نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 95
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 95 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

قبل( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) [الأعراف : ١٧٢]( فُجُورَها ) أي انبعائها في الميل مع دواعي الشهوات وعدم الخوف الحامل على خرق سياج الشريعة بسبب ذلك الطبع الذي عدل فيه ذاتها وصفاتها في قسر المتنافرات على التمازج غاية التعديل( وَتَقْواها ) أي خوفها الذي أوجب سكونها وتحرزها بوقايات الشريعة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الفجور أولا دالّ على السكون الذي هو ضده ثانيا ، وذكر التقوى ثانيا دالّ على ضده ، وهو عدم الخوف أولا ، وإلهامها للأمرين هو جعله لها عارفة بالخير والشر مستعدة ومتهيئة لكل منهما ؛ ثم زاد ذلك بالبيان التام بحيث لم يبق لبس ، فزالت الشبه عقلا بالغريزة والإلهام ونقلا بالرسالة والإعلام. ودل بالإضافة على أن ذلك كله منسوب إليها ومكتوب عليها وإن كان بخلقه وتقديره لأنه أودعها قوة وجعل لها اختيارا صالحا لكل من النجدين ، وأوضح أمر النجدين في الكتب وعلى ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسّلام بعد ما وهبه لها من الفطرة القويمة وأخفى عنها سر القضاء والقدر وعلم العاقبة ، فأقام بذلك عليها الحجة وأوضح المحجة.

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) )

ولما كان من المعلوم أن من سمع هذا الكلام يعلم أن التقوى لا يكون إلا مأمورا بها ، والفجور لا يكون إلا منهيا عنه ، فيتوقع ما يقال فيهما مما يتأثر عنهما ، قال تعالى :( قَدْ أَفْلَحَ ) أي ظفر بجميع المرادات( مَنْ زَكَّاها ) أي نماها وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة وطهرها على ما يسره لمجانبته من مذامّ الأخلاق لأن كلّا ميسر لما خلق له ، والدين بني على التحلية والتخلية و «زكى» صالح للمعنيين( وَقَدْ خابَ ) أي حرم مراده مما أعد لغيره في الدار الآخرة وخسر وكان سعيه باطلا( مَنْ دَسَّاها ) أي أغواها إغواء عظيما وأفسدها ودنس محياها وقذرها وحقرها وأهلكها بخبائث الاعتقاد ومساوىء الأعمال ، وقبائح النيات والأحوال ، وأخفاها بالجهالة والفسوق ، والجلافة والعقوق ، وأصل «دسى» دسس ، فالتزكية أن يحرص الإنسان على شمسه أن لا تكسف ، وقمره أن لا يخسف ، ونهاره أن لا يتكدر ، وليله ألا يطفى ، والتدسيس أقله إهمال الأمر حتى تكسف شمسه ، ويخسف قمره ، ويتكدر نهاره ، ويدوم ليله ، وطرق ذلك اعتبار نظائر المذكورات من الروحانيات وإعطاء كل ذي حق حقه ، فنظير الشمس هي النبوة لأنها كلها ضياء باهر وصفاء قاهر ، وضحاها الرسالة وقمرها الولاية ، والنهار هو العرفان ، والليل عدم طمأنينة النفس بذكر الله وما

٤٤١

جاء من عنده ، وإعراضها عن الانقياد لقبول ما جاء من النبوة أو الولاية ، والعلماء العاملون هم أولياء الله ، قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما : إن لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي ـ رواه عنهما الحافظ أبو بكر الخطيب ، وهو مذكور في التبيان وغيره من مصنفات النووي ، ونظير السماء العزة والترفع عن الشهوات وعن خطوات الشياطين من الإنس والجن ، والأرض نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله وللمؤمنين فيكون بإخراجه المنافع لهم كالأرض المخرجة لنباتها ، والتدسية خلاف ذلك ، من عمل بالسوء فقد هضم نفسه وحقرها فأخفاها كما أن اللئام ينزلون بطون الأودية ومقاطعها بحيث تخفى أماكنهم على الطارقين ، والأجواد ينزلون الروابي ، ويوقدون النيران للطارقين ، ويشهرون أماكنهم للمضيفين منازل الأشراف في الأطراف كما قيل :

قوم على المحتاج سهل وصلهم

ومقامهم وعر على الفرسان

ولما كان السياق للترهيب بما دلت عليه سورة البلد وتقديم الفجور هنا ، وكان الترهيب أحث على الزكاء ، قال دالّا على خيبة المدسي ليعتبر به من سمع خبره لا سيما إن كان يعرف أثره :( كَذَّبَتْ ثَمُودُ ) أنث فعلهم لضعف أثر تكذيبهم لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم وقبيح غايتهم ، وما لهم بسفول الهمم وقباحة الشيم ، وخصهم لأن آيتهم مع أنها كانت أوضح الآيات في نفسها هي أدلها على الساعة ، وقريش وسائر العرب عارفون بهم لما يرون من آثارهم ، ويتناقلون من أخبارهم( بِطَغْواها ) أي أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله تعالى بسبب ما كان لنفوسهم من وصف الطغيان ، وهو مجاوزة القدر وارتفاعه والغلو في الكفر والإسراف في المعاصي والظلم ، أو بما توعدوا به من العذاب العاجل وهي الطاغية التي أهلكوا بها ، وطغى ـ واوي يائي يقال : طغى كدعا يطغو طغوى وطغوانا ـ بضمها كطغى يطغى ، وطغي كرضي طغيا وطغيانا ـ بالكسر والضم ، فالطغوى ـ بالفتح اسم ، وبالضم مصدر ، فقلبت الياء ـ على تقدير كونه يائيا ـ واوا للتفرقة بين الاسم والصفة ، واختير التعبير به دون اليائي لقوة الواو ، فأفهم أنهم بلغوا النهاية في تكذيبهم ، فكانوا على الغاية من سوء تعذيبهم.

