البيان في تفسير القرآن

البيان في تفسير القرآن7%

البيان في تفسير القرآن مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 526

  • البداية
  • السابق
  • 526 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 36126 / تحميل: 8271
الحجم الحجم الحجم
البيان في تفسير القرآن

البيان في تفسير القرآن

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

قال أبو شامة :

( ظنّ قَوم أنّ القراءات السبع الموجودة الآن ، هي التي أُريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العِلم قاطبة ، وإنّما يظنّ ذلك بعضُ أهل الجهل )(١) .

وبهذا الاستعراض قد استبان للقارئ ، وظهر له ظهوراً تامّاً أنّ القراءات ليست متواترة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولا عن القرّاء أنفسهم ، مِن غير فَرْق بين السبع وغيرها ، ولو سلّمنا تواترها عن القرّاء ، فهي ليست متواترة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قطعاً .

فالقراءات إمّا أنْ تكون منقولة بالآحاد ، وإمّا أنْ تكون اجتهادات مِن القرّاء أنفسهم ، فلا بدّ لنا مِن البحث في موردَين :

١ - حجّية القراءات :

ذهب جماعة إلى حجّية هذه القراءات ، فجوّزوا أنْ يستدلّ بها على الحُكم الشرعي ، كما استدلّ على حُرمة وطئ الحائض بعد نقائها مِن الحَيض ، وقبل أنْ تغتسل ، بقراءة الكوفيّين - غير حفص - قوله تعالى :( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بالتشديد .

الجواب :

ولكنّ الحقّ عدم حجّية هذه القراءات ، فلا يستدلّ بها على الحكم الشرعي ، والدليل على ذلك : أنّ كلّ واحد مِن هؤلاء القرّاء يُحتمل فيه الغلط والاشتباه ، ولم يرِد دليل مِن العقل ، ولا مِن الشرع على وجوب اتّباع قارئ منهم بالخصوص ، وقد استقلّ العقل ، وحُكم الشرع ، بالمنع عن اتّباع غير العِلم وسيأتي توضيح ذلك إنْ شاء الله تعالى .

_______________________

(١) الإتقان النوع ٢٢ - ٢٧ ج ١ ص ١٣٨

١٦١

ولعلّ أحداً يحاول أنْ يقول : إنّ القراءات - وإنْ لم تكن متواترة - إلاّ أنّها منقولة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )، فتشملها الأدلّة القطعية ، التي أثبتت حجّية الخبر الواحد ، وإذا شملتها هذه الأدلّة القطعية ، خرج الاستناد إليها عن العمل بالظنّ بالورود ، أو الحكومة ، أو التخصيص(١) .

الجواب :

أوّلاً : إنّ القراءات لم يتّضح كونها رواية ، لتشملها هذه الأدلّة ، فلعلّه اجتهادات مِن القرّاء ، ويؤيّد هذا الاحتمال ما تقدّم مِن تصريح بعض الأعلام بذلك ، بل إذا لاحظنا السبب ، الذي مِن أجله اختلف القرّاء في قراءاتهم - وهو خُلُوّ المصاحف المرسلة إلى الجهات مِن النُقَط والشكل - يَقوى هذا الاحتمال جدّاً .

قال ابن أبي هاشم :

( إنّ السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها ، أنّ الجهات التي وُجِّهت إليها المصاحف ، كان بها مِن الصحابة مَن حَمَل عنه أهل تلك الجهة ، وكانت المصاحف خالية مِن النُقَط والشكل قال : فثبَتَ أهلُ كلّ ناحية على ما كانوا تلَقَّوْه سماعاً عن الصحابة ، بشرط موافقة الخطّ ، وتركوا ما يخالف الخطّ . فمِن ثَمّ نشأ الاختلاف بين قرّاء الأمصار )(٢) .

وقال الزرقاني :

( كان العلماء في الصدر الأوّل يرون كراهة نُقَط المصحف وشكله ، مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن ، كما رسمه المصحف ، وخوفاً مِن أنْ يؤدّي ذلك

_______________________

(١) وقد أوضحنا الفَرق بين هذه المعاني في مبحث ( التعادل والترجيح ) في محاضراتنا الأصولية المنتشرة .

(٢) التبيان ص ٨٦

١٦٢

إلى التغيير فيه . ولكنّ الزمان تغيّر - كما علِمت - فاضطرّ المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله ؛ لنفس ذلك السبب ، أي للمحافظة على أداء القرآن ، كما رسمه المصحف ، وخوفاً مِن أنْ يؤدّي تجرّده مِن النُقَط والشكل إلى التغيير فيه )(١) .

ثانياً : إنّ رواة كلّ قراءة مِن هذه القراءات ، لم تثبتْ وَثاقتهم أجْمَع ، فلا تشمل أدلّة حجّية خبر الثقة روايتهم ، ويظهر ذلك ممّا قدّمناه في ترجمة أحوال القرّاء ورُواتِهم .

ثالثاً : إنّا لو سلّمنا أنّ القراءات كلّها تستند إلى الرواية ، وأنّ جميع رواتها ثقات ، إلاّ أنّا نعلم علماً إجمالياً أنّ بعض هذه القراءات لم تصدر عن النبيّ قطعاً ، ومِن الواضح أنّ مثل هذا العِلم يوجب التعارض بين تلك الروايات ، وتكون كلّ واحدة منها مُكذِّبة للأخرى ، فتسقط جميعها عن الحجّية ، فإنّ تخصيص بعضها بالاعتبار ترجيح بلا مرجِّح ، فلا بدّ مِن الرجوع إلى مرجِّحات باب المعارضة ، وبدونه لا يجوز الاحتجاج على الحكم الشرعي بواحدة مِن تلك القراءات .

وهذه النتيجة حاصلة أيضاً إذا قلنا بتواتر القراءات ، فإنّ تواتر القراءتَين المختلفتَين عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يورِث القطْع بأنّ كُلاًّ مِن القراءتين قرآن مُنزَل مِن الله ، فلا يكون بينهما تعارض بحسب السَند ، بل يكون التعارض بينهم بحسب الدلالة فإذا علِمنا إجمالاً أنّ أحدَ الظاهرَين غير مُراد في الواقع ، فلا بدّ مِن القول بتساقطهما ، والرجوع إلى الأصل اللفظي أو العمَلي ؛ لأنّ أدلّة الترجيح ، أو التخيير تختصّ بالأدلّة التي يكون سندها ظنّياً ، فلا تعمّ ما يكون صدوره قطعيّاً وتفصيل ذلك كلّه في بحث ( التعادل والترجيح ) مِن علم الأصول .

_______________________

(١) مناهل العرفان ص ٤٠٢ الطبعة الثانية

١٦٣

٢ - جواز القراءة بها في الصلاة :

ذهب الجمهور مِن علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكلّ واحدة مِن القراءات السَبْع في الصلاة ، بل ادُّعيَ على ذلك الإجماع في كلمات غير واحد منهم ، وجوّز بعضهم القراءة بكلّ واحدة مِن العشْر ، وقال بعضهم بجواز القراءة بكلّ قراءة وافقتْ العربية ولو بوجه ، ووافقتْ أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصحّ سندها ، ولم يحصرها في عددٍ معيّن .

والحقّ : أنّ الذي تقتضيه القاعدة الأوّلية ، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكلّ قراءة ، لم تثبت القراءة بها مِن النبيّ الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، أو مِن أحد أوصيائه المعصومين ( عليهم السلام ) ؛ لأنّ الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن ، فلا يكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآناً .

وقد استقلّ العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمّة ، وعلى ذلك فلا بدّ مِن تكرار الصلاة بعد القراءات المختلفة ، أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة ؛ لإحراز الامتثال القطعيّ ، ففي سورة الفاتحة يجب الجَمْع بين قراءة ( مالِك ) ، وقراءة ( ملِك ) .

أمّا السورة التامّة التي تجب قراءتها بعد الحمد - بناءً على الأظهر - فيجب لها : إمّا اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة ، وإمّا التكرار على النحو المتقدّم .

