نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 92
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 92 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الفاعل الحق ، ولذلك قال :( دَكًّا دَكًّا ) أي مكررا بالتوزيع على كل موضع نات فيها ، فيكون لكل جبل وأكمة وثنية وعقبة دك يخصه على حدته ليفيد ذلك أنه دك مبالغ فيه فتصير جبالها وأكمامها هباء منثورا ثم تستوي حتى لا يكون فيها شيء من عوج ، وهو كناية عن زلازل عظيمة لا تحملها الجبال الرواسي فيكف بغيرها.

ولما دلت التسوية على مجيء أمر عظيم ، فإن العادة في الدنيا أن الطرق لا تعم بالكنس أو الرش أو التسوية إلا لحضور عظيم كالسلطان ، قال متلطفا بالمخاطب من أواخر سورة البروج إلى هنا بذكر صفة الإحسان على وجه يفتت أكباد أضداده ،( وَجاءَ رَبُّكَ ) أي أمر المحسن إليك بإظهار رفعتك العظمى في ذلك اليوم الأعظم لفصل القضاء بين العباد بشفاعتك( وَالْمَلَكُ ) أي هذا النوع حال كون الملائكة مصطفين( صَفًّا صَفًّا ) أي موزعا اصطفافهم على أصنافهم كل ، صنف صف على حدة ، ويحيط أهل السماء الدنيا بالجن والإنس ، وأهل كل سماء كذلك ، وهم على الضعف ممن أحاطوا به حتى يحيطوا أهل السماء السابعة بالكل وهم على الضعف من جميع من أحاطوا به من الخلائق ، ومعنى مجيئه سبحانه وتعالى بعد أن ننفي عنه أن يشبه مجيء شيء من الخلق لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فإذا صححنا العقد في ذلك في كل ما كان من المتشابه قلنا في هذا إنه مثل أمره سبحانه وتعالى في ظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قدرته وقهره وسلطانه يحال الملك إذا حضر بنفسه فظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بظهور عساكره كلها خالية عنه ، فمجيئه عبارة عن حكمه وإظهار عظمته وبطشه وكل ما يظهره الملوك إذا جاؤوا إلى مكان ، وهو سبحانه وتعالى شأنه حاضر مع المحكوم بينهم بعلمه وقدرته ، لم يوصف بغيبة أصلا أزلا ولا أبدا ، فحضوره في ذلك الحال وبعده كما كان قبل ذلك من غير فرق أصلا ، لم يتجدد شيء غير تعليق قدرته على حسب إرادته بالفصل بين الخلق ، ولو غاب في وقت أو أمكنت غيبته بحيث يحتاج إلى المجيء لكان محتاجا ، ولو كان محتاجا لكان عاجزا ، ولو عجز أو أمكن عجزه في حال من الأحوال لم يصلح للالهية ـ تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا ، وفي تكرير «صفا» تنبيه على صرف المجيء عن حقيقته وإرشاد إلى ما ذكرت من التمثيل.

( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) )

ولما كانت جهنم لا تأتي بنفسها لأنها لو أتت بنفسها لربما ظن أنها خارجة عن

٤٢١

القدرة بل تقودها الملائكة ، فكلما عالجوها ذهابا وإيابا حصل للناس من ذلك من الهول ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، وكان المهول نفس المجيء بها لا تعيين الفاعلين ، لذلك بني للمفعول قوله :( وَ ) جاءأي بأسهل أمر( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ وقع ما ذكر( بِجَهَنَّمَ ) أي النار التي تتجهم من يصلاها ، روي أنه يؤتى بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ، وهو كقوله تعالى :( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ) [النازعات : ٣٦] وأبدل من «إذا» توضيحا لطول الفصل وتهويلا قوله :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ وقعت هذه الأمور فرأى الإنسان ما أعد للشاكرين وما أعد للكافرين.

ولما قدم هذه الأمور الجليلة والقوارع المهولة اهتماما بها وتنبيها على أنها ، لما لها من عظيم الموعظة ، جديرة بأن يتعظ بها كل سامع ، ذكر العامل في ظرفها وبدله فقال :( يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ) أي على سبيل التجديد والاستمرار فيذكر كل ما كان ينفعه في الدنيا وما يضره فيعلم أن حبه للدنيا لم يفده إلا خسارا ، لا زاد بحبها شيئا لم يكتب له ولا كان ينقصه بذلها شيئا كما كتب له أو بذلها ، وإذا تذكر ذلك هان عليه البذل ، وليست تلك الدار دار العمل ، فلذلك قال :( وَأَنَّى ) أي كيف ومن أي وجه( لَهُ الذِّكْرى ) أي نفع التذكر العظيم فإنه في غير موضعه ، فلا ينفعه أصلا بوجه من الوجوه لفوات دار العمل ، ولا يقع بذلك على شيء سوى الندم وتضاعف الغم والهم والآلام.

ولما كان الندم يقتضي أن يعمل الإنسان ما ينافيه ، بين أنه ليس هناك عمل إلا إظهار الندم فاستأنف قوله :( يَقُولُ ) أي متمنيا المحال على سبيل التجديد والاستمرار :( يا لَيْتَنِي ) وهل ينفع شيئا «ليت»( قَدَّمْتُ ) أي أوقعت التقديم لما ينفعني من الجد والعمل به( لِحَياتِي ) أي أيام حياتي في الدنيا أو لأجل حياتي هذه الباقية التي لا موت بعدها ، ويمكن أن يكون سبب تمنيه هذا علمه بأنه كان في الدنيا مختارا ، وأن الطاعات في نفسها كانت ممكنة لا مانع له منها في الظاهر إلا صرف نفسه عنها وعدم تعليق ما أتاه الله من القوى بها.

ولما كان هذا غير نافع له ، سبب عنه قوله :( فَيَوْمَئِذٍ ) أي إذ وقعت هذه الأمور كلها( لا يُعَذِّبُ ) أي يوقع( عَذابَهُ ) أي عذاب الله ، أي مثل عذابه المطلق المجرد فكيف بتعذيبه. ولما اشتد التشوف إلى الفاعل ، أتى به على وجه لا أعم منه أصلا فقال :( أَحَدٌ ) .

