مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني22%

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني مؤلف:
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 174

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني
  • البداية
  • السابق
  • 174 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 62374 / تحميل: 7580
الحجم الحجم الحجم
مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

عن أي شيء يكشف هذا؟ انه يكشف عن أن عقل المؤلف قد تكون في مناخ غير عربي، ويبرر لنا القول بأن المؤلف ليس مؤهلاً للكتابة عن نقد الفكر الديني الإسلامي.

وهو غير متمكن من لغة القرآن وأساليبه البلاغية. ودليلي على ذلك كثير من الشواهد الصغيرة التي مرت عليّ في كتابه، ودليلي الكبير على ذلك بحثه عن المكر الإلهي، موضوع حديثنا الآن. إن القرآن ليس كلاماً بسيطاً عادياً ليمكن تناوله وفهمه ببساطة وكأننا نتحدث مع بعضنا، أو كأننا نقرأ جريدة. إن القرآن عند المؤمن به وحي إلهي معجز في بلاغته، وعند غير المؤمن به كلام يعتبر نموذجاً أعلى اللبلاغة العربية، ولذا فلا بد - لأجل فهمه بشكل صحيح - من الاحاطة التامة بقواعد البلاغة العربية، وأساليب البيان العربي. إن أي أُستاذ للأدب لا يجرؤ على تناول نص أدبي عادي بالنقد ما لم يتخذ له أهبته، ويستعد له بما يلزمه من معرفة، فكيف بالمؤلف وهو يتناول النصوص القرآنية دون أن يملك الأداة الي تجعله قادراً على فهمها بصورة صحيحة.

وثمة شيء أساسي اخر يجب أن يتحلى به الباحث - ناقداً كان أو غير ناقد - عندما يتناول نصاً من النصوص، وهو الأمانة الفكرية: يجب أن يعرض النص بتمامه ليحيط بجميع عناصره، ويفهم جميع علاقاته الداخلية، وبذلك يستطيع أن يكوّن عنه فكرة صحيحة أو مقاربة. أما أن يبتر النص، ويختار منه المقطع الذي يؤيد هواه، فهذا ليس من الأمانة الفكرية في شيء. انه أحق أن يسمى تزويراً فكرياً. وسنرى في هذا الحديث أن الأمانة الفكرية كانت عنصراً مفقوداً عند المؤلف - ربما بسبب عدم تمكنه من لغة القرآن وأساليبه البلاغية - فإنه في نقله للآيات

١٢١

القرآنية التي جعلها شواهد على «اكتشافه» للمكر الإلهي، لم ينقل النصوص كاملة، وإنما وقع اختياره منها على مقاطع معينة توهم انها تؤيد هواه ونظريته، وعزلها عن علاقاتها بغيرها من المقاطع الأُخرى في النص الذي تناول الواقعة.

- ٢ -

لقد وردت مشتقات مادة (م ك ر) في ست وعشرين آية من القرآن، وذلك في السور التالية:

«آل عمران. الأنعام. الأعراف. الأنفال. يونس. يوسف. الرعد. إبراهيم. النحل. النمل. المؤمن. نوح. فاطر. سبأ».

ومشتقات هذه المادة ليست مضافة إلى اللّه تعالى في جميع مواردها، وإنما هي مضافة إلى اللّه بشكل أو بآخر في ست آيات فقط، وهي الآيات التالية:

١ - في شأن عيسىعليه‌السلام ، وإرساله إلى بني إسرائيل، ودعوته لهم إلى الايمان، وكفرهم به:( ... وَمَكَرُوا، وَمَكَرَ اللّه، واللّه خَيرُ الماكرِين ) (١) .

٢ - في شأن أهل القرى: ابتداءً من الآية (٥٩ - ٦٤ - أعراف)

____________________

(١) سورة الأعراف ٥٥٤.

١٢٢

ذكر اللّه طرفاً من قصة نوح مع قومه، وكفرهم به وعقابهم. وفي الآيات (٦٥ - ٧٢) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي هود مع قومه عاد، وكفرهم به، وعقابهم وفي الآيات (٧٣ - ٧٩) ذكر اللّه قصة النبي صالح مع قومه ثمود وكفرهم به. وفي الآيات (٨٠ - ٨٤) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي لوط مع قومه وكفرهم به وعقابهم. وفي الآيات (٨٥ - ٩٣) ذكر اللّه طرفاً من قصة النبي شعيب مع قومه، وانقسامهم بين الكفر والايمان، وعقاب الكافرين منهم. وفي الآيتين (٩٤ - ٩٥) ذكر اللّه قاعدة عامة في الرسل والانبياء مع أقوامهم، وكيف يربي اللّه الانسان ليعي ويؤمن، ثم بعد هذا البيان عن أهل القرى، قال اللّه تعالى:

( وَلَوَ أنّ أهلَ القُرى آمَنُوا وَاتقّوا لَفَتَحَنا عَليَهم بَرَكاتٍ منَ السّمَاءِ والأرضِ، وَلكَن كَذّبُوا فَأخذنَاهُم بمَا كَانُوا يَكسبون. أفَأمنَ أهلُ القُرى أن يأتيهُم بأسُنَا بَيَاتاً وَهُم نَائمون؟ أَوَ أمِنَ أهلُ القُرى أن يَأتيَهُم بأسُنا ضُحىً وَهُم يَلعَبُون؟ أفَأمنُوا مَكرَ اللّه؟ فَلا يأمَنُ مَكرَ اللّه إلا القَومُ الخَاسروُن ) (١) .

٣ - في قوم ثمود ونبيهم صالح، ودعوته لهم إلى الايمان وكفرهم به وتآمرهم على قتله:

( ... وَمكرَوُا مَكراً، وَمَكَرنا مَكراً وَهُم

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٩٦ - ٩٩.

١٢٣

لا يَشعُرونَ. فَانظُركَيفَ كَانَ عَاقبةُ مَكرهم أنّا دَمّرناهم وَقَومَهم أجمَعين ) (١) .

٤ - في شأن النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وقريش، وتآمرهم عليه، ونجاته منهم بالهجرة إلى المدينة:( وإذ يمَكُرُ بكَ الّذيِنَ كَفَروا ليثبتُوك أو يَقتُلُوكَ أو يُخرجُوكَ، وَيمَكُرونَ وَيَمكُر اللّه، واللّه خَيرُ المَاكرين ) (٢) .

٥ - ابتداءً من أول سورة يونس يعرض اللّه تعالى صوراً من مواقف المشركين من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن ويذكِّر المشركين بما حدث لأسلافهم من مكذبي الرسالات، ويسفه وثنيتهم، ويذكر طلبهم للمعجزات، ثم يقول تعالى:( وَإذا أذَقنَا النّاسَ رحمَةً من بَعدِ ضَرّاء مَسّتهُم إذَا لَهُم مَكر في آياتنَا قُلِ اللّه أسرَعُ مَكراً، إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تمكُرون ) (٣) .

٦ - بعد أن ذكر اللّه في اول السورة الدلائل الكونية على وجوده وقدرته، وسَّفه افكار الملحدين للحياة الاخرة، واستعجالهم للعذاب مع علمهم بما حدث لمن قبلهم من الامم المشركة، وطلبهم للمعجزات، ثم يذكر الآيات الكونية الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وصوراً عن مواقف المؤمنين باللّه، وصورة عن موقف المشركين وعاقبتهم( أولئِكَ

____________________

(١) سورة النحل الآية ٥٠ - ٥١.

(٢) سورة الانفال الآية ٣٠.

(٣) سورة يونس الآية ٢١.

١٢٤

لَهُمُ اللّعنَةُ وَلَهُم سُوء الدّار ) ثم يذكر طلبهم للمعجزة، ثم يذكر المؤمنين، ويذكر استهزاء الامم السابقة بانبيائها، وكيف «زُيّنَ للّذينَ كَفَرُوا مَكرهُم». والجنة وعد بها المتقون، والقرآن، والرسل السابقين، ثم يقول تعالى:

( وَقَدَ مَكَرَ الذينَ من قبَلهم فَللّهِ المكرُ جَميعاً، يَعلَمُ مَا تَكسِبُ كُلّ نَفسٍ، وَسَيَعلمُ الكُفّار لمن عُقبَى الدّار ) (١) .

***

هذه هي الآيات التي ورد فيها المكر منسوباً إلى اللّه تعالى. أما الآيات الاخرى التي وردت فيها صفة الاستهزاء والمخادعة منسوبتين إلى اللّه فموعدنا معها بعد الحديث عن «المكر الإلهي». فلنحاول الآن أن نفهم كيف ينسب اللّه المكر إلى نفسه، وما المراد من ذلك؟.

- ٣ -

إن المكر من العبد هو الحيلة والخديعة. والمكر من اللّه هو المجازاة والعقوبة على الذنب. والتعبير عن المجازاة والعقوبة على الذنب في هذه الموارد بلفظ «المكر» مظهر من مظاهر البلاغة العربية. وهذا النحو من البيان يسمى في البلاغة العربية «المشاكلة» و«المجانسة» وذلك

____________________

(١) سورة الرعد الآية ٤٢.

