الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة الجزء ٢

الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة22%

الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة مؤلف:
الناشر: معهد الرسول الأكرم (ص) العالي للشريعة والدراسات الإسلاميّة
تصنيف: علم الفقه
الصفحات: 177

  • البداية
  • السابق
  • 177 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 22131 / تحميل: 7027
الحجم الحجم الحجم
الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة

الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة الجزء ٢

مؤلف:
الناشر: معهد الرسول الأكرم (ص) العالي للشريعة والدراسات الإسلاميّة
العربية

الاجتهاد وإشكاليات التطوير والمعاصرة الجزء الثاني

معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العالي للشريعة

١

مقتضيات المشاركة الحضارية للاجتهاد الفقهي

مقدِّمة

ما يحفِّز الباحثين وبعض مؤسَّسات الدِّراسات الدينية ودوائرها - وبخاصة في حقل العلوم الشِّرعية - إلى تقديم مشاريع إحيائية في ممارسة العمل الاجتهادي؛ ليس إلاّ شعورهم بأنَّ الوضعية الاجتهادية الحاضرة غير مستوعبة لمستجدَّات الحياة ومتطلَّبات العصر، وغير جاهزة للخوض في عمليَّة تنظيرية تخلق مناخاً نظرياً متلائماً مع حقيقة الحضارة الإسلامية.

عرفت الآونة الأخيرة صرخات عالية تدعو إلى ضرورة استئناف جهود جادة للانطلاق باتجاه التجديد والإحياء في الفقه والاجتهاد، من خلال ممارسة إعادة النظر في قواعد العمل الاجتهادي وضوابطه؛ لأجل تمكينه من القيام بالدور اللاّزم في التنظير الفقهي الشامل والمنسجم مع وظائف الفكر الديني، ومهمَّاته تجاه الإنسان والحياة.

إنَّنا، وفي الوقت الذي نتَّفق فيه مع دعاة الإصلاح والتجديد على أنَّ الحاجة ماسَّة، أكثر من أي وقت آخر، للحديث عن إحياء الفقه والاجتهاد الفقهي وتحديثهما، وهو ما سنتحدَّث عنه لاحقاً، سنبرهن على أنَّ سياسة الهدم والتدمير، قبل تحضير البديل وتأهيله، سوف تسفر حتماً عن كوارث كبيرة على التُّراث الإسلامي، وعلى أصالة الاجتهاد الفقهي وعمقه. نرى هذا في الوقت الذي نؤكِّد فيه: أنَّ الفقه الإسلامي في واقعه الراهن، غير جاهز للمواكبة والتصدِّي الحقيقي، بخاصة على صعيد التنظير وصياغة حلول فكرية تدعم مصداقية الحديث المتواصل عن الطاقات و(الظرفيَّات) الكبيرة للفقه الديني؛ الأمر الذي يدعونا جميعاً إلى استنفار الطاقات والإمكانيات العلمية والمنهجية الهائلة، للخروج بفقه يؤسِّس لتدبير الحياة، والإدارة الدينية لإنسان هذا العصر، ولمجتمعنا المعاصر، بكل ما تحتويه خصوصية هذا العصر الحاضر، وما تواجهه الأمة، ونظرية الدين المتكامل، من تحدِّياتٍ علمية، ونظرياتٍ هائلة، ترمي إلى النيل من مبدأ قدرة الدين على تلبية حاجات الإنسان والمجتمع، مهما تطوَّرا وتقدَّما.

٢

وما يُنجز عملياً، بين فنية وأخرى، من مواجهة لهذه التحديات النظرية بوصفها(شُبهات دينية) ، أو(محاولات للنَّيل من قداسة الدين) ، وتوظيف هذه القداسة لأجل إطلاق الأحكام المُدِينة والمستهجنة، لا يجدي جدوى الخوض الفكري والعلمي المُمنهَج في المواجهة، والمتمثِّل في تطوير عملية الاجتهاد، وتمكين العقل الاجتهادي من التواجد الكثيف في مختلف مساحات الحياة، من دون دعوة الأمة إلى أن تنزوي وتتقوقع وتتجنَّب خوض معارك يفرضها التطوُّر الحياتي.

وتتمثَّل وظيفة الفقه والاجتهاد في إرساء إطاراتٍ معرفيةٍ شاملة، ونظرياتٍ ومناهجٍ دقيقة ومواكِبة للحياة المعاصرة، وذلك كلّه في ظلّ الالتزام الكامل والدقيق بمؤدَّيات النُّصوص الدينية والسنة الشريفة، مدعومة بصيغ عقلية في منطقة خلت من تناول نصِّي تفصيلي.

أمَّا الحديث عن إمكانية وقوع العقل في شرك الخطأ عند الاعتماد عليه؛ بغية تجاهله وتجاهل دوره الكبير في صياغة الإسهام الحضاري الإسلامي، فلا يتجاوز مشكلة فقدان الوعي الكافي لإدراك: أنَّ الاجتهاد الديني لا معنى له من دون الاتكال على العقل، في ما رُسِم له من دور وموقع من قبل الشارع المقدَّس، وفي منطقة تحرُّكه، وذلك بعد تحديد مساحات هذه المنطقة، وتأطير دوره المعترف به شرعاً ضمن النقاش في منظومة (مصادر المعرفة)، ومنابع الاستنباط الشرعي.

إنّ أي عمل على إسقاط جدوى العقل الإنساني - المدعو في النص الشرعي المعتبر: حجةَّ الله الباطنة - في تحمُّله لدوره الذي يستحقه، سينتهي في النهاية إلى استمرار العجز التنظيري في الإسهام الحضاري، وبقاء الإخفاق في صياغة مناهج وأنظمة كفوءة في ساحات الاقتصاد والسياسة، وما إلى ذلك من مفاصل الحضارة المعاصرة. هذا، وإنَّ إلغاء الإنسانِ العاقلَ من طريق الاجتهاد الديني؛ تحت ذريعة أنَّّ النَّص الديني يغنينا عن ذلك، يتنافى مع أوَّليَّات الفهم الصحيح لمدلول الوحي، وما احتل العقل فيه من هامش كبير وموقع متميِّز يمكِّننا في ظله استنطاق النَّص، المتمثِّّل في الوحي والحديث الشريف، والاستنباط منه.

٣

ومن جهة أخرى، فإنَّّ إدراك الوقائع والأحداث في الإطار الزماني والمكاني، ووعي طبيعة هذا الإدراك وديناميكيَّته، سيؤثِّران في عمق عملية الاجتهاد، ويدعوان إلى إعادة النظر في تثمين انجرار تفاصيل مقتضيات الزمن الماضي إلى العصر الراهن، وفي المحاولة الخاطئة لإسقاط ما للثوابت الدِّينية من قيمة لا زمانية على المتغيرات، الّتي لا بدّ من القيام بأقلمة الأحكام في ظلّها تارة، وعصرنتها تارة أخرى. ومعلوم أنَّ خلط الثابت والمتغيِّر في جسم الفقه، وعدم العمل على وضع حدود واضحة لهما، من شأنه أن يجلب نتيجة مأساوية علينا، سواء أكان من جرَّاء عرض إجابات الماضي، وتقديم بدائل منصرمة إلى الاقتضاء الحاضر؛ ما يؤدِّي إلى صمت فقهي يخصِّب المجال لاعتبار الدين عاجزاً عن المواكبة والمعاصرة، وهذا في حال عدم الاعتراف بوجود المتغيِّرات، ومحاولة توسيع نطاق الثوابت إلى أبعد ممَّا هو مرسوم لها في الشريعة؛ أم من جرَّاء تمييع الثوابت الدينية، واعتبار الدين ظاهرة زمنية بلا ثوابت، يخضع لمصلحة الإنسان ورؤيته العصرية، ويحق له أن يُغيِّر منه ما يشاء، ويُثبت منه ما يشاء؛ جلباً للمصلحة وتدبيراً للحياة، عِبْرَ تجاهل القواعد الثابتة، وتخطِّي أسس الدِّين السَّماوية المُوحى بها.

إذاً إنَّ قسطاً كبيراً، وحيِّزاً واسعاً، من مشروع عملية التحديث الفقهي، لا بدَّ من أن يختصَّا بالعمل على إيضاح ملابسات الثابت والمتغيِّر وإشكاليَّاتهما؛ لأنَّ الأمر يمثِّل عصب الحياة للاجتهاد المعاصر، وذلك تفادياً للوقوع في مشكلة كبيرة لها طرفان أسلفنا الحديث عنهما باختصار قبل قليل.

٤

ولعلَّ انعدام الوعي الكافي، في المؤسسات المعنيَّة بالدراسة الفقهية والاجتهاد الشرعي، لمهمَّات الدين الإسلامي الواسعة؛ هو ما سبَّب خلط أولويَّات المرجعيَّات الشرعية في المعالجات الفقهية، الأمر الذي جعل جلَّ اهتمامات هذه الفعاليَّات الفقهية، المتمثِّلة بالدروس العالية والبحوث التخصُّصية، ينصب في حقل العبادات، دون الحقول التي تتحرَّك وتتطوَّر وتتطلَّب بذل جهد أقصى وأكبر من قِبَل المجتهدين قبل أيِّ حقل آخر. وما نتج عن ذلك هو عجز هذه القواعد عن بناء شخصية فقهية تخوض الحياة العلمية لتقدِّم وتعطي لواقعها حلاًّ دينياً يوفِّر للإنسان والمجتمع قِيَماً فيها صلاح الدنيا والآخرة، من دون أن يأتي ذلك لحساب أحدهما على الآخر، ونحن مع اعتبار الأصالة والأولوية للأخير في حال حتمية استحالة الجمع، مع أنَّ نشوء ثنائية كهذه، واعتبار فاصلة بينهما، لا أصل له في مداليل النص الشرعي. ولعلّ التفاوت في المرتبة بين المقولتين قد أسَّس لتجاهل الحياة، وبنى لتربية خاطئة للعقل الإسلامي والشخصية المسلمة في ما يتصل بفهم حقيقة الدنيا وعلاقتها بالآخرة؛ ما أدّى إلى حرمان المسلم المعاصر وإفقاره من إمكانيات مادية توفِّر له الأمن والهدوء وكرامة الحياة، بعيداً عن وطأة الصِّعاب وضغوط الذلَّة.

وقد أسهم ذلك كله مباشرةً في إهمال كثير من التعاليم الدينية الراقية إلى تحسين الحياة، وساعد على حدوث تأخُّرٍ وتخلُّفٍ لا يسعنا إنكارهم، وعزَّز سلطان أعدائنا علينا. ولا يخفى أنَّ غياب الفقه المعاصر عن وسط الحياة السياسية والاجتماعية، تنظيراً ومعالجةً وتقديماً لبدائل، أسهم في خلق المناخ الراهن.

بغية إدراك وجه القصور في حركة الاجتهاد، لا يمكن تغييب عنصر آخر؛ وهو التأثُّر السياسي الكبير، في الوسط الاجتهادي، بالأنظمة السياسية في مراحل تاريخية طويلة؛ ما أسهم في انغلاق أبواب الاجتهاد بين المذاهب الإسلامية، وعدم إتاحة الفرصة للتعامل الفقهي والحوار الإسلامي الشامل، بغية الوصول إلى منظومة فقهية اجتهادية تسترفد من مائدة إسلامية واحدة، لتحويل الهمِّ المذهبي إلى همِّ الأمّة، وإلى مطالب مشروع الحضارة الإسلامية العالمية.