ولما جرت العادة بأن المعذب يستوثق منه بسجن أو غيره ، ويمنع من كل شيء يمكن أن يقتل به نفسه ، خوفا من أن يهرب أو يهلك نفسه قال :( وَلا يُوثِقُ ) أي يوجد( وَثاقَهُ ) أي مثل وثاقه فكيف بإيثاقه( أَحَدٌ ) والمعنى أنه لا يقع في خيال أحد لأجل

٤٢٢

انقطاع الأنساب والأسباب أن أحدا يقدر على مثل ما يقدر عليه سبحانه وتعالى من الضر ليخشى كما يقع في هذه الدنيا ، بل يقع في الدنيا في أوهام كثيرة أن عذاب من يخشونه أعظم من عذاب الله ـ وأن عذاب الدنيا بأسره لو اجتمع على إنسان وحده لا يساوي رؤية جهنم بذلك المقام في ذلك المحفل المهول دون دخولها ـ ولذلك تقدم خوفه على الخوف من الله ، وبنى الكسائي ويعقوب الفعلين للمفعول ، والمعنى على قراءة الجماعة ببنائها للفاعل : لا يعذب أحد عذابا مثل عذاب الله أي لا يعذب أحد غير الله أحدا من الخلق مثل عذاب الله له ، والحاصل أنه لا يخاف في القيامة من أحد غير الله ، فإنه ثبت بهذا الكلام أن عذابه لا مثل له ، ولم يذكر المعذب من هو فيرجع الأمر إلى أن المعنى : فيومئذ يخاف الإنسان من الله خوفا لا مثل له ، أي لا يخاف من أحد مثل خوفه منه سبحانه وتعالى ، ويجوز أن يكون الضمير في «عذابه» للإنسان ، أي لا يعذب أحد من الزبانية أحدا غير الإنسان مثل عذابه ، وفي المبني للمفعول : لا يعذب عذاب الإنسان أحد لكن يبعده أنه يلزم عليه أن يكون عذاب الإنسان أعظم من عذاب إبليس ـ ويجوز أن يكون المعنى : إنه لا يحمل أحد ما يستحقه من العذاب كقوله تعالى :( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) [الأنعام : ١٦٤].

ولما علم أن هذا الجزاء المذكور لا يكون إلا للهلوع الجزوع المضطرب النفس الطائش في حال السراء والضراء ، الذي لا يكرم اليتيم ولا المسكين ويحب الدنيا ، وكان من المعلوم أن من الناس من ليس هو كذلك ، تشوفت النفس إلى جزائه فشفى عيّ هذا التشوف بقوله ، إعلاما بأنه يقال لنفوسهم عند النفخ في الصور وبعثرة ما في القبور للبعث والنشور :( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) أي التي هي في غاية السكون لا خوف عليها ولا حزن ولا نقص ولا غبون ، لأنها كانت في الدنيا في غاية الثبات على كل ما أخبر به عن الدار الآخرة وغيرها من وعد ووعيد وتحذير وتهديد ، فهم راجون لوعده خائفون من وعيده ، وإذا كانت هذه حال النفس التي شأنها الميل إلى الدنيا فما ظنك بالروح التي هي خير صرف( ارْجِعِي ) أي بالبعث( إِلى رَبِّكِ ) أي موعد الذي أوجدك ورباك تربية الموفقين ، أو إلى بدنك حال كونك( راضِيَةً ) أي بما تعطينه. فلا كدر يلحقك بوجه من الوجوه أصلا كما كنت في دار القلق والاضطراب مطمئنة ساكنة تحت القضاء والقدر سالكة سبيل الرضا إن حصل ابتلاء بالتكريم والتنعيم أو التضييق والتغريم وثوقا بما عند الله( مَرْضِيَّةً ) عند الله وسائر خلقه ، فلا شيء يكرهك بسبب ما كنت مطمئنة تعملين الأعمال الصالحة تحت القضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره ، ثم بيّن ما أجمل من الرجوع فقال سبحانه :( فَادْخُلِي ) أي بسبب هذا الأمر( فِي عِبادِي ) أي

٤٢٣

في زمرة الصالحين الوافدين عليّ ، الذين هم أهل للإضافة إليّ ، أو في أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها ، وقراءة «عبدي» بالتوحيد للجنس الشامل للقليل والكثير تدل على ذلك( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) أي وهي جنة عدن وهي أعلى الجنان ، قال البغوي : قال سعيد بن جبير : مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم نر على صورة خلقه ، فدخل نعشه فلم نر خارجا منه ، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر فلم ندر من تلاها ، وهذا الآخر هو أولها على ما هو ظاهر المقسم عليه بالفجر من البعث المحتوم ، الذي لو لا هو لكان خلق الخلق من العبث المذموم ، المنزه عنه الحي القيوم ، فسبحان الملك الأعظم الذي هذا كلامه ، علت معانيه عن طعن وشرفت أعلامه ، وغر في ذروة الإعجاز تركيبه ونظامه ، «وأين الثريا من يد المتناول».

٤٢٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة البلد

مكية ـ آياتها عشرون

مقصودها الدلالة على نفي القدرة عن الإنسان ، وإثباتها لخالقه الديان ، بذكر ما للإنسان من الهموم والأحزان ، وذكر الأسباب الموقعة له فيما شاء أو أبى ، وذكر السبب المخلص منها ، الموصل إلى السعادة في الآخرة ، وهو ما هدى إليه ربه سبحانه ، وذلك هو معنى اسمها ، فإن من تأمل أمان أهل الحرم وما هم فيه من الرزق والخير على قلة الرزق ببلدهم ـ مع ما فيه غيرهم ممن هم أكثر منهم وأقوى ـ من الخوف والجوع علم ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الملك الواحد القهار( الرَّحْمنِ ) الذي أسبغ نعمته على سائر بريته ، وفاوت بينهم في عطيته ، فكان كلّ ساخطا لحالته في كبد ما يهمه في خاصته وعامته لحكم تعجز الأفكار( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل ولايته بما يرضيه عنهم من أقضيته فيوصلهم إلى جنته وينجيهم من النار.

( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) )

لما ختم كلمات الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق ، لا سيما المضافة إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان ، بعد ما ختم آياتها بالنفس المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد الندم الذي يتمنى لأجله العدم ، بعد ما تقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء المعيشة في السراء والضراء ، افتتح هذه بالأمارة مقسما في أمرها بأعظم البلاد وأشرف أولي الأنفس المطمئنة ، فقال مؤكدا بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ما ثبت من مضمون الكلام مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك :( لا أُقْسِمُ ) أي أقسم قسما أثبت مضمونه وأنفي ضده ، ويمكن أن يكون النفي على ظاهره ، والمعنى أن الأمر في الظهور غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم عارفون بأنه في غاية العظمة ، فيكون كقوله( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) [الواقعة : ٨٦]( بِهذَا الْبَلَدِ ) أي الحرام وهو مكة التي لا يصل إليها قاصدوها إلا

٤٢٥

بشق الأنفس ، ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حبا ، الدال على أن الله تعالى جعلها خير البلاد ، وقذف حبها في قلوب من اختارهم من كل حاضر وباد ، لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد ، ولم يصفه بالأمن لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين ، فإن المراد هناك الكمالات.

