دراسات في العقيدة الإسلامية

دراسات في العقيدة الإسلامية18%

دراسات في العقيدة الإسلامية مؤلف:
تصنيف: أصول الدين
الصفحات: 212

دراسات في العقيدة الإسلامية
  • البداية
  • السابق
  • 212 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 72867 / تحميل: 8109
الحجم الحجم الحجم
دراسات في العقيدة الإسلامية

دراسات في العقيدة الإسلامية

مؤلف:
العربية

دراسات في العقيدة الإسلامية

محمد جعفر شمس الدين

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

بِسمِ اللّه الرّحمنِ الرَّحيم

والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين

المقَدّمة

هذه «دراسات في العقيدة الإسلامية» كنت قد ألقيت جزءاً منها على طلاب السنة الأولى في كلية أصول الدين ببغداد.

تشتمل هذه الدراسات، إضافة إلى بحث تمهيدي لعلم العقيدة، على ثلاثة فصول.

تدور بحوث الأول منها، حول العلة الأولى للكون مع عرض واف للأدلة العقلية على أصل وجودها.

بينما تدور بحوث الفصل الثاني، حول مواقف بعض المذاهب المادية من العلة الأولى، مع استعراض لأهم النظريات حول أصل الحياة ومجرى الحياة.

وأما الفصل الثالث، فتدور بحوثه حول عقيدة التوحيد، حيث تناولناها من جميع جوانبها، وتطرقنا إلى البحث في الصفات الإلهية. والخلاف بين المدارس الكلامية حول وحدة الذات والصفات أو تغايرهما.

وقد حاولنا في بحوثنا هذه، أن نتجنب التعقيد والغموض اللذين يبدوان بوضوح في كتب المتكلمين القدامى. كما حاولنا أن نقتصر على أهم المسائل الكلامية، تاركين ما لم نرَ حاجة إلى بحثه تجنباً للتطويل.

هذا وأسأله سبحانه، أن يتقبل هذا العمل المتواضع، وأن ينفع به. انه ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.

بيروت ٢٥ / ٢ / ١٩٧٧

محمد جعفر شمس الدين

٣

مقدمة الطبعة الثانية

هذه هي الطبعة الثانية من «دراسات في العقيدة الإسلامية» تخرج إلى القراء والباحثين وفيها زيادات مهمة على الطبعة الأولى فقد أدخلت بعض التعديلات على بعض الأفكار التي كانت مجملة لتتّم الفائدة.

ولكن الشيء الأهم من ذلك أني أضفت فصلاً رابعاً كاملاً في آخر الكتاب تدور بحوثه حول «العدل».

وقد جاء في ثلاثة بحوث.

يدور البحث الأول منها حول مفهوم العدل عند فلاسفة الاخلاق.

ويدور البحث الثاني حول مفهوم العدل عند متكلمي الإسلام ومواقفهم المختلفة منه. مع أهم الأدلة العقلية على عدل اللّه سبحانه.

وأما البحث الثالث فيدور حول مسألة الآلام وموقف مختلف الفلاسفة والمدارس منها. ثم مناقشة هذه المسألة بشكل يحل معضلتها بشكل موجز ومنطقي.

وختاماً، أسأله سبحانه التوفيق والقبول والحمد له أولاً وآخراً.

بيروت في ٩ / ٢ / ١٩٧٩

محمد جعفر شمس الدين

٤

بحوث تمهيدية - ١ - الجو الذي نشأ فيه علم العقيدة

القرآن الكريم، احتوى فيما احتواه، التشبيه، والكناية، والمثل والاستعارة.

كان فيه النص، وكان فيه الظاهر. وكان فيه بالإضافة إلى كل ذلك، ما يسمى بالآيات المحكمات والآيات المتشابهات. كما نص على ذلك الكتاب العزيز نفسه( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْکَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (١) .

