نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 83
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 83 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

تقدم ذلك من موجب نفي الاسترابة في نوع الحق إذا اعتبر ونظر ، ووقعت في الترتيب سورة العلق مشيرة إلى ما به يقع الشفاء ، ومنه يعلم الابتداء والانتهاء ، وهو كتابه المبين ، الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين ، فأمر بقراءته ليتدبروا آياته فقال( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) مستعينا به فسوف يتضح سبيلك وينتهج دليلك( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ ) نذرا [الفرقان : ١] وأيضا فإنه تعالى أعلم عباده بخلقه الإنسان في أحسن تقويم( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ) [التين : ٥] وحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين القائلين ، كل ذلك بسابق حكمته وإرادته( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) وقد بين سبحانه لنا أقصى غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من الصنف الإنساني ، وذلك فيما أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجليل وعده الكريم له في قوله( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) [الضحى : ٥] وفضل حال ابتداء( أَلَمْ نَشْرَحْ ) على تقدم سؤال( رَبِّ اشْرَحْ ) [طه : ٢٥] إلى ما أشارت إليه آي السورتين من خصائصه الجليلة ، وذلك أعلى مقام يناله أحد ممن ذكر ، فوقع تعقيب ـ ذلك بسورة تضمنت الإشارة إلى حال من جعل في الظرف الآخر من الجنس الإنساني ، وذلك حال من أشير إليه من لدن قوله تعالى :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ) إلى قوله :( كَلَّا لا تُطِعْهُ ) ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين ، وهي العادة المطردة في الكتب ، ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الظرف الآخرة ليطابق المقصود ، ولعل بعض من لم يتفطن يعترض هنا بأن هذه السورة من أول ما أنزل فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولا ، فنقول له : وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك ، وإلا فليست سورة البقرة من المدني ، ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور على الترتيب الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيها بعد من المكي ما لا يحصى ، فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور ما هي عليه راجع إلى فعله عليه الصلاة والسّلام أكان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم على ما قدمناه ، فارجع بصرك ، وأعد في الخطبة نظرك ، والله يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته ، ويحملنا في ذلك على ما يقربنا إليه بمنه وفضله ـ انتهى.

ولما أتم سبحانه ما أراد من أمر الخلق وهو الإيجاد بالأسباب بالتدريج ، أخذ في التنبيه على عالم الأمر وهو الإبداع من غير أسباب ، فقال مكررا للأمر بالقراءة تنبيها على عظم شأنها وتأنيسا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومسكنا لروعه ومعلما أن من جاءه الأمر من قبله ليس كأربابهم :( اقْرَأْ ) ولما كان قد قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند هذا الأمر إخبارا بالواقع كما يقوله لسان الحال لو لم ينطق بلسان المقال : ما أنا بقارىء ، فكان التقدير : فربك الذي رباك فأحسن

٤٨١

تربيتك وأدبك فأحسن تأديبك أمرك بالقراءة وهو قادر على جعلك قارئا ، عطف عليه قوله :( وَرَبُّكَ ) أي يكون التقدير : والحال أن الذي خصك بالإحسان الجم( الْأَكْرَمُ ) أي الذي له الكمال الأعظم مطلقا من جهة الذات ومن جهة الصفات ومن جهة الأفعال ، فلا يلحقه نقص في شيء من الأشياء أصلا لأن حقيقته البعيد عن اللوم الجامع لمساوىء الأخلاق ، فهو الجامع لمعالي الأخلاق ، وليس غيره يتصف بذلك ، فهو يعطيك ما لا يدخل تحت الحصر ، وأشار إلى أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية من العلم والحظ ما لم يفضه على أمة قبلها على قصر أعمارهم ، فقال مشيرا إلى العلم التعليم ، مشعرا بوصفه سبحانه بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم بالأكرمية على هذا الوصف الناقل للإنسان من الحال العلقي السافل إلى هذا الحال العالي الكامل( الَّذِي عَلَّمَ ) أي بعد الحلم عن معاجلتهم بالعذاب والعقاب جودا منه من غير مانع من خوف عاقبة ولا رجاء منفعة( بِالْقَلَمِ ) أي الكتابة به. ولما نبه بذلك على ما في الكتابة من المنافع التي لا يحيط بها غيره سبحانه وتعالى ، لأنها انبنت عليها استقامة أمور الدنيا والدين في الدنيا والآخرة ، وهي كافية في الدلالة على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره ، زاد ذلك عظمة على وجه يعم غيره فقال :( عَلَّمَ ) أي العلم الضروري والنظري( الْإِنْسانَ ) أي الذي من شأنه الأنس بما هو فيه لا ينتقل إلى غيره بل ينساه إن لم يلهمه ربه إياه( ما لَمْ يَعْلَمْ ) أي بلطفه وحكمته لينتظم به حاله في دينه من الكتاب والسنة ودنياه من المعاملات والصنائع ، فيفيض عليه من علمه اللدني الذي لا سبب له ظاهر ما يعرف به ترتيب المقدمات بالحدود والوسطى ، فيعلم النتائج ، وما يعرف به الحدسيات ، وذلك بعد خلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات ، ولو كان ذلك بالأسباب فقط لتساوى الناس في مدة التعليم وفي أصل المعلوم كما تساووا في مدة الحمل وأصل الإنسانية ، وقد ذكر سبحانه مبدأ الإنسان ومنتهاه بنقله من أخس الحالات إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته ، قال الملوي : ولو كان شيء من العطاء والنعم أشرف من العلم لذكره عقب صفة الأكرمية ـ انتهى ، وفي ذلك إشارة إلى مزيد كرم العلماء بالتعليم ، وفي الآية الإشارة إلى مطالعة عالمي الخلق والأمر ، قال الرازي ، وفي كل من العالمين خصوص وعموم ـ انتهى ، فالمعنى أنه يعلمك أيها النبي الكريم وإن كنت أميا لا تعلم الآن شيئا كما علم بالقلم من لم يكن يعلم ، فتكون أنت ـ بما أشارت إليه صفة الأكرمية على ما أنت فيه من الأمية ـ أعلم من أهل الأقلام ، وأعلى في كل مقام سام.