ولما عظم البلد بالإقسام به ، زاده عظما بالحال به إشعارا بأن شرف المكان بشرف السكان ، وذلك في جملة حالية فقال :( وَأَنْتَ ) يعني وأنت خير كل حاضر وباد( حِلٌ ) أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه( بِهذَا الْبَلَدِ ) فتحل قتل ابن خطل وغيره وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ، وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان وغير ذلك مما فعله الله لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة طويلة علما من أعلام النبوة ، أو المعنى : يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما لا يستحلونه من صيد ولا شجر ، وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه تقبيحا لما يستحلونه من أذى المؤمنين فيه ، وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره ، فقد وقع القسم بسيد البلاد وسيد العباد ، ولكل جنس سيد ، وهو انتهاؤه في الشرف ، فأشرف الجماد الياقوت وهو سيده ، ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار نباتا ينمو كما في الجنة ، وأشرف جنس النبات النخل ولو ارتفع صار حيوانا يتحرك بالإرادة ، فالحيوان سيد الأكوان ، وسيده الإنسان ، لما له من النطق والبيان ، وسيد الإنسان الرسل عليهم أفضل الصلاة والسّلام ، لما لهم من عظيم الوصلة بالملك الديان ، وسيدهم أشرف الخلقصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي ختموا به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا القرآن ، فسيد الخلق محمد بن عبد الله رسول الله أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام يمكن أن يكون لها ، ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه ، ولكونه أشرف كانت مكابدته أعلى المكابدات ، يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ من السهام ، ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف ـ نفديه بحر وجوهنا ومصون جباهنا وخدودنا ـ وهو ساجد ، ووضع الشوك في طريقه ، والإجماع على قصده بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «ما أوذي أحد في الله ما أوذيت».

ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو في الحقيقة بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال :( وَوالِدٍ ) ولما كان المراد التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان في جميع أمر التوليد ومما عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان السياق لذم أولي الأنفس الأمارة ، وكانوا هم أكثر الناس ، حسن التعبير بأداة ما لا يعقل لأنها من أدوات التعجيب فقال :( وَما وَلَدَ ) أي من ذكر أو أنثى كائنا من

٤٢٦

كان ، فدخل كما مضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فصار مقسما به مرارا ، وكذا دخل أبواه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسّلام وما صنعا وما صنع الله لهما بذلك البلد ، ومعلوم أن ذكر الصنعة تنبيه على صانعها ، فالمقصود القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه من الجلال ، وخص النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما خصه به من الإرسال ، وفاوت بين المتوالدين في الخصال ، من النقص والكمال وسائر الأحوال ، تنبيها على ما له من الكمال بالجلال والجمال ، ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتثبيتا له على احتمال الأذى ، إشارة إلى أن من كان قد حكم عليه بأنه لا يزال في نكد ، كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك النكد فيما يرضي الله سبحانه وتعالى ، وذلك لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في مكة المشرفة في أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه رضي الله عنهم لعلو مقامه ، فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالصبر والصفح ، وكل والد ومولود في شدة بالوالدية والمولودية ، وغير ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية ، من حين هو نطفة في ظلمات ثلاث في ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل؟ من المؤدب والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران ، ومن يتسلط عليه من النسوان ، مع أنه عرضة للأمراض ، وسائر ما يكره من الأعراض والأغراض ، والفاقات والنوائب والآفات ، والمطالب والحاجات ، لا يحظى بهواه ، ولا يبلغ مناه ، ولا يدرك ما اجتباه ، ولا ينجو غالبا مما يخشاه ، وتفاصيل هذا الإجمال لا تحصى ، ولا حد لها فتستقصى ، إلى الموت وما بعده ، فلذلك كان المقسم عليه قوله :( لَقَدْ خَلَقْنَا ) أي بما لنا من القدرة التامة والعظمة التي لا تضاهى( الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع( فِي كَبَدٍ ) أي شدة شديدة ومشقة عظيمة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف ، لو وكله سبحانه وتعالى في شيء منها إلى نفسه هلك ، ولو لا هذه البلايا لادعى ما لا يليق به من عظيم المزايا ، وقد ادعى بعضهم مع ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد ـ تعالى الله عن قولهم الواضح الفساد ، بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض وسائر الأنكاد ، فعل سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز ـ مع ما منحه به من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل ـ ما له سبحانه من تمام العلم وشمول القدرة ، وليظهر من خلقه له على هذه الصفة ، علم جميع ما في السورة ، فعلم قطعا إنكار ظنه لتناهي قدرته وتعالي عظمته ، وفساد هذا الظن بشاهد العقل من حيث كونه مصنوعا ، وبشاهد الوجود من أجل أنه يسلك طريق الشر ولا يقدر على طريق الخير إلا بالتوفيق ، فعلم قطعا إعجاز السورة لأنه لا قدرة لمخلوق على أن يأتي بجملة واحدة تجمع جميع ما وراءها من الجمل ـ هذا إلى

٤٢٧

ما لها من فنون الإيجاز التي وصلت إلى حد الإعجاز ، هذا إلى ما لبقية الجمل من الإعجاز في حسن الرصف وإحكام التركيب والربط والمراعاة بالألفاظ للمعاني إلى غير ذلك مما لا يبلغ كنهه إلى منزله سبحانه وعز شأنه ، وعلم أن الإكرام والإهانة ليستا دائرتين على التنعيم في الدنيا والتضييق كما تقدم شرحه في سورة الفجر ، ولأجل ما علم من كون الإنسان لا يزال في نكد وشدة ونصب من حيث احتياجه أولا إلى مطلق الحركة والسكون ، وثانيا إلى المأكل والمشرب ، وثالثا إلى ما يترتب عليهما إلى غير ذلك مما يعيي عده ويجهل حده ، توجه الإنكار في قوله تعالى بيانا للأسباب الموقعة له في النكد ، وهي شهوتان : نفسية وحسية ، والنفسية منحصرة في أربع : الأولى أنه يشتهي أن يكون كل من في الوجود في قبضته فأشار إليها( أَيَحْسَبُ ) أي هذا الإنسان لضعف عقله مع ما هو فيه من أنواع الشدائد( أَنْ لَنْ يَقْدِرَ ) ولما أكد بالفعلية وخصوص هذا النافي قدم الجار تأكيدا بما يفيد من الاهتمام بالإنسان فقال :( عَلَيْهِ ) أي خاصة( أَحَدٌ ) أي من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه مع ما ينظر من اقتداره على أمثاله بنفسه وبمن شاء من جنوده فيعادي رسله عليهم الصلاة والسّلام ويجحد آياته.

( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) )

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضح سبحانه وتعالى حال من تقدم ذكره في السورتين في عظيم حيرتهم وسوء غفلتهم وما أعقبهم ذلك من التذكر تحسرا حين لا ينفع التندم ، ولات حين مطمع ، أتبع ذلك بتعريف نبينا عليه أفضل الصلاة والسّلام بأن وقوع ذلك منهم إنما جرى على حكم السابقة التي شاءها والحكمة التي قدرها كما جاء في الموضع الآخر( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) [السجدة : ١٣] فأشار تعالى إلى هذا بقوله( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) أي أنا خلقناه لذلك ابتلاء ليكون ذلك قاطعا لمن سبق له الشقاء عن التفكر والاعتبار( وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ) [الكهف : ٥٧] فأعماهم بما خلقهم فيه من الكبد وأغفل قلوبهم فحسبوا أنهم لا يقدر عليهم أحد ، وقد بين سبحانه وتعالى فعله هذا بهم في قوله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ ) [الكهف : ٢٨]( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) [يونس : ٩٩] فأنت تشاهدهم يا محمد ذوي أبصار وآلات يعتبر بها النظار( أَلَمْ ) يجعل( لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ) فهلا أخذ في خلاص نفسه ، واعتبر بحاله وأمسه ،( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) ولكن إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ـ انتهى.