ولما ذكر تكذيبهم ، دل عليه بقوله :( إِذِ ) أي تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين( انْبَعَثَ أَشْقاها ) أي أشد ثمود شقاء وهو عاقر الناقة للمشاركة في الكفر والزيادة بمباشرة العقر ، وهو قدار بن سالف ، أو هو ومن مالاه على عقرها ، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف صلح للواحد والجمع( فَقالَ لَهُمْ ) أي بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل

٤٤٢

على قصدهم لها بالأذى ، وأظهر ولم يضمر وعين الإظهار بالجلالة إشارة إلى عظيم آيتهم وبديع بدايتهم ونهايتهم فقال :( رَسُولُ اللهِ ) أي الملك الذي له الأمر كله ، فتعظيمه من تعظيم مرسله وهو صالح عليه الصلاة والسّلام وكذا الناقة ، وعبر بالرسول لأن وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا ، ولذا قال مشيرا بحذف العامل إلى ضيق الحال عن ذكره لعظيم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى ، وزاد في التعظيم بإعادة الجلالة :( ناقَةَ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي له الجبروت كله فلا يقر من انتهك حرمته واجترأ على ما أضافه إليه ، ولهذا أعاد الإظهار دون الإضمار ، والعامل : دعوا أو احذروا ـ أو نحو ذلك أي احذروا أذاها بكل اعتبار( وَسُقْياها ) أي الماء الذي جعله الله تعالى لها لسقيها وهو بئرها ، فلا تذودوها عن بئرها في اليوم الذي تكون فيه نوبتها في الشرب ولا تمسوها بسوء ، وكأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهم عنهم بعد مدة أنهم يريدون عقرها فكرر عليهم التحذير( فَكَذَّبُوهُ ) أي أوقعوا تكذيبه بسبب طغيانهم وعقب أمره هذا الأخير فيما حذر من حلول العذاب ، أو تكون الفاء هي الفصيحة أي قال لهم ذلك فكانت بعده بينه وبينهم في أمرها أمور ، فأوقعوا تكذيبه فيها كلها( فَعَقَرُوها ) أي بسبب ذلك التكذيب بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا به( فَدَمْدَمَ ) أي عذب عذابا تاما مجلّلا مغطيا مطبقا مستأصلا شدخ به رؤوسهم وأسرع في الإجهاز وطحنهم طحنا مع الغضب الشديد ؛ قال الرازي : والدمدمة : تحريك البناء حتى ينقلب ، ودل بأداة الاستعلاء على شدته وإحاطته فقال :( عَلَيْهِمْ ) ودل على شدة العذاب لشدة الغضب بلفت القول بذكر صفة الإحسان التي كفروها لأنه لا أشد غضبا ممن كفر إحسانه فقال :( رَبُّهُمْ ) أي الذي أحسن إليهم فغرّهم إحسانه فقطعه عنهم فعادوا كأمس الدابر( بِذَنْبِهِمْ ) أي بسببه.

ولما استووا في الظلم والكفر بسبب عقر الناقة بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا والحث ، قال مسببا عن ذلك ومعقبا :( فَسَوَّاها ) أي الدمدمة عليهم فجعلها كأنها أرض بولغ في تعديلها فلم يكن فيها شيء خارج عن شيء كما سوى الشمس المقسم بها وسوى بين الناس فيها ، وكذا ما أقسم به بعدها ، فكانت الدمدمة على قويهم كما كانت على ضعيفهم ، فلم تدع منهم أحدا ولم يتقدم هلاك أحد منهم على أحد ، بل كانوا كلهم كنفس واحدة من قوة الصعقة وشدة الرجفة كما أنهم استووا في الكفر والرضا بعقر الناقة وكل نفس هي عند صاحبها كالناقة قد أوصى الله صاحبها أن يرعى نعمته سبحانه فيها فيزكيها ولا يدسيها ، فإن الناقة عبارة عن مطية يقطع عليها السير حسا أو معنى ، وذلك صالح لأن يراد به النفس التي تقطع بها عقبات الأعمال ، والسقيا ما يعيش المسقيّ به ، وهو صالح لأن يراد به الذكر والعبادة ، فمن لم يرع النعمة ويشكر

٤٤٣

المنعم فقد عقرها ، فاستحق الدمدمة منه ، وكما أنه سوى بينهم في الدمدمة سوى بين المهتدين في النجاة( وَلا ) أي والحال أنه لا( يَخافُ ) في وقت من الأوقات أي ربهم ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ويؤيده قراءة أهل المدينة والشام بالفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية وكذلك هي في مصاحفهم( عُقْباها ) أي عاقبة هذه الدمدمة وتبعتها فإنه الملك الأعلى الذي كل شيء في قبضته لا كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء فعلم أنه سبحانه وتعالى يعلي أولياءه لأنهم على الحق ، ويسفل أعداءه لأنهم على الباطل ، فلا يضل بعد ذلك إلا هالك ، بصيرته أشد ظلاما من الليل الحالك ، وقد رجع آخرها على أولها بالقسم وجوابه المحذوف الذي هو طبع النفوس على طبائع مختلفة والتقدم إليهم بالإنذار من الهلاك ، ونفس القسم أيضا فإن من له هذه الأفعال الهائلة التي سوى بين خلقه فيها وهذا التدبير المحكم هو بحيث لا يعجزه أمر ولا يخشى عاقبة ـ والله الموفق للصواب.

٤٤٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الليل

مكية ـ آياتها إحدى وعشرون

مقصودها الدلالة على مقصود الشمس ، وهو التصرف التام في النفوس بإثبات كمال القدرة بالاختيار باختلاف الناس في السعي مع اتحاد مقاصدهم ، وهي الوصول إلى الملاذ من شهوة البطن والفرج وما يتبع ذلك من الراحة ، واسمها الليل أوضح ما فيها على ذلك بتأمل القسم والجواب ، والوقوع من ذلك على الصواب ، وأيضا ليل نفسه دال على ذلك لأنه على غير مراد النفس بما فيه من الظلام والنوم الذي هو أخو الموت ، وذلك مانع عن أكثر المرادات ، ومقتضى لأكثر المضادات( بِسْمِ اللهِ ) الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة( الرَّحْمنِ ) الذي شملت نعمته إيجاده وبيانه المتواترة( الرَّحِيمِ ) الذي خص من أراده من عباده بما يرضيه ، فجعله حامده وشاكره.

( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) )

لما بين في الشمس حال من زكى نفسه وحال من دساها ، وأوضح في آخرها من مخالفة ثمود لرسولهم ما أهلكهم ، فعلم أن الناس مختلفون في السعي في تحصيل نجد الخير ونجد الشر ، فمنهم من تغلب عليه ظلمة اللبس ، ومنهم من يغلب عليه نهار الهدى ، فتباينوا في مقاصدهم ، وفي مصادرهم ومواردهم ، بعد أن أثبت أنه هو الذي تصرف في النفوس بالفجور والتقوى ، أقسم أول هذه بما يدل على عجائب صنعه في ضره ونفعه على ذلك ، تنبيها على تمام قدرته في أنه الفاعل بالاختيار ، يحول بين المرء وقلبه حتى يحمله على التوصل إلى مراده ، بضد ما يوصل إليه بل بما يوصل إلى مضاده ، وعلى أنه لا يكاد يصدق الاتحاد في القصد والاختلاف في السعي والتوصل ، وشرح جزاء كل تحذيرا من نجد الشر وترغيبا في نجد الخير ، وبين ما به التزكية وما به

٤٤٥

التدسية فقال :( وَاللَّيْلِ ) أي الذي هو آية الظلام الذي هو سبب الخبط والخلط لما يحدث عنه من الإشكال واللبس في الأحوال والإهلال الموصل إلى ظلمة العدم ، وهو محل الأسرار بما يصل الأخيار ويقطع الأشرار :( إِذا يَغْشى ) أي يغطي ما كان من الوجود مبصرا بضياء النهار على التدريج قليلا قليلا ، وما يدل عليه من جليل مبدعه ، وعظيم ما حقه ومطلعه( وَالنَّهارِ ) أي الذي هو سبب انكشاف الأمور كالموت الذي يزيل عن الروح علائق البدن فينجلي لها ما كانت فيه من القبائح ، والجهر الذي يشرح النفس بإزالة اللبس( إِذا تَجَلَّى ) أي ظهر ظهورا عظيما بضياء الشمس ، وأظهر ما كان خفيا فلم يدع لمبصر شيئا من لبس ، فمن كان يريد السر قصد الليل ، ومن أراد الجهر قصد النهار سواء كان من الأبرار أو من الفجار.

ولما ذكر المتخالطين معنى ، أتبعهما المتخالطين حسا ، فقال مصرحا فيهما بما هو مراد في الأول ، وخص هذا بالتصريح تنبيها على أنه لكونه عاقلا ـ عاقد يغلط في نفسه فيدعي الإلهية أو الاتحاد ، أو غير ذلك من وجوه الإلحاد( وَما خَلَقَ ) وحكم التعبير بما الأغلب فيه غير العقلاء ما تقدم في سورة الشمس من تنبيههم على أنهم لما أشركوا به سبحانه وتعالى ما لا يعقل نزلوه تلك المنزلة وقد أحاط بكل شيء ، وهو الذي خلق العلماء ، وهم لا يحيطون به علما مع ما يفيده «ما» من التعجب منهم في ذلك لكونها صيغة التعجب( الذَّكَرَ ) أي حسا بآلة الرجل ومعنى بالهمة والقوة( وَالْأُنْثى ) حسا بآلة المرأة ومعنى بسفول الهمة وضعف القوة وما دلّا عليه من عظيم الاصطناع ، وباهر الاختراع والابتداع ، فإنه دل فرقه بينهما وهما من غير؟ واحدة وهي التراب على تمام قدرته المستلزم لشمول علمه وفعله بالاختيار ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا الصنعة دلالة على حذفها ثانيا ، وثانيا الصانع دلالة على حذفه أولا.

ولما ذكر ما هو محسوس التخالف من المعاني والأجرام ، أتبعه ما هو معقول التباين من الأعراض فقال :( إِنَّ سَعْيَكُمْ ) أي عملكم أيها المكلفون في التوصل إلى مقصد واحد ، ولذلك أكده لأنه لا يكاد يصدق اختلاف وجوه السعي مع اتحاد المراد ، وعبر بالسعي ليبذل كل في عمله غاية جهده( لَشَتَّى ) أي مختلف اختلافا شديدا باختلاف ما تقدم ، وهو جمع شتيت كقتلى وقتيل ، فيكون الإنسان رجلا وهو أنثى الهمة ، ويكون أنثى وهو ذكر الفعل ، فتنافيتم في الاعتقادات ، وتعاندتم في المقالات ، وتباينتم غاية التباين بأفعال طيبات وخبيثات ، فساع في فكاك نفسه ، وساع في إيثامها ، فعلم قطعا أنه لا بد من محق ومبطل ومرض ومغضب لأنه لا جائز أن يكون المتنافيان متحدين في الوصف بالإرضاء أو الإغضاب ، فبطل ما أراد المشركون من قولهم( لَوْ

٤٤٦

شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) [النحل : ٣٥] الآية وما ضاهاها.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما بين قبل حالهم في الافتراق ، أقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلا ليبلوهم( أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) [لا يوجد ليبلوهم بالياء في لغتنا وإنما كما في الكهف آية ٧ : لنبلوهم وفي الملك آية ٢ : لنبلوكم فقال تعالى :( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) فاتصل بقوله تعالى( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) [الشمس : ١٠] إن قوله تعالى( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ) ـ إلى ـ العسرى يلائمه تفسيرا وتذكيرا بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه وبحسب السوابق قوله :( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) [الشمس : ٨] فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق ، والمقدر للبخل والاستغناء والتكذيب( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) [الصافات : ٩٦]( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) [الأنبياء : ٢٣] ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ) فتبا للقدرية والمعتزلة( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) [يوسف : ١٠٥] ـ انتهى.

ولما طابق بين القسم والمقسم عليه ، ونبه بالقسم والتأكيد مع ظهور المقسم عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل واحد كما يقوله أصحاب الوحدة ـ عليهم الخزي واللعنة شرع في بيان تشتتت المساعي وبيان الجزاء لها ، فقال مسببا عن اختلافهم ما هو مركوز في الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ناشرا لمن زكى نفسه أو دساها نشرا مستويا إيذانا بأن المطيع فيه هذه الأمة ـ ولله الحمد ـ كثير بشارة لنبيهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم :( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ) أي وقع منه إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به( وَاتَّقى ) أي وقعت منه التقوى وهو اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا( وَصَدَّقَ ) أي أوقع التصديق للمخبر( بِالْحُسْنى ) أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله ، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم سبحانه وتعالى ، وعدل الكلام إلى مظهر العظمة إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في نفسها لأنها في غاية الثقل على النفس فقال :( فَسَنُيَسِّرُهُ ) أي نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه( لِلْيُسْرى ) أي الخصلة التي هي في غاية اليسر والراحة من الرحمة المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما يرضى به من الحياة الطيبة ودخول الجنة.