ولما كان الدم أكثر الأخلاط وأشدها هيجانا ، فإن مرضه لا يشبهه شيء من أمراض بقية الأخلاط ، وكان مع ذلك سريع البرء إن أصيب علاجه وعولج بأمر قاهر أقوى منه ، وكان العلم قرين الغنى في الأغلب ، وكان زلة العالم تفوق زلة غيره ، قال

٤٨٢

معرفا بعد التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبينا لقسم الإنسان المردود أسفل سافلين مقررا لحاله ، ورادعا له عن ضلاله :( كَلَّا ) أي ارتدع أيها العالم عن الطغيان إن نلت الغنى حقا( إِنَّ الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع الذي هو نوعك ومن شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه( لَيَطْغى ) أي من شأنه ـ إلا من عصمه الله سبحانه ـ أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته كما يزيد الخلط الدموي ، وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به فإنه لا طاغي يقر بأنه طغى( أَنْ ) أي لأجل أن( رَآهُ ) أي علم الإنسان نفسه علما وجدانيا( اسْتَغْنى ) أي وجد له الغنى ، هذا هو الطبع الغالب في الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن مواضع افتقاره ، فتغيرت أحواله معه ، وتجاوز فيه ما ينبغي له الوقوف عنده «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب»(١) ومن كان مفتقرا إلى شيء كان منطاعا له كما في حديث آخر أهل النار خروجا منها يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه ، فإذا أعطيته واستغنى به سأل غيره حتى يدخل دار القرار ، ولعله نبه بهذا على أن هذه الأمة المحتاجة ستفتح لها خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من قبلها وإن كانوا هم ينكرون ذلك كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين بشرهم بالفتوحات وقال : «إنه يغدى على أحدكم بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم : أنتم اليوم خير أم يومئذ ، فقالوا : بل يومئذ ، نتفرغ لعبادة ربنا ، فقال : بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ (٢) ،قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم :والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم »(٣) أو كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء ، قال معرفا أن الإنسان لا يزال مفتقرا إلى مولاه في حياته ومماته وغناه وفقره ، محذرا له سوء حالاته مؤكدا لأجل إنكارهم ذلك :( إِنَّ إِلى رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك ، لا إلى غيره من التراب ونحوه( الرُّجْعى ) أي الرجوع الأعظم الثابت الذي لا محيد عنه ، أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به ، فإنه لا يقدر أحد على شيء إلا بتقديره ، وأما في الآخرة فبما أثبت في برهانه في سورة التين ، فيحاسب الناس بأعمالهم ، ويجازي كل أحد بما يستحق من ثواب أو عقاب ، ففيه وعيد للطاغي وتحقير ـ لغنى ينقطع.

ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم الداء واجبة ،

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ١٦٨ والبخاري ٦٤٣٩ ومسلم ١٠٤٨ عن أنس رضي الله تعالى عنه.

(٢) أخرجه أبو يعلى ٥٠٢ عن علي رضي الله تعالى عنه قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٥٦٦ : رواه أبو يعلى وفيه «ولم يسم وبقية رجاله ثقات».

(٣) أخرجه أحمد ٤ / ٣٢٧ والبخاري ٦٤٢٥ عن عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه.

٤٨٣

دل على طغيانه مخوفا من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير لأنه أوقع في النفس وأروع للّب لأن أبا جهل قال : «لئن رأيت محمدا يعفر وجهه لأفضخن رأسه بصخرة ، فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه على حجره فسئل عما دهاه ، فقال : إن بيني وبينه لهولا وأجنحة ، وفي رواية : لخندقا من النار ، وفي رواية : لفحلا من الإبل ، فما رأيت مثله ، ولو دنوت منه لأكلني» وأصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، فقال :( أَرَأَيْتَ ) تقدم في الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصريا كان بمعنى أخبر ، فالمعنى : أخبرني هل علمت بقلبك علما هو في الجلاء كرؤية بصرك( الَّذِي يَنْهى ) أي على سبيل التجديد والاستمرار.

ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده ، قال معبرا بالعبودية منكرا للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية :( عَبْداً ) أي من العبيد( إِذا صَلَّى ) أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي وصلته به ، وهي أعظم أنواع العبادة لأنها مع كونها أقرب وصلة إلى الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق ، فكان نهيه له عن ذلك نهيا عن أداء الحق لأهله حسدا أو بغيا ، فكان دالّا على أن من طبع أهل كل زمان عداوة أهل الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصوا بالكمال.

( أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) )

ولما كان هذا أمرا خارجا عن الحد في الطغيان ، وكان السؤال إنما هو عن رؤية حاله في نهيه العبد عن الصلاة ، لا عن رؤية ذاته ، فتشوف السامع إلى معرفة ذلك الحال ، كرر التقرير بزيادة التعجيب من حاله والتحذير ، فقال مكررا العامل زيادة في التأكيد وبيانا لأن هذا في الحقيقة أول السؤال عن الحال :( أَرَأَيْتَ ) أي أخبرني عن حاله( إِنْ كانَ ) أي هذا الناهي ، وعبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى أنه في غاية الثبات والتمكن فقال :( عَلَى الْهُدى ) أي الكامل في الهداية فكف عن نهي هذا المصلي عن خدمة مولاه الذي هو معترف بسيادته وإن ادعى كذبا أن له شريكا كما أنه لا ينهى عن السجود للأصنام.

ولما ذكر ما لعله يكون عليه في تكميل نفسه ، ذكر ما لعله يعانيه من إنجاء غيره فقال :( أَوْ أَمَرَ ) أي ذلك الناهي( بِالتَّقْوى ) أي التي هي عماد الدين ، وهي عمارة

٤٨٤

الباطن بالنور الناشئة عن الهدى ، وعمارة الظاهر لذلك ، المترشحة من عمارة الباطن ، الموجب لذلك ، فأمر هذا المصلي بملازمة خدمة سيده المجمع على سيادته ، ولا شك في توحيده بالربوبية بالإقبال على ما يرضيه من أفعال العبادة ، ليكون ذلك وقاية للفاعل من سخطه فيأمن الهلاك ، والجواب محذوف تقديره : ألم يكن خيرا له فليتدبر كل أمر من أموره فلا يقدم عليه حتى يعلم بالدليل أنه هدى وتقوى.