٤٢٨

ولما كان الإنسان لا يفتخر بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق ، فعلم أن مراده الإشارة إلى أن معه أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك ، إشارة إلى الثانية والثالثة من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له الفخار والامتنان على جميع الموجودات. وإرادته أن يكون عنده من الأموال ما لا تحيط به الأفكار ولا تحويه الأقطار ـ كما يشير إليه حديث «لو أن لابن آدم واد من ذهب » و «لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب »(١) علل سبحانه وتعالى جهله في حسابه ذلك وما تبعه بقوله :( يَقُولُ ) أي مفتخرا بقدرته وشدته :( أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ) ولقصد المبالغة في كثرته جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد كركع وراكع فأفهمت أنه بحيث لا يحصى ، بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن يكون بعضه على بعض فلا يعد ولا يحد ، أي وذلك قليل من الكثير الذي معي ، قلدت به أعناق الرجال المنن ، واستعبدت به الأحرار في كل زمن ، فصرت بحيث إذا دعوت كثر الملبي ، وإذا ناديت كثر المجيب ، وإذا أمرت عظم الممتثل ، وفاء لصنائعي الماضية ورغبة في نعمي الباقية ، فمن يستعصي عليّ ومن يخالف أمري ، فضلا عن أن يريد إخمال ذكري أو نقص قدري.

ولما كان الشيء لا يعني إلا إذا كان مجهولا ولو من بعض الجهات ، أنكر عليه هذا الظن على تقدير وقوعه فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به ، بقوله مشيرا إلى شهوته النفسية الرابعة ، وهي أن تكون أموره مستورة فلا يظهر على غيه أحد أصلا :( أَيَحْسَبُ ) أي هذا الإنسان العنيد بقلة عقله( أَنْ لَمْ يَرَهُ ) أي بالبصر ولا بالبصيرة في الزمن الماضي( أَحَدٌ ) أي في عمله هذا سره وجهره وجميع أمره ، فينقص جميع ما عمل إذا أراد ، وكل ما فاته من آثار هذه الشهوات الأربع ، وهو لا يزال فائتا له ، كان من إرادة تحصيله في نكد ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه لتحصيله في المهالك ، ولا يحصل منه على ما يرضيه أبدا ، وهذا كناية عن أنه يعمل من المساوىء أعمال من يظن أنه لا يطلع عليه ، فلذلك نبهه الله تعالى بأنواع التنبيه ليأخذ حذره ويحرز عمره.

ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره على ما أوجب شهوته الحسية المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له المانّ عليه به من بعض فيضه ، عالما بجميع أمره قادرا على نفعه وضره بنفسه وبمن أراد من جنده ، فقال مشيرا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة الجائلة في العالم الحسي ونظر عين البصيرة الجائلة في العالم

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ١٦٨ و ٢٣٦ والبخاري ٦٤٣٩ ومسلم ١٠٤٨ والترمذي ٢٣٣٧ عن أنس رضي الله تعالى عنه. تنبيه : لفظه (واد) كذا في الأصل والصواب وادِياً كما جاء في أصول تخريج الحديث وكما يقتضيه نص اللغة فلعل ذلك تحريف من النسّاخ والله تعالى أعلم.

٤٢٩

المعنوي من شهوته أن يحصل على كل ما يراه بعين باصرته ويعلمه بعين بصيرته من مليح ، ويخلص من كل ما يراه من قبيح ، ومذكرا له بما كان يجب عليه من الشكر باستعمال هذه المشاعر فيما شرع له وكفها عما منع الله منه :( أَلَمْ نَجْعَلْ ) أي بما لنا من العظمة التي لا يمكن أحدا أن يضاهيها ولا يقرب منها( لَهُ عَيْنَيْنِ ) يبصر بهما وإلا لتعطل عليه أكثر ما يريد ، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب لا يزيد إحداهما على الأخرى شيئا وقدرنا البياض والسواد أو الزرقة أو الشهلة أو غير ذلك على ما ترون ، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها.

ولما قدره سبحانه على ما ينشأ عنه شهوتا تحصيل المليح ونفي القبيح ، اتبع ذلك ما ينشأ عنه شهوتا الأمر والنهي وأنواع الكمالات الكمالية فقال :( وَلِساناً ) أي يترجم به عما في ضميره( وَشَفَتَيْنِ ) أي يستران فاه ويعينانه على الأكل والشرب وعلى النطق بفصاحة وبلاغة على حد معلوم لا يبلغه غيره ، فيجتمع له أمره ويصل إلى مقاصد جمة وأهوال مهمة ، ولم يذكر السمع لأن الكلام يستلزمه ، والمعنى : ألسنا قادرين بالقدرة التي جعلنا له بها ما ذكر على أن نجعل لغيره مثل ما جعلنا له وأكثر فيقاومه ويغلبه.

ولما كان لله تعالى على كل أحد في كل لمحة منة جديدة في إبقاء هذه الآلات الثلاث ، عبر فيها بالمضارع ، ولما كانت النعمة في العقل إنما هي بهبته أولا ثم بحمله به على الخير ثانيا ، وكان أمره خفيا ، وكان من المعلوم أن كل أحد غير مهدي في كل حركاته وسكناته إلى ما يسعده ، بل كان هذا المنكر عليه لم يؤهل لطريق الخير ، اختير له لفظ الماضي لذلك تحقيقا لكونه وجعله غريزة لا تتحول وطبيعة لا تتبدل ، بل هي غالبة على صاحبها ، قائدة إلى مضارة أو محابة ومسارة وإن كره ، وهو السبب الذي يكون به الخلاص من شر تلك الأنكاد في دار الإسعاد فقال تعالى :( وَهَدَيْناهُ ) أي بما آتيناه من العقل( النَّجْدَيْنِ ) أي طريقي الخير والشر ، وصار بما جعلناه له من ذلك سميعا بصيرا عالما فصار موضعا للتكليف ، روى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، يا أيها الناس إنما هما نجدان : نجد خير ونجد شر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير »(١) قال المنذري : النجد هنا الطريق ـ انتهى. وهو طريق في ارتفاع ، عبر عن الخير والشر به لإعلائهما الإنسان عن رتبة باقي الحيوان ، ولأن الإنسان

__________________

(١) أخرجه الطبراني كما في المجمع ١٠ / ٢٥٦ من حديث أبي أمامة وقال الهيثمي : فيه فضال ضعيف ا ه.

وفي الميزان : فضّال بن جبير. قال ابن عدي : أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان : يروي أحاديث لا أصل لها.