والمقصود بالآية المحكمة، تلك التي لا تحتمل إلا وجهاً واحداً من المعنى. والمقصود بالآية المتشابهة، تلك التي تحتمل - ابتداءاً - معنيين أو أكثر، وتتردد بين هذه المعاني.

والذي يبدو(٢) ، أن كثيراً من علماء الإسلام اتفقوا على وجوب إرجاع هذه الآيات المتشابهة، إلى المحكم من الآيات، لتُعَيّن هذه المعنى المراد من تلك، فتعود محكمة.

فقد ورد في القرآن - مثلاً - توصيف اللّه بأنه سميع بصير في قوله تعالى( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (٣) وورد فيه( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (٤) .

____________________

(١) آل عمران ٨.

(٢) راجع للتوسع تفسير الرازي ٢ / ١٠٨ وصفحة ٣٩٧. والميزان لمحمد حسين الطباطبائي ٣ / ٣١ وما بعدها. والكشاف للزمخشري ١ / ١٧٤ وما بعدها.

(٣) الشورى ١١.

(٤) طه ٦.

٥

كما ورد( وَ جَاءَ رَبُّکَ ) (١) ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٢) ( وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِکَ ) (٣) . إلى غير ذلك من الآيات المتشابهة.

موقف مسلمي العصر الأول من المتشابه:

وقد كان المسلمون في العصر الأول، يُسلّمون بهذه الآيات.

ويعتقدون بها، من دون أن يستاءلوا، أو يستفسروا عما يراد منها، أو ترمي إليه.

ثم ابتدأ - في مطلع القرن الثالث للهجرة تقريباً - بشكل واسع، عصر الترجمات، وانفتحت عقول المسلمين على تراث اليونان، في شتى حقول العلم المطروقة آنذاك، وبخاصة التراث الفلسفي.

عند ذاك، ابتدأ عصر التساؤلات.

تساؤلات، كان منطلقها ما تشابه من الآيات.

اللّه سميع؟ ما معنى ذلك؟ وكيف يكون سمعه، هل هو كسمع كل واحد منا؟

اللّه بصير؟ ما معنى ذلك؟ وكيف يكون إبصاره، هل هو كإبصار كل واحد منا؟

الرحمن على العرش استوى؟ ما معنى ذلك؟ وما هي كيفية جلوسه

____________________

(١) الفجر ٢٣.

(٢) الفتح ١٠.

(٣) المائدة ١١٧.

٦

واستوائه، هل هو كجلوسي وجلوسك؟ وما هي هيئة هذا العرش؟ هل هي كهيئة العروش المعهودة لدى الملوك والسلاطين؟ إلى غير ذلك من تساؤلات.

إلا أن عصر التساؤلات هذا، لم يؤثر على بعض العلماء، ولم يُجر كثير منهم إلى الخوض فيها. ولذا وجدنا، من توقف في شرح هذه الآيات، ووقف منها موقف المتهيب، فلم يأت فيها بتفسير أو تأويل(١) .

بل وجد من علماء الإسلام من صرح بأن مثل هذه التساؤلات بدعة لا تجوز، إذ كل بدعة ضلالة، أمثال مالك بن أنس، حيث قال عند كلامه على الآية الكريمة «الرحمن على العرش استوى» (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)(٢) .

ويذكر الشهرستاني في الملل والنحل، أن السبب في توقف كثير من العلماء في تفسير متشابه القرآن وتأويله أمران:

الأمر الأول: «المنع الوارد في التنزيل، فقد قال اللّه تعالى في شأن القرآن منه آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» فنحن نحتَرِزُ عن الزيغ...

والأمر الثاني: «إن التأويل أمر مظنون بالإتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز. فربما أوّلنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ»(٣) .

____________________

(١) راجع تفسير الطبري ١ / ٢٠ وما بعدها والطبقات لابن سعد ٥ / ١٣٩ وما بعدها.

(٢) الملل والنحل ١ / ٩٣.

