نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 94
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 94 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم ، لأن السياق لذم من جمد مع المألوف وترك المعروف ، أتبعه الأولياء فقال مؤكدا لما للكفار من الإنكار :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم( وَعَمِلُوا ) أي تصديقا لإيمانهم( الصَّالِحاتِ ) أي هذا النوع. ولما كان نعيم القلب أعظم ، قدمه على نعيم البدن إبلاغا في مدحهم فقال :( أُولئِكَ ) أي العالو الدرجات( هُمْ ) أي خاصة( خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) .

ولما خصصهم بالخيرية ، ذكر ثوابهم ، فقال ذاكرا جنة أبدانهم معظما لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه في مقابلة ما وصفوا به :( جَزاؤُهُمْ ) أي على طاعاتهم ، وعظمه بقوله :( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) إليهم المربي لهم وأي المحسن( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) أي إقامة لا تحول عنها( تَجْرِي ) أي جريا دائما لا انقطاع له. ولما كان عموم الماء مانعا من تمام اللذة ، قرب وبعض بقوله :( مِنْ تَحْتِهَا ) أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها( الْأَنْهارُ. )

ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال :( خالِدِينَ فِيها ) ولما كان النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثا على اتباع الدليل المعروف ، والمفارقة للحال المألوف ، أكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم بقوله :( أَبَداً. )

ولما كان هذا كله ثمرة الرضا ، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة الروح ، قال مستأنفا أو معلا :( رَضِيَ اللهُ ) أي بما له من نعوت الجلال والجمال( عَنْهُمْ ) أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان الرضا إذا كان من الجانبين ، كان أتم وأعلى لهم قال :( وَرَضُوا عَنْهُ ) لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك ، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدره أحد حق قدره ، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم ، وأعظم نعمه عليهم ما منّ عليهم به من متابعتهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن ذلك كان سببا لكل خير.

ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص ، قال معمما له ومنبها على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم :( ذلِكَ ) أي الأمر العالي الذي جوزوا به( لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) أي خاف المحسن إليه خوفا يليق به ، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل ، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرمات بل كان ممن يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه ، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفا فيزيده شكرا ، فإن الخشية ملاك الأمر ، والباعث على كل خير ،

٥٠١

وهي للعارفين ، قال الملوي ما معناه : إن الإنسان إذا استشعر عقابا يأتيه أو خسرا ، لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه واضطرابه لتوقع مكروه ، فإن اشتد سمي وجلا لجولانه في نفسه ، فإذا اشتد سمي رهبا لأدائه إلى الهرب ، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن غلب عليه الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة ، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود الجلاليات صار في الإجلال ، ووراء هذا الخشية( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) [فاطر : ٢٨] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه سبحانه ، ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها ، وما فارق الخوف قلبا إلا خرب ، فكان جديرا بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة ، وقد رجع آخر السورة على أولها بذلك ، وبتصنيف الناس صنفين : صنف انفك عن هوى نفسه فأنجاها ، وصنف استمر في أسرها فأرداها ، وقد ذكرت في «مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور» سر تخصيص النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبيّ رضي الله عنه بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها ، وحاصله أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة رضي الله عنهم قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما ، قال : فسقط في نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية ، فضربصلى‌الله‌عليه‌وسلم في صدري ففضت عرقا ، وكأنما أنظر إلى الله فرقا ، ثم قص عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف ، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن الله يبعث رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم البعث شهيدا ، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا ، وأن اليهود اختلفوا في السبت ، وسورة (لم يكن) على قصرها حاوية إجمالا لكل ما في النحل على طولها بزيادة ، وفيها التحذير من الشك بعد البيان ، وتقبيح حال من فعل ذلك ، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد ، فيكون شر البرية ، فقرأها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليه رضي الله عنه تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا فيكون أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع ، فاختصه الله بالتثبيت وأراد له الثبات ، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى سبحات القدس وشهود تلك الحضرة الشماء ، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة رضي الله عنهم مراقبة لتلاوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يتذكر من الأمر الشريف بتخصيصه بذلك ، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة نفسه مصغيا بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك

٥٠٢

الضربة. ولثبوته في هذا المقام قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أقرؤكم أبيّ »(١) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه وهو صحيح ، ورواه بعضهم مرسلا ، ومما فيه ولم أذكره في المصاعد سنة التواضع حتى لا يمنع أحدا ما يراه من علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ما منع أكثر أهل الكتاب من الإسلام إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب الله وسنن الرسل عليهم الصلاة والسّلام وجهل العرب بذلك ، فنظروا إلى ما كان ولم ينظروا إلى الحالة الراهنة الآن ، فحلق الحسد أديانهم وسلبهم إيمانهم ، وصاروا أشقى الناس ـ كما نبه عليه أول السورة ـ نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ـ آمين.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ١٨٤ والترمذي ٣٧٩٠ وابن ماجه ١٥٥ والطيالسي ٢٠٩٦ والحاكم ٣ / ٤٢٢ والنسائي في الفضائل ١٣٨ والطحاوي في المشكل ١ / ٣٥١ وابن حبان ٧١٣١ والبيهقي ٦ / ٢١٠ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

