نظم الدّرر الجزء ٨

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 639

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف:

الصفحات: 639
المشاهدات: 109
تحميل: 5


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 639 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 109 / تحميل: 5
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 8

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الماعون

مكية ـ آياتها سبع

وتسمى الدين وتسمى أرأيت والتكذيب

مقصودها التنبيه على أن التكذيب بالبعث لأجل الجزاء أبو الخبائث ، فإنه يجرىء المكذب على مساوىء الأخلاق ومنكرات الأعمال حتى تكون الاستهانة بالعظائم خلقا له فيصير ممن ليس له خلاق ، وكل من أسمائها الأربعة في غاية الظهور في الدلالة على ذلك بتأمل السورة لتعرف هذه الأشياء المذكورة ، فهي ناهية عن المنكرات بتصريحها ، داعية إلى المعالي بإفهامها وتلويحها( بِسْمِ اللهِ ) الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بإتمام النعمة فحباهم بنعيم الاتصال.

( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) )

لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم ، ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة ، فكان معرفا بأن فاعله لا يترك الناس سدى من غير جزاء ، وأمرهم آخر قريش بشكر نعمته بإفراده بالعبادة ، عرفهم أول هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا بالتصديق بالجزاء الحامل على معالي الأخلاق الناهي عن مساوئها ، وعجب ممن يكذب بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه بحكمة الحكيم ، ووصف المكذب به بأوصاف هم منها في غاية النفرة ، وصوّره بأشنع صورة بعثا لهم على التصديق وزجرا عن التكذيب ، فقال خاصا بالخطاب رأس الأمة إشارة إلى أنه لا يفهم هذا الأمر حق فهمه غيره :( أَرَأَيْتَ ) أي أخبرني يا أكمل الخلق( الَّذِي يُكَذِّبُ ) أي يوقع التكذيب لمن يخبره كائنا من كان( بِالدِّينِ ) أي الجزائي الذي يكون يوم البعث الذي هو محط الحكمة وهو غاية الدين التكليفي الآمر بمعالي الأخلاق الناهي عن سيئها ، ومن كذب

٥٤١

بأحدهما كذب بالآخر. ولما كان فعل الرؤية بمعنى أخبرني ، المتعدي إلى مفعولين ، كان تقدير المفعول الثاني : أليس جديرا بالانتقام منه.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على ما ذكر فيها مما هو جار على حكم الجهل والظلم الكائنين في جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله :( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ ) ( أَخْلَدَهُ ) وانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات الأولية ما ذكر فيها أيضا كالشغل بالتكاثر ، والطعن على الناس ولمزهم والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها أو أعمال من يتصف بها وإن لم يكن من أهلها كدع اليتيم ، وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به ، وعدم الحض على طعام المسكين ، والتغافل عن الصلاة والسهو عنها ، والرياء بالأعمال والزكاة والحاجات التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض ، ويمكن أن يتضمن إبهام الماعون هذا كله ، ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين بالإسلام ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب ، أي إن هؤلاء هم أهلها ، ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسّلام «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا»(١) وقوله عليه الصلاة والسّلام «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»(٢) وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة ، وقد بسطته في كتاب «إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل» فمن هذا القبيل عندي ـ والله أعلم ـ قوله تعالى :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) أي أن هذه الصفات من دفع اليتيم وبعد الشفقة عليه ، وعدم الحض على إطعامه والسهو عن الصلاة والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن هذه كلها من شأن المكذب بالحساب والجزاء لأن نفع البعد عنها إنما يكون إذ ذاك ، فمن صدق به جرى في هذه الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور ، ومن كذب به لم يبال بها وتأبط جميعها ، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها ، فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم الذي بايعتم عليه ، فمن تشبه بقوم فهو منهم ، فاحذروا هذه الرذائل فإن دع اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل ، وعدم الحض على إطعامه فإنما هو فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده ، والسهو عن الصلوات من ثمرات إلهاء التكاثر ، والشغل بالأموال والأولاد ، فنهى عباده عن هذه الرسائل التي يثمرها ما تقدم والتحمت السور ـ انتهى.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢ / ١٨٩ والبخاري ٣٤ ومسلم ٥٨ والترمذي ٢٦٣٢ والنسائي ٨ / ١١٦ عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.

(٢) أخرجه أحمد ٢ / ٣٧٦ والبخاري ٦٨١٠ مسلم ٥٧ والنسائي ٨ / ٦٤ والترمذي ٢٦٢٥ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

٥٤٢

ولما كان المراد بهذا الجنس ، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه ، عرفهم بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم ، وتدل عليهم وإن اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم ، فقال مسببا عن التكذيب ما هو دال عليه :( فَذلِكَ ) أي البغيض البعيد من كل خير( الَّذِي يَدُعُ ) أي يدفع دفعا عنيفا بغاية القسوة( الْيَتِيمَ ) ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من قلبه ، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف من الله سبحانه وتعالى ، فكان التكذيب بجزائه سببا للغلظة عليه.

ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير ، ولذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين »(١) كانت القسوة عليهم علامة على الشر ، وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلا بالبذل من ماله ، قال معرفا لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات ، وأسوإ الصفات الحامل على شر الحركات :( وَلا يَحُضُ ) أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثا عظيما يحمى فيبعث على المراد( عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه ، وتعبيره عن الإطعام ـ الذي هو المقصود ـ بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ما فرض الله من كفايته ، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث ـ إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف ، والآية من الاحتباك : الدع في الأول يدل على المقت في الثاني ، والحض في الثاني يدل على مثله في الأول.

ولما كان هذا حاله مع الخلائق ، أتبعه حاله مع الخالق إعلاما بأن كلّا منهما دالّ على خراب القلب وموجب لمقت الرب ، وأعظم الإهانة والكرب ، وأن المعاصي شؤم مهلك ، تنفيرا عنها وتحذيرا منها ، فسبب عنه قوله معبرا بأعظم ما يدل على الإهانة :( فَوَيْلٌ ) ولما كان الأصل : له ـ بالإضمار والإفراد ، وكان المراد ب «الذي» الجنس الصالح للواحد وما فوقه. وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته ، وكان من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع ، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور المحيطة للعمل ، عبر بالوصف تعميما وتعليقا للحكم به وشقه من الصلاة تحذيرا من الغرور ، وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء ، وأتى بصيغة الجمع تنبيها على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزمة لإهانة الأفراد

__________________

(١) تقدم في حديث طويل.