١٢٥

بان يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. وهو كثير الورود في الشعر الجاهلي من ذلك قول يزيد بن نوفل الكلابي مخاطباً الحارث بن ابي شمر الغساني وكان قد اغتصب ابنة الشاعر فخاطبه بقصيدة منها:

يا حار أيقن أن ملكك زائل

واعلم بأن كما تدين تدان(١)

والدين هنا هو الجزاء، ومعنى البيت (كما تجزي تجزى) مع أن فعل الحارث الغساني مع الشاعر ليس بجزاء، وانما هو عدوان، ولكن الشاعر عبر عن العدوان والجزاء بمادة واحدة. تدين تدان.

ومن ذلك قول المنخل اليشكري:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فعبر عن الجزاء على الجهالة بالجهالة، مع أن مراده من قوله «فنجهل..» ليس جهالة العدوان وإنما الجزاء على العدوان.

وقد ورد كثير من ذلك في شعر ما بعد الاسلام أيضاً.

وورد هذا النحو من البيان في القرآن في عدة مواضع.

منها قوله تعالى:...( تَعلَمُ مَا في نَفسي وَلا أعلَمُ مَا في نَفسك ) (٢) . والمراد: ولا أعلم ما عندك، وعبر بالنفس للمشاكلة، وإلا فليس للّه نفس.

____________________

(١) لسان العرب: مادة «دان».

(٢) سورة المائدة الآية ١٩.

١٢٦

ومنها قوله تعالى:( نَسُوا اللّه فَأنسَاهُم أَنفُسَهم ) (١) . والمراد من «أَنساهم أنفسهم» أهملهم، وعبر عن الاهمال بالانساء لوقوعه في صحبته مراعاة للمشاكلة والمجانسة.

ومنها قوله تعالى:( فَمَنِ اعتَدى عَلَيكُم فَاعتدُوا عَلَيه بمثلِ ما اعتَدى عَلَيكُم ) (٢) . فعبر في هذه الآية بالاعتداء عن الجزاء على الاعتداء مراعاة للمشاكلة.

ومنها قوله تعالى:( وَجَزاءُ سَيّئةٍ سَيّئةٌ مثلُها ) (٣) . فعبر عن جزاء السيئة بالسيئة أيضاً.

ومنها قوله تعالى:( وإن عَاقَبتُم فَعَاقبُوا بمثلِ مَا عُوقبم به ) (٤) فعبر عن الجزاء على الاعتداء بالعقوبة كما عبر عن الاعتداء نفسه بالعقوبة.

ومن ذلك الآيات التي ورد فيها نسبة المكر إلى اللّه تعالى، ففي جميع هذه الآيات يأتي المكر منسوباً إلى اللّه في مقابل مكر الكافرين، وكفرهم وجحودهم، فهو تعبير عن الجزاء والعقاب الذي أنزله اللّه بهم لمكرهم، بل هو النتيجة الطبيعة لمكرهم واحتيالهم وخداعهم، واستعمل في هذه الآيات لفظ المكر للمشاكلة والمجانسة.

والآن نستعرض كل واحدة من الآيات الست التي ذكرناها ونحللها لنكشف بوضوح عن هذا المعني.

____________________

(١) سورة الحشر الآية ١٩ -

(٢) سورة البقرة الآية ١٩٤.

(٣) سورة الشورى الآية ٤٠.

(٤) سورة النحل الآية ١٢٦.

١٢٧

- ٤ -

الآية الأُولى:

( ...وَمَكَروا، وَمَكَرَ اللّه، واللّه خَيرُ المَاكرين )

تتحدث الآية عن اليهود الذين كفروا بعيسىعليه‌السلام ، فقد مكروا على عيسىعليه‌السلام بالحيلة لقتله، وجازاهم اللّه على مكروا بالخيبة والخذلان، إذ خلصه منهم وألقى شبهه على شخص اخر. أو أنهم مكروا بالكفر برسالة عيسى والانكار لنبوته فجازاهم اللّه على ذلك بالعقوبة والخذلان.

الآية الثانية:

بينا انفاً طبيعة الجو الذي وردت فيه الآية ومن الواضح أن اسناد المكر إلى اللّه في الآية الأخيرة هو بمعنى المجازاة لأهل القرى على مكرهم وكفرهم وجحودهم، وليس المكر فيها بالمعنى الذي ينسب إلى البشر، وعلى القارئ أن يرجع إلى عرضنا للآية في نطاق جوَّها القرآني ليتبين هذه الحقيقة بوضوح تام.

الآية الثالثة:

وقعت هذه الآية في عرض القرآن لقصة ثمود، وبغيهم، وكفرهم. فبعد أن بين اللّه في الآيات (٤٥ - ٤٩) انشقاقهم القبلي، ودعوة النبي صالح لهم إلى الايمان، وردهم عليه، ذكر اللّه تعالى أن القوى المسيطرة في ذلك المجتمع تامرت على صالح وأهله:

١٢٨

( ... وَكانِ في المَدينةِ تسعَةُ رَهطٍ يُفسدُون في الأرضِ ولا يُصلحون. قَالُوا تَقَاسَمُوا باللّة لَنُبَيّتَنّهُ وَأهلهُ ثُم لَنَقُولنّ لوَليّه مَا شَهدنا مَهلكَ أهلِه، وإنّا لَصَادِقُون ) .

هذه المؤامرة سماها اللّه «مكراً»، فقال: «ومكروا مكراً..»

وأخبرنا اللّه أنه جزاهم على مكرهم بالمؤمنين بالعذاب والعقوبة، وسمى هذا الجزاء مكراً للمجانسة والمشاكلة فقال تعالى: «... وَمَكَرنا مَكراً وَهُم لا يَشَعُرونَ، فَانظُر كَيفَ كَانَ عَاقبَةُ مَكرهم أنّا دَمّرناهُم وَقومَهم أجمَعين».

الآية الرابعة:

في هذه الآية أخبرنا اللّه تعالى كيف أن مشركي قريش اجتمعوا يتآمرون على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن قائل اقتلوه، ومن قائل اسجنوه، ومن قائل انفوه عن بلادكم(١)

لقد سمى اللّه تعالى هذه المؤامرة «مكراً»: «وَإذ يَمكُرُ بكَ الّذينَ كَفَرُوا ليُثبتُوكَ، أو يَقتُلوكَ، أو يُخرجُوكَ. وِيمكُرُون...».

ولكن اللّه خلصه من كيدهم ومكرهم، ومكنه من الهجرة إلى المدينة دون أن يتمكنوا من قتله، وقد عبر اللّه عن هذا التدبير، وهذا الصنيع

____________________

(١) تفصيل المؤامرة، ومبيت الإمام علي بن ابي طالب على فراش النبي، وهجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مذكور في كتب التاريخ من ذلك: سيرة ابن هشام بحقيق السقا والأبياري وشلبي الطبعة الثانية ١٣٦٥ - ١٩٥٥ / ج ١ ص ٤٨٠ - وما بعدها.

١٢٩

الجميل ب«المكر» أيضاً، وذلك للمشاكلة والمجانسة كما قلنا، فقال: «... وَيمكُرُ اللّه واللّه خَيرُ المَاكرين».

الآية الخامسة:

( ...وإذَا أذَقنَا النّاسَ رَحمَة من بَعدِ ضَرّاء مَسّتهُم إذا لَهُم مَكرو في آيَاتنَا. قُلِ اللّه أسَرعُ مَكراً. إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ ما تمكُرُون ) .

بينا فيما سبق طبيعة الجو الذي وردت فيه الآية.

إن المراد بالناس في هذه الآية غير المؤمنين منهم. وتبين الآية ظاهرة سلوكية لدى هؤلاء الناس: فحين تتبدل حالهم بعد العسر يسراً، وبعد الضيق سعة وبحبوحة «يمكرون» في آيات اللّه، ويحتالون على تزويرها، ويخادعون فيها، بدل أن يقابلوها بالشكر، إزاء هذا الموقف من هؤلاء الناس يقول اللّه:

«... قُلُ اللّهُ أَسَرُع مكراً» يعني أسرع جزاء على المكر، فالمكر المنسوب إلى اللّه هنا - كما في مواضع أُخر - هو الجزاء على المكر. فهم بدل أن يقابلوا النعمة بالشكر قابلوها بالمكر، وجزاؤهم على مكرهم مرصود لهم «إنّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تمكُرُون». وسريع الحلول بهم «قل اللّه اسرع مكراً».

واستعمال المكر هنا منسوباً إلى اللّه انما هو للمشاكلة والمجانسة اللفظية كما مثلنا في مواضع أُخر.

١٣٠

الآية السادسة:

(وَقَد مَكَرَ الذينَ من قَبلهم، فللّه المَكرُ جَميعاً، يَعلَمُ مَا تَكسبُ كُلّ نَفس وَسَيَعلمُ الكُفّارُ لمَن عُقبَى الدّار).

