أمالي المرتضى الجزء ٢

أمالي المرتضى9%

أمالي المرتضى مؤلف:
تصنيف: مكتبة اللغة والأدب
الصفحات: 403

الجزء ١ الجزء ٢
  • البداية
  • السابق
  • 403 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 68211 / تحميل: 10330
الحجم الحجم الحجم
أمالي المرتضى

أمالي المرتضى الجزء ٢

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

وإنما اشترط في كونه عبدا للضيف في البيت الأول والثاني(١) ثواءه ونزوله(١) مؤثرا له؛ ليعلم(٢) أن الخدمة لضيفه لم تكن لضعة قدره(٢) ، بل لما يوجبه الكرم من حق الأضياف(٣) ، وأنه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا. ولو قال: (وإني لعبد الضيف) ولم يشرط(٤) لم يحصل هذا المعنى الجليل.

____________________

(١ - ١) حاشية الأصل (من نسخة): مدة ثوائه ونزوله).

(٢ - ٢) م: أن الخدمة لم تكن لضعة وصغر قدر).

(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (الإضافة).

(٤) م: (يشترط).

١٦١

مجلس آخر

[٦٤]

تأويل آية :( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً )

إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة، وزعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى:( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) ؛ [الإسراء: ٤٨] فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الّذي هم غير فاعلين له، وأن القدرة مع الفعل. وإذا تعلق بقوله تعالى:

في قصة موسى عليه السلام:( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) ؛ [الكهف: ٦٧]؛ وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر؛ وهذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل.

وبقوله تعالى:( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) ؛ [هود: ٢٠].

الجواب، يقال له: أول ما نقوله: إنّ المخالف لنا في هذا الباب من الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع؛ لأن مذهبه لا يسلم معه صحة السمع، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن من جوّز تكليف الله تعالى الكافر الإيمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن الله عز وجل؛ وإذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله وأخباره؛ ولا يأمن من أن يرسل كذابا، وأن يخبر هو بالكذب - تعالى عن ذلك! فالسمع إن كان كلامه قدح في حجته تجويز الكذب عليه، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.

وليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالإيمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنه تشاغل بالكفر فترك الإيمان. وإنما كان يبطل تعلّقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح؛ وذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثّر في كون ما ذكرناه

١٦٢

تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم؛ لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح، وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.

وليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشيء يعتمد؛ بل يجري مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، ويكون الكذب منه تعالى حسنا؛ ويدّعي مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إنني لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمني إفساد طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.

ونعود إلى تأويل الآي؛ أما قوله تعالى:( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) فليس فيه ذكر للشيء الّذي لا يقدرون عليه، ولا بيان له، وإنما يصح ما قالوه لو بين أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين؛ فأما ولم يذكر ذلك فلا متعلّق لهم.

فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله:( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) إلى مفارقة الضلال.

قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال وذلك غير مقدور على الحقيقة، ولا مستطاع.

والظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنه تعالى حكى أنهم ضربوا له الأمثال، وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. وظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، وأنهم ضلّوا بضرب المثل، وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلّوا، وظاهر ذلك الإخبار عن ماضي فعلهم.

فإن كان قوله تعالى:( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنهم

١٦٣

لا يقدرون على ترك الماضي؛ وهذا مما لا نخالف فيه(١) وليس فيه ما نأباه(١) من أنهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه بعد تركه.

وبعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلّفوه أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم.

وقد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنه لا يستطيعه، ولا يقدر عليه، ولا يتمكّن منه؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، ولا ينظر إليه، وما أشبه ذلك، وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.

فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟.

قلنا: قد ذكر أبو علي أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنه ضربوا الأمثال؛ ظنا منهم بأن ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع؛ لأنّ تكذيب صادق، وإبطال حق مما لا تتعلق به قدرة، ولا تتناوله استطاعة.

وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الّذي هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب.

وليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير والهدى، وهم عندكم قادرون على الإيمان والتوبة؟ ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب؛ لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى؛ وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.

وقد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدّم ذكره من أن المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان؛ وقد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره.

____________________

(١ - ١) حاشية الأصل (من نسخة): (وليس مما نأباه).

١٦٤

فأما قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام:( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل؛ ولا يدلّ على أنه غير مستطيع للصبر في الحال أن يفعله في الثاني.

وقد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له؛ غير أن الآية تقتضي خلاف ذلك؛ لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا، إن ولم يصبر عنها في جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأحوال المستقبلة.

على أن المراد بذلك واضح، وأنه تعالى خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف ولا يقف عليه؛ لأن مثل ذلك يصعب على النفس؛ ولهذا نجد أحدنا إذا وجد(١) بين يديه ما ينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، والبحث عن حقيقته، ويثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلما حدث من صاحب موسى ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.

ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى:( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) ؛ [الكهف: ٦٨]؛ فبيّن تعالى أن العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، ولو كان على ما ظنوا لوجب أن يقول: وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر!

فأما قوله تعالى:( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) فلا تعلّق لهم بظاهره؛ لأن السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو علي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليه.

هذا إن أريد بالسمع الإدراك؛ وإن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد؛ لأن الجواهر وما تخصّ به الحواس من البنية والمعاني ليصحّ به الإدراك مما ينفرد به القديم تعالى في القدرة عليه. فالظاهر لا حجّة لهم فيه.

____________________

(١) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (إذا جرى بين يديه).

١٦٥

فإن قالوا: فلعلّ المراد بالسمع كونهم سامعين؛ كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.

قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة هاهنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة، كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يراني، ولا يقدر أن يكلّمني؛ وما أشبه ذلك، وهذا بيّن لمن تأمله.

تأويل خبر [يسار عن معاوية بن الحكم]

إن سأل سائل فقال: ما تأويل ما رواه يسار عن معاوية بن الحكم قال: قلت يارسول الله، كانت لي جارية كانت ترعى غنما لي، قبل أحد، فذهب الذئب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف، كما يأسفون، لكنّني(١) غضبت فصككتها صكّة، قال: فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وآله، قال، قلت: يارسول الله؛ أفلا أعتقها؟ قال: (ائتني بها)، فأتيته بها فقال لها: (أين الله؟) فقالت: في السماء، قال: (من أنا) ؟ قالت: أنت رسول الله، فقال عليه السلام: (أعتقها(٢) فإنها مؤمنة).

الجواب، أما قوله: (أنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون) فمعناه أغضب كما يغضبون، قال محمد بن حبيب: الأسف: الغضب، وأنشد للراعي:

فما لحقتني العيس حتّى وجدتني

أسيفا على حاديهم المتجرّد

والأسف أيضا الحزن؛ قال ابن الأعرابي: الأسف: الحزن، والأسف: الغضب، قال كعب بن زهير:

____________________

(١) د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (لكنني).

(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (فأعتقها).

١٦٦

في كلّ يوم أرى فيه مبيّنة

تكاد تسقط منّي منّة أسفا(١)

وقوله: (ولكني غضبت فصككتها) أراد لطمتها، يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده؛ قال الله تعالى:( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها ) ؛ [الذاريات: ٢٩]؛ وقال بشر بن أبي خازم يصف حمار وحش وأتانا:

فتصكّ محجره إذا ما سافها

وجبينه بحوافر لم تنكب(٢)

سافها: أي شمها.

وقولها: (في السماء) ؛ فالسماء هي الارتفاع والعلو، فمعنى ذلك أنّه تعالى عال في قدرته، عزيز في سلطانه، لا يبلغ ولا يدرك. ويقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه علا أمره، قال الله تعالى:( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) ؛ [الملك: ١٦، ١٧] فأخبر بقدرته وسلطانه وعلوّ شأنه ونفاذ أمره.