٤٣٠

لا يختار واحدة منهما إلا بمعاناة وتكلف كمعاناة من يصعد في عقبة ، والنجد لغة الموضع العالي ، والله تعالى يعلي من أراد على ما شاء منهما بخلاف ما كان يقتضيه ظاهر حاله من أنه لا يحب تكلف شيء أصلا ، ولا يريد الأشياء تأتيه إلا عفوا ، وذلك لأجل إظهار قدرته سبحانه وتعالى ، أما صعوبة طريق الخير فبما حفه به من المكاره حتى صار العمل به ، مع أن كل أحد يعشق اسمه ومعناه ، أشد شيء وأصعبه ، وأشقه وأتعبه ، وأما صعوبة طريق الشر فواضحة جدا مع أن الله يلزمه لمن أراد بتسهيله وتحبيبه وتخفيفه وتقريبه مع أن كل أحد يكره اسمه وينفر من معناه ، وجعل الله تعالى الفطرة الأولى السليمة التي فطر الناس عليها من الاستقامة بحيث تدرك الشر وتنهى عنه ، وتدرك الخير وتأمر به ، غير أن الشهوات والحظوظ تعالجها ، والغالب من أعانه الله ، وإلى ذلك يشير حديث «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت »(١) وحديث «البر ما اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر ، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك »(٢) .

ولما كان معنى ما مضى أن هذا الإنسان عاجز وإن تناهت قوته ، وبلغت الذروة قدرته ، لسبق قوله تعالى :( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) [النساء : ٢٨] وأنه معلوم جميع أمره مفضوح في سره كما هو مفضوح في جهره ، كما أشار إليه حديث جندب رضي الله تعالى عنه عند الطبراني «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها»(٣) وحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عند أحمد وأبي يعلى «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج عمله للناس »(٤) فهو موصول إليه مقدور عليه ، وأنه كان يجب عليه الشكر على ما جعل له سبحانه وتعالى من القوى التي جعلها لسوء كسبه آلات للكفر ، سبب سبحانه وتعالى عنه قوله تفصيلا للأشياء الموصلة إلى الراحة في العقبى نافيا لفعلها عنه على سبيل الحقيقة دلالة على عجزه :( فَلَا اقْتَحَمَ ) أي وثب ورمى بنفسه بسرعة وضغط وشدة حتى كان من شدة المحبة لما يراه فيما دخل فيه من الخير

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤ / ١٢١ والبخاري ٣٤٨٤ وأبو داود ٤٧٩٧ والطيالسي ٦٢١ عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه.

(٢) أخرجه أحمد ٤ / ١٨٢ مسلم ٢٥٥٣ والترمذي ٢٣٨٩ والبغوي ٣٤٩٤ عن النوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه وفي الباب عن أبي ثعلبة الخشني ووابصة بن معبد رضي الله تعالى عنهما.

(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧٠٢ عن جندب بن سفيان رضي الله تعالى عنه.

قال الهيثمي في المجمع (١٠ / ٣٨٧ ـ الفكر ـ) : رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه : حامد بن آدم وهو كذاب.

(٤) أخرجه أحمد ٣ / ٢٨ وأبو يعلى ١٣٧٨ والحاكم ٤ / ٣١٤ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وهذا الحديث ضعّفه الشيخ ناصر في السلسلة الضعيفة ١٨٠٧.

٤٣١

كأنه أتاه من غير فكر ولا روية بل هجما( الْعَقَبَةَ ) وهي طريق النجاة ، والمقرر في اللغة أنها الطريق الصاعد في الجبل المستعار اسمها لأفعال البر المقرر في النفوس أنها مريحة لا متعبة ، مع كونها أعظم فخرا وأعلى منقبة ، لأنا حجبناه عنها بأيدينا وعظيم قوتنا وعجيب قدرتنا ، وذلك أن الخير لما كان محببا إلى القلوب معشوقا للنفوس مرغوبا فيه لا يعدل عنه أحد ، جعلناه في بادىء الأمر كريها وعلى النفوس مستصعبا ثقيلا حتى صار لمخالفته الهوى كأنه عقبة كؤود ، لا ينال ما فيه من مشقة الصعود ، إلا بعزم شديد وهمة ماضية ، ونية جازمة ، ورياضة وتدريب ، وتأديب وتهذيب ، وشديد مجاهدة وعظيم مكابدة للنفس والهوى والشيطان ، بحيث يكون متعاطيه في فعله له كالرامي بنفسه فيه بلا روية رمي العاشق له المتهالك عليه ، فكان هذا سببا لأن هذا الجاهل بنفسه المتعدي لطوره لم يختر لنفسه الخير بما أوتي من البصر الذي يبصر به صنائع الله ، والبصيرة التي يعرف بها ما يضره وما ينفعه شكرا لربه سبحانه وتعالى ويكون ذلك لإحسانه إليه ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وهل جزاء النعمة إلا الشكر ، بل اختار الشر وارتكب الضر مع أنا هيأناه لكل منهما فبانت لنا القدرة. واتضحت في صفاتنا العظمة ، وتحقق له الضعف وظهر منه النقص والعجز ، فوجب عليه لعزتنا الخضوع ، وإجراء مصون الدموع وإظهار الافتقار والذل والصغار ، لنقحمه سبيل الجنة وننجيه من طريق النار ، ومن اقتحم هذه العقبة التي هي للأعمال الصالحة اقتحم عقبة الصراط ، فكانت سهولتها عليه بقدر مكابدته لهذه ، واستراح من تلك المكابدات والأحزان والهموم وصار إلى حياة طيبة كما قال الله تعالى( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) [النحل : ٩٧] الآية ، واقتحامها بأن يرتحل من عالمه السافل إلى العالم العالي الكامل الذي ليس فيه إلا اللذة ، وذلك هو الاعتراف بحق العبودية ، وتلك هي الحرية لأن الحر من خرج من رق الشهوات إلى خدمة المولى ، فصار طوع أمره في سره وجهره لا حظ لشهوة فيه ولا وصول لحظ إليه ، وذلك يكون بشيئين : أحدهما جذب والآخر كسب ، فالمجذوب محمول. والكاسب في تعب المجاهدات بسيف الهمة العالية مصول.