٥٠٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الزلزلة مدنية ـ آياتها ثمان

مقصودها انكشاف الأمور ، وظهور المقدور أتم ظهور ، وانقسام الناس في الجزاء في دار البقاء إلى سعادة وشقاء ، وعلى ذلك دل اسمها بتأمل الظرف ومظروفه ، وما أفاد من بديع القدر وصروفه( بِسْمِ اللهِ ) المحيط بكل شيء قدرة وعلما( الرَّحْمنِ ) الذي عم الخلق بنعمته الظاهرة قسما( الرَّحِيمِ ) الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة واسما ، عينا ورسما.

( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) )

لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه في مواطن الفناء ، ذكر في هذه أول مبادىء تلك الدار وأوائل غاياتها ، وذكر في القارعة ثواني مبادئها وآخر غاياتها ، وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ما يكون عليه الجزاء ، فقال معبرا بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من كونه :( إِذا ) .

ولما كان المخوف الزلزلة ولو لم يعلم فاعلها ، وكان البناء للمفعول يدل على سهولة الفعل ويسره جدا ، بنى للمفعول قوله :( زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ) أي حركت واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة الثانية بحيث يعمها ذلك لا كما كان يتفق قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك ، وعظم هذا الزلزال وهوّله بإبهامه لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فقال كاسرا الزاء لأنه مصدر ، ولو فتحها لكان اسما للحركة ، قال البيضاوي : وليس إلا في المضاعف.( زِلْزالَها ) أي تحركها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته لعظمة جرم الأرض وعظمة ذلك اليوم ، ولو شرح بما يليق به لطال

٥٠٤

الشرح ، وذلك كما تقول : أكرم التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة ، أي على حسب ما يليق به.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وردت عقب سورة البرية ليبين بها حصول جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ ) ـ إلى قوله :( أُولئِكَ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) وقوله :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) ـ إلى آخر السورة. ولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف بتباين أحوالهم ، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ذكرهم فقال تعالى :( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ) إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال :( وَأَخْرَجَتِ ) وأظهر ولم يضمر تحقيقا للعموم فقال :( الْأَرْضُ ) أي كلها( أَثْقالَها ) أي مما هو مدفون فيها كالأموات والكنوز التي كان أمرها ثقيلا على الناس ، وهو جمع ثقل بالكسر ، وذلك حين يكون البعث والقيام متأثرا ذلك الإخراج عن ذلك الزلزال ، كما يتأثر عن زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه وغضونه من وسخ وتراب وغيره ، وما كان على ظهرها فهو ثقل عليها لأنها يعطيها الله قوة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاول والحديد ، ويشق النواة مع ما لها من الصلابة التي تستعصي بها على الحديد فينفلق نصفين وينبت منها ما يريده سبحانه وتعالى ، ويفلق قشر الجوز واللوز ونوى الخوخ وغيره مما هو في غاية الصلابة كما نشاهده ، ويخرج منه الشجر بشق الأرض على ضعفه ولينه وصلابتها وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ شيء وأشده ، وكذا الحب سواء ، فالذي قدر على ذلك هو سبحانه وتعالى قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار ، ثم يخرج من البطن ، فكذا إخراج الموتى من غير فرق ، كل عليه هين ـ سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه.

ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك سببه لأنه أمر عظيم فظيع يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه ، عبر عنه بقوله :( وَقالَ الْإِنْسانُ ) أي هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما تأكد عنده من أمر البعث بما له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه ، على سبيل التعجّب والدهش أو الحيرة ، ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول :( مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ) [يس : ٥٢] فيقول له المؤمن :( هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) [يس : ٥٢] :( ما لَها ) أي أيّ شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد مثله.

٥٠٥

ولما طال الكلام وأريد التهويل ، أبدل من «إذا» قوله معرفا للإنسان ما سأل عنه :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله :( تُحَدِّثُ ) أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت ، وأن الإنذار بذلك كان حقا ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : تحدث بلسان المقال.( أَخْبارَها ) أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها ، وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول : عمل فلان كذا وكذا ـ تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار ، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك ، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ويابس.

ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى ، وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله ، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال :( بِأَنَ ) أي تحدث بسبب أن( رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك( أَوْحى ) وعدل عن حرف النهاية إيذانا بالإسراع في الإيحاء فقال :( لَها ) أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال.

ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات ، اشتد التشوف إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه ، فقال مكررا ذكر اليوم زيادة في التهويل :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور( يَصْدُرُ ) أي يرجع رجوعا هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه( النَّاسُ ) من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم( أَشْتاتاً ) أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر ، وآمن وخائف ، ومطيع وعاص.

ولما ذكر ذلك ، أتبعه علته فقال بانيا للمفعول على طريقة كلام القادرين :( لِيُرَوْا ) أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( أَعْمالَهُمْ ) فيعلموا جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله ، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلا الجملة التي قبله :( فَمَنْ يَعْمَلْ ) من محسن أو مسيء مسلم أو كافر( مِثْقالَ ) أي مقدار وزن( ذَرَّةٍ خَيْراً ) أي من جهة الخير( يَرَهُ ) أي حاضرا لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علما وقدرة ، فالكافر يوقف على أنه جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان ، فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه ، والمؤمن يراه ليشتد سروره به.

ولما ذكر الخير ، أتبعه ضده فقال :( وَمَنْ يَعْمَلْ ) أي كائنا من كان( مِثْقالَ ذَرَّةٍ

٥٠٦

شَرًّا ) أي من جهة الشر( يَرَهُ ) فما فوقه ، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ليشتد فرحه ، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه ، والذرة النملة الصغيرة أو الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة ، وقد رجع آخرها على أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار ، وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إنها أحكم آية في القرآن ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسميها الفاذة الجامعة ، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنبا وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله فيصير كبيرا كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعائشة رضي الله عنها : «إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا »(١) وروي كما ذكرته في كتابي «مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور» في حديث «إنها تعدل نصف القرآن »(٢) وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن(٣) ، ولا تعارض ، فالأول نظر إليها من جهة أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ، وهذه السورة اشتملت على أحكام الآخرة إجمالا ، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل أحد يرى كل ما عمل ، والثاني نظر إليها باعتبار ما تضمنه الحديث الذي رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ، ويؤمن بالموت ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر »(٤) فاقتضى هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل الذي دل عليه القرآن ، وأيضا فأمر الدين أربعة أجزاء : أمر المعبود ، وأمر العبيد ، وأمر العبادة ، وأمر الجزاء ، فهذه السورة تكفلت بأمر الجزاء ، وسورة الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه الخصوص والخفاء وإن كانت على وجه التمام والوفاء ، وسورة النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء ـ والله الهادي للصواب وإليه المآب.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣٨٠٨ والطبراني في الكبير ١٠٥٠٠ والأوسط (مجمع البحرين ٥٠٢) عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وفيه أبو عياض مجهول. وأخرجه أبو يعلى أيضا ٥١٢٢ عن عبد الله. قال الهيثمي : فيه إبراهيم الهجري ضعيف ا ه. مجمع ١٠ / ٣٠٩ وأخرجه أحمد ٥ / ٣٣١ والطبراني في الكبير ٥٨٧٢ والصغير ٢ / ٤٩ والبيهقي في الشعب ٢ / ٣٨٤ / ١ والروياني في مسنده ٢٩ / ١٩٧ ـ ١٩٨ قال في المجمع ١٠ / ٣١٠ : رجاله رجال الصحيح ا ه. وقد حسّنه الشيخ ناصر كما نقل تلميذه السلفي.

(٢) أخرجه الترمذي ٢٨٩٣ عن أنس رضي الله تعالى عنه وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ الحسن بن سلم ا ه. قلت : وهو مجهول وأخرجه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما برقم ٢٨٩٤ وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة ا ه. ذلك لأنه ضعيف.

(٣) أخرجه أحمد ١٢٠٧٩ والترمذي ٢٨٩٥ عن سلمة بن وردان عن أنس مرفوعا وسلمة هذا ضعيف.

(٤) أخرجه الترمذي ٢١٤٥ وابن ماجه ٨١ والحاكم ١ / ٣٢ ـ ٣٣ وابن حبان ١٧٨ والطيالسي ١٠٦ وأحمد ١ / ٩٧ والبغوي ٦٦ عن علي رضي الله تعالى عنه.

٥٠٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة العاديات

مكية ـ آياتها إحدى عشر

مقصودها الإعلام بأن أكثر الخلق يوم الزلزلة هالك لإيثار الفاني من العز والمال على الباقي عند ذي الجلال ، المدلول عليه بالقسم وهو العاديات والمقسم عليه وما عطف عليه ، وقد علم أن اسمها أدل شيء على ذلك لما هدي إليه القسم والمقسم عليه :( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الأمر كله فلا يسأل عما يفعل( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل( الرَّحِيمِ ) الذي خص خلص عباده بتوفيقه فأتم نعمته عليهم وأكمل.

( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) )

لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر يوم الفصل ، افتتح هذه ببيان ما يجر إلى تلك الأعمال من الطبع ، وما ينجر إليه ذلك الطبع مما يتخيله من النفع ، موبخا من لا يستعد لذلك اليوم بالاحتراز التام من تلك الأعمال ، معنفا من أثر دنياه على أخراه ، مقسما بما لا يكون إلا عند أهل النعم الكبار الموجبة للشكر ، فمن غلب عليه الروح شكر ، ومن غلب عليه الطبع ـ وهم الأكثر ـ كفر فقال :( وَالْعادِياتِ ) أي الدواب التي من شأنها أن تجري بغاية السرعة ، وهي الخيل التي ظهورها عز وبطونها كنز ، وهي لرجل وزر ولرجل أجر ، فمن فاخر بها ونادى بها أهل الإسلام وأبطره عزها حتى قطع الطريق وأخاف الرفيق كانت له شرا ، ومن جعلها في سبيل الله كانت له أجرا ، ومن حمل عليها ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها كانت له سترا ، وإنما أقسم بها ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت به أمثالها من الدواب كالثور مثلا والحمار ليعلم أن الذي خصها بذلك فاعل مختار واحد قهار ، فالقسم في الحقيقة به سبحانه.

٥٠٨

ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام ، قال ناصبا به أو ب «تضبح» مقدرا :( ضَبْحاً ) والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد ، ليس بصهيل ولا حمحمة ولا رغاء وهو من النفس ، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وأصله للثعلب واستعير للخيل ، وحكاه ابن عباس رضي الله عنهما فقال : أح أح ، أو الضبح عدو دون التقريب.

ولما ذكر عدوها ، أتبعه ما ينشأ عنه ، فقال عاطفا بأداة التعقيب لأن العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء :( فَالْمُورِياتِ ) أي المخرجات للنار بما يصطك من نعالها بالأحجار ، لا سيما عند سلوك الأوعار.

ولما كان الإيراء أثر القدح قال :( قَدْحاً ) أي تقدح ضربا بعنف كضرب الزند ليوري النار ، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها قصد إليه.

ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه ، ذكر نتيجته وغايته فقال :( فَالْمُغِيراتِ ) أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل والنهب. ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل قال :( صُبْحاً ) أي ذات دخول في الصباح.

ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفا تارة يمينا وتارة شمالا وتارة أماما وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر الهارب ، وأخرى في مصاولة المقبل المحارب ، فينشأ عنها الغبار الكثير لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما تحركه منه ، وكان المقسم به منظورا فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظورا فيها إلى الفعل بادىء بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات ، عطف على اسم الفاعل بعد حله إلى أن وصلتها فقال :( فَأَثَرْنَ بِهِ ) أي بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو( نَقْعاً ) أي غبارا مع الاعناق والصياح والزجر بالنعق حتى صار ذلك الغبار منحبكا ومنعقدا عليها.

ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى افترقوا حصل فيهم الخلل ، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال :( فَوَسَطْنَ بِهِ ) أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع( جَمْعاً ) أي وهو المقصود بالإغارة ، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة فرسانها.

ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ما اتصف منه بالبيان ، وتجري به أفكاره كخيل الرهان ، وتقدح المعاني تارة مقترنة

٥٠٩

بأشرف اللمعان ، وأخرى بأخس ما يقع به الاقتران ، من الزور والبهتان ، والإلحاد والطغيان ، وتغير منه ثواقب الأذهان ، تارة على شبه الخصوم بالبرهان ، وأخرى بما يغير به من الشبه الملتبسة في وجوه المعاني الحسان ، وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان ، من ذوي البدع والكفران ، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان ، وتتوسط تارة جمع أولي الطغيان ، وأخرى جمع أولي الإيمان ، وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر المغار عليهم على أموالهم عدوانا إن كان ذلك في غير الجهاد ، وإن كانت في الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال ، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه الحديث القدسي : «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه»(١) قال مجيبا للقسم بذكر المقسم عليه حاكما على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدما ، مؤكدا لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال :( إِنَّ الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه( لِرَبِّهِ ) أي المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته( لَكَنُودٌ ) أي كفور نكد لسوء المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه ، ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة ، فالمراد هنا ـ بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي هي للمبالغة ـ من يزدري القليل ولا يشكر الكثير ، وينسى كثير النعمة بقليل المحنة ، ويلوم ربه في أيسر نقمة ، وقال الفضيل بن عياض : هو من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان ، والشكور ضده.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو فقال : «إن الإنسان لربه لكنود» أي لكفور ، يبخل بما لديه من المال كأنه لا يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وكأنه ما سمع بقوله تعالى :( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ ) أي المال( لَشَدِيدٌ ) لبخيل ،( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ) فإن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله( إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ) أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) لا يخفى عليه شيء من أمرهم( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ـ انتهى.

ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجبا ، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم كان أعجب ، قال مؤكدا لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار كفرانه :( وَإِنَّهُ ) أي

__________________

(١) تقدم تخريجه انظر الترمذي كتاب الدعوات.

٥١٠

الإنسان( عَلى ذلِكَ ) أي الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه( لَشَهِيدٌ ) لأنه مقر إذا حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة ، أو أنه لا أمر عنده منه بما فعل ، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه ، وأنه إن تحرك بغير ذلك كان كافرا لإحسانه مستحقا لعقابه ، لا يقدر على إنكار شيء منه.

ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم ، وهو شاهد على نفسه ، ذكر الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال :( وَإِنَّهُ ) أي الإنسان من حيث هو مع شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم( لِحُبِ ) أي لأجل حب( الْخَيْرِ ) أي المال الذي لا يعد غيره لجهله خيرا( لَشَدِيدٌ ) أي بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه ، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرّف بما يرضى من خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس ، وكان حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة ، ولا يتخيل أن شديدا عامل في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها ، وإنما ذلك المتقدم دليل على المعمول المحذوف.

ولما كان المال فانيا لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به فضلا عن أن يؤثره على الباقي ، نبهه على ذلك بتهديد بليغ ، فقال مسببا عن ذلك معجبا ، موقفا له على ما يؤول إليه أمره :( أَفَلا يَعْلَمُ ) أي هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه.

ولما كان الحب أمرا قلبيا ، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب ، وكان البعث من عالم الغيب ، وكان أمرا لا بد منه ، وكان المخوف مطلق كونه ، لم يحتج إلى تعيين الفاعل ، فبنى للمفعول قوله مهددا مؤذنا بأنه شديد القدرة على إثارة الخفايا ، معلقا بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على أعماله ، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره ، ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله موافقا لأمر ربه مبنيا على أساس الإيمان واقعا بالإخلاص :( إِذا بُعْثِرَ ) أي أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. ولما كان الميت قبل البعث جمادا ، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال :( ما فِي الْقُبُورِ ) أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا للحساب ، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم ، وقلب بعضه على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه ، ثم أعيدت إليه الروح ، فكان كل أحد على ما مات عليه.

٥١١

ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال الفاسدة قال :( وَحُصِّلَ ) أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة كما أشار النباء للمفعول( ما فِي الصُّدُورِ ) أي من خير أو شر مما يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلا ، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال ، وهذا يدل على أن النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها.

ولما كان علم ما في الصدور أمرا باهرا للعقل ، قال جامعا نظرا إلى المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ ، لأن العلم بالكل يلازمه العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكدا إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق ، معللا للجملة المحذوفة الدالة على الحساب :( إِنَّ رَبَّهُمْ ) أي المحسن إليهم بخلقهم ورزقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين( بِهِمْ ) قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص ، بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهرا وباطنا ، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه من باب الأولى قال :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة( لَخَبِيرٌ ) أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم ، فكيف بظواهرها جواهر وأعراضا ، أقوالا وأفعالا ، خفية كانت أو ظاهرة ، سرا كانت أو علانية ، خيرا كانت أو شرا ، ومن المعلوم أن فيها الظلم وغيره ، ومنهم المحسن وغيره ، فلأجل علمه سبحانه بذلك غاية العلم يحاسبهم لئلا يقع ما ينافي الحكمة وهو أن تستوي الحسنة والسيئة ، فالقصد بالقيد وتقديم الظرف الإبلاغ في التعريف بأنه سبحانه وتعالى محيط العلم بذلك كما إذا قيل لك : تعرف فلانا؟ فقلت : ولا أعرف إلا هو ، فإن قصدك بذلك أن معرفتك به في غاية الإتقان ، لا نفي معرفة غيره ، وفيه إشعار بأن كل أحد يعرف غاية المعرفة في ذلك اليوم أنه سبحانه وتعالى عالم بأحواله لا ذهول له عن شيء من ذلك كما يقع في هذه الدار من أن الإنسان يعمل أشياء كثيرة وهو غافل عن أن ربه سبحانه مطلع عليه فيها ، ولو نبه لعلم ، فلإحاطته سبحانه وتعالى بجميع أحوالهم كان عالما بأن الإنسان لربه لكنود ، وقد رجع آخرها إلى أولها ، وتكفل مفصلها بشرح مجملها ـ والله الهادي للصواب.