بينا فيما سبق الجو العام للآية:

في هذه الآية أخبر اللّه تعالى أن الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء الكفار من العرب قد مكروا بالمؤمنين، واحتالوا على خنق الرسالة الإلهية بقتل اتباعها المؤمنين وتعذيبهم وتشريدهم. فبين أن «للّه المكر جميعاً» أي أن بيده الجزاء والعقوبة على هذا المكر الذي يمكره الكافرون بالمؤمنين.

وقوله: «... يَعلَمُ مَا تَكسبُ كُلّ نَفسٍ. وَسَيَعلَمُ الكُفّارُ لمَن عُقبَى الدّار». بيان لطبيعة المراد من المكر المنسوب إلى اللّه تعالى وأنه الجزاء على اضطهاد الكافرين للمؤمنين.

وقد عبر عن الجزاء بالمكر للمجانسة والمشاكلة كما قلنا.

***

ويبدو أن الراغب الإصفهاني (الحسين بن محمد بن المفضل - ت: ٥٦٥ ه‍) قد فهم من استعمال «المكر» تارة في الحيلة والخديعة للتوصل إلى مقاصد شريرة، وأُخرى في الجزاء العادل على الشر، أو في الردع عن فعل الشر، وكشف الاساليب الشريرة للمجرمين - يبدو أن الراغب الإصفهاني قد فهم من تنوع استعمال المكر أن للمكر معنيين، فقد قال في كتابه «المفردات في غريب القرآن»:

١٣١

(المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة) وذلك ضربان: ضرب محمود، وذلك أن يتحرى به فعل جميل، وعلى ذلك قال: «واللّه خَيرُ المَاكرين» ومذموم، وهو أن يتحرى به فعل قبيح. قال: «ولا يَحيق المَكرُ السّيّيء إلا بأهلهِ» «وَإذ يَمكُرُ بكَ الذيِنَ كَفَروا» «فانظُر كَيفَ كَانَ عَاقبَدُ مَكرهم» وقال في الأمرين: «وَمَكَروا مَكراً ومَكرنا مَكراً».

ومما يعزز فهم الراغب الاصفهاني لاستعمال «المكر» منسوباً إلى الذات الإلهية بمعنى يختلف عن استعماله منسوباً إلى الكافرين بالأنبياء والرسالات أن مكر اليهود بالنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وصف في بعض الآيات بأنه مكر سيء، قال تعالى:

( ... وأقسمُوا باللّه جهَدَ أيمَانهم لَئن جاءَهُم نَذير لَيَكُونَنّ أهدَى من إحدى الأُمَمِ، فَلَما جَاءهُم نَذير مَا زَادَهُم إلا نُفُوراً. إستكبَاراً في الأرضِ وَمَكرَ السّيء، ولا يَحيقُ المكر السّيء إلا بأهله فَهَل يَنظُرونَ إلا سُنّةَ الأوّلين؟ فَلَن تَجدَ لسُنة اللّه تَبديِلاً، وَلَن تَجدَ لِسُنّةِ اللّه تَحويلا ) (١) .

***

____________________

(١) سورة فاطر الآية ٤٢ - ٤٣.

١٣٢

من هذا البيان يتضح مدى خطأ المؤلف في فهم «المكر الإلهي» وأسباب هذا الخطأ. ويتضح أن المؤلف فشل في إيجاد «تعليل ديني مقبول» لما فهمه - خطأ - من قصة إبليس. لقد أخطأ في فهم أصل القصة، وأخطأ في فهم «المكر»المنسوب إلى الذات الإلهية في القرآن. وما توهمه المؤلف اكتشافاً كبيراً تبين انه لم يكن شيئاً على الاطلاق. لقد كان خطأ وحسب.

- ٥ -

بقي علينا أن نصحح فهم المؤلف لبعض الآيات الأُخرى التي ذكرها في معرض حديثه عن «المكر الإلهي» والتي رأى أنها تتفق في مدلولها مع الآيات التي نسب فيها المكر إلى الذات الإلهية. وسنرى انه أخطأ في فهم هذه الآيات كما أخطأ في فهم آيات «المكر الإلهي» وسنرى انه بتر بعض الآيات وعزلها عن جوها العام ليتأتى له الاستعانة بها على إثبات دعواه.

قال المؤلف (ص ١٢١):

«نجد أيضاً بعض الآيات تنسب إلى الذات الإلهية صفة مشابهة هي صفة الاستهزاء (...) وأوردت بعض الآيات المعنى نفسه دون ذكر المكر الإلهي وتخصيصه..».

وقد ذكر المؤلف الآيات التي اعتبرها شواهد على دعواه عن المكر الإلهي، وسنذكر الآيات التي ذكرها، ونكشف عن خطأه في فهمه لها.

١٣٣

الآية الاولى:

ذكرها المؤلف هكذا:( اللّه يَسَتهزئُ بهم وَيمُدّهُم في طُغيَانهم يَعمهُون ) (١) .

وهذه الآية من جملة مقطع ورد في بيان حال المنافقين وملامحهم، ومواقفهم المخادعة والمراوغة من المؤمنين، وسخريتهم منهم. وأول المقطع المذكور:( وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا باللّه وَباليومِ الآخر وَما هُم بمؤمنين ) (٢) . ثم يبين اللّه خداعهم، وفساد نواياهم، وافسادهم في الأرض، واستكبارهم عن الايمان الحقيقي، وتسميتهم للمؤمنين سفهاء، ثم يقول تعالى:

( وَإذا لَقُوا الّذيِنَ آمَنُوا قَالوا آمَنّا، وَإذا خَلُوا إلى شَيَاطينهم قَالُوا إنّا مَعَكُم، إنّما نَحنُ مُستَهزؤن. اللّه يَستَهزيء بهم وَيمُدُّهُم في طُغيانهم يَعمهُون. أولئكَ الّذينَ اشتَروا الضّلالَةَ بالهُدى فَمَا رَبحَت تجَارَتُهُم وَمَا كَانوا مُهتَدينَ ) (٣)

هذا هو الجو العام للآية، وهذه هي علاقاتها الداخلية.

وقد سمى اللّه جزاؤهم على نفاقهم، ومواقفهم الملتوية من العقيدة واتباعها، واستهزاءهم بالمؤمنين - سمى اللّه ذلك الجزاء استهزاء مراعاة

____________________

(١) سورة البقرة الآية ١٥.

(٢) سورة البقرة الآية ٨.

(٣) سورة البقرة الآية ١٤ - ١٦.

١٣٤

للمشاكلة والمجانسة، كما تقدم في كلامنا عن المكر الإلهي، وقدمنا الشواهد عليه من القرآن والشعر الجاهلي.

الآية الثانية:

( وَلا يَحسَبَنّ الّذين كَفَروا أنّما نمُلي لَهُم خَيراً لأنفُسهم إنما نمُلي لَهُم ليزدادوا إثماً، وَلَهُم عَذاب مُهين ) (١) .

هذه الآية وردت في شأن المنافقين الذين تخلفوا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في معركة أُحد وغزوة حمراء الأسد. وهي جزء من مقطع يعالج هذا الموقف من مواقف النبي والمسلمين مقابل المشركين.

فقد بين اللّه سبب النكبة في أُحد، وموقف المنافقين حينذاك، (الآيات: ١٦٥ - ١٦٨) ثم بين اللّه منزلة الشهداء العظيمة، ومدح الذين استجابوا لدعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غزوة حمراء الأسد على ما بهم من جراح وتعب (الآيات: ١٦٩ - ١٧٤). ثم بين حال المنافقين في هذا الموقف فقال تعالى مخاطباً النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( وَلا يَحزُنكَ الّذينَ يُساَرعُونَ في الكُفرِ إنّهُم لَن يَضُرّوا اللّه شيئاً، يُريدُ اللّه ألا يَجعلَ لَهُم حَظاً في الآخرةِ، وَلَهُم عَذاب عَظيم. إنّ الّذين اشتَروا الكُفر بالإيمان لَن يَضُروا اللّه شيَئاً، وَلُهم

____________________

(١) سورة آل عمران الآية ١٧٨.

١٣٥

عَذَاب أليم. وَلا يَحسَبنّ الذين كَفَروا أنما نملي لَهُم خيَراً لأنفُسهم إنما نُملي لَهُم ليَزدادوا إثماً وَلَهُم عَذَاب مهين. مَا كَان اللّه لِيذرَ المؤمنين عَلى ما أنتم عَليهِ حَتّى يَميزَ الخَبيث منَ الطّيّب.. ) (‍١)

هذا هو الجو العام للآية.

ومنه يتضح أن اللّه تعالى لا يريد أن يملي (يمهل) لغاية أن يزداد الكافرون إثماً بحيث يكون الغرض والعلة في إمهالهم هو أن يزدادوا إثماً، وإنما يملي (يمهل) اللّه الانسان ليتيح له الفرصة التامة لتلقي الهداية والاقرار بالحق، ويعرضه لأنواع التجارب ليعطيه القدرة على الاختيار والحرية. وحينئذٍ، فإذا اختار طريق الهدى فقد فاز، وإذا اختار طريق الضلالة فقد هلك، وحينئذٍ تكون عاقبة امهاله وبالاً عليه، لأنه لم ينتفع من الفرصة التي اتيحت له، كما تكون عاقبة امهاله المؤمن خيراً وبركة عليه لأنه انتفع من الفرصة التي اتيحت له.