٥٤٣

من غير عكس فقال :( لِلْمُصَلِّينَ ) ولما كان الحكم إنما هو على ذات الموضوع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن المقصود إنما هو من كان مكلفا بالصلاة لأن من كان متلبسا بها مثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»(١) فلذلك وصفهم بقوله :( الَّذِينَ هُمْ ) أي بضمائرهم وخالص سرائرهم. ولما كان المراد تضييعهم قال :( عَنْ ) دون في( صَلاتِهِمْ ) أي هي جديرة بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها( ساهُونَ ) أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها وعدم المبالاة بها وقلة الالتفات إليها ، ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ «لاهون» وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتا يوجب أن لا يذكروها من ذات أنفسهم أصلا ، ولذلك كشفه بما بعده ، روى البغوي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل عن الآية فقال : «هو إضاعة الوقت»(٢) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ويصلونها إذا حضروا مع الناس.

ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له لغير الحاضر كالبهائم ، قال دالّا على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند الانفراد بالترك حسا ومعنى وعند الاجتماع بالإفساد في المعنى :( الَّذِينَ هُمْ ) أي بجملة سرائرهم( يُراؤُنَ ) أي بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون الخير ليراهم الناس فيروهم الثناء عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم يستحقونه من السيف عنهم ، لا لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله سبحانه وتعالى ، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس.

ولما كان من كان بهذه الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء ، بين أنهم غلب عليهم الشح حتى أنهم مع كثرة الرياء منهم لم يقدروا على أن يراؤوا بهذا الشيء التافه ، فانسلخوا من جميع خلال المكارم ، فقال إبلاغا في ذمهم إشعارا بأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله :( وَيَمْنَعُونَ ) أي على تجدد الأوقات ، وحذف المفعول الأول تعمما حتى يشمل كل أحد وإن جل وعظمت منزلته ولطف محله من قلوبهم

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ١٥٠ و ٢١٨ وابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٩ وأبو داود ٦٤١ والترمذي ٣٧٧ وابن ماجه ٦٥٥ وابن حبان ١٧١١ والبيهقي ٢ / ٢٣٣ والحاكم ١ / ٢٥١ والبغوي ٥٢٧ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأعلّه الدار قطنيرحمه‌الله تعالى بالوقف والحاكم بالإرسال كما في تلخيص الحبير انظره ١ / ٢٧٩.

(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٧ / ٣٠٠ قال الهيثمي : عكرمة بن إبراهيم ضعيف جدا ا ه وأخرجه البزار وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا كما في المجمع ٢ / ٨٠ قال الهيثمي : قال البزار رواه الحفّاظ موقوفا ولم يرفعه غيره ا ه. يقصد عكرمة راوي الحديث وأخرجه الطبري في التفسير ٣٠ / ٣١١ والبيهقي في السنن ٢ / ٢١٤ وذلك كله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال البيهقي : هذا الحديث إنما يصح موقوفا.

٥٤٤

تعريفا بأنهم بلغوا من الرذالة دركة ليس وراءها للحسد موضع( الْماعُونَ ) أي حقوق الأموال والشيء اليسير من المنافع مثل إعارة التافه من متاع البيت التي جرت عادة الناس أن يتعاوروه بينهم ، ويمنعون أهل الحاجة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق ، والحاصل أنه ينبغي حمل ذلك على منع ما يجب بذله مثل فضل الكلأ والماء والزكاة ونحوه ليكون موجبا للويل ، وعلى الزكاة حمله علي وابن عمر رضي الله عنهما والحسن وقتادة ، قال العلماء : هو مأخوذ من المعن ، وهو في اللغة الشيء اليسير ، ولذلك فسره بعضهم بالماء وبعضهم بما يعار من المتاع نحو القدر والفأس. والدلو ، وبعضهم بالزكاة لأنه لا يؤخذ من المال على وجه الزكاة إلا شيء يسير جدا بالنسبة إليه ، وقيل : هو كل عطية أو منفعة ، وقال قطرب : هو فاعول من المعن ، والمعن : المعروف ، وقال أبو عبيدة : الماعون في الجاهلية العطاء والمنفعة وفي الإسلام الزكاة ، وقال الهروي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو العارية ـ ذكر هذا الأستاذ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي ، وقال ابن جرير : وأصل الماعون من كل شيء منفعته. فدل ذلك على أنهم بلغوا نهاية التكذيب باستهانتهم بأعظم دعائم الدين واستعظامهم لأدنى أمور الدنيا ، وهذا الآخر كما ترى هو الأول لأن الذي جر إليه هو التكذيب ، ومن منع هذه الأشياء التافهة كان جديرا بأن يمنع ورود الكوثر في يوم المحشر ، وكما التقى آخرها بأولها التقت السورة كلها مع مناظرتها في العدد من أول القرآن ، وذلك أنه قد علم أن حاصل هذه السورة الإبعاد عن سفساف الأخلاق ورديها ودنيها من التكذيب بالجزاء الذي هو حكمة الوجود المثمر للإعراض عن الوفاء بحق الخلائق وطاعة الخالق ، والانجذاب مع النقائص إلى الاستهانة بالضعيف الذي لا يستهين به إلا أنذل الناس وأرذلهم ، والرياء الذي لا يلم به إلا من كان في غاية الدناءة ، فكان ذلك موجبا للميل إلى أعظم الويل ، وفي ذلك أعظم مرغب في معالي الأخلاق التي هي أضداد ما ذكر في السورة وكلا الأمرين موجود في الأنفال المناظرة لها في رد المقطع على المطلع على أتم وجه ، ليكون ذلك إشارة إلى أنها شارحة لهذا ففيه الإيماء إلى ملاحظتها عند قراءتها ، انظر إلى قوله تعالى :( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) [الأنفال : ٤] الآية وإذا( قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) [الأنفال : ٣٢] الآية( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) [الأنفال : ٣٥]( وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) [الأنفال : ٣٦] الآية( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [الأنفال : ٤١] الآية ولقد انطبقت السورة بمعانيها وتراكيبها العظيمة ونظومها ومبانيها على الأراذل الأدنياء الأسافل ، وأحاطت برؤوسهم

