نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 89
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 89 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

مرارا ، وكان مجازا أيضا بإحلال جميع معانيه ، وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه بأثر من أنه شق بعظمتنا ، فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة والدين والدنيا ، والحكمة التي درّت فيه هي وضع الشيء في محله ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح جاء «نشرح» وخرجها ابن عطية على التأكيد بالنون الخفيفة ثم أبدل ألف من النون ، ثم حذف النون تخفيفا ، وقال أبو حيان بأن اللحياني حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم بلن ، وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسبة للشرح ، ووجه قراءة الجمهور أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما أودعه من الحكم ضابط له ، هاد بما فيه من رزانة العلم ، ووقار التقى والحلم ، قال ابن برجان : ففرق ما بين النبي والولي في ذلك أن النبي شرح صدره ظاهرا فأعلى ظاهرا ، والولي شرح ذلك منه باطنا فعلى به باطنا ، والكافر ضيق ذلك منه وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول الهداية ولا الصعود في معارج العبرة إلا على مقدار ما يستطيع الصعود في السماء( كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) [الأنعام : ١٢٥].

ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال باجتماع المحاسن ، وكان ذلك مع حمل ما يعني من أعظم النكد ، وكان الجمال بجمع المحاسن لا يكمل إلا إذا جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل ، وكان الاستفهام الإنكاري إذا اجتمع مع النفي صار إثباتا ، لأنه نفي للنفي ، قال عاطفا عليه ما لا يعطف إلا مع الإثبات( وَوَضَعْنا ) أي حططنا وأسقطنا وأبطلنا حطا لا رجعة له ولا فيه بوجه بما لنا من العظمة ، مجاوزا( عَنْكَ وِزْرَكَ ) أي حملك الثقيل الذي لا يستطاع حمله ، ولذلك وصفه بقوله :( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) أي جعله وهو عماد بدنك تصوت مفاصله من الثقل كما يصوت الرحل الجديد إذا لز بالحمل الثقيل ، وذلك هو ما دهمه عند ما أمر بإنذار قومه ومفاجأتهم بما يكرهون عن عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه حلومهم في التدين بدين لا يرضاه أدنى العقلاء إذا تأمل شيئا من تأمل مع التجرد من حظ النفس مع ما عندهم من الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في المهالك لأدنى غضب ، فقال : «يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة»(١) فخفف سبحانه وتعالى عنه ذلك بما أظهر له من الكرامات وأيده به من المعجزات ، وضمن له من الحماية إلى أمور لا يحيط بها علما إلا الذي أيده بها( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [المائدة : ٦٧] حتى خف ذلك عليه ، فصار أشفق أهله عليه

__________________

(١) سبق أن خرّج وهو حديث صحيح أخرجه مسلم.

٤٦١

يمنعه من بعض الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا يخرج إلى الناس فيقول لهم ذلك فيحصل له ما يكره فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء وغيره ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أن جبريل عليه الصلاة والسّلام شق صدره فأخرج منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه علما وإيمانا وحكمة ، يعني فصار يحتمل ما لا يحتمله غيره ، وخف عليه ما يثقل على غيره ، ولا شك أن ذلك وزر لغوي ، وهو واضح ، وشرعي بالمال على تقدير ترك الامتثال اللازم للاستثقال ، وقد أعاذه الله من ذلك.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : معنى هذه السورة من معنى السورة قبلها ، وحاصل السورتين تعداد نعمه سبحانه وتعالى عليه ، فإن قلت : فلم فصلت سورة ألم نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة ، قلت : من المعهود في البشر فيمن عدد على ولده أو عبده نعما أن يذكر له أولا ما شاهد الحصور عليه منها بسببه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء ، فإذا استوفى له ما قصده من هذا ، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه بها قبل وجوده كقول الأب مثلا لابنه : ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا ، ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه لزكريا عليه الصلاة والسّلام :( وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) [مريم : ٩] وقد قدم له( إِنَّا نُبَشِّرُكَ ) بيحيى [مريم : ٧] والآية :( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ) وتوهم استبداد الكسبية في وجود الولد غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدىء بذكرها ثم أعقب بما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك ، وهو قوله :( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) [مريم : ٩] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين ـ والله أعلم ـ انتهى.

ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى الجلال ، وكان ذلك لا يصفو إلا مع الشرف عند الناس قال :( وَرَفَعْنا ) أي بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة( لَكَ ) أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك من الخلق كلهم( ذِكْرَكَ ) عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق والأمانة والحلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص حتى ما كانت شهرتك عند قومك قبل النبوة إلا الأمين ، وكانوا يضربون المثل بشمائلك الطاهرة ، وأوصافك الزاهرة الباهرة ، ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم بالهجرة ، وبأن جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والأذان والإقامة والتشهد والخطبة ، فلا أذكر إلا وذكرت معي ، ومن الكرامة الظفر على أعدائك والكرامة لأوليائك ، وجعل رضاك رضاي وطاعتك طاعتي ، وأمر ملائكتي بالصلاة عليك ،

٤٦٢

ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات المعزة المعلية من الرسول والنبي ، ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف ، قال الرازي : ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ ، قيل : يا رسول الله ، من أولياء الله؟ قال : «الذين إذا ذكروا ذكر الله »(١) وفي حديث : «الذين إذا رؤوا ذكر الله » وقال : «خياركم من تذكر الله رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويزهدكم في الدنيا عمله »(٢) فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره.

ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال ، وكان الكمال لا يصفو إلا مع مساعدة الأقدار ، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها ، فإذا حصل فيها تعطيل حصل فيها نكد على حسبه ، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب المنحة بهذه الكمالات هو ما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه من الصبر على الأكدار ، وتجرع مرارات الأقدار ، فقال مؤكدا ترغيبا في حمل مثل ذلك رجاء في الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغا في الحث على تحمله بذكر المعية إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسببا عما مضى ذكره من حاله من الضحى :( فَإِنَ ) أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن( مَعَ الْعُسْرِ ) أي هذا النوع خاصة( يُسْراً ) أي عظيما جدا يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من القرائح ، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علما منهم بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال ، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه الكوائن بأضدادها ، وقد أجرى سنته القديمة سبحانه وتعالى بأن الفرج مع الكرب ، فلما قاسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين بتجنب الأوثان ، وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ومن العيلة ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن سبحانه وتعالى عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم ، وكان مع تحمل ذلك قائما بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر «فيحمل» ـ كما قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي الله تعالى عنها ـ «الكلّ ، ويقري الضيف ، ويصل الرحم ، ويعين على نوائب الحق». ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم يحمله غيره ، بشره الله تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر دينه على

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ٤٥٩ عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها وفيه شهر بن حوشب فيه كلام وقد وثق. وبقية رجاله ثقات. انظر المجمع ٨ / ٩٢.

(٢) أخرجه الحكيم الترمذي ص ١٤٠ من حديث عبد الله بن عمرو وإسناده ضعيف.

٤٦٣

الدين كله ، ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم ، ويكثرهم بعد قلتهم ، ويعزهم بعد ذلتهم ، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد ، وينقاد له المخالف أتم انقياد ، ويفتح له أكثر البلاد ، ليكون هذا العطاء في اليسر بحسب ما كان وقع من العسر ، فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال ، دليلا قاطعا على أنه تعالى وحده الفعال ، وأن فعله بالاختيار ، لا بالذات والإجبار.

ولما كان العسر مكروها إلى النفوس ، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكما عظيمة ، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد ، كرره سبحانه وتعالى على طريق الاستئناف لجواب من يقول : وهل بعده من عسر؟ مؤكدا له ترغيبا في أمره ترقبا لما يتسبب عنه مبشرا بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكنا فقال :( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ) أي المذكور فإنه معرفة ، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء أريد العهد أو الجنس( يُسْراً ) أي آخر لدفع المضار والمكاره ، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة احتمل أن تكون غير الأولى ، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم (١) : «إنها غيرها» فقال الحسن البصري : إن الآية لما نزلت قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين »(٢) وقد روى هذا من أوجه كثيرة ، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه » وللطبراني عنه رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه »(٣) ثم قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الآية ، قال الحافظ نور الدين الهيثمي : وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف ، ورواه الطبراني أيضا في الأوسط والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه ، قال الهيثمي : وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف(٤) ، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول : «لن يغلب عسر يسرين»(٥) وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا ، ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي

__________________

(١) هذا يفهم من الحديث الآتي. لا أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر ذلك صريحا.

(٢) أخرجه الحاكم ٢ / ٥٢٨ عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه وصححه وقال الذهبي : مرسل قال الحاكم وقد صحت الرواية عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما ـ يعني من قولهما.

(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٩٩٧٧ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال الهيثمي في المجمع : أبو مالك ضعيف ٧ / ٢٩٣ وفيه أبو حمزة كذلك ضعيف.

(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ١٥٤٨ والبزار ٢٢٨٨ عن أنس رضي الله تعالى عنه وضعّفه الهيثمي كما ذكر المصنف. انظر المجمع ٧ / ٢٩٣ وله شواهد واهية انظر الكشاف.

(٥) الكلبي هو محمد بن السائب قال الحافظ في التقريب : «متهم بالكذب» وقد تقدم مرسل الحسن آنفا.

٤٦٤

في الشعب(١) ورواه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر ، ورواه ابن مردويه من طريق أخرى موصولا وإسناده ضعيف ، وفي الباب عن عمر ذكره مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه بلغه أن أبا عبيدة رضي الله عنه حضر بالشام فكتب إليه كتابا فيه «ولن يغلب عسر يسرين» ومن طريقه رواه الحاكم ، قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ، وقال : وهذا أصح طرقه ـ انتهى ، وهذا من جهة أن اليسر نكرة والعسر معرفة ، وقد اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول ، والمعرفة بالعكس ، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام على المعرفة والنكرة : والكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من التنكير والتعريف أو بدونها ، وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو الإضافة ليصح إعادة المعرفة نكرة وبالعكس ، وتفصيل ذلك أن المذكور أولا إما أن يكون نكرة أو معرفة ، وعلى التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة فيصير أربعة أقسام ، وحكمها أن ينظر إلى الثاني ، فإن كان نكرة فهو مغاير للأول ، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا بالذكر ، إن كان معرفة فهو الأول حملا له على المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة ، وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه فإن المعرفة تستغرق الجنس ، والنكرة تتناول البعض ، فيكون داخلا في الكل سواء قدم أو أخر ، وفيه نظر ، أما أولا فلان التعريف لا يلزم أن تكون للاستغراق بل العهد هو الأصل ، وعند تقدم المعهود لا يلزم أن تكون النكرة عينه ، وأما ثانيا فلان معنى كون الثاني عين الأول أن يكون المراد به هو المراد بالأول ، والجزء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك ، وأما ثالثا فإن إعادة المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في الكلام ، قال الله تعالى :( ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً ) [الأنعام : ١٥٤] إلى قوله :( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ ) [الأنعام : ١٥٥] وقال تعالى :( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) [البقرة : ٣٦] وقال تعالى :( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) [الأنعام : ١٦٥] إلى غير ذلك ، وقال غيره : أ( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ) [النساء : ١٥٣] ومنه قول الشاعر :

إذ الناس ناس والزمان زمان

فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في الإخبار به فائدة ـ انتهى. قال : واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن وإلا فقد تعاد النكرة مع

__________________

(١) هو كتاب في أصول الفقه ويسمى «در التلويح على التوضيح» للإمام العلامة سعد الدين التفتازاني.