فاللام في قوله تعالى: «ليزدادوا إثماً» ليست لام الغاية والغرض والعلة، وإنما هي لام العاقبة، وذلك مثل قوله تعالى في قصة موسى وفرعون،( فَالتَقَطَه آلُ فرعوَن ليَكُون لَهُم عَدُواً وَحَزَناً ) (٢) . فإن التقاط آل فرعون لموسى لم يكن من أجل أن يجعلوا من موسى عدواً لهم، ولكن عاقبة التقاطهم له هي انه كان لهم عدواً وحزناً. ومن ذلك أيضاً قول أحد الشعراء الجاهلين:

____________________

(١) سورة آل عمران الآية ١٧٦ - ١٧٩.

(٢) سورة القصص الآية ٨.

١٣٦

وأم سماك فلا تجزعي

فللموت ما تلد الوالدة

فليس مراده أن الغرض والعلة من الولادة هي الموت، وإنما مراده ان عاقبة كل مولود هي الموت.

وهكذا الحال في الآية الكريمة.

الآية الثالثة:

( وإذا أردَنا أن نُهلكَ قَرية أمَرنا مُترَفيها فَفَسقُوا فيها، فَحَقّ عَلَيهَا العَذابُ، فَدمّرناهَا تَدميرا ) (١) .

إن هذه الآية لا تدل من قريب ولا من بعيد على ما ذهب اليه وهم المؤلف. وإنما هي من جملة الشواهد على المبدأ القرآني: «مبدأ أثر التغيير الداخلي في حركة التاريخ». وقد شرحته في كتاب لي بعنوان «مقدمة لدراسة تاريخ الثورات في الاسلام» آمل ان انجزه قريباً، وأذكر هنا ما تسمح به هذه العجالة.

ان الآية السابقة على هذه الآية هي قوله تعالى:

( مَنِ اهتَدى فَإنما يَهتَدي لنَفسه، وَمَن ضَلّ فَإنما يَضِلّ عَليَها، وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولا ) (٢) .

____________________

(١) سورة الاسراء الآية ١٦ -

(٢) سورة الإسراء الآية ١٥.

١٣٧

فهذه الآية تقرر مبدأ الحرية الداخلية: حرية الارادة والاختيار، ومن ثم تقرر مبدأ التبعة الفردية والمسؤولية الشخصية. ودور الرسول هو دور الهادي والمرشد لا غير، واللّه لا يرغم العبد على فعل شيء أو تركه.

على ضوء هذه الآية يجب أن تفهم الآية التالية لها، وهي موضوع البحث، وذلك وفقاً للمبدأ القرآني: «مبدأ أثر التغيير الداخلي في حركة التاريخ»:

يعطي اللّه الفرصة ويهيء الظروف المناسبة للمجتمع، ليحرز المجتمع التقدم المادي والمعنوي، وليحافظ على مستوى هذا التقدم: «.. وَمَا كُنّا مُعَذّبين حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً» هذا الرسول يأمر بالاصلاح ويأمر بالنظام العادل، ويخطط الشكل الذي يضمن للمجتمع بقاءه وتقدمه.

وهذا الرسول يتوجه بتعاليمه إلى المجتمع كله، إلا أنه يتوجه بصورة خاصة إلى الطبقة المسيطرة في المجتمع «المترفين».

وحين لا يطيع هؤلاء، ويستمرون مغرقين في الترف الذي يقودهم إلى الانحلال، ويستمرون مغرقين في الطغيان الذي يقودهم إلى اذلال الانسان، ولا يتحرك المجتمع ولا يحاول التغيير بل يستمر في رضوخه، وفي خضوعه، حينئذٍ.. حينئذٍ تتوفر الشروط الموضوعية لانحلال المجتمع: من شيوع الترف، وسيادة المترفين المطلقة، والانقسام الطبيعي الحاد، وحينئذٍ يحصل الانحلال والانهيار والهلاك.

وقد ورد هذا القانون في القرآن مطبقاً على حالات تاريخية معينة في أكثر من موضع، منها قوله تعالى:

١٣٨

( ألَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبّكَ بعَادٍ. إرَمَ ذاتِ العمَاد. التّي لَم يُخلق مثلُها في البلادِ. وثمودَ الّذينَ جَابُوا الصّخرَ بالوَاد. وَفرعَونَ ذي الأوتَاد. الذينَ طَغَوا في البلاد. فَأكثروا فيها الفَسَاد. فَصَبّ عَلَيهم رَبّكَ سَوطَ عَذاب. إنّ رَبّك لَبالمرصاد ) (١) .

***

بقي علينا أن نحلل بعض النواحي التعبيرية في الآية موضوع البحث. والذي يسترعي النظر من هذه الجهة أمران.

الأمر الأول: قوله تعالى: «وإذا أرَدنَا أن نُهلكَ..».

فهم المؤلف من «أردنا» الارادة الإلهية الفعلية للاهلاك، وهذا خطأ. الحقيقة هي أن استعمال «أردنا» في الآية موضوع البحث من قبيل قولنا: «إذا أراد المريض أن يموت ظهرت عليه الأعراض الفلانية» و«إذا أرادت السماء أن تمطر انتشر فيها الغيوم» والمراد من الارادة في هذين الموردين هو اجتماع الشروط الموضوعية للموت والمطر. وقد ورد نظير هذا التعبير في القرآن في قصة موسى وصاحبه:( ...فَوَجَدَا فيها جدَاراً يُريدُ أن يَنقَضّ فَأقامه ) (٢) ومن الواضح أنه

____________________

(١) سورد الفجر الاية ٦ - ١٤.

(٢) سورة الكهف الآية ٧٧

١٣٩

لا معنى لنسبة الارادة الفعلية إلي الجدار، وإنما المراد أن الشروط الموضوعية لانقضاض الجدار قد توفرت.

والتعبير ب‍ «أردنا» في الآية موضوع البحث من هذا القبيل، فإن المراد أن الشروط الموضوعية لهلاك القرية قد توفرت، بسبب العصيان والطغيان.

ونسبة الارادة هنا إلى اللّه «أردنا» وليس إلى القرية «ارادت» للاشارة إلى أن هذا القانون هو قانون كوني أوجده اللّه تعالى، فالنسبة إلى اللّه من حيث أنه أوجد النظام الكوني من جملة قوانين الاجتماع الانساني ونمو المجتمعات وانحلالها.

الأمر الثاني: قوله تعالى: «... أمَرنا مُترَفيها فَفَسَقُوا فيها..».

توهم المؤلف أن المراد أن اللّه أمرهم بأن يفسقوا. وهذا خطأ. الحقيقة أن هذا الاستعمال من باب «أمرته فعصاني» أي أمرناهم بواسطة رسلنا بالطاعة والاستقامة «.. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً» ولكنهم عصوا، واستمروا على غيهم، فتمت بمعصيتهم الشروط الموضوعية للانحلال والدمار.

وإلا فكيف يعقل أن يكون اللّه قد أمرهم بالفسق، وهو القائل:

( قل أنّ اللّه لا يَأمُرُ بالفَحشَاء... ) (١) .

( قُل إنّمَا حَرمّ رَبي الفَواحشَ مَا ظَهَر منهَا

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٢٨.

١٤٠

ومَا بَطَنَ، والإثمَ وَالبغي بغَير الحَقّ ) (١) .

***

من هذا التحليل يبدو كم كان المؤلف ساذجاً وسطحياً حين علق على هذه الآية (في ص ١٢٢) بقوله:

«كان (اللّه) قد شاء تدمير القرية، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة فيما شاء لجأ إلى المكر، فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير. بينما الحقيقة غير ذلك».

الآية الرابعة:

( إنّ المنَافقينَ يُخادعُونَ اللّه وهو خَادِعُهم ) (٢)

إن هذه الآية جزء من مقطع موضوعه المنافقون يشتمل على الآيات (١٣٧ - ١٤٣ - النساء) ويبدأ بقوله تعالى:

( إنّ الذيِنَ آمَنُوا، ثم كَفروا، ثم آمَنُوا، ثم كَفَرُوا، ثم ازدادوا كُفراً لم يَكُنِ اللّه ليغَفرَ لهَم ولا ليَهديَهُم سبَيلا. بَشّر المُنافقين بأنّ لَهُم عَذَاباً أليماً. الذين يَتّخذُونَ الكافرينَ أولياءَ من دوُن المؤمنين، أيَبتَغُونَ عندَهم العزّة؟‍ فَإنّ العزّةَ للّه جَميعاً ) .

____________________

(١) سورة الاعراف الآية ٣٣.

(٢) سورة النساء الآية ١٤٢.