ولما كان التقدير حتما كما هدى إليه السياق ما قدرته من جواب السؤالين ، بنى عليه قوله زيادة في التوبيخ والتعجيب والتقريع استفهاما عن حال لهذا الناهي مناف للحال الأول معيدا الفعل إيضاحا لذلك :( أَرَأَيْتَ ) أي أخبرني أيها السامع ولا تستعجل( إِنْ كَذَّبَ ) أي أوقع هذا الناهي التكذيب بأن المصلي على الهدى بخدمة سيده المتفق على سيادته ، فكان بذلك مرتكبا للضلال الذي لا شك في كونه ضلالا ، ولا يدعو إليه إلا الهوى.

ولما كان المكذب قد لا يترك من كذبه ، أشار إلى أن حال هذا على غير ذلك فقال :( وَتَوَلَّى ) أي وكلف فطرته الأولى بعد معالجتها الإعراض عن قبول الأمر بالتقوى ، وذلك التولي إخراب الباطن بالأخلاق السيئة الناشئة عن التكذيب وإخراب الظاهر بالأعمال القبيحة الناشئة عن التكذيب ، والجواب محذوف تقديره : ألم يكن ذلك التولي والتكذيب شرا له لأن التكذيب والتولي من غير دليل شر محض ، فكيف إذا كان الدليل قائما على ضدهما.

ولما عجب من حالته البعيدة عن العقل مع نفسه ومع أبناء جنسه ، أنكر عليه معجبا من كونه يعلم أنه ليس بيده شيء ، المنتج لأنه مراقب وحاله مضبوط غاية الضبط وينسى ذلك ، فقال ذاكرا مفعول «أرءيت» الثاني وهو لا يكون إلا جملة استفهامية :( أَلَمْ يَعْلَمْ ) أي يقع له علم يوما من الأيام( بِأَنَّ اللهَ ) أي وهو الملك الأعلى( يَرى ) أي له صفتا البصر والعلم على الإطلاق ، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ، ومن كان له ذلك كان جديرا بأن يهلك من يراه على الضلال والإضلال وينصر من يطيع أمره على كل من يعاديه ، وإنما جاء هذا الاستفهام الإنكاري على هذا الوجه لأنهم يعترفون بكل ما أنكر عليهم فيه ويلزمهم بما يفعلون من عداوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكونوا منكرين له ، وذلك هو عين التناقض الذي لا أشنع عندهم منه ، هذا ويمكن ، وهو أحسن ، أن تنزل الآية على الاحتباك فيقال : لما كان السؤال عن حال الناهي لأن الرؤية علمية لا بصرية ، فتشوف السامع إلى معرفتها ، وكان للناهي حالان : طاعة ومعصية ، بدأ بالأولى لشرفها على الأسلوب الماضي في التقرير على سبيل التعجيب فقال : «أرءيت» أي أخبرني «إن

٤٨٥

كان» الناهي ثابتا في نهيه هذا متمكنا «على الهدى» أي الكامل «أو» كان قد «أمر» في ذلك الأمر أو في أمر ما من عبادة الأوثان وغيرها «بالتقوى» وحذف جواب السؤال عن هذا الحال لدلالة جواب الحال الثاني عليه ، وهو ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يصح أن يرى ، فينهى عنه إن كان مكروها ولا يقر عليه ويحاسب به ليزن هذا الناهي أفعاله بما شرعه سبحانه من الدليل العقلي والسمعي فيعلم أهي مما يرضيه ليقره عليه كما يقر سائر ما يرضيه أو يسخطه فيمنعه منه. ولما ذكر ما يمكن أن يكون عليه حال الناهي من السداد ، ذكر ما يمكن أن يكون عليه من الفساد ، فقال مقررا معجبا معيدا العامل لزيادة التعجيب على النمط الأول : «أرأيت إن كذب» أي هذا الناهي بالحق في وقت النهي ـ ولما كان لا يلزم من التكذيب التولي قال : «وتولى» أي عن الدين بنهيه هذا ، فكان على الضلال والهوى متمكنا في ذلك بحيث إنه لا يصدر عنه فعل إلا فاسدا «ألم يعلم بأن الله يرى» فيحاسب نفسه بما أرشد إليه سبحانه من البراهين فيعلم أن ما هو عليه من الرشد إن كان الله يقره عليه ويمكنه منه أو الغواية إن كان ينهاه عنه ولا يقره عليه ، كما فعل بهذا الذي أقسم : ليرضخن رأس هذا المصلي ، وأقدم عليه بصخرته وهو عند نفسه في غاية القدرة على ذلك بزعمه فمنعه الله منه ورده عنه فرجع على عقبيه خاسئا ظاهرا عليه الجبن والرعب وغيرهما مما يتحاماه الرجال ، ويأنف منه الضراغمة الأبطال ، والاحتباك هنا بطلب «أرءيت» جملة ليس هو من التنازع لأنه يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر ، إنما هو من باب الحذف لدليل ، فحذف الكون على الضلال ثانيا لدلالة الكون على الهدى عليه أولا ، وحذف «ألم يعلم بأن الله يرى» أولا لدلالة ذكره آخرا عليه.

ولما كان هذا الخبيث معرضا عن هذا العلم الذي هو معترف به كله ، وإنما كان إعراضه لما عنده من الحظوظ والشهوات الموقعة له ـ بحكم الرد أسفل سافلين ـ إلى رتبة البهائم ، أتى بأعظم أدوات الردع فقال :( كَلَّا ) أي ليس عنده علم بشيء من ذلك لسفول رتبته عن رتبة البهائم ولا في يده شيء من الأشياء ، فهو لا يقدر على شيء مما رامه من الأذى ، فليرتدع عن تعاطي ذلك لأنه لا يضر إلا نفسه.