(٣) ١ / ١٠٤.

٧

عصر التساؤلات وصلته بالفكر المترجم:

ومهما يكن من أمر موقف هذا البعض، من تفسير المتشابه وتأويله، فمما لا شك فيه، أن هذا الجو الفكري المحموم، والذي طغت عليه التساؤلات بلا ضوابط، ما كان ليتواجد بهذا الشكل الخطير، لو لم تتواجد في الأمة تلك الترجمات، التي يقول فيها أبو حيان التوحيدي، من أعلام القرن الرابع الهجري والذي عاصرها، أنها كانت في كثير من جوانبها، مختلة متناقضة، وغير دقيقة.

وهذا من وجهة نظرنا شيء طبيعي لأمور:

الأول: ان الترجمة لم تكن لتحصل من اللغة اليونانية الأصلية، إلى اللغة العربية مباشرة. وإنما كانت الأفكار اليونانية، تترجم أولاً إلى العبرية ثم من العبرية إلى اللغة العربية.

ولا إشكال في أن نقل فكرة عادية من لغة إلى لغة أخرى بوسائط متعددة يوجب أن تحرف عن مضمونها الأصلي. وقد تصبح فكرة جديدة لا تمت إلى الفكرة الأصلية بصلة.

فإذا كان الأمر بالنسبة إلى فكرة عادية كذلك، فكيف بفكر فلسفي يفترض فيه أن يكون على جانب كبير من الدقة والعمق.

الثاني : ان الغالبية العظمى من المترجمين، كانت من اليهود والنصارى، ونحن إذا استعرضنا أبرز هؤلاء المترجمين، تبين لنا ذلك بوضوح، فمن أبرزهم:

آل بختيشوع من السريان النسطوريين

حنين بن إسحاق «شيخ المترجمين» وأولاده من النصارى

حبيش بن الأعسم من النصارى

٨

قسطا بن لوقا من النصارى

آل ثابت من الصابئة

آل ماسرجويه من اليهود

اسطفان بن باسيلي نسطوري

ولا إشكال في أن هؤلاء، لا يرغبون في أن يصبح تراث اليونان الفلسفي والفكري بشكل عام، بين أيدي أعدائهم المسلمين الذين تحولوا - بالإسلام - في فترة وجيزة نسبياً من محكومين لهم إلى حاكمين. ولذا كان من المعقول جداً، أن يقدموا هذا التراث إليهم، وفيه عيبان:

١ - عيب التحريب، بمعنى «نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره»(١) الذي أدخله هؤلاء على ما نقلوه من اليونانية. فيما يختص بالأخلاق وما بعد الطبيعة، حيث صبغوه بصبغتهم المسيحية (كفكرة العالم، أو الخلود أو الخطيئة) وأوّلوه بما يتفق مع أهدافهم وآرائهم.

٢ - عيب التحريب بالنقيصة، حيث (حذفوا كثيراً من غوامض هذين العلمين... وأحلوا عناصر مسيحية(٢) أو يهودية.

الثالث : إن أكثر هؤلاء المترجمين، لم يكونوا من الفلاسفة، ولذا كان من المنطقي ألا يفهموا المادة الفلسفية التي أوكلت إليهم مهمة ترجمتها، فوقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء وتناقضات.

وإذا كان هذا هو حال الترجمات، ترجمات مريضة، مليئة بالأخطاء

____________________

(١) البيان في تفسير القرآن للسيد أبو القاسم الخوئي ٢١٥ - الطبعة الثانية.

(٢) دي بور - تاريخ الفلسفة في الإسلام - ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده ص ٢٠.