١٤١

ثم ينهى اللّه في الآية (١٤٠) المؤمنين عن مجالسة هؤلاء المنافقين في حالة معينة:

( وَقَد نَزَّلَ عَلَيكُم في الكتَاب أن إذا سمَعتم آيات اللّه يُكفَر بها ويُستَهزؤ بها فلا تَقعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَديثٍ غَيرِه، إنكُم إذاً مثلهم، إنّ اللّه جَامع المُنافقينَ والكَافرينَ في جَهَنم جَميعاً ) (١) .

ثم بين اللّه للمؤمنين مظهراً من مظاهر نفاق هؤلاء وخداعهم:

( الذينَ يَتَربّصُون بكُم، فَان كانَ لَكُم فَتح منَ اللّه قَالوا: ألم نَكُن مَعَكُم؟ وَإن كَان للكَافرينَ نَصيب، قَالُوا: ألَم نَستَحوذ عَلَيكم وَنَمنعكُم منَ المؤمنين؟ فاللّه يَحكُمُ بيَنكُم يَومَ القيامَةِ وَلَن يَجعَلَ اللّه للكَافرينَ عَلى المؤمنين سبَيلا ) (٢) .

هذا الموقف من المنافقين، وامثاله من مواقفهم سماه في الآية موضوع البحث اللّه خداعاً، وبين أن خداعهم هذا لن يعصمهم من المجازاة والعقوبة، وسمى الجزاء على الخداع خداعاً ايضاً، وذلك للمشاركة والمجانسة، كما تقدم نظيره في تحليلنا للآيات السابقة.

____________________

(١) سورة سورة النساء الآية ١٤٠.

(٢) سورة النساء الآية ٤١.

١٤٢

( إنّ المنَافقينَ يُخادعُونَ اللّه وَهُوَ خَادعُهُم، وإذَا قَامُوا إلى الصّلاة قَامُوا كُسالى يُرّاؤنَ النّاس وَلا يذكُرون اللّه إلا قَليلا ) (١) .

***

لقد تبين لنا من هذا الحديث أن الآراء التي توصل إليها المؤلف عن فكرة «المكر الإلهي» كانت خطأ نشأ من الأسباب التي قدمناها.

وإلى اللقاء مع المؤلف في الحديث عن الماركسية.

____________________

(١) سورة النساء الآية ١٤٢.

١٤٣

نظرة نقدية الى ركائز الماركسية (الركائز الاساسية للفلسفة الماركسية)

إن الماركسية عاجزة عن تقديم تصور للكون يطمئن إليه العقل. وهي تلجأ في هذا الميدان - كما بينا سابقاً - إلى الغيب، وهو ما تتهم به الدين. والفرق بين الغيب الذي تلجأ إليه الماركسية والغيب الديني أن الغيب الماركسي اعتراف بالجهالة فيما يعود إلى أصل الكون يتناقض مع المواقف الفكرية الجازمة في القضايا المتفرعة من المسألة الاساسية، وأما الغيب الديني فهو أمر تقضي به الضرورة العقلية وهو إدراك واعٍ للمسألة الأساسية يجعل النتائج منسجمة مع مقدماتها. وقد أثبتنا هذه الحقيقة بصورة لاتدع مجالاً للشك فيما سبق من هذه المقالات.

والان نريد أنن نناقش ركائز الماركسية الأساسية لنكشف عن أنها بعيدة عن العلم، وأنها - على الصعيد الفلسفي- حافلة بالأخطاء.

تحديد المفاهيم اولاً

ذهب المؤلف - كغيره من الماركسيين - إلى أن ثمة مفهومين فلسفيين للكون هما: المفهوم المثالي، والمفهوم المادي. وأن ما أسماه «الصورة الكونية» وهو مصلح اختاره للتعبير عن «مجموع النظريات الشاملة لطبيعة الكون التي تسود في عصر من العصور» (ص ٢٠٣ ) هذه الصورة الكونية إما أن تكون مثالية أو مادية، ولا شيء آخر غير هذين.

فهو يتحدث في الفصل الأخير من كتابه (مدخل الى التصور العلمي - المادي للكون وتطوره) عن المادية الميكانيكية. ونجاحها العظيم في تفسير الظواهر الكونية، وانتشارها الكبير في شتى فروع المعرفة البشرية ثم سقوطها نهائياً تحت ضربات نقد الفلسفة المادية الديالكتيكية - وذلك في مقابل الفلسفة المثالية التي فشلت في التأثير على المادية الميكانيكية «.. وجاءت أول موجة من النقد الموجه للصورة الكونية الميكانيكية هذه من جهة اليمين... وكان أهم ممثل لهذه النزعة اليمينية في نقد المادية ورفضها هو الفيلسوف الانجليزي (باركلي) الذي حاول أن يحل محلها صورة كونية مثالية روحية تعتبر جميع الكيفيات المحسوسة - في التحليل الأخير -

١٤٤

أفكاراً في العقل الإلهي، وذلك بالمعنى الحرفي للعبارة تقريباً. وبهذا الصدد نذكر أيضاً ان الفيلسوف الالماني لايبنتز دخل في جدل مشهور مع نيوتن واتباعه هاجم فيه اسس المادية الساكنة من وجهة نظر مثالية روحية محضة» (ص٢١٦)

وبعد أن أشار الى ان مجموعة من الشعراء والفنانين الانجليز الذين ينتمون الى المدرسة الرومانسية رفضوا المادية الميكانيكية لأسباب غير فلسفية، قال:

«غير أن النقد اليميني للمادية الميكانيكية لم يلق أذاناً صاغية خارج أوساط نفر من الأُدباء ورجال الدين وبعض الفلاسفة من أصحاب الميول المثالية الواضحة... أما النقد الأهم الذي وجه إلى المادية الميكانيكية فقد جاء من جهة اليسار، وتحت اسم المادية الديالكتيكية..»(ص٢١٧).

وسأعرض في نهاية هذا الفصل الى التناقضات الفكرية العجيبة التي وقع فيها المؤلف. أما هنا فعلينا تصحيح الخطأ الذي وقع فيه المؤلف حين ذهب الى وجود مفهومين فلسفيين للكون فقط هما: المادية (ميكانيكية، وديالكتيكية) والمثالية. في حين أن الحقيقة هي أن ثمة ثلاثد مفاهيم فلسفية نشرحها فيما يلي.

١ - المفهوم المثالي:

المفهوم الفلسفي المثالي عن العالم يقضي بأنه لا يوجد خارج إدراكنا وتصوراتنا أي واقع موضوعي للأشياء، فكل الأشياء التي يتكوّن منها

١٤٥

العالم ما هي إلا ألوان من تفكيرنا وتصورانا. وما لا ندركه فهو غير موجود.

٢ - المفهوم الواقعي المادي:

المفهوم الفلسفي الواقعي المادي يقضي بأن العالم موجود خارج إداركنا وتصوراتنا مستقل استقلالاً تاماً عن وعينا لأنه واقع موضوعي قائم بنفسه خارج ذواتنا. والحقيقة النهائية في الكون هي المادة التجريبية، وهي السبب الأعمق للظواهر الكونية، ولا يوجد وراءها شيء آخر يمكن اعتباره سبباً لوجود الكون واستمراره.

٣ - المفهوم الواقعي الإلهي:

المفهوم الفلسفي الواقعي الإلهي يقضي - كالمفهوم المادي - بأنه يوجد واقع موضوعي للعالم خارج إدراكنا وتصورنا ومستقل عنهما، فهو قائم بنفسه خارج ذواتنا. ولكن هذا الواقع الموضوعي ليس ذاتيَّ الوجود - على خلاف ما يذهب إليه المفهوم المادي - بل هو معلول الوجود لمبدأ غير مادي فوق الروح وفوق الطبيعة معاً، وهو اللّه تعالى.

وإذن، فالرأي الشائع تورط فيه المؤلف، وهو اعتبار أن ثمة مفهومين فقط على الصعيد الفلسفي أحدهما المفهوم المثالي والآخر المفهوم الواقعي المادي، وأن رفض أحدهما يعني حتماً الايمان بالآخر - هذا الرأي واضح الخطأ، فثمة - كما بينا - مفهوماً ثالثاً هو المفهوم الواقعي الإلهي. إن المفهوم المثالي مقابل للمفهوم الواقعي الإلهي كما هو مقابل

١٤٦

للمفهوم الواقعي المادي. وهذان المفهومان المقابلان للمثالية يلتقيان في أنهما معاً واقعيان يلتزمان بوجود موضوعي خارجي للكون مستقل عن إدراك الانسان وتصوراته، ويختلفان في السبب الأعمق للتكوين، فالمادية تقف عند المادة ولا تتعداها جازمة تارة بأن المادة هي أصل الموجودات وحائرة في هذه المسألة تارة أُخرى، والإلهية تتجاوز المادة في هذه المسألة إلى اللّه.