٥٤٥

بعد كلماتها مفردة قبل حروفها ، وأدارت عليهم كؤوس حتوفها من نوافذ الرماح بأيدي جنودها ومواضي سيوفها ، وذلك أن عدة كلماتها خمس وعشرون كلمة فإذا اعتبرتها من أول سني النبوة وازت السنة الثانية عشرة من الهجرة ، وذلك أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه ، وفيها لم يبق على يده أحد من المصلين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو منعوا الزكاة ، فتبين أنهم ما كانوا يصلون في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويزكون إلا رياء الناس فعل الأدنياء الأنجاس حتى حل بهم الويل بأيدي جنود الصديق الذين جاؤوهم بالرجل والخيل فمزقوهم عن آخرهم ، ولم تمض تلك السنة إلا وقد فرغ منهم بالفراغ من بني حنيفة باليمامة وأطراف بلاد اليمن من أهل النجير ببلاد كندة والأسود العنسي من صنعاء ، وما مضت سنة ست عشرة الموازية لعدد الكلمات بالبسملة ـ وذلك في أوائل خلافة الفاروق ـ حتى زالوا من جميع جزيرة العرب وهم مشركو العرب ومتنصروهم ومتمجسوهم الذين كانوا بنواحي العراق والشام والبحرين فأسلم أكثرهم ، وذهب الباقون إلى بلاد الروم ، فحل الويل بالمرائين من أهل الصلاة فإنهم الذين أتى إليهم نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالصلاة فأعرضوا عنها والناس لهم تبع ، ولم يصح في هذه السورة اعتبار الضمائر لأن الدين في هذا الحد كان قد ظهر على كل ظاهر ، إلى حد لا إضمار فيه بوجه ولا عائق له ولا ساتر ، وكما أنه لا حاجة إلى الرمز بالضمائر ، لما دقت له في الخافقين من البشائر ، على رؤوس المنابر والمنائر ، فكذلك لم يناسب بعد الوصول إلى هذا الحال المكشوف ، للإيماء بالدلالة بإعداد الحروف ـ والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب.

٥٤٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الكوثر

مكية ـ آياتها ثلاث

وتسمى النحر

مقصودها المنحة بكل خير يمكن أن يكون ، واسمها الكوثر واضح في ذلك ، وكذا النحر لأنه معروف في نحر الإبل ، وذلك غاية الكرم عند العرب( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الجواد الأكرم الذي لا حد لفائض فضله( الرَّحْمنِ ) الذي شمل الخلائق بجوده وفاوت بينهم في صوب وبله( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بالاهتداء بهديه والاعتصام بحبله.

( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) )

لما كانت سورة الدين بإفصاحها ناهية عن مساوىء الأخلاق ، كانت بإفهامها داعية إلى معالي الشيم ، فجاءت الكوثر لذلك ، وكانت الدين قد ختمت بأبخل البخلاء وأدنى الخلائق : المنع تنفيرا من البخل ومما جره من التكذيب ، فابتدئت الكوثر بأجود الجود. العطاء لأشرف الخلائق ترغيبا فيه وندبا إليه ، فكان كأنه قيل : أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون :( إِنَّا ) بما لنا من العظمة وأكد لأجل تكذيبهم :( أَعْطَيْناكَ ) أي خولناك مع التمكين العظيم ، ولم يقل : آتيناك ، لأن الإيتاء أصله الإحضار وإن اشتهر في معنى الإعطاء( الْكَوْثَرَ ) الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين.

ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره ، فكيف بالملك فكيف بملك الملوك ، فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا كان في مظهر العظمه ، فكيف إذا بنيت الصيغة على الواو الذي له العلو والغلبة فكيف إذا أتت إثر الفتحة التي لها من ذلك مثل ذلك بل أعظم ، كان المعنى : أفضنا عليك وأبحناك من كل شيء من الأعيان والمعاني من العلم والعمل وغيرهما من معادن الدارين ومعاونهما الخير الذي لا غاية له ، فلا

٥٤٧

يدخل تحت الوصف ، فأغنيناك عن أن تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر ، ومنه النهر الذي في الجنة ويسقي المؤمنين من الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم ، فقد اجتمع لك الغبطتان : أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما نهى عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا ، أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون ، وهو الكوثر وهو الخير الكثير ، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة ، لا يظمأ من شرب منه ، ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق وإراحتهم من هول الموقف ، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [يونس : ٥٨] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين ، الجامع لعقل الأولين والآخرين ، والشفاء لما في الصدور.

ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه نعيم الدنيا بجملتها ، قال مبينا له منبها على عظيم ما أعطاه( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا ) [الحجر : ٨٨] إلى قوله( وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ) فقد اضمحل في جانب نعمة الكوثر الذي أوتي كلّ ما ذكره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا وتمكن من تمكن منهم ، وهذا أحد موجبات تأخير هذه السورة ، فلم يقع بعدها ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض وتمامه ، وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شيء من ذلك كما تقدم من تمهيد إشاراتها ، وتبين بهذا وجه تعقيبها بها ـ والله تعالى أعلم ـ انتهى.

ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه ، سبب عنه قوله آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر :( فَصَلِ ) أي بقطع العلائق من الخلائق بالوقوف بين يدي الله في حضرة المراقبة شكرا لإحسان المنعم خلافا للساهي عنها والمرائي فيها.

ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من العلو ، وكان أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تكوينيا لا إباء معه ، وقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب ، والإقبال لما يفيد من التحبيب ، مع التصريح بالتوحيد ، وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكرا فقال تعالى :( لِرَبِّكَ ) أي المحسن إليك بذلك سرا وعلنا مراغما من شئت فلا سبيل

٥٤٨

لأحد عليك( وَانْحَرْ ) أي أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لم يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين ، وإذا أطلق العرب المال انصرف إلى الإبل ، ولذا عبر عن هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه من الذبح للأوثان ، ومن معناه أيضا أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة بوضع اليمنى على اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع ، وقد قابل في هذا أربعا من سورة الدين بأربع ، وهي البخل بالإعطاء ، وإضاعة الصلاة بالأمر بها ، والرياء بالتخصيص بالرب ، ومنع الزكاة بالنحر.

