نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 74
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 74 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

اسمه فلا يشقى فلا يصلى النار الكبرى بوعد لا خلف فيه ـ فالآية من الاحتباك في الاحتباك : ذكر أولا الصلى دليلا على حذف ضده ثانيا ، وثانيا التزكية دليلا على حذف ضدها أولا ، وقد تكفل ذكر التزكية والذكر ، والصلاة من أسباب التداوي بالإنضاج ثم الأشربة ثم الأغذية ، والآية صالحة لإرادة زكاة الفطر وتكبيرات العيد وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة ، لأن العبرة بعموم اللفظ لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بالماضي والحال والاستقبال على حد سواء ؛ قال الرازي في اللوامع : وتقدم زكاة الفطر على صلاة العيد ، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول : رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ـ ثم يقرأ هذه الآية ، وإن كانت السورة مكية ، فإنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال تعالى :( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) [البلد : ٢] والسورة مكية ، وظهر أثر الحل يوم الفتح ـ انتهى ، وأخذه من البغوي ، وزاد البغوي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأمر نافعا رضي الله عنه بنحو ما قال ابن مسعود رضي الله عنه ، ويقول : إنما نزلت هذه الآية في هذا. وروى البزار : «عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية »(١) وفي السند كثير بن عبد الله ـ حسّن له الترمذي وضعفه غيره ـ والله أعلم.

ولما كان التقدير : وأنتم لا تفعلون ذلك ، أو وهم لا يفعلونه ـ على القراءتين ، عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة على الالتفات الدال على تناهي الغضب ، منبها على المعاملات بسبب التداوي الرابع وهو الاستفراغ بنفي الرذائل والخبائث بالذم على ما ينبغي البراءة منه والحث على ما يتعين تحصيله تحصيلا لحسن الرعاية :( بَلْ تُؤْثِرُونَ ) أي تختارون وتخصون بذلك على وجه الاستبداد ، أيها الأشقياء ، وبالغيب على الأصل عند أبي عمرو( الْحَياةَ الدُّنْيا ) أي الدنية بالفناء الحاضرة ، مع أنها شر وفانية ، اشتغالا بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات ، فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم عن ذكر اسم الله المنهي إلى ذكر الله والمهيىء له ، وعن تزكية نفوسكم ، فأوقعكم ذلك في داء القبقب وهو البطن ، والدبدب وهو الفرج ، وحب المال المؤدي إلى شر الأعمال ، وتتركون الآخرة( وَالْآخِرَةُ ) أي والحال أن الدار التي هي غاية الخلق ومقصود الأمر ، العالية المبرئة عن العبث ، المنزهة عن الخروج عن الحكمة( خَيْرٌ ) أي من الدنيا على تقدير التسليم لأن فيها خيرا لأن نعيمها خالص لا

__________________

(١) ذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ١٣٦ من حديث عوف بن مالك وقال : رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف وقد حسن الترمذي حديثه.

٤٠١

كدر فيه بوجه( وَأَبْقى ) أي منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء ، لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلا ، وما كان باقيا لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه ، فمن علم ذلك ـ وهو أمر لا يجهل ـ اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية ، والآية من الاحتباك : ذكر الإيثار والدنو أولا يدل على الترك والعلو ثانيا ، وذكر الخير والبقاء ثانيا يدل على ضدهما أولا ، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء إلا دنيء فذكره أولا لأنه أشد في التنفير ، وذكر الخير والبقاء ثانيا لأنه أشد في الترغيب.

ولما كانت هذه النتيجة ـ التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها ـ خالصة الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول ، وصفها ترغيبا فيها بوصف جمع القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار ، لأن ما مضت عليه السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى إلزامه ، وأفاد مع القدم أن المنزل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بدعا من الرسل عليهم الصلاة والسّلام بل هو على منهاجهم ، فرد رسالته من بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات بقوله مؤكدا لأجل من يكذب :( إِنَّ هذا ) أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، لأنه جامع لكل خير ، وهو ثابت في كل شريعة لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ( لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ) فمن تبع هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من المغيبات مما يكون أو كان ، ونسيه أهل هذه الأزمان ، فاستراح من ضلال الشعراء والكهان ، الموقعين في الإثم والعدوان ، فإن القرآن جمع المديح الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء البليغ لأعداء الله ، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود الشرعية ـ إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء ، ولا ينتهي إلى أدنى جنابها بلاغات البلغاء.

ولما كان ذلك عاما خص من بينه تعظيما لقدر هذه الموعظة أعظم الأنبياء الأقدمين ، فقال مبدلا مشيرا إلى الاستدلال بالتجربة :( صُحُفِ إِبْراهِيمَ ) قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه( وَمُوسى ) ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام ، والمواعظ فيه قليلة ، ومنها الزواجر البليغة

٤٠٢

كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والإخبار بأنهم يخالفونها كما هو مذكور في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما الصلاة والسّلام على الأصل في ترتيب الوجود والأفضلية ، وقد حث آخرها على التزكي وهو التطهر من الأدناس الذي هو معنى التنزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة ، وكان في إتيانه والتذكير به إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن خلقهم لأنه لم يخلقهم سدى ، لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو سبحانه منزه عن جميع شوائب النقص ـ فقد رجع آخرها على أولها ، وكان تنزيه الرب سبحانه وتعالى وتنزيه النفس أيضا غاية معولها ـ والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٤٠٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الغاشية

مكية ـ آياتها ست وعشرون

مقصودها شرح ما في آخر «سبح» من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدؤها ، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى ، والدلالة على القدرة عليها ، وأدل ما فيها على هذا المقصود الغاشية ـ نعوذ بالله من القلب الغاشي والبصيرة الغاشية ، لئلا تكون الغاشية علينا بسوء الأعمال ناشية( بِسْمِ اللهِ ) الذي له العظمة البالغة والحكمة الباهرة( الرَّحْمنِ ) الذي له الفيض الأعلى والنعم الظاهرة( الرَّحِيمِ ) الذي اصطفى أولياء فأصلح بواطن نعمهم حتى عادت ظاهرة طاهرة.

( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) )

لما ختمت «سبح» بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا ، ورغب في ذلك بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى ، رهب أول هذه من الإعراض عن ذلك مرة ، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى ، فقال تعالى مذكرا بالآخرة التي حث عليها آخر تلك مقررا لأشرف خلقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر بالقبول :( هَلْ أَتاكَ ) أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا( حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ) أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ونواهيها ، فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم الظالمون ، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم مقالهم ، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيما لأمرها ، فقال لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هل أتاك» يا محمد «حديث الغاشية» وهي القيامة ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : في

٤٠٤

ذلك اليوم يشاهدون جزاءهم ويشتد تحسرهم حين لا يغني عنهم ، ثم عرف بعظيم امتحانهم في قوله :( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) مع ما بعد ذلك وما قبله ، ثم عرف بذكر حال من كان في نقيض حالهم إذ ذلك أزيد في الفرح وأدهى ، ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل وكيف لم يغن فقال :( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) ـ الآيات ، أي أفلا يعتبرون بكل ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره بالتذكار ـ انتهى.

ولما هول أمرها بانبهامها وعمومها ، زاد في التهويل بما ذكر من أحوالها في تفصيل الناس إلى شقي وسعيد ، وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار المؤثرين للحياة الدنيا ، وسوّغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال :( وُجُوهٌ ) أي كثيرة جدا كائنة( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ تغشي الناس( خاشِعَةٌ ) أي ذليلة مخبتة من الخجل والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت( عامِلَةٌ ) أي مجتهدة في الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية من جر السلاسل والأغلال وخوض الغمرات من النيران ونحو ذلك كأن يقال له : أدّ الأمانة ثم تمثل له أمانته في قعر جهنم ، فتكلف النزول إليها ثم يحملها على عنقه ويصعد في جبال النيران حتى إذا كاد أن يصل إلى أعلاها سقطت منه فيتكلف النزول إليها وهكذا ، وهذا بما كان يهمل العمل في الدنيا( ناصِبَةٌ ) أي هي في ذلك في غاية التعب والدؤوب في العمل والاجتهاد ـ هذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وذلك لأنهم لم يخشوا الله في الدنيا فلم يعملوا له فلم ينصبوا في طاعته أجسادهم فاضطرهم في ذلك اليوم إلى أعظم مما أبوه في الدنيا مع المضرة دون المنفعة ، ويجوز أن يراد بها الذين تعبوا ونصبوا في الدنيا أجسامهم وهم على غير دين الإسلام كالرهبان من النصارى بعد النسخ وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة وأتباعهم ، بأن يكون (وجوه) مبتدأ و (يومئذ) خبره أي كائنة يومئذ ، ثم يقدر ما بعده في جواب سؤال سائل يقول : ما شأنها؟ فأجيب بقوله خاشعة ، أي في الدنيا ـ إلى آخره ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء عنه.

ولما كان العذاب لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب ، دل على ذلك وعلى أنه على أنهى ما يكون ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم فقال :( تَصْلى ) أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له الأمر بأن يغمسها قهرا على وجه الإحاطة بها ، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل : تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل جانب وهو يدل على غاية الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك( ناراً حامِيَةً ) متناهية في الحر لأنها عملت

٤٠٥

بالجهل على خلاف ما حده لها نبيها فأخلت بركن للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت بها ، فلم تدع لها موضعا يصلح لدخول الرحمة منه.

ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد باطنه ، قال بانيا عند الكل للمفعول جريا على قراءة أبي عمرو في الذي قبله :( تُسْقى ) أي يسقى كل من أذن له الملك في ذلك على أهون وجه وأيسره( مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) أي بلغت غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها منهم سقط لحم وجوههم ، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من كاسات الهوى التي قطعوا باستلذاذهم لها قلوب الأولياء.

ولما ذكر ما يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش ، أتبعه ما يطعمونه فقال حاصرا له :( لَيْسَ لَهُمْ ) أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في عبادة لم يأذن الله فيها( طَعامٌ ) أصلا( إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ) أي يبيس الشبرق ، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحامته ، وهو سم ، وقال في القاموس : والضريع كأمير : الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى شبرقا ، ويابسه يسمى ضريعا ، لا تقربه دابة لخبثه ، أو شيء في جهنم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأحرّ من النار ، ونبات منتن يرمى به البحر ، وقال الهروي في الغريبين وعبد الحق في الواعي : الضريع : الشبرق ، وهو نبات معروف بالحجاز ذو شوك ، ويقال شبرق ما دام رطبا ، فإذا جف فهو ضريع ، وقال القزاز في ديوانه : الضريع : يبيس من يبيس الشجر ، وقيل : هو يبيس الشبرق خاصة ، وقيل : هو نبات أخضر يرمى به البحر وهو منتن. أبو حنيفةرحمه‌الله تعالى : وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحما ولا لحما وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها. وقال ابن الأثير في النهاية : الضريع هو نبت بالحجاز له شوك كبار ، وقال : الشبرق نبت حجازي يؤكل وله شوك ، وإذا يبس سمي الضريع. وهذا ثوب مشبرق وهو الذي أفسد ، وفي نسجه سخافة ، وشبرقت الثوب أيضا : حرقته ، وقال في القاموس : الشبرق كزبرج : رطب الضريع واحده بهاء ، قال البغويرحمه‌الله تعالى : قال مجاهد وقتادة وعكرمة : هو نبت ذو شوك لا طىء بالأرض ، تسميه قريش الشبرق ، فإذا هاج سموه الضريع ، وهو أخبث طعام وأبشعه ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولا يمتنع في قدرة الله سبحانه وتعالى أن يكون الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار صار على هيئة الشبرق المسمى ضريعا ، فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع ، ويمكن أن يكون ذلك كناية عن أقبح العيش ولا يراد به شيء بعينه ـ والله تعالى أعلم ، قال الملوي : وسمي ضريعا لأن الإنسان يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه.

٤٠٦

( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) )

ولما حصر أكلهم في هذا ، وكان الضريع المعروف عند العرب قد يتصور متصور أنه لو أكره شيء على أكله أسمنه أو سد جوعته ، وكان الضريع المأكول لهم في القيامة شوكا من نار كما ورد تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نفى عنه فائدة الطعام ، فقال واصفا الضريع أو الطعام المقدر بعد «إلا» بما يفهمه تحامي الإبل التي ترعى كل نابت وهي أعظم الحيوانات إقبالا على أنواع الشوك له من أنه ضر بلا نفع( لا يُسْمِنُ ) أي فلا يشبع ولا يقوي لأنه يلزم ما يسمن ، فعدمه يلازم عدمه.