وقد قيل في قوله تعالى:( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ) غير هذا، وأن المراد: أأمنتم من في السماء أمره وآياته ورزقه؛ وما جرى مجرى ذلك. وقال أمية بن أبي الصلت شاهدا لما تقدم:

وأشهد أنّ الله لا شيء فوقه

عليّا وأمسى ذكره متعاليا

وقال سليمان بن يزيد العدوي:

لك الحمد ياذا الطّول والملك والغنى

تعاليت محمودا كريما وجازيا

علوت على قرب بعزّ وقدرة

وكنت قريبا في دنوّك عاليا(٣)

____________________

(١) ديوانه: ٧٠. المنة: القوة؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: قبله:

بان الشباب وأمسى الشّيب قد أزفا

ولا أرى لشباب ذاهب خلفا

عاد السواد بياضا في مفارقه

لا مرحبا ها بذا اللّون الّذي ردفا

(٢) محجر العين: ما دار بها؛ ويقال: نكبت الحجارة خف البعير إذا أصابته وأدمته.

(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (في علوك دانيا).

١٦٧

والسماء أيضا سقف البيت، ومنه قوله تعالى:( مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ الله فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ) ؛ [الحج: ١٥].

وقال ابن الأعرابي: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، وسماوته، وسراته، وصهوته؛ والسماء أيضا: المطر قال الله تعالى:( وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً ) ؛ [الأنعام: ٦]. ومنه الحديث الّذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله مر على صبرة طعام؛ فأدخل عليه السلام يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا ياصاحب البرّ؟ قال: أصابته السماء يارسول الله، قال عليه السلام: (أو لا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس! من غشّ فليس منا). وقال المثقّب العبدي:

فلمّا أتاني والسّماء تبلّه

فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا

ويقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال في حوافره: أرض. ولبعضهم في فرس:

وأحمر كالدّينار، أمّا سماؤه

فخصب، وأما أرضه فمحول(١)

وإنما أراد أنه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ وكل معاني السماء التي تتصرف وتتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسموّ؛ وإن اختلفت المواضع التي أجريت هذه اللفظة فيها.

وأولى المعاني بالخبر الّذي سئلنا عنه ما قدّمناه من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان، وما عدا ذلك من المعاني لا تليق به تعالى؛ لأنّ العلوّ بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الّذي ليس بجسم ولا جوهر ولا حالّ فيهما؛ ولأن الخبر والآية التي تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدحة، ولا تمدّح في العلو بالمسافة؛ وإنما التمدّح بالعلو والشأن والسلطان ونفاذ الأمر؛ ولهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره في شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة؛ وأراد بها علوّ المسافة؛ بل لا يريدون إلا ما ذكرناه من معنى العلوّ في الشأن؛ وإنما يظن في هذا الموضع خلاف هذا من لا فطنة عنده ولا بصيرة له؛ والحمد للّه رب العالمين.

____________________

(١) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات ديوانه ٦٣، واللسان (سما).

١٦٨

مجلس آخر

[٦٥]

تأويل آية :( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ )

إن سأل سائل عن قوله تعالى:( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ ) ؛ [هود: ٤٠]:

الجواب، قلنا: أمّا التنور فقد ذكر في معناه وجوه:

أولها أنّه أراد بالتنوّر وجه الأرض؛ وأنّ الماء نبع وظهر على وجه الأرض وفار؛ وهذا قول عكرمة، وقال ابن عباس مثله، والعرب تسمي وجه الأرض تنوّرا.

وثانيها أن يكون المعنى أن الماء نبع من أعالي الأرض، وفار من الأماكن المرتفعة منها؛ وهذا قول قتادة؛ وروي عنه في قوله تعالى:( وَفارَ التَّنُّورُ ) ؛ قال: ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها.

وثالثها أن يكون المراد ب( فارَ التَّنُّورُ ) أي برز النّور، وظهر الضوء، وتكاثفت حرارة دخول النهار، وتقضّى الليل. وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام.

ورابعها أن يكون المراد بالتنوّر الّذي يختبز فيه على الحقيقة؛ وأنه تنور كان لآدم عليه السلام(١) . وقال قوم: إن التّنّور كان في دار نوح عليه السلام بعين وردة(٢) من أرض الشام. وقال آخرون: بل كان التنّور في ناحية الكوفة؛ والّذي(٣) روي عنه أن التنّور هو تنور الخبز الحقيقي ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.

____________________

(١) م: (لآدم عليه السلام أبي البشر).

(٢) في حاشيتي الأصل، ف: وردة: اسم امرأة؛ تنسب العين إليها).

(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (والذين روى عنهم).

١٦٩

وخامسها أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب الله تعالى عليهم، وحلّ وقوع نقمته بهم؛ فذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمي الوطيس(١) ؛ إذا اشتد الحرب، وعظم الخطب. والوطيس هو التّنّور. وتقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:

تفور علينا قدرهم فنديمها

ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا(٢)

أراد بقدرهم حربهم، ومعنى نديمها: نسكّنها، ومن ذلك الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن البول في الماء الدائم؛ يعني الساكن. ويقال: قد دوّم الطائر في الهواء، إذا بسط جناحيه وسكنهما ولم بخفق بهما. ونفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: قد فثأت غضبه عني، وفثأت الحارّ بالبارد إذا كسرته به.

وسادسها أن يكون التنّور الباب الّذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه والسفينة(٣) على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ وهذا القول يروى عن الحسن.

وأولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقي؛ لأنه الحقيقة وما سواه مجاز؛ ولأن الروايات الظاهرة تشهد له؛ وأضعفها وأبعدها من شهادة الأثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الأمر تمثيلا وتشبيها؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة التي تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية.

وأي المعاني أريد بالتنوّر فإن الله تعالى جعل فوران الماء منه علما لنبيّه؛ وآية تدلّ على نزول العذاب بقومه؛ لينجو بنفسه وبالمؤمنين.

____________________

(١) حاشية الأصل: (روي أن أول من تكلم بحمي الوطيس رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عليه السلام: (الآن حمي الوطيس).

(٢) البيت في اللسان (فثأ)، ومقاييس اللغة (٢: ٣١٥) منسوبا إلى النابغة الجعدي.

(٣) ضبطت في الأصل بالفتح والضم معا؛ وفي حاشية الأصل: (إذا نصبت كان عطفا على (فوران) ويكون (على الأرض) حالا؛ والرفع أولى).

١٧٠

فأما قوله تعالى:( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) فقد قيل: المراد به: احمل من كلّ ذكر وأنثى اثنين، وإنه يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج.

وقال آخرون: الزوجان هاهنا الضربان؛ وقال آخرون: الزوج: اللون؛ وإن كل ضرب يسمى زوجا؛ واستشهدوا ببيت الأعشى(١) :

وكلّ زوج من الدّيباج يلبسه

أبو قدامة مجبورا بذاك معا(٢)

ومعنى( مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) ؛ أي من أخبر الله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به.

والله أعلم بمراده.

تأويل خبر [ (رأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد) ]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه شريك بن عمار الدّهني(٣) عن أبي صالح الحنفي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد).

الجواب، يقال له: أما الأود فهو الميل، تقول العرب: لأقيمنّ ميلك، وجنفك، وأودك، ودرأك، وضلعك، وصدغك، وظلعك (بالظاء)، وصغوك، وصعرك، وصددك؛ كل هذا بمعنى واحد.

وقال ثعلب: الأود إذا كان من الإنسان في كلامه ورأيه فهو عوج؛ وإذا كان في الشيء المنتصب مثل عصا وما أشبهها فهو عوج؛ وهذا قول الناس كلّهم إلا أبا عمرو الشيباني؛

____________________

(١) ديوانه: ٨٦؛ وفي حاشية الأصل: (قبله:

له أكاليل بالياقوت زيّنها

صواغها، لا ترى عيبا ولا طبعا

يمدح هوذة بن علي؛ ولم يلبس التاج معدّي غيره).

