )

لما تضمن أمره سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي هو منزه عنه لكونه نقصا ، وأشار نفي الهزل عن القرآن ـ إلى أنهم وصموه بذلك وهو في غاية البعد عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه الأقدس سبحانه عنه ، أمر أكمل خلقه رسوله المنزل عليه هذا القرآنصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتنزيه اسمه لأنه وحده العالم بذلك حق علمه ، وإذا نزه اسمه عن أن يدعو به وثنا أو غيره أو يضعه في غير ما يليق به ، كان لذاته سبحانه أشد تنزيها ، فقال مرغبا في الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي المستحيلات لأن التخلي قبل التحلي ، شارحا لأصول الدين مقدما للإلهيات التي هي النهايات من الذات ثم الصفات لا سيما القيومية ثم الأفعال على النبوات ، ثم أتبع ذلك النبوة ليعرف العبد ربه على ما هو عليه من الجلال والجمال ، فيزول عنه داء الجهل الموقع في التقليد ، وداء الكبر الموقع في إنكار الحقوق ، فيعترف بالعبودية والربوبية ، لا

٣٩٣

مثنيا عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيما لقدره :( سَبِّحِ ) أي نزه وبرىء تنزيها وتبرئة عظيمتين جدا قويتين شديدتين( اسْمَ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال.

ولما كان الإنسان محتاجا في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ثلاثة أشياء : كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته ، ويدفع عنه عند ضروراته ، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته ، وطريقة مثلى ترتكبها كما أشار إليه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «رضيت بالله ربا وبمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم نبيا ورسولا وبالإسلام دينا» أرشدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه ، فقال واصفا لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه «سبحانك وبحمدك» :( الْأَعْلَى ) أي الذي له وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره مع زعم أنهما فيه سواء ، وذكره خاليا عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخا في التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح ، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى معبرا عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعابا لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها ، فابتدأ سورة الإسراء التي هي سورة الإحسان ب «سبحن» المصدر الصالح لجميع معانيه إعلاما بأن هذا المعنى ثابت له مطلقا غير مقيد بشيء من زمان أو غيره ، ثم ثنى بالماضي في أول الحديد والحشر والصف تصريحا بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل الآزال إلى وقت الإنزال ، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد ، فلما تم ذلك من جميع وجوهه توجه الأمر فخصت به سورته ، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا.

ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي هو سبب الانكشاف والظهور ، مع أنه تفصيل لقوله «مم خلق» وهو أدل شيء على البعث المذكور «في يوم تبلى السرائر» قال مبينا للفاعل الذي أبهمه لوضوحه في «مم خلق» مرغبا في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في الذكر الذي هو المهيىء للفكر :( الَّذِي خَلَقَ ) أي أوجد من العدم أي له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء( فَسَوَّى ) أي أوقع مع الإيجاد وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه ، وعدل بين

٣٩٤

الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار والتراب بعد أن قهرها على الجمع مع التضاد لئلا تتفاسد ، وذلك بالعلم التام والقدرة الكاملة دلالة على تمام حكمته وفعله بالاختيار.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه وتعالى مخبرا عن عمه الكفار في ظلام حيرتهم( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ) [الطارق : ١٥] وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفاسهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه ، أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وافك افترائهم ، فقال( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) [الأعلى : ١] أي نزهه عن قبيح مقالهم ، وقدم التنبيه على التنزيه في أمثال هذا ونظائره ووقوع ذلك أثناء السور فيما بين سورة وأخرى ، وأتبع سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعليّ حكمته بما يبين ضلالهم فقال( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) [الأعلى : ٢ ـ ٣] فتبارك الله أحسن الخالقين ، وتنزه عما يتقوله المفترون ـ انتهى.

ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوتة مع الهداية إلى ما وقع الخلق له على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي التسوية ، وهو من خواص الملك الذي لا يكون إلا مع الكمال ، أتبعه به بالواو دلالة على تمكن الأوصاف فقال :( وَالَّذِي قَدَّرَ ) أي أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها ، وغير ذلك من أحوالها ، فجعل البطش لليد والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ذلك( فَهَدى ) أي أوقع بسبب تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من أجله من الشكل والجواهر والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعا أو اختيارا بخلق الميول والإلهامات ، ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب الخيور ، فترى الطفل أول ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة ، وغيره من سائر الحيوانات يهتدي إلى ما ينفعه من سائر الانتفاعات ، فالخلق لا بد له من التسوية ليحصل الاعتدال ، والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال.

ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق ، ونبه بآيات النفس ، فلم يبق إلا آيات الآفاق ، وكان النبات من آياتها أدل المخلوقات على البعث قال :( وَالَّذِي أَخْرَجَ ) أي أوقع إخراج( الْمَرْعى ) بما أنزل من المعصرات فأنبت ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءا وإعادة ، فدل ذلك على تمام قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع الأموات من الأرض بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان تفتت في الأرض وصار ترابا وإخراجه كما كان في العام الماضي بإذنه سبحانه وتعالى وهو خلق من مخلوقاته.

٣٩٥

ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في غاية الدلالة على تمام القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات الواحدة قال تعالى :( فَجَعَلَهُ ) أي بعد أطوار من زمن إخراجه( غُثاءً ) أي كثيرا ، ثم أنهاه فأيبسه وهشمه ومزقه فجمع السيل بعضه إلى بعض فجعله زبدا وهالكا وباليا وفتاتا على وجه الأرض( أَحْوى ) أي في غاية الري حتى صار أسود يضرب إلى خضرة ، أو أحمر يضرب إلى سواد ، أو اشتدت خضرته فصارت تضرب إلى سواد ، وقال القزازرحمه‌الله في ديوانه : الحوة شية من شيات الخيل ، وهي بين الدهمة والكمتة ، وكثر هذا حتى سموا كل أسود أحوى ـ انتهى. فيجوز أن يريد حينئذ أنه أسود من شدة يبسه فحوته الرياح وجمعته من كل أوب حيت تفتت ، فكل من الكلمتين فيها حياة وموت ، وأخر الثانية لتحملهما لأن دلالتها على الخضرة أتم ، فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها ، فدل جمعه بين الأضداد على الذات الواحدة على كمال الاختيار ، وأما الطبائع فليس لها من التأثير الذي أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار متى أصابت شيئا أحرقته ، ولا تقدر بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي أثرتها فيه ، وأشار بالبداية والنهاية إلى تذكر ذلك ، وأنه على سبيل التكرار في كل عام الدال على بعث الخلائق ، وخص المرعى لأنه أدل على البعث لأنه مما لا ينبته الناس ، وإذا انتهى تهشم وتفتت وصار ترابا ، ثم يعيده سبحانه بالماء على ما كان عليه سواء كما يفعل بالأموات سواء ـ من غير فرق أصلا.

ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتسبيحه بما دل على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله ، وشرح ما له سبحانه من القدرة التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر والطي والقبض والبسط ، فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق ، أتبعه ما للخلائق وبدأ بما لأشرف خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديرا للنبوة التي بها تتم السعادة بالحقائق الواصلة من الحق إلى عبده ، التي بها يتم أمره من القوتين العلمية ثم العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد ، لأن حياة الإنسان لا يتم طيبها إلا بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر أحواله ، ولا مقتدي مثل المعصوم عن كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف حاله ، والحب في الله أعظم دعائم الدين ، فقال معللا للأمر بالتسبيح للموصوف بالجلال والجمال دالا على أنه يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ميت الأشباح بالأرواح( سَنُقْرِئُكَ ) أي نجعلك بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على سبيل التكرار بالتجديد والاستمرار قارئا ، أي جامعا لهذا الذكر الذي هو حياة الأرواح بمنزلة حياة الأشباح ، الذي تقدم أنه قول فصل ، عالما به

٣٩٦

كل علم ، ناشرا له في كل حي ، فارقا به بين كل ملتبس ، وإن كنت أميّا لا تحسن الكتابة ولا القراءة ، ولذلك سبب عنه قوله :( فَلا تَنْسى ) أي شيئا منه ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان : كونك تقرأ وأنت أمي ، وكونك تخبر عن المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل لتعجل به ولا تتعب نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به.

( إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) )

ولما كان سبحانه وتعالى ينسخ من الشريعة ما يشاء بحسب المصالح تخفيفا لما له بهذه الأمة من الرفق ، قال لافتا القول إلى سياق الغيبة إعلاما بأن ذكر الجلالة أعظم من التصريح بأداة العظمة :( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، أن تنساه لأنه نسخه ، أو لتظهر عظمته في أن أعظم الخلق يغلبه القرآن لأنه صفة الله فتنسى الآية أو الكلمة ثم تذكرها تارة بتذكير أحد من آحاد أمتك وتارة بغير ذلك.

ولما كان الفاعل لهذه الأمور كلها لا سيما الإقراء والحكم على ما يقرأ بأنه لا ينسى إلا ما شاء منه إلّا يكون لا محيط العلم ، قال تعالى مصرحا بذلك مؤكدا لأجل إنكار أهل القصور في النظر لمثله جاريا على أسلوب الغيبة معبرا بالضمير إشارة إلى تعاليه في العظمة إلى حيث تنقطع أماني الخلق عن إدراكه بما كثر من أفعاله :( إِنَّهُ ) أي الذي مهما شاء كان( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [النحل : ٤٠].

ولما كان المراد بيان إحاطة علمه سبحانه وتعالى ، وأن نسبة الجلي والخفي من جهره بالقرآن وترديده على قلبه سرا وغير ذلك إليه على حد سواء ، وكان السياق للجلي ، ذكرهما مصرحا بكل منهما مقدما الجلي لأن هذا مقامه ، وذكره بوصفه معبرا عنه بالاسم الدال على إحاطة علمه به فقال :( يَعْلَمُ الْجَهْرَ ) أي ثابت له هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار في الإقراء والقراءة وغيرهما. ولما ذكره باسمه ليدل على أنه يعلمه مطلقا لا بقيد كونه جهرا ، قال مصرحا بذلك :( وَما يَخْفى ) أي يتجدد خفاؤه من القراءة وغيرها على أي حالة كان الإخفاء ، فيدل على علمه به إذا جهر به بطريق الأولى.

ولما ذكر الإلهيات والنبوة وأشير إلى النسخ ، أشار إلى أن الدين المشروع له هو الحنيفية السمحة ، وأنه سبحانه وتعالى لا يقيمه في شيء بنسخ أو غيره إلا كان هو الأيسر له والأرفق ، لأن الرفق والعنف يتغيران بحسب الزمان ، فقال مبينا للقوة العملية

٣٩٧

أثر بيانه للعلمية :( وَنُيَسِّرُكَ ) أي نجعلك أنت مهيا مسهلا ملينا موفقا( لِلْيُسْرى ) أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة ـ كما أشار إليه قوله : «كل ميسر لما خلق له»(١) ولهذا لم يقل : ونيسر لك ، لأنه هو مطبوع على حبها.

ولما كملهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية التيسير ، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلا لغيره شفقة على خلق الله بعد لما له في نفسه فإن لله ساعات له فيها نفحات تقضى فيها الحاجات ، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ يحتاج إلى إذن المشايخ وتزكيتهم ، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى :( فَذَكِّرْ ) أي بهذا الذكر الحكيم ، وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكليّ فقال :( إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف ـ بما أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك ، ولا شك أن الإنسان لعدم علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده ، ولهذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يزال يدعو إلى الله تعالى وإن اشتد الأمر ، ولا يحقر أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه ، والأمر بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ذلك.

ولما أمره بالتذكير لكل أحد ، قسم الناس له إلى قسمين : قسم يقبل العلاج ، وقسم لا يقبله ، إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين جملة وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك ، ولكنه لم يعين ابتلاء منه لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة ، فقال حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما :( سَيَذَّكَّرُ ) أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير ـ بما أشار إليه الإدغام( مَنْ يَخْشى ) أي في جبلته نوع خشية ، وهو السعيد لما قدر له في نفسه من السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ ، فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى ، دائما بلا آخر وانتهاء.

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٥٩٦ و ٧٥٥١ ومسلم ٢٦٤٩ وأبو داود ٤٧٠٩ والطبراني في الكبير ١٨ / ٢٦٦ وابن حبان ٣٣٣ وأبو نعيم في الحلية ٦ / ٢٩٤ وأحمد ٤ / ٤٣١ من حديث عمران بن حصين.