ولما نفى عنه ما هو مقصود أهل الرفاهية وبدأ به لأن المقام له نفي ما يقصد للكفاف فقال تعالى :( وَلا يُغْنِي ) أي يكفي كفاية مبتدئة( مِنْ جُوعٍ ) فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال ، والمقصود من الطعام أحد الأمرين ، وذلك لأنهم كانوا يأكلون الحرام الذي تنبت عليه لحومهم فيفسدها بفساده وتنمو به نفوسهم فيخبثها بخبثه ويتغذون بالشبه أيضا ويباشرونها في جميع أوقاتهم ويباشرون العلوم التي تظلم القلوب كالفلسفة والشعر والسحر ونحو ذلك مما يجر إلى البدع. والآية من الاحتباك : نفي السمن أولا يدل على إثبات الهزال ثانيا ، ونفي الإغناء من الجوع ثانيا يدل على نفي الشبع أولا ، ومن جعل ذلك صفة الطعام أفسد المعنى لأنه يؤول إلى : ليس لهم طعام منفي عنه الإسمان والإغناء ، بل لهم طعام لا ينفي عنه ذلك.

ولما ذكر الأعداء وقدمهم لما تقدم ، أتبعه الأولياء فقال مستأنفا ذكر ما لهم من ضد ما ذكر للأعداء :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان ما ذكر( ناعِمَةٌ ) أي ذات بهجة وسرور تظهر عليها النعمة والنضرة والراحة والرفاهية بضد تلك الناصبة ، لأن هؤلاء أتعبوا أنفسهم في دار العمل الدنيا وصبروا على التقشف وشظف العيش( لِسَعْيِها ) أي عملها للآخرة الذي كأنه لا سعي غيره خاصة لعلمها أنه منج( راضِيَةٌ ) لما رأت من ثوابه تود أن جميع سعيها في الدنيا كان لذلك بعد أن كان ذلك السعي الذي هو للآخرة كريها إليها في الدنيا لا تباشره إلا بشق الأنفس. ولما ذكر السعي أتبعه ثوابه فقال :( فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) أي في المكان العالي والمكانة العالية والأشجار والغرف وغير ذلك بما صرفوا أنفسهم عن الدنايا ورفعوا هممهم إلى النفائس.

ولما كان ما كان من هذا لا يصفو ، وفيه ما يكره من الكلام قال منزها لها عن كل سوء :( لا تَسْمَعُ ) أي أيها الداخل إليها ـ على قراءة الجماعة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بالبناء للمفعول وهو أبلغ في النفي( فِيها لاغِيَةً ) أي لغو ما أو

٤٠٧

نفس تلغو أو كلمة ذات لغو على الإسناد المجازي ، بل المسموع فيها الذكر من التحميد والتمجيد والتنزيه لحمل ما يرى فيها من البدائع على ذلك مع نزع الحظوظ الحاملة على غيره من القلوب بما كانوا يكرهون من لغو أهل الدنيا المنافي للحكمة.

ولما وصف الجنة بأول ما يعتبر فيها وهو عدم المنغص ، أتبعه ما يطلب بعده وهو تناول الملتذات ، وكان الأكل قد فهم من ذكر لفظ الجنة ، ذكر المشروب لذلك ولدلالته إذا كان جاريا على زيادة حسن الجنة وكثرة ما فيها من النباتات المقيتة والمفكهة من النجم والأشجار والري والأطيار ، فقال لأنه ليس كل جنة مما نعرفه فيه ماء جار بنفسه :( فِيها ) أي الجنة. ولما كان الماء الجاري صالحا لأن يقسم إلى أماكن كثيرة ، وحد قوله المراد به الجنس الشامل للكثير مقابلة لعين أهل النار في دار البوار :( عَيْنٌ جارِيَةٌ ) أي عظيمة الجري جدا ، فهي بحيث لا تنقطع أصلا لما لأرضها من الزكاء والكرم وما لمائها من الغزارة وطيب العنصر ، فهو صالح لأن يعم جميع نواحيها أقاصيها وأدانيها وإن عظم اتساعها وتناءت أقطارها وبقاعها ، كما نراه يجري من ساق الشجرة الكبيرة جدا فيسقي جميع أغصانها وأوراقها وثمارها ، ويزيد على ذلك بأن جريه من أسفل إلى فوق ، يجدبه جادب الشوق ويسوقه أي سوق يقدره الخلاق العليم ، والذي قدر على هذا كما هو مشاهد لنا لا نشك فيه قادر على أن يجعل هذه العين ـ الصالحة للجنس ولو كانت واحدة بالشخص ـ عامة لجميع مرافق الجنة تجري إلى خيامها ورياضها وبساتينها ومصانعها ومجالسها ويصعدها إلى أعالي غرفها وإن علت ، مقسمة بحسب المصالح ، موزعة على قدر المنافع ، بغاية الإحكام بما كان لداخلها من الخضوع الذي يجري منهم الدموع ويقل الهجوع ويكثر الظمأ والجوع.

ولما لم يبق بعد الأكل والشرب إلا الاتكاء ، قال مفهما أنهم ملوك :( فِيها ) معيدا الخبر قطعا للكلام عن الأول تنبيها على شرف العين لأن الماء مما لا حياة بدونه( سُرُرٌ ) أي زائدة الحد في العكثرة ، جمع سرير وهو مقعد عال يجلس عليه الملك ينقل إلى الموضع الذي يشتهيه ، سمي بذلك لأنه يسر النفس ، والمادة كلها للسرور والطيب والكرم ، ولذلك يطلق على الملك والنعمة وخفض العيش( مَرْفُوعَةٌ ) أي رفعها رافع عظيم في السمك وهو جهة العلو ليرى الجالس عليها جميع ملكه وما نعم به وما شاء الله من غيره وفي القدر ، لا كما تعهدونه في الدنيا ، بل ارتفاعها نمط جليل من مقدار عظمة رافعها الذي رفع السماء ، فالتنكير للتعظيم ، وبنى الاسم للمفعول للدلالة على أنه ليس له من ذاتها إلا الانخفاض ، وأما ارتفاعها فبقسر القادر على كل شيء ، وهذا يدل على أنها كسماء لا عمد لها ، قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما :

٤٠٨

ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجىء أهلها ، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ـ ثم ترتفع إلى مواضعها ـ انتهى. وذلك بما كانوا يتواضعون ويباشرون من مشاق العبادات على التراب ورث الأثواب.

( وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) )

ولما كان المستريح يحتاج إلى تكرار الشرب وما يشرب فيه قال :( وَأَكْوابٌ ) جمع كوب وهو إناء لا عروة له ، فهو صالح للمناولة والشرب من كل جهة( مَوْضُوعَةٌ ) أي ملآى وهي بحيث يسهل عليهم تناولها.

ولما كان من هو بهذه المثابة يحتاج إلى المساند والفرش الزائدة قال تعالى :( وَنَمارِقُ ) أي مساند يستندون إليها ، جمع نمرقة بالفتح والضم وهي الوسادة( مَصْفُوفَةٌ ) أي بعضها إلى بعض فهي في غاية الكثرة كأنها الروابي المنضدة على بساط الأرض( وَزَرابِيُ ) أي بسط عريضة كثيرة الوبر كأنها الرياض فاخرة ناضرة زائدة عن مواضع استراحاتهم ، وهي جمع زربية( مَبْثُوثَةٌ ) أي مبسوطة على وجه التفرق في المواضع التي لا يراد التنزه بها من مواضع الرياحين النابتة والأشجار المتشابكة كما بسط سبحانه وتعالى أديم الأرض ورصعه بأنواع النبات الفاخرة بما بسطوا أنفسهم في الدنيا للحق وألانوها له.

ولما أنهى سبحانه ما أراد من تصوير تلك الدار على ما يليق بهذه السور القصار ، وكانوا ينكرون غاية الإنكار فوبخهم بما يعصمهم من الزيغ عن العقائد الحقة في استفهام إنكاري مذكرا لهم بأمورهم في غاية المعرفة بها وهي في غاية الوضوح في نفسها ، لأن نزول هذه السور كان في أول الأمر قبل أن يتمرنوا على المعارف تدل على قدرته على البعث وعلى قدرته على ما ذكر من هذه الأمور التي أودعها الجنان للذة الإنسان ، وذلك لما في هذه الأمور التي ذكر بها سبحانه من عجائب الصنع مع تفاوته في جعل بعضها ذا اختيار في الخفض والرفع ، وبعضها على كيفية واحدة لا قدرة له على الانفكاك عنها من علو أو سفول مع التمهد أو التوعر ، فقال مسببا عما مضى من الإخبار عن أحوال الفريقين في الآخرة وعن قدرته على ما ذكر :( أَفَلا يَنْظُرُونَ ) أي المنكرون من هذه الأمة لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة وما ذكر فيها والنار وما ذكر فيها ـ نظر اعتبار.

ولما كان لهم من ملابسة الإبل ما ليس لهم من ملابسة غيرها ، وكانت فردة في

٤٠٩

المخلوقات لا شبيه لها مع ما لها من كثرة المنافع كما قال الحسنرحمه‌الله تعالى ـ مع أكلها لكل مرعى واجتزائها بأيسر شيء لا سيما في الماء وطول صبرها عنه مع عظم خلقها وكبر جرمها وشدة قوتها ، فكانت أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار ، قال منبها بذكرها على التدبر في الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا بعد ما أشار إلى دلالتها على البعث في البروج بذكر ثمود بعد أن صرح به في سورة سبحان كما مضى بيانه في الموضعين ويأتي إن شاء الله تعالى في الفجر والشمس ، وأوضح التعبير عنها هنا بما يدل على الخلطة المميلة المحيلة المناسبة لمعنى الغاشية بخلاف التعبير في سورة النحل بالأنعام لأنها سورة النعم( إِلَى الْإِبِلِ ) ونبه على أن عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدواعي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام ، فقال بانيا للمفعول إشارة إلى أن الدال هو التأمل في مجرد خلقها الدال على إحاطة علم الله وعظيم إحسانه وقدرته تعالى وفعله بالاختيار وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به من غير معين ، منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار الثقال ترعى كل نبات وتحتمل العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى بها قطع المفاوز ، فهي سفن البر مع ما لها من منافع أخر ، قال البيضاوي : ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ولأنها أعجب ما عند العرب ـ انتهى ، وتنفعل للبسط وتجد في سيرها فتتأثر بالصوت الحسن جدا ، ومن عجائبها أنها لا تكذب أصلا فإنها لا تبرك عجزا عن الحمل ـ إلا وليس فيها من القوى شيء ، وليس فيها ما تعم كراهته إلا كثرة رغائها فلعله سبحانه نفى عن الجنة اللغو لذلك ، ولعله مثل العين الجارية وقربها بدرها ، والسرر المرفوعة التي حكى أنها تنخفض حتى يتمكن المنتفع بها من ظهورها ثم ترتفع به بالسماء في علوها مع ما يعهدون من بروك الإبل للحمل والركوب ثم ارتفاعها لتمام الانتفاع ، وقرب نصب الأكواب بسنامها والنمارق ببقيتها حال بروكها ، ثم فصل ما دلت عليه الإبل من الأكواب بالجبال التي لا ترتقى مثل جبل السد ، والنمارق بالتي ترتقى ، وبسط الزرابي بمهد الأرض ، قال أبو حيانرحمه‌الله تعالى : و( كَيْفَ ) سؤال عن حال والعامل فيه( خُلِقَتْ ) وإذا علق الفعل عما فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته.

ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا المخلوق المفرد الذي هو أدل ما يكون على هذا القول بالطبيعة ، أتبعه ذكر السماء ليتذكر السامع ذلك فيباعد من يقول به فقال :( وَإِلَى السَّماءِ ) أي التي هي من جملة مخلوقاتنا( كَيْفَ رُفِعَتْ ) أي حصل بأيسر أمر رفعها

٤١٠

من الذي خلقها بلا عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل والإحكام وما فيها من جبال الكواكب والغرائب والعجائب ، فذلك دال على القدرة التامة التي لا يشارك تعالى فيها أحد قل ولا جل على إيجاد الجنة العالية وعلى رفع السرر فيها لأنه دل على الفعل بالاختيار ونفي حكم الطبيعة حكما وحتما ، وذلك دال على كمال قدرته تعالى على كل شيء.