(٢) حاشية الأصل: (مجبورا؛ من الجبر، وهو الإصلاح). وفي ديوانه: (محبوا) ؛ وفي حاشية الأصل (من نسخة): (محبو؛ أي هو محبو).

(٣) في م: (شريك عن عمار الذهني) ؛ وهو تحريف، وبنو دهن: حي من العرب.

١٧١

فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، والعوج، بالفتح: المصدر. وقال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ ويقال: عصا معوجّة، وعود معوج؛ وليس في كلامهم معوّج.

وأما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، وقال ثعلب: يقال رجل ألدّ، وقوم لدّ إذا كانوا شديدي الخصومة؛ ومنه قول الله تعالى:( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) ؛ [البقرة: ٢٠٤].

وقال الأموي: اللدد: الاعوجاج، والألدّ في الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أي هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه ولا يستمكن(١) منه، ومن ذلك قولهم: لدّ الصّبي، وإنما يلدّ في شقّ فيه؛ وليس (يلدّ) مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج. وقال:

فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أي أعوج الخصام، وأنشد أبو السمح لابن مقبل:

لقد طال عن دهماء لدي وعذرتي

وكتمانها أكنى بأمّ فلان

جعلت لجهّال الرّجال مخاضة

ولو شئت قد بيّنتها بلساني

اللّد: الجدال والخصومة.

وقال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، ويطلب الظلم.

وقوله: (مخاضة) يقول: إنهم يخوضون في شعري ويطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.

وأنشد أبو السمح:

لا تفتر الكذب القبيح فإنّه

للمرء معيبة وباب لئام

واصدق بقولك حين تنطق؛ إنّه

للصّدق فضل فوق كلّ كلام

وإذا صدقت على الرّجال خصمتهم

والصّدق مقطعة على الظّلام

وإذا رماك غشوم قوم فارمه

بألدّ مشتغر المدى غشّام

لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة

واحذر عدوّك عند كلّ مقام

____________________

(١) حاشية الأصل (من نسخة): (يتمكن).

١٧٢

واعلم بأنه ليس يوما نافعا

عند اللّئيم وسائل الأرحام

ما لم يخفك ويلق عندك جانبا

خشنا وتصبحه بكأس سمام

وإذا حللت(١) بمأزق فاكرم به

حتّى تفرّج حلبة الإظلام

واصبر على كرب البلاء فإنّه

ليس البلاء على الفتى بلزام

واعلم بأنّك ميّت ومحدّث

عمّا فعلت معاشر الأقوام

معنى قوله (مشتغر المدى)، أي بعيد المدى.

ومعنى قوله:

* لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة*

أي لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.

وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم:

ياوهب أشبه باطلي وجدّي

أشبهت أخلاقي فأشبه مجدي

* وجدّ لي عند الخصوم اللّدّ*

***

قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكري:

تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّها

حصى برد أو أقحوان كثيب

إذا ارتفعت عن مرقد علّلت به

من اليانع الغوري فرع قضيب

قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوا

لها من ذرى مال النّبات خضيب

يعني من يانع الأراك. ومعنى نجاه، أي قطعه، ومثله استنجاه أيضا، ومال النبات، أي ناعمه وحسنه، يقال: عشب مال ومادّ، سواء، أي ميّاد ناعم.

ومعنى - أيام عرفوا، أي اجتنوه من عرفات، وذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.

____________________

(١) حاشية الأصل (من نسخة): (وإذا حبست).

١٧٣

وقال الأخطل يصف ثغرا:

شتيتا يرتوي الظمآن منه

إذا الجوزاء أجحرت الضّبابا(١)

الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب -

ومعنى قوله:

* إذا الجوزاء أجحرت الضبابا*

فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ وذلك في شدة البرد وطول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، وتغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.

والوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء في شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر والقيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا وأحرّ غلّه ، فريقها يرويه ويبرد غلّته.

وقال آخر:

فويل بها(٢) لمن تكون ضجيعه

إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب

قوله: (فويل بها) من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه! فكأنه يقول: نعم الضجيع هي عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:

وأيدي الثّريّا جنّح في المغارب(٣)

____________________

(١) حاشية الأصل: (قبله:

أفاطم أعرضي قبل المنايا

كفى بالموت هجرا واجتنابا

برقت بعارضيك ولم تجودي

ولم يك ذاك من نعمى ثوابا

كذلك أخلفتنا أم بشر

على أن قد جلت غرّا عذابا

وانظر الديوان ص ٥٥.

(٢) حاشية الأصل: (نسخة س: (فويل أمها).

(٣) ديوانه: ٥٥، وصدره:

* ألا طرقت مي هيوما بذكرها*

١٧٤

ومثل قول الآخر:

نعم شعار الفتى إذا برد اللّي

ل سحيرا وقفقف الصّرد(١)

وإنما يعني أنها في ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.

وأنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:

وعارض كجانب العراق

أنبت برّاقا من البرّاق(٢)

يذاق(٣) مثل العسل المراق(٤)

قال أبو العباس: في هذا قولان:

أحدهما أنه وصفت ثغرا. وعارضاه: جانباه، والعراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولا تراكب ولا نقص.

وقولها:

* أنبت براقا من البرّاق*

أي ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.

قال المبرّد: والقول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.

وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا(٥) :

____________________

(١) من القفقفة؛ وهي الرعدة، والصرد: الّذي آلمه الصرد؛ وهو شدة البرد؛ والبيت في اللسان (قفف)، والكامل - بشرح المرصفي ٣: ٦٣، وذكر بعده:

زيّنها الله في الفؤاد كما

زيّن في عين والد ولد

وهو أيضا في كتاب الألفاظ ١٢١، ٢١٢؛ وذكر قبله:

ما اكتحلت مقلة برؤيتها

فمسّها الدّهر بعدها رمد

ونسب البيتين إلى عمر بن أبي ربيعة، وهما في ملحقات ديوانه: ٤٨٣.

(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (البراق) بكسر الباء.

(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (يداف).

(٤) حاشية الأصل: (نسخة ش: المذاق).

(٥) البيتان في الأصمعيات: ٣٥، والمخصص: ١٠: ١٠٣، واللسان (صوح).

١٧٥

وشعب كشلّ(١) الثّوب شكس طريقه

مجامع ضوجيه(٢) نطاف مخاصر

تعسّفته باللّيل لم يهدني له

دليل، ولم يحسن له النّعت خابر

قال: يعني بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعني كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.

والشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم وحسنه ورقّة الشفتين. وضوجاه: جانباه وضوج الوادي/: جانبه؛ ويعني بالنّطاف: الريق. والمخاصر: الباردة، من الخصر.

وقوله: (لم يهدني له دليل) ؛ أي لم يصل إليه غيري، كما قال جرير:

ألا ربّ يوم قد شربت بمشرب

شفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلي(٣)

الغيم والغين: العطش؛ وإنما يعني ريق جارية.

قال المبرّد وقال آخرون: بل يعني شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.

قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ في وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.

قال سيدنا أدام الله علوّه: والأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التي تمضي به، ويعاينها في تلصّصه. وكان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، وتخلّصه من المضايق، وقطعه المفاوز، وأشباه ذلك؛ والقطعة التي فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: (وشعب كشلّ الثوب) :

لدن(٤) مطلع الشّعرى، قليل أنيسه

كأنّ الطّخا في جانبيه معاجر(٥)

____________________

(١) حاشية الأصل. (يقال: شللت الثوب إذا خطته خياطة خفيفة). وفي حاشية الأصل: أيضا (نسخة س: كشك) ؛ وهي رواية د، ف، والأصمعيات، واللسان، والمخصص.