وأمّا بالنظر إلى ما ثبت قطعيّاً مِن تقرير المعصومين ( عليهم السلام ) شيعتهم على القراءة ، بأيّة واحدة مِن القراءات المعروفة في زمانهم ، فلا شكّ في كفاية كلّ واحدة منها ، فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم ، ولم يرِد عنهم أنّهم ردعوا عن بعضها ، ولو ثبتَ الردْع لوصل إلينا بالتواتر ، ولا أقلّ مِن نقْلِه بالآحاد ، بل وَرَد عنهم ( عليهم السلام ) إمضاء هذه القراءات بقولهم : ( اقرأ كما يقرأ الناس(١) اقرأوا كما عُلِّمتُم(٢) ) وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص

_______________________

(١) الكافي : باب النوادر كتاب فضْل القرآن

(٢) الفصول المهمّة في أصول الأئمّة ـ للحرّ العاملي ـ ج٣ باب ٤٧ ح٣٠١٥ الشبكة

١٦٤

الجواز بالقراءات السبع أو العشر ، نعم يعتبر في الجواز أنْ لا تكون القراءة شاذّة ، غير ثابتة بنقْلِ الثقات عند علماء أهل السُنّة ، ولا موضوعة ، أمّا الشاذّة ، فمثالها قراءة ( مَلَك يومَ الدين ) بصيغة الماضي ونَصْبِ يوم ، وأمّا الموضوعة ، فمثالها قراءة ( إنّما يخشى الله مِن عباده العلماءُ ) برفع كلمة الله ونصْبِ كلمة العلماء ، على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة .

وصَفْوَة القول : أنّه تجوز القراءة في الصلاة بكلّ قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت ( عليهم السلام ) .

١٦٥

هل نزل القرآن على سبعة أحرف ؟ ! !

١٦٦

عَرْض الروايات حول نزول القرآن على سبعة أحرف تفنيد تلك الروايات عدم رجوع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول الوجوه العشرة التي ذكروها تفسيراً للأحرف السبعة بيان فساد تلك الوجوه .

١٦٧

لقد ورد في روايات أهل السُنّة : أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف ، فيحسن بنا أنْ نتعرّض إلى التحقيق في ذلك ، بعد ذِكر هذه الروايات :

١ - أخرج الطبري عن يونس وأبي كريب ، بإسنادهما عن ابن شهاب ، بإسناده عن ابن عبّاس ، حدّثه أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) قال :

( أقرأَني جبرئيل على حرف فراجعته ، فلم أزل استزيده فيزيدني ، حتّى انتهى إلى سبعة أحرف ) .

ورواها مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس(١) ، ورواها البخاري بسند آخر(٢) ، وروى مضمونها عن ابن البرقي ، بإسناده عن ابن عبّاس .

٢ - وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جدّه عن أُبَي بن كعب قال :

( كنت في المسجد ، فدخل رجل يصلّي ، فقرأ قراءةً أنكرتُها عليه ، ثمّ دخل رجل آخر فقرأ قراءةً

_______________________

(١) صحيح مسلم باب أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف ج ٢ ص ٢٠٢ طبعة محمّد عليّ صبيح بمصر .

(٢) صحيح البخاري باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف ج ٦ ص ١٠٠ طبعة دار الخلافة المطبعة العامرة

١٦٨

غير قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعاً على رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، قال : فقلت يا رسول الله إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه ، ثمّ دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه ، فأمرهما رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) فقرءا ، فحسَّن رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) شأنهما ، فوَقع في نفسي مِن التكذيب ، ولا إذ كنتُ في الجاهلية .

فلمّا رأى رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ما غشِيَني ضرب في صدري ، ففضْتُ عَرَقاً كأنّما أنظر إلى الله فرْقاً فقال لي : يا أُبَيّ أُرسِلَ إليَّ أنْ أقرأ القرآن على حرف ، فرددتُ عليه أنْ هوِّن على أمّتي ، فردّ عليّ في الثانية أنْ أقرأ القرآن على حرف(١) ، فرددتُ عليه أنْ هوِّن على أمّتي ، فردّ عليّ في الثالثة أن اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكلّ ردّةٍ رددتَها مسألة تسألْنيها فقلت : اللهمّ اغفر لأمّتي اللهمّ اغفر لأمّتي ، وأخّرتُ الثالثة ليوم يرغب فيه إلى الخَلْق كلّهم حتّى إبراهيم ( عليه السلام ) ) .

وهذه الرواية رواها مسلم أيضاً بأدنى اختلاف(٢) ، وأخرجها الطبري عن أبي كريب بطُرُق أخرى باختلاف يسير أيضاً ، وروى ما يقرب مِن مضمونها عن طريق يونس بن عبد الأعلى ، وعن طريق محمّد بن عبد الأعلى الصنعانيّ عن أُبَيّ .

٣ - وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن سليمان بن صرد عن أُبَيّ بن كعب قال :

_______________________

(١) هكذا في النسخة ، وفي صحيح مسلم : على حرفين .

(٢) صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٠٣

١٦٩

( رحتُ إلى المسجد فسمعت رجلاً يقرأ ، فقلت : مَن أقرأك ؟ فقال : رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، فانطلقتُ به إلى رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، فقلت : استقرئ هذا ، فقرأ فقال : أحسنت قال : فقلت : إنّك أقرأتني كذا وكذا ، فقال : وأنت قد أحسنت قال : فقلت قد أحسنت قد أحسنت قال : فضرب بيده على صدري ، ثمّ قال : اللهمّ أذهب عن أُبَيّ الشكّ قال : ففضْتُ عرَقاً وامتلأ جَوفي فَرَقاً .

ثمّ قال ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : إنّ الملَكَين أتَياني ، فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده قال : فقلت زدْني قال : اقرأه على حرفَين ، حتّى بلَغ سبعة أحرف ، فقال : اقرأ على سبعة أحرف ) .

٤ - وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال :

( قال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : قال جبرئيل : اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل : استزده ، فقال : على حرفين ، حتّى بَغ ستّة أو سبعة أحرف - والشكّ مِن أبي كريب - فقال : كلّها شافٍ كافٍ ، ما لم تختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب كقولك : هلمَّ وتعال ) .

٥ - وأخرج عن أحمد بن منصور ، بإسناده عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جدِّه قال :

( قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ، فغيّر عليه ، فقال : لقد قرأت على رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، فلم يغيّر

١٧٠

عليّ ، قال : فاختصما عند النبيّ ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، فقال : يا رسول الله ألَم تُقرئُني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى فوقع في صدر عمر شيء ، فعرف النبيّ ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) - ذلك في وجهه قال : فضرب صدره وقال : أبعد شيطاناً ، قالها ثلاثاً ، ثمّ قال : يا عمَر إنّ القرآن كلّه سواء ، ما لم تجعل رحمةً عذاباً ، وعذاباً رحمةً ) .

وأخرج عن يونس بن عبد الأعلى ، بإسناده عن عمر بن الخطاب قضية مع هشام بن حكيم تشبه هذه القصّة وروى البخاري ومسلم والترمذي قصّة عمر مع هشام بإسناد غير ذلك ، واختلاف في ألفاظ الحديث(١) .

٦ - وأخرج عن محمّد بن المثنّى ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أُبيّ بن كعب ، أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) كان عند أضاءة بني غفّار قال :

( فأتاه جبرئيل ، فقال : إنّ الله يأمرك أنْ تُقرئ أمّتك القرآن على حرف ، فقال : اسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتي لا تُطيق ذلك قال : ثمّ أتاه الثانية ، فقال : إنّ الله يأمرك أنْ تُقرئ أمّتك القرآن على حرفَين ، فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتي لا تُطيق ذلك ، ثمّ جاء الثالثة ، فقال : إنّ الله يأمرك أنْ تُقرئ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف ، فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتي لا تُطيق ذلك ، ثمّ جاء الرابعة فقال : إنّ الله يأمرك أنْ

_______________________

(١) صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٠٢ ، وصحيح البخاري ج ٣ ص ٩٠ ، و ج ٦ ص ١٠٠ ، ١١١ ، و ج ٨ ص ٥٣ ، ٢١٥ ، وصحيح الترمذي بشرح ابن العربي باب ما جاء أُنزل القرآن على سبعة أحرف ج ١١ ص ٦٠

١٧١

تُقرئ أمّتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا ) .

ورواها مسلم أيضاً في صحيحه(١) وأخرج الطبري أيضاً نحوها عن أبي كريب ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أُبَيّ بن كعب .

وأخرج أيضاً بعضها عن أحمد بن محمّد الطوسي ، بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أُبَيّ بن كعب باختلافٍ يسير ، وأخرجها أيضاً عن محمّد بن المثنّى ، بإسناده عن أُبَيّ بن كعب .