ولما أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق ، والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق ، علله بما حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلم به فقال :( إِنَّ شانِئَكَ ) أي مبغضك والمتبرىء منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال ، والخصال الفاضلة والكمال( هُوَ ) أي خاصة( الْأَبْتَرُ ) أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر ، لا يعقبه من يقوم بأمره ويذكر به وإن جمع المال ، وفرغ بدنه لكل جمال ، وأنت الموصول الأمر ، النابه الذكر ، المرفوع القدر ، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه ، فإنهم أقل من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضراتنا الشريفة ، والافتخار بالعكوف في أبوابنا العالية المنيفة ، لك ما أنت عليه ، ولهم ما هم فيه ، فالآية الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما ، فقد التف كما ترى مفصلها بموصلها ، وعرف آخرها من أولها ، وعلم أن وسطاها كالحدود الوسطى معانقة للأولى بكونها من ثمارها ، ومتصلة بالأخرى لأنها من غايات مضمارها ، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا ، لم يبق لأحد من مبغضيه ذكر بولد ولا تابع ، ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع ، وأما هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض ، وهم الأشراف مع مبالغة الملوك في قتلهم ، وإخلاء الأرض من نسلهم ، خوفا من شرفهم العالي على شرفهم ، ورفعتهم بالتواضع الغالب لصلفهم ، وإذا راجعت آية( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ ) [الأحزاب : ٤٠] من الأحزاب علمت أن توفي بنيهعليهم‌السلام قبله من إعلاء قدره ومزيد تشريفه بتوحيد ذكره ، وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر الأرض وهم أولو الفرقان ، والعلم الباهر والعرفان ، ويؤخذ منها أن من فرغ نفسه لربه أهلك عدوه وكفاه كل واحد منهم ، وقد علم أن حاصل هذه السورة المن عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالخير العظيم الذي من جملته النهر المادّ من الجنة في المحشر المورود لمن اتبعه ، الممنوع ممن تأبى عنه وقطعه ، وأمره بالصلاة والنحر للتوسعة على

٥٤٩

المحاويج ، والبشارة بقطع دابر أعدائه ونصر جماعة أوليائه ، كما أن من مقاصد الأعراف المناظرة لها في رد المقطع على المطلع تهديد الظالمين بالإهلاك في قوله( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) [الأعراف : ٤] ، وتصوير ذلك بذكر مصارع الماضين لمخالفتهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام والأمر بالصلاة وستر العورة وما يقصد بالنحر بقوله( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) الآيات [الأعراف : ٣١] ، وذكر من يمنح ماء الجنة ومن يمنعه بقوله تعالى :( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) الآيات [الأعراف : ٥٠] ، وقوله تعالى :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ ) [الأعراف : ١٥٧] هذا ما يتعلق بتفسير تراكيبها وجملها ، وتأويل تفاصيلها ومجملها ، وكذا نظيرتها في مبادىء أمرها ومكملها ، ثم إن هذه السورة عشر كلمات في الكتابة إشارة إلى أن تمام بتر شانئه يكون مع تمام السنة العاشرة من الهجرة ، وكذا كان ، لم تمض السنة الحادية عشرة من الهجرة وفي جزيرة العرب إلا من يرى أشرف أحواله بذل نفسه وماله في حبه ، وإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت اثنتا عشرة ، وفي السنة الثانية عشرة من النبوة بايعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار على منابذة الكفار ، وإذا أضيف إلى العشرة الضمائر البارزة الخمسة كانت خمس عشرة ، فتكون إشارة إلى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند تمام السنة الخامسة عشرة من نبوته يبسط يده العالية لبتر أعدائه وكذا كان في وقعة بدر الرفيعة القدر ، ففي ضمائر الاستتار كانت البيعة وهي مستترة ، وفي الضمائر البارزة كانت بدر وهي مشتهرة ، وإذا أضيف إلى ذلك الضميران المستتران كانت سبع عشرة ، وفي السنة السابعة عشرة من نبوته كانت غزوة بدر الموعد ، وفى فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالوعد في الإتيان إلى بدر للقاء قريش للقتال ومقارعة الأبطال ، فآذنهم الله فلم يأتوا ، وإنما اعتبر ما بعد الهجرة من أحوال النبوة عند ما عدت الكلمات الخطية العشر لكونها أقوى أحوال النبوة كما أن الكلمات الخطية أقوى من الضمائر وإن اشترك الكل في اسم الكلمات ، فلذلك أخذ تمام البتر للشانىء وهو ما كان في السنة الحادية عشرة من هلاك أهل الردة وثبات العرب في صفة الإسلام. ولما ضمت الضمائر البارزة الخمسة ـ التي هي أقرب من المستترة ـ إلى الكلمات الخطية وأضعف من الكلمات الخطية اعتبر من أول السورة لمناسبة ما كان من ضعف الحال فيما كان قبل الهجرة ، فوازى ذلك السنة الثانية من الهجرة التي كانت فيها غزوة بدر الكبرى ، وهي وإن كانت من العظم على أمر بالغ جدا لكنها كانت على وجه مخالف للقياس ، فإن حال الصحابة رضي الله عنهم كان فيها في غاية الضعف ، ولكونها أول ما