(٢) كذا في الأصول؛ وفي حاشية الأصل: (ضوجيه: جانبيه، والضوج: منعطف الوادي).

وفي الأصمعيات واللسان والمخصص: (صوحيه) بالصاد، والصوح: وجه الجبل القائم.

(٣) ديوانه: ٤٦١.

(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (لدى).

(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (الطخاء، ممدود: السحاب؛ ولعله قصره ضرورة. وإن رويت الطخا بالضم، كان جمع طخية).

١٧٦

به من نجاء الدّلو بيض أقرّها

خبار لصمّ الصخر فيه قراقر(١)

وقرّرن حتّى كنّ للماء منتهى

وغادرهنّ السّيل فيما يغادر

به نطف زرق قليل ترابها

جلا الماء عن أرجائها فهو حائر

وهذه الأوصاف كلّها لا تليق إلا بالشّعب دون غيره؛ وتأوّل ذلك على الفم تأوّل بعيد.

وقد أحسن كثيّر في قوله يصف ثغرا:

ويوم الحبل قد سفرت وكفّت

رداء العصب عن رتل براد(٢)

وعن نجلاء تدمع في بياض

إذا دمعت وتنظر في سواد

وعن متكاوس في العقص جثل

أثيث النبت ذي غدر جعاد(٣)

وقال أبو تمام في هذا المعنى:

وعلى العيس خرّد يتبسّم

ن عن الأشنب الشّتيت البراد(٤)

كان شوك السيّال حسنا فأضحى

دونه للفراق شوك القتاد(٥)

وقال البحتري:

وأرتنا خدّا يراح له الور

د، ويشتمّه جنى التّفّاح(٦)

وشتيتا يغضّ من لؤلؤ النّظ

م، ويزري على شتيت الأقاحي

فأضاءت تحت الدّجنّة للشّر

ب، وكادت تضيء للمصباح(٧)

____________________

(١) حاشية الأصل: (يعني بالدلو النجم، وما يزعمون من كون المطر عند طلوع نجم وسقوط نجم.

والنجاء: جمع نجو، وهو السحاب الّذي هراق ماءه، ويجوز أن يكون المعنى: من مياه النجاء بيض.، فاقتصر على ذكر النجاء؛ لأنها تدل على المياه والحبار: الارض الرخوة)

(٢) ديوانه ٢: ١٥٩، والأغاني ٢: ١٧٧ - ١٧٨، (طبع دار الكتب المصرية). ويقال: ثغر رتل؛ إذا كان حسن التنضيد مستوى النبات. والبراد: البارد.

(٣) الشعر المتكاوس: الكثيف المتراكم. والجثل: الكثيف الملتف.

(٤) ديوانه: ٧٥

(٥) حاشية الأصل: (السيال: ياسمين البر، وله شوك. تشبه به الأسنان؛ فيقول: كان أسنانها مثل شوك السيال حسنا، فاعترض دونها شوك الفراق).

(٦) ديوانه ١: ١٢٠.

(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (كالمصباح).

١٧٧

وقال أيضا:

سفرت كما سفر الرّبيع الطّلق عن

ورد يرقرقه الضّحى مصقول

وتبسّمت عن لؤلؤ في رصفه

برد يردّ حشاشة المتبول

وقد جمع كلّ ما يوصف به الثّغر في قوله:

كأنما تضحك عن لؤلؤ

منضّد أو برد أو أقاح(١)

____________________

(١) ديوانه: ١: ١١٢.

١٧٨

مجلس آخر

[٦٦]

تأويل آية :( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ الله مَنْ لَعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ )

إن سأل سائل عن قوله تعالى:( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ الله مَنْ لَعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) ؛ [المائدة: ٦٠].

فقال: ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه تعالى جعل الكافر كافرا؛ لأنه أخبر بأنه جعل منهم من عبد الطاغوت؛ كما جعل القردة والخنازير؟ وليس يجعله كافرا إلا بأن خلق كفره!.

الجواب، يقال له(١) : قبل أن نتكلّم في تأويل الآية بما تحتمله من المعاني:(٢) كيف يجوز أن يخبرنا بأنه(٢) جعلهم(٣) ؛ كفارا وخلق كفرهم! والكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ والتوبيخ على كفرهم، والمبالغة في الإزراء عليهم! وأي مدخل لكونه خالقا لكفرهم في باب ذمّهم! وأي نسبة بينه وبين ذلك! بل لا شيء أبلغ في عذرهم وبراءتهم من أن يكون خالقا لما ذمّهم من أجله. وهذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذمّ غيره، وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول:

ألا أخبركم بشرّ الناس وأحقّهم بالذم واللوم! من فعل كذا، وصنع كذا؛ وكان على كذا وكذا؛ فيعدّد من الأحوال والأفعال قبائحها، ولا يجوز أن يدخل في جملتها ما ليس بقبيح؛ ولا ما هو من فعل الذم ومن جهته؛ حتى يقول في جملة ذلك: ومن تشاغل بالصّنعة الفلانية التي أسلمها إليه وحمله عليها؛ وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.

____________________

(١) حاشية الأصل: (نسخة س: لهم).

(٢ - ٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كيف يجوز أن يخبر الله تعالى).

(٣) م: (يجعلهم).

١٧٩

فإن قيل: أليس قد ذمّهم في الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا صنع لهم في ذلك! وكذلك يجوز أن يذمّهم ويجعلهم عابدين للطاغوت؛ وإن كان من فعله!

قيل(١) : إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم وغضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن والمسخ.

ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، وأكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق وجعل من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا شبهة في أنه تعالى هو خلق الكافر، وأنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا.

وليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله:( جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ) أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ وذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلاّ من فعله.

وليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك وخلقه، فافترق الأمران.

وفي الآية وجه آخر؛ وهو ألاّ يكون قوله تعالى:( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) معطوفا على القردة والخنازير؛ بل معطوفا على( مَنْ لَعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) ؛ وتقدير الكلام: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن عبد الطاغوت، ومن جعل الله منهم القردة والخنازير؛ وهذا هو الواجب؛ لأن عَبَدَ فعل، والفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة والخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.

____________________

(١) د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (قلنا).

١٨٠

وقال قوم: يجوز أن يعطف( عَبَدَ الطَّاغُوتَ ) على الهاء والميم في مِنْهُمْ؛ فكأنه جعل منهم، وممّن عبد الطاغوت القردة والخنازير؛ وقد يحذف (من) في الكلام؛ قال الشاعر:

أمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء(١)

أراد: ومن يمدحه وينصره.

فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ في قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ وَعَبَدَ بفتح العين وضمّ الباء، وكسر التاء من الطَّاغُوتَ، ومن قرأ عَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ومن قرأ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) بضم العين والتشديد، ومن قرأ وعبّاد الطّاغوت!

قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، وعليها جميع القراء السبعة؛ إلا حمزة فإنه قرأ؛ عَبَدَ بفتح العين وضم الباء، وباقي القراءات شاذة غير مأخوذ بها.

قال أبو إسحاق الزجاج في كتابه في معاني القرآن:"( عَبَدَ الطَّاغُوتَ ) نسق على مَنْ لَعَنَهُ الله " قال:" وقد قرئت عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛( وعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ؛ والّذي أختاره وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ".

" وروي عن ابن مسعود رحمه الله: وعبدوا الطّاغوت فهذا يقوّي: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ " قال:" ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم الباء وخفض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين: إحداهما أن (عبد) على وزن (فعل)، وليس هذا من أمثلة الجمع؛ لأنهم فسّروه خدم الطاغوت. والثاني أن يكون محمولا على (وجعل منهم عبدا للطّاغوت). ثم خرّج لمن قرأ عَبَدَ وجها فقال: إن الاسم بني على (فعل) ؛ كما يقال: رجل حذر أي مبالغ في الحذر؛ فتأويل عَبَدَ أنّه بلغ الغاية في طاعة الشيطان". وهذا كلام الزجاج.