٥

ومن جهة أخرى، من الضّروري أن نطرح سؤالاً آخر عن الاجتهاد المعاصر؛ وهو: ما مدى إمكانية الحديث عنالاجتهاد (المقاصدي) ، الذي يتحرَّك المجتهد فيه على أساس مسبَّق، وضعه لنفسه عبر تبنِّيه مقاصد عامة ومِلاكات كلِّية للشريعة عموماً، وللأحكام الفقهية خصوصاً، وفي ظلِّها يعمل على تحديد قيمة النّص الشرعي ويمارس النقد؟ سؤالٌ قد أخذ مساحة جيدة من اهتمام البحث الفقهي المعاصر، وإن كان متأخِّراً، ولكنَّه طُرح في الوسط التجديدي بقوَّة. ولعلّ السبب في حيوية موضوع المقاصد وارتباطه بالحياة، يعود إلى صعوبة الجمع بين رؤية فكرية تفهم نصوصَ الدّين وأحكامه بوصفها منظومة معرفية لا سبيل إلى معرفة أسبابها، ومقاصدها، وأسرار وجودها، وإنَّما هي مطالب سماوية لا تُفهم خلفيَّاتها ودواعيها، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، لعلَّه يعود إلى الحديث عن الثابت والمتغيِّر، أو إلى تأثُّر الخطاب الشرعي بالواقع المعيوش؛ لأنَّه من غير المعقول اعتبار أنَّ عصر صدور النُّصوص والأحاديث الدينية الأولى لم يكن له تأثير في إجابات الشريعة، بينما العصور اللاَّحقة، بما في ذلك عصرنا هذا، قد تؤثِّر في الاهتمام الفقهي والشرعي من قبل الفقهاء! الأمر الذي يدفعنا إلى التفكير الجادِّ والدرس العميق للعثور على مواطن المقاصد من النص الشَّرعي.

وإذا كان الثابت والمتغيِّر حقيقتين في قلب الفكر الإسلامي، فمن دون الاعتراف بهما معاً، قد لا يمكن الدفاع عن قدسيَّة الدين في حال رفض الثوابت، ولا الدفاع عن إنسانية الدين وعملانية الشريعة، في حال رفض المتغيِّرات.

٦

ومن الواضح، أيضاً، أنَّ السبيل إلى إثبات جدارة الدين باختراق الزمان والمكان، وأهليَّة الشريعة الشاملة والكاملة، كامنٌ في قبول وجود ثوابتَ خلف الأحكام تهدف الشريعة إلى تحقيقها، مع أخذ الحذر من وقوع الاجتهاد في فخِّ دوائر محظورة - كالقياس - تنتهي بالفكر الديني إلى الخضوع لعملٍ اجتهادي ذوقي، واستنسابي، أو استحساني، بينما الدراسة المقاصدية تتمكَّن من تمتين البحث الفقهي وجعله قادراً على تعزيز القواعد الفقهية، وإعادة ترتيبها من جديد، وبالذات سيقحم الموضوعُ هذا، الاهتمامَ القرآني في قلب الاجتهاد؛ وذلك لأنَّ بحث المقاصد يسفر عن تفعيل الفهم القرآني وإدخال الدراسة القرآنية إلى ساحة العمل الاستنباطي، لكونه المصدر الأساس في تحديد المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. ولا أعتقد أنَّ المرء بحاجة إلى تأكيد:أنَّ فاعلية النَّص القرآني، موقعاً ودوراً في حركة الاجتهاد، لو قورنت بفاعلية الحديث والنص غير القرآني، ضئيلةٌ، وتكاد تختفي من ساحة الاجتهاد .

إنَّ تحريك قضية المقاصد سيجرُّنا إلى التردُّد في إمكانية اكتفاء المجتهد بجزء منالقرآن، المسمَّى بآيات الأحكام؛ لأنَّه لا آية في الكتاب الكريم يتمكَّن المجتهد من القول بالاستغناء عنها في عمله الاجتهادي. وإنَّ القرآن الكريم هو بمثابة الينبوع الصافي الذي تنطلق منه القواعد الأساسية والعامة للشريعة الإسلامية، وما جاءت السنة الشريفة إلاّ تبييناً وتفسيراً، وليس تأسيساً واستئنافاً. والقرآن الكريم يمثِّل المرجعية الكبرى لفهم مقاصد الدين الإسلامي، التي في ظلَّ إدراكها الجيد يسهل على الفقيه مراجعة الحديث الشريف وتقييمه. وإنَّ غياب القرآن الكريم - أو تغييبه - على أثر سلسلة تدابير غير معرفية وغير علمية، أدّى إلى وضع بيان فقهي كان الدور الأكبر فيه للحديث دون الآيات الشريفة، مع أَنَّه من المعروف أنَّ (اليد) قد مسَّت الحديث، وتم اختلاق بعضٍ منه أو تزويره، دون القرآن الكريم، وأصبحت العملية الاجتهادية بعد أحداث تاريخية سياسية، وغير سياسية، تدور في فلك الحديث، وظلَّ القرآن، وبالذات تلك المساحات الكبيرة غير الفقهية، حسب مدلولٍ حديثٍ للفقه مختلف عن حقيقة المصطلح في الكتاب والسنة، بمنأى عن هذه

٧

العملية. ومن الغريب هو أنَّ الاستشهاد بآيةٍ محكمة من القرآن الكريم على مقصد ديني عام يمثِّل عملاً غير مقبول في حال عدم إرفاقها بأحاديث تدعم فهمنا للآية و تؤيِّده، وذلك على الرُّغم من أنَّ محكم القرآن الكريم هو عصب الدين والوحي. وتعليق مدلول محكمات القرآن الكريم على تأييد من الأحاديث الشريفة؛ سيؤدِّي إلى محاولة نزع المرجعية وخلعها عن الكتاب الكريم، الأمر الذي أدَّى إلى فتح أبواب التأويل في بعض محكمات القرآن الكريم، وخلطِ الأوراق، وضياعِ الطريق، وتكريسِ القيادة الحديثية محلَّ مرجعية الكتاب الكريم وأصالته، وإخراج القواعد الدينية الثابتة منه، إلى جانب التمسُّك الكامل بالحديث الشريف والسُّنَّة المقدَّسة الصحيحة، وتهميش أحدهما مؤدٍّ بالأمة إلى الضياع والضلال، ويسبّب اللجوء إلى تأويل محكم الكتاب الكريم بغية التوفيق بينه وبين الحديث، هذا كلُّه قد حصل غير مرَّة في سير بعض العلماء المسلمين.

إنَّ تزوُّد المجتهد بجزء من القرآن الكريم، وعدم تبنِّي تلك المنظومة المعرفية المتكاملة والشاملة في ما يخص المجتمع والتاريخ والإنسان، سيؤدِّي في النهاية إلى إنجاز عملٍ اجتهادي غير كامل؛ لأنَّ المجتهد لدى قيامه باستنطاق الحديث الشريف، واستنباط الحكم منه، سيوظِّف معرفته وفرضيَّاته وآراءه في الإنسان والتاريخ والمجتمع... إلخ، في فهمه، شاء ذلك أم أبى، غير أنَّ الغالب في الأمر هو عدم نشأة هذه الفرضيَّات من الكتاب الكريم. وبكل بساطة نقول: هناك شريحة من المَعْنيين بفهم الأحكام واستنباطها، ينطلقون من قاعدة معرفية - عن الإنسان مثلاً - قد كوَّنوها من خلال عيشهم معه في بيئتهم، ثُمَّ يستخدمونها في فهم الحديث الشريف، وهذا العمل هو محاولة لفرض اقتناع على مدلول الحديث من دون أن يكون في ذلك تعمُّد.

٨

وعليه، ينبغي التأكُّد من أنَّ معالجة موضوع التعاطي مع النص، ومقوِّمات فهمه، والعناصر المتداخلة في تكوُّن انطباع القارئ والمستنبِط، ستفتح آفاقاً مهمة على طريق الاجتهاد؛ الأمر الذي يحتَّم علينا إجراء دراسات جادَّة في مجال دراسة النّص، وعلم تفسيره وقواعده ومناهجه المعروضة في البحوث الألسنية واللغوية، بخاصة في مجال (الهرمنيوطيقا) (علم تفسير النَّص وفهمه)؛ وذلك كلِّه بهدف التقليل - أكبر قدر ممكن - من تدخُّل الذات، والحدِّ من محاولتها الفضولية للدخول الخفي والدقيق على خط مدلول النص الشرعي وتحت عنوان النّص نفسه. والتمييزُ بين الأمرين في غاية الدقة والصعوبة، والحل الأسلم يكمن في اللجوء إلى الكتاب والسُّنَّة لتكوين الاقتناع الأنتروبولوجي لدى الفقيه، ورفض الاتكال على معطيات المعيوش.

ويُخشى من استمرار عدم الاعتراف، من قبل الوسط الفقهي الرسمي، بالجانب الفعلي والفلسفي والكلامي، وكذلك التاريخي واللغوي، والاكتفاء بالحديث (النص) على حساب باقي مصادر الاستنباط؛ الأمر الذي قد يؤدِّي إلى حرمان الإنسان من تأسيس فقه شامل، يأخذ الفقيه فيه جميع الحقائق السامية والراقية العقلية، والإنسانية الأخرى، بعين الاعتبار، ويسبِّب استمرار الخطاب الإسلامي الديني الآحادي بعيداً عن عقول الناس وقلوبهم؛ لخلوِّه من الشموليّة والكمال في ما يقدِّم من حلول عملية لأزمات ومآسٍ نفسية واجتماعية واقتصادية معاصرة، أخفقت في معالجتها جميع النظريات الوضعية، والأنظمة المعرفية الإنسانية المنقطعة عن الوحي والسماء.

إنَّ هذا الإصدار منكِتَاب الحيَاة الطَّيِّبة يحاول أن يؤسِّس لنقاشات علمية، ومعالجات أوليَّة لقضايا مهمة، على طريق اجتهادٍ معاصر، عِبر استقطاب آراءٍ ورؤىً واسعة لعدد من المجتهدين البارزين في مجال الفقه والشريعة الإسلامية، ونأمل أن يكون خطوة في سبيل الهدف المنشود.

الحيَاة الطَّـيِّبة

٩

مرتكَزات الاجتهاد المعاصر ومبانيه

وقائع ندوة حَوْزَوُيَّة - جامعيَّة

جاءت تجربة قيام الدولة الإسلاميَّة في إيران، وما رافقها من حاجات ملحَّة للتأصيل الفقهي في مختلف مرافق التجربة التي تتحرَّك في مدار الحياة؛ لتفرض على الحوزة العلمية أجواء وشواغل جديدة، حتى أضحى الحديث عن اجتهاد جديد يلبِّي الحاجات المستحدَثة ويواكب المستجدَّات وكأنَّه من الثَّوابت التي لا محيد عنها، فلم يَعُد الاجتهاد المتوارث من عصر ما قبل قيام الدَّولة يلبِّي سوى دائرة ضيقة من حاجات الحياة إلى الفقه، تتَّصل في الأغلب بدائرة العبادات وبعض المعاملات من حياة الإنسان الفرد.

في هذا السياق كانت الصَّيحة المدوِّية التي أطلقها الإمام الخمينيقدس‌سره قبل أربعة أشهر من وفاته (بيان ١٥/ رجب/ ١٤٠٩ هـ)، والموجَّه إلى الحوزات العلمية، التي أعلن فيها:إنَّ الاجتهاد المتداول لم يعد كافياً لإشباع حاجة الواقع .

لذلك كلِّه لم تعد الأوساط التي تنتسب إلى التجربة الجديدة وتتنفس في مناخاتها تناقشُ في ضرورة التجديد، وإنَّما انتقلت إلى ترسيم سُبُله، والتفتيش عن إمكانات ممارسته وإنزاله إلى الواقع، وصوغ مرتكزات علمية متينة لإحداث هذه النُّقلة.

من هذه الزَّواية بالذات، قرأنا بحوثاً وشهدنا ندوات وعرفنا آراء كثيرة في التجديد الفقهي وإمكاناته، تضَّمنت كثافة ملحوظة في الرؤى الغنية.

من بين الأعمال المذكورة، تُعَدُّ هذه الندوة التي زاوجت بين الحقلين: الحوزوي والجامعي، واحدة من أبرز ما شهدته الساحة العلمية على هذا الصعيد خلال السنوات الأخيرة؛ من حيث كفاءة المشاركين، وجرأة الأسئلة، ووضوح المطالب وعمقها، وكثافة الرؤى، واتساع الآفاق؛ الأمر الذي دعانا إلى ترجمتها وتقديمها إلى القارئ العربي.