ولما بين أنه لا خلاص من النكد إلا بهذا الاقتحام ، شرع في تفسير العقبة بادئا بتهويل أمرها لعظيم قدرها ، فقال معبرا بالماضي الذي جرت عادة القرآن بأنه إذا عبر به شرح المستفهم عنه :( وَما أَدْراكَ ) أي أيها السامع لكلامنا ، الراغب فيما عندنا( مَا الْعَقَبَةُ ) أي إنك لم تعرف كنه صعوبتها وعظمة ثوابها ، فلما تفرغ القلب بالاستفهام عما لا يعرفه ، وكان الإنسان أشهى ما إليه تعرف ما أشكل عليه ، فتشوفت النفوس إلى

٤٣٢

علمها ، قال مشيرا إلى الأولى التي هي العفة التي ثمرتها السخاء وإصلاح قوة الشهوة معبرا بالفك الذي هو أدنى ما يكون من العتق لأنه الإعانة فيه ولو بما قل كما ورد في حديث البراء رضي الله عنه «أعتق النسمة وفك الرقبة»(١) وعتقها أن تفرد به ، وفكها أن تعين في ثمنها ، وفسر المراد بهذه العقبة بما دل على معادل لا كما يأتي تعيين تقديره فإنها لا تستعمل إلا مكررة قال :( فَكُ ) أي الإنسان( رَقَبَةٍ ) أي من الأسر أو الظلم أو الغرم أو السقم شكرا لمن أولاه الخير وتنفيسا للكربة حبا للمعالي والمكارم لا رياء وسمعة كما فعل هذا الظان الضال ولا لطمع في جزاء ولا لخوف من عناء( أَوْ إِطْعامٌ ) أي أوقع الإطعام لشيء له قابلية ذلك( فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) أي جوع عام في مكان جوع وزمان جوع ـ بما أفهمه الوصف والصيغة ، فكان لذلك يحمل على الضنة بالموجود خوفا من مثل ما فيه المطعم فخالف النفس وآثر عليها اعتمادا على الله( يَتِيماً ) أي إنسانا صغيرا لا أب له يرجى أو يخاف( ذا مَقْرَبَةٍ ) لا يرجى بإطعامه إلا التودد لأقاربه للتكثير بهم مع أنه يجمع بذلك بين صدقة وصلة وإن كان غنيا( أَوْ مِسْكِيناً ) أي شخصا لا كفاية له( ذا مَتْرَبَةٍ ) أي حاجة مقعدة له على التراب ، لا يقدر على سواه ، فالآية من الاحتباك : ذكر القرب أولا يدل على ضده ثانيا ، وذكر المتربة ثانيا يدل على ضدها أولا ، وسر ذلك أنه ذكر في اليتيم القرب المعطف ، وفي المسكين الوصف المرقق الملطف ، فهو لا يقصد بإطعامه إلا سد فاقته ، ودخل فيه اليتيم البعيد والفقير من باب الأولى وإن كان أجنبيا.

( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) )

ولما كانت هذه الأفعال خيرا في نفسها تدل على جودة الطبع وعلو الهمة وكرم العنصر وإباه النفس إشارة إلى شدة حسنها لأنه لا يوفق لها إلا مخلص وإن كان غير مستند إلى شرع وإلى ما يفيده من سلاسة الطبع وسهولة الانقياد وإلى عظمة الإيمان بالتعبير بأداة التراخي في قوله مشيرا إلى العقبة الثانية وهي الحكمة المزكية للقوة النطقية :( ثُمَّ كانَ ) أي بعد التخلق بهذه الأخلاق الزاكية العالية النفيسة الغالية في حال كفره أو مبادىء إسلامه للدلالة على صفار جبلته وجودة عنصره من الراسخين في الإيمان المعبر عنه بقوله :( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي عند ما دعاه إليه الهادي ، ولم تحمله حمية الأنف

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤ / ٢٩٩ والحاكم ٢ / ٢١٧ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

٤٣٣

وشماخة النفس على الإباء عن أن يكون تابعا بعد ما كان متبوعا ، وسافلا في زعمه إثر ما كان رفيعا ، بل سدد النظر وقوم الفكر فأيقن أنه يعلي نفسه من الحضيض إلى ما فوق السهى ، يرقيها في درج المعالي إلى ما ليس له انتهاء ،( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) [طه : ٥٤ ، ١٢٨] فحينئذ يعلم استقامة طبعه وكرم غريزته وعليّ همته وحسن نيته وجميل طويته وغزارة عقله وجلالة نبله وفضله واستحقاقه التقدم على الأعلام في الجاهلية والإسلام ، ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه أعلى الناس درجة بعد النبيين عليهم أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ، لأن هذه كانت أفعاله رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام كما قال ابن الدغنة حين وجده قد خرج من مكة المشرفة يريد الهجرة حين آذاه الكفار : إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكلّ وتعين على نوائب الحق ـ كما قالت خديجة رضي الله عنها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين رجع إليها ترجف بوادره من تجلي جبريل عليه الصلاة والسّلام له سواء ، فلما سرب في رحيب مسربه ، وشرب من صافي مشربه توفيقا من الله تعالى لم يتلعثم حين دعاه إلى الدين ولا كانت عنده كبوة ولا تردد ، ثم ترقى في درجات الإسلام إلى أعلى مرام بحيث قال يوم الحديبية لعمر رضي الله عنهما حين أظهر الكراهة للصلح ما قال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سواء حرفا بحرف من غير أن يكون حاضره أو ينقل إليه كلامه ، فسار حينئذ حائزا قصب السبق ، لا مطمع في مداناته ، فكيف بلحاقه ومساواته ، ولكماله وعظمته وجلاله لم يشرب قط خمرا ، وكان إذا ليم على ذلك في الجاهلية قال لعشراء : والله لو وجدت شيئا يزيد في عقلي لاشتريته بجميع مالي فكيف أشتري بمالي ما يزيل عقلي. وتلك الأعمال لا تصح وإن كانت ممدوحة في كل حال إلا بالإيمان ، أما إن كانت بعده فواضح ، وأما إن كانت قبله فبانعطافه عليها كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أسلمت على ما سلف منك من خير »(١) .

ولما كان الإيمان معليا للإنسان عن درك الهوان إلى عظم الشأن ، حاملا له على محاسن الأعمال ومكارم الأفعال ، وذلك أنه يقود إلى جميع شرائع الدين العظيمة الشأن ، وكانت موجبة للجهاد الأكبر من حيث مخالفتها للطبع ، وكان ذلك غير مقدور عليه إلا بالشجاعة وهي القوة الثالثة التي إذا هدئت أراحت ، وكانت لا تكون إلا بعظيم الصبر ، وكان الصبر لمرارته لا يدوم إلا بالتعاون قال تعالى :( وَتَواصَوْا ) أي صبروا وأوصى بعضهم بعضا( بِالصَّبْرِ ) في اقتحام عقبات الأعمال التي لا يجوزها إلا أبطال الرجال من الأمر بالمعروف إلى ما دونه وإن كان فيه الحتوف ، فإن الشجاعة كما قيل صبر ساعة.

__________________

(١) أخرجه البخاري ١٤٣٦ ومسلم ١٢٣ وأحمد ٣ / ٤٠٢ من حديث حكيم بن حزام بأتم منه.

٤٣٤

ولما كان الإنسان لا بد أن يعرض له من غيره من الخلاف ما يوجب قسوته عليه ، فكانت الرحمة من ثمرات الاصطبار المثمر للعدالة ، وهي التوسط بين مذمتي الإفراط والتفريط في الفسق والبله وهي العقبة الرابعة ، قال مؤكدا بإعادة العامل إشارة إلى قلة العاملين بها :( وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) أي الرحمة العظيمة بحسب زمانها ومكانها بأن يوطنوا أنفسهم على كل ما يحمل على الرحمة العظيمة التي توجب لهم الحب في الله والبغض فيه لأنهم كانوا قبل الإيمان خالصين عن الرياء والإعجاب متهيئين للتزكية فزكاهم الإيمان ، فصاروا في غاية النورانية والعرفان.

