نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 75
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 75 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة العصر

مكية ـ آياتها ثلاث

قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : إنها سورة لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم ، وهو معنى قول غيره : إنها شملت جميع علوم القرآن ، مقصودها تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق ، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم ، والإعلام بما ينجي من الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي لأنه خلاصة الكون ولباب الوجود ، واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته ، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة الخلق وقت العصر ، وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات ، وبيان اشتمالها على علوم القرآن تنزيل جملتها على ما قال الغزالي : إن القرآن كالبحر الذي فيه جزائر بها معادن ستة ، منها أربعة مهمة : مهمان منها هما ياقوت أفخر فأحمره للعلم بالله ، وأخضره لصفاته ، وأزرقه لأفعاله ، وزمرد أخضر هو العلم باليوم الآخر وما فيه ، ومهمان أولهما در أنضر وهو العلم بالعبادات المقربة إليه سبحانه وتعالى ، وثانيهما مسك أذفر ، وهو العلم بالعبادات التي بها تهيأ العبادات ، ومتمان وهما درياق أكبر وهو العلم بإزاحة الشكوك والشبه والأوهام لأنها سموم ومهلكة للدين ، وعنبر أشهب وهو الاعتبار بمن هلك باجتناب ما كان سبب هلاكه ، والاقتفاء بمن نجا باتباع ما كان سبب نجاته ، فالجملة الأولى للعنبر لأن فيها شم روائح الهالك وضده الناجي ، وبدىء بها لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والجملة الثانية للياقوت بصفاته الثلاث والزمرد ، والثالثة للدر والمسك ، وهما عبادات مقصودة ، وعادات وسيلة إليها ممدودة ، والرابعة للدرياق لأن الشبه والشكوك إنما هي من أوهام عاطلة وخيالات باطلة ، والخامسة وسيلة إليها ومتمة لها لأن معرفة ذلك واجتنابه لا يكون إلا ببذل الجهد في الصبر( بِسْمِ اللهِ ) الذي كل شيء هالك إلا وجهه( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالنعمة البر والفاجر فليس شيء شبهه( الرَّحِيمِ ) الذي خص بإتمام النعمة أولياءه ، فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهة.

٥٢١

( وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) )

لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع ، وكان الإنسان مسؤولا بما شهد به ، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعدا برؤية الجحيم ، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر ، فكان نعيمه في غاية الكدر ، قال دالّا على ذلك بأن أكثر الناس هالك ، مؤكدا بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال :( وَالْعَصْرِ ) أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسّلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم(١) ، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر من النهار أو بعضه ، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيها له على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقا من الحشر ، أو وقت الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار ، وبما دل عليه من طول الساعة وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار ، والدال على البعث ، أو جميع الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله تعالى من العز والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه :( إِنَّ الْإِنْسانَ ) أي هذا النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة الزمان ، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء( لَفِي خُسْرٍ ) أي نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر قليلا أو جليلا بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس ، فمن كان كافرا كان في كفران ، ومن كان مؤمنا عاصيا كان في خسران إن كان بالغا في المعصية وإلا كان في مطلق الخسر ، وهو مدلول المصدر المجرد ، وفي هذا إشارة إلى العلم بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات والعبادات والعادات إيمانا وإسلاما وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه من أصحاب الشمال.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى :( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ) وتضمن ذلك

__________________

(١) أخرجه مسلم ٢٧٨٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وكذا أخرجه غير واحد ورجّح الإمام الناقد البخاري صاحب الصحيح وهو شيخ مسلم وكذا شيخه علي بن المديني رضي الله عنهم أجمعين رجحوا أن هذا الحديث من قول أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه وقد تقدم تخريج الحديث مفصّلا وإنما أعدنا الكلام عليه للتنبيه والله تعالى ولي التوفيق.

٥٢٢

الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) [الأحزاب : ٧٢] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) فالقصور شأنه ، والظلم طبعه ، والجهل جبلته ، فيحق أن يلهيه التكاثر ، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) إلى آخرها ، فهؤلاء الذين( لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) [النور : ٣٧] انتهى.

ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك ، وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى مما طبع عليه الإنسان بجعله في أحسن تقويم ، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص ، استثناهم سبحانه وتعالى لأنهم قليل جدا بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالّا بالاستثناء على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو ، فالمخلص واحد من ألف كما في الحديث الصحيح( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم به من توحيده سبحانه وتعالى والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولعل حكمة التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات ، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر.

ولما كان الإنسان حيوانا ناطقا ، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى :( وَعَمِلُوا ) أي تصديقا بما أقروا به من الإيمان( الصَّالِحاتِ ) أي هذا الجنس ، وهو اتباع الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر.

ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر ـ إلا بتكميل غيره ، وحينئذ يكون وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بعثوا للتكميل ، وكان الدين لا يقوم ، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب ، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع ، قال مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيها على عظمه :( وَتَواصَوْا ) أي أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال أو المقال :( بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت ، وهو كل ما حكم الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ترك ، فكانوا محسنين ، والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور.