٤٦٥

عدم المغايرة كقوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) [الزخرف : ٨٤]( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ) [الأنعام : ٣٧]( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ) [الروم : ٥٤] يعني قوة الشباب ، ومنه باب التأكيد اللفظي ، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى :( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ) إلى قوله :( أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا ) [الأنعام : ١٥٦] وقال غيره :( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) [النساء : ١٢٨] المراد بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين ، وبالمعرفة عام في كل صلح جائز( زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ) [النحل : ٨٨] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه ـ انتهى. قال : وقد تعاد المعرفة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى :( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ ) [المائدة : ٤٨] وقال غيره :( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ) [آل عمران : ٢٦] الأول عام والثاني خاص ،( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) [الرحمن : ٦٠] الأول العمل والثاني الثواب( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) [المائدة : ٤٥] الأولى القاتلة والثانية المقتولة ـ انتهى ، قال : وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى :( أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) [الكهف : ١١٠] ومثله كثير ، والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة معرفة والإعادة نكرة في أنها إن أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول ، وإن أعيدت نكرة كان غيره ، ثم مثل بالآية التي هنا ، وقال : وهذا مبني على أن تنكير( يُسْراً ) للتفخيم وتعريف العسر للعهد ، أي العسر الذي أنتم عليه أو الجنس أي الذي يعرفه كل أحد ، فيكون اليسر الثاني مغايرا للأول بخلاف العسر ـ انتهى. وقال في الكشاف : وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا عن منكر تناول بعضا غير البعض الأول بغير الإشكال.

ولما علم من هذا أن المواد تكون بحسب الأوراد الشداد لما على الممدود من الشكر ، ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد ، قال مسببا عما أعطاه من اليسر بعد ذلك العسر ندبا له إلى الشكر وإعلاما بأنه لا ينفك عن تحمل أمر في الله :( فَإِذا فَرَغْتَ ) أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي أنت فيه في وقت المخاطبة بهذا الكلام مما يوجب عسرا في المآل أو الحال ، وعقبه العسر في أي موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجا ، أو من العبادة الثقيلة العظيمة بسماع الوحي وتحمله ، أو من الغرض بالتيسير الذي بشرناك به( فَانْصَبْ ) أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح والاستغفار ، أو النفل لمن أولاك هذا المعروف( وَإِلى رَبِّكَ ) أي المحسن إليك

٤٦٦

بما ذكر في هاتين السورتين خاصة( فَارْغَبْ ) أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما قدر على تربيتك فيما مضى وحده ، لأنه المختص بالعظمة ، فلا قدرة أصلا إلا لمن يعطيه ما يريده منها ، والرغب شعار العبد دائما في كل حال أي افعل ذلك( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ ) فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة ، ولاءم ما بعدها بذلك أيضا بعينه ملاءمة الشمس بالأهلة ، وآخر هذه السورة مشير إلى الاجتهاد في العبادة عند الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه السورة من السنين بعد الهجرة ، وهي ثمان ، رغبة في الأخرى التي هي خير من الأولى ، إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت إليه سورة النصر ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

٤٦٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة التين

مكية ـ آياتها ثمان

مقصودها سر مقصود( أَلَمْ نَشْرَحْ ) وذلك هو إثبات القدرة الكاملة وهو المشار إليه باسمها ، فإن في خلق التين والزيتون من الغرائب ما يدل على ذلك ، وكذا فيما أشير إليه بذلك من النبوات ، وضم القسم إلى المقسم عليه وهو الإنسان ، الذي هو أعجب ما في الأكوان ، واضح في ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه وأدناه وأقصاه( الرَّحِيمِ ) الذي خص من بينهم أهل وده بما يرضاه ، وأردى من عداهم وأشقاه.

لما ذكر سبحانه وتعالى في تلك السورة أكمل خلقه وما كمله به ، وختمها بالأمر بتخصيصه سبحانه وتعالى بالرغبة إليه ، فكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقوم حتى تورم قدماه ويبذل الجهد لمولاه في كل ما يرضاه ، ذكر في هذه أنه سبحانه وتعالى كما جعل ذاته أكمل ذوات المخلوقات ، خصه بأن جعل نوعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أكمل الأنواع وهو الإنسان ، وأصله أعظم الأصول ، وهو إبراهيمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبلده أفضل البلاد وهي مكة ، وأن من عاداه بمنابذة شرعه أسفل الخلق ، وأن له سبحانه وتعالى تمام القدرة ، وهو فاعل بالاختيار ، يعلي من يشاء ويسفل من يشاء ، فمنزلتها من آخر تلك منزلة العلة من المعلول ، وأقسم فيها بأشياء أشار بها إلى شرفها في أنفسها وفي عجيب صنعها وشرف البقاع التي يكون بها إيماء إلى ما شرفها به مما أظهر بها من الخير والبركات بسكنى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، والصالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فكانت مهاجر إبراهيم ومولد عيسى وأكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ومنشأهم ، وكان منها مظهر نبوة موسى ، ومظهر نبوة إسماعيل عليهما الصلاة والسّلام وولده خاتم الأنبياء الكرام ـ عليه أفضل الصلاة والسّلام ، ومكان البيت الذي هو قوام للناس ، وهدى للعالمين ـ إلى غير ذلك من الإشارات الظاهرات والدلالات الواضحات على تمام قدرته وفعله بالاختيار ، لأنه يعلي من يشاء من العقلاء وغيرهم من البقاع وغيرها على أحسن تقويم ، ويسفل من يشاء من ذلك كله إلى أسفل سافلين.