٧ - وأخرج عن أبي كريب باسناده عن زر عن أُبيّ قال :

( لَقِيَ رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) جبرئيل عند أحجار المراء ، فقال : إنّي بُعثتُ إلى أمّة أمّيين منهم الغلام والخادم ، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز ، فقال جبرئيل : فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف )(٢) .

٨ - وأخرج عن عمرو بن عثمان العثمانيّ ، بإسناده عن المقبري عن أبي هريرة أنّه قال :

( قال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ولا حرج ، ولكن لا تختموا ذِكْر رحمةٍ بعذاب ، ولا ذِكر عذابٍ برحمة ) .

٩ - وأخرج عن عبيد بن اسباط ، بإسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال :

_______________________

(١) صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٠٣ .

(٢) ورواها الترمذي أيضاً بأدنى اختلاف ج ١١ ص ٦٢

١٧٢

قال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : ( أُنزل القرآن على سبعة أحرف عليم حكيم غفور رحيم ) .

وأخرج عن أبي كريب ، بإسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله .

١٠ - وأخرج عن سعيد بن يحيى ، بإسناده عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال :

( تمارَينا في سورة مِن القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون ، أو ستّ وثلاثون آية قال : فانطلقنا إلى رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) فوجدنا عليّاً يُناجيه قال : فقلنا إنّما اختلفنا في القراءة قال : فاحمرّ وجه رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، وقال : إنّما هلك مَن كان قبلكم باختلافهم بينهم قال : ثمّ أسَرّ إلى عليٍّ شيئاً ، فقال لنا عليّ : إنّ رسول الله يأمركم أنْ تقرأوا كما عُلِّمتُم )(١) .

١١ - وأخرج القرطبي عن أبي داود عن أُبَيّ ، قال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) :

( يا أُبيّ إنّي قرأت القرآن فقيل لي : على حرفٍ أو حرفَين ، فقال المَلَك الذي معي : قلْ على حرفَين فقيل لي : على حرفَين أو ثلاثة ، فقال الملَك الذي معي : قلْ على ثلاثة ، حتّى بلَغ سبعة أحرف ، ثمّ قال : ليس منها إلاّ شافٍ كافٍ ، إنْ قلت سميعاً ، عليماً ، عزيزاً ، حكيماً ، ما لم تخلط آية عذابٍ برحمة ، أو آية رحمةٍ بعذاب )(٢) .

_______________________

(١) هذه الروايات كلّها مذكورة في تفسير الطبري ج ١ ص ٩ - ١٥ .

(٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٤٣

١٧٣

هذه أهمّ الروايات التي رُويت في هذا المعنى ، وكلّها مِن طُرُق أهل السُنّة ، وهي مخالفة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :

( إنّ القرآن واحد نزل مِن عند واحد ، ولكنّ الاختلاف يجئ مِن قِبَل الرواة )(١) .

وقد سأل الفُضيل بن يسار أبا عبد الله ( عليه السلام ) ، فقال : إنّ الناس يقولون : إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( كذَبوا - أعداء الله - ولكنّه نزل على حرفٍ واحد مِن عند الواحد )(٢) .

وقد تقدّم إجمالاً أنّ المراجع بعد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أمور الدين ، إنّما هو كتاب الله ، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ( وسيأتي توضيحه مفصّلاً بعد ذلك إنْ شاء الله تعالى ) .

ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لِما يصحّ عنهم ؛ ولذلك لا يهمّنا أنْ نتكلّم عن أسانيد هذه الروايات وهذا أوّل شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجّية ، ويُضاف إلى ذلك ما بين هذه الروايات مِن التخالف والتناقض ، وما في بعضها مِن عدم التناسب بين السؤال والجواب .

تهافت الروايات :

فمِن التناقض : أنّ بعض الروايات دلّ على أنّ جبرئيل أَقرأ النبيَّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على حرف ، فاستزاده النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فزاده ، حتّى انتهى إلى سبعة أحرف ، وهذا يدلّ

_______________________

(١) أصول الكافي كتاب فضل القرآن - باب النوادر ، الرواية : ١٢ .

(٢) أصول الكافي كتاب فضل القرآن - باب النوادر ، الرواية : ١٣ .

(البيان - ١٢)

١٧٤

على أنّ الزيادة كانت على التدريج ، وفي بعضها أنّ الزيادة كانت مرّة واحدة في المرّة الثالثة ، وفي بعضها أنّ الله أمَره في المرّة الثالثة أنْ يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ، وكان الأمر بقراءة سبع في المرّة الرابعة .

ومِن التناقض أنّ بعض الروايات يدلّ على أنّ الزيادة كلّها كانت في مجلس واحد ، وأنّ طلب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الزيادة كان بإرشاد ميكائيل ، فزاده جبرئيل حتّى بلَغ سبعاً ، وبعضها يدلّ على أنّ جبرئيل كان ينطلق ويعود مرّةً بعد مرّة .

ومِن التناقض أنّ بعض الروايات يقول : إنّ أُبيّ دخل المسجد ، فرأى رجلاً يقرأ على خلاف قراءته وفي بعضها أنّه كان في المسجد ، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته ، وقد وقع فيها الاختلاف أيضاً فيما قاله النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لأُبيّ . إلى غير ذلك مِن الاختلاف .

ومِن عدم التناسب بين السؤال والجواب ، ما في رواية ابن مسعود مِن قَول عليّ ( عليه السلام ) : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يأمرُكم أنْ تقرأوا كما عُلِّمتُم ، فإنّ هذا الجواب لا يرتبط بما وقع فيه النزاع مِن الاختلاف في عدد الآيات أضِف إلى جميع ذلك : أنّه لا يرجع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنىً معقول ، ولا يتحصّل للناظر فيها معنىً صحيح .

وجوه الأحرف السبعة :

وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوهاً كثيرةً ، نتعرّض للمهمّ منها مع مناقشتها وبيان فسادها :

١- المعاني المتقاربة :

إنّ المراد سبعة أَوجه مِن المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو ( عجِّل ، وأسرِعْ ، واسْعَ ) ، وكانت هذه الأحرف باقية إلى زمان عثمان ، فحصرها عثمان

١٧٥

بحرفٍ واحد ، وأمَر بإحراق بقيّة المصاحف التي كانت على غيره مِن الحروف الستّة واختار هذا الوجه الطبري(١) وجماعة وذكر القرطبيّ : أنّه مختار أكثر أهل العِلم(٢) وكذلك قال أبو عمرو بن عبد البرّ(٣) .

واستدلّوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة ، وأبي داود ، وغيرهما ممّا تقدّم وبرواية يونس بإسناده عن ابن شهاب قال :

( أخبرني سعيد بن المسيّب أنّ الذي ذَكر الله تعالى ذِكرُه :

( إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) ١٦ : ١٠٣ .

إنّما افتتن أنّه كان يكتب الوحي ، فكان يُملي عليه رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) سميع عليم ، أو عزيز حكيم ، وغير ذلك مِن خواتم الآي ، ثمّ يشتغل عنه رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) وهو على الوحي ، فيستفهم رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) ، فيقول : ( أعزيزٌ حكيم ، أو سميعٌ عليم ، أو عزيزٌ عليم ) ؟ فيقول له رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : أيّ ذلك كتبتَ فهو كذلك ، ففتنه ذلك ، فقال : إنّ محمّداً أَوكَلَ ذلك إليّ ، فأكتُب ما شئت ) .

واستدلّوا أيضاً بقراءة أنَس ( إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأً وأصوَب قيلاً ) ، فقال له بعض القوم : يا أبا حمزة إنّما هي ( وأقوَم ) ، فقال : ( أقوَم ، وأصوَب ، وأهدى واحد ) وبقراءة ابن مسعود ( إنْ كانت إلاّ زقية واحدة )(٤) .

_______________________

(١) تفسير الطبري ج ١ ص ١٥ .

(٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٤٢ .

(٣) التبيان ص ٣٩ .

(٤) تفسير الطبري ج ١ ص ١٨ .

١٧٦

وبما رواه الطبري عن محمّد بن بشّار ، وأبي السائب بإسنادهما عن همام : أنّ أبا الدرداء كان يُقرئ رجلاً :

( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ٤٤ : ٤٣طَعَامُ الأَثِيمِ ٤٤ : ٤٤) .

قال : فجعل الرجل يقول : ( إنّ شجرة الزقوم طعام اليتيم ) ، قال : فلمّا أكثَرَ عليه أبو الدرداء ، فرآه لا يفهم قال : ( إنّ شجرة الزقوم طعام الفاجر )(١) .