٤٤٧

ولما ذكر المزكي وثمرته ، أتبعه المدسي وشقوته فقال :( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ) أي أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه( وَاسْتَغْنى ) أي طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة وظنونه الكاذبة. فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى :( وَكَذَّبَ ) أي أوقع التكذيب أن يستحق التصديق( بِالْحُسْنى ) أي فأنكرها ، ولما كان جامدا مع المحسوسات كالبهائم قال :( فَسَنُيَسِّرُهُ ) أي نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا خلف فيه( لِلْعُسْرى ) أي للخصلة التي هي أعسر الأشياء وأنكدها ، وهي العمل بما يغضبه سبحانه الموجب لدخول النار وما أدى إليه ، وأشار بنون العظمة في كل من نجد الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب الإنسان لكل منهما في غاية البعد ، أما نجد الخير فلما حفه من المكاره ، وأما نجد الشر فلما في العقل والفطرة الأولى من الزواجر عنه ، وذلك كله أمر قد فرغ منه في الأزل بتعيين أهل السعادة وأهل الشقاوة «وكل ـ كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ميسر لما خلق له(١) ».

( وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) )

ولما كان أهل الدنيا إذا وقعوا في ورطة تخلصوا منها بأموالهم قال :( وَما يُغْنِي ) أي في تلك الحالة( عَنْهُ ) أي هذا الذي بخل وكذب( مالُهُ ) أي الذي بخل به رجاء نفعه ، ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا فيكون نافيا للإغناء على أبلغ وجه( إِذا تَرَدَّى ) أي هلك بالسقوط في حفرة القبر والنار ، تفعّل من الردى وهو الهلاك والسقوط في بئر.

ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة التي لا اعتراض لأحد عليها : ما له لا ييسر الكل للحسنى ، استأنف جوابه مبينا ما ألزم به نفسه من المصالح تفضلا منه بما له من اللطف والكرم وما يفعله مما هو له من غير نظر إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر ، فقال مؤكدا تنبيها على أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلا :( إِنَّ عَلَيْنا ) أي على ما لنا من العظمة( لَلْهُدى ) أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة الواضحة على ذلك.

ولما بين ما ألزمه نفسه المقدس فصار كأنه عليه لتحتم وقوعه فكان ربما أوهم أنه

__________________

(١) أخرجه أحمد ١ / ٨٢ والبخاري ٤٩٤٧ مسلم ٢٦٤٧ والترمذي ٢١٣٦ وابن ماجة ٧٨ وغيرهم عن علي كرّم الله وجهه. وفي الباب عن عمران وجابر رضي الله تعالى عنهما وكل في الصحيح.

٤٤٨

يلزمه شيء ، أتبعه ما ينفيه ويفيد أن له غاية التصرف فلا يعسر عليه شيء أراده فقال :( وَإِنَّ لَنا ) أي يا أيها المنكرون خاصا بنا ، وقدم ما العناية به أشد لأجل إنكارهم لا للفاصلة ، فإنه يفيدها مثلا أن يقال : للعاجلة والأخرى ، فقال :( لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ) فمن ترك ما بينا له من طريق الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا نفسه ولنا التصرف التام ، بما نقيم من الأسباب المقربة للشيء جدا ، ثم بما نقيم من الموانع الموجبة لبعده غاية البعد ، فنعطي من نشاء ما نشاء ونمنع من نشاء ما نشاء ، ومن طلب منهما شيئا من غيرنا فال رأيه وخاب سعيه ، وليس التقديم لأجل الفاصلة ، فقد ثبت بطلان هذا وأنه لا يحل اعتقاده في غير موضع ، منها آخر سورة براءة ، وأنه لا فرق بين أن يعتقد أن فيه شيئا موزونا بقصد الوزن فقط ليكون شعرا ، وأن يعتقد أن فيه شيئا قدم أو أخر لأجل الفاصلة فقط ليكون سجعا ، على أنه لو كان هذا لأجل الفاصلة فقط لكان يمكن أن يقال : للأولى ـ أو للأولة ـ والأخرى مثلا.

ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه ألزم نفسه المقدس البيان ، وأن له كل شيء ، المستلزم لإحاطة العلم وشمول القدرة ، شرح ذلك بما سبب عنه من قوله لافتا القول إلى تجريد الضمير من مظهر العظمة للترقق بالمخاطبين في تبعيد الوهم وتقريب الفهم فقال :( فَأَنْذَرْتُكُمْ ) أي حذرتكم أيها المخالفون للطريق الذي بينته( ناراً تَلَظَّى ) أي تتقد وتتلهب تلهبا هو في غاية الشدة من غير كلفة فيه على موقدها أصلا ولا أحد من خزنتها ـ بما أشار إليه إسقاط التاء ، وفي الإدغام أيضا إشارة إلى أن أدنى نار الآخرة كذلك ، فيصير إنذار ما يتلظى وما فوق ذلك من باب الأولى.

ولما كان قد تقدم غير مرة تخصيص كل من المحسن والمسيء بداره بطريق الحصر إنكارا لأن يسوى محسن بمسيء في شيء ، وكان الحصر ب «لا» و «إلا» أصرح أنواعه قال :( لا يَصْلاها ) أي يقاسي حرها وشدتها على طريق اللزوم والانغماس( إِلَّا الْأَشْقَى ) أي الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر ، فإن الفاسق وإن دخلها لا يكون ذلك له على طريق اللزوم ، ولذلك وصفه بقوله تعالى :( الَّذِي كَذَّبَ ) أي أفسد قوته العلمية بأن أعرض عن الحق تكبرا وعنادا فلم يؤت ماله لزكاة نفسه( وَسَيُجَنَّبُهَا ) أي النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه عن قرب ـ بما أفهمته السين من التأكيد مع التنفيس ، وتجنيبه له في غاية السهولة ـ بما أفهمه البناء للمفعول( الْأَتْقَى ) أي الذي أسس قوته العلمية أمكن تأسيس ، فكان في الذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك والمعاصي ، وهو يفهم أن من لم يكن في الذروة لا يكون كذلك ، فإن الفاسق يدخلها ثم يخرج منها ، ولا ينافي الحصر السابق.

٤٤٩

ولما ذكر ما يتعلق بالقوة العلمية ، أتبعه ما ينظر إلى القوة العملية فقال :( الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ) أي يصرفه في مصارف الخير ، ولذلك بينه بقوله تعالى :( يَتَزَكَّى ) أي يتطهر من الأوضار والأدناس بتطهيره لنفسه وتنميتها بذلك الإيتاء بالبعد عن مساوىء الأخلاق ولزوم محاسنها لأنه ما كذب وما تولى ، والآية من الاحتباك : ذكر التكذيب أولا دليلا على حذف ضده ثانيا ، وإيتاء المال ثانيا دليلا على حذف ضده أولا.