ولما كان ذلك من معالي الأخلاق ، وموجبات الفواق والوفاق ، كانت نتيجته لا محالة :( أُولئِكَ ) أي العظماء الكبراء العالو المنزلة ، ولم يأت بضمير الفصل كما يأتي لأضدادهم ليخلص الفعل له سبحانه وتعالى من غير نظر إلى ضمائرهم الدالة على جبلاتهم لأنه هو الذي جبلها ، وأغنى عنه بالإشارة الدالة على علو مقامهم وبعد مرامهم( أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) أي الجانب الذي فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة بقسميهم من السابقين المقربين وأصحاب اليمين الأبرار ، كما مضى شرحه في سورة الواقعة. وهذا تعريض بذلك الذي أتلف ماله في المنافسة. والمشاققة والمعاكسة.

ولما أرشد السياق لمعادلة( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) إلى أن التقدير : ولا أحجم عن المعطبة التي هي الأفعال الموجبة للمعتبة مع كونها متعبة ، بل قطع من يستحق الوصل ووصل من يستأهل القطع ، ثم كان من الذين كفروا وتواصوا بالملأمة واكتسبوا السيئات واتبعوا الشهوات وعاملوا بالقسوة ، عطف عليه قوله :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم. ولما كان الكفر بالآيات من أسوأ أنواع الكفر لأنه كفر بما جعله الله علما على غيب عهده ، وهي جميع ما تدركه الحواس من الأقوال والأفعال الدالة على ذي الجلال لأنها دالة على الصفات الدالة على الموصوف بها الذي ظهر بأفعاله وبطن بعظيم جلاله ، قال :( بِآياتِنا ) أي ما لها من العظمة بالإضافة إلينا والظهور الذي لا يمكن خفاؤه( هُمْ ) أي خاصة لسوء ضمائرهم ولفساد جبلاتهم( أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ) أي الخصلة المكسبة للشؤم والحرمان والهلكة فهؤلاء مشائيم على أنفسهم ، وكفرهم دال على فساد جبلاتهم فهو يشير إلى أن من كان كفره أخف لم يكن جبليا ، فيوشك أن يهدى فيكون من أصحاب الميمنة.

ولما كان معنى هذا أنهم في الجانب الذي فيه الشؤم والهلكة ، والبعد من كل بركة ، أنتج قوله :( عَلَيْهِمْ ) أي خاصة دون غيرهم( نارٌ مُؤْصَدَةٌ ) أي مطبقة الباب مع إحاطتها بهم من جميع الجوانب ـ بما أفهمته أداة الاستعلاء ومع الضيق والوعورة ،

٤٣٥

وهذا لعمري أشد الضيق والكبد ، والنصب والنكد فالملجأ منه إلى الله الأحد ، الواحد الصمد ، وقد علم أن أولها هو هذا الآخر ، فكان التقاطر فيها مما تشد به الأيدي وتعقد عليه الخناصر ـ والله تعالى هو المرجو للهداية إلى خير السرائر ، وهو الهادي للصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٤٣٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الشمس

مكية ـ آياتها خمس عشر

مقصودها إثبات تصرفه سبحانه وتعالى في النفوس التي هي سرج الأبدان ، تقودها إلى سعادة أو كيد وهوان ونكد ، كما أن الشمس سراج الفلك ، يتصرف سبحانه في النفوس بالاختيار إضلالا وهداية نعيما وشقاوة كتصرفه سبحانه في الشمس بمثل ذلك من صحة واعتلال ، وانتظام واختلال ، وكذا في جميع الأكوان ، بما له من عظيم الشأن ، واسمها الشمس واضح الدلالة على ذلك بتأمل القسم والمقسم عليه بما أعلم به وأشار إليه( بِسْمِ اللهِ ) الذي هو الملك الأعظم فله التصرف العام( الرَّحْمنِ ) الذي وسعت رحمته كل شيء فإليه الإنعام( الرَّحِيمِ ) الذي خص من شاء بالتوفيق فبنى إنعامه عليهم على التمام.

( وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) )

لما أثبت في سورة البلد أن الإنسان في كبد ، وختمها بأن من حاد عن سبيله كان في أنكد النكد ، وهو النار المؤصدة ، أقسم أول هذه على أن الفاعل لذلك أولا وآخرا هو الله سبحانه لأنه يحول بين المرء وقلبه وبين القلب ولبه ، فقال مقسما بما يدل على تمام علمه وشمول قدرته في الآفاق علويها وسفليها ، والأنفس سعيدها وشقيها وبدأ بالعالم العلوي ، فأفاد ذلك قطعا العلم بأنه الفاعل المختار ، وعلى العلم بوجوب ذاته وكمال صفاته ، وذلك أقصى درجات القوى النظرية ، تذكيرا بعظائم آلائه ، ليحمل على الاستغراق في شكر نعمائه ، الذي هو منتهى كمالات القوى العملية ، مع أن أول المقسم به مذكر بما ختم به آخر تلك من النار :( وَالشَّمْسِ ) أي الجامعة بين النفع والضر بالنور والحر ، كما أن العقول كذلك لا أنور منها إذا نارت ، ولا أظلم منها إذا بارت( وَضُحاها ) أي وضوئها الناشىء عن جرمها العظيم الشأن البديع التكوين المذكر بالنيران إذا أشرقت وقام سلطانها كإشراق أنوار العقول ، والضحى ـ بالضم والقصر :

٤٣٧

صدر النهار حين ارتفاعه ، وبالفتح والمد : شدة الحر بعد امتداد النهار ، وشيء ضاح ـ إذا ظهر للشمس والحر.

ولما افتتح بذكر آية النهار ، أتبعه ذكر آية الليل فقال :( وَالْقَمَرِ ) أي المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول( إِذا تَلاها ) أي تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره من نورها من القرب الماحق لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من جرمه ، ولا يزال يكثر إلى أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار عند تقابلهما في أفق الشرق والغرب ، ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ما ينحرف عن المقابلة ، ونسبة التبع إليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر منه كذلك.

ولما ذكر الآيتين ، ذكر ما هما آيتاه ، وبدا بهما لأنه لا صلاح له إلا بهما كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال :( وَالنَّهارِ ) أي الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار( إِذا جَلَّاها ) أي جلى الشمس بحلية عظيمة بعضها أعظم من بعض باعتبار الطول والقصر والصحو والغيم والضباب والصفاء والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة تدنسها ، لأن العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ثم لا يزال يزيد وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة ، أو نجاسته بسوء الجبلة ، حتى يصير الشخص نورا محضا ملكا ناطقا إذا طابق البدن العقل فتعاونا على الخير ، أو يصير ظلاما بحتا شيطانا رجيما إذ خالف البدن العقل بسوء الجبلة وشرارة الطبع.