٤٦٨

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه سورة موضحة ومتممة للمقصود في السورتين قبلها ، فبان لك أن الصورة الإنسانية بظاهر الأمر ـ مما هي عليه من الترتيب والإتقان ـ قد كانت تقتضي الاتفاق بظاهر ارتباط الكمال بها من حيث إنها في أحسن تقويم ، والافتراق يبعد في الظاهر ، فكيف افترق الحكم واختلف السلوك ، فمن صاعد بالاستيضاح والامتثال ، ونازل أسفل سافلين فضلا عن ترقي بعض درجات الكمال ، فإذا ليس يرقى من خص بمزية التقريب إلا لأنه نودي من قريب فأسرع في إجابة مناديه وأصاخ ، وما اعتل بحاديه فسلك من واضحات السبيل ما رسم له ، وبنى على ما كتب له من ذلك عمله( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) [السجدة : ١٣] فعلى العاقل المنصف في نفسه أن يعلم أن كلّا ميسر لما خلق له فيضرع إلى خالقه في طلب الخلاص «من وجد خيرا فليحمد الله »(١) فأوضحت هذه السورة أن ما أعطى الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وخصه به من ضروب الكرامات وابتدأه به من عظيم الآلاء مما تضمنته السورتان إلى ما منحه من خير الدارين وما تضمنه. قسمه له سبحانه وتعالى أنه ما ودعه ولا قلاه من الملاطفة والتأنيس ودلائل الحب والتقريب ـ كل ذلك فضلا منه سبحانه وتعالى وإحسانا لا لعمل تقدم يستوجب ذلك أو بعضه ، ولو تقدم عمل لم يقع إلا بمشيئته ، وتوفيقه وإرادته ، ولا يستوجب أحد عليه شيئا ، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء ، فقال سبحانه وتعالى منبها على ما وقع الإيماء إلى بعضه( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ومع ذلك لا ينفعه وقوع صورته الظاهرة في عالم الشهادة على أكمل خلق وأتم وضع بل إذا لم يصحبه توفيق وسبقته سعادة من خالقه ولم يجعل له نور يمشي به لم ير غير نفسه ولا عرف إلا أبناء جنسه ، فقصر نظره على أول ما شاهد ، ووقف عند ما عاين من غير اعتبار يحده إلى تحقق مآله وتبين حاله أنه لم يكن شيئا مذكورا ، فلما قصر وما أبصر اعتقد لنفسه الكمال ، وعمي عن المبتدأ والمآل ، فصار أسفل سافلين حيث لم ينتفع بالآيات نظره ، ولا تعرف حقيقة خبره ،( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ) [يس : ٨٧ ـ ٧٨] ثم قال تعالى :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فهم الذين هداهم ربهم( بِإِيمانِهِمْ ) فجروا بسببه من خلقه في أحسن تقويم ، واستوضحوا الصراط المستقيم ، واستبصروا فأبصروا ، ونظروا فاعتبروا. وقالوا : ربنا الله ثم استقاموا ، فلهم أجر غير ممنون ـ انتهى.

__________________

(١) هذا قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم ٢٥٧٧ والبخاري في الأدب المفرد ٤٩٠ وأبو نعيم في الحلية ٥ / ١٢٥ والحاكم ٤ / ٢٤١ وغيرهم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه.

٤٦٩

( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) )

ولما كان التين أحسن الفواكه تقويما فيما ذكروا من فضيلته ، وهو مع كونه فاكهة شهية حلوة جدا ـ غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر وسريع الهضم ، ودواء كثير النفع يولد دما صالحا وينفع الرئة والكلى ويلين الطبع ويحلل البلغم ويزيل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال ، فكان جامعا لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي ، فهو كامل في مجموع ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه ، وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة تعوق عن أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى ، مع أنه ينتفع به رطبا ويابسا ، وهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة ، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسنا وقبولا لكل من الإصلاح والتغير ، كآخر الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير ، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا كالقسم للسافل من الإنسان أقسم الله تعالى به فقال :( وَالتِّينِ ) بادئا به لأن القسم المشار به إليه أكثر ، فالاهتمام به أكبر.

ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه ، وفيه الدسومة والحرافة والمرارة ، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع بكل حال في أكله بعد تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث وتنعيم البشرة وتقوية العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما يتبع ذلك من فضائله الجمة كالمؤمن تلاه به فقال :( وَالزَّيْتُونِ ) ولما كان مع ذلك مشارا بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم عليه الصلاة والسّلام الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعبادته وتردد الملائكة إليه بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم بالتوحيد ، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسّلام أحد أولي العزم المشرف بكونه من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسّلام ، وكانت الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من التصريح بالمراد من أول وهلة ، ساقه على هذا المنهج العزيز ، ولم يبق ممن لم يسكنها من أشرافهم إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسّلام ، فأشار إلى الأولين بقوله معبرا بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ذو النبت من النجم والشجر المثمر وغيره :( وَطُورِ ) أي جبل المكان المسمى بهذا الاسم.