٣٩٨

( وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) )

ولما ذكر من يحب حبه في الله ذكر من يبغض في الله ، وعلامة الحب الاقتداء ، وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء ، فقال :( وَيَتَجَنَّبُهَا ) أي يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء تذكيره بها من أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق. ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على العوج شديد العتو قال :( الْأَشْقَى ) أي الذي له هذا الوصف على الإطلاق لأنه خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس ، كما أن من آمن به أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسّلام.

ولما ذكر وصفه الذي أوجب له العمل السيىء ، ذكر جزاءه فقال :( الَّذِي يَصْلَى ) أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسيا( النَّارَ الْكُبْرى ) أي التي هي أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى ، بل هو كالجلمود الأقسى لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند ، أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءا ، فلهذا استحقت أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق ، والآية من الاحتباك : ذكر الثمرة في الأول وهي الخشية دليلا على حذف ضدها من الثاني ، وهي القسوة الناشئة على الحكم بالشقاوة ، وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلا على حذف ضده في الأول وهو السعادة ، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة ، والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب ، وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنها ، وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولا حثا عليه ، ومآل الشقاوة ثانيا تحذيرا منه ، قال الملوي : ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب وبداعة الترتيب وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار ، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني على الأول ، فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر ، ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء ، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة ، ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولا موضع البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق منها ، فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة ، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجادا وتأثيرا ، فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقدارا من الماء معينا إذا نزلت إلى الماء أخذته ، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف

٣٩٩

الماء من جداوله إلى ما صنع له كان ذلك قدرا فهو النهاية ، فمتى ذكر واحد من الثلاثة : الحكم والقضاء والقدر ، دل على الآخر.

ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت ، فإذا كان من شأنه مع هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلا واضحا على أنه لا يعلم كنه عظمة مقدره إلا هو سبحانه وتعالى فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة التراخي إعلاما بأن مراتب هذه الشدة في التردد بين الموت والحياة لا يعلم علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال :( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ) أي لا يتجدد له في هذه النار موت وإن طال المدى. ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في موته قد يكون ذلك إكراما له من باب خرق العوائد ، احترز عنه بقوله :( وَلا يَحْيى ) أي حياة تنفعه لأنه ما تزكى فلا صدق ولا صلى.

ولما ثبت بهذا أن لهذا هذا الشقاء الأعظم ، فكان التقدير : لأنه لم يزك نفسه لأنه ما كان مطبوعا على الخشية ، أنتج ولا بد قوله تعالى دالا على الدين التكليفي وهو اجتناب واجتلاب ، فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية بالتبتل بالأبواب والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي بالمجاهدات المقربات إليه سبحانه وتعالى ، المنجيات بعد ما حذر من المهلكات ، للمسارعة في محابه ومراضيه اجتماعا على العبادة الموصلة للخالق بعد حصول الكمال والتكميل فإنه لا بد في الحياة الطيبة بعد الانتماء إلى ذي الجاه العريض والاقتداء بمن لا يزيغ من الارتباط بطريقة مثلى يحصل بها الاغتباط ليصل بها إلى المقصود ويعمّر أوقاته بوظائفها لئلا يحصل له خلل ولا ضياع لنفائس الأوقات ولا غفلة يستهويه بها قطاع الطريق :( قَدْ أَفْلَحَ ) أي فاز بكل مراد( مَنْ تَزَكَّى ) أي أعمل نفسه في تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق والأقوال والأفعال والأموال وتنمية أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها ، وذلك هو التسبيح الذي أمر به أول السورة وما تأثر عنه ، من عمل هذا فهو الأسعد.

ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى :( وَذَكَرَ ) أي بالقلب واللسان ذكر وذكر ـ بالكسر والضم( اسْمَ رَبِّهِ ) أي صفات المحسن إليه فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها ، وإذا ذكر ذلك اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى( فَصَلَّى ) أي الصلاة الشرعية لأنها أعظم الذكر ، فهي أعظم عبادات البدن كما أن الزكاة أعظم عبادات المال ، ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه من النقائص الموجبة لسوء الانقلاب ، وكان متخلقا بما ذكر من أخلاق الله في أول السورة من التخلي عن النقائص بالتزكية ، والتحلي بالكمالات بالذكر والصلاة لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر

٤٠٠