٥٥٠

وقع فيه النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مذعنة لأن ما بعدها يكون مثلها ، فإذا ضم إلى ذلك الضميران المستتران ـ وهما أضعف من البارز ـ انطبق العدد على سنة غزوة بدر الموعد في سنة أربع ، وهي وإن كانت قوية لكون قريش ضعفوا عن اللقاء لكن كان حالها أضعف من بدر التي وقع فيها القتال وأستر ، وكون كلماتها الخطية والاصطلاحية التي هي أبعاض الكلمات الخطية سبع عشرة مؤذن بأن الأمر في( فَصَلِ ) مصوب بالذات وبالقصد الأول إلى الصلوات الخمس التي هي سبع عشرة ركعة ، وأن من ثابر عليها كان مصليا خارجا من عهدة الأمر ، فإذا قصدت في السفر بما اقتضته صفة التربية بالإحسان نقصت بقدر عدة الضمائر سوى الذي وفى الأمر بها لأن الأمر الناشىء عن مظهر العظمة لا يليق فيه التخفيف بنفسه كلمة الأمر ، وإذا أضفنا إليها كلمات البسملة الأربعة كان لها أسرار كبرى من جهة أخرى ، وذلك أن الكلمات الخطية تكون أربع عشرة إشارة إلى أن ابتداء البتر للأضداد يكون بالقوة القريبة من الفعل بالتهييء له في السنة الرابعة عشرة من النبوة ، وذلك عام الهجرة ، فإذا أضفنا إليها الضمائر البارزة التي هي أقرب إلى الكلمات الخطية وهي خمسة كانت تسع عشرة ، وفي السنة التاسعة عشرة من النبوة وهي السادسة من الهجرة كان الفتح المبين على الشانئين الذي أنزل الله فيه سورة الفتح ، فإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين وهي سنة ثمان من الهجرة سنة الفتح الأكبر الذي عم العلم فيه بأن الشانىء هو الأبتر ، وإذا اعتبرت حروفها المتلفظ بها كانت أربعة وأربعين حرفا ، فإذا ناظرتها بالسنين من أول حين النبوة كان آخرها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة ، وهي سنة البتر الأعظم لشانئه الأكبر الذي مزق كتابه ، وكان مالكا لبلاد اليمن ، وهو قدر كبير من بلاد العرب وكذا لغيرهم مما قارب بلاده ، وكانت قريش تجعله من عدادهم كما مضى بيانه في سورة الروم وهو كسرى ملك الفرس ، ففيها كان انقراض ملكهم بقتل آخر ملوكهم يزدجرد ، كما أنك إذا اعتبرت كلماتها الخطية مع الضمائر البارزة التي هي كلمات اصطلاحية دون ما استتر ـ فإن وجوب استتاره منع من عده ـ كانت تسع عشرة كلمة ، فإن اعتبرت بها ما بعد الهجرة وازت وقت موت قيصر طاغية الروم في سنة تسع عشرة من الهجرة أهلكه الله ، وقد تجهز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه ، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم فكسر الله بموته شوكة الروم ، واستأسدت العرب عند ذلك ، فكانت الأحرف مشيرة إلى بتر الشانىء من الفرس ، والكلمات مشيرة إلى بتر الشانىء من الروم والفرس أولى بإشارة الأحرف لأنهم ليسوا بذوي علم ، والروم بالكلمات لأنهم أهل علم ، والكلمات أقرب إلى العلم ، وإذا اعتبرت أحرف البسملة اللفظية كانت ثمانية عشر حرفا ، فإذا

٥٥١

جعلتها سنين من أول النبوة كان آخرها سنة خمس من الهجرة ، وفيها كانت غزوة الأحزاب ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد انصرافهم منها «الآن نغزوهم ولا يغزونا »(١) فهو أول أخذ الشانىء في الانبتار ، وإذا اعتبرت الأحرف بحسب الرسم كانت تسعة عشر آخرها سنة ست ، وهي عمرة الحديبية سنة الفتح السببي وهو الصلح الذي نزلت فيه سورة الفتح وسماه الله فتحا ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه أعظم الفتح »(٢) فكان سبب الفتح الأعظم بخلطة الكفار لأهل الإسلام بالصلح ، فأسرعوا إلى الإسلام بالدخول فيه لما رأوا من محاسن الدين وإعجاز القرآن ، فكانوا يوم الفتح عشرة آلاف بعد أن كانوا قبل ذلك بسنتين يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ـ والله الموفق ، هذا يسير من أسرار هذه السورة وقد علم منه من إعجازها ما يشرح الخواطر ويبهج النواظر ، لأنه يفوق حسنا على الرياض النواضر ، وعلم أيضا جنون الخبيث المسخرة مسيلمة الكذاب ـ عليه اللعنة والتباب ، وله سوء المنقلب والمآب ، حيث قال في معارضتها : إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وهاجر ، إنا كفيناك المكابر أو المجاهر ، لأنه كلام ، مع أنه قصير المدى ، ركيك اللحمة والسدى ، غريق الساحة والفنا في الهلك والفنا ، ليس فيه غنى ، بل كله نصب وعنا ، هلهل النسج رث القوى ، منفصم العرى ، مخلخل الأرجا ، فاسد المعنى والبنا ، سافل الألفاظ مر الجنى ، لأن العلل منافية للمعلولات ، والشوامل منافرة للمشمولات ، ثم رأيت في دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني أن الوسطى من قال : العاهر وجاهر فإن كان بالدين لم يمنع الصدح بالباطل ، وذلك لا يرضى به عاقل ، وإن كان بالحرب كان على النصف لكل من تدبر فعرف ، ولا نص فيه على الغلب بمطلوبيه ، ولا طلب مع نقص الجود على كل تقدير ، الذي هو المقصود للغني والفقير ، والمأمور والأمير ، هذا مع الإغارة على الأسلوب والحذو على المعهود غير محاذ( فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) [البقرة : ١٧٩] في إسقاط «القتل أنفى للقتل» بالرشاقة مع الوجازة ، والعذوبة مع البلاغة ، في إصابة حاق المعنى بما يقود إلى السماح بالنفس ، ويحمل على المبادرة إلى امتثال الأمر ، والأولى من سخيف عقل الخسيف ، وأكله؟ إلى الخلق مع نقصان المعنى السار للإسرار والأخرى مهملة لذوي الشبه والستر مع ما فاتها من قصر الخسار وخصوص التبار إلى ما حوت من بيان الكذب البتار للأعمار المخرب للديار تصديقا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم البار بأيدي صحابته الأخيار ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ـ فسبحان من علا فعلا كلامه كل كلام والسّلام والحمد لله على كل حال.