ولما كان الكلام في التقويم ، كان المناسب له صورة جمع السلامة فقال تعالى :

٤٧٠

( سِينِينَ ) أي وما كان بالجبل ذي النبت الحسن الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسّلام من لذيذ المناجاة وعجائب المواعدة وحكم الكلام مع أن فيه من الأشجار والأماكن ما يكنّ من الحر والبرد ، وفيه لخلوه وحسنه وعلوه جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي للعبادة والتحصن مما يخشى لعلوه وصعوبته ، وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة ، وفيه ما يأكله الناس والدواب مع الماء العذب والفناء الرحب والمنظر الأنيق ، وسنين وسيناء ـ اسم للموضع الذي هذا الجبل به ، وأشار سبحانه وتعالى إلى الأخيرين من أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ختاما للقسم بأكمل المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي هو ختام الرسل أكمل النوع المقسم لأجله ليكون في البدء بما يرد بعد حسن التقويم الى الفساد والختم بما هو أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى الأسرار :( وَهذَا الْبَلَدِ ) أي مكة ، صرح هنا بهذين المكانين ترشيحا لأن المراد بالأولين مواضع نبتهما مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى مناسبتهما للمقسم من أجله( الْأَمِينِ ) أي الذي يأمن فيه من حل به من البشر والطير والوحش ، فكان بذلك كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعز عليه فيؤديه إليه ويوقره عليه ، وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره مع أن به البيت الذي جعله الله هدى للعالمين وقياما للناس فهو مدار الدين والدنيا ، وكان به من الأسرار بالوحي وآثاره ما لم يكن في بلد من البلاد ، وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل النبي المبعوث منه في آخر الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان إذ كان آمنا من غير ملك مرهوب ـ والناس يتخطفون من حوله ، وهو محل الأنس بالناس كما أن الذي قبله محل الأنس بالانفراد ، وهو مجمع المرافق ومعدن المنافع ومحل ذوي الوجاهة دينا ودنيا ، ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه المكانان من تنزل الكتب السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما ، وفي ذلك تخويف لهم بأنهم إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلدا من بلاد العرب فيكونون بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد ، كما ردوا في الأخلاق بالشقاق واللدد.

ولما كان هذا القسم مع كونه جامعا لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعا لأكثر الذين آمنوا ، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لكونه أباهم مذكورا مرتين بالأرض المقدسة من القدس ومكة ، فتوقع أكمل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر المقسم عليه علما منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته ، أجيب بقوله تعالى محققا :( لَقَدْ خَلَقْنَا ) أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة الباهرة والعزة الغالبة القاهرة( الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع الذي جمع فيه

٤٧١

الشهوة والعقل وفيه الأنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه ، ولهذا قالت الملائكة عليهم الصلاة والسّلام( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) [البقرة : ٣٠] لأنهم علموا أنه إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة والسفك من الغضب( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) أي كائن منا روحا وعقلا أو أعم من ذلك بما جعلنا له من حسن الخلق والخلق بما خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة واجتماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصر والذوق واللمس والشم الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر كما مضى بسط ذلك في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه عليه من الفطرة الأولى التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم الذي هيأناه به وقويناه بقدرتنا لقبول الحق ، وبمثل ما قلته في حمل الآية على الفطرة الأولى قال الأصفهاني في تفسير( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) [البقرة : ٢١٣] في البقرة ، وقال ابن برجان هنا : مفطور على فطرة الإسلام الدين القيم ، ثم لما منحناه به من العقل المدرك القويم ، فكما جعلنا له شكلا يميزه عن سائر الحيوان منحناه عقلا يهديه إلى العروج عن درك النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال الصالحة البالغة نهاية الإحسان ، بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم محمد على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان الذين ملؤوا الأرض علما وحكمة ونورا ، قال البغوي : خلقه سبحانه وتعالى مديد القامة يتناول مأكوله بيده مزينا بالعقل والتمييز ـ انتهى ، والعقل هو المقصود في الحقيقة من الإنسان لأن من أسمائه اللب ، ومن المعلوم أن المقصود من كل شيء لبه وهو الشرع كما مضى في آخر النساء ، والظاهر أن عقول الناس بحسب الخلق متقاربة وأنها إنما تفاوتت بحسب الجبلة فبعضهم جعل سبحانه وتعالى عنصره وجبلته في غاية الفساد فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى أن يصير إلى أسوأ الأحوال ، فكل ميسر لما خلق له ، وبعضهم يصرف عقله بحسب ما هيأه الله له إلى ما ينجيه ، وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يرديه ، لأنك تجد أعقل الناس في شيء وأعرفهم به أشدهم بلادة في شيء آخر ، وأغباهم في شيء أذكاهم في شيء آخر ـ فاعتبر ذلك ، وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم بالعلوم والصنائع والأحوال ـ والله الهادي ، وهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن التركيب والصورة لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو الأحسن لأن كل صفة يشترك فيها الخلق والحق فالمبالغة للحق كالعالم والأعلم والكريم والأكرم ـ قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري في تفسيره ، وصيغة «أفعل» لا تدل على ما قاله الزنادقة ، وإن عزي ذلك إلى بعض الأكابر من قولهم : ليس في الإمكان أبدع مما كان ،

٤٧٢

لأن الدرجة الواحدة تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر كتفاوت أفراد الإنسان في صوره وألوانه ، وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه ، وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته : تهديم الأركان من «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ، وأوضحته غاية الإيضاح والبيان ، وجرت فيه فتن تصم الآذان ، ونصر الله الحق بموافقة الأعيان ، وقهر أهل الطغيان ، ثم أردفته بكتاب «دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام ، ودمغت الأخصام ، وخسأت الأوهام ، بالقول الفارق بين الصادق والمنافق ، وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع ، ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة بالنسبة إلى شيء أراده الله بحيث إن نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به الأشعري وغيره في غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا تتناهى مقدوراته ، وممن صرح بما صرح به الأشعري وأكثر فيه الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء وغيره ولا سيما كتابه «تهافت الفلاسفة» وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة وقولهم بأن فعله بالذات ، وبين فساد ذلك ، وأنه سبحانه وتعالى قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوتة بالصغر والكبر ، وعلى كل ممكن ، وعرف أن الممكن هو المقدور عليه ، وأنه يرجع إلى المقدور عليه أيضا ممكن ، وعرف الممتنع بأنه إثبات الشيء مع نفيه ، وإثبات الأخص مع نفي الأعم ، وإثبات الاثنين مع نفي الواحد ، وقال : وما لا يرجع إلى ذلك فهو ممكن ، فدخل فيه عالم أبدع من هذا العالم ـ والله الموفق لما يريد.

ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله سبحانه وتعالى عليه شهوات وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات ، وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات ، وكان أكثر الخلق بها هالكا لتتبين قدرة الله سبحانه وتعالى ، لم يستثن بل حكم على الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم ، فقال تعالى دالا بأداة التراخي على أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في غاية البعد لو لا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة :( ثُمَّ رَدَدْناهُ ) أي بما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل ، فعطل منافع ما خلقناه له فضيع نفسه وفوّت أسباب سعادته ونكسناه نحن في خلقه ، فصار بالأمرين في خلقه وخلقه نفسا وهوى أو أعم من ذلك بالنكس( أَسْفَلَ سافِلِينَ ) أي إلى ما تحت رتبة الجمادات المستقذرات ، فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع لغاية الشتات ، أما رده في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في النفوس ، وجعلناها داعية إلى كل بؤس ، فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته الموارد ، وأوقعته في المهاوي والمعاطب ، حتى أنه ليركب كثيرا من أموره وهو قاطع بأنه باطل شنيع ، لا

٤٧٣

يقدم على مثله عاقل ، فصار يعبد من دون الله ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان مما لا ضر فيه ولا نفع ، وصار يركب الظلم والعدوان والإفك والبهتان ، وما لا يحصى بالعد من أنواع الفواحش والعصيان ، ويظلم أبناء جنسه وغيرهم ، ويجتهد في الفجور ، ويتصرف بما لا يشك هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن يلزمه أمره ويعنيه شأنه ، فصار بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات المستقذرات لأنها وإن كانت لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس نوره بظلامها ، فلا تنسب إلى أنها فوّتت شيئا لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب للشرف ، وأما هو فاستعمل ما خلقناه له من الآلات ، وما فضلناه به من الكمالات ، في غير ما خلقناه له فاستحق العذاب المهين ، ثم يموت من غير مجازاة على شيء من ذلك أو على كثير منه ، فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه ، وله بعد البعث عند ربه على ذلك عذاب مقيم ، وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك القوى ضعيفا ، وبعد ذلك العز ذليلا مهينا ، وبعد ذلك العلم الغزير والفكر المنير لا يعلم شيئا ، وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره ، وقال ابن برجان : أما رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب ، وأما فيما سبيله الجزاء فبالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في الدنيا من الدواب والهوام والبهائم ، وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه ، وقال الإمام أبو العباس الأقليشي في شرح «المقدم المؤخر» من شرحه للاسماء الحسنى : إن الله تعالى خلقه ـ أي الإنسان ـ أولا في أحسن تقويم ، ثم ركبه في هذا الجسم الذي يجذبه إلى أسفل سافلين ، فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى عليين ، وكان من المقربين المقدمين ، وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم ، وكان من المبعدين المؤخرين.

ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة إلى كثرة المتصف به منهم ، وكان الصالح قليلا جدا ، جعله محط الاستثناء فقال :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بالله ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف ، فغلبنا بلطفنا عقولهم بما دعت إليه وأعانت عليه الفطرة الأولى على شهواتهم ، وحميناهم من أرذل العمر ، فكانوا كلما زدناهم سنا زدنا أنوار عقولهم ونقصنا نار شهواتهم بما أضعفنا من إحكام طبائعهم وتعلقهم بهذا العالم ، وأحكمنا من مدارك أنوار الحق وإشراقاته منهم ، وأعظمنا من قوى أرواحهم.

ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذبا قال :( وَعَمِلُوا ) أي تصديقا لدعواهم الإيمان( الصَّالِحاتِ ) أي من محاسن الأعمال من الأقوال والأفعال ثابتة الأركان على أساس الإيمان ، محكمة بما آتيناهم من العلم غاية الإحكام ، متقنة غاية الإتقان ، فإنا حفظناهم ـ وقليل ما هم ـ بما كملناهم به وشرفناهم على جميع الحيوانات وسائر من

٤٧٤

سواهم فلم نمكن منهم الشهوات ولا غيرها ، وأقمناهم على ما اقتضاه منهاج العقل ، فتبعوا الرسل بسبب إبقائنا لهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم ، لم يدنس محياها بشهوة ولا حظ ولا هوى ، فسهل انقيادهم ، فأداهم ذلك إلى العدل والنصفة والإحسان ، وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور ، ولم يزيغوا عن منهاج الرسل في قول ولا عمل ، فالآية كما ترى من الاحتباك : حذف أولا بما أفهمته الآية عمل السيئات ، وثانيا الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على الفطرة الأولى ، ليكون نظمها في الأصل :( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ) بعمل السيئات فله على ذلك عذاب مهين( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فإنا أبقيناهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم.

ولما كان السياق لمدح المؤمنين ، حسن أن يعد أعمالهم التي تفضل عليهم بها سببا كما منّ عليهم به من الثواب فقال :( فَلَهُمْ ) أي فتسبب عن ذلك أن كان لهم في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه سبحانه وتعالى( أَجْرٌ ) أي عظيم جدا وهو مع ذلك( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أي مقطوع أو يمن عليهم به حتى في حالة المرض والهرم لكونهم سعوا في مرضاة الله سبحانه وتعالى وعزموا عزما صادقا أنهم لا ينقصون من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى الدهر ، وذلك الأجر جزاء لأعمالهم فضلا منه بالأصل والفرع حتى أنهم إذا عجزوا بالهرم كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في حال الصحة ، ولمن تابع هواه في السفول عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين.

ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ظلم بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه قويم العقل الذي لا شك فيه ، فكان ذلك بحيث لا يرضاه أحد منهم ولا يقر مخلوق عبيدا في ملكه على مثله بأن يبغي بعضهم على بعض فيهملهم بل لا بد أن يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من الظالم ، ولو كان ذلك المالك أقل الناس وأجهلهم فكيف إن كان عاقلا فكيف إن كان حاكما فكيف إن كان لا يخاف أحدا فكيف إن كان عدلا مقسطا قد ثبتت إحاطة علمه وقدرته سبحانه وتعالى ، حسن كل الحسن أن يكون ذلك سببا للإنكار على من يظن أن الله يهمل عباده من الحكم بينهم لمجازاة كل من المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ظلم بعضهم لبعض ، وأن الظالم قد يموت قبل القصاص ، فقال مسببا عن الوعد بما أفصح به الكتاب من إثابة المؤمنين الذي ظالما بغى عليهم الظلمة ، وانتقصهم حقوقهم الفسقة ، والوعيد بما أفهمه الخطاب لعتاب المجرمين الذين طالما بغوا على غيرهم :( فَما ) أي فتسبب عن إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي العبيد بعضهم على بعض أنه يقال لك تصديقا لك فيما أخبرت به من أن الله سبحانه وتعالى يبعث الخلائق بعد موتهم ليجازي كلّا بما

٤٧٥

عمل وإنكارا على من كذبك : ما( يُكَذِّبُكَ ) أي أيّ شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم نفسا وأتقاهم عرضا وأطهرهم خلقا وخلقا ، وعبر ب «ما» إشارة إلى أن الكذب بهذا مع هذا الدليل القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل دونه( بَعْدُ ) أي بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالا لحال النكس ، وأعراه من الجار إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته كان ممن له أجر غير ممنون( بِالدِّينِ ) أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على سبيل العدل والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول ، فوقع بها من الظلم والأذى ما لا يسع عاقلا من العباد أن يحسن عنده ترك فاعلها من غير جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلما ، ومن شأن الملوك الإنصاف بين عبيدهم ورعاياهم ، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي شرع لعباده ذلك ، وقد ثبت بما له من هذا الخلق العظيم ، على هذا النظام المحكم والمنهاج الأقوم أنه الحكيم ، الذي لا حكيم غيره ، العليم الذي لا عليم سواه.

ولما صح أن تارك الظالم بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج العدل الذي شرعه الله تعالى ، حسن جدا تكرير الإنكار بقوله سبحانه وتعالى :( أَلَيْسَ اللهُ ) أي على ما له من صفات الكمال ، وأكده بالجار في قوله :( بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ) أي حتى يدع الخلق يهلك بعضهم بعضا من غير جزاء ، فيكون خلقهم عبثا ، بل هو أحكم الحاكمين علما وقدرة وعدلا وحكمة بما شوهد من إبداعه الخلق ومفاوتته بينهم ، وجعل الإنسان من بينهم على أحسن تقويم ، فلا بد أن يقيم الجزاء ويضع الموازين القسط ليوم القيامة فيظهر عدله وحكمته وفضله ، وهذا الآخر هو أولها قسما من جهة النبوات التي ظهر بها حكمه وحكمته ، ومقسما عليه من حيث إن الخلق في أحسن تقويم يقتضي العدل لا محالة ، والرد أسفل سافلين يتقاضى الحكم حتما لأجل ما يقع من الظلم والتشاجر بين من استمر على الفطرة القويمة ومن رد لأسفل سافلين ، وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها على جميع مقاصد التوراة إجمالا ، وزادت الدلالة على الآخرة ، وذلك أن قسمها هو قوله في التوراة «أتانا ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعر ، وظهر لنا من جبال فاران» والخلق في أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسّلام المذكور في أولها وخلق زوجه وما يحتاجان إليه من السماء والأرض ، وخلق الأصفياء من أولادهما وما جاؤوا به من الخير ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات هو ما فيها من الشرائع والأحكام ، وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالمقسم عنه «معه ربوات الأطهار عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى الشعوب ، وبارك على جميع أطهاره» والرد أسفل سافلين هو

٤٧٦

ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن بعده إلى آخرها ، على ما أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم ، فقد اكتنفت بأول التوراة وآخرها وأوسطها ، وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات ، وهي أهم المهم لأنها المنجية من شر قطاع الطريق ، وآخرها أدل ما فيها على النبوات لا سيما الثلاث العظام ـ المشار إليها بقسم هذه السورة ـ والله سبحانه وتعالى أعلم بالغيب.

٤٧٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة العلق

مكية ـ آياتها تسع عشر

وتسمى إقرأ

مقصودها الأمر لا سيما للمقصود بالتفضيل في سورة التين بعبادة من له الخلق والأمر ، شكرا لإحسانه واجتنابا لكفرانه ، طمعا في جنانه وخوفا من نيرانه ، لما ثبت من أنه يدين العباد يوم المعاد ، وكل من اسميها دال على ذلك لأن المربي يجب شكره ، ويحرم غاية التحريم كفره ، على أن «اقرأ» ، يشير إلى الأمر ، «والعلق» يشير إلى الخلق ، و «اقرأ» يدل على البداية وهي العبادة بالمطابقة ، وعلى النهاية وهي النجاة يوم الدين باللازم ، والعلق يدل على كل من النهاية ثم البداية بالالتزام ، لأن من عرف أنه مخلوق من دم عرف أن خالقه قادر على إعادته من تراب ، فإن التراب أقبل للحياة من الدم ، ومن صدق بالإعادة عمل لها ، وخص العلق لأنه مركب الحياة ، ولذلك سمي نفسا( بِسْمِ اللهِ ) الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالإلهية( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمته فاستوجب الشكر من سائر البرية( الرَّحِيمِ ) الذي وفق من شاء من خواصه لما أنالهم به المواهب السنية والعطايا الوفية.