***

ويجب أن نكرر هنا ما سبق وبيناه في هذه المقالات وهو أن الايمان باللّه تعالى سبباً لوجود الكون واستمراره لا يعني إلغاء نظام العلية والسببية من الكون كما يشاء الماديون أن يتصوروا، فان الإلهي لا يعتقد بأن يداً تمتد من المجهول لتحدث ظواهر الطبيعة وتغيراتها، وانما يعتقد بأن لكل شيء سبباً على الانسان أن يبحث عنه، وأن جميع الأسباب تتناهى في الاخير إلى سبب أعلى منها جميعاً هو اللّه تعالى:

إن المفهوم الواقعي الإلهي يعترف بنظام العلّية في الكون، بل ينبثق منه، إذ أن من جملة أدلته دليل العلية، غاية ما في الأمر أنه لا يقف عند حد المادة التي ثبت عجزها عن التفسير وإنما يستجيب للضرورة العقلية فيقول بوجود علة اساسية عظمى تنتهي اليها جميع العلل والأسباب، وهي اللّه تعالى:

وإذن، فهذا المفهوم الواقعي الإلهي لا يضع نفسه في معارضة مع البحث العلمي في الطبيعة واكتشاف الأسباب الكامنة وراء حوادثها وظواهرها، بل يفتح جميع الأبواب أمام البحث العلمي في جميع المجهولات.

***

١٤٧

ويترتب على هذا أمر آخر، وهو أنه لا فرق بين الإلهي والمادي فيما يتعلق بالعلم واكتشافاته: فكلاهما يعتبر الطبيعة والانسان موضوعاً لبحثه العلمي، وكلاهما يؤمن بنتائج البحث العلمي في مجال التجربة في الطبيعة والانسان، وليس في حقائق العلم شيء يمكن أن يسمى مادياً أو إلهياً. الفرق الأساسي بينهما هو أن الإلهي يرد الكون إلى سبب أعمق هو اللّه تعالى ومن ثم فإنه يؤمن بنوع من الوجود المجرد، خارج المجال التجريبي ويرتب على هذا الموقف نتائجه في الانسان والحياة والمجتمع، أما المادي فيقف عند المادة لا يتعداها، ولا يؤمن بما وراء التجربة الحسية.

ويتضح لنا مما سبق أن الكيان الفلسفي للمادية لا يرتكز - عند التحليل - على حقائق إيجابية في مقابل الإلهي، وإنما يركز على النفي والانكار للحقيقة المجردة التي تعتبرها الإلهية نهائياً للوجود، ولما يترتب على هذه الحقيقة المجردة الأساسية من حقائق متفرعة عن الايمان بها، ومستند هذا الانكار عند المادية هو عدم قيام التجربة الحسية على وجودها وليس قيام تجربة حسية على عدمها، فان المادية تقول بالنسبة إلى هذه المسألة (لا أُومن باللّه لأنه لا دليل حسّي تجريبي على وجوده) ولا تقول (لا أُومن باللّه لأن لدي دليلاً حسياً تجريبياً على عدمه).

ولكن من الواضح أن هذا الأُسلوب في مواجهة هذه المسألة غير علمي فان موضوع البحث فيها حقيقة مجردة، وليس شيئاً مادياً.

وإذا كانت التجربة الحسية لا تقدم دليلاً على المفهوم الإلهي للعالم، أي لا تكشف في الظواهر المحسة عن سبب مجرد، فهي كذلك لا تقدم دليلاً على النفي المطلق الذي تقوم عليه المادية، اذ أن من الواضح أن التجربة الحسية لا يمكن أن تعتبر برهاناً على نفي حقيقة خارج حدودها

١٤٨

لما ذكرنا من أن موضوع البحث في المسألة حقيقة مجردة وليس شيئاً مادياً.

وعلى هذا فالقول بوجود (مادية علمية) أي تجريبية مجرد دعوى لا أساس لها من الصحة، لأن المفهوم الفلسفي المادي للعالم - كالمفهوم الفلسفي الإلهي للعالم - شيء لا يمكن اثباته بالتجربة الحسية، لأن موضوع البحث غير تجريبي. إن المادية كالالهية اتجاه فلسفي في محاولة فهم العالم، والطريق إلى اثبات صوابية أحد المفهومين محصور في الفكر ومسلماته لا غير.

وقد أثبتنا في أبحاثنا السابقة عجز الماركسية عن تقديم تفسير معقول للكون، وأن المفهوم الصحيح فلسفياً هو المفهوم الواقعي الإلهي للكون.

وعلينا الان أن نفي بما وعدنا به سابقاً من الكشف عن تهافت الماركسية وإفلاسها وعمقها كفلسفة تريد أن تقدم تفسيراً شاملاً للكون والحياة والانسان. وذلك من خلال نظرة نقدية إلي الركائز الأربعة الرئيسية في الماركسية وهي: حركة التطور، وتناقضات التطور، وقفزات التطور، والارتباط العام.

١ - حركة التطور

خلافاً لما هو شائع، ليس القول بأن الكون المادي في حالة حركة مستمرة وقفاً على التفكير الماركسي، فالواقعية الإلهية تؤمن بهذا أيضاً قبل هيغل وماركس وقبل أن يكون ثمة في تاريخ الفلسفة ديالكتيك، ولا حاجة بالانسان إلى أن يكون ماركسياً ليكتشف هذه الحقيقة البسيطة البديهية.

وقد بلغ المفهوم الفلسفي الميتافيزيقي ذروة كماله ونضجه في الفلسفة الاسلامية في أعمال الفيلسوف الاسلامي العظيم صدر الدين الشيرازي، محمد بن ابراهيم القوامي الشيرازي، (٩٧٩ ه‍ - ١٠٥٠ه‍) في نظريته عن الحركة العامة والحركة الجوهرية، وقد «برهن على أن الحركة لا تمس ظواهر الطبيعة وسطحها العرضي فحسب، بل الحركة في تلك الظواهر ليس إلا جانباً من التطور يكشف عن جانب أعمق، وهو التطور في صميم الطبيعة وحركتها الجوهرية. ذلك أن الحركة السطحية في الظواهر، لما كان معناها التجدد والانقضاء فيجب، لهذا، أن تكون علتها المباشرة أمراً متجدداً غير ثابت الذات أيضاً، لأن علة الثابت ثابتة، وعلة المتغير المتجدد متغيرة متجددة، فلا يمكن أن يكون السبب المباشر للحركة أمراً

١٤٩

ثابتاً، وإلا لانعدمت الحركة، وأصبحت قراراً وسكوناً».

الجديد الذي جاءت به الماركسية في حركة التطور هو فكرة التناقض الخيالية الباطلة، فقد اعتبرت الماركسية أن التناقض هو سبب الحركة في الطبيعة، وأن الحركة هي المظهر الذي ينتج عن الصراع بين المتناقضات. والحق أن الماركسية بعملها هذا وقعت في خطأٍ فلسفي جسيم، ولا بد من تجريد مفهوم حركة التطور عن فكرة التناقض لتنسجم الرؤية الفلسفية لحركة التطور مع الواقع الموضوعي لهذه الحركة في الطبيعة.

وإذن، فلا خلاف بين الإلهي والمادي في أصل مسألة الحركة في الطبيعة، وطنما الخلاف بينهما في نقطتين. الأولى طبيعة الحركة، والثانية مجال الحركة.

أ - طبيعة الحركة:

يدخل مبدأ التناقض عنصراً أساساً في مفهوم الحركة عند الماركسية بينما يعتبر مبدأ عدم التناقض عنصراً أساساً في مفهوم الحركة عند الواقعية الإلهية. ولذا فلا بد قبل نقد الماركسية في هذه المسألة من بيان مبدأ التناقض ليكون القارئ على بينة من مجال البحث.

١ - التناقض:

التناقض اختلاف القضيتين بحيث يلزم، لذات الاختلاف، من صدق كل واحدة منهما كذب الأُخرى وبالعكس.

١٥٠

ويتحقق هذا بأن تكون القضية الواحدة في موضوعها ومحمولها، مع وحدة الزمان والمكان ووحدة الاضافة (النسبة) ووحدة الشرط والوحدة في الجزء أو في الكل والوحدة في القوة (الامكانية) أو في الفعلية. أن تكون القضية الواحدة في جميع هذه الامور موصوفة بالوجود والعدم معاً. مثلاً: هذه القطرة من الماء في هذا الأُنبوب، بجميع أجزائها حارة فعلاً بدرجة عشرة في الدقيقة الستين من الساعة الواحدة صباحاً. وهذه القطرة من الماء بجميع أجزائها في الأُنبوب وفي نفس الزمان غير حارة بالفعل بنسبة عشر درجات.

هاتان القضيان متناقضتان. والواقعية الإلهية تقول إن صدقهما مستحيل وأن كذب إحدهما ضروري. وتقول الماركسية إن كذب احداهما مستحيل وأن صدقهما ضروري.