ولما ذكر العالي من الحيوان الملابس للانسان والعالي من الأكوان ، أتبعه أعلى الأرض فقال تعالى :( وَإِلَى الْجِبالِ ) أي الشامخة وهي أشد الأرض( كَيْفَ نُصِبَتْ ) أي كان نصبها من ناصبها عالية جدا على بقية الأرض بلا موجب فيها لذلك من طبيعة ولا غيرها بل بفعل الفاعل المختار فهي راسخة لا تميل ، فوضعها كذلك على ما فيها من المنافع من المياه الجارية والأشجار المختلفة أعجب من وضع الأكواب والنمارق المزينة ، وبها مع ذلك ثبتت الأرض وحفظت من الميد ، واعتدل أمر الكواكب في تقدير الليل والنهار باعتدال البلاد بالطلق بإعلاء بعضها قبل بعض حتى كانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام محكم غير منخرم تقدر به الأزمان والفصول والسنون والأيام والشهور ـ إلى غير ذلك من الأمور ، ولا يكون ذلك لها إلا بقاهر قادر مختار لا شريك له.

ولما كان الخفض لا يكون إلا بخافض قاهر كما أن الرفع كذلك قال تعالى :( وَإِلَى الْأَرْضِ ) أي مع سعتها( كَيْفَ سُطِحَتْ ) أي اتفق بسطها من باسطها حتى صارت مهادا موضوعا يمشي عليه بغاية السهولة ، والقدرة على جعلها كذلك على ما هي فيه من الزينة بناضر النبات وغير ذلك من الاختلافات دالة على الفعل بالاختيار ، وليست بدون القدرة على بث الزرابي في الجنة على اختلاف أشكالها وصورها وألوانها.

ولما دل ما ذكر من عجائب صنعه في أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات العلويات والسفليات على كمال قدرته على كل شيء ، فدل على كمال قدرته ـ على البعث وعلى كل ما ذكر أنه يفعله في الجنة والنار ، وكان الحث على النظر في هذه الأشياء باستفهام إنكاري ، وكان ذلك مفيدا لانتفاء النظر ، قال سبحانه مسببا عنه :( فَذَكِّرْ ) كل من يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خلقنا بما في غرائزهم وفطرهم من العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما يدل على صحة ما نزلنا عليك ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك أتم انقياد لا سيما في اعتقاد حقية البعث ، ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا يتطرفون ، ولعل التذكير يوصل المتذكر إذا أقبل عليه بحسن رغبة إلى أن يعرف أن الإبل تشبه الأنفس المطمئنة الذلولة المطيعة المنقادة ،

٤١١

والسماء تشبه الأرواح القدسية النورانية ، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة الراسخة ، والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان.

ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل ، وكان مأمورا إذ ذاك بالصفح قال :( إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ) أي لا مقاتل قاهر قاسر لهم على التذكر والرجوع ، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ ، ولذلك قال( لَسْتَ ) وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال :( عَلَيْهِمْ ) أي خاصة( بِمُصَيْطِرٍ ) أي بمتسلط ، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب ، وقرأها الكسائي بالسين على الأصل.

( إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) )

ولما نفى عنهم تسلط الدنيا ، وكان التقدير : فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه النعيم الأكبر ، قال مستدركا قسيمهم في صورة الاستثناء :( إِلَّا ) أي لكن( مَنْ تَوَلَّى ) أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض( وَكَفَرَ ) أي وأصر على كفره ، وأجاب الشرط بقوله مسببا عنه :( فَيُعَذِّبُهُ ) أشد العذاب الذي لا يطيقه أصلب الحديد ولا أشد الجبال( اللهُ ) أي الملك الأعظم بسبب تكبره على الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن الجميل ، ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن العذاب من الله عذاب منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن سببه تكذيبهم له ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما «ألا» بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية( الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ) يعني عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا فيكون المعنى : أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه فيقتله فيعذبه الله في الدار الآخرة ، ثم علل إخباره عن عذابه في الآخرة بقوله مؤكدا لما لهم من التكذيب :( إِنَّ إِلَيْنا ) أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء( إِيابَهُمْ ) أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر.

ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله ، وعظيما كما وكيفا ، عظمه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ إِنَ ) أكده لإنكارهم ، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب في أنه لا بد منه فقال :( عَلَيْنا ) أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العبث والجور وكل نقص ، لا على غيرنا ، لأن غيرنا لا قدرة له فقد تقدمنا فيه بالوعود الصادقة ، وأكدناها غاية التأكيد( حِسابَهُمْ ) أي يوم القيامة على النقير والقطمير ، وغير ذلك من كل صغير وكبير ، وذلك يكون في الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين : في دار هوان ، ودار أمان ، فقد التف آخرها بأولها ، وتعانق مفصلها بموصلها ـ والله الهادي للصواب وإليه المآب.

٤١٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الفجر مكية ـ آياتها ثلاثون

مقصودها الاستدلال على آخر الغاشية الإياب والحساب ، وأدل ما فيها على هذا المقصود الفجر بانفجار الصبح عن النهار الماضي بالأمس من غير فرق في شيء من الذات وانبعاث النيام من الموت الأصغر وهو النوم بالانتشار في ضياء النهار لطلب المعايش للمجازاة في الحساب بالثواب والعقاب( بِسْمِ اللهِ ) جامع العباد بعد تمزيقهم بما له من العظمة( الرَّحْمنِ ) الذي عمهم بعد العموم بالإيجاد بالبيان المهيىء من شاء للإيمان( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بالرضوان المبيح للجنان.

( وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) )

لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب ، وكان تغيير الليل والنهار وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالّا على القدرة على البعث ، وكان الحج قد جعله الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال :( وَالْفَجْرِ ) أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره ، وهو فجر يوم النحر الذي هو أول الأيام الآخذة في الإياب إلى بيت الله الحرام بدخول حرمه والتحلل من محارمه وأكل ضيافته.