واستدلّوا أيضاً على ذلك ، بما تقدّم مِن الروايات الدالّة على التوسعة : ( ما لم تُختم آيةُ رحمةٍ بعذاب ، أو آية عذابٍ برحمة ) .

فإنّ هذا التحديد لا معنى له ، إلاّ أنْ يُراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض ، فاستُثنيَ مِن ذلك ختْمُ آية عذابٍ برحمة ، أو آية رحمةٍ بعذاب .

وبمقتضى هذه الروايات لا بدّ مِن حَمْل روايات السبعة أحرف على ذلك بعد ردِّ مُجْملِها إلى مُبيِّنِها .

إنّ جميع ما ذُكر لها مِن المعاني أجنبيّ عن مورد الروايات - وستعرف ذلك - وعلى هذا ، فلا بدّ مِن طَرْح الروايات ؛ لأنّ الالتزام بمفادها غير ممكن .

والدليل على ذلك :

أوّلاً : إنّ هذا إنّما يتمّ في بعض معاني القرآن ، التي يمكن أنْ يُعبّر عنها بألفاظ سبعة متقاربة ومِن الضروريّ أنّ أكثر القرآن لا يتمّ فيه ذلك ، فكيف تُتصوّر هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن ؟ .

ثانياً : إنْ كان المراد مِن هذا الوجه ، أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد جوّز تبديل

_______________________

(١) تفسير الطبري ج ٢٥ ص ٧٨ عند تفسير الآية المباركة

١٧٧

كلمات القرآن الموجودة بكلماتٍ أخرى ، تقاربها في المعنى - ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدّمة - فهذا الاحتمال يوجِب هدم أساس القرآن ، المعجزة الأبديّة ، والحُجّة على جميع البشَر ، ولا يشكّ عاقل في أنّ ذلك يقتضي هَجْر القرآن المُنزَل ، وعدم الاعتناء بشأنه .

وهل يتوهّم عاقل ترخيص النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنْ يقرأ القارئ ( يس ، والذِكر العظيم ، إنّك لمِن الأنبياء ، على طريق سويّ ، إنزال الحميد الكريم ، لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم ، فهُم ساهون ) ، فلتُقرّ عيون المجوِّزين لذلك سبحانك اللهمّ إنْ هذا إلاّ بهتانٌ عظيم ، وقد قال الله تعالى :

( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) ١٠ : ١٥ .

وإذا لم يكن للنبيِّ أنْ يُبدّل القرآن مِن تِلقاء نفسه ، فكيف يجوز ذلك لغيره ؟ .

وإنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) علّم براء بن عازب دعاءً كان فيه : ( ونبيّك الذي أرسلت ) ، فقرأ براء ( ورسولك الذي أرسلت ) ، فأمره ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنْ لا يضع الرسول موضع النبيّ(١) فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ .

وإنْ كان المراد مِن الوجه المتقدّم : أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قرأ على الحروف السبعة - ويشهد لهذا كثير مِن الروايات المتقدّمة - فلا بدّ للقائل بهذا ، أنْ يُدِلّ على هذه الحروف السبعة ، التي قرأ بها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ؛ لأنّ الله سبحانه قد وعَدَ بحِفْظ ما أنزله :

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ١٥ : ٩ .

ثالثاً : أنّه صرّحت الروايات المتقدّمة بأنّ الحكمة في نزول القرآن على سبعة

_______________________

(١) التبيان ٥٨

١٧٨

أحرف هي التوسعة على الأمّة ؛ لأنّهم لا يستطيعون القراءة على حرفٍ واحد ، وأنّ هذا هو الذي دعا النبيّ الاستزادة إلى سبعة أحرف ، وقد رأينا أنّ اختلاف القراءات أَوجبَ أنْ يُكفِّر بعض المسلمين بعضاً ، حتّى حَصَر عثمان القراءة بحرفٍ واحد ، وأمَر بإحراق بقيّة المصاحف .

ويستنتج مِن ذلك أمور :

١ - إنّ الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأمّة ، وقد ظهر ذلك في عَصْر عثمان ، فكيف يصحّ أنْ يطلب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مِن الله ما فيه فساد الأمّة ، وكيف يصحّ على الله أنْ يُجيبه إلى ذلك ؟ وقد ورَدَ في كثير مِن الروايات النهي عن الاختلاف ، وأنّ فيه هلاك الأمّة ، وفي بعضها أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تغيّر وجهه واحمرّ حين ذُكر له الاختلاف في القراءة ، وقد تقدّم جملة منها ، وسيجيء بعد هذا جملة أخرى

٢ - قد تضمنت ّالروايات المتقدّمة أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : إنّ أمّتي لا تستطيع ذلك ( القراءة على حرفٍ واحد ) وهذا كذبٌ صريح ، لا يُعقَل نسبته إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ؛ لأنّا نجد الأمّة بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولُغاتها ، قد استطاعت أنْ تقرأ القرآن على حرفٍ واحد ، فكيف يكون مِن العُسر عليها أنْ تجتمع على حرفٍ واحد في زمان النبيِّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ؟ وقد كانت الأمّة مِن العرب الفُصحى .

٣ - إنّ الاختلاف الذي أَوجَب لعثمان أنْ يحصر القراءة في حرفٍ واحد ، قد اتّفق في عصر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وقد أقرّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كلّ قارئ على قراءته ، وأمَر المسلمين بالتسليم لجميعها ، وأعْلمَهم بأنّ ذلك رحمة مِن الله لهم ، فكيف صحّ لعثمان ، ولتابعِيه سدّ باب الرحمة ، مع نهْيِ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن المنْعِ عن قراءة القرآن ؟ .

وكيف جاز للمسلمين رفْض قول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأخْذ قول عثمان وإمضاء عملِه ؟ أفَهَل وجَدوه أرأف بالأمّة مِن نبيِّها ؟ أو أنّه تنبّه لشيءٍ ، قد جهِلَه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مِن قَبل وحاشاه ؟ أو أنّ الوحي قد نزل على عثمان بنُسَخِ تلك الحروف ؟ ! .

١٧٩

وخلاصة الكلام : أنّ بشاعة هذا القول تُغني عن التكلّف عن ردِّه ، وهذه هي العُمدة في رفْض المتأخّرين مِن علماء أهل السُنّة لهذا القول ولأجل ذلك قد التجأ بعضُهم كأبي جعفر محمّد بن سعدان النحويّ ، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأنّ هذه الروايات مِن المُشكل والمتشابه ، وليس يدري ما هو مفادها(١) ، مع أنّك قد عرفت أنّ مفادها أمْرٌ ظاهر ، ولا يشكّ فيه الناظر إليها ، كما ذهب إليه واختاره أكثر العلماء .

٢ - الأبواب السبعة :

إنّ المراد بالأحرف السبعة هي الأبواب السبعة ، التي نزل منها القرآن وهي : زجْرٌ ، وأمْرٌ ، وحلال ، وحرام ، ومُحْكَم ، ومتشابه ، وأمثال

واستدلّ عليه بما رواه يونس ، بإسناده عن ابن مسعود عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال :

( كان الكتاب الأوّل نزل مِن بابٍ واحد على حرفٍ واحد ، ونزل القرآن مِن سبعة أبواب ، وعلى سبعة أحرف : زجْر ، وأمْر ، وحلال ، وحرام ، ومُحْكم ، ومتشابه ، وأمثال فأحِلّوا حلاله ، وحرِّموا حرامه ، وافعلوا ما أُمرتُم به ، وانتهوا عمّا نُهيتُم عنه ، واعتبِروا بأمثاله ، واعملوا بمُحكَمِه ، وآمِنوا بمتشابِهه ، وقولوا آمنّا به كلٌّ مِن عند ربِّنا )(٢)

ويَرِد على هذا الوجه :

١ - إنّ ظاّهر الرواية كَون الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن غير

_______________________

(١) التبيان ص ٦١ .

(٢) تفسير الطبري ج ١ ص ٢٣

١٨٠

الأبواب السبعة التى نزل منها ، فلا يصحّ أنْ يُجعل تفسيراً لها ، كما يريده أصحاب هذا القول .

٢ - إنّ هذه الرواية معارضة برواية أبي كريب ، بإسناده عن ابن مسعود قال : إنّ الله أنزل القرآن على خمسة أحرف : حلال ، وحرام ، ومُحكم ، ومتشابه ، وأمثال(١) .