٥١٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة القارعة

مكية ـ آياتها إحدى عشر

مقصودها إيضاح يوم الدين بتصوير ثواني أحواله في مبدئه ومآله ، وتقسيم الناس فيه إلى ناج وهالك ، واسمها القارعة واضح في ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعلى( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه جميع الورى( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل حزبه بالتوفيق لما يحب ويرضى.

( الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) )

لما ختم العاديات بالبعث ، ذكر صيحته فقال :( الْقارِعَةُ ) أي الصيحة أو القيامة ، سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقها دقا شديدا عظيما مزعجا بالأفزاع ، والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار ، والأشياء الثابتة بالانتثار.

ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها ، عبر عن ذلك وزاده عظما بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيرا بالاستفهام إلى أنها مما يستحق السؤال عنه على وجه التعجيب والاستعظام فقال :( مَا الْقارِعَةُ ) وأكد تعظيمها إعلاما ـ بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم منه فقال :( وَما أَدْراكَ ) أي وأيّ شيء أعلمك وإن بالغت في التعرف ، وأظهر موضع الإضمار لذلك فقال :( مَا الْقارِعَةُ ) أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثله.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال الله سبحانه وتعالى( أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ) كان ذلك مظنة لأن يسأل : متى ذلك؟ فقيل : يوم القيامة الهائل الأمر ، الفظيع الحال ، الشديد البأس ، والقيامة هي القارعة ، وكررت

٥١٣

تعظيما لأمرها كما ورد في قوله تعالى( الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ) [الحاقة : ١ ـ ٢] وفي قوله سبحانه :( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) [طه : ٧٨] ثم زاد عظيم هولها إيضاحا بقوله تعالى( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ) والفراش ما تهافت في النار من البعوض ، والمبثوث : المنتشر( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) والعهن : الصوف المصبوغ ، وخص لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه ـ لا يلزم فيه ذلك ، ثم ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر ـ انتهى.

ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها ، قال ما تقديره : تكون( يَوْمَ يَكُونُ ) أي كونا كأنه جبلة( النَّاسُ ) أي الذين حالهم النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور( كَالْفَراشِ ) أي صغار الجراد لأنها تتفرش وتتهافت على النار ، أو هو طير غير ذلك لا دم له ، يتساقط في النار وليس ببعوض ولا ذباب ، وقال حمزة الكرماني : شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج ، وقال غيره : وجه الشبه الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش ، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضا ـ وموج بعضهم في بعض من شدة الهول كما قال تعالى( كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ) [القمر : ٧] :( الْمَبْثُوثِ ) أي المنتشر المتفرق.

ولما كانت الجبال أشد ما تكون ، عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال تعالى :( وَتَكُونُ الْجِبالُ ) على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة( كَالْعِهْنِ ) أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى :( وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ ) [فاطر : ٢٧] أي وغير ذلك( الْمَنْفُوشِ ) أي المندوف المفرق الأجزاء الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره ، فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا.

ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه ، سبب عن ذلك قوله مفصلا لهم :( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ ) أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جدا ، جمع الميزان باعتبارها فقال :( مَوازِينُهُ ) أي مقادير أنواع حسناته باتباع الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل ، والموزون الأعمال أنفسها تجسدا وصحائفها( فَهُوَ ) بسبب رجحان حسناته( فِي عِيشَةٍ ) أي حياة تتقلب فيها ، ولعله ألحقها الهاء الدالة على الوحدة ـ والمراد العيش ـ ليفهم أنها على حالة واحدة ـ في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا( راضِيَةٍ ) أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه ـ جنة عالية( وَأَمَّا مَنْ

٥١٤

خَفَّتْ ) أي طاشت( مَوازِينُهُ ) أي بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا( فَأُمُّهُ ) أي التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض : أم ـ لأنها تقصد لذلك ، ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم ، وكذا المسكن ، وهو يفهم أنه مخلوق منها غلب عليه طبع الشيطان لكون العنصر الناري أكثر أجزائه ، وعظمها بالتنكير والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا قرار لها فقال :( هاوِيَةٌ ) أي نار نازلة سافلة جدا ، فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا وهو في عيشة ساخطة ، فالآية من الاحتباك ، ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا ، وذكر الأم ثانيا دليلا على حذفها أولا.

ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم أهوالها وشديد زلزالها ، جمع الأمر فيها فقال منكرا أن يكون مخلوق يعرف وصفها :( وَما أَدْراكَ ) أي وأيّ شيء أعلمك وإن اشتد تكلفك( ما هِيَهْ ) أي الهاوية لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه ، وهاء السكت إشارة إلى أن ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال في الكلام ، أو إلى ـ أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها سمعه فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية الإصغاء.