ولما كان نفي العلم عنه يوهم أنه في عداد الغافلين الذي لا ملامة عليهم ، بين أن انتفاء العلم عنه ليس عن غفلة يعذر صاحبها ، إنما هو عن تهاون بالخير ورضى بالعمى والتقليد ، فهو من قسم الضال الذي فرط في استعمال القوة العلمية المذكور في الفاتحة ، فاستأنف الإخبار عنه في جواب من يقول : فما يفعل به؟ معبرا بأداة الشك إقامة له ولغيره في محل الرجاء لانتهائه إبقاء للتكليف ومؤكدا لأنهم منكرون :( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ) أي يفتعل هذا الناهي لهذا العبد المطيع فيقف ويكف عما هو فيه من نهيه وتكذيبه وتوليه.

٤٨٦

ولما كان الحال غير محتاج إلى أكثر من التأكد لإيقاع الفعل ، عبر بالحقيقة ولم ينقلها إشارة إلى أن هذا الناهي أقل من أن يحتاج فيه إلى فعل شديد ، بل أقل نفحة من العذاب تكفي في إهلاكه ، وما كان أصل التأكيد إلّا تطييبا لقلوب الأولياء وتكذيبا للأعداء فقال :( لَنَسْفَعاً ) أي والله لنأخذن ونقبضن قبضا وأخذا بشدة وعنف مع الجر والاجتذاب واللطم والدفع والغيظ أخذ من يعض مأخوذه ويذله ويسود وجهه ويقذره( بِالنَّاصِيَةِ ) أي بالشعر الذي في مقدم رأسه وهو أشرف ما فيه ، والعرب لا تأنف من شيء أنفتهم من أخذ الناصية ، وإذا انتهكت حرمة الأشرف فما بالك بغيره ، واستغنى بتعريف العهد عن الإضافة.

ولما كان من المعلوم أن من صار في القبضة على هذه الهيئة المهينة المزرية فهو هالك ، اغتنى به عن أن يقول : ولنسحبنه بها على وجهه إلى النار ، ووصفها بما يدل على ذلك فقال مبدلا لأن البدل وصف بما قربه من المعرفة :( ناصِيَةٍ ) أي عظيمة القبح( كاذِبَةٍ ) أي متعمدة للكذب( خاطِئَةٍ ) فهي صادر عنها الذنب من الكذب وغيره من غير تعمد ، فأغلب أحوالها على غير صواب تارة عن عمد وتارة عن غير عمد ، وما ذاك إلا لسوء جبلة صاحبها حتى كاد لا يصدر عنه فعل سديد ، ووصفها بما هو لصاحبها على الإسناد المجازي مبالغة في تكذيبه في أنه لا يقدر على منع المهتدي أو إذلاله أو شيء من أذاه إلا إن أذن له صاحب الأمر كله فيما يكون سببا لزيادة رفعته ، وفي العدول عن الحقيقة ، كأن يقال : ناصية كاذب خاطىء ، بالإضافة إلى هذا المجاز ، من الجزالة والفخامة والجلالة ما لا يخفى.

ولما كان هذا هو غاية الإهانة ، وكان الكفار إنما يقصدون بأعراضهم الشماخة والأنفة والعز عن أن يكونوا أتباعا أذنابا ، وإنما عزهم بقومهم ، وأقرب من يعتز به الإنسان أهل ناديه ، وهم القوم الذين يجتمعون نهارا ليحدث بعضهم بعضا ويستروح بعضهم إلى بعضهم لما عندهم من التصافي لأنهم لا يتركون أشغالهم نهارا ويجتمعون لذلك إلا عن ذلك ، قال تعالى مسببا عن أخذه على هذا الوجه المزري :( فَلْيَدْعُ ) أي دعاء استغاثة( نادِيَهُ ) أي القوم الذين كانوا يجتمعون معه نهارا يتحدثون في مكان ينادي فيه بعضهم من أنصاره وعشيرته ليخلصوه مما هو فيه ، والذي نزلت فيه هو أبو جهل ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا.

ولما كان كأنه قيل : فلو دعا ناديه يكون ماذا؟ قال :( سَنَدْعُ ) أي بوعد لا خلف فيه( الزَّبانِيَةَ ) أي الأعوان الموكلين بالنار ليجروه إليها ، وهم في الأصل الشرط ، الواحد زبنية كهبرية ، من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسبة ، أصلها زباني والتاء

٤٨٧

عوض عن الياء ، وهم كل من عظم خلقه ، واشتد بطشه ، وقد اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ ، ولا موجب لحذفه من العربية لفظا ، وكأن المعنى في ذلك ـ والله أعلم ـ أن لا يظن أنهم دعوا لرفعة لهم في ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند الربانيين العلو والرفعة ، إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز ، أو يقال : إن الحذف دال على تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء أمر لا بد من إيقاع مضمونه ، ومن إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه ، وأن ذلك كله يكون على غاية الإحكام ، والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام ، لا سيما مع التأكيد بالسين ، الدال على تحتم الاتحاد والتمكين ، أو يكون المعنى : إنا ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر ، فيكون منهم ما لا يطاق ولا يستطاع دفاعه بوجه ، فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا عزمتهم.

ولما كان الذي تقدم نهي الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره بدعاء ناديه ، وكان الحكم في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة ، وفي الثاني أن الناهي لا ينتهي عن عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه ، فالكل منفي ، حسن كل الحسن الإتيان بأداة الردع فقال :( كَلَّا ) أي لا يقدر على دعاء ناديه ولا ينتهي عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك.

ولما كان كأنه قيل : فما أفعل؟ قال معرفا أن من علم أن طبع الزمان وأهله الفساد ، وجب عليه الإقبال على شأنه والإعراض عن سائر العباد( لا تُطِعْهُ ) أي في نهيه لك عن الطاعة بالصلاة أو غيرها.

ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين ، وكانت الصلاة يعبر عنها بالسجود لأنه ـ مع أنه جزؤها ـ هو أشرفها ، وهو أيضا يطلق على مطلق العبادة ، قال تعالى مشيرا إلى النصر لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولأتباعه على كل من يمنعهم عبادته :( وَاسْجُدْ ) أي دم على صلاتك وخضوعك بنفسك وجدد ذلك في كل وقت. ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله قال :( وَاقْتَرِبْ ) أي اجتهد بسرك في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه بكل عبادة لا سيما الصلاة فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وقد شرح هذا المقام كما تقدم في الفاتحة قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «أعوذ بعفوك من عقوبتك» فإن هذه الجملة أفادت ـ كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر ـ مشاهدة أفعال الله فقط ، فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله ، فاستعاذ بفعله من فعله ، قال : ثم اقترب ففني في مشاهدة الأحوال ، وترقى إلى مصادر الأفعال ، وهي الصفات ، فقال : «أعوذ برضاك من سخطك» وهما صفتان ، ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب وترقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة

٤٨٨

الذات فقال «وأعوذ بك منك »(١) فرارا منه إليه من غير رؤية فعل وصفة ، ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ومستعيذا ومثنيا ففني عن مشاهدة نفسه إذ رأى ذلك نقصانا فاقترب فقال «أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك»(٢) فقوله : «لا أحصي» خبر عن ـ فناء نفسه وخروجه عن مشاهدتها ، وقوله : «أنت كما أثنيت» بيان أنه المثني والمثنى عليه ، وأن الكل منه بدأ وإليه يعود ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، فكان أول مقامه نهاية مقامات الموحدين وهو أن لا يرى إلا الله وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل ، فانظر إلى ماذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ، ولقد كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يرقى من مرتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية ، فكان يستغفر الله من الأولى ، ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه ، وإليه الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة »(٣) فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما بعضها يعد نقصا لنقص أوائلها وإن كان مجاوزا أقصى غايات مقامات الخلق ، ولكن كان نقصانا بالإضافة إلى أواخرها ، فكان استغفاره لذلك.

ولما قالت عائشة رضي الله عنها : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد؟ قال : «أفلا أكون عبدا شكورا »(٤) معناه : أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات ، فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى و( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) [إبراهيم : ٧] انتهى. وهو على ما ترى من النفاسة فمن أكثر من الدعاء في سجوده فقمن أن يستجاب له ، والصلاة لا تكون إلا بالقراءة فإذا فعلت ذلك احتجبت عن الأغيار بحجاب منيع ، فازددت صفاء وصنت حالك عن الغير ـ كما يرشد إليه ما في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسّلام «ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ـ والله أعلم» فقد رجع آخرها إلى الأول ، على أحسن وجه وأجمل وأكمل ـ والله الهادي.

__________________

(١) هو بعض الآتي.

(٢) أخرجه أحمد ٦ / ٥٨ ومسلم ٤٨٦ وأبو داود ٨٧٩ والنسائي ٢ / ٢١٠ والترمذي ٣٤٩٣ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

(٣) أخرجه أحمد ٤ / ٢٦٠ مسلم ٢٧٠٢ وأبو داود ١٥١٥ والطبراني ٨٨٨ عن الأغر المزني رضي الله تعالى عنه.

(٤) أخرجه أحمد ٦ / ١١٥ والبخاري ٤٨٣٧ ومسلم ٢٨٢٠ وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

وفي الباب عن المغيرة رضي الله تعالى عنه عند الشيخين.

٤٨٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة القدر

مكية ـ آياتها خمس

مقصودها تفصيل الأمر الذي هو أحد قسمي ما ضمنه مقصود «اقرأ» وعلى ذلك دل اسمها لأن الليلة فضلت به ، فهو من إطلاق المسبب على السبب ، وهو دليل لمن يقول باعتبار تفضيل الأوقات لأجل ما كان فيها ، كما قال ذلك اليهودي في اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) [المائدة : ٣] وأفرده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على ذلك وأعلمه أنه صار لنا عيدين : عيدا من جهة كونه يوم عرفة ، وعيدا من جهة كونه يوم جمعة( بِسْمِ اللهِ ) الذي جل أمره وتنزه ذاته( الرَّحْمنِ ) الذي عمت رحمته فبدعت صفاته( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل التوحيد بإتمام النعمة فاختصت بهم جناته.

( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) )

لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا الذكر العربي المعجز ، ذكر إنزاله مستحضرا في كل قلب ، كان ذلك مغنيا عن إعادته بصريح اسمه ، فكان متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه ، وبما له في القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه السورة لافتتاح العلق بالأمر بقراءته ، وختمها بالصلاة التي هي أعظم أركانها ، فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح ، فكان كأنه قال : واقترب بقراءة القرآن في الصلاة ، فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من إظهاره ، لدلالة الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو بحيث لا يحتاج إلى التصريح به ، قال مفخما له بأمور : إضماره ، وإسناد إنزاله إليه ، وجعل ذلك في مظهر العظمة ، وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد الذي أنزل فيه ـ على قول الأكثر ،

٤٩٠

والنبي الذي أنزل عليه ، مؤكدا لأجل ما لهم من الإنكار :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( أَنْزَلْناهُ ) أي هذا الذكر كله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا مرتبا هذا الترتيب الذي جمع الله الأمة المعصومة عليه ، وهو الموجود الآن ، وكذا كان إنزال أول نجم منه ، وهو أول السورة الماضية إنزالا مصدقا لأن عظمته من عظمتنا بما له من الإعجاز في نظمه ، ومن تضاؤل القوى عن الإحاطة بعلمه ، وأول ما أنزل منه صدرها إلى خمس آيات منها آخرها «ما لم يعلم» على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو مجاور في هذا الشهر الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة ، ثم صار ينزل مفرقا بحسب الوقائع حتى تم في ثلاث وعشرين سنة ، وكلما نزل منه نجم يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى تم في السور على ما هو عليه الآن على ما هو عليه في بيت العزة.

ولما عظمه بما ذكر ، زاده عظما بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون طالعه سعيدا لما كان أثره حميدا فقال :( فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) أي الليلة التي لها قدر عظيم وشرف كبير ، والأعمال فيها ذات قدر وشرف ، فكانت بذلك كأنها مختصة بالقدر فلا قدر لغيرها.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ورد تعريفا بإنزال ما تقدم الأمر بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب ، وأن السلوك إليه سبحانه إنما هو من ذلك الباب ، أعلم سبحانه وتعالى بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل لعلنا نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن قبيل الصلاة الوسطى ، ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة ، وكان في التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها ، فصارت سورة القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها ـ انتهى.

ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا ، قال مؤكدا لذلك التعظيم حثا على الاجتهاد في إحيائها لأن للإنسان من الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك :( وَما أَدْراكَ ) أي وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص( ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) أي لم تبلغ درايتك وأنت أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى عليّ قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر وعظيم المواهب.

ولما ثبتت عظمتها بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها ، قال مستأنفا :( لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) أي التي خصصناها بإنزالنا له فيها( خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أي خالية عنها أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، قالوا : وهي مدة ملك بني أمية سواء ، وتسميتها بذلك

٤٩١

لشرفها ولعظيم قدرها ، أو لأنه يفصل فيها من أم الكتاب مقادير الأمور ، فيكتب فيها عن الله حكم ما يكون من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل ، من قولهم : قدر الله على هذا الأمر يقدره قدرا ، أي قضاه ، وهي الليلة المرادة في سورة الدخان بقوله تعالى :( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) [الدخان : ٤] وذكر الألف إما للمبالغة بنهاية مراتب العدد ليكون أبلغ من السبعين في تعظيمها أو لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر شخصا من مؤمني بني إسرائيل لبس السلاح مجاهدا في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون منه فتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى ليلة من قامها كان خيرا من ذلك ، وأبهمها في العشر الأخير من شهر رمضان في قول الجمهور على ما صح من الأحاديث ليجتهدوا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة والصلاة الوسطى في الخمس ، واسمه الأعظم في الأسماء ، ورضاه في سائر الطاعات ليرغبوا في جميعها ، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها ، وقيام الساعة في الأوقات ليجتهدوا في كل لحظة حذرا من قيامها ، والسر في ذلك أن النفيس لا يوصل إليه إلا باجتهاد عظيم إظهارا لنفاسته وإعظاما للرغبة فيه وإيذانا بالسرور به ، لكن جعل السورة ثلاثين كلمة سواء يرجح أنها السابعة والعشرون التي وازاها قوله هي ـ كما نقل عن أبي بكر الوراق.

ولما عظمها ، ذكر وجه العظم ليكون إعلاما بعد إبهام وهو أوقع في النفس فقال مستأنفا :( تَنَزَّلُ ) أي تنزلا متدرجا هو أصلا على غاية ما يكون من الخفة والسرعة بما أشار إليه حذف التاء( الْمَلائِكَةُ ) أي هذا النوع العظيم الذي هو خير كله( وَالرُّوحُ ) أي جبريل عليه الصلاة والسّلام ، خصه بيانا لفضله أو هو مع أشراف الملائكة أو هو خلق أكبر من الملائكة أو هو أمر تسكن إليه نفوس العارفين ويحصل به اليمن والبركة( فِيها ) وأشار إلى خفاء ذلك التنزل بإسقاط تاء التنزل مع ما تقدم من الإشارات ، ودل على زيادة البركة في ذلك التنزل وعظيم طاعة الملائكة بقوله :( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) أي بعلم المحسن إليهم المربي لهم وتمكينه ، وتنزلهم إلى الأرض أو السماء الدنيا أو تقربهم من المؤمنين ، متبدىء تنزلهم( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) أي الأمور الكلية التي يفرقون فيها بإذن الله تفاصيل الأمور التي يريدها سبحانه في ذلك العام في أوقاتها من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل ، أو من أجل تقدير كل شيء يكون في تلك السنة ، وعبر عن الشيء بالأمر إعلاما بأنهم لا يفعلون شيئا إلّا بأمره.

ولما ذكر سبحانه هذه الفضائل ، كانت النتيجة أنها متصفة بالسلامة التامة كاتصاف الجنة ـ التي هي سببها ـ بها ، فكان ذلك أدل على عظمتها فقال تعالى :( سَلامٌ ) أي عظيم جدا( هِيَ ) أي ما هي إلا سلامة وخير ليس فيها شر ، ولا يزال ذلك السّلام

٤٩٢

والبركة فيها( حَتَّى ) أي إلى( مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) أي طلوعه ووقت طلوعه وموضع طلوعه ، لا يكون فيه شر كما في غير ليلتها ، فلا تطلع الشمس في صبيحتها بين قرني الشيطان إن شاء الله تعالى ، وذلك سر قراءة الكسائي بالكسر ـ والله أعلم ، واختير التعبير ب «حتى» دون «إلى» ليفهم أن لما بعدها حكم ما قبلها ، فيكون المطلع في حكم الليلة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه الصلاة والسّلام ينزل ليلة القدر في كوكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يركزه فوق الكعبة ، ثم يفرق الملائكة في الناس حتى يسلموا على كل قائم وقاعد وذاكر وراكع وساجد إلى أن يطلع الفجر ، فمن تأمل هذه السورة علم منها ما للقرآن من العظمة فأقبل عليه بكليته يتلوه حق تلاوته كما أمر في سورة «اقرأ» فأمن من غير شك من هول يوم الدين المذكور في التين ، ومن تلاوته بحقه تعظيم ليلة القدر لما ذكر من شرفها ، وذلك جاز إلى الحرص عليها في كل السنة ، فإن لم يكن ففي كل رمضان ، فإن لم يكن ففي جميع ليالي العشر الأخيرة منه ، ليكون له من الأعمال بسبب فضلها ومضاعفة العمل فيها ما لا يحصيه إلا الله تعالى بحيث إنه ربما يكون خيرا من عمل من اجتهد فيما قبلنا ألف سنة ، ورجوع آخرها بكون هذا التنزل في ليلة القدر على أولها في غاية الوضوح لأن أعظم السّلام فيها نزول القرآن ، ولعل كونها ثلاثين كلمة إشارة إلى إن خلافة النبوة التي هي ثلاثون سنة بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي آخرها يوم نزل أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما فيه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين هي كليلة القدر في الزمان ، وما بعدها كليالي العام فيه الفاضل وغيره ، وتلك المدة كانت لخمسة خلفاء أشارت إليهم حروف الكلمة الأخيرة منها ، فالألف لأبي بكر رضي الله عنه وهي في غاية المناسبة له ، فإن الربانيين قالوا : هو اسم للقائم المحيط الأعلى الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجودا كالروح ، وكذا كان رضي الله عنه حاضرا مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه ، وجميع قلبه إنما هو مع اللهعزوجل ، واللام لعمر رضي الله عنه وهي شديدة المناسبة له فإنها صلة بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه للتمام ، وكذلك فعل ـ وصل بين السيرتين وصلا تاما بحيث وصل ضعف الصديق في بدنه وقوته في أمر الله بقوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى انتظم به الأمر انتظاما لا مزيد عليه ، والفاء لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو إشارة لبدء خلوص منته لتنقل بمزيد أو نقص ، وآيته الفطرة الأولى ، وآيتها المحسوسة اللبن أول خروجه إذا أصابه أقل شيء من الهواء الممدود غيّره ، وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل شيء من الهوى المقصود غيّرها ، وكذا كان حاله رضي الله تعالى عنه ، حصلت له آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه قويم