٣ - إنّ الرواية مضطربة في مفادها ، فإنّ الزجْر والحرام بمعنىً واحد ، فلا تكون الأبواب سبعة ، على أنّ في القرآن أشياء أخرى لا تدخل في هذه الأبواب السبعة ، كذِكر المبدأ والمعاد ، والقصص ، والاحتجاجات والمعارف ، وغير ذلك وإذا أراد هذا القائل أنْ يُدرج جميع هذه الأشياء في المُحكَم والمتشابه ، كان عليه أنْ يُدرج الأبواب المذكورة في الرواية فيهما أيضاً ، ويحصر القرآن في حرفَين ( المُحكم والمتشابه ) ، فإنّ جميع ما في القرآن لا يخلو مِن أحدهما .

٤ - إنّ اختلاف معاني القرآن على سبعة أحرف ، لا يُناسب ما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة مِن التوسعة على الأمّة ؛ لأنّها لا تتمكّن مِن القراءة على حرفٍ واحد .

٥ - إنّ في الروايات المتقدّمة ما هو صريح ، في أنّ الحروف السبعة هي الحروف التي كانت تختلف فيها القرّاء ، وهذه الرواية إذا تمّت دلالتها لا تصلح قرينة على خلافها .

٣- الأبواب السبعة بمعنى آخر :

إنّ الحروف السبعة هي : الأمر ، والزجْر ، والترغيب ، والترهيب ، والجَدَل ،

_______________________

(١) تفسير الطبري ج١ ص ٢٤

١٨١

والقصص ، والمَثَل واستدلّ على ذلك برواية محمّد بن بشّار ، بإسناده عن أبي قلامة قال :

( بلَغَني أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : أُنزل القرآن على سبعة أحرف : أمْرٌ ، وزجْرٌ ، وترغيب ، وترهيب، وجدَل ، وقصص ، ومثَل )(١) .

وجوابه يظهر ممّا قدّمناه في الوجه الثاني .

٤ - اللُغات الفصيحة :

إنّ الأحرف السبعة هي اللُغات الفصيحة مِن لُغات العرب ، وإنّها متفرّقة في القرآن فبعضه بلُغَة قريش ، وبعضه بلُغَة هُذَيل، وبعضه بلُغَة هوازن ، وبعضه بلُغة اليمَن ، وبعضه بلُغة كنانة ، وبعضه بلُغة تميم ، وبعضه بلُغة ثقيف ونُسب هذا القول إلى جماعة ، منهم : البيهقي ، والأبهري ، وصاحب القاموس .

ويردّه :

١ - إنّ الروايات المتقدّمة قد عَيَّنت المراد مِن الأحرف السبعة ، فلا يُمكن حمْلَها على أمثال هذه المعاني التي لا تنطبق على موردها .

٢ - إنّ حَمْل الأحرف على اللُغات ينافي ما رُويَ عن عمر مِن قوله : نزل القرآن بلُغَة مُضَر(٢) ، وإنّه أنكَر على ابن مسعود قراءته ( عتّى حين ) أي حتّى حين ، وكتَب إليه : أنّ القرآن لم ينزل بلُغَة هُذَيل ، فأقْرِئ الناس بلُغَة قريش ، ولا تُقرئهم بلُغة هُذَيل(٣) .

_______________________

(١) تفسير الطبري ج ١ ص ٢٤ .

(٢) التبيان ص ٦٤ .

(٣) نفس المصدر ص ٦٥

١٨٢

وما رُوي عن عثمان أنّه قال : ( للرهْط القُرَشيّين الثلاثة ، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء مِن القرآن ، فاكتبوه بلسانِ قريش ، فإنّما نزل بلسانهم )(١) .

وما رُويَ مِن : ( أنّ عُمَر وهشام بن حكيم اختلفا في قراءة سورة الفرقان ، فقرأ هشام قراءةً ، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) هكذا أُنزلت ، وقرأ عُمَر قراءة غير تلك القراءة ، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) هكذا أُنزلت ، ثمّ قال رسول الله ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) : إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف )(٢) .

فإنّ عمر وهشام كان كِلاهما مِن قريش ، فلم يكن حينئذٍ ما يوجِب اختلافهم في القراءة ، ويُضاف إلى جميع ذلك أنّ حَمْل الأحرف على اللُغات قولٌ بغير عِلم ، وتحَكُّم مِن غير دليل .

٣ - إنّ القائلين بهذا القول إنْ أرادوا أنّ القرآن اشتمل على لُغات أخرى ، كانت لُغة قريش خالية منها ، فهذا المعنى خلاف التسهيل على الأمّة ، الذي هو الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف ، على ما نطقت الروايات بذلك ، بل هو خلاف الواقع، فإنّ لُغة قريش هي المهيمنة على سائر لُغات العرب ، وقد جمَعت مِن هذه اللغات ما هو أفصحها ؛ ولذلك استحقّت أنْ توزَن بها العربية ، وأنْ يُرجع إليها في قواعدها .

وإنْ أرادوا أنّ القرآن مشتمل على لُغات أخرى ، ولكنّها تتّحد مع لُغة قريش ، فلا وجه للحصر بلُغات سبع ، فإنّ في القرآن ما يقرب مِن خمسين لًُغة فعن أبي بكر الواسطي : في القرآن مِن اللُغات خمسون لُغة ، وهي لُغات قريش ، وهُذَيل ، وكنانة ، وخثعم ، والخزرج ، وأشعر ، ونمير .(٣)

_______________________

(١) صحيح البخاري باب نزل القرآن بلسان قريش ص ١٥٦ .

(٢) أشرنا إلى هذه الرواية في ما تقدّم مِن هذا الكتاب .

(٣) راجع الإتقان ج ١ النوع ٣٧ ص ٢٣٠ ، ٢٠٤

١٨٣

٥ - لغات مُضَر :

إنّ الأحرف السبعة هي سبع لُغات مِن لُغات مُضَر خاصّة ، وإنّها متفرّقة في القرآن ، وهي لُغات قريش ، وأسد ، وكنانة ، وهُذَيل ، وتميم ، وضبّة ، وقيس ويرِد عليه جميع ما أوردناه على الوجه الرابع .

٦ - الاختلاف في القراءات :

إنّ الأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءات قال بعضهم : إنّي تدبّرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتُها سبعاً، فمنها : ما تتغيّر حركته ، ولا يزول معناه ولا صورته مثل : ( هنّ أطهَرُ لكُم ) بضمّ أطهر وفتحه .

ومنها : ما تتغيّر صورته ، ويتغيّر معناه بالإعراب مثل : ( ربَّنا باعِد بين أسفارِنا ) بصيغة الأمر والماضي .

ومنها : ما تبقى صورته ، ويتغيّر معناه باختلاف الحروف مثل : ( كالعِهن المنفوش وكالصوف المنفوش ) .

ومنها : ما تتغيّر صورته ومعناه مثل : ( وطَلحٍ منضود وطلعٍ منضود ) .

ومنها : بالتقديم والتأخير مثل : ( وجاءت سكرةُ الموت بالحقّ ، وجاءت سكرةُ الحقّ بالموت ) .

ومنها بالزيادة والنقصان : ( تِسعٌ وتسعون نعجة أُنثى وأمّا الغلام فكان كافراً ، وكان أبَواه مؤمنَين فإنّ الله مِن بعد إكراههنّ لهن غفور رحيم ) .

ويردّه :

١ - إنّ ذلك قولٌ لا دليل عليه ، ولا سيّما أنّ المخاطَبين في تلك الروايات ، لم يكونوا يعرفون مِن ذلك شيئاً .

١٨٤

٢ - إنّ مِن وجوه الاختلاف المذكورة ما يتغيّر فيه المعنى وما لا يتغيّر ، ومِن الواضح أنّ تغيّر المعنى وعدمه لا يوجب الانقسام إلى وجهَين ؛ لأنّ حال اللفظ والقراءة لا تختلف بذلك ، ونسبة الاختلاف إلى اللفظ في ذلك مِن قبيل وصف الشيء بحال متعلّقِهِ ؛ ولذلك يكون الاختلاف في ( طلحٍ منضود وكالعِهن المنفوش ) قسماً واحداً .