ولما كان الإنسان ميالا إلى النقصان ، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضا للشنآن من

٥٢٣

أهل العدوان ، وهم الأغلب في كل زمان ، قال تعالى :( وَتَواصَوْا ) لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ( بِالصَّبْرِ ) أي الناشىء عن زكاة النفس على العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له والمحق وعلى ما يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي هو سبب موصل إلى دار السّلام ، فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما قبلها من العلمية ، وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية والفائدة المقصودة منه ، وهي هنا أمران : خارج عن العامل وهو الجنة ، وداخل قائم به وهو النور المقرب من الحق سبحانه وتعالى ، واختير التعبير بالوصية إشارة إلى الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واستعمال اللين بغاية الجهد ، والصبر هو خلاصة الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته ، الذي لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على لزوم السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة ، فقد عانق آخرها أولها ، وواصل مفصلها موصلها ، وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في السنة الرابعة عشرة من النبوة يكون الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر بالمعروف بالفعل لإظهار الحق وهي سنة الهجرة التي تم فيها بدره ، وعم نوره وقدره ، وجم عزه ونصره ، فإذا ضممت إليها أربع كلمات البسملة كانت موازية في العدد لسنة خمس من الهجرة ، وكان فيها غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب ، وقد وقع فيهما أتم الصبر من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم ممن وافقه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لإظهار الحق والصواب ، فإنهم في بدر خذلوا من ركب عبد القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة المنافقين وخوفوا حتى كاد يعمهم الرعب والفشل ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد»(١) وأنزل الله فيها( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا ) [آل عمران : ١٧٣] الآيات ، وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأسفرت عاقبة الصبر فيها عما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ذهابهم : «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»(٢) فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة أشارت إلى سنة تسع ، وقد كانت فيها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة لما كان فيها من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها عن إقبال الوفود ، بفخامة العز والجدود وتواتر السعود ، بلطف الرحيم الودود ، وبذلك كان نور الوجود ، وتواتر الفضل والجود من الإله المعبود ـ وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار الوجود.

__________________

(١) هو بعض حديث أخرجه الطبري كما في الدر المنثور ٢ / ١٧٨ من حديث ابن عباس وفيه عطية العوفي غير قوي وقد تقدم في آل عمران.

(٢) تقدم تخريجه في آل عمران آية : ١٧٣.

٥٢٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الهمزة

مكية ـ آياتها تسع

مقصودها بيان الحزب الأكبر الخاسر الذي ألهاه التكاثر ، فبانت خسارته يوم القارعة الخافضة الرافعة ، واسمها الهمزة ظاهر الدلالة على ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الذي له تمام العز وهو الحكم العدل( الرَّحْمنِ ) الذي عم ظاهر نعمته أهل البخل وأولي البذل( الرَّحِيمِ ) الذي أتم نعمته على من شاء من عباده فخصهم بالفضل.

( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) )

لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر ، وختم بالصبر ، حصل تمام التشوف إلى أوصاف الهالكين ، فقال مبينا لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر :( وَيْلٌ ) أي هلاك عظيم جدا( لِكُلِّ هُمَزَةٍ ) أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا( لُمَزَةٍ ) والهمز الكسر كالهزم ، واللمز الطعن ـ هذا أصلهما ، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم ، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة : الهمزة الذي يشتم الرجل علانية ، ويكسر عينيه عليه ويهمز به ، واللمزة الذي يعيب الناس سرا ـ انتهى. وقال البغوي : وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف ، والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما يقال ضحكة للذي يفعل الضحك كثيرا حتى صار عادة له وضرى به ، والفعلة بالسكون للمفعول وهو الذي يهمزه الناس ويلمزونه ، وقرىء بها وكأنه إشارة إلى من يتعمد أن يأتي بما يهمز به ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه ـ والله أعلم.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه وتعالى( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره ، وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره ،

٥٢٥

واعتماده على ما جمعه من المال ظنا أنه يخلده وينجيه ، وهذا كله هو عين النقص ، الذي هو شأن الإنسان ، وهو المذكور في السورة قبل ، فقال تعالى( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده ، والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله ، ثم ذكر تعالى ماله ومستقره بقوله :( لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ) أي ليطرحن في النار جزاء له على اغتراره وطعنه ـ انتهى.

ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة تحوجه إليها أقبح حالا وكان المتمول عندهم هو الرابح ، وهم يتفاخرون بالربح ويعدون الفائز به من ذوي المعالي ، قال مقيدا ل «كل» بالوصف مبينا الخاسر كل الخسارة :( الَّذِي جَمَعَ ) ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد في فعله لأبي جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي ، وخلت تصريحا بما علم تلويحا ودلالة على أن المقصود به من جعل الدنيا أكبر همه ، والتخفيف لمن عداهم اكتفاء بأصل مدلوله بخلاف عدد ، فإن مجرده يكون لما قل ، ولهذا أجمعوا على التضعيف فيه :( مالاً ) أي عظيما ، وأكد مراد الكثرة بقوله :( وَعَدَّدَهُ ) أي جعله بحيث إذا أريد عدده طال الزمان فيه وكثر التعداد ، أو ادخره وأمسكه إعدادا لما ينوبه في هذه الدنيا المنقضية ، وزاده قيدا آخر في بيان حاله فقال :( يَحْسَبُ ) لقلة عقله( أَنَّ مالَهُ ) أي ذلك الذي عدده( أَخْلَدَهُ ) أي أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا ، فأحب ذلك المال كما يحب الخلود ، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنه عمل ـ بانهماكه في المعاصي والإعراض عن اللهعزوجل والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض الزائلات ـ عمل من يظن أنه لا يموت ، ويجوز أن يكون استئنافا ، وفيه تعريض بأنه لا يفيد الخلد إلا الأعمال الصالحة المسعدة في الدار الآخرة.

ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على فساده ، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال :( كَلَّا ) أي لا يكون ما حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي مخلوق.

ولما كان كأنه قيل : فما الذي يفعل به بعد الموت؟ قال مقسما دالّا باللام الداخلة على الفعل على القسم :( لَيُنْبَذَنَ ) أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هين جدا على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء للمفعول( فِي الْحُطَمَةِ ) أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين ، وعبر بها في مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق ، قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم فيما يكون مواجهة ومن نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر

٥٢٦

واستعداد بعدد ، ونحو ذلك في سائر أسمائها ، وعظم شأنها سبحانه وتعالى بقوله :( وَما أَدْراكَ ) أي وأيّ شيء أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع كونك أعلم الخلق( مَا الْحُطَمَةُ ) أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم لهذه الخاصية فإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا لها ، ثم فسرها بقوله :( نارُ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون عنه إلى شركائهم ، فعظمة هذه النار من عظمته ، وانتقامه من نقمته( الْمُوقَدَةُ ) أي التي وجد وتحتم إيقادها بإيقاده ، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده؟ فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتا.

ولما وصف الهامز الهازم ، وصف الحاطم فقال تعالى :( الَّتِي ) ولما كان لا يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علما قال :( تَطَّلِعُ ) اطلاعا شديدا( عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه ، فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص ، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا بالغا ، سمي بذلك لشدة توقده ، وخص بالذكر لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألما بأدنى شيء من الأذى ، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال ، وعنه تصدر الأفعال القبيحة.

ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت ، وفي الموت راحة من العذاب ، أشار إلى خلودهم فيها وأنهم لا يموتون ولا ينقطع عنهم العذاب ، فقال مؤكدا لأنهم يكذبون بها :( إِنَّها ) وأشار إلى قهرهم وغلبتهم فقال :( عَلَيْهِمْ ) وآذن بسهولة التصرف في تعذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم بقوله معبرا باسم المفعول :( مُؤْصَدَةٌ ) أي مطبقة بغاية الضيق ، من أوصدت الباب ـ إذا أطبقته.

ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة عظيمة تسمى المقطرة فيها حلق توثق فيها الرجل ، فلا يقدر صاحبها بعد ذلك على حراك ، قال مصورا لعذابهم بحال من ضمير «عليهم» :( فِي ) أي حال كونهم موثقين في( عَمَدٍ ) بفتحتين وبضمتين جمع عمود( مُمَدَّدَةٍ ) أي معترضة كأنها موضوعة على الأرض ، فهي في غاية المكنة فلا يستطيع الموثق بها على نوع حيلة في أمرها فهو تأكيد ليأسهم من الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد ، وهذا أعظم الويل وأشد النكال ، فقد رجع آخرها إلى أولها ، وكان لمفصلها أشد التحام بموصلها ـ والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٥٢٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الفيل

مكية ـ آياتها خمس

مقصودها الدلالة على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد والتناصر بالأسباب ، فعند انقطاعها أولى لاختصاصه سبحانه وتعالى بتمام القدرة دون التمكن بالمال والرجال ، واسمها الفيل ظاهر الدلالة على ذلك بتأمل سورته ، وما حصل في سيرة جيشه وصورته( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الإحاطة فقدرته في كل شيء عاملة( الرَّحْمنِ ) الذي له النعمة الشاملة( الرَّحِيمِ ) الذي يختص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة.

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) )

لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال ، دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر الأخفى ، محذرا من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة ، مشيرا إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى ، ومع كونه شهوديا فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة ، فقال مقررا منكرا على من يخطر له خلاف ذلك :( أَلَمْ تَرَ ) أي تعلم علما هو في تحققه كالحاضر المحسوس بالبصر ، وذلك لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن لم يشهد تلك الوقعة فإنه شاهد آثارها ، وسمع بالتواتر مع إعلام الله له أخبارها ، وخصهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إعلاما بأن ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن وفقه الله الحسن اتباعه ، لما للإنسان من علائق النقصان ، وعلائق الحظوظ والنسيان ، وقرىء «تر» باسكان الراء ، قالوا جدا في إظهار أثر الجازم ، وكان السر في هذه القراءة الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر ، من لم يعتن به ويسارع إلى تعمده لا يدركه حق إدراكه.