٩

والتناقضات والتحريف، كانت مع هذه الوضعية، إضافة إلى ما أثارته في الأمة من مشاكل فلسفية كثيرة تتعلق باللّه ذاته وصفاته، والقرآن قدمه وحدوثه، والإنسان خيره وشره، وفعله من حيث كونه حراً مختاراً فيه، أو مجبوراً عليه. كل ذلك، مع ما تقتضيه طبيعة العلوم في كل زمان ومكان، من رغبة شديدة وافتتان بالجديد، وميل إلى الخوض فيه، كان سبباً إلى نوع من التطرف الفكري أدّى إلى ظهور مواقف إعتقادية شاذة، حملت في ثناياها آراء تتناقض مع أصول الإسلام، وقداسة العقيدة. ولذا كان ضرورياً، أن يهب بعض مفكري الإسلام وعلمائه، إلى التصدي لهذه المواقف، لكشف زيف تلك الآراء، وتناقضها وهدمها، متخذين من العقيدة نفسها، سلاحاً، ومن القرآن هادياً، متوخين من وراء ذلك حفظ أصول الإسلام من أن تنالها يد التشكيك والتشويه فنشأ ما يسمى بعلم العقيدة أو علم الكلام.

٢ - وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام

وقد ذكرت وجوه عديدة، في منشأ تسمية هذا العلم بعلم الكلام:

منها : ان المتكلمين «أرادوا مقابلة الفلاسفة، في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان.»(١) .

ومنها : أنه «كثر الكلام فيه مع المخالفين، ما لم يكثر في غيره.»(٢)

ومنها : «لأنه - كما يذكر في شوارق الإلهام - بقوة أدلته، كأنه صار هو

____________________

(١) و(٢) تعليقة في ذيل صفحة ٥٠ من تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور ترجمة محمد أبو ريده.

١٠

الكلام دون ما عداه، كما يقال في الأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام»(١) .

ومنها : أنه «يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، كالمنطق في الفلسفيات»(٢) وهذه - كما يبدو - ما هي إلا وجوه استحسانية.

والذي أراه، وجهاً راجحاً، لتسمية هذا العلم، بعلم الكلام. ناشئ من المحور الذي كان هذا العلم يدور حوله، وهو كلام اللّه، المتمثل في القرآن الكريم. بل ان السبب في نشوء هذا العلم - أصلاً - هو الوقوف في وجه التساؤلات التي كان منطلقها - كما سبق وذكرنا - الآيات المتشابهة في كتاب اللّه.

فضلاً عن أن أوسع خلاف قام بين المتكلمين، كان يدور حول كلام اللّه وانه قديم أو حادث. فلا غرو إذن، في أن يكون الوجه لتسمية هذا العلم بهذا الامم، محورية كلام اللّه لكل المناقشات، والمخاصمات والمجادلادت التي كانت تدور بين أربابه.

وجهة نظر:

وإذا صح ما ذكرناه، من أن وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام، هو محورية كلام اللّه - أي القرآن - لكل المخاصمات التي كانت تدور فيه، يمكن الإدعاء بأن هذا العلم قد خطا خطواته الأولى، في العصر الأول من عصور المسلمين، وهو عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما تلاه.

فقد روى ابن سعد في تاريخه «عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابني العاص، أنهما قالا: جلسنا مجلساً في عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كنا به أشد اغتباطاً

____________________

(١) شوارق الإلهام لعبد الرزاق الأهيجي ص ٤.

(٢) تعليقة لمحمد أبو ريده على ترجمته لتاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور صفحة ٥٠.

١١

من مجلس جلسناه يوماً. جئنا فإذا أناس عند حُجر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول اللّه خلف الحُجر يسمع كلامهم. فخرج علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مغضباً يعرف الغضب في وجهه حتى وقف عليهم فقال: أي قوم، بهذا ضلّت الأمم قبلكم باختلافكم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، إن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن ليصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به... الخ(١) .

وروى ابن حجر العسقلاني، في الإصابة، قال «قدم صبيغ المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، فضربه حتّى أدمى رأسه. ثم نفاه إلى البصرة، وأمر بعدم مخالطته»(٢) .