٣ - إنّ مِن وجوه الاختلاف المذكور ، بقاء الصورة للّفظ ، وعدم بقائها ، ومِن الواضح أيضاً ، أنّ ذلك لا يكون سبباً للانقسام ؛ لأنّ بقاء الصورة إنّما هو في المكتوب لا في المقروء ، والقرآن اسمٌ للمقروء لا للمكتوب ، والمُنزَل مِن السماء إنّما كان لفظاً لا كتابةً وعلى هذا يكون الاختلاف في ( وطلحٍ ونُنشِزُها ) وجهاً واحداً لا وجهَين .

٤ - إنّ صريح الروايات المتقدّمة ، أنّ القرآن نزل في ابتداء الأمر على حرفٍ واحد ومِن البيِّن أنّ المراد بهذا الحرف الواحد ليس هو أحد الاختلافات المذكورة ، فكيف يمكن أنْ يُراد بالسبعة مجموعها ؟! .

٥ - إنّ كثيراً مِن القرآن موضع اتّفاق بين القرّاء ، وليس مورداً للاختلاف ، فإذا أضفنا موضع الاتّفاق إلى موارد الاختلاف بلَغ ثمانية ومعنى هذا أنّ القرآن نزل على ثمانية أحرف .

٦ - إنّ مَورد الروايات المتقدّمة هو اختلاف القرّاء في الكلمات ، وقد ذُكر ذلك في قصّة عُمَر وغيرها وعلى ما تقدّم ، فهذا الاختلاف حرفٌ واحد مِن السبعة ، ولا يحتاج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في رفْع خصومتهم إلى الاعتذار ، بأنّ القرآن نزل على الأحرف السبعة ، وهل يمكن أنْ يُحمَل نزول جبريل بحرف ، ثمّ بحرفَين ، ثمّ بثلاثة ، ثمّ بسبعة ، على هذه الاختلافات ؟ ! وقد أنصف الجزائرى في قوله : ( والأقوال في هذه المسألة كثيرة ، وغالبُها بعيدٌ عن الصواب ) وكأنّ القائلين

١٨٥

بذلك ذهلوا عن مَورد حديث : أُنزل القرآن على سبعة أحرف ، فقالوا ما قالوا(١) .

٧ - اختلاف القراءات بمعنىً آخر :

إنّ الأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءة ، ولكن بنحوٍ آخر غير ما تقدّم ، وهذا القول اختاره الزرقاني ، وحكاه عن أبي الفضل الرازي في اللوائح ، فقال : الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف :

الأوّل : اختلاف الأسماء مِن إفرادٍ ، وتثنيةٍ ، وجمعِ ، وتذكير ، وتأنيث .

الثاني : اختلاف تصريف الأفعال مِن ماضٍ ، ومضارع ، وأمْر .

الثالث : اختلاف الوجوه في الإعراب .

الرابع : الاختلاف بالنقص والزيادة .

الخامس : الاختلاف بالتقديم والتأخير .

السادس : الاختلاف بالإبدال .

السابع : اختلاف اللُغات ( اللهْجات ) كالفتح ، والإمالة ، والترقيق ، والتفخيم ، والإظهار ، والإدغام ، ونحو ذلك

ويرِد عليه :

ما أَوردْناه على الوجه السادس في الإشكال الأوّل والرابع والخامس منه ، ويردّه أيضاً : أنّ الاختلاف في الأسماء يشترك مع الاختلاف في الأفعال في كَونِها اختلافاً في الهيئة ، فلا معنى لجعلِه قِسماً آخر مقابلاً له ولو راعَينا الخصوصيّات في هذا التقسيم ، لوَجَب علينا أنْ نَعدّ كلَّ واحدٍ مِن الاختلاف في التثنية ، والجمع ، والتذكير ، والتأنيث ، والماضي ، والمضارع ، والأمر ، قسماً مستقلاًّ ويُضاف إلى ذلك أنّ الاختلاف في الإدغام ، والإظهار ، والرَوم ، والإشمام ، والتخفيف

_______________________

(١) التبيان ص ٥٩

١٨٦

والتسهيل في اللفظ الواحد لا يُخرجه عن كونه لفظاً واحداً وقد صرّح بذلك ابن قتيبة على ما حكاه الزرقاني عنه(١) .

والصحيح أنّ وجوه الاختلاف في القراءة ترجع إلى ستّة أقسام :

الأوّل : الاختلاف في هيئة الكلمة دون مادّتها ، كالاختلاف في لفظة ( باعِد ) بين صيغة الماضي والأمر ، وفي كلمة ( أمانتهم ) بين الجمْع والإفراد

الثاني : الاختلاف في مادّة الكلمة دون هيئتها ، كالاختلاف في لفظة ( ننشرها ) بين الراء والزاي .

الثالث : الاختلاف في المادّة والهيئة ، كالاختلاف في ( العِهن والصوف ) .

الرابع : الاختلاف في هيئة الجملة بالإعراب ، كالاختلاف ( وأرجلكم ) بين النصْبِ والجرّ .

الخامس : الاختلاف بالتقديم والتأخير ، وقد تقدّم مثال ذلك .

السادس : الاختلاف بالزيادة والنقيصة ، وقد تقدّم مثاله أيضاً .

٨ - الكثرة في الآحاد :

إنّ لفظ السبعة يُراد منه الكثرة في الآحاد ، كما يُراد مِن لفْظ السبعين والسبعمئة ، الكثرة في العَشَرات أو المئات ، ونُسب هذا القول إلى القاضي عياض ومَن تبِعَه .

ويردّه :

إنّ هذا خلاف ظاهر الروايات ، بل خلاف صريح بعضها على أنّ هذا لا

_______________________

(١) مناهل العرفان ١٥٤

١٨٧

يُعدّ قولاً مستقلاًّ عن الوجوه الأخرى ؛ لأنّه لم يُعيّن معنى الحروف فيه ، فلا بدّ وأنْ يُراد مِن الحروف أحد المعاني المذكورة في الوجوه المتقدّمة ، ويرِد عليه ما يرِد مِن الإشكال على تلك الوجوه .

٩ - سبع قراءات :

ومِن تلك الوجوه أنّ الأحرف السبعة ( موضوعة البحث ) هي سبع قراءات .

ويردّه :

أنّ هذه القراءات السبع إنْ أُريد بها السبع المشهورة ، فقد أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال ، في البحث عن تواتر القراءات - وقد تقدّم ذلك - في باب ( نظرة في القراءات ) .

وإنْ أُريد بها قراءات سبعٍ على إطلاقها ، فمِن الواضح أنّ عدد القراءات أكثر مِن ذلك بكثير ، ولا يمكن أنْ يوجّه ذلك : بأنّ غاية ما ينتهي إليه اختلاف القراءات أكثر مِن ذلك بكثير ، الواحدة هي السبع ؛ لأنّه :

إنْ أُريد أنّ الغالب في كلمات القرآن أنْ تقرأ على سبعة وجوه ، فهذا باطل ؛ لأنّ الكلمات التي تُقرأ على سبعة وجوه قليلة جدّاً .

وإنْ أُريد أنّ ذلك موجود في بعض الكلمات ، وعلى سبيل الإيجاب الجزئي ، فمِن الواضح أنّ في كلمات القرآن ما يُقرأ بأكثر مِن ذلك ، فقد قُرأت كلمة ( وعَبَدَ الطاغوت ) باثنين وعشرين وجهاً ، وفي كلمة ( أُفٍّ ) أكثر مِن ثلاثين وجهاً .

ويُضاف إلى ما تقدّم أنّ هذا القول لا ينطبق على مَورد الروايات ، ومثله أكثر الأقوال في المسألة .

١٠ - اللهجات المختلفة :

إنّ الأحرف السبع يُراد بها اللهجات المختلفة في لفظٍ واحد ، اختاره الرافعي في كتابه(١) .

_______________________

(١) إعجاز القرآن ٧٠

١٨٨

وتوضيح القول : أنّ لكلّ قَوم مِن العرب لهجة خاصّة في تأدِيَة بعض الكلمات ؛ ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدِيَة الكلمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم ، فالقاف في كلمة ( يقول ) مثلاً يُبدلها العراقيّ بالكاف الفارسية ، ويُبدلها الشاميّ بالهمزة ، وقد أُنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسِعة على الأمّة ؛ لأنّ الالتزام بلهجة خاصّة مِن هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الأخرى ، التي لم تأْلَف هذه اللهجة ، والتعبير بالسَبْع إنّما هو رمزٌ إلى ما أَلِفوه مِن معنى الكمال في هذه اللفظة ، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية ، وزيادتها على السبع .