ولما ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح قد أضاء ، ونهار قد انبرم وانقضى ، لا فرق بينه وبين ما مضى ، عم فقال معبرا بالمقابل :( وَلَيالٍ عَشْرٍ ) هي أعظم ليالي العام. وهي آية الله على البعث بالقيام إلى إجابة داعي الله تعالى على هيئة الأموات( وَالشَّفْعِ ) أي لمن تعجل في يومين( وَالْوَتْرِ ) أي لمن أتم ـ قاله ابن الزبير ، وروى أحمد والبزار برجال الصحيح عن عياش بن عقبة وهو ثقة

٤١٣

عن جابر رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «العشر عشر الأضحى ، والشفع يوم الأضحى ، والوتر يوم عرفة »(١) .

ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة ، قال رادّا لآخر القسم على أوله ، ومذكرا بالنعمة وكمال القدرة ، لأن الليل أخفاهما سرى وسرا ، فهو أعظمهما في ذلك أمرا ، لأن سير النهار ظاهر لسرايته بخلاف الليل فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة( وَاللَّيْلِ ) أي من ليلة النفر( إِذا يَسْرِ ) أي ينقضي كما ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم ، وقد رجع آخر القسم على أوله ـ وأثبت الياء في يسري ابن كثير ويعقوب وحذفها الباقون ، وعلة حذفها قد سأل عنها المؤرج الأخفش فقال : اخدمني سنة ، فسأله بعد سنة فقال : الليل يسرى فيه ولا يسري ، فعدل به عن معناه فوجب أن يعدل عن لفظه كقوله تعالى :( وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) [مريم : ٢٨] لما عدل عن «باغية» عدل لفظه فلم يقل : بغية ـ انتهى ، وهو يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات ، والحكمة المعنوية فيه ـ والله أعلم ـ من جهة الساري وما يقع السرى فيه ، فأما من جهة الساري فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده ، فأشير إلى المجاورين بالحذف حثا لهم على ذلك لما فيه من جلالة المسالك ، فكان ليل وصالهم ما انقضى كله ، فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد ، وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم آبوا راجعين إلى ديارهم فيما انكشف من نهارهم ، وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى طوله تارة وقصره أخرى ، فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى الطويل بما وقع من تمام سراه وما وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدام بين يدي الملك العلام كما قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيدرحمه‌الله تعالى حيث قال مشيرا لذلك :

كم ليلة فيك وصلنا السرى

لا نعرف الغمض ولا نستريح

الأبيات المذكورة عنه في المزمل ، فقد انقسم الليل إلى ذي طول وقصر ، والساري فيه إلى ذي حضر وسفر ، فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار ، ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين وإبارة الجبارين ، وأما «بغي» فذكرت حكمته في مريم.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٣٢٧ والبزار ٢٢٨٦ عن جابر رضي الله تعالى عنه ورجاله ثقات إلا أن أبا الزبير مدلّس وقد عنعنه.

وأخرج الحاكم نحوه موقوفا من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه ووافقه الذهبي.

٤١٤

ولما كان هذا قسما عظيما في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر تلك المشاعر وما فيها من الجموع والبكاء والخضوع كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة :

وليلة جمع والمنازل من منى

وهل فوقها من حرمة ومنازل

وفي تذكيره بالبعث ودلالته عليه دلالة عقلية واضحة بالإيجاد بعد الإعدام مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي نفوس المخاطبين بها من الجلالة ، نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله :( هَلْ فِي ذلِكَ ) أي المذكور مع ما له من عليّ الأمر وواضح القدر( قَسَمٌ ) أي كاف مقنع( لِذِي ) أي صاحب( حِجْرٍ ) أي عقل فيحجره ويمنعه عن الهوى في درك الهوى ، فيعليه إلى أوج الهدى ، في درج العلا ، حتى يعلم أن الذي فعل ما تضمنه هذا القسم لا يتركه سدى ، وأنه قادر على أن يحيي الموتى ، قال ابن جرير : يقال للرجل إذا كان مالكا نفسه قاهرا لها ضابطا : إنه لذو حجر ـ انتهى ، فمن بلغ أن يحجره عقله عن المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجها آخر من الاعتبار ، وهو أن يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم واجترامهم فقال :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ) إلى قوله :( إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ) إلى قوله :( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات الخلائق ولا يغيب عنه ما أكنوه( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ) [الرعد : ١٠] فهلا اعتبر هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ورفع السماء ونصب الجبال وسطح الأرض ، وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم ، فالإبل لأثقالهم وانتقالهم ، والسماء لسقيهم وإظلالهم ، والجبال لاختزان مياههم وأقلالهم ، والأرض لحلهم وترحالهم ، فلا بهذه الأمور كلها استبصروا ، ولا بمن خلا من القرون اعتبروا ،( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ) على عظيم طغيانها وصميم بهتانها( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) فيتذكرون حين لا ينفع التذكر( إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ) ـ انتهى.

ولما كان التقدير كما هدى إليه السياق : ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ليحاسبن فيجازى كل أحد بما عمل ، فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ثبتت قدرته على العذاب الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على البعث بسبب قدرته على ما رأيتم من خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في كل من العجائب بسبب قدرته على كل شيء ، وهذا هو المقصود بالذات ، حذف زيادة في تعظيمه واعتمادا على معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة وما قبلها. ولما طوى جواب القسم