ولما كان الإنسان قد يعطي ليزكي نفسه بدفع مانّه ومكافأة نعمه قال :( وَما ) أي والحال أنه ما( لِأَحَدٍ عِنْدَهُ ) وأعرق في النفي فقال :( مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ) أي هي مما يحق جزاؤه لأجلها. ولما نفى أن يكون بذلك قصد مكافأة ، قال مبينا قصده باستثناء منقطع :( إِلَّا ) أي لكن قصد بذلك( ابْتِغاءَ ) أي طلب وقصد ، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى وصفه بالشكر فقال :( وَجْهِ رَبِّهِ ) الذي أوجده ورباه وأحسن إليه بحيث إنه لم ير إحسانا إلا منه ولا عنده شيء إلا وهو من فضله( الْأَعْلى ) أي مطلقا فهو أعلى من كل شيء ، فلا يمكن أن يعطي أحد من نفسه شيئا يقع مكافأة له ، وعبر عن المنقطع بأداة المتصل للإشارة إلى أن الابتغاء المذكور كأنه نعمة ممن آتاه المال لأن الابتغاء ـ وهو تطلب رضا الله ـ كان السبب في ذلك الإيتاء بغاية الترغيب ، وقد آل الأمر بهذه العبارة الرشيقة والإشارة الأنيقة مع ما أومأت إليه من الترغيب ، وأعطته من التحبيب إلى أن المعنى : إنه لا نعمى عليه لأحد في ذلك إلا الله ، وعبر بالوجه إشارة إلى أن قصده أعلى القصود فلا نظر له إلا إلى ذاته سبحانه وتعالى التي عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الذات ، وبالنظر إليه تحصل الحياة والرغبة والرهبة ، لا إلى طلب شيء من دنيا ولا آخرة. ولما كان هذا مقاما ليس فوقه مقام ، قال تعالى بعد وعده من الإنجاء من النار :( وَلَسَوْفَ يَرْضى ) أي بإعطاء الجنة العليا والمزيد بوعد لا خلف فيه بعد المذلة في الحياة الطيبة ـ بما أشارت إليه أداة التنفيس ولا بدع أن يكون هذا الوعد على هذا الوجه الأعلى لأن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا رضي الله عنه في جماعة من الضعفاء المسلمين يؤذيهم المشركون فأعتقهم ، فبين تعالى أنه مطبوع على تزكية نفسه فهو المفلح كما ذكر في سورة الشمس ، وأنه مخلص لإعطائه الضعفاء من الأيتام والمساكين وإعتاقه الضعفاء في كل حال كما ذكر في سورة البلد ، نقل البغوي رضي الله تعالى عنه عن الزبير يعني ابن بكار أنه قال : كان أبو بكر رضي الله عنه يبتاع الضعفاء فيعتقهم فقال له أبوه : أي بني! لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، قال : منع ظهري أريد. وقال : إنه أعتق بلالا وأم عميس وزهرة فأصيب بصرها حين أعتقها ، فقالت قريش : ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى ، فقالت : كذبوا وبيت الله ، ما تضر

٤٥٠

اللات والعزى ولا تنفعان ، فرد الله عليها بصرها ، وأعتق النهدية وابنتها وجارية بني المؤمل. وقال : إنه اشترى بلالا من أمية بن خلف استنقاذا له مما كان فيه من العذاب حين كان يشد يديه ورجليه وقت الهاجرة ويلقيه عريانا على الرمضاء ويضربه ، وكلما ضربه صاح ونادى : أحد أحد ، فيزيده ضربا فاشتراه بعبد كان لأبي بكر رضي الله عنه ، كان ذلك العبد صاحب عشرة الآف دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا ، فلما اشتراه به وأعتقه قال المشركون : ما فعل هذا ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده ، يعني فأنزل الله ذلك تكذيبا لهم. ومن أبدع الأشياء تعقيبها بالضحى التي هي في النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيها( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) [الضحى : ٥] إشارة إلى أنه أقرب أمته إلى مقامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما عدا عيسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه الأتقى بعد النبيين مطلقا ، وإلى أن خلافته حق لا مرية فيه لأنه مما وعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يرضيه وأنه لا يرضيه غيره كما أنه أرضاه خلافته له في الصلاة ولم يرضه غيره حين نهى عن ذلك بل زجر لما سمع قراءة غيره وقال : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر(١) رضي الله عنه». وقد رجع آخرها على أولها بأن سعي هذا الصديق رضي الله عنه مباين أتم مباينة سعي ذلك الأشقى ، وقال بعضهم : إن المراد بذلك الأشقى أبو جهل ، وأيضا فإن هذا الختم دال على أن من صفى نفسه وزكاها بالتجلي بالنور المعنوي من إنارة ظلام الليل بما يجليه به من ضياء القيام وغير ذلك من أنواع الخير يرضى بالنور الحسي بعد الموت ـ والله الموفق للصواب.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ١٤٤ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

٤٥١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الضحى

مكية ـ آياتها إحدى عشر

مقصودها الدلالة على آخر الليل بأن أتقى الأتقياء الذي هو الأتقى على الإطلاق في عين الرضا دائما ، لا ينفك عنه في الدنيا والآخرة ، لما تحلى به من صفات الكمال التي هي الإيصال للمقصود بما لها من النور المعنوي كالضحى بما له من النور الحسي الذي هو أشرف ما في النهار ، وقد علم بهذا أن اسمها أدل ما فيها على مقصودها( بِسْمِ اللهِ ) المعز لمن أراد ، الكريم البر الودود ذي الجلال والإكرام( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمته الإيجاد الخاص والعام( الرَّحِيمِ ) الذي أعلى أهل وده فخصهم بإتمام الإنعام.

( وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) )

ولما حكم في آخر الليل بإسعاد الأتقياء ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أتقى الخلق مطلقا ، وكان قد قطع عنه الوحي حينا ابتلاء لمن شاء من عباده ، وكان بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاح الدين والدنيا والآخرة ، وكان الملوان سبب صلاح معاش الخلق وكثير من معادهم ، أقسم سبحانه وتعالى بهما على أنه أسعد الخلائق دنيا وأخرى ، فقال مقدما ما يناسب حال الأتقى الذي قصد به أبو بكر رضي الله عنه قصدا أوليا من النور الذي يملأ الأقطار ، ويمحو كل ظلام يرد عليه ويصل إليه ، مفهما بما ذكر من وقت الضياء الناصع حالة أول النهار وآخر الليل التي هي ظلمة ملتف بساقها ساق النهار عند الإسفار :( وَالضُّحى ) فذكر ما هو أشرف النهار وألطفه وهو زهرته ، وأضوأه وهو صدره ، وذلك وقت ارتفاع الشمس لأن المقسم لأجله أشرف الخلائق ، وذلك يدل على أنه يبلغ من الشرف ما لا يبلغه أحد من الخلق.