الردّ :

وهذا الوجه - على أنّه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام - غير تامّ أيضاً :

١ - لأنّه ينافي ما ورَد عن عُمَر وعثمان ، مِن أنّ القرآن نزل بلُغة قريش ، وأنّ عمر منع ابن مسعود مِن قراءة ( عتّى حين ) .

٢ - ولأنّه ينافي مخاصمة عُمَر مع هشام بن حكيم في القراءة ، مع أنّ كِلَيهما مِن قريش .

٣ - ولأنّه ينافي مَورد الروايات ، بل وصراحة بعضها ، في أنّ الاختلاف كان في جوهر اللفظ ، لا في كيفية أدائه ، وأنّ هذا مِن الأحرف التي نزل بها القرآن .

٤ - ولأنّ حَمْل لفظ السبع - على ما ذكره خلاف - ظاهر الروايات ، بل وخلاف صريح بعضها .

٥ - ولأنّ لازم هذا القول جواز القراءة فِعلاً باللهجات المتعدّدة ، وهو خلاف السيرة القطعية مِن جميع المسلمين ، ولا يمكن أنْ يدَّعي نَسْخ جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة ؛ لأنّه قول بغير دليل .

ولا يمكن لقائله أنْ يستدلّ على النَسْخ بالإجماع القطعيّ على ذلك ؛ لأنّ مدرك الإجماع إنّما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفة ، فإذا فرضنا ثبوت ذلك، كما يقوله أصحاب هذا القول ، فكيف يمكن تحصيل الإجماع على ذلك ؟ مع أنّ إصرار

١٨٩

النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على نزول القرآن على سبعة أحرف ، إنّما كان للتوسعة على الأمّة ، فكيف يمكن أنْ يختصّ ذلك بزمان قليل بعد نزول القرآن ، وكيف يصحّ أنْ يقوم على ذلك إجماع أو غيره مِن الأدلّة ؟ !

ومِن الواضح أنّ الأمّة - بعد ذلك - أكثر احتياجاً إلى التوسعة ؛ لأنّ المعتنقين للإسلام في ذلك الزمان قليلون ، فيمكنهم أنْ يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة واحدة ، وهذا بخلاف المسلمين في الأزمنة المتأخّرة ، ولنقتصر على ما ذكرنا مِن الأقوال ، فإنّ فيه كفاية عن ذِكر البقيّة والتعرّض لجوابها وردّها .

وحاصل ما قدّمناه : أنّ نزول القرآن على سبعة أحرف ، لا يرجع إلى معنىً صحيح ، فلا بدّ مِن طرح الروايات الدالّة عليه ، ولا سيّما بعد أنْ دلّت أحاديث الصادقين - ع - على تكذيبها ، وأنّ القرآن إنّما نزل على حرفٍ واحد ، وأنّ الاختلاف قد جاء مِن قِبَل الرواة .

(البيان - ١٣)

١٩٠

١٩١

صيانة القرآن مِن التحريف

١٩٢

وقوع التحريف المعنويّ في القرآن باتّفاق المسلمين التحريف الذي لم يقع في القرآن بلا خلاف التحريف الذي وقع فيه الخلاف تصريحات أعلام الإمامية بعدم التحريف كجزء مِن معتقداتهم نَسْخ التلاوة مذهب مشهور بين علماء أهل السُنّة كلمات مشاهير الصحابة في وقوع التحريف القول بنَسْخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف الأدلّة الخمسة على نفْيِ التحريف شُبُهات القائلين بالتحريف

١٩٣

يحسُن بنا - قبل الخَوض في صميم الموضوع - أنْ نُقدِّم أمام البحث أموراً ، لها صِلة بالمقصود ، لا يُستغنى عنها في تحقيق الحال وتوضيحها .

١ - معنى التحريف :

يُطلق لفْظ التحريف ويُراد منه عدّة معان على سبيل الاشتراك ، فبعضٌ منها واقع في القرآن باتّفاق مِن المسلمين ، وبعض منها لم يقع فيه باتّفاق منهم أيضاً ، وبعضٌ منها وقع الخلاف بينهم وإليك تفصيل ذلك(١) :

الأوّل : ( نَقْل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره ) ، ومنه قوله تعالى :( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) ٤ : ٤٦ .

ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله ، فإنّ كلّ مَن فسّر القرآن بغير حقيقته ، وحَمَله على غير معناه ، فقد حرّفه وترى كثيراً مِن أهل البِدَع والمذاهب الفاسدة ، قد حرّفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم .

وقد ورَد المنع عن التحريف بهذا المعنى ، وذمّ فاعله في عدّةٍ مِن الروايات .

_______________________

(١) انظر التعليقة رقم (٦) تقديم دار التقريب لهذا البحث في قِسم التعليقات

١٩٤

منها : رواية الكافي بإسناده عن الباقر ( عليه السلام ) أنّه كتَب في رسالته إلى سعد الخير :

( وكان مِن نَبْذِهم الكتاب أنْ أقاموا حروفه ، وحرّفوا حدوده ، فهُم يرْوونه ولا يرعونه ، والجُهّال يُعجِبُهم حِفْظُهم للرواية ، والعلماء يُحزنُهم ترْكُهم للرعاية . )(١) .

الثاني : ( النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات ، مع حِفظ القرآن وعدم ضياعه ، وإنْ لم يكن متميِّزاً في الخارج عن غيره ) .

والتحريف بهذا المعنى واقعٌ في القرآن قطعاً ، فقد أثبتْنا لك فيما تقدّم عدم تواتر القراءات ، ومعنى هذا أنّ القرآن المُنزَل ، إنما هو مطابقٌ لإحدى القراءات ، وأمّا غيرها فهو : إمّا زيادة في القرآن ، وإمّا نقيصة فيه .

الثالث : ( النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتَين ، مع التحفّظ على نفس القرآن المُنزَل ) .

والتحريك بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام ، وفي زمان الصحابة قطعاً ، ويَدلّنا على ذلك إجماع المسلمين على أنّ عثمان أحرق جُملة مِن المصاحف ، وأمَرَ ولاتَه بحرْق كلّ مصحف غير ما جمَعَه ، وهذا يدلّ على أنّ هذه المصاحف كانت مخالفة لِما جمَعَه ، وإلاّ لم يكن هناك سبب موجِب لإحراقها .

وقد ضَبَط جماعة مِن العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف ، منهم عبد الله ابن أبي داود السجستاني ، وقد سمّى كتابه هذا بكتاب المصاحف وعلى ذلك فالتحريف واقعٌ لا محالة إمّا مِن عثمان ، أو مِن كُتّاب تلك المصاحف ، ولكنّا سنُبيِّن بعد هذا إنْ شاء الله تعالى ، أنّ ما جمَعَه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين ، الذي تداولوه عن النبيّ

_______________________

(١) الوافي آخر كتاب الصلاة ص ٢٧٤ .

١٩٥

( ص ) يداً بيَد فالتحريك بالزيادة والنقيصة ، إنّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهْدِ عثمان ، وأمّا القرآن الموجود، فليس فيه زيادة ولا نقيصة .

وجملة القول : أنّ مَن يقول بعدم تواتر تلك المصاحف - كما هو الصحيح - فالتحريف بهذا المعنى ، وإنْ كان قد وقع عنده في الصدر الأوّل ، إلاّ أنّه قد انقطع في زمان عثمان ، وانحصر المصحف بما ثبَتَ تواتره عن النبيّ ( ص ) ، وأمّا القائل بتواتر المصاحف بأجمَعِها ، فلا بدّ له مِن الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازَع فيه في القرآن المُنزَل ، وبضياع شيء منه وقد مرّ عليك تصريح الطبري وجماعة آخرين ، بإلغاء عثمان للحروف الستّة التي نزل بها القرآن ، واقتصاره على حرفٍ واحد(١) .

الرابع : ( التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة ، مع التحفّظ على القرآن المُنزَل ، والتسالم على قراءة النبيّ ( ص ) إيّاها ) .

والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً فالبسملة - مثلاً - ممّا تسالم المسلمون على أنّ النبيّ ( ص ) قرأها قبل كلّ سورة غير سورة التوبة ، وقد وقع الخلاف في كونها مِن القرآن بين علماء السُنّة ، فاختار جَمْعٌ منهم أنّها ليست مِن القرآن ، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة ، إلاّ إذا نوى به المصلّي الخروج مِن الخلاف ، وذهب جماعة أخرى إلى أنّ البسملة مِن القرآن .