٥٢٨

ولما كان للناظر في الكيفية من التدقيق والوقوف على التحقيق في وجوه الدلالات على كمال علم الله وقدرته وإعزاز نبيه بالإرهاص لنبوته والتمكين لرسالته لتعظيم بلده وتشريف قومه ما ليس للناظر إلى مطلق الفعل قال :( كَيْفَ ) دون أن يقول : ما( فَعَلَ ) أي فعل من له أتم داعية إلى ذلك الفعل ، وفعل الرؤية معلق عن «كيف» لما فيه من معنى الاستفهام فلا يتقدم عامله عليه ، بل ناصبه فعل ، وجملة الاستفهام في موضع نصب بالفعل المعلق( رَبُّكَ ) أي المحسن إليك ومن إحسانه إحسانه إلى قومك بك وبهذه الواقعة الخارقة للعادة إرهاصا لنبوتك كما ـ هو معلوم من أخبار الأنبياء المتقدمين فيما يقع بين أيدي نبواتهم من مثل ذلك ليكون مؤيدا لادعائهم النبوة بعد ذلك ، وفي تخصيصهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالخطاب والتعبير بالرب مع التشريف له والإشارة بذكره التعريض بحقارة الأصنام التي سموها أربابا لهم ، يعلم ذلك منهم علم اليقين من آمن ، ومن استمر على كفره فسيعلم ذلك حق اليقين عند ما يسلط الله عليهم رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالبلد الحرام ، ويحلها له على أعلى حال ومرام( بِأَصْحابِ الْفِيلِ ) أي الذين قصدوا انتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى فيخربوا بيته ويمزقوا جيرانه بما أوصلهم إلى البطر من الأموال والقوة التي منّ عليهم سبحانه وتعالى بها ، فحسبوا أنها تخلدهم فبان أنها توردهم المهالك ضد ما حسبوه ، وهم الحبشة الذين كانوا غلبوا على بلاد اليمن ، بنى أميرهم وهو أبو يكسوم أبرهة بن الصباح الأشرم بيعة بصنعاء وسماها القليس وزن قبيط ، وأراد أن يصرف إليها ـ فيما زعم ـ حج العرب ، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا ـ يعني تغوط ولطخها به ، فأغضب ذلك الأشرم فسأل فقيل له : نرى الفاعل من أهل البيت الذي بمكة ـ فحلف : ليهدمنّ الكعبة ، ومن عجائب صنع الله أنه ألهمه سبحانه وتعالى تسميتها هذا الاسم الذي هو مشتق من القلس الذي أحد معانيه أنه ماء خرج من الحلق ملء الفم ، فهو مبدأ القيء الذي هو أخو الغائط الذي آل أمرها إليه ، فكان سبب هلاكها بهلاك بانيها ، وذلك أنه غضب من ذلك فخرج بجيشه لهدم بيت الله الكعبة ومعه أفيال كثيرة منها فيل عظيم اسمه محمود ، فقاتله بعض العرب فهزمهم وقتل منهم ، فلما دوّخهم دانوا له ، فلما وصل إلى المغمس خرج إليه عبد المطلب جد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فعرض عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ، وقيل : بل كانت طلائعه أخذت له مائتي بعير فطلبها منه فقال : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، فزهدت فيك حين تكلمني في مائتي بعير ، وتترك كلامي في بيت هو دينكم وفيه عزكم؟ فقال : أنت وذاك ، فرد عليه إبله فساقها ومضى ، وأمر قريشا أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في الجبال ، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول :

٥٢٩

يا رب لا أرجو لهم سواكا

فامنعهم أن يقربوا قراكا ـ

وقال :

لا هم إن المرء يم

نع رحله فامنع حلالك

لا يغلبن صليبهم

ومحالهم عدوا محالك

جروا جميع تلادهم

في الفيل كي يسبوا عيالك

عمدوا حماك بكيدهم

جهلا وما رقبوا جلالك

إن كنت تاركهم وكع

بتنا فأمر ما بدا لك

ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى الحرم وعبأ جيشه وقدم الفيل فبرك فعالجوه فلم تفد فيه حيلة ، فوجهوه إلى غير الحرم فقام يهرول فوجهوه إلى الحرم فبرك ، وكان هذا دأبه في ذلك اليوم فبينما هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل ، كل طائر منها في منقاره حجر ، وفي رجليه حجران ، الحجر منها أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة ، فرمتهم بها ، فكان الحجر منها يقع في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعا ، وأهل مكة ومن حضر من العرب في رؤوس الجبال ـ ينظرون إلى صنع الله تعالى بهم وإحسانه إليهم ـ أي أهل مكة ـ وكان ذلك إرهاصا لنبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن ذلك كان عام مولده ، وقال حمزة الكرماني : وفي رواية : يوم مولده ، وكأنه كان سببا لضعفهم حتى ذهب سيف بن ذي يزن إلى كسرى وأتى منه بجيش فاستأصل بقيتهم ـ كما هو مشهور في السير ، ومأثور في الخبر ، ووفدت قريش لتهنئته بالنصرة عليهم ، وكان رئيسهم عبد المطلب جد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبشره سيف بأنه يولد له ولد اسمه محمد فأعلمه بأن ولد وأن أباه توفي ، فأخبره سيف بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان ، وأن يثرب مهاجره ، وأنه لو علم أنه يعيش إلى زمن بعثته لأتى يثرب وجعلها قراره حتى ينصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بها ـ ويظهر نبوته.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من فتن بماله حتى ظن أنه يخلده وما أعقبه ذلك ، أتبع هذا أصحاب الفيل الذين غرهم تكاثرهم ، وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت المكرم ، فتعجلوا النقمة ، وجعل الله كيدهم في تضليل ، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ، أي جماعات متفرقة ، ترميهم بحجارة من سجيل حتى استأصلتهم وقطعت دابرهم فجعلهم كعصف مأكول ، وأثمر لهم ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر المتقدم ـ انتهى.

ولما قرره بالكيفية تنبيها على ما فيها من وجوه الدلالة على مقدمات الرسالة ، أشار إلى تلك الوجوه مقدما عليها تقريرا آخر جامعا لقصتهم ومعلما بغصتهم فقال :

٥٣٠

( أَلَمْ يَجْعَلْ ) أي بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش( كَيْدَهُمْ ) أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى كنيستهم على زعمهم وقد كان كيدهم عظيما غلبوا به من ناوأهم من العرب( فِي تَضْلِيلٍ ) أي مظروفا لتضييع عما قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولا ومن هدمها ثانيا وإبطال وبعد عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفا لذلك معمورا به لا مخلص له منه ، وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات الله كبيت من بيوته أو ولي من أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان مقصرا نوع تقصير وقع في مكره ، وعاد عليه وبال شره «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»(١) وإلى أن من جاهر بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر ، وإلى أن الله تعالى يأتي من يريد عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن مكره ولو كان الخصم أقل عباده ، لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلا ولا خطر لأحد سواهم أن طيورا تقتل جيشا دوّخ الأبطال ودانت له غلب الرجال ، يقوده ملك جبار كتيبته في السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب.