٤٩٣

فطرته حتى حصلت له الآفات الكبار رضي الله عنه ، والجيم لعلي رضي الله عنه وهو إشارة إلى الجمع ، والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه حصل به الجمع بعد الافتراق العظيم بقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيدا مظلوما ، وحصل به الإجمال لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد ، والراء إشارة إلى الحسن رضي الله تعالى عنه وهي تطوير وتصيير وتربية ، وهي لكل مرب مثل زوج المرأة وسيد العبد ، ولذلك فعل رضي الله عنه لما رأى الملك يهلك بقتل المسلمين رباه بنزوله عن الأمر لمعاوية ، فكان كالسيد أذن لعبده وربي أمره به ، وقد سماه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سيدا(١) ـ رضي الله عنهم أجمعين ، والله أعلم بالصواب.

__________________

(١) أخرج ذلك أحمد ٥ / ٤٩ والبخاري ٢٧٠٤ وأبو داود ٤٦٦٢ والترمذي ٣٧٧٣ عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه ولفظه «إن ابني هذا سيد ..».

٤٩٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة البينة

مدنية ـ آياتها ثمان

سورة لم يكن وتسمى القيامة والمنفكين

مقصودها الإعلام بأن هذا الكتاب القيم من علو مقداره وجليل آثاره أنه كما أنه لقوم نور وهدى فهو لآخرين وقر وعمى ، فيقود إلى الجنة دار الأبرار ، ويسوق إلى النار دار الأشقياء الفجار ، وعلى ذلك دل كل من أسمائها «الذين كفروا» «والمنفكين» بتأمل الآية في انقسام الناس إلى أهل الشقاوة وأهل الهداية ، وكذا القيامة بانقسام أهل الدعوة فيها بحسب الإرادة إلى القسمين : أهل الشقاوة وأهل السعادة( بِسْمِ اللهِ ) الذي له العلو المطلق فلا يخرج شيء عن مراده( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع عباده( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وداده بالأعمال الصالحة المتكفلة بإنجاء العامل بها وإسعاده.

( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) )

لما أخبر سبحانه وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي الفجر الذي يحصل به غاية البيان ، أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم يكون بيانه أعظم من بيان الفجر ، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال :( لَمْ يَكُنِ ) أي في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال كونا هو كالجبلة والطبع ، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون عليه لأن ذلك ليس في جبلاتهم ، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكيّ عن سيرتهم من بعد موسى عليه الصلاة والسّلام لما كانت

٤٩٥

تسوسهم الأنبياءعليهم‌السلام كما دل على بعض ذلك قوله تعالى :( فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ) [المائدة : ٧١] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة والسّلام ولا ينفصلون عنه بالكلية ، وتارة يعبدون الأصنام ، وتارة الملائكة ، وأخرى الجن ، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتا كليا مثل ثباتهم على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر ، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغير ذلك من خرافاتهم( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا.

ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرما عند فعل ما يقتضي اللوم ، بدأ بقوله :( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا ، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى ، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا( وَالْمُشْرِكِينَ ) أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب( مُنْفَكِّينَ ) أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة ، ويثبتون على ذلك الانفكاك ، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحما ، من فك الكتاب والختم والعظم ـ إذا زايل ما كان ملتصقا ومتصلا به ، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم( لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ) [فاطر : ٤٢] فيصيروا بذلك أحزابا وفرقا( حَتَّى ) أي إلى أن( تَأْتِيَهُمُ ) عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة( الْبَيِّنَةُ ) أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهورا وضياء ونورا ، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان ، ولذلك أبدل منها قوله :( رَسُولٌ ) أي عظيم جدا ، وزاد عظمته بقوله واصفا له :( مِنَ اللهِ ) أي الذي له الجلال والإكرام( يَتْلُوا ) أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له( صُحُفاً ) جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها ، عبر بها عنه لشدة المواصلة( مُطَهَّرَةً ) أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا المطهرون ، وقراءته وإن كان أميا لمثل ما فيها قراءة لها. ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة ، بين سبب ذلك فقال :( فِيها ) أي

٤٩٦

تلك الصحف( كُتُبٌ ) جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن تكتب( قَيِّمَةٌ ) أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع ، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا ، أهل الكتاب يؤمنون بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما عندهم من البشائر الصريحة به ، والمشركون يقولون : لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم ، ويقولون : نحن نعرف الحق لأهله ولا ندفعه بوجه ، فلما جاءهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما لا شبهة فيه تفرقوا ، فبعضهم آمن وبعضهم كفر.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره عليه الصلاة والسّلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته ، وأتبع ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها ، أتبع ذلك بتعريفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به ، حتى إذا حصل ذلك مشاهدا لهم كانوا هم أول كافر به ، فقال تعالى :( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) ـ إلى قوله :( وَذلِكَ دِينُ ) القيامة وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة ، فإن هؤلاء قد كانوا قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، وقد كانوا يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسّلام من أعدائهم ويستفتحون بكتابه ، فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما رضي الله عنهم أجمعين ، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية ، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه ، وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه عليه الصلاة والسّلام على جهالة وعمى ، فلم يضرهم إذ قد سبق لهم في الأزل( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) انتهى.