هذان النصان، وغيرهما، يؤيدان ما قلناه، في تحديد الفترة التي نشأ فيها هذا العلم.

ولا يكون الالتزام بذلك، مناقضاً للرأي السابق القائل، بأن هذا العلم، قد نشأ في القرن الثالث الهجري، بعد ابتداء عصر الترجمات. إذ يكون معنى نشوئه في القرن الثالث، هو أن بروزه كعلم، له قواعده، وأصوله، إنما كان في ذلك التاريخ.

والذي يؤيد هذا، ما ذكره الشهرستاني من «أن لفظ الكلام، أصبح اصطلاحاً فنياً في عهد المأمون، وكثيراً ما نصادف لفظ كلّم، بمعنى ناظر وجادل».(٣) .

____________________

(١) كتاب الطبقات الكبير لابن سعد ٤ / ١٤١.

(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ٢ / ١٩٨.

(٢) الملل والنحل ١٨ وما بعدها.

١٢

٣ - علم الكلام والفرق بينه وبين الفلسفة

علم الكلام عبارة، عن مجموعة مباحث، وضعت بقصد الدفاع عن أصول العقيدة الإسلامية، وتثبيتها، وهدم أدلة كل من يحاول التشكيك فيها، أو النيل منها.

ولذا كان المتكلمون - أي علماء الكلام - يعتقدون - قبلاً - بوجود حقائق مقدسة، يجعلونها المقياس لصحة أية فكرة تطرح في الخارج.

ومن هنا يتضح الفرق الأساسي بين الفلسفة وبين علم الكلام. إذ إن الفيلسوف، لا يعتمد في مقام بحثه عن الحقيقة إلا البرهان العقلي، والمنطقي، من دون نظر إلى أية سوابق، أو قبليات لديه.

وبعبارة أخرى: المتكلم، هو ذلك الباحث، الذي يحاول دائماً، إخضاع البرهان المنطقي، والدليل العقلي لما يعتقد أنه حق وصواب.

والفيلسوف، وهو ذلك الباحث الذي لا يعتقد بشيء، إلا بعد أن يقوم الدليل العقلي، والبرهان المنطقي، على صحته. حتى ولو لم يكن متفقاً مع اتجاهه، أو ميله، أو رغبته.

٤ - نقد علم الكلام ومناقشته

لقد ذكرنا فيما سبق، أن علم الكلام، إنما كان السبب في تبلوره - أساساً - كعلم، هو البلبلة الفكرية العظيمة، التي كان المسلمون قد جرّوا إليها، لأسباب عديدة ابتداءاً بالترجمات الخاطئة المتناقضة للتراث الفلسفي اليوناني،

١٣

وانتهاءاً بالمندسين بين المسلمين ليقوّضوا الإسلام في نفوسهم من الداخل، بتشكيكهم فيه، وتشويههم لمعالمه. فجاء علم الكلام، ليواجه هذه البلبلة، وليحفظ بالحجة والدليل، أصول العقيدة من أن تنالها يد التشويه والتشكيك.

والمفروض في علم يكون هذا سبب تبلوره، أن يتخذ العقيدة محوراً يدور حوله، وإطاراً لا يتعداه بحال.

ومن هنا قيل: أن المتكلم يعتقد ليبحث.

وقد اتخذ بعض الكتّاب، من هذا الأسلوب، ثغرة نفذوا منها إلى انتقاد هذا العلم، والتجريح فيه. فادعوا بأن علم الكلام، بأسلوبه البحثي الدائر حول نفس المسائل، وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، أدّى إلى حالة من الجمود الفكري، أثرت على جميع مناحي حياة المسلمين العلمية والاجتماعية، بل غالوا في انتقادهم لهذا العلم، فعزوا إليه كل اضطراب صناعي ولغوي، وفني مني به المسلمون، وادّعوا بأن سد باب الاجتهاد عند المسلمين، إنما كان نتيجة من نتائج هذا العلم!!؟