ولما كان التقدير : فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فضلا عن الوصول إلى بلده الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عطف عليه أو على «يجعل» معبرا بالماضي لأنه بمعناه وهو أصرح والتعبير به أقعد قوله ؛( وَأَرْسَلَ ) وبين أنه إرسال عذاب بقوله :( عَلَيْهِمْ ) أي خاصة من بين من كان هناك من كفار العرب ، وأشار إلى تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء عظيم لكونهم عظموا أنفسهم وتجبروا على خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال تعالى معلما بأنه سلط عليهم ما لا يقتل مثله في العادة :( طَيْراً ) وهو اسم جمع يذكر على اللفظ ، ويؤنث على المعنى ، وقد يقع على الواحد ، ولذلك قال مبينا الكثرة( أَبابِيلَ ) أي جماعات كثيرة جدا متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة ، أمام كل فرقة منها طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق ، قال أبو عبيدة : يقال : جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا ، وهو جمع إبالة بالكسر والتشديد وهي الحزمة الكبيرة ـ شبهت بها الجماعة من الطير في تضامّها ، وفي أمثالهم : ضغث على إبالة ، أي بلية على أخرى.

ولما تشوف السامع إلى فعل الطير بهم ، قال مستأنفا :( تَرْمِيهِمْ ) أي الطير( بِحِجارَةٍ ) أي عظيمة في الكثرة والفعل ، صغيرة في المقدار والحجم ، كان كل واحد ـ منها في نحو مقدار العدسة ، في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل واحد.

__________________

(١) أخرجه البخاري ٦٥٠٢ من حديث أبي هريرة بأتم منه.

٥٣١

ولما كان الشيء إذا كان مصنوعا للعذاب كان أشد فعلا فيه قال :( مِنْ سِجِّيلٍ ) أي طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو كما بين في سورة هود عليه الصلاة والسّلام ، قال حمزة الكرماني : قال أبو صالح : رأيت تلك الحجارة مخططة بالحمرة. ولما تسبب عن هذا المرمى هلاكهم ، وكان ذلك بفعل الله سبحانه وتعالى القادر على ما أراد لأنه الذي خلق الأثر قطعا لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك ، قال :( فَجَعَلَهُمْ ) أي ربك المحسن إليك بإحسانه إلى قومك لأجلك بذلك( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) أي ورق زرع وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود ويجوفه لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيخرق بما له من الحرارة وشدة الوقع كل ما مر به حتى يخرج من الدبر ويصير موضع تجويفه أسود لما له من النارية ، أو أكل حبة فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته الدواب وراثته ، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن كقوله تعالى :( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) [المائدة : ٧٥] وهذا الإهلاك في إعجابه هو من معاني الاستفهام التقريري في أولها ، فقد تعانق طرفاها ، والتف أخراها بأولاها ـ والله أعلم بمراده.

٥٣٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة قريش

مكية ـ آياتها أربع

مقصودها الدلالة على ضد ما دلت عليه الفيل بأن إهلاك الجاحدين المعاندين لإصلاح المقرين العابدين ، وهو بشارة عظيمة لقريش خاصة بإظهار شرفهم في الدارين ، واسمها قريش ظاهر الدلالة على ذلك ، والتعبير بقريش دون قومك أو الحمس مثلا ونحوه دال على أنهم يغلبون الناس أجمع بقوة كما يدل عليه الاسم ، وبغير قوة كما دل عليه ما فعل لأجلهم من قصة الفيل :( بِسْمِ اللهِ ) ذي السبحات والحمد فله جميع الكمال( الرَّحْمنِ ) ذي النعم العامة بالإيجاد والبيان فهو ذو الأفضال( الرَّحِيمِ ) ذي الانتقام بالإبعاد والاختصاص بمن يشاء بالإسعاد بالتقريب والإجلال.

( لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) )

لما كان ما فعله سبحانه ـ من منع هذا الجيش العظيم ـ الذي من قوته طاعة أكبر ما خلق الله من الحيوان البري فيما نعلمه له ـ من دخول الحرم الذي هو مظهر قدرته ومحل عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة والسّلام وما كان من الوفاء بعظيم خلته ـ كرامة لقريش عظيمة ظاهرة عاجلة حماية لهم عن أن تستباح ديارهم وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام بيته وقطان حرمه ومتعززين به ومنقطعين إليه ، وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل أمنهم وعيشهم وحرزهم ، ذكرهم سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة إكراما ثانيا بالنظر في العاقبة ، فقال مشيرا إلى أن من تعاظم عليه قصمه ، ومن ذل له وخدمه أكرمه وعظمه :( لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ) أي لهذا الأمر لا غيره فعلنا ذلك وهو إيقاعهم الإيلاف وهو ألفهم لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم ، وذلك ملزوم لألفهم أولا في أنفسهم ، فإذا كان لهم الألف بحرمهم بما حصل لهم من العز والمكنة به بما دافع عنهم فيه مع ما له من بعد الآفات عنه ، وكان لهم الألف بينهم ، فكان بعضهم يألف بعضا ، قوي أمرهم فألفوا غيرهم أي جعلوه يألف ما ألفوه