ولما كان التقدير : فإذا أتتهم انفكوا ، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال ، والضال إلى مجاهر ومساتر ، وكذا أهل الكتاب ، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلما بزيادة القبح في وقوع الذنب من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين :( وَما تَفَرَّقَ ) أي الآن وفيما مضى من الزمان تفرقا عظيما( الَّذِينَ ) ولما كانوا في حال هي أليق بالإعراض ، بنى للمفعول قوله :( أُوتُوا الْكِتابَ ) أي عما كانوا عليه من الإطباق على الضلال أو الوعد باتباع الحق المنتظر في محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكذا كان فعلهم في عيسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قبل ، فاستمر بعضهم على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد ، ووفى بعض بالوعد فاهتدى ، وكان تفرقهم لم يعد تفرقا إلا زمنا يسيرا ، ثم

٤٩٧

اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد خلافته لباقيهم تفرقا لكونه قليلا من كثير ، فلذلك أدخل الجارّ فقال :( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ) وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم ، ثم أطبق اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منهم إلا من لا يعد لقلته مفرقا لهم( ما ) أي الزمن الذي( جاءَتْهُمُ ) فيه أو مجيء( الْبَيِّنَةُ ) فكان حالهم كما قال سبحانه( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) [البقرة : ٨٩] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق ، لا تفرقهم فيه ، وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمنا يسيرا في أول الأمر ، فكان الضال منهم أكثر ، ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج ، فدل ذلك على غاية العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من المشركين بالاجتماع على الهدى ، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من العالم أكثر ، وحصول الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته وتنميته بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف بالتوبة ، فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها ، وتكاثف رينها وغمامها ، فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية الانقياد للدعاء.

( وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) )

ولما كان حال من ضل على علم أشنع ، زاد في فضيحتهم فقال :( وَما ) أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما. ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع ، لا تعيين الآمر ، قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانيا للمفعول :( أُمِرُوا ) أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا إليه ، في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له( إِلَّا لِيَعْبُدُوا ) أي لأجل أن يعبدوا( اللهَ ) أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت ، والعبادة امتثال أمر الله تعالى كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه آمر ، مع المبادرة بغاية الحب

٤٩٨

والخضوع والتعظيم ، وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته ، حال كونهم( مُخْلِصِينَ ) أي ثابتا غاية الثبات إخلاصهم( لَهُ الدِّينَ ) بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا خفي بأن يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشيء من نفع ولا دفع ، ويكون ذلك على الصواب ، فإن كثيرا من العاملين يكون مخلصا ، ويكون بناؤه بغير أساس صالح ، فلا ينفعه بل يكون وبالا عليه ، فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم والمستدرج ، وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي عن ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة النفس برؤية العبد نفسه عبدا مأمورا لا يريد ثوابا ، جاعلا كل شيء وسيلة إلى الله ، وعلامته عدم رؤية العمل ، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى طلب الثواب ، وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي كما قال تعالى :( يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) [المؤمنون : ٦٠] قال القشيري : ويقال : الإخلاص تصفية العمل من الخلل ، وقال الرازي : الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة ، والعمل ينقطع ، والعمل يحتاج إلى النية ، والنية لا تحتاج إلى العمل ، ولأجل ما أفهمه التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله :( حُنَفاءَ ) أي في غاية الميل مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلا ، بل مهما حصل أدنى زيغ عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح فصاروا في غاية الاستقامة ، وتلك هي العبادة الإحسانية ، وأصل الحنف في اللغة : الميل ، قال الملوي : وخصه العرف بالميل إلى الخير ، ولذا سمي الأحنف بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء ، وسموا الميل إلى الشر إلحادا ، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمس : اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين ، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات الحقة ، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو مقام التقى ، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع ، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني ، وهو المقام الثاني من الورع ، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد ، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق ، والثاني إلى الخلق ، فالإخلاص لمقام المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة ، والخوف لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما يرضيه.

ولما ذكر أصل الدين ، أتبعه الفروع ، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع

٤٩٩

التجرد عن العوائق فقال :( وَيُقِيمُوا ) أي يعدلوا من غير اعوجاج ما ، بجميع الشرائط والأركان والحدود( الصَّلاةَ ) لتصير بذلك أهلا لأن تقوم بنفسها ، وهي التعظيم لأمر الله تعالى.

ولما ذكر صلة الخالق ، أتبعها وصلة الخلائق فقال :( وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ) أي بأن يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين ، ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة ، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك ـ كما هو واضح من قوله تعالى :( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [البقرة : ٣ ـ والأنفال ـ ٣].

ولما كان هذا دينا حسنا بينا فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة ، زاد في توبيخهم بمدحه فقال :( وَذلِكَ ) أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور الذي هو في غاية العلو والخير( دِينُ الْقَيِّمَةِ ) أي الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج فيها ، وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وعن الخليل أنه قال : هو جمع قيم ، والقيم والقائم واحد ، والمعنى دين القائمين لله تعالى بالتوحيد ، ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما مضى في قوله مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي وقع منهم الستر لمرائي عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم يكونوا عريقين فيه( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) أي اليهود والنصارى( وَالْمُشْرِكِينَ ) أي العريقين في الشرك ، ودل بالإتيان بالوصف هنا والفعل في أولئك ـ والله أعلم ـ على أن المشرك يرجع عن شركه ويؤمن إن لم يكن عريقا في الشرك بخلاف أهل الكتاب متى تلبس أحد منهم بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف الوجوه ، وكذا كل من ينسب إلى علم ولا سيما إن كان بليدا متى عرضت له شبهة بعد رجوعه عنها ، فلذلك جمع بينهم في قوله :( فِي نارِ جَهَنَّمَ ) أي النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة تكون عذابا لأجسامهم( خالِدِينَ فِيها ) أي يوم القيامة أو في الحال لسعيهم في موجباتها ، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته.

ولما كان معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود والانفكاك عن الكفر ، لم يذكر التأبيد بلفظه ، بل اكتفى بما دل عليه وقال في نتيجة ما مضى :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( هُمْ ) أي خاصة بما لضمائرهم من الخبث( شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) أي الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم ، وفرطوا في حوائجهم ومآربهم ، وهذا نار لأرواحهم حين ينادى عليهم به.

٥٠٠