ولما ذكر النهار بأشرف ما فيه مناسبة لأجل المقسم لأجله ، أتبعه الليل مقيدا له

٤٥٢

بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال :( وَاللَّيْلِ ) أي الذي به تمام الصلاح. ولما كان أوله وآخر النهار وآخره وأول النهار ضوءا ممتزجا بظلمة لالتفاف ساق الليل بساق النهار ، قيد بالظلام الخالص فقال :( إِذا سَجى ) أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه وسواده واعتدل فخلص فغطى بظلامه كل شيء ، والمتسجي : المتغطي ، ومع تغطيته سكنت ريحه ، فكان في غاية الحسن ، ويمكن أن يكون الأول مشيرا إلى ما يأتي به هذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم من المحكم ، والثاني مشيرا إلى المتشابه ، وهذه الأربعة الأحوال للنور والظلمة ـ وهي ضوء ممتزج بظلمة ، وظلمة ممتزجة بضوء ، وضياء خالص ، وظلام خالص ـ الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها ، فروحه نور خالص ، وطبعه ظلام حالك ، وقلبه نور ممتزج بظلمة النفس ، والنفس ظلمة ممتزجة بنور القلب ، فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم جميعه ، وإن قويت نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانيا ، وإن غلبت الروح على الطبع تروحن فارتفع عن رتبة الملائكة ، وإن غلب الطبع على الروح أنزله عن رتبة البهائم كما قال تعالى :( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) [الأعراف : ١٧٩].

ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أجابه بقوله تعالى :( ما وَدَّعَكَ ) أي تركك تركا يحصل به فرقة كفرقة المودع ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع( رَبُّكَ ) أي الذي أحسن إليك بإيجادك أولا ، وجعلك أكمل الخلق ثانيا ، ورباك أحسن تربية ثالثا ، كما أنه لا يمكن توديع الليل للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه ، ولا يمكن توديع الضحى للنهار ولا الليل وقت سجوه له.

ولما كان ربما تعنت متعنت فقال : ما تركه ولكنه لا يحبه ، فكم من مواصل وليس بواصل ، قال نافيا لكل ترك :( وَما قَلى ) أي وما أبغضك بغضا ما ، وحذف الضمير اختصارا لفظيا ليعم ، فهو من تقليل اللفظ لتكثير المعنى ، وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي مدة لأنهم سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف وذي القرنين فقال : «أخبركم بذلك غدا»(١) ، ولم يستثن ، فقالوا : قد ودعه ربه وقلاه ، فنزلت لذلك ، ولما نزلت كبرصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكان التكبير فيها وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه وحكمته آخرها ، وقد أفهمت

__________________

(١) تقدمت مسألة اليهود وهذه في مظانها أما تفسير ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ الآية فقد أخرج أحمد ٤ / ٣١٣ والترمذي ٣٣٤٥ عن جندب البجلي رضي الله تعالى عنه وقال الترمذي صحيح وأخرج الحاكم ٢ / ٥٢٦ ـ ٥٢٧ عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى نحو ذلك في قول المشركين.

وأخرج أحمد ٤ / ٣١٢ و ٣١٣ والبخاري ٤٩٥١ عن جندب رضي الله تعالى عنه في أن السائل امرأة والمعنى سواء على كل حال.

٤٥٣

هذه العبارة أن المراتب التقريبية أربع : تقريب بالطاعات ومحبة وهي للمؤمنين ، وإبعاد بالمعاصي وبغض وهي للكفار ، وتقريب بالطاعات مخلوط بتبعيد للمعاصي وهي لعصاة المؤمنين ، وإعراض مخلوط بتقريب بصور طاعات لا قبول لها وهي لعباد الكفار.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى :( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) [الشمس : ٨] ثم أتبعه بقوله في الليل :( فَسَنُيَسِّرُهُ ) [الليل : ٧ ـ ١٣] وبقوله :( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ) [الليل : ٧ ـ ١٣] ، فلزم الخوف واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان للتسليم والتضرع في التخلص والتجاؤه إلى السميع العليم ، أنس تعالى أحب عباده إليه وأعظمهم منزلة لديه ، وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع خير الدارين له فقال تعالى :( وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ) ثم عدد تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له بقوله :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) وأعقب ذلك بقوله :( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) فقد آويتك قبل تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك ، فلا تقابله بقهر من تعرض وانتهار من سأل ، وقد حاشاه سبحانه عما نهاه عنه ولكنه تذكير بالنعم وليستوضح الطريق من وفق من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أما هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم فحسبك من تعرف رحمته ورفقه( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) [الأحزاب : ٤٣]( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [التوبة : ١٢٨] ثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود ولذلك السورة قبلها برفع القسم في الأولى بقوله :( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ) [الليل : ١] تنبيها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة حكم العواقب ، وليناسب هذا حال المتذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصامه به يحصل اليقين واستصغار درجات المتقين ، ثم لما لم يكن هذا غائبا بالجملة عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في درجات المتقين ، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده ـ بملازمته التقوى والاعتبار ـ على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم لحارثة : «وجدت فالزم»(١) وقال مثله للصديق ، وقال تعالى :( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) [يونس : ٦٤]( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) [فصلت : ٣٠]

__________________

(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ٣١٤ والطبراني ٣٣٦٧ من حديث الحارث بن مالك الأنصاري قال الهيثمي في المجمع ١٨٩ : فيه ابن لهيعة ومن يحتاج إلى الكشف عن حاله. وأخرجه البزار من حديث أنس وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به ا ه. وانظر الإصابة ١ / ٢٨٩ والإحياء ٤ / ٢٢٠.

٤٥٤

فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام ، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام ، بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله :( يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) [الأنفال : ٢٩] و( يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) [الحديد : ٢٨]( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) [الأنعام : ١٢٢] فعمل هؤلاء على بصيرة ، واستولوا اجتهادا بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة ، فقطعوا عن الدنيا الآمال ، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) [السجدة : ١٦]( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) [السجدة : ١٧] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله سبحانه وتعالى :( وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ) ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى :( وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ) ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي( فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) [التغابن : ٢]( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) [الشورى : ٧] أشار قوله سبحانه وتعالى :( وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) [الليل : ٣]( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) [الذاريات : ٤٩]( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ ) [الذاريات : ٥٠] الواحد مطلقا ، فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من تخصيص هذا القسم ـ والله أعلم ، أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة في استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب نزول السورة ، وأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان قد فتر عنه الوحي حتى قال بعض الكفار : قلى محمدا ربه ، فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة ـ انتهى.

ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة ، ومنه ما هو مفتوح على أمته من بعده ، روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك »(١) فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة التي هي أعلى وأجل ، ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فكيف بما لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال مؤكدا لذلك كما أكد الأول بالقسم بما لهم فيه من الإنكار :( وَلَلْآخِرَةُ ) أي التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٠٦٥٠ والأوسط ٥٧٦ وأبو نعيم في الحلية ٣ / ٢١٢ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال الهيثمي في المجمع ٧ / ٢٩٢ ـ ٢٩٣ : رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه معاوية بن أبي العباس لم أعرفه وإسناد الكبير حسن ا ه. ولم أجده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه وقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كفرا» بفتح الكاف وسكون الفاء ـ يعني ـ القرية.

٤٥٥

ليفهم منه أنه لا يزال في ترق من عليّ إلى أعلى منه وكامل إلى أكمل منه دائما أبدا لا إلى نهاية( خَيْرٌ ) وقيد بقوله :( لَكَ ) لأنه ليس كل أحد كذلك( مِنَ الْأُولى ) أي الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص كما أن النهار الذي هو بعد الليل خير منه وأشرف ولا سيما الضحى منه ، وقد أفهم ذلك أن الناس على أربعة أقسام : منهم من له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء ، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء ، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة الأغنياء ، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء ، قد قال :

الناس في الدنيا على أربع

والنفس في فكرتهم حائره

فواحد دنياه مقبوضة

إن له من بعدها آخره

وواحد دنياه مبسوطة

ليس له من بعدها آخره

وواحد قد حاز حظيهما

سعيد في الدنيا وفي الآخره

وواحد يسقط من بينهم

فذلك لا دنيا ولا آخره

ولما ذكر سبحانه الدنيا والآخرة ، ذكر ما يشملهما مما زاده من فضله ، فقال مصدرا بحرف الابتداء تأكيدا للكلام لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها إذا دخلت على المضارع لزمته النون المؤكدة ، وضم هذه اللام إلى كلمة التنفيس للدلالة على أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة :( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ ) أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة( رَبُّكَ ) أي الذي لم يزل يحسن إليك بوعد الدنيا ووعد الآخرة( فَتَرْضى ) أي فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه رضاك. وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ممالك الجبابرة ، وإنهاب كنوز الأكاسرة والقياصرة ، وإحلال الغنائم حتى كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ، وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود ، والشفاعة العظمى إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحدود ، وقد أفهمت العبارة أن الناس أربعة أقسام : معطى راض ، وممنوع غير راض ، ومعطى غير راض ، وممنوع راض ، وعن علي رضي الله عنه أنها أرجى آية في القرآن لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يرضى واحدا من أمته في النار.

( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) )

( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) )

ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف ، ذكره بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين ، فتم

٤٥٦

يتمه من الأبوين قبل بلوغه لئلا يكون عليه ـ كما قال جعفر الصادق ـ حق لمخلوق ، فقال مقررا له :( أَلَمْ يَجِدْكَ ) أي يصادفك أي يفعل بك فعل من صادف آخر حال كونه( يَتِيماً فَآوى ) ولما كان يلزم من اليتم في الغالب عدم العلم لليتيم لتهاون الكافل ، ومن عدم العلم الضلال ، قال مبينا أن يتمه وإهماله من الحمل على دينهم كان نعمة عظيمة عليه لأنه لم يكن على دين قومه في حين من الأحيان أصلا :( وَوَجَدَكَ ) أي صادفك( ضَالًّا ) أي لا تعلم الشرائع( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) [الشورى : ٥٢] فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم ، والمسبب على السبب ، وهو عدم العلم ، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال لأنك لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه ، وهذا هو التقوى كما تقدم في الفاتحة ، ولم يرد به حقيقته وإنما أعراه من التعلق بشيء من الشرائع ونحوها بإعدام من يحمله على ذلك ليفرغه ذلك التأمل بنفسه فيوصله بعقله السديد إلى الاعتقاد الحق في الأصول والوقوف في الفروع( فَهَدى ) أي فهداك هدى محيطا بكل علم ، فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر ما لم تكن تعلم.

ولما كان العيال يمنعون من التفرغ لعلم أو غيره قال :( وَوَجَدَكَ ) أي حال كونك( عائِلاً ) أي ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم أو فقيرا ، قال ابن القطاع : عال الرجل : افتقر ، وأعال : كثر عياله.( فَأَغْنى ) بما جعل لك من ربح التجارة ثم من كسب الغنائم وقد أفهم ذلك أن الناس أربعة أقسام : منهم من وجد الدين والدنيا ، ومنهم من عدمهما ، ومنهم من وجد الدين لا الدنيا ، ومنهم من وجد الدنيا لا الدين. ولما ذكره بما أنعم عليه به من هذه النعم الثلاث أوصاه بما يفعل في ثلاث مقابلة لها ، فقال مسببا عنه مقدما معمول ما بعد الفاء عليها اهتماما :( فَأَمَّا الْيَتِيمَ ) أي هذا النوع( فَلا تَقْهَرْ ) أي تغلبه على شيء فإنما أذقتك اليتم تأديبا بأحسن الآداب لتعرف ضعف اليتيم وذله ، وفوق ذلك كفالته وهي خلافة عن الله لأن اليتيم لا كافل له إلا الله ، ولهذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين » ـ وأشار بالسبابة والوسطى.

ولما بدأ بما كان بداية له ، ثنى بما هو نهاية له من حيث كونه يصير رأس الخلق فيصير محط الرجال في كل سؤال من علم ومال ، فقال مقدما له اهتماما به إشارة إلى أن جبر الخواطر واستئلاف الخلق من أعظم المقاصد في تمام الدين :( وَأَمَّا السَّائِلَ ) أي الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال( فَلا تَنْهَرْ ) أي تزجر زجرا مهينا ، فقد علمت مضاضة العيلة ، بل أعطه ولو قليلا ، أو رده ردا جميلا ، وكذا السائل في العلم.