وقال أبو على الحسن بن عبد الغفار الفارسي محتجا لقراءة حمزة:" ليس عَبَدَ لفظ

____________________

(١) البيت لحسان، ديوانه: ٩، وروايته: (فمن يهجو ).

١٨١

جمع؛ ألا ترى أنه ليس في أبنية الجموع شيء على هذا البناء! ولكنه واحد يراد به الكثرة؛ ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع، كقوله تعالى:( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) ؛ [إبراهيم: ٣٤] وكذلك قوله:( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) جاء على (فعل) لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة؛ وذلك نحو (يقظ وندس) ؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب في عبادة الشيطان والتذلّل له كلّ مذهب".

قال:" وجاء على هذا لأن (عبد) في الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ ألا ترى أنّ (الأبرق والأبطح)(١) وإن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير في قولهم: (أبارق وأباطح) ؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف (أحمر)، ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأ يدع(٢) ؛ وكذلك عَبَدَ وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على (فعل) "

وهذا كلام مفيد في الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة وعادلت قراءة الباقين المختارة، وصح أيضا سائر ما روي من القراءات التي حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه في الآية يزيل الشبهة فيها.

ويمكن في الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة في عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وهو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أي نسبه إليهم، وشهد عليه بكونه من جملتهم.

ول (جعل) مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل؛ كقوله:( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) ، [الأنعام: ١]؛ وكقوله:( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ) ؛ [النحل: ٨١]؛ وهي هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة؛ كقوله تعالى:( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) ؛ [الزخرف: ١٩]؛ وكقول القائل: جعلت البصرة

____________________

(١) الأبرق: أرض فيها حجارة سود وبيض، والأبطح: الأرض المنبطحة.

(٢) الأفكل: الرعدة، والأيدع: صبغ أحمر؛ وهو المسمى دم الأخوين.

١٨٢

بغداد، وجعلتني كافرا، وجعلت حسني قبيحا؛ وما أشبه ذلك؛ فهي هاهنا تتعدى إلى مفعولين.

ول (جعل) مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: ونسب عبد الطاغوت إليهم، وشهد أنهم من جملتهم.

فإن قيل: لو كانت جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلاّ إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.

قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، وقوله تعالى:

مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثاني عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع في موضع خبر المبتدأ فهي تحسن أن تقع في موضع المفعول الثاني؛ كجعلت وظننت وما أشبههما.

وقال الشاعر:

أبا لأراجيز ياابن اللّؤم توعدني

وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور(١)

وقد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء (خلت) من حيث توسطت الكلام؛ فيكون (في الأراجيز) على هذا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، والوجه الثاني على إعمال (خلت) فيكون (في الأراجيز) في موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثاني. وهذا بيّن لمن تدبره.

قال سيدنا أدام الله علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:

أما وأبي للصّبر في كلّ خلّة

أقرّ لعيني من غنى رهن ذلّة

وإني لأختار الظّما في مواطن

على بارد عذب وأغنى بغلّة

وأستر ذنب الدّهر حتى كأنّه

صديق، ولا اغتابه عند زلّة

ولست كمن كان ابن أمّي مقترا

فلمّا أفاد المال عاد ابن علّة

فدابرته حتى انقضى الودّ بيننا

ولم أتمطّق من نداه ببلّة

وكنت له عند الملمّات عدّة

أسدّ بمالي دونه كلّ خلّة

____________________

(١) البيت للعين المنقري يهجو العجاج؛ وهو من شواهد الكتاب (١: ٦٠).

١٨٣

قال الشريف المرتضى رضي الله عنه: الأولى في هذه القطعة إطلاقها. الخلّة: الحاجة، والخلّة أيضا: الخصلة. والخلّة، بالضم: المودّة، والخلّة أيضا، بالضم: ما كان خلوا من المرعى.

والخلّة، بالكسر: ما يخرج من الأسنان بالخلال.

والخليل: الحبيب؛ من المودة والمحبة، والخليل أيضا: الفقير؛ وكلا الوجهين قد ذكر في قوله تعالى:( وَاتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) ؛ [النساء: ١٢٥]، ومنه حديث ابن مسعود: (تعلموا القرآن فإنه لا يدري أحدكم متى يختلّ إليه).

قال أبو العباس ثعلب يكون من شيئين: أحدهما من الخلّة التي هي الحاجة؛ أي متى يحتاج إليه، ويكون من الخلة وهي النبات الحلو؛ ويكون معناه: متى يشتهي ما عنده، مشبّه بالإبل؛ لأنها ترعى الخلّة فإذا ملّتها عدلوا بها إلى الحمض؛ فإذا ملّت الحمض اشتهت الخلّة؛ ومن أمثالهم: (جاءوا مخلّين فلاقوا حمضا) ؛ أي جاءوا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا.

والخلّة أيضا: بنت المخاض والذكر الخلّ؛ ويقال: جسم خلّ إذا كان مهزولا؛ قال الشاعر:

فاسقنيها ياسواد بن عمرو

إنّ جسمي بعد خالي لخلّ(١)

ويقال أيضا: فصيل مخلول إذا شدّ لسانه حتى لا يرضع؛ ويقال: خللته فهو خليل ومخلول؛ ومثله أجررته؛ قال الشاعر:

فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم

نطقت؛ ولكنّ الرّماح أجرّت(٢)

أي لم يعملوا في الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم.

وقوله:

* أقرّ لعيني من غنى رهن ذلّة*

____________________

(١) من قصيدة تنسب لتأبط شرا، وقيل إنها لابن أخته خفاف بن نضلة، وقيل للشنفرى، وقيل لخلف الأحمر؛ وأولها:

إنّ بالشّعب الّذي دون سلع

لقتيلا دمه ما يطلّ

وهي في حماسة أبي تمام - بشرح المرزوقي ٨٢٧ - ٨٣٩ وانظر اللآلي: ٩١٩.

(٢) البيت في حماسة أبي تمام - بشرح المرزوقي ١٦١؛ من قطعة لعمرو بن معديكرب.

١٨٤

يقول: أختار الصيانة مع الفقر أحبّ إلي من الغنى مع الذلّ؛ ومثله:

إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى

سموت إلى العلياء من جانب الفقر

صبرت وكان الصّبر منّي سجيّة

وحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر

وقوله:

وأستر ذنب الدهر حتى كأنه

صديق ...

أراد: أني لا أشكو ما يمسّني به الدهر من خصاصة؛ بل أستر ذلك وأظهر التجمّل حتى لا أسوأ الصديق وأسر العدوّ. وهذا المعنى أراد بقوله: (ولا اغتابه عند زلّتي).

وقوله:

* فلما أفاد المال عاد ابن علّة*

فالعرب تقول: هم بنو أعيان؛ إذا كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة؛ فإذا كان أبوهم واحدا وأمهاتهم شتى قيل أولاد علاّت؛ ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (النبيون أولاد علاّت) ؛ أي أمهاتهم شتّى وأبوهم واحد؛ وكنى الشاعر بذلك عن التباعد والتقاطع والتقالي؛ لأن الأكثر في بني العلاّت ما ذكرناه.

وقوله: (ودابرته) أي قاطعته.

وقوله:

* ولم أتمطّق من نداه ببلّة*

فالتمطّق يكون بالشفتين، والتلمّظ يكون باللسان، وكنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا؛ وصان نفسه عنه.

١٨٥

مجلس آخر

[٦٧]

تأويل آية :( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )

إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ؛ [البقرة: ٢٢].

وما الّذي أثبت لهم العلم به؟ وكيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل في قوله تعالى:( قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) ؛ [الزمر: ٦٤].