ولما هوّلها بما ذكر ، أتبعها ما يمكن البشر معرفته من وصفها فقال( نارٌ حامِيَةٌ ) أي قد انتهى حرها ، هذا ما تتعارفونه بينكم ، وأما التفاصيل فأمر لا يعلمه إلا الله تعالى ، وهذا نهاية القارعة ، فتلاؤم الأول للآخر واضح جدا وظاهر ـ والله أعلم.

٥١٥

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة التكاثر مكية ـ آياتها ثمان

مقصودها التصريح بما أشارت إليه العاديات من أن سبب الهلاك يوم الجمع ـ الذي صورته القارعة ـ الجمع للمال ، والإخلاد إلى دار الزوال ، واسمها واضح الدلالة على ذلك( بِسْمِ اللهِ ) ذي الجلال والإكرام( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالإنعام ، بالبيان ـ بعد الاتهام ، والإيجاد بعد الإعدام( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وده بدوام نعمتهم بالإتمام.

( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) )

ولما أثبت في القارعة أمر الساعة ، وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد ، وختم بالشقي ، افتتح هذه بعلة الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ليكون من القسم الأول ، فقال ما حاصله : انقسمتم فكان قسم منكم هالكا لأنه( أَلْهاكُمُ ) أي أغفلكم إلا النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده كاف في البعث على الزهد فكيف بما بعده( التَّكاثُرُ ) وهو المباهاة والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من متاع الدنيا : المال والجاه والبنين ونحوها مما هو شاغل عن الله ، فكان ذلك موجبا لصرف الهمة كلها إلى الجمع ، فصرفكم ذلك إلى اللهو ، فأغفلكم عما أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ربكم وعن كل ما ينجيكم من سخطه ، أو عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى أعلى الدرجات بكثرة الطاعات ، وذلك كله لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب الراحة فخفت موازينكم ، وحذف هذا الشيء الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه.

٥١٦

ولما كانوا ينكرون البعث ، ويعتقدون دوام ـ الإقامة في القبور ، عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه ، وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم ، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال والشدائد والأوجال ، فقال :( حَتَّى ) أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم إلى أن( زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ) أي بالموت والدفن ، فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور ، لا يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما أن الزائر معرض للرجوع إلى داره ومحل قراره ، فلو لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافيا فكيف والأمر أعظم من ذلك؟ فإن الموت مقدمة من مقدمات العرض ، قال أبو حيان : سمع بعض الأعراب الآية فقال : بعث القوم للقيامة ورب الكعبة ، فإن الزائر منصرف لا مقيم ، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال : ما أرى المقابر إلا زيارة ، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته ، إما إلى الجنة أو إلى النار.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها ، أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها ، وهو التكاثر بالعدد والقرابات والأهلين فقال :( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) وهو في معرض التهديد والتقريع وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ثم قال :( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) وحذف جواب «لو» والتقدير : لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»(١) الحديث ، وقوله تعالى( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) جواب لقسم مقدر أي والله لترون الجحيم ، وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم قطعا أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم ، وكان العقلاء المنتفعون بالكون في غاية التظالم ، وكان الحكيم لا يرضى أصلا أن يكون عبيده يظلم بعضهم بعضا ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعا أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم ، وقد وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به كتبه ، فثبت ذلك

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢١٠ والبخاري ٤٦٢١ ومسلم ٦٤٨٦ وابن ماجه ٤١٩١ عن أنس رضي الله تعالى عنه.

٥١٧

ثبوتا لا مرية فيه ولا مزيد عليه ، وكان الحال مقتضيا لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا يعنيه ، فقال سبحانه معبرا بأم الروادع ، وجامعة الزواجر والصوادع :( كَلَّا ) أي ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي ، فإنه ليس الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا لذلك ، إنما خلقتم لأمر عظيم ، فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم ـ فكنتم لاهين كمن كان يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر ، وكذا من ترك المهم من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك ما هو أهم منه مما لا عيش له إلا به.

ولما كان الردع لا يكون إلا عن ضار يجر وبالا وحسرة ، دل على ذلك بقوله استئنافا :( سَوْفَ ) أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر( تَعْلَمُونَ ) أي يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما يكشفه الموت ويجر حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله.

ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال ، دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكدا مع التعبير بأداة التراخي الدالة على علو الرتبة :( ثُمَّ كَلَّا ) أي ارتدعوا ارتداعا أكبر من ذلك لأنه( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيرا بالبعث.