٢ - الحركة في الماركسية:

قال انجلز:

«ان الوضع يختلف كل الاختلاف إذ ننظر إلى الكائنات وهي في حالة حركتها، في حالة تغييرها، في حالة تأثيراتها المتبادلة على بعضها البعض، حيث نجد أنفسنا بدء هذه النظرة بأننا مغمورون في التناقضات، فالحركة نفسها هي تناقض. إن أبسط تغير ميكانيكي في المكان لا يمكن أن يحدث إلا بواسطة كينونة جسمٍ مَّا، في مكان مَّا، في لحظة مّا، وفي نفس تلك اللحظة

١٥١

كذلك، في غير ذلك المكان، أي كينونته وعدمها معاً في مكان واحد، في نفس اللحظة الواحدة، فتابع هذا الناقض تابعاً مستمراً، وحل هذا التناقض حلاً متوافقاً مع هذا التتابع، هو ما يسمى بالحركة».

هذا النص الأساسي يصور بوضوح طبيعة الحركة في الفلسفة الماركسية، انها نتيجة الصراع والتدافع بين النقيضين. فكل واحد منهما - بحكم كونه نقيضاً - يمنع الآخر من التحقق المستمر، وهذا التمانع ينتج الحركة والتغير.

٣ - الحركة في الواقعية الإلهية:

تنطلق الواقعية الإلهية في فهمها لطبيعة الحركة من حقيقة أن التناقض مستحيل، وأنه لا ينتج الحركة بل ينتج السكون والثبات كما سنرى.

إن الحركة في الواقعية الإلهية هي تعانق مستمر بين الفعلية وبين القوة (الامكانية)، والحركة تنتج من تحول إمكانية الشيء إلى وجود فعلي، وليست صراعاً بين فعليتين متناقضتين كما تزعم الماركسية. فكل شيء موجود يمتلك - إلى جانب مستوى الوجود المعين الذي يمتلكه فعلاً - إمكانيات للنمو والتقدم، أو للتغير بشكل عام. إذا احتفظ هذا الشيء بفعليته المعينة ولم يكتسب فعلية جديدة أُخرى فهو ساكن وثابت، أما حين ينتقل من فعليته القائمة إلى فعلية جديدة غير تلك التي كان عليها فهو يتحرك ويكسب وجوداً أكثر قوة وثراءً إن حركته هي تحول إمكانياته المستكنة فيه إلى فعليات ظاهرة عليه، فحركة الشيء هي انتقال

١٥٢

مستمر متدرج من القوة إلى الفعلية. مثلاً بذرة الورد هي فعلاً بذرة جافة ذات حجم وشكل معينين ولكنها تملك في الوقت عينه إمكانية أن تتحول عبر مراحل من النمو إلى شجرة ورد زاهية اللون عابقة بالعبير. فاذا غرست وتهيأت لها ظروف النمو انتقلت من كونها بالفعل بذرة جافة إلى مرحلة فعلية جديدة هي انبثاقها عن (سمخ). لقد تحركت البذرة إلى الأمام باكتسابها الفعلية الجديدة، وهي تملك إمكانيات أُخرى فإذا تحولت إلى نبتة خضراء فوق التربة تكون قد تحركت أيضاً باكتسابها فعلية جديدة، وهكذا تستمر في الحركة إلى أن تصل إلي غايتها وتستنفذ جميع امكاناتها، وحينئذٍ تتوقف عن النمو، لأنها لم يعد لديها ما تعطيه، لم تعد قادرة على إثراء وجودها بمستويات جديدة لأنها حققت جميع إمكاناتها.

ومثال آخر، الماء، إنه يكون بارداً تماماً. في درجة الصفر. فهو بارد بالفعل وفي الوقات نفسه يملك «إمكانية» الحرارة من أبسط مستوياتها إلى أعلى مستوياتها حيث يتحول الماء إلى غاز. فإذا عرضنا الماء للنار تبدأ حرارته، التي كانت قوة فقط، بالتحول والحركة نحو الفعلية، وهكذا تكون «إمكانية»

الحرارة قد تحولت إلى «فعلية» الحرارة بدرجة معينة ولنفرضها ٥٠ درجة مثلاً، ولا تزال فيه «إمكانية» أن يتجاوز هذه الدرجة إلى درجة أعلى منها، فاذا بلغ درجة الغليان تكون «إمكانية» الغليان قد تحولت إلى «فعلية» الغليان، ولا تزال مع ذلك «امكانية» أن تشتد حرارته فيحول إلى غاز..

وإذن فثمة حرارة واحدة مستمرة الوجود «تتحرك» وتنمو باستمرار وذلك بتحولها من مرحلة القوة والامكان إلى الفعلية والانجاز، وكلما

١٥٣

تحققت بالفعل إحدى الامكانيات أفسحت المجال لتحقق إمكانية أُخرى أعلى منها.

***

هذا هو المفهوم الفلسفي للحركة لدى الواقعية الإلهية. فماذا لدى الماركسية؟

إن الحركة في المفهوم الماركسي تقوم - كما عرفت - على أساس الايمان بمبدأ التناقض ووجود المتناقضات بأجمعها بالفعل، ويترتب على ذلك صراع بينها بحكم كونها متناقضات، ونتيجة الصراع هي الحركة، بخلاف مفهومنا الذي يرى في الحركة تعبيراً عن سير الشيء من مرحلة الامكان إلى مرحلة الفعلية.

لقد تورط ماركس وأشياعه في خطأ جسيم نتيجة جهلهم بحقيقة التناقض فاعتبروا أن وجود الفعلية والقوة في الشيء من باب اجتماع النقيضين، وأن تحول الشيء وتحركه من الامكانية إلى الفعلية نتيجة الصراع بين هذين النقيضين، (وقد عرفت أن هذا ليس من التناقض في شيء) فان الماء ليس بارداً بدرجة الصفر بالفعل، وحاراً بالفعل ( في اللحظة عينها) بدرجة ٥٠ مثلاً وإنما هو بارد بدرجة الصفر بالفعل، وحار بدرجة ٥٠ بالقوة، وهذه القوة تتحول إلى الفعل ليس في اللحظة عينها وإنما في لحظة أُخرى تتحول فيها الامكانية إلى فعلية جديدة تتجاوز الفعلية السابقة عليها إلى درجة أعلى من الوجود الحراري. وإلا فلو آمنا بمفهوم الماركسية عن الحركة وانها صراع بين المتناقضات الفعلية باجمعها، لأدى بنا ذلك إلى نتيجة أُخرى هي السكون والثبات المطلقين، وعدم الحركة. بيان ذلك:

١٥٤

انه إذا وجدت درجتان من الحركة بالفعل في زمن واحد فهل يتغير الشيء أو لا يتغير؟ إن أجابت الماركسية بأنه لا يتغير يلزم من ذلك الجمود والثبات، وهما ضد الحركة. وان أجابت أنه يتغير فلنا أن نسأل: من أين جاء التغير؟ وإلى أية حالة يحصل التغير ما دامت جميع المتناقضات موجودة بالفعل ولم يكن بينها تمانع وتعارض؟ إن النتيجة هي الثبات لانه في هذا الفرض لا توجد حالة منتظرة للشيء لان جميع حالاته ناجزة وفعلية الوجود وإن أجابت بالاعتراف بالتعارض بين المتناقضات فلا بد من الاعتراف بانها لا يمكن إذن أن تكون بأجمعها موجودة بالفعل، ولا بد حينئذ من الرجوع إلى المفهوم الواقعي الإلهي عن الحركة وهو قائم على مبدأ عدم التناقض، وانتقال الشيء من القوة إلى الفعلية.

وهكذا يسقط مفهوم الماركسية عن طبيعة الحركة، وينكشف مدى خطأه على هذا الضوء:

ندرك أن الحركة بعد أن كانت خروجاً تدريجياً للشيء من القوة «الامكانية» إلى الفعلية، وليست صراعاً بين المتتناقضات الموجودة كلها بالفعل - كما تزعم الماركسية - فلا بد لنا من الاذعان بأن الحركة لا توجد بذاتها نتيجة لعامل داخلي في الطبيعة ، بل لا بد لها من محرك خارجي، لا بد من سبب خارج عن الشيء ينقله من مرحلة الامكان إلى مرحلة الفعلية. ولا بد أن يكون هذا السبب الخارجي فوق الطبيعة، لأن كل ما هو من الطبيعة فهو متغير ومتحرك، ومن ثم فهو بحاجة إلى محرك، وهذا السبب الخارجي فوق الطبيعة هو اللّه تعالى.

١٥٥

ب - مجال الحركة:

خلافاً للواقعية الإلهية، تعمم الماركسية قانون التطور والحركة إلى عالم الأفكار ولا تقف بهذا القانون عند حدود الواقع الموضوعي للطبيعة. فالفكر - كالمادة - مجال لقوانين الحركة في الطبيعة.

وعلى خلاف ذلك موقف الواقعية الإلهية من هذه المسألة، فان مجال قانون الحركة فيها مقصور على المادة فقط ولا يتجاوزها إلى الفكر البشري.