١٠

أسماء المشاركين في هذه النَّدوة، مرتبةً ألفبائياً حسب اسم الشهرة:

١ - السيد كاظم الحائري ، أستاذ في الحوزة العلمية.

٢ - الشيخ محمد مجتهد شَبَسْـتَري ، أستاذ جامعي يجمع بين التحصيلين: الحوزوي والجامعي.

٣ - د. ناصر كاتوزْيان ، أستاذ جامعي.

٤ - د. أبو القاسم كُرْجي ، أستاذ جامعي.

٥ - السيد محمد حسن مرعشي ، عضو سابق في ديوان القضاء العالي، أستاذ في الحوزة العلمية حاليَّاً.

٦ - الشيخ محمد هادي معرفت ، أستاذ في الحوزة العلمية.

المحرِّر

١١

تأثير الفلسفة والكلام في الاجتهاد

* ما هي العلاقة بين النَّظريات الفلسفية والكلامية وبين استنباط الأحكام الفقهيّة؟ ثُمَّ ما هي العلوم اللاَّزمة لممارسة الاجتهاد؟

د. كُرْجي: يتألَّف هذا السؤال، في الحقيقة، من سؤالين، هما:

١ - ما هي طبيعة علاقة نظريات هذه العلوم (المشار إليها في السؤال) بالاستنباط؟

٢ - ما هي العلوم التي ينبغي أن يلمّ بها المجتهد؟

السؤال الأوَّل عام غير محدَّد، فإذا كان المقصود معرفة علاقة هذه العلوم المباشرة بعلم الفقه، على نحو علاقة علم الأصول به، فالجواب بالنفي، فمن دون معرفة علم الأصول والتوفُّر عليه يتعذَّر استنباط الأحكام الفقهية، في حين أنَّ الأمر ليس كذلك بالنسبة لهذه العلوم، لكن في الوقت نفسه تُعَدُّ معرفة بعض هذه العلوم، والإلمام بها إلى حد معيّن، ضرورية في بعض المسائل الفقهية.

على سبيل المثال: من اللازم معرفة الرياضيات بشكل عام في مسائل الوصايا والإرث، وكذلك في بعض مسائل تقسيم المال المشترك، وذلك في حدود الثقافة العامة. وفي معرفة القبلة، من الضروري أن يكون الفقيه ملمَّاً بعلم الهيئة، كما ينبغي له أن يكون على دراية بمسألة بطلان الدور - وهي من المسائل الفلسفية - على صعيد عدم جواز التقليد في (مسألة التقليد).

كذلك ينبغي التوفُّر، في مجال البحث، على (مسألة حُجِّـيَّة خبر الواحد) ونظائرها، من قبيل مسألة حُجِّـيَّة الظهور (ومن الواضح أن هذه المسائل أصولية، لا فقهية)، وعلى معرفة مبحث حُجِّـيَّة الكتاب و السُّـنَّة، وهذه مسألة كلامية، وهكذا الحال في مبحث حُجِّـيَّة خبر الواحد، - وهو كما مرَّ - من المسائل الأصولية، لا الفقهية.

١٢

أمَّا إذا كان المقصود من السؤال أمراً آخر هو: إذا لم يكن الإنسان معتقداً بالعقائد الصحيحة المبتنية على مرتكزات (مبانٍ) مختلفة في علوم مختلفة، من بينها الفلسفة والكلام، فهل بمقدوره أن يكون مجتهداً؟ فإنَّ الجواب هو: أجل، يستطيع ذلك، بل يمكن أن يكون استنباطه حُجَّة عليه أيضاً، شريطة أن يمارس ذلك على ضوء القواعد الصحيحة للاستنباط، كأن يستفيد - مثلاً - من نصوص الكتاب والسُّـنَّة وظواهرهما، ويراعي الالتزام بقواعد الخاص والعام، والمطلق والمقيّد، والمفهوم والمنطوق، وغيرها. كما عليه أن يعمل بالأمارات والأصول المعتبَرة، وأن يستفيد من كلِّ واحد منها في مجاله الخاص.

لكن إذا كان المراد من السؤال: هل الاجتهاد المذكور في الفرض أعلاه حُجَّة على الآخرين أو لا؟ فالجواب هو: ما دامت العدالة من شروط مرجع التقليد، فلا يجوز تقليده، كما لا يجوز إسناد القضاء إليه.

وفي ما يتعلَّق بالسؤال الثاني، فإنَّ العلوم اللاَّزمة للاجتهاد هي: علوم آداب اللغة العربية، المنطق، أصول الفقه، تفسير آيات الأحكام، معرفة الأحاديث الفقهية، معرفة مواطن الإجماع، الدراية بالأحكام العقلية بالدَّرجة الضَّرورية التي تستلزمها ممارسة الاجتهاد، بالإضافة إلى لمحات من علوم أخرى.

السيد مرعشي: لقد بيَّن الفقهاء ما يحتاج إليه الاجتهاد من علوم في الكتب الفقهية (انظر مثلاً: كتاب القضاء). أمَّا بالنِّسبة للنظريات الفلسفية والكلامية والعلمية، فيمكن أن تكون مؤثِّرة في مقدِّمات الرؤية؛ لذلك يحصل أحياناً في علم الأصول أن تتسع دائرة البحث لتشمل المسائل الفلسفية. فبحوث من قبيل: اجتماع الأمر والنهي، ومبحث الضد، والطلب والإرادة، وقبح العقاب بلا بيان، لها جميعاً خلفيَّة فلسفية وكلامية.

١٣

أمَّا بالنسبة للنّظريات العلمية، فيمكن أن تكون مؤثِّرة في تشخيص الموضوعات، وكثيرة هي الأمثلة والمصاديق التي يمكن ذكرها شاهداً في هذا المجال؛ فعلى سبيل المثال: نجد في باب الديَّة تعلُّق نصف الدية في حال قطع خصية الرجل اليسرى، في حين يتعلَّق ثلث الدية في حال قطع خصية الرجل اليمنى؛ وقد علَّل الفقهاء ذلك بأنَّ الطفل يولد من خصية الرجل اليسرى، طبقاً لمؤدَّى بعض الروايات الضعيفة؛ لذا فإنَّ ديَّتها نصف الديَّة الكاملة، ولكن العلم لا يقبل ذلك. وانتبه لذلك الشهيد الثاني (زين الدين العاملي، ٩١١ - ٩٦٥هـ) في شرح اللمعة، وذكر أنَّ الأطبَّاء لا يوافقون على مثل هذا التعليل.

من الأمثلة ما يُذكر طبقاً لمفاد مجموعة من الروايات، من أنَّ النطفة تمكث في الرحم أربعين يوماً، وتكون علقة أربعين يوماً، ومضغة أربعين يوماً، في حين لا تنسجم معطيات العلم اليوم مع هذا الترتيب.

وبشكل عام: الأحكام تابعة لموضوعاتها، ويمكن للعلم أن يُعين الفقيه ويُساعده في معرفة الموضوعات، وفي مثل هذه الحالة، تكون المعرفة دقيقة من دون أن تنطوي على شكٍّ أو تردُّد؛ كما هي الحال في ميزان الموقف العلمي - مثلاً - من قضية بلوغ الفتاة في سنِّ التاسعة؛ إذ يمكن للعلم أن يثبِتَ - على نحو دقيق - هل تصل الفتاة إلى مرحلة البلوغ في سنِّ التاسعة أم لا؟

السيد الحائري: إذا كان المقصود من السؤال أنَّ الفلسفة والكلام يهبان الفقيه رؤية إلهيَّة، ويجعلان أفُقَه أرحب، فهذا أمر حسن له تأثيره؛ إذ يجب أن يكون للفقيه رؤية ميتافيزيقية (غيبية) إلهية، وإلاّ لا يكون فقيهاً، ولن تكون ثَمَّة قيمة لفتاواه. الفلسفة تُثبت لنا أنَّ هذا العلم هو حلقة مرتبطة بحلقات أخرى، وهذه أمور ينبغي للعالِم الدِّيني أن يعرفها.

أمَّا إذا كان المقصود خلط المسائل الفلسفية والعلمية بعلم الأصول، لتكون الحصيلة كالتي بين أيدينا: علم أصول متضخِّم ممَّا دخله ونفذ إليه، فهذا أمر مرفوض.

١٤

* ألا يوجد فَرق بين مدرسة الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت١٢٦٦هـ) والميرزا محمد حسين النائيني (ت١٣٣٥هـ)؟ فالمرحوم الأصفهاني متأثِّر بالفلسفة والكلام، واتجاهه الأصولي يختلف تماماً عن الاتجاه الأصولي للمرحوم النائيني، ومن الواضح أنَّ لهذا الاختلاف أثره في الفقه.

السيد الحائري: نعم، ولكن أيُّ هاتين المدرستين أحقّ؟ هذا أمر غير معلوم.

* بحثنا يدور في طبيعة تأثير الذِّهنية الفلسفية والكلامية في الفقه والأصول، أمَّا الأحقّية، فهي مسألة أخرى.

السيد الحائري: نحن نقبل بوجود مثل هذا التأثير الذي يفضي إلى الأحقّية.

* يمكن أن يكون للعلم أحياناً تأثير على الفتوى. ففي مسألة العصير العنبي، يذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ الغليان يجب أن يكون طبيعياً و تلقائياً، حتّى تزداد الحالة الأسيدية والسكَّرية. أمَّا إذا سخن بالنار ووصل إلى الغليان، فلا يطرأ على ماهيَّته أيُّ تغيير، ومن ثَمَّ لا يشمله حكم النجاسة.

السيد الحائري: التغيُّر يطرأ تدريجياً على العصير العنبي، بعد أن يبرد وتتغيَّر ماهيَّـته؛ ولذلك أفتى الفقهاء بحرمته ونجاسته.

الشيخ مجتهد شَبَسْـتَري: أعتقد أنَّه بالإمكان طرح السؤال بشكل أصحّ إذا صُغنا المسألة على النحو الآتي: ما هي صلة فهم الكتاب والسُّـنَّة بالنظريات الفلسفية والكلامية؛ أيْ النظريات التي تقع خارج مجال تخصُّص الفقيه. والباعث إلى ذلك، هو أنَّ الصيغة تعرُض لمسألة في غاية الأهميّة، وهي: كيف ينبغي أن يُفهم الكتاب والسُّـنَّة؟

١٥

ثَمَّة أنواع مختلفة من الفهم، فالعُرفاء فهموا الكتاب والسُّـنَّة عرفانياً، والفلاسفة فلسفياً، وثَمَّة إلى جوار هذين الفهمين الفهم الفقهي للكتاب والسُّـنَّة، وهذه الأشكال من الفهم تتفاوت في ما بينها. وحينئذٍ سيكون السؤال: هل يمكن لإنسان له اطلاع على النظريات التأسيسيَّة، في الفلسفة والكلام، أن ينال الفهم الفقهي ويُحرزه؟ وهل يتحقَّق الفهم الفقهي مع وجود أيِّ نوع من أنواع الفهم الفقهي ويُحرزه؟ وهل يتحقَّق الفهم الفقهي مع وجود أيِّ نوع من أنواع النظريات الفلسفية والكلامية؟ أو أنَّ اختلاف النظريات الفلسفية والكلامية يؤدِّي إلى اختلاف الفهم الفقهي؟

وهكذا ترون أنَّ المسألة تعود إلى قضية كيفيَّة تحقُّق فهم الكتاب والسُّـنَّة وترتد إليها.

قضية كيفية قراءة النصوص وتفسيرها قضيَّة مهمَّة جداً؛ فنحن لدينا، إلى جوار علم الفقه، فلسفةَ علم الفقه، والمقصود بعلم الفقه هو الواقع الموجود والمتداول في الحوزة والذي يخضع لموازين محدَّدة؛ حيث يُقال في تعريفه:(هو العلم الذي يبحث في الأحكام الشرعية لأفعال المكلَّفين، وَيستنبط تلك الأحكام من أدلَّتها التفصيلية) . بَيْد أنَّ الذي لم يبحث في علم الفقه هو (ماهيَّة) هذا البحث والتفحُّص وحقيقته؛ أي لا يُصار إلى بحث فلسفي في هذا المجال، بحيث تُعرف كيفيَّة تحقُّق هذا البحث والفحص في أعمال المكلَّفين، وما هي طبيعة النسيج الذي ينطوي عليه والمقدَّمات التي يقوم عليها ويستنبطها.