٤١٥

لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه ، وتهويلا له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه ، وكان قد علمت القدرة عليه مما أشير إليه بالمقسم به ، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى ـ للأمم الماضية ، فقال مخاطبا لمن قال له في آخر تلك( فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ) [الغاشية : ٢١] تسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإشعارا بأنه لا يتدبره حق تدبره غيره ، وتهديدا لمن كذب من قومه :( أَلَمْ تَرَ ) أي تنظر بعين الفكر يا أشرف رسلنا فتعلم علما هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر ، وعبر بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه :( كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بإرسالك ختاما لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا ، وعملوا أعمال من يظن الخلود ، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا : من أشد منا قوة؟ فقال :( بِعادٍ ) أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا : من أشد منا قوة؟ وقال لهم نبيهم هودصلى‌الله‌عليه‌وسلم :( وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) [الشعراء : ١٢٩] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي دار الزوال ، والقلعة والارتحال ، والنكد والبلاء والكدر ، والمرض والبؤس والضرر ، فقال مبينا لهم على حذف مضاف :( إِرَمَ ) أي أهلها وعمدتها ، وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب ، ثم بينها بقوله :( ذاتِ ) أي صاحبة( الْعِمادِ ) أي البناء العالي الثابت بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها ، ولذا قال :( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ ) أي يقدر ويصنع ـ بناه للمفعول إرادة للتعميم( مِثْلُها ) يصح أن يعود الضمير على «عاد» باعتبار القبيلة ، وعلى «إرم» باعتبار البلدة ، وأوضح هذا بقوله معمما للأرض كلها :( فِي الْبِلادِ ) أي في بنائها ومرافقها وثمارها ، وتقسيم مياهها وأنهارها ، وطيب أرضها وحسن أطيارها ، وما اجتمع بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى ، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم ، وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم ـ قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها ـ قال أبو حيان : على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يكون في الأرض مثلها ، فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ذاك تسعمائة سنة ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب ، وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد الله بن قلابة ، خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية رضي الله عنه فوقع عليها ، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه ، وكان قد حمل معه بعض ما رأى فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه ، وسمع به معاوية رضي الله عنه فأرسل إليه فحدثه ، فأرسل ،

٤١٦

معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار فسأله عن ذلك فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر أحمر قصير ، على حاجبيه خال ، وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذاك الرجل ـ ذكره شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف وقال : وآثار الوضع عليه لائحة ، وقال جماعة منهم ابن عباس رضي الله عنهما : الأوصاف كلها للقبيلة وهم عاد الأولى ، واسمها إرم باسم جدهم ، وكانوا عربا سيارة يبنون بيوتهم على الأعمدة على عادة العرب ، ولم يخلق مثلهم أمة من الأمم في جميع البلاد.

( وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) )

ولما بدأ بهؤلاء لأن أمرهم كان أعجب ، وقصتهم أنزه وأغرب ، ثنى بأقرب الأمم إليهم زمانا وأشبههم بهم شأنا لأنهم أترفوا بما حبوا به من جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ، فجعلوا موضع ما لزمهم من الشكر الكفر ، واستحبوا العمى على الهدى ، مع ما في آيتهم ، وهي الناقة ، من عظيم الدلالة على القدرة فقال :( وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا ) أي نقبوا وقطعوا قطعا حقيقيا كأنه عندهم كالواجب( الصَّخْرَ بِالْوادِ ) أي وادي الحجر أو وادي القرى ، فجعلوا بيوتا منقورة في الجبال فعل من يغتال الدهر ويفني الزمان ، قال أبو حيان : قيل أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة.

ولما ذكر القبيلتين من العرب ، ذكر بعض من جاورهم من طغاة العجم لما في قصتهم من العتو والجبروت مع ما حوته من الغرائب وخوارق العجائب لا سيما في القدرة على البعث بقلب العصا حية وإعادتها جمادا مع التكرر ، وبإيجاد الضفادع والقمل من كثبان الأرض وغير ذلك فقال :( وَفِرْعَوْنَ ) أي وفعل بفرعون( ذِي الْأَوْتادِ ) أي الذي ثبّت ملكه تثبيت من يظن أنه لا يزول بالعساكر والجنود وغيرهم من كل ما يظن أنه يشد أمره من الجنات والعيون والزروع والمقامات الكريمة ، فصارت له اليد المبسوطة في الملك.

ولما كان المراد بفرعون هو وجنوده لأن الرأس يكنى به عن البدن ، لأنه جماعة وبه قوامه ، وصفه بوصف يجمع قومه وجميع من ذكر هنا فقال :( الَّذِينَ ) أي فرعون

٤١٧

وجنوده وكل من ذكر هنا من الكفرة من عاد وثمود وأتباعهم( طَغَوْا ) أي تجاوزوا الحدود( فِي الْبِلادِ ) أي التي ملكوها بالفعل وغيرها بالقوة( فَأَكْثَرُوا ) عقب طغيانهم وبسببه( فِيهَا الْفَسادَ ) بما فعلوا من الكفر والظلم مما صار سنة لمن سمع به.

ولما كان ذلك موجبا للعذاب ، سبب عنه قوله :( فَصَبَ ) أي أنزل إنزالا هو في غاية القوة( عَلَيْهِمْ ) أي في الدنيا( رَبُّكَ ) أي المحسن إليك المدبر لأمرك الذي جعل ما مضى من أخبار الأمم وآثار الفرق موطئا لهم( سَوْطَ عَذابٍ ) أي جعل عذابهم من الإغراق والرجف وغيرهما في قوته وتمكنه وعلوه وإحاطته كالمصبوب في شدة ضربه ولصوقه بالمضروب وإسراعه إليه والتفافه به كالسوط وفي كونه منوّعا إلى أنواع متشابكة ، وأصله الخلط ، وإنما سمي هذا الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض ، ولأنه يخلط اللحم والدم ، وقيل : شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بالترديد والتكرير إلى أن يهلك المعذب به وإيذانا بأنه بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى السيف ، هذا سوط الدنيا وسيف الآخرة أشد وأحد وأمضى ، ثم علل أخذه لكل ظالم وانتقامه من كل مفسد بأنه رقيب ، فقال ممثلا أن العصاة لا يفوتونه مؤكدا تنبيها على أن أعمال العباد أعمال من ينكر ذلك أو لا يخطر بباله :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي مولاك المدبر لأمر نبوتك( لَبِالْمِرْصادِ ) أي لا يفوته شيء ، بل هو قادر ومطلع على كل شيء اطلاع من يريده بالإقامة في مكان الرصد وزمانه مع غاية الحفظ والرعي وهو قادر على ما يريد.

ولما ذكر سبحانه أن عادة هؤلاء الفرق كانت الطغيان ، وذكر أن عادة الرب سبحانه فيمن تولى وكفر أنه يعذبه كما هدد به آخر تلك ، ودل على ذلك بما شوهد في الأمم ، وعلل ذلك بأنه لا يغفل ، ذكر عادة الإنسان من حيث هو من غير تقييد بهؤلاء الفرق عند الابتلاء في حالي السراء والضراء ، فقال مشيرا إلى جواب ما كانت الكفار تقوله من أنهم آثر عند الله من المسلمين لا يساعد عليهم في الدنيا وتقلل الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا مسببا عما مضى عطفا على ما تقديره : هذه كانت عادة هؤلاء الأمم وعادة الله فيهم :( فَأَمَّا الْإِنْسانُ ) أي الذي أودع الحجر ليعقل هذه الأقسام وما يراد منه من اعتقاد المقسم عليه بها وجبل على النسيان والأنس بنفسه والمحبة لها والرضى عنها.