الجواب، قلنا: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها؛ لأنه تعالى أمرهم بعبادته، والاعتراف بنعمته؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التي ليست إلا من جهته؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته؛ وإن العبادة إنما تجب لأجل النّعم المخصوصة؛ فقال جل من قائل:( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ) إلى آخر الآية؛ ونبّه في آخرها على وجوب توحيده والإخلاص له، وألاّ يشرك به شيء، بقوله تعالى:( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) .

ومعنى قوله تعالى:( جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً ) أي يمكن أن تستقرّوا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها؛ وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.

وقد استدل أبو عليّ بذلك، وبقوله تعالى:( وَالله جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطاً ) على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل؛ وهذا القدر لا يدرك؛ لأنه يكفي في النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها؛ وليس يجب أن يكون جميعها كذلك؛ ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان

١٨٦

مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، والمنجّمون لا يدفعون أن يكون في الأرض بسائط وسطوح يتصرّف عليها، ويستقرّ فيها؛ وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.

وليس له أن يقول: قوله:( وجَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشاً ) يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض وجملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط ولا فراش؛ ولا شبهة في أن جعله السماء على ما هي عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا ومصالحنا. وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها.

فأما قوله تعالى:( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) فإن الندّ هو المثل والعدل؛ قال حسان ابن ثابت:

أتهجوه ولست له بندّ

فشرّ كما لخيركما الفداء(١)

فأما قوله تعالى:( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) فيحتمل وجوها:

أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التي هي الأصنام وما جرى مجراها التي تعبدونها من دون الله تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التي عدّدها ولا بأمثالها، وأنها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر؛ ومعلوم أن المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون ولا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء والأرض من دون الله ولا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. ويصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.

والوجه الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى:( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي تعقلون وتميزون، وتعلمون ما تقولون وتفعلون، وتأتون وتذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، ولزمته الحجة، وضاق عذره في التخلّف عن النظر وإصابة الحق.

ونظير ذلك قوله تعالى:( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبابِ ) ؛ [الزمر: ٩]( وإِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) ؛ [فاطر: ٢٨].

____________________

(١) ديوانه: ٩.

١٨٧

والوجه الثالث ما قاله بعض المفسرين كمجاهد وغيره أن المراد بذلك أهل الكتابين التوراة والإنجيل خاصة. ومعنى( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي أنكم تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.

فعلى الوجهين الأولين لا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى:( قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشيء، وجهلهم تعلق بغيره. وعلى الوجه الثالث إذا جعل الآية التي سئلنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التي وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ وكلّ هذا واضح بحمد الله.

***

قال سيدنا أدام الله علوّه: ومما يفسّر من الشعر تفاسير مختلفة؛ والقول محتمل للكلّ قول امرئ القيس:

وقد اغتدي ومعي القانصان

وكلّ بمربأة مقتفر(١)

فيدركنا فغم داجن

سميع بصير طلوب نكر

ألصّ الضّروس، حبي الضّلوع،

تبوع، أريب، نشيط، أشر

فأنشب أظفاره في النّسا

فقلت: هبلت! ألا تنتصر!

فكرّ إليه بمبراته

كما خلّ ظهر اللّسان المجر

فظلّ يرنّح في غيطل

كما يستدير الحمار النّعر

قال ابن السّكّيت: القانصان: الصائدان، والمربأة: الموضع المرتفع يربأ فيه، والمقتفر:

الّذي يقتفر آثار الوحش ويتبعها. وقال غيره: القانصان: البازي والصقر.

والفغم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أشدّ فغمه! أي ما أشد حرصه!، قال الأعشى:

____________________

(١) ديوانه: ١٠ - ١٢.

١٨٨

نؤمّ ديار بني عامر

وأنت بآل عقيل فغم(١)

أي مولع، والدّاجن: الّذي يألف الصيد، والسميع: الّذي إذا سمع حسّا لم يفته، والبصير: الّذي إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره، والتبوع: الّذي إذا تبع الصيد أدركه ولم يعجز عن لحقوقه، والنّكر: المنكر الحاذق بالصيد، ويروى (نكر) بالضم.

وقال ابن السكيت وغيره في قوله:

* فأنشب أظفاره في النّسا*

أي أنشب الكلب أظفاره في نسا الثور، والنّسا: عرق في الفخذ معروف. (فقلت:

هبلت) ؛ أي: فقلت للثور: هبلت، ألا تنتصر من الكلب! قالوا: وهذا تهكّم منه بالثور واستهزاء به، والأصل في التهكّم الوقوع على الشيء؛ يقال: تهكّم البيت إذا وقع بعضه على بعض.

ومعنى:

* فكرّ إليه بمبراته*

قال ابن السكّيت وغيره: معناه: فكرّ الثور إلى الكلب بمبراته؛ أي بقرنه.

ومعنى:

* كما خلّ ظهر اللسان المجرّ*

أي طعنه كما يجرّ الرجل لسان الفصيل، وهو أن يقطع طرف لسانه أو يشقّه حتى لا يقدر على الشرب من خلف أمه، وذلك إذا كبر واستغنى عن الشرب.

ومعنى:

* فظل يرنّح في غيطل*

أي ظل الكلب يرنّح(٢) ، أي يميد ويتمايل كالسكران، والغيطل: الشجر الملتف، ويكون أيضا الجلبة والصياح.

____________________

(١) ديوانه: ٣٠.

(٢) حاشية الأصل: (ترنح: تمايل من السكر وغيره، ورنح عليه، على ما لم يسم على فاعله، إذا استدار).

١٨٩

وقوله:

* كما يستدير الحمار النعر*

فالنّعر: الّذي يدخل في رأسه ذباب أزرق أو أخضر، فيطح برأسه وينزو، فشبّه الكلب في اضطرابه ونزوّه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:

ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه

أحاد ومثنى أصعقتها صواهله(١)

وقال أحمد بن عبيد: القانصان: الفرس وصاحبه؛ والحجّة أن الفرس تسمى قانصا قول عدي بن زيد:

تقنصك الخيل ويصطادك الطّ

ير ولا تنكع لهو القنيص(٢)

أي لا تمنع به.

قال: وقوله:

* فأنشب أظفاره في النّسا*

معناه فأنشب الكلب أظفاره في نسا الثور، فقلت لصاحب الفرس أو لغلامي الممسك للفرس: هبلت! ألا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب! قال: ومحال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه؛ لأن امرأ القيس يفخر بالصيد ويصفه في أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفّر فيه، كقوله:

إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا:

تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب(٣)

وكقوله:

مطعم للصّيد ليس له

غيره كسب على كبره(٤)

____________________

(١) اللسان (نعر).

(٢) شعراء النصرانية ٤٧٠، واللسان (نكع).

(٣) خزانة الأدب ٢: ١٩٧؛ ولم يرد في ديوانه بشرح البطليوسي.

(٤) حاشية الأصل: (أي يطعم الصيد؛ واللام دخلت للتقوية) والبيت في اللسان (طعم)، وشرح الستة للأعلم ص ٥٦.

١٩٠

فمحال على هذا أن يغري الثور بقتل كلبه.

قال: وتأويل (ألا تنتصر!) ألا تدنو من الثور!  والدليل على أن (تنتصر) بمعنى (تدنو) قول الراعي:

وأفرغن في وادي جلاميد بعد ما

علا البيد سافي القيظة المتناصر

أي المتداني.

وقال مضرّس بن ربعي:

فإنّك لا تعطي امرأ حظّ غيره

ولا تملك الشّقّ الّذي الغيث ناصره

أي دان منه.

ومعنى: (ألصّ الضّروس) أي بعض أسنانه ملتصق ببعض.