إنَّ البحث في هذه الدائرة(حقيقة البحث الفقهي) وما يكتنفها من أصول، هو أمر تنهض به(فلسفة علم الفقه) . وفي حوزاتنا العلميَّة، لا وجود لعلم باسم: فلسفة علم الفقه، ولكن يجب أن يوجد؛ ففي الوقت الحاضر بدأت تعرض إلى جوار أي علم، فلسفة ذلك العلم؛ لذلك لا يسعنا أن نغفل عن فلسفة علم الفقه، ونتجاهلها رغم أهمِّـيتها الفائقة.

وبديهي أنَّّ علم الأصول تكفَّل بعرض مجموعة من مباحث فلسفة الفقه ودراستها، ولكن ثَمَّة بحوث مهمَّة لا يتولى علم الأصول دراستها وبحثها.

١٦

* وهذا هو علم (المعرفة الفقهية)؟

الشيخ مجتهد شَبَسْـتَري: البُعد المعرفي في الفقه لا يمثِّل فلسفة الفقه كلِّها، وإنَّما يمثِّل جزءاً مهمَّاً منها.

والآن نعود بعد هذه المقدِّمات إلى الموضوع المُثار، فإحدى المسائل الأساسية في فلسفة علم الفقه تتمثَّل بما يتضمَّنه السؤال الآتي: هل هناك دخل وتأثير لِمَا يحمله الفقيه من نظريات فلسفية، ولِمَا يؤمن به من نظريات كلامية، ولِمَا له من رؤية كونية، في كيفية فهمه للكتاب والسُّـنَّة أو لا؟ هذا سؤال مهم.

من أجل إضاءة جوانب عن هذا السؤال - وأنا أعتقد بوجود التأثير - ينبغي أن ننتبَّه إلى مسألة أساسية تتمثَّل في أنَّ على الفقيه أن يحدِّد موقفه في هذا المجال، ويكشف عنه بوضوح؛ وذلك بأنْ يحدِّد دائرة الاستنباط الفقهي ويشخِّص مجالها، بحيث يُعلم في أيِّ المسائل تجب العودة إلى الكتاب والسُّـنَّة؟ وفي أيِّ المسائل لا تجب العودة أصلاً إلى الكتاب والسُّـنَّة؟ هذه مسألة أساسية ينبغي أن يكون للفقيه موقف واضح منها.

أمَّا سبب التأكيد على هذه النقطة المتمثِّلة بـ:وجوب تحديد الفقيه - أوَّلاً - لحدود عودته إلى الكتاب والسُّـنَّة ، فإنَّما يُفسَّر على أساس أصل ثابت في علم التفسير يقول: إنَّ فهم أيَّ نصٍّ - من دون أن يقتصر ذلك على الكتاب والسُّـنَّة وحدهما - سواء أكان نصَّاً فلسفياً أم تاريخياً أم قانونياً، لا يكون ممكناً إلاّ إذا حدَّد قارئ النص ما يترقَّبه ويريده من عودته إلى النص؟ وما هي الأفكار التي ينطوي عليها النص بشكل عام؟ فمن دون حسم هذه المسألة لا يتيسَّر الوصول إلى أيِّ ضرب من ضروب فهم النص؛ لذلك على الفقيه أن يحدِّد - بادئ ذي بدء - لماذا يعود إلى الكتاب والسُّـنَّة؟ وما هي طبيعة الأفكار والمواقف التي يتكفَّلها الكتاب والسُّـنَّة؟

١٧

وبعبارة أخرى، يمكن أن تطرح المسألة على نحو آخر يتمثَّل بالموقف من الوحي نفسه: فما هو الوحي؟ كيف ينظر قارئ النص إلى الوحي؟ وكيف يحدد دائرته ومفاده؟ وما هو الدَّور الذي يؤمن به للوحي في حياة الإنسان؟. وفي المقابل: ما هي الحاجات التي يؤمِّنها الوحي نفسه بعودتنا إليه؟ وما الذي ننتظره منه؟ وعلى الفقيه أن يكون بصيراً بطبيعة الرغبة التي تجذبه إلى الكتاب والسُّـنَّة، وأن يكون مدركاً لعمقها وكيفيَّـتها على نحو صحيح.

نعم، يمكن للفقيه أن يُدرك، بعد رجوعه للكتاب والسُّـنَّة، أنَّهما يجيبانه عن أسئلة لم تكن قد وردت على ذهنه، أو أنَّهما يقومان بتصحيح أسئلته، ذلك كلُّه محتمل؛ لذلك ينبغي أن يكون ذهن الفقيه حال عودته إلى الكتاب والسُّـنَّة منفتحاً بشكل كامل، بمعنى أن يكون مستعدَّاً لِمَا قد يفضي إليه الرجوع إلى الكتاب والسُّـنَّة من تغيير يطرأ على إدراكه ووعيه وذهنه.

فعملية تفسير الكتاب والسُّـنَّة، سواء كانت فقهية أم غير فقهية، هي عملية أخذ وعطاء تتركَّز على قراءة النص، وتحصل دائماً بين قارئ النص وبين معطياته. هي حركة تبادل دورية، حركة تنطلق من مفسِّر النص وقارئه إلى النص، ومن النص إلى المفسِّر، بحيث يتكاملان فيما بينهما عبر هذه الحركة التبادلية (التفاعلية) التي يُعبَّر عنها فيعلم التفسير أو (الهرمنيوتيك) بـ: (الدور) .

فلا يمكن أن يعود النص بمعطى لصالح الإنسان من دون أن يوظِّف مفسِّر النص ما عنده؛ أي لن يكون بمقدور الإنسان أن يحصل على شيء من النص. فللإنسان معطيات عليه أن يوظِّفها ليحصل من النص على شيء، وعندما يخرج من النص بحصيلة يقوم بتصحيح معطياته الذاتية الخاصة على ضوئها، ثُمَّ يعود للنص مرَّة أخرى فيستفيد منه مجدَّداً بما يعزِّز معارفه.

١٨

إنَّ علميَّة تفسير النصوص تنطوي على(الدور)، وذلك خلافاً لِمَا نتصوَّره؛ إذ نظنُّ أنَّنا نعود إلى النص فنفهم منه، ولكن الواقع ليس بهذه الدرجة من البساطة، بل ما يتوقَّعه الفقيه من النص، وما يترقَّبه منه هو الذي يحدِّد طبيعة الأسئلة التي يطرحها على الكتاب والسُّـنَّة، وينتظر الإجابة عنها.

فلو افترضنا أنَّ الفقيه يتوقَّع أن يحصل على حكم شرعي، فحينئذ نسأل: هل يتعلَّق الحكم الشرعي الذي يريد أن يحصل عليه بجميع أفعال المكلَّفين أو ببعضها؟ ثُمَّ لماذا يتعلَّق بهذا القسم بالذات؟ وما هو دليل انتخابه من دون غيره؟ بمعنى أنَّ على الفقيه أن يكون له موقف من قضية حقيقة الكتاب والسُّـنَّة، فما هي حقيقتهما، وما هو دورهما في حياة الإنسان، حتّى يبتغي أن يحصل منهما على مثل هذه الأحكام التي يريدها؟ إنَّ القول: إنَّ مجال الكتاب والسُّـنَّة يتألَّف من دائرة معرفة حكم أفعال المكلَّفين، هو أمر ينطوي على الضيق والسعة، ولا يمكن المرور به مرور الكرام.

سنضع معنيين لهذه المقولة، أحدهما إلى جانب الآخر، ثُمَّ نقارن بينهما:

في الحالة الأولى ، يكون المعنى الذي يبغيه الفقيه من الحصول على حكم أفعال المكلَّفين، أن يقول: عندما أنهض من النَّوم صباحاً، لا أفعل أيَّ شيء إلاّ بعد أنْ أعود أوَّلاً إلى الكتاب والسُّـنَّة؛ لأرى طبيعة التكليف الذي يحدِّدانه لي. ومعنى ذلك أنِّي أتوقَّع أن يُعيِّن الكتاب والسُّـنَّة تكليفي - على نحو أوَّلي - إزاء جميع أفعالي وأنشطتي، بصورة حكم شرعي فقهي من نوع الأحكام الخمسة (الحرمة، الوجوب، الإباحة، الكراهة، الاستحباب)، فأنا إذاً أنتظر من الكتاب والسُّـنَّة حكماً شرعيّاً فقهيّاً أوَّلياً إزاء جميع أفعالي. أنتظر منهما أن يحدِّدا ما أفعله وما لا أفعله؛ والسَّبب في هذه النظرة: إيماني بأنَّ حقيقة الوحي ودوره أن يحدِّدا تكليفي إزاء جميع ما يصدر منِّي من حركات وسكنات.

١٩

إذا كان هذا هو ما ينشده الفقيه من الكتاب والسُّـنَّة، فإنَّ حياة هذا الفقيه ومَن يعمل بنظره (بفتاواه الفقهية)، وكذلك حياة المجتمع الذي يفتي له الفقيه، ستكتسب شكلاً خاصاً. فأفراد مجتمع كهذا عليهم أن لا يحرِّكوا ساكناً، إلاّ إذا جاء فيه موقف من الكتاب والسُّـنَّة بصورة خاصة أو عامة. وإذا اعتقد الفقيه بمثل هذه الرؤية، لا يستطيع أن يُخرج من دائرة الفقه ومجاله قسماً أعظم من فعاليات الإنسان التي ترتبط بالمسار الطبيعي للحياة الإنسانية والتمدُّن البشري، والتي أوكلت بمقتضى كلِّيات الكتاب والسُّـنَّة إلى الإنسان نفسه، وأنيطت بالعلوم والتجربة البشرية؛ ذلك لأنَّ إناطة هذا القسم من النشاط البشري بالبشر يتعارض مع العقيدة - التي ينطوي عليها إيمان الفقيه المفترض - التي تذهب إلى أنَّ وظيفة الوحي هي أن يحدِّد للإنسان جميع سكناته وحركاته ومختلف ضروب نشاطه. إنَّ فقيهاً كهذا عليه أن يضع العلم والتجربة البشرية جانباً، ويتخلَّى عنهما تماماً، حتّى يستطيع أن يتمثَّل إيمانه في حقيقة الوحي (الكتاب والسُّـنَّة) ويبقى وفيَّاً له.

أمَّا النَّوع الثاني من الانتظار والترقُّب لبيان أحكام المكلَّفين من الكتاب والسُّـنَّة، فيأتي في جانب آخر؛ إذ هناك نوع من التفكيك في ذهن الفقيه، بمعنى أنَّه يَعرف - كإنسان حرٍّ ذي فكر - أنَّ هناك مسائل ترتبط تلقائياً بعقل الإنسان وتدخل في نطاق هذه الدائرة، وهناك حيِّز من الحياة ينهض به العقل، وقد أُوكل أمره إلى الإنسان نفسه؛ بحيث لا يكون للوحي دور في هذه المساحة سوى تعيين الأصول الكلِّية، والقيم التي توجِّه الأنشطة البشرية، ومن ثَمَّ فإنَّ دور الوحي - في قناعة فقيه كهذا - لا يمتد ليشمل تعيين وظيفة الإنسان في جميع أنشطته وفعَّالياته.

٢٠

فلو أرادت جماعة بشرية - مثلاً - أن تتحرَّك في طريق التنمية الاقتصادية وتحقيقها، فالقرار في هذا الشأن متروك لها، إن شاءت اتَّخذته، وإن شاءت لم تتّخذه. الأمر الذي يرتبط بالكتاب والسُّـنَّة، في هذا المجال، هو أنَّ على هذه الجماعة إذا قرَّرت أن تتحرَّك باتجاه التنمية، أن تعود إلى الكتاب والسُّـنَّة، لتعرف من خلالهما النواهي (المحرَّمات) الإلهية؛ كي لا ترتكبها وتمارس الفعل الحرام في التنمية. ومعنى ذلك أنَّ دور الكتاب والسُّـنَّة، في مسألة التنمية الاقتصادية، هو أن يبيِّنا ما لا يجب وما لا يليق، لا أن يبيِّنا ما يجب وما ينبغي.