ولما ذكر له تفصيل ما يفعل في اليتيم والفقير والجاهل ، أمره بما يفعل في العلم

٤٥٧

الذي آتاه إياه إعلاما بأنه الآلة التي يستعملها في الأمرين الماضيين وغيرهما لأنها أشرف أحوال الإنسان وهي أوفق الأمور لأن يكون مقطع السورة لتوافق مطلعها فقال :( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) أي الذي أحسن إليك بإصلاح جميع ما يهمك من العلم وغيره وبالهجرة ومبادئها عند تمام عدد آيها من السين وهي إحدى عشرة( فَحَدِّثْ ) أي فاذكر النبوة وبلغ الرسالة فاذكر جميع نعمه عليك فإنها نعم على الخلق كافة ، ومنها إنقاذك بالهجرة من أيدي الكفرة وإعزازك بالأنصار ، وتحديثك بها شكرها ، فإنك مرشد يحتاج الناس إلى الاقتداء بك ، ويجب عليهم أن يعرفوا لك ذلك ويتعرفوا مقدارك ليؤدوا حقك ، فحدثهم أني ما ودعتك ولا قليتك ، ومن قال ذلك فقد خاب وافترى ، واشرح لهم تفاصيل ذلك بما وهبتك من العلم الذي هو أضوأ من ضياء الضحى وقد رجع آخرها على أولها بالتحديث بهذا القسم والمقسم لأجله ، وما للملك الأعلى في ذلك من عميم فضله : ولقد امتثلصلى‌الله‌عليه‌وسلم وابتدأ هذا التحديث الذي يشرح الصدور ، ويملأ الأكوان من السرور ، والنعمة والحبور ، لأنه بأكبر النعم المزيلة لكل النقم بالتكبير كما ورد في قراءة ابن كثير وفي رواية السوسي عن أبي عمرو ، واختلف القراء في ابتدائه وانتهائه ولفظه ، فقال بعضهم : هو من أول الضحى ، وقال آخرون : من آخرها ، وقال غيرهم من أول الشرح ، فمن قال للأول لم يكبر آخر الناس ، ومن قال للآخر انتهى تكبيره بالتكبير في آخرها ، وسببه أن جبريل عليه الصلاة والسّلام لما أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد فترة الوحي ، فتلا السورة عليه كبر مسرورا لما كان أحزنه من الفترة ومن قول المشركين : قلاه ربه ، وتحديثا بالنعم التي حباه الله بها في هذه السورة له ولأمته امتثالا لما أمر به واختلف عنهم في لفظه ، فمنهم من اقتصر على «الله أكبر» ومنهم من زاد التهليل فقال : «لا إله إلا الله والله أكبر» وهذا هو المستعمل ، ومنهم من زاد «ولله الحمد» والراجح قول من قال : إنه لآخر الضحى إسنادا ومعنى ، لأنها وإن كانت هي السبب والعادة جارية بأن من دهمه أمر عظيم يكبر مع أوله ، لكن شغلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإصغاء إلى ما يوحى إليه منعه من ذلك ، فلما ختمت السورة تفرغ له ، فكان ذلك الوقت كأنه ابتداء مفاجأة ذلك الأمر العظيم له ، وزاد ما في السورة من جلائل النعم المقتضية للتحميد وما في ذلك من بدائع الصنع الموجب للتهليل ، وقد علم بذلك سبب من ظنه في أولها ، وأما من ظنه لأول الشرح فكونه كان في آخر الضحى ، فإذا وصل بها «ألم نشرح» ألبس الحال ، وتعليق الأشياء بالأوائل هو الأمر المعتاد ، وحكمته مع ما مضى من سببه أن التهليل توحيده سبحانه وتعالى بالأمر ، وامتناع شريك يمنعه من شيء يريده من الوحي وغيره ، والتكبير تفريده له بالكبرياء تنزيها له عن شوب نقص يلم به من أن يتجدد له علم ما لم يكن

٤٥٨

ليكون ذلك سببا لقطع من وصله بوحي أو غيره ، والتحميد إثبات التفرد بالكمال له على إسباغ نعمه ، وفي ذلك أن هذه السورة آذنت بأن القرآن أشرف على الختام ، لأن عادة الحكماء من المدبرين تخفيف المنازل في الأواخر على السائرين كتخفيف أول مرحلة رفقا بالمقصرين ، فناسب الذكر بهذا عند الآخر لأن تذكر الانقضاء يهيج مثل ذلك عند السالك ، ولأن تقصير السور ربما أوهم شيئا مما لا يليق ، فسن التنزيه بتكبيره سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم نقصا ، وإثبات الكمال له بالتوحيد منبه على الحث على تدبر ما في هذه السورة من الجمع للمعاني على وجازتها وقصر آياتها وحلاوتها مع ما في ذلك من تخفيف التعليم ، والتدريب على الحفظ في المبادىء والتحبيب فيه والتهييم ، والتحميد على إتمام النعمة على غاية الإحكام من لدن حكيم عليم.

٤٥٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الشرح

مكية ـ آياتها ثمان

مقصودها تفصيل ما في آخر الضحى من النعمة ، وبيان أن المراد بالتحديث بها هو شكرها بالنصب في عبادة الله والرغبة إليه بتذكر إحسانه وعظيم رحمته بوصف الربوبية وامتنانه ، وعلى ذلك دل اسمها الشرح( بِسْمِ اللهِ ) الذي جل أمره وتعالى جده ولا إله غيره فعظم ما له من إنعام( الرَّحْمنِ ) الذي أفاض جوده على سائر خلقه لأنه ذو الجلال والإكرام( الرَّحِيمِ ) الذي أعلى أهل حضرته بخاص رحمته في مقامات الاختصاص إلى أعلى مقام.

( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) )

لما أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم آخر الضحى بالتحديث بنعمته التي أنعمها عليه فصلها في هذه السورة فقال مثبتا لها في استفهام إنكاري مبالغة في إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدما المنة بالشرح في صورته قبل الإعلام بالمغفرة كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة الشرح ، لتكون البشارة بالإكرام أولا لافتا القول إلى مظهر العظمة تعظيما للشرح :( أَلَمْ نَشْرَحْ ) أي شرحا يليق بعظمتنا( لَكَ ) أي خاصة.

ولما عين المشروح له ، فكان المشروح مبهما ، فزاد تشوف النفس إليه ليكون أضخم له ، بينه ليكون بيانا بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في التعريف بأمره فقال :( صَدْرَكَ ) أي نسره ونفرحه بالهجرة ، فإن هذه السورة مدنية عند ابن عباس رضي الله عنهما ، ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ونغسله ونملأه إيمانا وحكمة ورأفة وعلما ورحمة ، فانفسح جدا حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق ، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه ، ومع الخلق بفيض أنواره وشعاعه ، وقد كان هذا الشرح حقيقة

٤٦٠