الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع(
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً
)
[الأحزاب : ٧٢] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال(
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
)
فالقصور شأنه ، والظلم طبعه ، والجهل جبلته ، فيحق أن يلهيه التكاثر ، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان(
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
)
إلى آخرها ، فهؤلاء الذين(
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ
)
[النور : ٣٧] انتهى.
ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك ، وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى مما طبع عليه الإنسان بجعله في أحسن تقويم ، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص ، استثناهم سبحانه وتعالى لأنهم قليل جدا بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالّا بالاستثناء على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو ، فالمخلص واحد من ألف كما في الحديث الصحيح(
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
)
أي أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبيصلىاللهعليهوسلم
به من توحيده سبحانه وتعالى والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولعل حكمة التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات ، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر.
ولما كان الإنسان حيوانا ناطقا ، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى :(
وَعَمِلُوا
)
أي تصديقا بما أقروا به من الإيمان(
الصَّالِحاتِ
)
أي هذا الجنس ، وهو اتباع الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر.
ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر ـ إلا بتكميل غيره ، وحينئذ يكون وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بعثوا للتكميل ، وكان الدين لا يقوم ، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب ، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع ، قال مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيها على عظمه :(
وَتَواصَوْا
)
أي أوصى بعضهم بعضا بلسان الحال أو المقال :(
بِالْحَقِ
)
أي الأمر الثابت ، وهو كل ما حكم الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ترك ، فكانوا محسنين ، والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور.
ولما كان الإنسان ميالا إلى النقصان ، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضا للشنآن من