وأمّا الشيعة فهُم متسالمون على جزئية البسملة مِن كلّ سورة غير سورة التوبة ، واختار هذا القول جماعة مِن علماء السُنّة أيضاً - وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا سورة الفاتحة - وإذن فالقرآن المُنزَل مِن السماء ، قد وقع فيه التحريف يقيناً ، بالزيادة أو بالنقيصة .

_______________________

(١) في موضع نزول القرآن على سبعة أحرف ص ١٩٦ مِن هذا الكتاب

١٩٦

الخامس : ( التحريف بالزيادة ، بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس مِن الكلام المُنزَل ) .

والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين ، بل هو ممّا عُلِم بطلانه بالضرورة .

السادس : ( التحريف بالنقيصة ، بمعنى أنّ المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن ، الذي نزل مِن السماء ، فقد ضاع بعضه على الناس )

والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف ، فأثبَتَه قَوم ، ونفاه آخرون .

٢ - رأي المسلمين في التحريف :

المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن ، وأنّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المُنزَل على النبيّ الأعظم ( ص ) ، وقد صرّح بذلك كثير مِن الأعلام ، منهم رئيس المحدّثين الصدوق محمّد بن بابَويه ، وقد عَدَّ القول بعدم التحريف مِن معتقدات الإمامية ومنهم شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، وصرّح بذلك في أوّل تفسيره ( التبيان ) ، ونقل القول بذلك أيضاً عن شيخه عَلَم الهدى السيّد المرتضى ، واستدلاله على ذلك بأتمّ دليل .

ومنهم المفسّر الشهير الطبرسي في مقدّمة تفسيره ( مجْمَع البيان ) ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن مِن كتابه ( كَشْف الغطاء ) ، وادّعى الإجماع على ذلك ومنهم العلاّمة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن مِن كتابه ( العروة الوثقى ) ، ونَسَب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين ومنهم المحدّث الشهير المولى محسن القاساني في كتابَيه(١) ومنهم بطل العِلم المجاهد الشيخ محمّد جواد البلاغي في مقدّمة تفسيره ( آلاء الرحمن ) .

_______________________

(١) الوافي ج ٥ ص ٢٧٤ ، وعلم اليقين ص ١٣٠

١٩٧

وقد نَسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير مِن الأعاظم منهم شيخ المشايخ المفيد ، والمتبحِّر الجامع الشيخ البهائي ، والمحقّق القاضي نور الله ، وأضرابهم وممّن يظهر منه القول بعدم التحريف : كلّ مَن كتَب في الإمامة مِن علماء الشيعة ، وذكر فيه المثالب ، ولم يتعرّض للتحريف ، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف ، لكان ذلك أَولى بالذِكر مِن إحراق المصحف وغيره .

وجُملة القول : أنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحقّقيهم ، بل المتسالَم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف نعم ذهب جماعة مِن المحدّثين مِن الشيعة ، وجَمْعٌ مِن علماء أهل السُنّة إلى وقوع التحريف قال الرافعيّ : فذهب جماعة مِن أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلاّ الظنّ والتأويل ، واستخراج الأساليب الجدَليّة مِن كلّ حُكمٍ وكلّ قولٍ ، إلى جواز أنْ يكون قد سقط عنهم مِن القرآن شيء ، حَمْلاً على ما وصفوا مِن كيفيّة جمْعِه(١) ، وقد نَسب الطبرسي في ( مجمع البيان ) هذا القول إلى الحَشْويّة مِن العامّة .

أقول : سيظهر لك - بُعَيد هذا - أنّ القول بنَسْخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف ، وعليه فاشتهار القول بوقوع النَسْخ في التلاوة - عند علماء أهل السُنّة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف .

٣ - نسخ التلاوة :

ذَكر أكثر علماء أهل السُنّة : أنّ بعض القرآن قد نُسِخَت تلاوته ، وحملوا على ذلك ما ورَد في الروايات ، أنّه كان قرآناً على عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فيحسن بنا أنْ نذكر جملة مْن هذه الروايات ، ليتبيّن أنّ الالتزام بصحّة هذه الروايات التزام بوقوع التحريف في القرآن :

_______________________

(١) إعجاز القرآن ص ٤١

١٩٨

١ - روى ابن عبّاس : أنّ عُمَر قال فيما قال ، وهو على المنبر :

( إنّ الله بعث محمّداً ( ص ) بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل الله آية الرَجْم ، فقرأناها ، وعَقِلْناها ، ووعَيْناها. فلذا رجَم رسولُ الله ( ص ) ، ورجَمنا بعده ، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل : والله ما نجد آية الرَجْم في كتاب الله، فيَضلّوا بتَرْك فريضةٍ أنزلَها الله ، والرَجْم في كتاب الله حقّ على مَن زنى إذا أُحصن مِن الرجال . ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ ، مِن كتاب الله : أنْ لا ترغبوا عن آبائِكم ، فإنّه كُفْرٌ بكُم أنْ ترغبوا عن آبائِكُم ، أو : إنّ كُفْراً بكُم أنْ ترغَبوا عن آبائكم . )(١) .

وذكر السيوطي : أخرج ابن اشته في المصاحف عن الليث بن سعد ، قال : ( أوّل مَن جمَع القرآن أبو بكر ، وكتَبَه زيد وإنّ عُمَر أتى بآية الرجْم فلم يكتُبْها ؛ لأنّه كان وحده )(٢) .

أقول : وآية الرَجْم التي ادّعى عُمَر أنّها مِن القرآن ، ولم تُقبل منه رُويَت بوجوه : منها : ( إذا زَنى الشيخُ والشيخةُ فارجمُوهُما البتّة ، نَكالاً مِن الله ، والله عزيزٌ حكيمٌ ) ومنها : ( الشيخُ والشيخةُ فارجمُوهُما البتّة ، بما قضَيا مِن اللذّة ) ومنها : ( إنّ الشيخَ والشيخةَ إذا زَنَيا فارجموهما البَتّة ) وكيف كان فليس في القرآن الموجود ما يُستفاد منه حُكْم الرَجْم فلو صحّت الرواية ، فقد سقطت آية مِن القرآن لا محالة .

٢ - وأخرج الطبراني بسنَدٍ مُوَثّق عن عُمَر بن الخطّاب مرفوعاً :

( القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف )(٣) ، بينما القرآن الذي

_______________________

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ٢٦ ، وصحيح مسلم ج ٥ ص ١١٦ بلا زيادة ثمّ إنّا .

(٢) الإتقان ج ١ ص ١٠١ .

(٣) الإتقان ج ١ ص ١٢١

١٩٩

بين أيدينا لا يبلغ ثُلُث هذا المقدار ، وعليه فقد سقط مِن القرآن أكثر مِن ثُلُثَيه .

٣ - وروى ابن عبّاس عن عُمَر أنّه قال :

( إنّ الله عزّ وجلّ بعَث محمّداً بالحقّ ، وأنزل معه الكتاب ، فكان ممّا أُنزل إليه آية الرَجْم ، فرجَمَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ورجَمْنا بعده ، ثمّ قال : كنّا نقرأ : ( ولا ترغبوا عن آبائكم ، فإنّه كُفْرٌ بكم ) ، أو : ( إنّ كُفراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائِكم )(١) .

٤ - وروى نافع أنّ ابن عُمَر قال :

(ليقولنَّ أحدُكم قد أخذتُ القرآن كلَّه ، وما يُدريه ما كلُّه ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليَقُل قد أخذتُ منه ما ظهر)(٢) .

٥ - وروى عروة بن الزبير عن عائشة ، قالت :

( كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمن النبيّ ( صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ) مئتَي آية ، فلمّا كتَب عثمان المصاحف ، لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن )(٣) .

٦ - ورَوَت حميدة بنت أبي يونس ، قالت :

( قرأ عليَّ أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة : إنّ الله وملائكته يُصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً ، وعلى الذين يُصَلّون الصفوف الأُوَلْ قالت : قبل أنْ يُغيّر عثمان المصاحف )(٤) .

٧ - وروى أبو حرب ابن أبي الأسوَد عن أبيه ، قال :

_______________________

(١) مسند أحمد ج ١ ص ٤٧ .

(٢) الإتقان ج ٢ ص ٤٠ - ٤١ .

(٣) نفس المصدر ج ٢ ص ٤٠ - ٤١ .

(٤) الإتقان ج ٢ ص ٤٠ - ٤١ .

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526