ولما كان هذا أمرا صادعا ، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد بمرة ، فقال مرددا للأمر بين تأكيد الردع ثالثا بالأداة الصالحة له ولأن تكون لمعنى ـ حقا كما يقوله ائمة القراءة :( كَلَّا ) أي ـ ليشتد ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم( لَوْ تَعْلَمُونَ ) أيها المتكاثرون. ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله :( عِلْمَ الْيَقِينِ ) أي لو يقع لكم علم على ـ وجه اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم ، فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ـ فحذف هذا الجواب بعد حذف المفعول للتفخيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره ، والمعنى أن أعمالكم أعمال من لا يتيقنه ، قال الرازي : واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق ، وهو غاية درجات العامة ، وأول خطوة الخاصة ، قال عليه الصلاة والسّلام : «خير ما ألقي في القلب اليقين»(١) وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما

__________________

(١) أخرجه الحكيم الترمذي ص ٣٠٣ و ٣٤٥ في نوادره وذكره صاحب الكنز ٢ / ٩٠ ولم أره مسندا فلينظر.

٥١٨

غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق ، والآية من الاحتباك : ذكر الإلهاء أولا وحذف سببه وهو الجهل لدلالة الثاني عليه ، وذكر ثانيا العلم الذي هو الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من عدم اللهو الذي هو ضد الأول ، وزاد في التفخيم لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد به بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه ، فقال :( لَتَرَوُنَ ) أي بالمكاشفة وعزتنا ، ولا يصح أن يكون هذا جوابا لما قبله لأنه محقق( الْجَحِيمَ ) أي النار التي تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو وشديد توقد ، فالمؤمن يراها وينجو منها سواء خالطها أم لا والكافر يخلد فيها.

ولما كان هذا توعدا على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة فيوقع في غمرات البلايا الكبار ، أكد فقال مفخما له بحرف التراخي :( ثُمَّ لَتَرَوُنَّها ) وعزة الله ، ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى :( عَيْنَ الْيَقِينِ ) أي الرؤية التي هي نفس اليقين ، وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم ، قال الرازي : وهو المغني بالاستدراك عن الاستدلال ، وعن الخبر بالعيان ، وخرق الشهود حجاب ـ العلم ـ انتهى. ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول ، فالمؤمن وارد والكافر خالد.

ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب ، زاد في التخويف بأنه لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيدا ، فإذا أوجب السؤال النكال كان حاضرا لا مانع من إيقاعه في الحال ، ولو لم يكن حاضرا كان لمن استحقه في مدة إحضاره محال ، فقال مفخما بأداة التراخي :( ثُمَ ) أي بعد أمور طويلة عظيمة مهولة جدا( لَتُسْئَلُنَ ) وعزتنا( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ ترون الجحيم( عَنِ النَّعِيمِ ) أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف والحار في الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف ، فالمؤمن المطيع يسأل سؤال تشريف ، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف ، ولام النعيم قد تكون لمطلق الجنس وإليه يشير حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأطعمهم بسرا ورطبا وسقاهم ماء باردا وبسط لهم بساطا في ظل ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه : ظل بارد ورطب طيب وماء بارد»(١) وقد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله

__________________

(١) أخرج الترمذي نحوه ٣٣٥٨ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال : هذا حديث غريب.

٥١٩

أنهم قالوا عند نزولها : أي نعيم وإنما هما الأسودان : التمر والماء ، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر ، قال : «إن ذلك سيكون »(١) . له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما ، وعند الطبراني أيضا عن الحسن البصري مرسلا ، فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من ألطف الخطاب ، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب ، لأن العاقل إذا علم أن بين يديه سؤالا عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال ، فكان خوفه من مطلق السؤال مانعا له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته ، في نذاراته وبشاراته ـ والله أرحم.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٥ / ٤٢٩ عن محمود بن لبيد قال في المجمع ٧ / ٢٩٨ : محمد بن عمرو حديثه حسن وفيه ضعف لسوء حفظه ا ه.

قلت : قد اضطرب في حديثه هذا فقد أخرج أحمد ١٤٠٨ والترمذي ٣٣٥٦ من حديثه عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن أبيه مرفوعا.

وأخرج الترمذي ٣٣٥٧ عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقد أخرج الطبراني كما في المجمع ٧ / ٢٩٨ حديث الزبير المتقدم. وأخرجه أبو يعلى ٦٦٣٥ عن الحسن مرسلا وفيه أشعت بن براز متروك. قال الترمذي الإمام الحافظ رحمه‌الله تعالى : حديث ابن عيينة [٣٣٥٦ عن الزبير] عن محمد ابن عمرو أصح عندي من هذا ـ يقصد حديث أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال : سفيان أحفظ وأصح حديثا من أبي بكر بن عياش ا ه. قلت : كذا هو الحال أيضا في يزيد الراوي عن محمد هذا حديث محمود بن لبيد والله تعالى أعلم.

٥٢٠