٥٣٣

إياه أي سنوه له وأمروه به ، أو يكون اللام متعلقا بفعل العبادة بدلالة( فَلْيَعْبُدُوا ) أي ليعبدونا لأجل ما أوقعنا من ألفهم وإيلافهم ، وعلى التقديرين الألف علة للعبادة أو لما يوجب الشكر بالعبادة ، وفي هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه وتعالى وأنه إذا أراد شيئا يسر سببه لأن التدبير كله له يخفض من يشاء وإن عز ، ويرفع من يشاء وإن ذل ، ليثمر اعتقاد ذلك حبه والانقطاع لعبادته والاعتماد عليه في كل نفع ودفع ، وقريش ولد النضر ابن كنانة واسمهم واسم قبيلتهم مشتق من القرش والتقرش وهو التكسب والجمع ، يقال : فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب ، وقال البغوي : وقال أبو ريحانة : سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهما : لم سموا بهذا؟ فقال : لدابة تكون في البحر هي أعظم دوابه ، يقال لها القرش ، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته ، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى ، قال : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال : نعم ، وأنشد للجمحي :

وقريش هي التي تسكن البحر بها

سميت قريش قريشا

سلطت بالعلو في لجة البحر على

سائر الجيوش جيوشا

وقال الزمخشري : هي دابة عظيمة تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار ، والتصغير للتعظيم ـ انتهى ، وقيل : سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم ، فإن القرش ـ كما تقدم ـ الجمع ، وكان المجمع لهم قصيا ، والقرش أيضا الشديد ، وقيل : هو من تقرش الرجل ـ إذا تنزه عن مدانيس الأمور ، ومن تقارشت الرماح في الحرب ـ إذا دخل بعضها في بعض.

والمادة كلها للشدة والاختلاط ، والتعبير بهذا الاسم لمدحهم. وكما أجرى سبحانه وتعالى مدحهم على الألسنة جعلهم موضعا للمدح ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم »(١) وقالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الأئمة من قريش»(٢) قال العلماء : وذلك أن طيب العنصر يؤدي إلى محاسن الأخلاق ، ومحاسن الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب ،

__________________

(١) صحيح تقدم تخريجه وهو عند مسلم ٢٢٧٦.

(٢) أخرجه أحمد ١٢٤٨٩ و ١١٨٩٨ عن أنس رضي الله تعالى عنه.

وأخرجه الحاكم ٤ / ٧٦ عن علي رضي الله تعالى عنه وقد رجح الحافظ الناقد الدار قطني رضي الله تعالى عنه أنه موقوف وانظر الكلام في ذلك مفصّلا في تلخيص الحبير ٤ / ٤٢.

٥٣٤

وصفاء القلب عون على إدراك العلوم ، وبإدراك العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة ، وصرف الاسم هنا على معنى الحي ليكون الاسم بمادته دالّا على الجمع ، وبصرفه دالّا على الحياة إشارة إلى كمال حياتهم ظاهرا وباطنا ، قال سيبويه في معد وقريش وثقيف : صرف هذه الأحياء أكثر ، وإن جعلتها اسما للقبائل ـ يعني فمنعتها ـ فجائز حسن ، والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه الفيل أن السورتين في مصحف أبيّ رضي الله عنه سورة واحدة من غير فصل ، وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة رويا عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : صلى بنا عمر رضي الله عنه المغرب فقرأ في الأولى بالتين والزيتون ، وفي الثانية ألم تر كيف ولئيلاف قريش.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه وتعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش ، وهم سكان الحرم وقطان بيت الله الحرام ، وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم ـ انتهى.

ولما علل بالإيلاف وكان لازما ومتعديا ، تقول : آلفت المكان أولفه إيلافا فأنا مؤلف وآلفت فلانا هذا الشيء أي جعلته آلفا له ، وكان الإتيان بالشيء محتملا لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى لأمره ، أبدل منه قوله : (إلفهم) أي إيلافنا إياهم( رِحْلَةَ الشِّتاءِ ) التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون بها متاجر الجنوب( وَالصَّيْفِ ) التي يرحلونها إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الشمال ، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المكرم المعظم ببيت الله والناس يتخطفون من حولهم ، ففعل الله تعالى بأصحاب الفيل ما فعل ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيما فتزيد في إكرامهم لما رأت من إكرام الله تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم ، والرحلة بالكسر هيئة الرحيل ، وقرىء بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها ، وكانوا معذورين لذلك لأن بلدهم لا زرع به ولا ضرع ، فكانوا إذا ضربوا في الأرض قالوا : نحن سكان حرم الله وولاة بيته ، فلا يعرض أحد بسوء ، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة ، ولو لا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف ، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف ، وكان يقسم ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، وفي ذلك يقول الشاعر :

قل للذي طلب السماحة والندى

هلا مررت بآل عبد مناف

الرائشين وليس يوجد رائش

والقائلين هلم للإضياف

والخالطين فقيرهم بغنيهم

حتى يكون فقيرهم كالكاف

٥٣٥

القائلين بكل وعد صادق

والراحلين برحلة الإيلاف

عمرو العلا هشم الثريد لقومه

ورجال مكة مسنتون عجاف

سفرين سنّهما له ولقومه

سفر الشتاء ورحلة الأصياف

وتبع هاشما على ذلك إخوته ، فكان هاشم يؤلف إلى الشام وعبد شمس إلى الحبشة ، والمطلب إلى اليمن ، ونوفل إلى فارس ، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هذه الإخوة ـ أي عهودهم ـ التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي ، وأفرد الرحلة في موضع التثنية لتشمل كل رحلة ـ كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس ، إشارة لهم بالبشارة بأنهم يتمكنون عن قريب من الرحلة إلى أي بلد أرادوا لشمول الأمن لهم وبهم جميع الأرض بما نشره الله سبحانه وتعالى من الخير في قلوب عباده في سائر الأرض بواسطة هذا النبي الكريم الذي هو أشرفهم وأعظمهم وأجلهم وأكرمهم.