__________________

(١) تكرر مرارا.

(٢) تقدم في سورة الفتح.

٥٥٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الكافرون

مكية ـ آياتها ست

وتسمى الإخلاص والمقشقشة

مقصودها إثبات مقصود الكوثر بالدليل الشهودي على منزلها كامل العلم شامل القدرة لأنه المنفرد بالوحدانية ، فلذلك لا يقاوى من كان معه ، ولذلك لما نزلت قرأهاصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليهم في المسجد أجمع ما كانوا ، وهذا المراد بكل من أسمائها. أما الكافرون فمن وجهين ، ناظر إلى إثبات ، وناظر إلى نفي ، أما المثبت فمن حيث إنه إشارة إلى تأمل جميع السورة من إطلاق البعض على الكل ، وأما النافي فمن جهة أنهم إنما كفروا بإنكار ما هو مقصودها إما صريحا كالوحدانية وتمام القدرة ، وإما لزوما وهو العلم فإنه يلزم من نقص القدرة نقصه ، وأما الإخلاص فلأن من اعتقد ذلك كان مؤمنا مخلصا بريئا من كل شرك وكل كفر ، وأما القشقشة فلأنها أبرأت من كل نفاق وكفر ، من قولهم : تقشقشت قروحه ـ إذا تقشرت للبرء ، وعندي أنه من الجمع أخذا من القش الذي هو تطلب المأكول من ههنا وههنا فإنها جمعت جميع أصول الدين ، فأثبتتها على أتم وجه ، فلزم من ذلك أنها جمعت جميع أنواع الكفر فحذفتها ونفتها ، وقد تقدم تمام توجيه ذلك في براءة فأمرهما دائر على الإخلاص ، ومن المعلوم أن من أخلص لله كان من أهل ولايته حقا ، فحق له ما يفعل الولي مع وليه ، ولذلك ـ والله أعلم ـ سنت قراءتها مع( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) في ركعتي الفجر ليجوز فاعل ذلك بالبراءة من الشرك والاتصاف بالتوحيد أول النهار ثمرة ما ورد أن من صلى الصبح كان في ذمة الله ، ومن كان كذلك كان جديرا بأن ينال ما أشارت إليه السورتان اللتان بين سورتي الإخلاص من الفتح له والنصر والخيبة لعدوه والخسر والحسرة :( بِسْمِ اللهِ ) المحيط علما وقدرة ، فهو الواحد الذي لا يستطيع أحد أن يقدر قدره( الرَّحْمنِ ) الذي عم برحمة البيان من أوجب عليهم شكره( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وده فالتزموا نهيه وأمره.

( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما

٥٥٣

أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) )

لما أخبره في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم ، وجب أن يعرض عنه ويقبل بكليته على من أنعم عليه بذلك ، فقال معلما له ما يقول ويفعل :( قُلْ ) ولما كان شائنه أعرق الخلق في الضلال والبعد من الخير ، قال مناديا له بأداة البعد وإن كان حاضرا معبرا بالوصف المؤذن بالرسوخ :( يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ ، وهم كفرة مخصوصون وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع ، وبما دل عليه التعبير بالوصف دون الفعل ، واستغرقت اللام كل من كان على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان ، وإنما عبر بالجمع الذي هو أصل في القلة وقد يستعار للكثرة إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإشارة إلى حقارة الكافر وذلته وإن كان كثيرا ـ كما يشير إليه جعل كل كلمة منها بحرف من الكوثر كما سيأتي ، وفي مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وحميتهم إيذان بأنه محروس منهم علما من أعلام النبوة.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما انقضى ذكر الفريقين المتردد ذكرهما في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره على اختلاف أحوال كل فريق وشتى درجاتهم ، وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى :( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فهذا طريق أحد الفريقين ، وفي قوله :( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) إشارة إلى طريق من كان في الطرف الآخر من حال أولئك الفريق إذ ليس إلا طريق السلامة أو طريق الهلاك( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) [الشورى : ٧]( فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) [التغابن : ٢] والسالكون طريق السلامة فأعلى درجاتهم مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، ثم يليهم أتباعهم من صالحي العباد وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل الخصوص منهم والقرب من أحوال من تنسك منهم ، ورتبتهم مختلفة وإن جمعهم جامع وهو قوله :( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ ) وأما أهل التنكب عن هذا الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضا ، ويضم جميعهم طريق واحد فكيفما تشعبت الطرق فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما ، وباختلاف سبل الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت ، ذكر كله تفصيلا لا يبقى معه ارتياب لمن وفق ، فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به ، وتداولت بيانه الآي من لدن قوله بعد أم القرآن( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) [البقرة : ٢] إلى قوله :( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) أتبع ذلك بالتفاصيل والتسجيل فقال تعالى :( قُلْ

٥٥٤

يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) فبين سبحانه أن من قضي عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك ، ولا يقع منه الإيمان أبدا( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) [الأنعام : ١١١] ولو أنهم بعد عذاب الآخرة ومعاينة العذاب والبعث وعظيم تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا وقولهم :( رَبَّنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً ) غير الذي كنا نعمل [السجدة : ١٢] فلو أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) [الأنعام : ١٢٨] تصديقا لكلمة الله وإحكاما لسابق قدره( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) [الزمر : ١٩] فقال لهم :( لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ) إلى آخرها ، فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال ، واستمر كل على طريقه( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ ) عليم( حَسَراتٍ ) [فاطر : ٨]( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) [الشورى : ٤٨] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما قصد في الكتاب يلح لك وجه تأخيرها ـ والله أعلم ـ انتهى.

ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه ، وأنه لا يبالي بهم بوجه لأنه محفوظ منهم ، قال مؤذنا بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة ، بادئا بالبراءة من جهته لأنها الأهم :( لا أَعْبُدُ ) أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن( لا ) للمستقبل و( ما ) للحال ، كذا قالوا ، وظاهر عبارة سيبويه في قوله : (لن) نفي لقوله : سيفعل (ولا) لقوله : يفعل ، ولم يقع : أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا ، كما نقلته عنه في أول البقرة عند( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) [البقرة : ٢٤] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن فيصير مستقبلا ، فلذا عبر ب «لا» دون «ما» بشارة بأنه سبحانه يثبته على الصراط المستقيم ، ولا يظفرهم به ـ علما من أعلام النبوة.

ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل ، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى الله ، عبر ب «ما» فقال :( ما تَعْبُدُونَ ) أي الآن وفي آتي الزمان من دون الله من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن لأنه لا يصلح للعبادة بوجه.

ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من الشرك ، والطهارة من وضر الإفك ، لأنه من درء المفاسد ، فأبلغ في ذلك بما هو الحقيق بحالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانوا هم يعبدون الله تعالى على وجه الإشراك ، وكانت العبادة مع الشرك غير معتد بها بوجه ، نفى عبادتهم له في الجملة الاسمية الدالة على الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي كل قليل

٥٥٥

وكثير من حيث إن الفعل نكرة في سياق النفي فقال :( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ) أي عبادة معتدا بها بحيث يكون أهلا لأن تكون وصفا ثابتا.

ولما كانوا لا نزاع لهم في أن معبوده عالم ، وكانت «ما» صالحة للإطلاق عليه سبحانه وتعالى ، عبر فيه أيضا بها لأن ذلك ـ مع أنه لا ضرر فيه ـ أقرب إلى الإنصاف ، فهو أدعى إلى عدم المراء أو الخلاف ، فقال :( ما أَعْبُدُ ) أي الآن وما بعده لأن معبودي ـ وله العلم التام والقدرة الشاملة ـ أبعدكم عنه فلا مطمع في الوفاق بيننا.

ولما كان ما نفى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يدخل فيه الماضي ، وكان عدم المشاركة بوجه من الوجوه في زمن من الأزمان أدل على البراءة وأقعد في دوام الاستهانة ، وكانوا يعدون سكوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عنهم فيما قبل النبوة عبادة ، وكانوا غير مقتصرين على عبادة أصنامهم التي اتخذوها ، بل إذا خرجوا من الحرم فنزلوا منزلا نظروا لهم حجرا ليستحسنوه فيعبدونه ، فإن لم يروا حجرا جمعوا شيئا من تراب وحلبوا عليه شيئا من لبن وعبدوه ما داموا في ذلك المنزل ، وكان ذلك من أشد ما يعاب به من جهة عدم الشباب وأنه لا معبود لهم معين ، قال منبها على ذلك كله :( وَلا أَنا عابِدٌ ) أي متصف بعبادة( ما عَبَدْتُّمْ ) أي فيما سلف ، لم يصح وصفي قط بعبادة ذلك من أول زمانكم إلى ساعاتنا هذه ، فكيف ترجون ذلك مني وأنا لم أفعله ولا قبل النبوة ولا كان من شأني قط.

ولما كان هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثابتا على إله واحد لم يعبد غيره ولم يلتفت يوما لفت سواه ، وكان قد انتفى عنه بالجملتين هذه الماضية والتي أول السورة أن يعبد باطلهم حالا أو مآلا ، وأن يكون عبده قبل ذلك ، وكان ربما ظن ظان أن النفي عنهم إنما هو لعبادة معبوده في الحال ، نفى ذلك في الاستقبال أيضا علما من أعلام النبوة مع تأكيد ما أفادته الجملة الماضية جريا على مناهيج العرب في التأكيد قطعا لآمالهم منه على أتم وجه وآكده لأنه على وجه لا يقدرون عليه لما تفيده كل جملة مع التأكيد من فائدة جديدة مهمة ، فقال :( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ) أي عبادة هي لكم وصف معتد به في الحال أو الاستقبال.

ولما لم يكن قبل البعث مشهورا عندهم بعبادة الله سبحانه وتعالى ، عبر بما لا يتوجه لهم إليه إنكار ، وهو المضارع الذي ظاهره الحال أو الاستقبال مرادا به ما يشمل الماضي لما ذكر أبو حيان وغيره في سورة الحج عند( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) [الحج : ٢٥] من أنه يطلق المضارع مرادا به مجرد إيقاع الفعل من غير نظر إلى زمان معين ، فقال :( ما أَعْبُدُ ) أي وجدت مني عبادته واتصفت بها الآن وفي ماضي الزمان ومستقبله اتصافا يعتد به.

٥٥٦

ولما كان ذلك كله ، وبدأ النفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إيذانا بالاهتمام ببراءته منهم ، أنتج قطعا قوله مقدما لما يتعلق بهم على وجه اختصاصهم به تأكيدا لما صرح به ما مضى من براءته منهم :( لَكُمْ ) أي خاصة( دِينُكُمْ ) أي الذي تعلمون أنه لا أصل له يثبت عليه ، ولا دليل يرجع بوجه إليه ، لا أشارككم فيه بوجه ولا ترجعون عنه بوجه بل تموتون عليه موتا لبعضكم حتف الأنف والآخرين قتلا على يدي بالسيف( وَلِيَ ) أي خاصة( دِينِ ) من واسع روضة الإسلام إلى أعلى مقام : مقام الإيقان والإحسان ، وأنتم تعلمون ـ لو جردتم عقولكم عن الهوى وأخلصتم أفكاركم من الحمية والإبا ـ أنه كله دليل وفرقان ونور وحجة وبرهان ، لا تشاركونني فيه بوجه ، ولا تقدرون على ردّي عنه أصلا ، فكانت هذه علما من أعلام النبوة من حيث إنه مات منهم ناس كثير بعد ذلك على الكفر وأتم الله له هذا الدين ، فصدق سبحانه فيما قال ، وثبت مضمون الكوثر بأكمل استدلال ، وأما من آمن بعد ذلك فليس مرادا لأنه لم يكن عريقا في وصف الكفران ، ولا راسخا في الضلال والطغيان ، فأسعده وصف الإسلام والإيمان ، وساق الجمل كلها غير مؤكد إشارة إلى أنها من الوضوح في حد لا خفاء به أصلا ، ولا شك أن آخرها الذي هو اختصاص كل بدينه هو أولها الذي أفاد أنه لا يعبد معبودهم ولا يعبدون معبوده فصار آخرها أولها ، ومفصلها موصلها ـ هذا هو الذي دل عليه السياق ، وليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليحتاج إلى نسخ ، ومن أعظم الدلائل إعجازها وجمعها للمعاني في إشارتها وإيجازها أن حاصلها قطع رجاء أهل الكفران من أن يقاربهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أن يعدل بربه أحدا في زمن من الأزمان ، وذلك من أعظم مقاصد المناظرة لها في رد الآخر على أول الأنعام لأنها السادسة في العد من الأول ، كما أن هذه السادسة في العد من الآخر( أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ) [الأنعام : ١٤]( أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً ) [الأنعام : ١١٤]( أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [الأنعام : ١٦٤] إلى غير ذلك من الآيات ، والفواصل والغايات ، هذا ما يتعلق بمعاني تراكيبها ونظومها على ما هي عليه وتراتيبها وسياقاتها وأساليبها ، وكلماتها الخطية سبع وعشرون إلى أربع كلمات البسملة إحدى وثلاثون إلى أربعة ضمائر مستترة خمس وثلاثون إلى تسعة بارزة ، فتلك أربع وأربعون كلمة الضمائر منها ثلاثة عشر هي مدة الإقامة بمكة المشرفة قبل الهجرة لأنها في الخفاء كالضمائر في خزائن السرائر ، ولا سيما الأربع الأول منها الموازية لضمائر الاستتار وغير الضمائر إحدى وثلاثون المناظر لها من السنين سنة إحدى وثلاثين ، وهي سنة قتل يزدجرد ملك الفرس أكفر الكفرة من أهل ذلك الزمان وأعتاهم ، وموافقة كلماتها في العدة لأحرف الكوثر مشيرة إلى أن