ولما ذكر معدن الضياء ، ذكر محل الظلام فقال :( وَاللَّيْلِ ) أي الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون( إِذا يَغْشاها ) أي يغطي الشمس فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على وجهها المماس لنا ، فيأخذ الأفق الشرقي في الإظلام ، ويمتد ذلك الظلام بحسب طول الليل وقصره كما يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره ، وذلك كله بمقادير معلومة ، وموازين قسط محتومة ، ليس فيها اختلال ، ولا يعتريها انحلال ، حتى يريد ذو الجلال ، ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن الليل لا يذهب الضياء بمرة بل شيئا فشيئا ، ولا ينفك عن نور بخلاف النهار ، فإنه إذا أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس في آن واحد ، فلم يبق معه ظلام بوجه.

ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما ، ذكر محل الكل فقال تعالى :( وَالسَّماءِ ) أي التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس ، والنفوس مركب العقول ، ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما هو دونه في الحس وفوقه في

٤٣٨

الاحتياج إلى إعمال فكر ، رقي إلى الباطن الأعلى المقصود بالذات وهو المبدع لذلك كله معبرا عنه بأداة ما لا يعقل ، مع الدلالة بنفس الإقسام ، على أن له العلم التام ، والإحاطة الكبرى بالحكمة البالغة ، تنبيها على أنهم وصفوه بالإشراك وإنكار الحشر بتلك المنزلة السفلى والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما له من صفات الكمال التي ليس لغيره ما يداني شيئا منها ، زجرا لهم بالإشارة والإيماء عن ذلك ومشيرا إلى شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال :( وَما بَناها ) أي هذا البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما وراءه مما يعجز الوصف.

ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال :( وَالْأَرْضِ ) أي التي هي فراشكم بمنزلة محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة( وَما طَحاها ) أي بسطها على وجه هي فيه محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك ، وهي مع كونها ممسكة بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها ، وهي موضع البعد والهلاك ومحل الجمع ـ كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي الإنسان من أمثال هذا ، قال أهل البصائر :

وليس في العالم الآفاقي شيء إلا وفي العالم النفساني نظيره ، وانشدوا في ذلك :

دواؤك فيك وما تشعر

وداؤك منك وتستنكر

وتحسب أنك جزء صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

فالسماوات سبع كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية كالذاكرة والحافظة والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو لمقاسم البصر في العين ، ونظير الشمس الروح في إشراقه وحسنه ، ونظير الليل الطبع فإن ما به من نور فإنما هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره إلا من الشمس بواسطة إفادتها للقمر المنير له والكواكب ، ونظير النهار ـ الذي هو نير في أصله ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه ـ القلب وسحبه الشكوك والأوهام النفسية ، ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس النفس ، فإذا أكسبها القلب المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن ، وإذا أظلمت أظلم كله ، والأعضاء الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود بواسطة الروح والنفس ، والأمطار كالدمع ، والحر كالحزن ، والبرد كالسرور ، والرعد كالنطق ، والبرق كالملح ، والرياح كالنفس ـ إلى غير ذلك من البدائع لمن تأمل ، والعالم السفلي سبع طباق أيضا ، قال الملوي : «ونظيرها طبقة الجلد» وهي ثلاث ، وطبقة اللحم وطبقة الشحم وطبقة العروق وطبقة العصب ، والجبال كالعظام والمعادن منها المياه وفيها العذب كالريق والملح كالدمع والمر كما في الأذن والمنتن منه كما في الأنف ، ومنه ما هو جار كالبول ، ومنه ما هو كالعيون وهو الدم ، والسيل كالعرق ،

٤٣٩

والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص هي وسخ الأرض وهي كالعذرة وما يخرج من الجلد من خبث ، والنبات كالشعور تارة تحلق كالحصاد وتارة تقلع كالنتف ، والحيوانات التي فيها كالقمل ، وطيورها كالبراغيث ، وعامر البدن ما أقبل منه ، وخرابه ما أدبر.

ولما أتم الإشارة إلى النفوس لأهل البصائر ، صرح بالعبارة لمن دونهم فقال تعالى :( وَنَفْسٍ ) أي أيّ نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره. ولما كانت النفوس أعجب ما في الكون وأجمع ، عبر فيها بالتسوية حثا على تدبر أمرها للاستدلال على مبدعها للسعي في إصلاح شأنها فقال تعالى :( وَما سَوَّاها ) أي عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وعجائب المزاج من الأخلاط المتنافرة التي لاءم بينها بالتسوية والتعديل فجعلها متمازجة وقد أرشد السياق والسباق واللحاق إلى أن جواب القسم مقدر تقديره : لقد طبع سبحانه وتعالى نفوسكم على طبائع متباينة هيأها بها لما يريد من القلوب من تزكية وتدسية بما جعل لكم من القدرة والاختيار ، وأبلغ في التقدم إليكم في تزكية نفوسكم وتطهير قلوبكم لاعتقاد الحشر بما هو أوضح من الشمس لا شبهة فيه ولا لبس لتنجوا من عذاب الدنيا والآخرة بالاتصاف بالتقوى ، والانخلاع من الفجور والطغوى.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى بما خلق فيه الإنسان من الكبد مع ما جعل له سبحانه من آلات النظر ، وبسط له من الدلائل والعبر ، وأظهر في صورة من ملك قياده ، وميز رشده وعناده( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) [البلد : ١٠]( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) [الإنسان ٣] وذلك بما جعل له من القدرة الكسبية التي حقيقتها اهتمام أو لم؟ وأنى بالاستبداد والاستقلال ، ثم( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) [الصافات : ٩٦] أقسم سبحانه وتعالى في هذه السورة على فلاح من اختار رشده واستعمل جهده وأنفق وجده( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) وخيبة من غاب هداه فاتبع هواه( وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) فبين حال الفريقين وسلوك الطريقين ـ انتهى.

ولما كان أعجب أمورها الفجور لما غلب سبحانه عليها من الحظوظ والشهوات ، وهي تعلم بما لها من زاجر العقل بصحيح النقل أن الفجور أقبح القبيح ، والتقوى لما أقام عليها من ملك العقل الملكي وغريزة العلم النوراني أحسن الحسن ، وتذوق أن الفجور أشهى شهي ، وأن التقوى أمرّ شيء وأصعبه ، وأثقله وأتعبه ، قال معلما أن هذا لا يقدر عليه سواه لأنه أعجب من جميع ما مضى لأن البهيمة لا تقدم على ما يضرها وهي تبصر ولو قطعت ، والآدمي يقدم على ما يضره وهو يعلم ويقاتل من منعه منه ، فقال مسببا عما حذف من جواب القسم :( فَأَلْهَمَها ) أي النفس إلهام الفطرة السابقة الأولى

٤٤٠