ولا أدري، ما هو العيب في أسلوب علم الكلام، حتى ينتقد هذا العلم من جهته. إذ ليس معنى هذا الأسلوب، ان المتكلمين يعطلون العقل، وينحونه عن مجال الإبداع، والاستنباط. كيف يكون ذلك، وقد اشتهرت مدرسة من أعظم المدارس الكلامية - كما سنرى - هي مدرسة الاعتزال: بأنها كانت تعتبر النظر العقلي، من الواجبات التي يجب على كل مسلم أن يؤديها.

بل ذهب أتباع هذه المدرسة إلى أبعد من هذا، حيث اتفقوا على «أن العبد لا تحصل له صفة الإيمان، حتى يقدر على تقدير الدلالة، ويتمكن من

١٤

المناظرة والمجادلة. ومن لم يبلغ تلك الدرجة، كان كافراً»(١) .

وليس معنى اتخاذ الكلاميين العقيدة محوراً وإطاراً، التحجير على عقولهم، وقسرها على اتباع أسلوب واحد في الاستدلال، بل تركت له حرية سلوك أي طريق، وانتهاج أي أسلوب، ما دام منشداً إلى هذا المحور، وضمن ذاك الإطار.

ولذلك نرى، أنماط الاستدلال عندهم تختلف، وتتعدد، حتى بين التلميذ كبشر بن المعتمر وأستاذه كمعمر بن عباد.

ولم يبد لي، وجه الارتباط بين علم الكلام وبين الاضطراب الصناعي والفني، والاجتماعي بشكل عام، ولا كيف أن هذا العلم النظري، كان لعنة سببت للأمة كل هذه المصائب والآلام؟ ولا وجه سببيّته لسد باب الاجتهاد.

ونحن في مقام الرد على هذا النقد نقول:

أولاً : لا نسلم أن يكون علم الكلام سبباً للخمود الفكري، بل لا يعقل ذلك، لأنه يتنافى مع طبيعة هذا العلم، حيث أنه يدور كله حول المخاصمات الدينية والمجادلات المذهبية، ولا ريب أن الجدل الديني والمذهبي، من أبرز المؤثرات، التي تعمل على شحذ القرائح، وقدح زناد الفكر، ودفع الإنسان إلى بذل جهد عقلي مضاعف لكي يستنبط أساليب من الاستدلال والنظر جديدة، ليبني معتقده، وليفحم خصمه ويدحض حجته. وهذا يجعل من علم الكلام سبباً من أسباب ازدهار الفكر لا خموده.

____________________

(١) التبصير في الدين لأبي إسحاق الإسفراييني ٣٩.

١٥

وثانياً : لو سلمنا ما ادعي، من الاضطراب الصناعي، والاقتصادي، والفني، بل والجمود الفكري، الذي منيت به الأمة الإسلامية آنذاك، فلماذا نُحَمّل علم الكلام بالخصوص كل هذه الاُمور، ونحصر سببها فيه؟

والواقع، ان كل ذلك، يمكن أن نردّه - من وجهة نظرنا - إلى سبب جوهري لا ربط له بعلم الكلام من قريب أو من بعيد.

ذلك أن المسلمين بعد أن استقر الإسلام في البلاد التي فتحت، وتركزت دعائمه، انتقلوا من حياة القتال والحروب، بما فيها من انشغال عن الأخذ بالمتع والمسرات إلى حياة وادعة مطمئنة، يخيم عليها الهدوء والسلام. وانصرف المسلمون إلى التمتع بما أغدق اللّه عليهم من أموال وثروات الأمم المغلوبة. حتى غدت بغداد عاصمة الامبراطورية الإسلامية، والتي كانت آنذاك، مجمعاً لكل العناصر التي تكوّن الأمة مضرب المثل في اللهو والمجون، والتفنن في الأخذ بمباهج الحياة وملذاتها.