ولما كان هذا التدبير لهم من الله كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة بالأمن ، وكان شكر المنعم واجبا ، فإذا أنعم بما يفرغ المنعم عليه للشكر كان وجوبه عليه أعظم ، سبب عن الإنعام عليهم بذلك قوله :( فَلْيَعْبُدُوا ) أي قريش على سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران( رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ) أي الموجد له والمحسن إلى أهله بتربيتهم به وبحفظه من كل طاغ ، وتأثيره لأجل حرمته في كل باغ ، وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة وجعل ما داموا عابدين له موصولا بعز الآخرة ، فتتم النعمة وتكمل الرحمة ، والمراد به الكعبة ، عبر عنها بالإشارة تعظيما إشارة إلى أن ما تقدم في السورة الماضية من المدافعة عنهم معروف أنه بسببه لا يحتاج إلى تصريح ، وأن ذلك جعله متصورا في كل ذهن حاضرا مشاهدا لكل مخاطب ، وفي هذا التلويح من التعظيم ما ليس للتصريح ، ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت فقال تعالى :( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ ) أي قريشا بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين آمنين من أن يهاجوا ، وبإهلاك الذين أرادوا إخراب البيت الذي به نظامهم ، إطعاما مبتدئا( مِنْ جُوعٍ ) أي عظيم فيه غيرهم من العرب ، أو كانوا هم فيه قبل ذلك لأن بلدهم مهيأ لذلك لأنه ليس بذي زرع ، فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع ، فكفاهم ذلك وحده ولم يشركه أحد في كفايتهم ، فليس من الشكر إشراكهم في عبادته ولا من البر بأبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام الذي دعا لهم بالرزق ونهى أشد النهي عن عبادة الأصنام ، ولم يقل : أشبعهم

٥٣٦

لأنه ليس كلهم كان يشبع ، ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب»(١) .

ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر ، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن فقال :( وَآمَنَهُمْ ) أي تخصيصا لهم( مِنْ خَوْفٍ ) أي شديد جدا من أصحاب الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ومن الطاعون والدجال بتأمين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف ، فعلم أن آخرها علة لأولها ، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولا فحماه الله لهم مما ذكر ، فيكون ذلك مسببا عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها ، فقد التقى الطرفان ، والتأم البحران المغترفان ، وكما التقى آخر كل سورة مع أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها ، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على المتجر إيلافا لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصهم بالأمر بعبادة الذي منّ عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان ، ومن أعظم مقاصد التوبة ـ المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول ـ البراءة من كل مارق ، وأن فعل ذلك يكون سببا للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة ، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته ، والفوز بأمانه ونعمته ، والبشارة بالغنى على وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر ، وأوفى وأوفر ، وأزهى وأزهر ، وأجل وأفخر ، بقوله تعالى :( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) الآيات ، [التوبة : ١٧] وقوله تعالى :( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [التوبة : ٢٨] فعلم بهذا علما جليا أنه شرع سبحانه في رد المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال القرآن بلسانهم وأرسل به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم ، وتعظيمه لغناهم وأمانهم ، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها في رد المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة المناظرة لها حتى أن في كل منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي الله تعالى عنه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم توفي ولم يبين أمرها ، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها ، ولذلك لم يكتب بينهما سطربسم الله الرحمن الرحيم ، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبيّ رضي الله تعالى عنه ، وقراءة عمر

__________________

(١) تقدم مرارا.

٥٣٧

رضي الله تعالى عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح من الأول ، ومن أغرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق ، فالأولى في الآخر وهي الفيل أكرم الله فيها قريشا بإهلاك أهل الإنجيل ، والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم ، فكان ذلك سببا لكسر شوكتهم وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم ، وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان عدد التسع مشيرا إلى أن قريشا أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في الملكوت إلى الفلك التاسع ، وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع ، فهم يصعدون بأسرار الشرع ـ التي من أعظمها الصلاة ـ من الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معا كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين ، وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة ، فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات مضموما إليها الوتر ، وإلى ظهور الدين ظهورا كاملا على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين ، وهي الثامنة عشرة من موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جدا ، وكذا ملك الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية ، ومن بديع الإشارات أيضا أنك إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع منها ، فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيرا إلى كون الدين يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين ، وهي السنة الثامنة من موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم ، فقتلوا رجالهم ، وانتثلوا أموالهم ، كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد الأوثان من العرب ، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهي قبل النبوة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين : الفيل وقريش ، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة ، وذلك ـ والله أعلم ـ إشارة إلى أن ابتداء الأمن ـ بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ومتاعهم ـ كان لمولدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتشريف الوجود بوجوده ، ويكون ذلك ظاهرا كما كان السبب ـ الذي هو وجودهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ظاهرا ، وإلى أن وسطه يكون بنبوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويكون ذلك باطنا كما أن السبب ـ وهو الوحي باطن ، ثم كان أمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة الذين كان الأمن أولا بإهلاكهم ، وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميرا ـ سبعة في الفيل وأربعة في قريش ـ كانت تسعا وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد سنة ست من