٥٥٧

اليسير من أتباعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أكثر وأكبر من كثير شانئيه وأضداده وحاسديه ، وقد دل على ذلك شاهد الوجوه في يوم الفتح والمسلمون عشرة آلاف ، والكفار من قريش وممن حولهم لا يحصون كثرة ، وقد كان فعلهم في ذلك اليوم ما شهد به اعتذار حماس الذي كان يعد امرأته أن يخدمها بعض المسلمين في قوله وقد فر هاربا ولم يستطع أن يغلق وراءه ، بل قال لها : أغلقي بابي ، فقالت له : أين ما كنت تعدني به؟ فقال :

إنك لو شهدت يوم الخندمه

إذ فر صفوان وفر عكرمه

واستقبلتهم بالسيوف المسلمه

يقطعن كل ساعد وجمجمه

ضربا فلا يسمع إلا غمغمه

بهم تهيب خلفنا وهمهمه

لم تنطقي باللوم أدنى كلمه

هذا مع أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أوصاهم ألا يقاتلوا إلا من بدأهم بالقتال. وهذا مع ما كان من أهل الإسلام حين قصدهم الكفار يوم الخندق والمشركون في عشرة آلاف وهم لا يبلغون ربعهم ولا مدد لهم ممن حولهم ولا ناصر إلا الله ، بل جاءتهم الأعداء ـ كما قال الله تعالى :( مِنْ ) فوقهم( وَمِنْ أَسْفَلَ ) منهم [الأحزاب : ١٠]( وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ) [الأحزاب : ٢٢] وإلى هذا أيضا أشار بلوغ عدد كلمات النصر خطيها واصطلاحيها ظاهرها ومستترها إلى عدد كلمات الكافرون الخطية ، فذلك رمز إلى أن أضعف أهل الإسلام لا يضعف عن مقاومة أقوى أهل الكفر وأرسخهم في كل صفة يريدها ـ والله هو الموفق.

٥٥٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النصر

مدنية ـ آياتها ثلاث

وتسمى التوديع

مقصودها الإعلام بتمام الدين اللازم عن مدلول اسمها النصر ، اللازم عنه موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، اللازم عنه العلم بأنه ما برز إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض كلمة الشيطان ـ لعنة الله تعالى عليه ـ اللازم عنه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خلاصة الوجود ، وأعظم عبد للولي الودود ، وعلى ذلك أيضا دل اسمها التوديع وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجة الوداع( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الأمر كله ، فهو العليم الحكيم( الرَّحْمنِ ) الذي أرسلك رحمة للعالمين ، فعمهم بعد نعمة الإيجاد بأن بين لهم إقامة لمعاشهم ومعادهم بك طريق النجاة غاية البيان ، بما أنزل عليك من معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من العلي العظيم( الرَّحِيمِ ) الذي خص من أراده بالإقبال به إلى حزبه وجعله من أهل قربه بلزوم الصراط المستقيم.

( إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) )

لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا التفات ولا خوف بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة ، كان كأنه قيل : فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة ، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين ، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ ، فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين ، فقال تعالى تحقيقا لأنه ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل ، فإنه لا يعجزه شيء ، حثا على التفويض له والاكتفاء به ، مقدما معمول «سبح» تعجيلا للبشارة :( إِذا ) .

ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها ، يسوقها إليها

٥٥٩

سائق القدرة ، فتقرب منها شيئا فشيئا ، كانت كأنها آتية إليها ، فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال :( جاءَ ) أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل ، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فقال :( نَصْرُ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده.

ولما كان للنصر درجات ، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها ، صرح به فقال :( وَالْفَتْحُ ) أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم ، لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه ، وبها كان أصله ، وفيها استقر عموده ، وعز جنوده ، فذل بذلك جميع العرب ، وقالوا : لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم ، فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح ، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد ، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ، ولتحققها عبر عنه ب( إِذا ) إعلاما بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته ، وإيذانا بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء ، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب ، فكان المعنى : فكن مترقبا لوروده ومستعدا لشكره.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه الصلاة والسّلام نفاد عمره وانقضاء أجله ، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط( حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما ) تغني( النُّذُرُ ) [القمر : ٥]( لَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) [الأنعام : ٣٥] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور ، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم( وَتَمَّتْ ) كلمات( رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) [الأنعام : ١١٥] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة ـ وكل كلام ربنا عظيم ـ فيما قيدته في غير هذا ، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله ، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) [المائدة : ٣] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسّلام في حجة الوداع

٥٦٠