وحبي الضلوع: أي مشرف الضلوع عاليها. ويروى: (حني الضّلوع) بالنون أي منحنيها. ويقال: إن الضّلوع إذا تقوّست كان أوسع لجوفه وأقوى له؛ ويروى أيضا: (خفي الضلوع) أي ضلوعه خفية داخلة في جنبه.

ومعنى:

* فظلّ يرنّح في غيطل*

أي ظلّ الثور يرنّح في غيطل لمّا طعنه صاحب الفرس. وقد يجوز أيضا أن يكون ترنّح الثور لظفر الكلب به، ولأنه أنشب أظفاره فيه؛ وكلّ ذلك محتمل.

ومما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل(١)

قال قوم: معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط؛ بل لتتابع الرياح والأمطار؛ والدليل على ذلك قوله في البيت الآخر:

____________________

(١) ديوانه: ١٩.

١٩١

* فهل عند رسم دارس من معوّل(١) *

وقال آخرون: ومعنى: (لم يعف رسمها) لم يدرس، فالرسم على هذا القول باق غير دارس.

ومعنى قوله في البيت الآخر: (رسم دارس)، أي فهل عند رسم سيدرس في المستقبل! وإن كان الساعة موجودا غير دارس!

وقال آخرون في معنى قوله: (لم يعف) مثل الوجه الثاني؛ أي أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها، بل هي بواق ثوابت، فنحن نحزن لها، ونجزع عند رؤيتها، ولو عفت وامّحت لاسترحنا، وهذا مثل قول ابن أحمر:

ألا ليت المنازل قد بلينا

فلا يبكين ذا شجن حزينا

ومثل قول الآخر:

ليت الدّيار التي تبقى لتحزننا

كانت تبين إذا ما أهلها بانوا

وليس قوله:

* فهل عند رسم دارس من معوّل*

نقضا لهذا، إنما هو كقولك: درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقي بعض.

وقال أبو بكر العبدي: معناه لم يعف رسمها من قلبي، وهو دارس من الموضع، فلم يتناول قوله: (لم يعف رسمها) ما تناوله قوله: (فهل عند رسم دارس) من جميع وجوهه فيتناقض الكلام.

وقال آخرون: أراد بقوله: (لم يعف)، لم يدرس، ثم أكذب نفسه بقوله:

* فهل عند رسم دارس من معوّل*

____________________

(١) ديوانه: ٢١، وأوله:

* وإنّ شفائي عبرة مهراقة*

١٩٢

كما قال زهير:

قف بالدّيار التي لم يعفها القدم

بلى، وغيّرها الأرواح والدّيم(١)

وكما قال الآخر:

فلا تبعدن ياخير عمرو بن مالك

بلى، إنّ من زار القبور ليبعدا

أراد (ليبعدن)، فأبدل الألف من النون الخفيفة؛ وهذا وجه ضعيف، وبيت زهير ليس يجب فيه ما توهّم من المناقضة والتكذيب؛ لأنه يمكن أن يحمل على ما ذكرناه في أحد الوجوه المتقدمة؛ من أنه أراد أنّ رسمها لم يعف ولم يبطل كلّه، وإن كان قد غيّرت الدّيم والأرواح بعضه وأثّرت في بعض.

فأما البيت الثاني فلا حجّة فيه؛ لأنه لم يتضمن إثباتا ونفيا، وإنما دعاء له ألا يبعد، ثم رجع إلى قوله: (بلى) إنه ليبعد من زار القبور، وما يدعي به غير واجب ولا ثابت، فكيف ينافي الإثبات الثاني!

ويمكن في البيت وجه آخر، وهو أن يكون معنى: (لم يعف رسمها) أي لم يزد ويكثر فيظهر حتى يعرفه المترسّم؛ ويثبته المتأمل، بل هو خاف غير لائح ولا ظاهر. ثم قال من بعد:

* فهل عند رسم دارس من معوّل*

فلم يتناقض الأول؛ لأنه قد أثبت الدروس له في كلا الموضعين. ولا شبهة في أن (عفا) من حروف الأضداد التي تستعمل تارة في الدروس، وأخرى في الزيادة والكثرة؛ قال الله تعالى:

( حَتَّى عَفَوْا ) ؛ [الأعراف: ٩٥]؛ أي كثروا؛ ويقال: قد عفا الشّعر إذا كثر، وقال الشاعر:

____________________

(١) ديوانه ١٤٥.

١٩٣

ولكنّا نعضّ السّيف منها

بأسوق عافيات اللّحم كوم

أراد كثيرات اللحم؛ يقال: قد عفا وبر البعير إذا زاد؛ ويقال: أعفيت الشعر وعفوته إذا كثرته وزدت فيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأن تحفى الشوارب وتعفى اللّحى؛ أي توفر، وهذا الوجه عندي أشبه مما تقدم.

١٩٤

مجلس آخر

[٦٨]

تأويل آية :( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا )

إن سأل سائل عن قوله تعالى:( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) ؛ [مريم: ٢٨، ٢٩].

فقال: من هارون الّذي نسبت مريم إلى أنها أخته؟ ومعلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخي موسى. وما معنى( مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) ، ولفظة (كان) تدلّ على ما مضى(١) وعيسى عليه السلام في حال قولهم ذلك كان في المهد؟

الجواب، قلنا: هارون الّذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:

منها أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والشرّ وفساد الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، وظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها وتمثيلا؛ وكان تقدير الكلام: ياشبيهة هارون في فسقه وقبيح فعله؛ وهذا القول يروى عن سعيد بن جبير.

ومنها أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ وقيل إنه كان أخاها لأبيها وأمها، وكان رجلا معروفا بالصلاح وحسن الطريقة والعبادة والتألّه.

وقيل: إنه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، وإنه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بني إسرائيل، فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها:( يا أُخْتَ هارُونَ ) ؛ أي ياشبيهته في الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، ولا كان ووالدك ممن يفعل القبيح، ولا تتطرّق عليه الرّيب!

____________________

(١) ف: (ما مضى من الزمان).

١٩٥

وعلى قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح والسداد؛ لأن أباك لم يكن امرأ سوء، ولا كانت أمك بغيّا، وأنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح والعفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، ولا يعرف من مثلك!

ويقوّي هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لما أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران قال لي أهلها: أليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، وقد علم الله ما كان بين موسى وعيسى من السنين! فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك فقال لي: (فهلاّ قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم) !

ومنها أن يكون معنى قوله:( يا أُخْتَ هارُونَ ) يامن هي من نسل هارون أخي موسى؛ كما يقال للرجل: ياأخا بني تميم، ويا أخا بني فلان.

وذكر مقاتل بن سليمان في قوله تعالى:( يا أُخْتَ هارُونَ ) (١) قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (هارون الّذي ذكروه هو هارون أخو موسى عليهما السلام).

قال مقاتل: تأويل(١) ( يا أُخْتَ هارُونَ ) يامن هي من نسل هارون، كما قال تعالى:

( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ) ؛ [الأعراف: ٦٥]،( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ) ؛ [الأعراف: ٧٣] يعني بأخيهم أنه من نسلهم وجنسهم.

وكلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسرين.

فأما قوله تعالى:( مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) فهو كلام مبني على الشرط والجزاء، مقصود به إليهما؛ والمعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلّمه! ووضع في ظاهر اللفظ الماضي موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتني زرتك؛ يريد إن تزرني أزرك؛ قال الله تعالى:( إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ ) ؛ [الفرقان: ١٠] يعني إن يشأ يجعل.

____________________

(١ - ١) ساقط من الأصل؛ والمثبت عن د، ف.

١٩٦

وقال قطرب: معنى كانَ هاهنا معنى صار؛ فكأن المعنى: وكيف نكلّم من صار في المهد صبيا، ويشهد بذلك قول زهير:

أجزت إليه حرّة أرحبيّة

وقد كان لون اللّيل مثل الأرندج(١)

وقال غيره: كانَ هاهنا بمعنى خلق ووجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، وكان البرد؛ أي وجدا وحدثا.