ومن هنا، من اتجاه المسلمين - ممثلين في عاصمتهم بغداد - إلى إشباع غرائزهم من حياة الترف واللهو والمجون، حتى غرقوا فيها إلى آذانهم، ابتدأوا نعقد شيئاً فشيئاً، الروح الطموحة والمتسامية، التي خلقها فيهم الإسلام.

وطبيعي جداً، أن إنساناً يستطيع، بما أوتي من مال جم، أن يوفر له كل ما يمكن أن يحتاجه في حياته المادية تلك، من جميع وجوهها، ألا يتعب نفسه في اختراع أو صناعة، أو فن، أو فكر، ما دام قادراً على استيراد كل احتياجاته منها، ولو من أقصى الأرض.

١٦

ولماذا يتعب نفسه في صناعة الحرير - مثلاً - ما دام باستطاعته الحصول على أجود أنواعه وأرقاها حتى من الصين؟

ولماذا يتعب نفسه في اصطياد حيوان المسك، للحصول على عطره، ما دام قادراً على جلب أرقى عطور الهند؟.

بل لماذا يتعب نفسه في تعديل الأوتار وضربها، أو دراسة الأصوات ومعرفة أصولها، وهز الأرداف وتعلم فنون الرقص، أو النحت أو الرسم؟ ما دام بإمكانه الحصول بما أوتي من ثروة - على استقدام أشهر مغني فارس ومغنياتها وراقصاتها ونحاتيها ورساميها.

يتضح من كل ذلك، أن حياة الترف والنعيم، التي كان يعيشها المسلمون في بغداد - عاصمة الخلافة - آنذاك، قد أعمتهم عن التطلعات نحو الابتكار وشلتهم عن الخلق، فآل أمرهم إلى اضطراب في شتى مناحي حياتهم المختلفة اجتماعياً واقتصادياً وفنياً وصناعياً وفكرياً...

علم الكلام ودعوى سببيته لسد باب الاجتهاد:

وأما ما ادعاه هؤلاء المنتقدون من أن علم الكلام، قد أدى إلى سد باب الاجتهاد، فيتضح عدم دقته بمجرد أن نطلع على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه المحنة التي أصابت الأمة في الصميم، في أواخر القرن الرابع الهجري.

وتلك الأسباب - كما يذكرها الأستاذ عبد الوهاب خلاف(١) - على نحو الإجمال هي:

____________________

(١) مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه ٣٤١ وما بعدها.

١٧

١ - «انقسام الدولة الإسلامية إلى عدة ممالك، وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم، مما أوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع، وانشغال العلماء تبعاً لذلك بالسياسة وشؤونها.»

٢ - «انقسام المجتهدين إلى أحزاب، لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، مما دعا إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة، أصولاً وفروعاً وهدم ما عداها... وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته وماتت روح استقلالهم العقلي وصار الخاصة كالعامة اتباعاً ومقلّدين.»

٣ - «انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء وعدم وجود ضوابط لهم، مما أدى إلى تقبل سد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع. وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة».

٤ - «شيوع الأمراض الخلقية بين العلماء والتحاسد والأنانية، فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحط اقرانه من قدره... فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريحهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روع النبوغ ولم ترفع في الفقه رؤوس.»

هذه - بصورة مجملة - هي الأسباب التي تذكر عادة في سد باب الاجتهاد. وأنت لا ترى بينها ما يشير إلى علم الكلام، لا من حيث موضوعه ولا من حيث أسلوبه، لا من قريب ولا من بعيد. وعليه، فلماذا يُحَمّل هؤلاء المنتقدون هذا العلم ما هو براء منه؟

١٨

٥ - أضواء على أهم الفرق والمدارس الكلامية (أ - قبل عصر الترجمات)

لقد سبق وقلنا أن جواً فكرياً مبلبلاً، ظلل الأمة الإسلامية بعد أن هيأ أرضيته عصر الترجمات للتراث الفلسفي اليوناني الذي ابتدأ بشكله الواسع، مع بدايات القرن الثالث الهجري.