هذا الأنموذج يكشف عن ضرب آخر من ضروب العودة إلى الكتاب والسُّـنَّة، يُبنى على فهم جديد لحقيقة الوحي ودوره. الرؤية الأولى تجعل ما يُرجى من الكتاب والسُّـنَّة يمتد ليشمل كل فضاءات الحياة ومجالاتها. أمَّا الرؤية الثانية، فإنَّها تقصُر الدائرة في حدود المحور الأصلي لحياة الإنسان؛ أي الحياة المعنوية (دائرة اجتناب الذنوب والتقرُّب إلى الله)، وتصرف مهمَّة الكتاب والسُّـنَّة إلى هذا المحور. أمَّا حركة الإنسان في أبعاد الحياة الاُخرى المتمثِّلة بإيجاد التمدُّن، والثقافة، والعمران، وأمور المعاش، فتوكل إلى الإنسان نفسه؛ بمعنى أنَّ هذه الرؤية تترك الإنسان حرَّاً، وتوكل إليه ممارسة الوسائل والأدوات للحياة في هذا العالم.

لاحظوا أنَّ أمامنا نمطين من الترقُّب والتوقُّع لكيفية الحصول على الأحكام من الكتاب والسُّـنَّة، ينتهيان إلى رؤيتين مختلفتين بشأن حقيقة الوحي ودوره في حياة الإنسان. والأمر المهمّ الذي يربطنا بالموضوع، أنَّ هاتين العقيدتين أو الرؤتين هما - في حقيقتهما ومضمونهما - تعبير عن عقائد ومتبنَّيات فلسفية وكلامية. وهناك مسائل أخرى تدخل في تدخل في تأليف هذه الأفكار والمعتقدات الفلسفية والكلامية وتكوُّنها.

٢١

على سبيل المثال: لو عاش الفقيه في عصر تزدهر فيه التنمية الاقتصادية، بحيث تكون التنمية إحدى الضرورات، وتكون الحياة العادية المألوفة هي الحياة التي تقترن مع مستلزمات الصناعة، والمستلزمات الاجتماعية والثقافية للحالة الصناعية؛ لو عاش الفقيه في عصر كهذا وألِفَه وقَبِل ضرورات التنمية الاقتصادية، ومستلزمات الحياة الصناعية، فإنَّه سينطوي - أراد ذلك أم لم يرد - على رؤية كونية خاصة تتَّسق مع هذا اللون من الحياة؛ أيْ تتَّسق مع التمدُّن الجديد، وسيكون لهذه لرؤية الكونية أثرها في أفكار هذا الفقيه الفلسفية ومتبنَّياته الكلامية.

هذا الفقيه سيفهم الوحي ويتلقَّاه ويفسِّره بطريقة تتَّسق مع التمدُّن الجديد، لا أن ينفيه ويحكم عليه بالفناء والزوال، وفقيه كهذا سينظر إلى دور الكتاب والسُّـنَّة، في تنظيم الحياة المتمدِّنة وضبط العلم والصناعة، أنَّهما يقومان فقط بدور رعاية القيم المعنوية أثناء طيِّ هذا المسار، لا أن يبيِّنا أدوات هذا التنظيم ووسائله، ولا أن يحكما بالفناء والزوال على التمدُّن والعلم والصناعة. وبذلك تكون أسئلته أسئلة خاصة متطابقة مع هذه الرؤية، والأجوبة التي ينتظرها لا تخرج عن هذا البُعد.

ما نراه واضحاً هو:دخول العلوم، والفلسفة، والوضع الحضاري، وحالة العصر، في تكوين رؤية الفقيه وما ينتظره من الكتاب والسُّـنَّة.

ويمكن، في النقطة المقابلة، أن يعيش الفقيه في عصر يفتقر للعلوم والتمدُّن والصناعة والأوضاع المرتبطة بها، فحينئذٍ يكون من السَّهل لمثل هذا الفقيه أن ينهض من نومه صباحاً، ويقول: لا أعود إلاّ إلى الكتاب والسُّـنَّة؛ بحيث أحصل منهما على شرح كامل لجميع ما ينبغي أن أفعله وما لا افعله. بَيْد أنَّ الذي حصل هو أنَّ فقهاءنا الماضين، مع عدم معاصرتهم لأوضاع شبيهة بالحضارة الجديدة، كانوا يقبلون مقتضيات عصورهم.

٢٢

هنا بودِّي أن أستطرد قليلاً وأؤكِّد: أنَّ التشتُّت الذي نراه، في كثير من الفتاوى، يعود إلى عدم توجُّه الحوزات الفقهية إلى دور المباني الفلسفية، والكلامية، وطبيعة الرؤية الكونية للفقيه. فلو توافرت البحوث الكافية في هذه المباني ونُقِّحت؛ لأدى ذلك إلى اختفاء أغلب عناصر الاضطراب في الفتوى، ولو تمَّ التدقيق في هذه المباني الفلسفية والمرتكزات الكلامية، وفي الرؤية الكونية، على قدر التدقيق الحاصل في البحث الأصولي، لأمكن أن تختفي الكثير من النقاط البارزة غير الفاعلة التي تظهر على الفقه، وبخاصة في المعاملات، ويذهب ما يعتور السياسة الفقهية من ضياع وحيرة على هذا الصعيد.

فما نحتاج إليه من أجل ذلك، هو بحوث شافية ووافية، ناظرة إلى المسائل الفلسفية والكلامية المعاصرة، وإلى ما يشهده العالم من تصوُّرات في الرؤية الكونية ومبانيها. والذي يؤسَف له أنَّه حتّى لو تمَّ الانتباه في حوزاتنا العلمية إلى الفلسفة والكلام، فإنَّ الذي يبقى غائباً في هذا المضمار هو طبيعة العلاقة بين هذه المباني وبين الفقه والاجتهاد.

التصوّر السائد هو أنَّ الفقيه لا يحتاج إلى الفلسفة والكلام، بل ثَمَّة ما هو أكثر، إذ يُتَصَوَّر أنَّ الفقيه الذي يتجاهل الفلسفة والكلام يحظى فقهه بحظٍّ أوفر من الصَّواب. فقد جرت العادة أنْ يُسأل الفقيه عن مبانيه الأصولية في الفتوى، وأحياناً تتعرَّض هذه المباني للنَّقد، بَيْدَ أنَّه لا يُسأل عن مبانيه الفلسفية والكلامية وعن رؤيته الكونية التي سَرَت إلى علم الأصول ونفذت إليه، وتركت آثارها بالتالي على فقهه، ولا تتعرَّض هذه المباني إلى النَّقد أبداً، فلا أحد يسأل الفقيه عن طبيعة الأصول الفلسفية والكلامية والرؤية الكونية التي أقام فقهه على أساسها؟ وبسبب هذه الغفلة عن المبادئ والمباني الأوّلية، ترى أنَّ كلَّ شخص يفتي بما يشاء، من دون أن تتوافر ضوابط واضحة لإنهاء حالة التشتُّت والاضطراب هذه.

٢٣

أنا شخصياً لا أشكُّ في أنَّ طريق إصلاح منهج الفقاهة والاجتهاد يتمثَّل في أن تعتني حوزاتنا العلمية،في المرتبة الأولى ، بحقل(الإلهيات) (الرؤية الكونية)؛ أي معارف التوحيد، ثمَّ تُعنى،في المرتبة الثانية ، بحقول الفقه والاجتهاد؛ أي أنَّ الجهد الأهمّ ينبغي أن يبذل في إطار حقل معارف التوحيد، ثُمَّ يؤسَّس الفقه والاجتهاد ويبنى على ذلك الجانب المعرفي.

أمَّا في مجال الفقه والاجتهاد، فينبغي، في البدء، أن تُحدَّد ضوابط معيَّنة تندرج تحت عنوان:مقاصد الشريعة ، ثُمَّ يمارس الاجتهاد بعدئذ في إطار تلك المقاصد، وفي إطار تدوين الأصول الكلّية العامة لمقاصد الشريعة، بوصفها الأطر الكلِّية والضوابط العامة للفقه والاجتهاد، وهناك مسائل كثيرة لا مجال الآن للخوض فيها.

على ضوء ما مرَّ، ما ينبغي طرحه على طاولة البحث، في الوقت الحاضر، هوالاجتهاد الفلسفي والكلامي في إطار الزمان والمكان ، وذلك بدلاً ممَّا هو حاصل فعلاً من عرض مسألة الاجتهاد الفقهي في إطار متغيَّرات الزمان والمكان، وذلك بالمعنى الذي يفيد تقدُّم المقولة الأولى على الثانية، وترتُّب المسألة الثانية - من حيث المبنى - على الحصيلة التي يُصار إلهيا في البحث الأوّل.

نعرف أنَّه من المألوف القول - في مواجهة هذه الدعوة -: إنَّ المرتكزات الفلسفية والكلامية قد طُرحت خلال القرون الماضية، واستحكمت مبانيها ونقِّحت بما فيه الكفاية، بحيث لا تحتاج إلى إعادة النظر فيها.

هذه على أيِّ حال نظرية سائدة، لكن ألا ينبغي لحوزاتنا العلمية أن تطرح هذا الادّعاء الكبير على بساط البحث، في أجواء حرَّة ونهج تحقيقي بعيد عن التعصّب؛ لكي يتبيَّن من البحث والمناقشة مقدار ما يتحلَّى به هذا الادّعاء من صحَّة أو سقم؟

٢٤

يمكن أن نُضيف إلى ما مرَّ، أنَّ مبانينا الفلسفية والكلامية في السابق لم تكن تطرح بشكل حيٍّ، وبنحو يُبيِّن علاقتها بالفقه والاجتهاد المتداول في الحوزات؛ لذلك يحصل أحياناً أن تصدر فتوى ليس لها صلة بتلك المباني الفلسفية والكلامية المتبنَّاة، ولا تتناسب وإيَّاها.

كما يقال أحياناً: إنَّ المِلاك في الفقاهة والاجتهاد هو الفهم العُرفي للكتاب والسُّـنَّة، وفي تحقيق الفهم العُرفي لا دخل أبداً للمباني والمقدِّمات الفلسفية والكلامية، ولا أثر للرؤية الكونية. هذا الكلام يخضع لنقاش واسع، فالفهم العُرفي يُبْنى على أساس مجموعة من المقدِّمات والمتبنَّيات العُرفية، وهذه بدورها تؤلِّف نوعاً من الفلسفة، وتستبطن رؤية كونية خاصة، وإن عبَّرت عن نفسها بشكل ابتدائي وبسيط.

إذاً، فالفهم - أي فهم الكتاب والسُّـنَّة - حتّى وإن كان عُرفياً، لا يكون ميسوراً من دون وجود مجموعة مبانٍ فلسفية، ومقدِّماتٍ كلامية، ورؤيةٍ كونيَّةٍ محدَّدة. والسؤال الذي يُطرح في هذا المجال هو:إلى أيِّ مدىً يصحُّ الادِّعاء القائل: إنَّ الفهم الفقهي والاجتهادي للكتاب والسُّـنَّة يجب أن يكون فهماً عرفياً؟ وما هي طبيعة الأدلّة التي تعضد هذه المقولة؟ فالفقهاء في الغالب يفتون على أساس الفهم العُرفي للكتاب و السُّـنَّة، ولكن متى؟ وما هي طبيعة أوضاع الفتوى وشروطها؟ وما هي الظروف الزمانية والمكانية التي تحيط بها؟ حينما نعود إلى جواب هذه الأسئلة، نجد أنَّ ذلك كان يحصل في مجتمع كانت الفتوى تنصرف فيه إلى عمل المكلَّفين، كأفراد فحسب، وفي مجتمع من المجتمعات ما قبل الصناعية، وقبل عصر العلم في موجته المعاصرة، وقبل التخطيط لأجل التنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية.