وهذا الموقف الماركسي بالنسبة إلى مجال الحركة يلغي صفة الثبات عن أي شيء في عالم الطبيعة وعالم الفكر على السواء، وهو ما لا يمكن لأي عقل سليم التسليم به، فاننا إذا التزمنا بأن التغير والحركة سمة للفكر كما هو سمة للطبيعة لم يعد في مقدورنا الوثوق بأي نتيجة بل لا يعود ثمة علم لأن التغير يلغي كل الحقائق التي تكون قد توصلنا إليها. فلا بد من الالتزام بأن ثمة في عالم الطبيعة وعالم الفكر حقائق ثابتة ينطلق منها الفكر نحو المجهول فيكتشفه ومن هذه الحقائق قانون الحركة فهو قانون ثابت. ويقضي علينا رأي الماركسية في مجال الحركة أن نقول إنه متغير واذا كان كذلك فثمة اذاً واقع موضوعي لا يسري عليه قانون الحركة والماركسية على الحالين لا بد لها من الالتزام بوجود حقائق ثابتة لا يجري عليها قانون الحركة.

وقد قامت الماركسية بمحاولات للبرهان، على مذهبها في هذه المسألة وسنرى أنها فشلت في تقديم برهان صحيح.

١٥٦

المحاولة الاولى:

ان الفكر انعكاس للواقع الموضوعي، ولذا فلا بد أن يكون مطابقاً له وإلا لم يكن انعكاساً له، وحيث أن الحركة ظاهرة طبيعة في عالم المادة فلا بد أن تكون ظاهرة طبيعة في عالم الفكر.

ولكن هذا التصوير خاطئ، فان كون الفكر - الذي يجعل من الواقع الموضوعي موضوعاً له - انعكاساً لهذا الواقع لا يعني أن الفكر يشتمل على جميع الخصائص الخارجية للواقع الموضوعي.

فان الفكر يدرك الواقع الموضوعي المتحرك، مجرداً عن خصائصه الموضوعية في الخارج إذ يشتمل انتقالها إلى داخل الفكر. ان الفكر يدرك الشيء باعتباره مفهوماً عقلياً لا باعتباره كتلة خارجية، ولذا فان الفكر لا يستوعب في داخله حركة لشيء، إلا أن هذا لا يعني أنه يدرك الشيء في حالة معينة ثم يجمد عندها فلا يتعداها، بل يدرك أن هذا الموضوع غير ثابت على حالة واحدة بل هو متغير، ويتابعه في تغيره فيكوّن عن كل حالة من حالاته مفهوماً مطابقاً لها.

مثلا: ميكروب الجدري له خصائص معينة في واقعة الخارجي، فهو يتكون بطريقة معينة، ويشتمل على أجزاء معينة ويؤدي وظيفته في نشر المرض بطريقة معينة هذا في وجوده الخارجي: اما في وجوده الذهني فالأمر يختلف عن ذلك. إن العالم يمكنه أن يدرك جميع هذه الخواص في المختبر، ولكن هذه الخواص لا تنتقل إلى الذهن البشري، و (فكرة) الميكروب مهما كانت مفصلة ودقيقة، لا يمكن أبداً أن تكون مشتملة على خصائص (واقع) الميكروب في الخارج.

١٥٧

فالمكروب يخضع لقانون الحركة في الخارج: يتكون، وينمو، ويتفاعل مع جسم الانسان، ويصيبه بالمرض... هذه الخصائص الموجودة في الخارج أو التي تتولد عن حركة المكروب في سبيل النمو لا تنعكس في الفكر.

نحن بالفكر نتابع مراحل نمو المكروب، فنأخذ فكرة عن تكوينه وفكرة عن عناصره وفكرة عن تفاعله، وفكرة عن طبيعة المرض الذي يسببه، ومن مجموع هذه الأفكار نكون «مفهومنا» عن المكروب.

أن الفكر يسجل مراحل حركة المادة في الطبيعة، ولا تتولد هذه المراحل في داخله كما تتولد في الطبيعة. فلنتصور إنساناً يركض وإن كاميرا تلفزيونية تسجل حركته. انها تسجل حركته ولاتتحرك معه، حينما يعرض علينا الشريط المصور ندرك أن الشريط يسجل حركة الركض في مراحلها ولا يركض مع الراكض في الشريط. كذلك الفكر يسجل حركة المادة في الطبيعة، ولا تجري حركة المادة في الفكر، وما ذلك الا لأن الحركة تتوقف على وجود خصائص موضوعية للمادة لاتتوفر الا في الخارج، وهذه الخصائص لا توجد في داخل الفكر لتتم الحركة في داخل الفكر.

الخلاصة: الفكر يتابع الطبيعة في حركتها ولاتتحرك الطبيعة في داخله، ومعنى أن الفكر يتابع الطبيعة في حركتها هو أن الفكر عند الإلهي - لا يتوقف عند مرحلة من مراحل الموجود الخارجي لايتعداها، بل يتابع نمو هذا الموجود الخارجي وحركته وتطوره والتغيرات التي تطرأ عليه.

والمسألة من الوضوح والبداهة بحيث لا تحتاج إلى مزيد من البيان.

١٥٨

المحاولة الثانية:

إن الفكر جزء من الطبيعة والواقع المادي الموضوعي فهو كما يقولون انتاج عال للمادة، وإذا كان جزءً من الطبيعة فلا بد أن تجري عليه قوانينها ومنها قانون الحركة.

ونجيب أولاً: ان الفكر ليس مادياً، وإنما هو نشاط للجانب الروحي من الانسان. وذلك لأن كون الشيء مادياً يعني أحد أمرين: إما أنه بالذات مادة، أو أنه ظاهرة قائمة بالمادة. والادراك (الفكر) ليس بذاته مادة ولا هو ظاهرة قائمة بعضو مادي كالدماغ، لأنه يختلف في القوانين التي تسيطر عليه عن المادة نفسها كما يختلف عن الصورة المادية المنعكسة على العضو المادي أو القائمة فيه.

وهذا الفهم للادراك يقوم على أمرين يميزان الفكر عن المادة وعن الظواهر القائمة فيها.

الأول: ان ادراكنا للواقع الموضوعي مختلف في خصائصه الهندسية عن الواقع الموضوعي نفسه، فنحن ندرك الواقع الموضوعي بكل اتساعه وشموله وتنوعه وأبعاده، دون أن يتسع المخّ لكل هذه الأبعاد والأشكال والتنوعات. وبديهي انه من المستحيل مادياً عكس صورة حديقة مساحتها كيلو متر مربع على لوحة مساحتها متر مربع مع احتفاظ الحديقة بكل مساحتها الخارجية واقتصار اللوحة على مساحتها الخارجية، مع اننا بالفعل ندرك الحديقة بكل مساحتها وتنوع موجوداتها ويستحيل مادياً ان يكون ذلك انعكاساً على جزء ضئيل من المخ. واذن فالفكر ليس مادة وليس ظاهرة قائمة بالمادة. ومهما كان التفسير العلمي لادراك الخصائص الهندسية

١٥٩

في الصورة العقلية فإنه لا يجيب على السؤال الفلسفي عن مكان وجود هذه الصورة الكاملة للواقع الموضوعي للحديقة. ويستحيل الجواب على هذا السؤال بأنها صورة مادية كما يستحيل الجواب بأنها قائمة بالمادة، بالمخ، ويتعين الجواب عليه باأنها صورة لامادية ولا قائمة بالمادة، انها صورة مجردة عن المادة قائمة بالجانب الروحي، الانساني من الانسان.

الثاني: إن الفكر يتسم بظاهرة الثبات، بينما الصور الحسية متغيرة. فالصورة التي ندركها للحديقة ونحن على مقربة منها تبقى على حالها في ادراكنا محتفظة بجميع خصائصها في حال نظرنا إلى الحديقة من بعيد حيث تبدو للبصر اصغر مما هي في الواقع، فبالرغم من أن المَرئِيَّ البصريّ قد تغير إلا أن الادراك الفكري بقي ثابتاً على حاله. وإذن فالفكر ليس مادة، وليس ظاهرة قائمة بالمادة والا لما تمتع بخاصة الثبات مع طروء التغير على المادة وعلى انعكاساتها. ومهما كان التفسير العلمي لظاهرة الثبات فانه لا يجيب على السؤال الفلسفي، إذا أن الصورة لا يمكن ان تكون هي الصورة المنعكسة عن الواقع الموضوعي على مادة الجهاز العصبي وإلا لطرأت عليها نفس التغيرات. إن هذا يكشف عن أن الادراك ليس مادة ولا ظاهرة قائمة بالمادة وإنما هو نشاط للجانب الروحي الانساني من الانسان..

ونجيب ثانياً - أن الفكر البشري واحد، فيجب أن يخضع لنفس القوانين ولذا فليس ثمة فرق بين أفكار المومنين بالديالكتيك وغيرهم من هذه الجهة، ولذا فيجب أن يؤمن الماركسيون بأن أفكار البشر جميعاً متطورة - لأنها جميعاً نتاج للطبيعة - فلماذا يتهمون افكار غيرهم بالجمود والتحجر ويسبغون فضيلة التطور على أفكارهم وحدها. وينبغي أن يتطور

١٦٠

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174