وقال قوم: لفظة كانَ وإن أريد بها الماضي فقد يراد بها الحال والاستقبال؛ كقوله تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ؛ [آل عمران: ١١٠]، أي أنتم كذلك، وقوله تعالى:( هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً ) [الإسراء: ٧٣] وقوله تعالى:( وَكانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) ؛ [النساء: ١٧]؛ وإن كان قد قيل في هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم أنه لم يزل عليما حكيما، أي فلا تظنّوا أنه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما.

ومما يقوي مذهب من وضع لفظة الماضي في موضع الحال والاستقبال قوله تعالى:

( وَإِذْ قالَ الله ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) [المائدة: ١١٠]، وقوله تعالى:( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ) ؛ [الأعراف: ٤٤]؛ وقولهم في الدعاء: غفر الله لك، وأطال بقاءك! وما جرى مجرى ذلك.

ومعنى الكلّ يفعل الله ذلك بك؛ إلاّ أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضي في موضع المستقبل، قال الشاعر:

____________________

(١) ديوانه: ٣٢٣؛ والرواية فيه:

زجرت عليه حرّة أرحبيّة

وقد كان لون الليل مثل اليرندج

الضمير يعود إلى الطريق في البيت قبله، والحرة: الكريمة، والأرحبية: منسوب إلى أرحب؛ وهو بطن من همدان تنسب إليه النجائب؛ لأنها من نسله. والأرندج واليرندج: السواد، يسود به الخف -.

١٩٧

فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع

لمن كان بعدي في القصائد مصعدا(١)

أراد لمن يكون بعدي.

ومما جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصّلتان العبدي يرثي المغيرة بن المهلّب(٢) :

قل للقوافل والغزاة(٣) إذا غزوا

والباكرين وللمجدّ الرّائح

إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّنا

قبرا بمرو على الطّريق الواضح

فإذا مررت بقبره فاعقر به

كوم الجلاد وكلّ طرف سابح(٤)

وانضح جوانب قبره بدمائها

فلقد يكون أخا دم وذبائح

معناه: (فلقد كان كذلك).

____________________

(١) د، ف: (الفضائل مصعدا)، وفي حاشيتي الأصل، ف: (أي بلغت درجة من كان قبلي).

(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (هذه قصيدة رواها الأصمعي لزياد الأعجم، وتروى للصلتان العبدي؛ وهي إحدى المراثي السبع، وقال غيره: هي لزياد الأعجم؛ وهو من عبد القيس، وكان يلقب بالصلتان، وإنما قيل له الأعجم للثغة في لسانه، ويقال: إنه نشأ في العجم، وكان من أشعر أهل زمانه؛ وكان اصطفاه المهلب بن أبي صفرة الأزدي؛ فكان زياد يمدحه وأهله، وكان ألثغ، يقول للجرادة (زرادة)، فقال له شاعر:

وما صفراء تدعى أم عوف

كأنّ رجلتيها منجلان

فقال زياد:

أردت زرادة وأظنّ أخرى

أردت بما أردت به لساني

وكان يقول: (أنا أقول (السعر)، و (الأرب) تقوم لي، أراد (الشعر)، و (العرب).

والقصيدة في أمالي اليزيدي ١ - ٧.

(٣) في الأمالي: (والغزي) كغني

(٤) الكوم: جمع كوماء؛ وهي الناقة السمينة؛ والجلاد: جمع جلدة؛ وهي أدسم الإبل لبنا.

وفي د: (كوم المطي)، وفي الأمالي: (كوم الهجان). والطرف: الأصيل من الخيل. والسابح:

الّذي يجري بقوة. وفي أمالي اليزيدي: (لما أنشد زياد الأعجم المهلب هذا الموضع من القصيدة قال: أعقرت ياأبا أمامة؟ قال: لا والله، أصلحك الله! قال: ولم؟ قال: لأني كنت على ابنة الأتان، قال: أما إنك لو عقرت ما بقي بالبصرة طرف عتيق، ولا حمل نجيب إلا شدّ بمربطك أو نيخ بفنائك).

١٩٨

تأويل خبر [ (لا عدوى ولا هامة ولا طيرة) ]

إن سأل سائل فقال: كيف يطابق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا عدوى ولا هامة ولا طيرة) وأنه قيل له: إن النّقبة(١) تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل، فقال عليه السلام: (فما أعدى الأول؟) لما روي عنه عليه السلام من قوله: (لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ)، وقوله: (فرّ من المجذوم فرارك من الأسد)، وأن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له عليه السلام، وروي عنه عليه السلام أنه قال: (الشؤم في المرأة والدار والدّابة) ؛ وظواهر هذه الأخبار متنافية متناقضة فبيّنوا وجه الجمع بينها.

الجواب، قلنا: إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الأخبار، وأجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه، ونذكر ما عندنا فيه، فإنه خلّط وأتى بما ليس بمرضي.

قال:" إنّ لكلّ(٢) من هذه الأخبار معنى وموضعا؛ فإذا وضع موضعه زال الاختلاف".

قال:" وللعدوى معنيان:

أحدهما عدوى الجذام، وإنّ المجذوم تشتد رائحته حتى تسقم في الحال مجالسيه ومؤاكليه، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد، فيوصل إليها الأذى؛ وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه، وكذلك من كان به سلّ ودقّ(٣) ، والأطباء تأمر بألاّ يجالس المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون بذلك معنى العدوى؛ وإنما يريدون بذلك تغيّر الرائحة، وأنها قد يسقم في الحال اشتمامها. والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم، وكذلك النّقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب، فإذا خالط الإبل وحاكّها أوصل إليها بالماء الّذي يسيل منه نحوا مما به؛ فهذا هو المعنى الّذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ) ".

____________________

(١) النقبة: أول شيء يظهر من الجرب؛ وجمعها نقب. (وانظر نهاية ابن الأثير ٤: ١٦٨).

(٢) تأويل مختلف الأحاديث ص ١٢٣ وما بعدها؛ مع اختلاف في العبارة.

(٣) الدق: نوع من الحمى.

١٩٩

قال:" وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألاّ يظن أنّ الّذي نال إبله من ذوات العاهة، فيأثم."

قال:" وليس لهذا عندي وجه؛ لأنا نجد الّذي خبرتك به عيانا) ".

قال:" وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون، وحكي عن الأصمعي عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون، فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان(١) ، فسمع حاديا يحدو خلفه، وهو يقول:

لن يسبق الله على حمار

ولا على ذي ميعة مطار(٢)

أو يأتي الحقّ(٣) على مقدار

قد يصبح الله أمام السّاري

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا كان بالبلد الّذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه).

وقال أيضا: (إذا كان ببلد فلا تدخلوه) ؛ يريد بقوله: (لا تخرجوا) من البلد إذا كان فيه.

كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم؛ ويريد بقوله: (إذا كان ببلد فلا تدخلوه) إن مقامكم بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، وأطيب لعيشكم ". قال:" ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم، والدار، فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول: أعدتني بشؤمها) ".

قال:" فهذا الّذي قال فيه عليه السلام: (لا عدوى) ".

" فأما الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الشؤم في المرأة والدار والدابّة) فإن هذا يتوهّم فيه الغلط على أبي هريرة، وأنه سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا فلم يعه."

وروى ابن قتيبة خبرا ورفعه إلى أبي حسّان الأعرج أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنما الطّيرة في المرأة والدار والدابة)، فطارت

____________________

(١) سفوان: منزل قريب من البصرة.

(٢) الميعة: مصدر ماع الفرس إذا جرى.

(٣) حاشية الأصل: (نسخة س: الحتف)، وهي رواية ابن قتيبة.

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403