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) )

لما أمره سبحانه وتعالى في الضحى بالتحديث بنعمته ، وذكره بمجامعها في( أَلَمْ نَشْرَحْ ) فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه ، فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا قدرة لغيره إلا به ، فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعا البعث للجزاء فتشوف السامع إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأيّ وسيلة يقف بين يدي الملك الأعلى في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فأرشد إلى ذلك في هذه السورة ، فقال بادئا بالتعريف بالعلم الأصلي ذاكرا أصل من خلقه سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وبعض

٤٧٨

أطواره الحسنة والقبيحة تعجيبا من تمام قدرته سبحانه وتعالى وتنبيها على تعرفها وإنعام النظر فيها ، وقدم الفعل العامل في الجار والمجرور هنا لأنه أوقع في النفس لكونها أول ما نزل فكان الأمر بالقراءة أهم :( اقْرَأْ ) وحذف مفعوله إشارة إلى أنه لا قراءة إلا بما أمره به ، وهي الجمع الأعظم ، فالمعنى : أوجد القراءة لما لا مقروء غيره ، وهو القرآن الجامع لكل خير ، وأفصح له بأنه لا يقدر على ذلك إلا بمعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه ، ورباه فأحسن تربيته ، فقال ما أرشد المعنى إلى أن تقديره : حال كونك مفتتحا القراءة( بِاسْمِ رَبِّكَ ) أي بأن تبسمل ، أو مستعينا بالمحسن إليك لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى بما خصك به في( أَلَمْ نَشْرَحْ ) أو بذكر اسمه ، والمراد على هذا بالاسم الصفات العلى ، وعبر به لأنه يلزم من حسن الاسم حسن مدلوله ، ومن تعظيم الاسم تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به وينسب إليه ، قالوا : وهذا يدل على أن القراءة لا تكون تامة إلا بالتسمية ، ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي إليها تذكر النعم لم يذكر الاسم الأعظم الجامع ، وذكر صفة الإحسان بالتربية الجامع لما عداه وتأنيسا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لكونه أول ما نزل حين حبب إليه الخلاء ، فكان يخلو بنفسه يتعبد بربه في غار حراء ، فجاءه جبرائيل عليه الصلاة والسّلام بخمس آيات من أول هذه السورة إلى قوله «ما لم يعلم» ولهذا السر ساقه مساق البسملة بعبارة هي أكثر تأنيسا في أول الأمر وأبسط منها ، فأشار إلى الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال ، وأشار إلى عموم منة الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول ، وإلى خصوص صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها بلوغ النهاية ، وذلك لا يكون بدون إفاضة العمل بما يرضي ، فيكون سببا للكرامة الدائمة ، وبالتعليم الذي من شأنه أن يهدي إلى الرضوان ، وأشار إلى الاستعاذة بالأمر بالقرآن لما أفهمه قوله سبحانه وتعالى :( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) ـ أي من شياطين الإنس والجن ـ( حِجاباً مَسْتُوراً ) [الإسراء : ٤٥] وقوله تعالى :( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) [النحل : ٩٨].

ولما خصه تشريفا بإضافة هذا الوصف الشريف إليه ، وصفه على جهة العموم بالخلق والأمر إعلاما بأن له التدبير والتأثير ، وبدأ بالخلق لأنه محسوس بالعين ، فهو أعلق بالفهم ، وأقرب إلى التصور ، وأدل على الوجود وعظيم القدرة وكمال الحكمة ، فكانت البداءة به في هذه السورة التي هي أول ما نزل أنسب الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله ، وهي بالنظر إلى أفعاله في غاية الوضوح فقال :( الَّذِي خَلَقَ ) وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له هذا الوصف وهو التقدير والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما كان وفيما يكون ، فكل شيء يدخل في الوجود فهو من صنعه ومتردد بين إذنه ومنعه

٤٧٩

وضره ونفعه.

ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات ، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه ، ولباب حقيقته وسر محضه ، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعا لجميع ما في الأكوان ، فكان خلقه أبدع من خلق غيره ، فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة ، خصه فقال :( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) أي هذا الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى من أخلاقه وحسه ، وما ألفه من أبناء جنسه.

ولما كانت العرب تأكل الدم ، وكان الله تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة ، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه ، قال معرفا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب :( مِنْ عَلَقٍ ) أي خلق هذا النوع من هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ ، جمع علقة ، وكذا الطين الذي يعلق باليد يسمى علقا ، وهم مقرّون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما ، فالآية من أدلة إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه ، ولعله عبر به ليعم الطين فيكون ـ مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة ـ إشارة إلى حرمة أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل ، فإذا استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح وغيره ، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل قصر الشهوة لها ، وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء ، فإذا تحول الدم لحما صار إلى جنس ما يحل ، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرا أو حبا حل.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال الله سبحانه وتعالى لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ) [التين : ٧ ـ ٨] وكان معنى ذلك : أيّ شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك ، ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) [الزمر : ٦٥] وبابه ، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدى إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من حيث عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم ، فتقدير الكلام : أيّ شيء يمكن فيه أن يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب ، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل الإشكال ، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين؟ أفيليق به وهو العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم؟ أفيحسن أن يفعل ذلك عبثا؟ وقد قال تعالى :( وَما خَلَقْنَا ) السماوات( وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ) [ص : ٢٧ ـ ولكن قراءتنا ـ وما خلقنا السماء ـ لا بالجمع] فلما قرر سبحانه العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما

٤٨٠