٢٥

لكن ما هو مآل ذلك في الوقت الحاضر؟ عصرنا، الآن، هو عصر الجمهورية الإسلامية التي تقوم على أساس دستور مكتوب، وخُطَّة تنموية أُولى وثانية، وتعيش في ضوء خطط تقوم على أساس العلوم الاجتماعية والإنسانية ذات الصلة، تُهيَّأ من قبل مئات الخبراء و المتخصِّصين. وفي وضع تبحث فيه المسائل الإنسانية من خلال التحوُّلات الاجتماعية، وفي إطار القضايا البشرية العامة، لا من خلال النظر إلى عمل هذا المكلَّف الفرد أو ذاك، في عصر كهذا ينطوي على جميع هذه العناصر والصفات، هل يمكن للفتوى التي ترتبط بالمعاملات وبالسياسة، أن تبقى رهينة الفهم العُرفي المتحدِّر من مئات السنين؟ ثُمَّ هل يمكن البقاء في إطار ذلك الفهم من دون أن تتمَّ الحركة باتجاه فهم يتناسب مع المسائل الإنسانية العامة - والأساسية - المُعاشة، بعيداً عن ذلك الفهم العُرفي المتوارث؟

ما أرمي إليه هو أنَّنا، في هذا العصر، لا نملك إلاّ أن ندع الفهم العُرفي ونتركه جانباً، ونتحوَّل إلى فهم علمي دقيق.

أنا أعتقد أنَّنا اليوم بحاجة إلى أن نُضيف إلى علم أصول الفقه، البحوثَ الجادَّة فيعلم تفسير النصوص (الهرمونطيقا) ، التي كانت قد ظهرت في المائتين والخمسين سنة الماضية، على أن تُدرس في الحوزات العلمية بشكل دقيق وجِدِّي.

فلا يمكن، اليوم، أن نتوفَّر على علم كلام، أو تفسير، أو فقه منقّح، من دون الاطّلاع على هذه البحوث ومعرفتها، وما يُهمله مفكِّرونا المعاصرون في شأن تفسير المتون الدينية في الوقت الحاضر، ولا يعتنون به الآن، وبخاصة في مجال علم الفقه، كان قد اهتمَّ به المتكلِّمون المعتزلة في القرنين الهجريين الثالث والرابع. إنَّ المعركة الأساسية التي نشبت بين المعتزلة والأشاعرة كانت تدور حول هذا الموضوع؛ إذ ذهب المعتزلة إلى عدم إمكان فهم كلام الله من دون التوفُّر على مجموعة من المقدِّمات والمتبنَّيات العقلية السابقة، في حين قال الأشاعرة بإمكان فهم كلام الله من دون هذه المقدِّمات والمسلَّمات.

٢٦

لقد صرَّح بذلك القاضي عبد الجبَّار فيشرح الأصول الخمسة، وفي كتابالمتشابه في القرآن الكريم، وأشار إلى أنَّه لا يمكن فهم كلام المتكلِّم من دون معرفة قبلَّية مسبَّـقة بأوصافه وحالاته. ولأنَّ الله يُعرف بالعقل فقط؛ يجب إذاً أن تُعرَف أولاً صفاته بالعقل؛ لكي يتيسَّر فهم كلامه.

ما يريد أن يقوله المعتزلة هو أنَّ لغة كلام الله لغة عقلية، لا لغة عامِّـيَّة أو عرفية. ثُمَّ انتبه المعتزلة إلى أنَّ ظهور الكلمات في كلام المتكلِّم والقائل، هو أمر نسبي، له صلة بمشخَّصات المتكلِّم وصفاته وسائر المقدِّمات الأخرى، وبالتالي لا معنى لادِّعاء الظهور من دون هذه المقدِّمات والمسائل.

هذه المسائل هي من بين ما توفَّر عليه علم(قراءة النص) الجديد بشكل مفصَّل.

* إذا قبلنا بأنَّ للفلسفة والعُرفان تأثيراً في الاجتهاد؛ فسنستنتج حينئذ أنَّ العلوم اللازمة للاجتهاد تتَّسع لتشمل العُرفان والفلسفة، فما هو رأي السادة الحضور في الندوة؟

الشيخ معرفت: إنَّ العلوم الضرورية للاجتهاد هي مجموعة من العلوم الأدبية والعقلية والاستدلالية، فهذه مقدِّمات، ويجب أن تكون مثابةً وأساساً، حتّى إذا ما وصل الإنسان إلى مرتبة يستطيع أن يمارس فيها الاجتهاد، يقال له حينئذ: إنَّ عليك أن تعرف مجموعة أخرى من العلوم لها دخل في الاستنباط.

ولمَّا كان سؤالكم يرتبط بالقسم الأوَّل، فينبغي أن يحدَّد أثر المسائل الكلامية والعلمية في الفقه؛ ففي أيِّة مرحلة من مراحل الفقه يكون لهذه المسائل أثر؟

٢٧

لكي يتَّضح هذا الاستفهام نقول: إنَّ للفقه مرحلتين: تتمثَّل المرحلة الأولى في مهمَّة استنباط الأحكام الشرعية؛ واستنباط أحكام الشرع يكون بمعنى اكتشاف الفقيه لتلك القوانين التي وضعها الشارع المقدَّس في نصوص الكتاب، أو في ما دلَّت عليه سنة النبي (ص)، ويطلق عليها تعبير:(الأحكام الكلِّية) . أمَّا المرحلة الثانية، فهي تتمثَّل في ما يراه الفقيه من مسؤولية في توضيح مقدار بعض الموضوعات ونوعيَّـتها. ودعوى أن تشخيص الموضوع ليس من وظيفة الفقيه، ليست صحيحة بنحو مطلق. فإذا أراد الفقيه أن يبيِّن حكماً شرعياً، عليه أن يشخِّص الموضوع الذي يرتبط به الحكم (موضوع الحكم)، وإلاّ لا يجوز للفقيه - مثلاً - أن يقول: (الخمر حرام)، من دون أن يعرِّف الخمر، وهذا مثال بسيط للمسألة.

والمسألة تأخذ مداها الأكبر في باب المعاملات؛ خصوصاً في المواطن التي لا يكون فيها للشارع موضوع تأسيسي. فالشارع يريد أن يعيِّن حكم المعاملات المتداولة بين المسلمين من خلال قاعدة(أوفوا بالعقود) ، و(المؤمنون عند شروطهم) ، و(تجارةً عن تراضٍ) ، أو قاعدة(لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وغيرها. حين يأتي الفقيه ليبحث عن حكم(الشفعة) - مثلاً - عند الشارع في إطار هذه الموازين ومن خلالها، عليه أن يعرف(الشفعة) المتداولة بشكل دقيق وكامل، حتّى يعيِّن لها حكمها. في مثال آخر يكشف عن حاجة الفقيه لتشخيص الموضوع، يمكن أن نشير إلى المسائل البنكية (المصرفية)، فالأسئلة توجَّه حول البنوك (المصارف)، ولكن نظراً إلى أنَّ فقهاءنا عجزوا عن تشخيص الموضوع؛ لعدم معرفتهم بما يجري في المصرف، نراهم لم يجيبوا عن هذا السؤال حتّى الآن، وإنَّما أرادوا أن يروا هل يمكن التوفيق بين المسائل المصرفية وبين المضاربة أو لا؟

٢٨

من هنا نقول: إنَّ على الفقيه أن يكون عارفاً بموضوع الحكم في المرحلتين، مرحلة استنباط أصل الحكم، وكذلك مرحلة تطبيق الحكم على الموضوع الذي أطلق الفتوى في صدده. وقد كان فقهاؤنا الماضون منتبهين إلى هذه المسألة. من هذه الزاوية بالذات، رأينا الحسن بن يوسف الحلّي المعروف بالعلاَّمة (٦٤٨ - ٧٣٦هـ)، درس بدقّةٍ الموضوعات التي كانت شائعة في زمانه، وبحث الأوضاع التي كان قد قرَّرها العُرف لكلّ معاملة، في إطار القواعد الشرعية الكلِّية، ثُمَّ أفتى بعد ذلك بالجواز أو بعدمه. لنفترض أنَّ العلاَّمة درس مسألة المضاربة كما كانت سائدة في عصره؛ وذلك في إطارِ حالةٍ يكون طرفها الأوَّل: المالك صاحب المال، وطرفها الثاني: العامل الذي يبذل العمل. في مثل هذه الحالة، كان العُرف السائد يقضي بأن يُقدِّم المالك نقداً؛ وكان النقد آنذاك ذهباً وفضَّة، فيما كان على الثاني أن يبذل جهده بالعمل. هذه الشروط أخذها من العُرف؛ بمعنى أنَّ العُرف العقلائي في عصره يجري هذه المعاملة في إطار هذه الظروف، فما كان من العلاَّمة إلاّ أنْ حكم وأبان رأي الشرع في المسألة انطلاقاً من هذا العُرف العقلائي الذي عاصره.

والسؤال هو: بعد مُضيّ ما بين (٧٠٠ - ٨٠٠) سنة على عصر العلاَّمة، هل بقي العُرف ثابتاً على ما كان عليه في زمنه؟ لا شك في عدم ثباته. ولكن لماذا؟ لأنَّ العُرف وأسلوب العقلاء في الحياة يتغيَّران تبعاً لشرائط الزمان والمكان. ففي ذلك العصر لم يكن معروفاً - على سبيل المثال - سوى ثلاثة أنواع من التجارة، في حين نجد أنَّ العُرف العقلائي السائد في العالم (العُرف العقلائي العالمي) يتحدَّث - مثلاً - عن عشرة أنواع للتجارة. العلاَّمة في عصره بحث الأنواع الثلاثة تلك، وأحاط بمختلف جوانبها، وحدَّد موقفه في ضوء ذلك. أمَّا الآن، فحيث توجد عشرة ضروب للشراكة، فحين نستفتي الفقيه المعاصر عن أحد هذه الضروب المتداولة، نراه يكتب في الجواب: إذا كان الموضوع الذي تستفتون فيه متطابقاً مع أحد تلك الأنواع الثلاثة، فلا إشكال فيه. والسبب الذي يدفع الفقيه المعاصر لممارسة مثل هذا الإفتاء أنَّه لم يعمل بالطريقة نفسها التي عمل بها العلاَّمة الحلّي في عصره.

٢٩

د. كُرْجي: أعتقد أنَّ للشواهد والقرائن وخصوصيات الزمان والمكان، وعلى نحو يقيني، دخلاً كبيراً في فهم الأدلّة (الكتاب والسُّـنَّة). يمكن أن نشبِّه الحالة بموضوع شأن النزول في القرآن؛ فحين نعود إلى الرِّوايات، نجد أنَّ الفقهاء والرواة كانوا يستفيدون منها معنى عامَّاً وهم قريبون إلى عصر صدورها، لكنَّها حين وقعت بيد الفقهاء المتأخِّرين، تدريجياً أخذوا يذكرون لها وجوهاً متعدِّدة، راحت تبتعد بها عن مؤدَّاها الأصيل؛ لذلك أعتقد بأنَّه من الأمور الضرورية جدَّاً للاجتهاد، هو أن يتوفَّر الفقيه ويجهد لكي تكون له رؤية إلى جميع الخصوصيات والشرائط التي كانت تحيط بالرواية أو الآية في وقت صدروها ونزولها.

إذا عمل الفقيه في إطار هذا النهج، من المؤكَّد أنَّ استنباطه وما يأخذه من الآية والرواية سيكون قريباً كثيراً لِمَا ينبغي أن يكون عليه. أمَّا إذا لم يدقِّق في هذه المواصفات والشروط، فسيبتعد عن المراد.