ولما كان المقصود التعريف بحاله عند الابتداء ، قدم الظرف الدال على ذلك على الخبر فقال :( إِذا ) وأكد الأمر بالنافي فقال( مَا ابْتَلاهُ ) أي عامله معاملة المختبر بأن خالطه بما أراد مخالطة تميله وتحيله( رَبُّهُ ) أي الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره( فَأَكْرَمَهُ ) أي بأن جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما

٤١٨

يكرمونه به من الجاه والمال( وَنَعَّمَهُ ) أي بأن جعله متلذذا مترفا بما أعطاه غير تعبان ـ بسببه( فَيَقُولُ ) سرورا بذلك وافتخارا :( رَبِّي ) أي الموجد لي والمدبر لأمري( أَكْرَمَنِ ) أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به( وَأَمَّا ) هو( إِذا ) وأكد على نمط الأول فقال :( مَا ابْتَلاهُ ) أي ربه ليظهر صبره أو جزعه.

ولما كان قوله في الأول( فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ) كناية عن «فوسع عليه» قابله هنا بقوله :( فَقَدَرَ ) أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير( عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) فهو كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة ، فجعله بمقدار ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه ، ولم يجعله فيه فضلا عن ذلك ولم يقل «فأهانه» موضع «قدر عليه» تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى وصونا لأهل الله عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه ، ولأن ترك الإكرام لا ينحصر في كونه إهانة( فَيَقُولُ ) أي الإنسان بسبب الضيق :( رَبِّي ) أي المربي لي( أَهانَنِ ) فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا ، ويكون ذلك أكبر همه.

( كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) )

ولما كان نسبة هذا إليه توبيخا وتقريعا لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي إلى سعادة الدارين ، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما ، وهذا أكثر ما يوجد ، قال ردعا عن مثل هذا القول بأعظم أدوات الزجر معللا للتوسعة والإقتار :( كَلَّا ) أي إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها ، لا التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار ، وإنما أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون الله ، وربما كان بالتوسعة ، وربما كانت بالإقتار ، فربما عصى فوسع عليه إهانة له ، وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا استدراجا ، وربما عصى فضيق عليه إكراما له لأن ذلك يكفر عنه ، وفي الصحيح في حديث أقرع وأبرص وأعمى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك.

ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة ، ذكر أن معيار من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها ، فقال معربا عن كلام الإنسان في الشقين وأفرد أولا لأنه أنص على التعميم وجمع ثانيا إعلاما بأن المراد الجنس( بَلْ ) أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان ، فيوسع على بعض من

٤١٩

جبل على الشقاء إهانة له بالاستدراج ويضيق على بعض من لم يجبل على ذلك إكراما له وردعا عن اتباع الهوى وردا إلى الإحسان إلى الضعفاء ، وترجم هذا العصيان الذي هو سبب الخذلان بقوله :( لا ) يكرمون أي أكثر الناس( الْيَتِيمَ ) بالإعطاء ونحوه شفقة عليه ورحمة له لأنه ضعيف لا يرجى من قبله نفع بثناء ولا غيره.

ولما كان الإنسان لا يمنعه من حث غره على الخير إلا حب الدنيا إن كان المحثوث أعظم منه فيدخره لحوائجه وإن كان مثله فإنه يخشى أن يقارضه بذلك فيحثه على مسكين آخر ، وكان الإحسان بالحث على الإعطاء أعظم من الإعطاء لأنه يلزم منه الإعطاء بخلاف العكس ، قال :( وَلا ) يحضون أي يحثون حثا عظيما لأهلهم ولا لغيرهم( عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) أي بذله له سخاء وجودا ، فكانت إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر الزكاة.

ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي ، دل عليه بأمر في الإنسان فقال تعالى :( وَيَأْكُلُونَ ) أي على سبيل التجديد والاستمرار( التُّراثَ ) أي الميراث ، أصله وراث أبدلت الواو تاء ، وكأنه عبر عنه به دلالة على أخذ الظاهر الذي تشير إليه الواو ، والتفتيش عن الباطن المشار إليه بمخرج التاء تفتيشا ربما أدى إلى أخذ بعض مال الغير :( أَكْلاً لَمًّا ) أي ذا لمّ أي جمع وخلط بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يؤرثون النساء ولا الصبيان ويأكلون ما جمعه المؤرث وإن كانوا يعلمون أنه حرام ويقولون : لا يستحق المال إلا من يقاتل ويحمي الحوزة.

ولما كان ذلك قد يفعل عن ضرورة مع الكراهة قال ما هو صريح في المقصود :( وَيُحِبُّونَ ) أي على سبيل الاستمرار( الْمالَ ) أي هذا النوع من أي شيء كان ، وأكده بالمصدر والوصف فقال :( حُبًّا جَمًّا ) أي كثيرا مع حرص وشره ، فصار قصارى أمرهم النظر الدنيوي ، ولم يصرفوا أنفسهم عن حبه إلى ما دعا إليه العقل الذي يعقل النفس عن الهوى ، والحجر الذي يحجرها عن الحظوظ ، والنهية التي تنهاها عن الشهوات إلى الإقبال على الله.

ولما كان السياق هاديا إلى أن التقدير : يحسبون أن ذلك يوفر أموالهم ويحسن أحوالهم ويصلح بالهم ، زجر عنه بمجامع الزجر فقال :( كَلَّا ) أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر ، ثم استأنف ذكر ما يوجب ندمهم وينبههم من رقدتهم ويعرفهم أن حب المال لا يقتضي نموه ، ولو اقتضى نموه ما اقتضى إيجابه للسعادة فقال :( إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ ) أي حصل دكها ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه ، وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة ذلك لأن الأمر عظيم لعظمة

٤٢٠