٥٣٨

الهجرة ، وفيها كانت عمرة الحديبية وهي الفتح السببي الخفي ، وإلى ذلك أشارصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله في بروك ناقته الشريفة حين بركت فقالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم : خلأت القصوى ـ أي حرنت : «ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل »(١) وفيها نزلت سورة الفتح ، فكان سبب الأمن العظيم والغنى ، وعقبها في سنتها كان البعث إلى ملوك الأمصار ، وفتح خيبر وانبساط ذكر الإسلام في جميع الأقطار ، وكذا كان عقبها قبل عمرة القضية إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي لما سأله أن يعطيه عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه ليقتله ، وذلك حين أرسله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى النجاشي رضي الله عنهما يدعوه إلى الإسلام فأنكر النجاشي ذلك على ابن العاص وشهد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالرسالة وأمره بأن يؤمن به ، ففعل فكان ملك الحبشة بدعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ناجيا هاديا ، وإلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم داعيا ، عكس ما كان لملك الحبشة بمولدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أنه كان هالكا ، وإلى الجحيم هاويا ، وإن حسبت من سنة بنيان الكعبة في الخامسة والعشرين من مولدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت السنة التاسعة والخمسون هي الحادية والثلاثون بعد الهجرة ، وهي سنة استئصال ملك الفرس بقتل آخر ملوكهم يزدجرد ، والفرس هم الذين أزالوا الحبشة عن بلاد اليمن وطهروا منهم أرض العرب ، ولعل قسمة السورتين إلى ثلاث وعشرين وسبع عشرة إشارة إلى أن هذا المولد الشريف الذي حرست الكعبة بمولدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحصل الأمن والعز ببركته تبنى الكعبة وتجدد بعد بضع وعشرين سنة من مولده ، قالوا : كان بنيانها وسنه خمس وعشرون سنة ، فلعله كان في آخر الرابعة والعشرين ، ولعل قصة الفيل كانت وله نحو سنة من حين الولادة ، وبه حين البنيان ألف الله بين قريش بعد أن كانوا تنافروا أشد المنافرة وتعاقدوا على الحرب في أمر الحجر الأسود من يضعه في موضعه حتى أصلح الله بينهم بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضعه بيده الشريفة في ثوب ، وأمرهم فأمسكت جميع القبائل بأطرافه ، ثم رفعوه حتى وازوا به موضعه فأخذه هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضعه في مكانه ، فكان الشرف له خاصة في الإصلاح والبنيان ، وتشير مع ذلك إلى أنه يبقى في النبوة ثلاثا وعشرين سنة ، ثم يتوفاه الله سبحانه وتعالى بعد أن جعل الله كيد جميع الكفرة في تضليل من عباد الأوثان والفرس والروم وغيرهم بما فتح الله عليه من جزيرة العرب التي ألف الله بها بين كلمتهم حتى انسابوا على غيرهم فما وافقهم أحد ناوشوه القتال وساوموه النضال والنزال ، ولعل الإشارة بكون قريش سبع عشرة كلمة إلى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد سبع عشرة سنة من بنيان البيت يبعثه الله سبحانه وتعالى لأمر قريش بالعبادة التي أجلّها الصلاة التي أعظمها الفرائض

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤ / ٣٢٨ والبخاري ٢٧٣١ وأبو داود ٢٧٦٥ وغيرهم عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه وهو حديث طويل جدا.

٥٣٩

التي هي سبع عشرة ركعة شكرا لنعمة من آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع بأعظم العبادة ، وإلى أن ابتداء ألفة قريش بالقوة القريبة من الفعل بعد الشتات العظيم الظاهر وجعل كيد الكفار في تضليل يكون في السنة السابعة عشرة من النبوة ، وذلك سنة أربع من الهجرة فإن فيها كان إجلاء بني النضير من اليهود من المدينة الشريفة وإخلاف قريش الموعد في بدل الموعد وهنا منهم عن لقاء جيش النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت بعد بيسير غزوة الأحزاب ، ولذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد انصرافهم : «الآن نغزوهم ولا يغزونا »(١) يعني أن نخوة الشيطان منهم وحمية الجاهلية أخذت في الاضمحلال لانتهاء قوتهم في الباطل الذي كان سبب عزهم الظاهري الذي هو الذل في الباطن ، وكان ذلك ابتداء عزهم في الباطن الذي هو ذلهم لأهل الإسلام في الظاهر ، وفي أثر الأحزاب كانت غزوة بني قريظة ، فإذا ضممت إلى الكلمات الضمائر الأربعة كانت إحدى وعشرين توازيها سنة ثمان من الهجرة وهي سنة الفتح الأعظم الذي وقعت به الألفة العظمى بين قريش وأمنهم وغناهم الذي وعدهم الله به في السورة المناظرة لها ـ وهي براءة ـ بائتلاف جميع العرب وانبعاثهم لاجتماع كلمتهم إلى جهاد الفرس والروم والقبط وأخذهم لبلادهم ، وانتثالهم لكنوزهم وتحكمهم في نسائهم وأولادهم ، فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى شأنه وعز مرامه.

__________________

(١) تقدم في عدة مناسبات.

٥٤٠