* نرجو منكم الإشارة إلى مثال لهذه الحالة؟

د. كُرْجي: الذي أذكُره كشاهد على ما أقول، هو القول المتداول والمعروف بين أهل السُّـنَّة من أنَّ(الخراج بالضمان). فقد كانوا يريدون في الأزمنة السابقة من (الخروج بالضمان):(ما يخرج عن العين) ، وكانوا يصرفون القول إلى هذا المعنى عموماً. فإذا كان الإنسان ضامناً للعين، لا يجب عليه أن يدفع شيئاً آخر بالإضافة إليها. أمَّا إنْ لم يكن ضامناً، فعليه أن يدفع. هذا ما كان يستفاد من الحديث في السابق. أمَّا في الوقت الحاضر، فقد ذكر الفقهاء الكبار وجوهاً متعدِّدة في معنى الحديث، جميعها - تقريباً - تبتعد عن المعنى السابق. افرضوا أنَّهم قالوا: إنَّ الخراج يعني الضرائب المالية، وقالوا: إنَّ (الخراج بالضمان) هو نفسه الخراج والمقاسمة التي تطرح في أبواب الفقه، إذ قالوا: إنَّ الضامن للعين، عليه أن يدفع الضرائب المالية للعين (أي خراجها)، في حين نجد أنَّ علماء

٣٠

العصر الأوَّل - الشيعة وأهل السُّـنَّة بالأخص - فهموا من (الخراج بالضمان): أنَّ الإنسان لو كان ضامناً للعين، فإنَّ منافعها الأخرى تكون له وبالمجان، وبالتالي لا يضمن المنافع المترتِّبة عليها. لقد استفاد الأقدمون معنى مقارباً لِمَا ذكرته، إذ ذهب إلى ذلك من قدماء السُّـنَّة أبو حنيفة (النعمان بن ثابت، ت ١٥٠ هـ)، ومن الشيعة ابن حمزة (العماد الطوسي، توفِّي أواخر القرن السادس). وأنا أسوق هذا الكلام بالاعتماد على مطالعاتي السابقة؛ إذ لم أقم حديثاً بتجديد قراءتي له.

ولكن حينما آل الأمر إلى عصرنا، رأينا أنَّ السادة العلماء الكبار ممَّن حضرت دروس بعضهم، احتملوا للحديث وجوهاً متعدِّدة، ثمَّ انتهوا للقول: إنَّ الحديث مجمل لا يمكن فهم شيء منه، فهو ضعيف سنداً ومجمل في المعنى؛ ولذا فهو ساقط عن الاعتبار والاستدلال.

هذا مثال سقته على الحالة التي عرضت لها آنفاً.

* إنَّ هذه الحالة تُوجب اللبس؛ فالإنسان يكون ضامناً للعين وضامناً للمنافع أيضاً، لذلك قالوا الذي قالوه لدفع هذا التوهُّم؟

د. كُرْجي: يمكن أن يقال هكذا وتُفسَّر آراؤهم على هذا الأساس، فأبو حنيفة كان يعتقد بمثل هذا الرَّأي.

* هل الحديث المذكور نبوي؟

د. كُرْجي: أجل، ولكنَّه حديث ضعيف؛ يعني ليس له راوٍ إمامي، فهو مثل كثير من الروايات في باب (قواعد الفقه)، التي جاءت من السُّـنَّة وأخذها عنهم الشيعة. قصَّة هذا الحديث هي شيء من هذا القبيل، وهذا ما لديَّ بالنسبة للسؤال الأوَّل.

٣١

المنحى المقاصدي

الشيخ مجتهد شَبَسْـتَري: أود أن أُضيف شيئاً إلى ما ذكرتُه سابقاً، في شأن قضية مقاصد الشريعة التي يجب أن تؤخذ في الفقه على نحو جدِّي. لقد اعتمد الغزالي والشاطبي كثيراً على مقاصد الشريعة، حتَّى قال أحدهما(لا أذكر مَن هو): إنَّ مقاصد الشريعة تكمن في هذه الأصول الخمسة: حفظ العقول، وحفظ الأموال، وحفظ الدِّين، وحفظ النفوس، وحفظ الأعراض.

كُرْجي: لقد أخذ البقيَّة عن هؤلاء، وبخاصة عن الأوَّل.

الشيخ مجتهد شَبَسْـتَري: يذكر الشاطبي أنَّ جميع الاستنباطات ذات الصلة بالمعاملات والسياسة ينبغي أن تتمَّ في هذا الإطار. ومحصَّل ذلك أن لا معنى للاستنباط بلا مِلاك، فكلّ مسألة يجب أن يتَّضح الإطار الذي ينتظمها، والأرضية التي تتحرَّك عليها؛ بحيث يتبيَّن المقصد الذي لها علاقة به من بين مقاصد الشريعة، وإلاّ من دون تعيين أرضية العلاقة بين المسألة ومقصدها سيقع الفقيه في لون من الاستنباط غير الصحيح، حيث يسأل عن مسألة فيعود للآيات والروايات كي يستنبط الحكم من مظانِّه، هكذا من دون أن يعيد المسألة إلى المقصد الذي ينتظمها من مقاصد الشريعة.

يجب أن يتمَّ الاستنباط على ضوء تلك الأصول الكلّية والرؤى العامة للشارع في كلّ حقل من الحقول، تماماً كما يحصل في تفسير القوانين، فحينما يريد الحقوقي أن يشرح مادَّة من القانون ويفسِّرها، لا يمكنه أن يفعل ذلك من خلال أخذ مادَّة واحدة فقط، وإنَّما يأخذ المادَّة القانونية المعنيَّة ويضعها في بابها الذي ينتظمها، ثُمَّ يفسِّرها على أساس موازين خاصة.

٣٢

والأصول الخمسة التي ذكرتْ مقاصدَ للشريعة، تعكس وجهة نظر أولئك السادة، وإلاّ يمكن لإنسان آخر أن يعيِّن مقاصدَ الشريعة على نحو آخر، أو أن يضيف إلى الأصول المذكورة، لكن مع ذلك يوجد الكثير من المسائل المتضمِّنة في هذه الأصول الخمسة، فحين نقول مثلاً: إنَّ حفظ الدين هو أحد مقاصد الشريعة، فحينئذ سيكون السؤال هو: كيف نعرِّف هذا الدين، وما هو معناه؟ ما الذي نعدُّه جوهره، وما الذي يدخل في عِداد (الأهداف) التي تحافظ على الجوهرة؟

طبيعي أنَّ هذه الأسئلة لا تدخل في نطاق البحث الفقهي، بَيْدَ أنَّها أهمُّ من البحث الفقهي، فإذا أعلن الفقيه أنَّ الفكرة، أو العمل الفلاني، يستوجب إضعاف دين الناس، عليه أوَّلاً أن يكشف عن طبيعة رؤيته لحقيقة الدين، بحيث إذا مُسَّت فإنَّه يشعر بالخطر.

في هذه المسألة ثَمَّة مجال لبحوثٍ كثيرة، وقد أسهم العُرفاء والفلاسفة والمتكلمون بنظريات مختلفة في هذا الشأن. لا يمكن طرح رأي مقبول في هذا المجال إلاّ من خلال البحث الدقيق، ولا يمكن حلُّ المسألة بالاعتماد فقط على رأي لهذا أو وجهة نظر يبديها ذاك.

من هذه الجهة بالذات ينبغي أن تخرج الاستنباطات من حال التشتُّت، ويتحوَّل الخلاف من الاختلاف في الاستنباط إلى الاختلاف في المباني، إذ الصحيح أن يتَّضح أين يختلف هذا الشخص مع ذاك في مبنى معيّن. والأمر الطَّبيعي أنَّ البحث في عموم هذه المسائل المبنائية (التأسيسية) يرتدُّ بدوره إلى قضية أصلية مهمَّة؛ تتمثَّل بحقيقة الوحي وما ننتظره من الكتاب والسُّـنَّة كما أوضحنا ذلك سابقاً.

٣٣

* لنا سؤال موجَّه إلى الشيخ شَبَسْـتَري؛ وهو: هل يبقى ما يقصده الشارع في ذلك العصر (عصر التشريع) ثابتاً، أو أنَه ربَّما يتَّفق في بعض الأحكام أن يكون للشارع في ذلك الزمان قصد خاص، بحيث إذا تحقّق مراده بتشريع يحقِّق المراد، فلا يبقى ثَمَّة مقصد آخر؟ أي أنَّ السؤال تحديداً هو: هل مقصود الشارع مطلق أو نسبي؟ وكم من أحكام الشريعة يكون على نحو القضية الخارجية، وكم منها يكون على نحو القضية الحقيقيّة؟

الشيخ شَبَسْـتَري: سؤال في محلِّه. إذا كان هناك - مثلاً - عشرة أنواع من التجارة أو أكثر، لها حكم عقلائي؛ بمعنى أنَّه قد وضُع لها قانون، فلماذا لا يعمل المسلمون بذلك ويأخذون به؟ ولماذا يعودون إلى الكتاب والسُّـنَّة ليحدِّدوا من خلالهما ما يأخذونه من تلك القوانين وما يردُّونه؟ هذه القضية لم تتحوَّل إلى مسألة في الوقت الحاضر فقط، بل كانت كذلك منذ البداية؛ منذ أن انبثقت أُولى بذور الاجتهاد وبدأ ممارسة واعية بين المسلمين، فمنذ ذلك الحين أطلَّت هذه المسألة على الواقع.

حين كان النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قيد الحياة، كان يعمل بآيات القرآن وبالأحاديث، ولكن سرعان ما طُرحت هذه المسألة من بعده، وذلك في اللحظة التي تبلور فيها مفهوم الاجتهاد وتحوَّل إلى نوع من الرأي والنَّظر، وأخذت تعبِّر عن نفسها بمحتوى السؤال الآتي: ما الذي يوجب العودة إلى الكتاب والسُّـنَّة لتحصيل النظر الفقهي في قضيَّة خاصة؟

٣٤

تنطوي هذه المسألة على مبنىً كلامي، وكل ما في الأمر أنَّ هذا المبنى الكلامي يختلف سعةً وضيقاً من شخص إلى آخر. والمبنى الذي نعنيه يتمثَّل في ما تحمله ذهنية المسلمين من عدم جواز مخالفة حكم الله في أيِّ موطن من المواطن؛ لأنَّ المشرِّع الأصلي هو الله. ومحل الاختلاف - بعد التسالم على ذلك المبنى - هو الأرضية التي يتحرَّك فيها الشارع (الله) في تشريعه، وما تنطوي عليه هذه الأرضية من سعةٍ وضيقٍ بين مختلف الفقهاء. فلا ريب في أنَّ هناك اختلافاً كبيراً في سعة هذه المساحة وضيقها، بين فقيه يقول - مثلاً - بأصالة الحظر ويتحرَّك على ضوء ذلك، وآخر يتحرَّك في ضوء أصالة الإباحة، وفقيه ثالث يذهب للقول بأنَّه حتّى المعاملات هي أمور توقيفية، وآخر لا يقول بتوقيفية المعاملات، وإنَّما يكلها إلى نظر العُرف.

من هنا تتفاوت الرؤى بين رؤية تذهب إلى أنَّ أرضية شارعية المشرِّع (الله سبحانه) واسعة جدّاً، وأخرى تلتزم بمحدودية هذه المساحة وضيقها. فثَمَّة فقيه يرى نفسه بحاجة إلى الحكم الشرعي المباشر في كلّ قضية ومكان، وإلى جانبه فقيه آخر يتوفَّر على بيان الأحكام من خلال الأصول الكلّية. في حين هناك فقيه ثالث يذهب إلى الاكتفاء بما ورد فيه نص وحسب.

ما نخلص إليه هو:أنَّ هناك اختلافاً مهماً في طبيعة الفهم وأسلوبه، يعود كله ويرتدُّ إلى حقيقة الوحي وطبيعة ما ينتظره الفقيه منه . فالإنسان المسلم يريد (حكم الله) على الدوام، وهو قلق في هذا الشأن، بَيْدَ أنَّ ما يقع فيه الاختلاف هو مجال هذا الحكم وحدوده.

٣٥

مداخلات في الفهم العُرفي

* هل تقصد بأصالة الحظر وأصالة الإباحة ما يذهب إليه أصوليُّونا في الغالب؛ من القول بأصالة الإباحة، في حين يذهب بعض أخباريِّينا إلى القول بأصالة الحظر؟ وفي الوقت نفسه فإنَّ القائلين بأصالة الإباحة يذهبون إلى أنَّ جميع الأفعال الإرادية للإنسان لها واحد من الأحكام الخمسة: الإباحة، الحرمة، الوجوب، الاستحباب، والكراهة، ولَمَّا كان الأمر كذلك، يجب علينا أن نرجع إلى الشريعة الماثلة في مجاميعنا الروائية، فإذا اطمأننَّا إلى عدم وجود حكم للشارع، ندرج المسألة تحت عنوان: العموميَّات والإطلاقات؛ من قبيل: ( تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ) ، و ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ، وإذا لم نجد منعاً خاصاً في هذا المضمار، نتعاطى مع المسألة من خلال عنوان: ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ، وبالتالي فإنَّ ما يذهب إليه أولئك في هذه المسائل ليس القول: إنَّها تندرج في بناء العقلاء، وإنَّ بناء العقلاء حجَّة علينا. كلاّ، وإنَّما مفاد كلامهم في الغالب إمَّا إرجاع المسألة إلى حكم خاص إن وُجد، أو وضْعُها تحت واحد من الإطلاقات والعمومات التي وصلت من ناحية الشرع. وإذا أردنا أن نوجِّه المسألة، في ضوء بناء العقلاء، ينبغي إعادة هذا البناء بشكل قهقرائي إلى عصر المعصوم عليه‌السلام . وفي زمن الشَّارع إمّا أن يكون الشارع قد أمضى ذلك البناء أو لا، وعدم الردع كافٍ في الكشف عن الإمضاء.

وما يهمُّنا أن نشير إليه هو: ليس هناك تأثير يذكر، في هذه المواطن، لأصالة الحظر وأصالة الإباحة، وإنَّما تدخل المسألة وتفسَّر على أساس شمول الفقه وعمومه نسبة لأفعال المكلَّفين. والآن لا ندري إذا كان بمقدور توضيحكم، أن يرد إشكالنا هذا أم لا؟

٣٦

الشيخ مجتهد شَبَسْـتَري: هناك اختلاف كبير في الإباحة، وهل هي حكم أو لا؟ إذ يذهب بعضهم إلى عدم كونها حكماً. وهذا معناه أنَّ الإنسان قد تُرِك حرَّاً في هذه المنطقة. وتصوُّر المسألة ينطوي بالنسبة إلينا على صعوبة فائقة؛ إذ لا نستطيع أن نتصوَّر، نتيجة تربيتنا النَّفسية الخاصة، أنَّ الإنسان تُرك حرَّاً في بعض المساحات والأبعاد، إلاّ أنَّ المسألة تظل على أيِّ حال تعكس مبنى معيَّناً يقوم على عدم اعتبار الإباحة حكماً. وعليه، فإنَّ الذي يفهم من الإباحة(عدَم الحكم) ، إنَّما يعبِّر عن طريقة خاصة، أو عن فهم خاص. ثمَّة إلى جوار ذلك، فهم آخر يذهب إلى أنَّها(حكم)، تماماً كما ذكرتم من أنَّ الفقيه يتفحَّص المدارك فيصل بعد التفحُّص إلى وجود حكم هو الإباحة، ومعنى ذلك أنَّنا توفَّرنا على الحرية بوصفها ثمرةً للحكم، أي أنَّ الحرية مُنحت لنا بوسيلة الحكم.

هناك فهم ثالث يؤكِّد أنَّ جميع المسائل توقيفية، ونحن لم نمنح حرية شرعية، فكلّ ضرب من الضروب يُعبر عن (فهم). والسؤال هنا: ليس لدينا أكثر من هذا الكتاب وهذه السُّـنَّة التي بين أيدينا، وأصحاب الرؤى الثلاث يعودون إلى هذا الكتاب وهذه السُّـنَّة، فكيف - إذن - تحقَّق التنوُّع في هذه(الأفهام) الثلاثة؟

بديهي أنَّ هذا التنوُّع في الفهم لم يأتِ عفوياً ولا تلقائياً، فلا نستطيع القول: إنَّ هذا الفقيه يفهم المسألة بهذه الطريقة والآخر يفهمها بشكل آخر من دون أن يكون ثمّة سبب لتغاير الفهم واختلافه. وإنَّما هناك ذخيرة معرفية أوّلية في داخل كلّ فقيه في(مكوِّناته) هي التي تسوقه للتفكير بهذه الطريقة أو تلك.

د. كُرْجي: أرى من الضَّروري أن نتأمَّل قليلاً في هذه المسألة؛ فمسألة الحظر والإباحة والبراءة والاشتغال تشير إلى موقعين. ففي مسألة الحظر والإباحة، وبقطع النظر عن ورود الشرع (يعني إذا لم يصلنا حكم)، هل نملك حرية الفعل؛ بحيث نفعل ما نريد ونتصرّف كما نشاء أو لا؟ ما هو موقف العقل؟ فإذا لم يكن ثَمَّة وجود للشرع، فهل نستطيع أن نفعل ما نريد أو لا؟

٣٧

يعتقد بعضهم أنَّه ليس بمقدورنا أن نفعل شيئاً؛ في حين يذهب بعض آخر إلى أنَّه لا يمكننا أن نفعل أيَّ شيء إلاّ في الحدود التي أجازتها الأديان، ومن بينها الدين الإسلامي، فنحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلاّ في إطار ما أباحه الدين، هذه الحالة يُعبَّر عنها بالحظر، وفي مقابلها تأتي حالة الإباحة، بمعنى أنَّ الإنسان حرٌّ، له أن يفعل ما يشاء، والعقل يقول: عليك أن تفعل ما تستطيع عمله.

نأتي إلى تصوُّر أو طرح آخر للمسألة؛ إذ نفترض أنَّ الشَّرع وصلنا، ولكنَّنا لم نعرف حكمه في فعلٍ ما، أو كان له حكم ولكن لم يصلنا، فما هو التكليف في مثل هذه الحال؟ يعتقد بعضهم بالبراءة، وبخاصة في الشبهة الحكمية التحريمية.

ثَمَّة إلى جوار هذا الفريق فريقٌ آخر هم:الأخباريون، يعتقدون بأصل الاشتغال، إذ يجب العمل بالاحتياط. أمَّا الأصوليُّون، فيعتقدون بأصل البراءة نظراً لِمَا في الشرع من أدلَّة.

هناك مسألة أخرى تتمثَّل بالرجوع إلى عرف العقلاء أو - لنقل - إلى فهم العُرف. بَيْدَ أنَّ الرجوع إلى عرف العقلاء مهم جدّاً، فليس الواقع الحاصل هو تدخل الشارع في كلّ شيء. هو بلا ريب يتدخَّل في أمور، ولكن في الأمور التي لا يتدخَّل فيها فإنَّ الإنسان حرّ، بل ثَمَّة مَن يعتقد أنَّ عدم ردع الشارع كافٍ للورود فيها (المساحات الحرَّة)، في حين يعتقد آخرون بلزوم الإمضاء، إمضاء الشرع.

تبقى مسألة فهم العُرف للغة أدلَّة الأحكام، وللغةِ موضوعاتها وقيودها وشروطها. إذا كان العُرف العام ينقاد إلى معنى، فعلى أيِّ شيء نحمله؟ من الواضح أنَّه يحمل على ما يفهمه العُرف؛ إذ من البديهي أنَّ هذه الأدلّة أُلقيت إلى العُرف، فالشارع خاطب العُرف بكلام: الشراب المسكر حرام، والشيء الكذائي حلال، والآن علينا أن نعود إلى العُرف لنرى ما الذي يفهمه من الشراب، وماذا يفهم من الموضوعات الأخرى كالبيع مثلاً.

٣٨

المسألة المهمَّة الأخيرة في هذا المضمار، هي مسألة نوع الفهم العُرفي، فهل المِلاك هو فهم العُرف والناس في زمان الشارع (التشريع)، أو أنَّ المناط هو العُرف في كلّ عصر؟

* في المواطن التي يُرجِع فيها الشارع إلى العُرف، ويكون العُرف مختلفاً، هل تأتي الأحكام الشرعية مختلفة أيضاً تبعاً لاختلاف العُرف؟

د. كُرْجي: ليس ثَمَّة ما يدعو إلى الإرجاع. أمَّا إذا تمّ الإرجاع إليه (إلى العُرف)، فنعم! ثُمَّ ما هو وجه الحاجة لكي نتجشّم العناء ونقول: إنَّ الفقهاء فهموا ما كان عرفاً في زمن الشارع؟!

*وما الضرورة في أن نقول: إنَّ هذه أمور شرعية بنحو جازم؟

د. كُرْجي: يقول الشارع المقدَّس:( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ، وفي أيِّ زمن تُطلق هذه الكلمة، فالإطلاق يكون على نحو الحقيقة، لا على نحو المسامحة. نعم، يمكن أن يكون هناك فرق في الأزمان المختلفة. ففي عصر من العصور لم يكن يقال عن (السرقفلية / الخلو) أنَّها تباع، أمَّا اليوم، فيقال من دون أن يكون في الاستخدام تساهل أو تسامح، وقد قال الفقهاء باشتراط كون البيع واقعاً على عين؛ وذلك لأنَهم جعلوا عرف ذلك الزمان ملاكاً، أمَّا إذا رفضنا ذلك، فإنَّ المراد من( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) هو ما يعنيّه العُرف في كلّ زمان من (البيع).

* حسناً، الكلام ينطبق على (أحلَّ) أيضاً، فالعُرف هو الذي أحل؟

د. كُرْجي: إنَّ كلّ الألفاظ التي تؤخذ في الأدلّة، محمولة على ما يفهمه العُرف منها.

٣٩

سجال في ثبات اللفظ وتغيّر المعنى

الشيخ شَبَسْـتَري: أنا أعتقد بأنَّ المعاملات ليست تأسيسية، بَيْدَ أنِّي أريد أن أطرح سؤالاً هو: حين نقول: إنَّ (البيع)، في( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ، يُراد منه ما يفهمه العُرف في كلّ زمان، فإنَّ هذا القول سيكون عُرضة لاعتراض الباحثين اللغويين، فهؤلاء يذهبون إلى أنَّ اللغة هي أمر تاريخي، بمعنى أنَّ اللغة تتَّصل في داخل كلّ جماعة وحضارة وعصر، بما ينطوي عليه ذلك العصر وتلك الحضارة والمجتمع. وحينئذ فإنَّ(النسيج اللغوي) لحضارة معيّنة لا يمكن أن يكون ناظراً إلى حضارة أخرى.

فاللغات ليست أمراً نستطيع أن نمدَّد معانيه كما نقدر ونريد، وهذه المسألة التي يمكن أن نُطلق عليها عنوان(الشبهة) لا ترد في هذا المجال وحده، بل تمتدُّ لتشمل التفاسير العُرفانية والفلسفية لقسم من الآيات؛ حيث يعترض باحثو اللغة بالاعتراض نفسه، فحين نقول - مثلاً-: إنَّ لليد في اللغة العربية معنى عامَّاً يشمل حتّى (اليد الملكوتية) لله سبحانه، أو إنَّ (القلم) يشمل في معناه اللوح المحفوظ أيضاً، فإنَّ هذا الضرب من المعنى لا يتَّسق مع محدودية اللغات وتاريخيَّـتها.

إذا رضينا بمفاد هذه الشبهة، ينبغي لنا أن نقبل أنَّ المراد من( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) هو فقط ذلك القسم من البيع الذي كان في زمن نزول القرآن، ومن ثَمَّ فهو لا يشمل مفاد البيع، وما يسمَّى بيعاً في جميع العصور ومختلف المجتمعات.

والقول نفسه يقال عن جملة( تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ) ، فالتجارة كانت تنطوي على مفهوم خاص بها في ذلك العصر، وإذا كان العالم المعاصر قد أفرز اليوم عشرة أنواع من التجارة، فإنَّ هذه الأنواع هي أشياء أخر لا تندرج تحت عنوان التجارة الذي ورد ذكره في القرآن الكريم.

كيف ندفع هذه الشبهة؟!

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177