وقبل أن نستعرض أهم المواقف الفكرية والاعتقادية التي تولّدت عن ذاك الجو يجدر بنا أن ننبه على أن بعض الفرق - التي قد يكون لها رأي في بعض المسائل التي تثار عادة بين المتكلمين - كانت قد تكوّنت بحكم ظروف خاصة قبل عصر الترجمات المذكور. فمن المناسب الإشارة إلى أهمها بإيجاز:

١ - الخوارج

أ - نشأة الخوراج:

في معركة صفين، وبعد أن لاحت علائم هزيمة جيش معاوية أمام جيش المسلمين بقيادة علي (ع). تفتق ذهن عمرو بن العاص عن خدعة يكسب بها ما عجز عن كسبه وسيّده معاوية بحد السيف، فطلب من معاوية أن يأمر جيشه بحمل المصاحف ودعوة علي (ع) وجيشه إلى التحكيم. ففعل. وكان التحكيم وما سبقه من تحذيره(١) عليه‌السلام أصحابه منه وبيانه لهم، انه خديعة

____________________

(١) راجع ذلك كله في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

١٩

عمرو بن العاص ومعاوية، للوصول بواسطتها إلى مآربهما. وما لحقه من خلع أبي موسى الأشعري لعليعليه‌السلام من الخلافة، وتثبيت عمرو بن العاص معاوية فيها.

وهنا خرج بعض من كان في جيش عليعليه‌السلام عن طاعته، بحجة انه حكّم الرجال في دين اللّه. في حين أنهم هم الذين أصروا على التحكيم بعد أن رفضه وحذرهم مغبته. ورفعوا شعارهم المشهور «لا حكم إلا للّه». ويقال أنهم كانوا اثني عشر ألفاً. والتجأوا بقيادة عبد اللّه بن الكواء وشبث بن ربعي إلى حروراء في ضواحي الكوفة.

ثم حصلت مجادلات ومراسلات بينهم وبين أمير المؤمنينعليه‌السلام نتج عنها رجوع ابن الكواء، مع قسم كبير منهم عما كانوا فيه. واستقر رأي الباقين على أن يتخذوا من النهروان مقراً لهم. فساروا إليها بقيادة عبد اللّه بن وهب الراسبي. وراحوا يعيثون في الأرض فساداً، فيقتلون الأبرياء، وينهبون أموال الناس. فلما فشا ظلمهم، سار إليهم أمير المؤمنينعليه‌السلام في أربعة آلاف وأبادهم في معركة النهروان المشهورة. ولم ينج منهم سوى تسعة(١) .

ب - عقيدة الخوارج:(٢)

وقد ابتدأ منطق الخوارج هؤلاء، بإعلانهم أن علياً قد أخطأ في قبوله التحكيم. ثم ترقوا في هذا المنطق، إلى أن وصل إلى حد تكفيرهعليه‌السلام . بل

____________________

(١) راجع كيفية ذلك واخبار عليعليه‌السلام قبل قتالهم أنه لن ينجو منهم عشرة في كنز العمال ٦ / ٧١.

(٢) راجع في عقيدة الخوارج هذه الملل والنحل للشهرستاني ١ / ١١٤ وما بعدها.

٢٠

وتكفير عثمان أيضاً وعائشة، وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص.

ويمكن تلخيص معتقدهم في عدة نقاط:

أ - لم يشترطوا أن يكون خليفة المسلمين عربياً من قريش، فخالفوا بذلك ما أجمعت الأمة عليه. وصح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أن الخلفاء من قريش. بل جوّز الخوارج أن يكون الخليفة عبداً.

ب - اشترطوا أن يكون الخليفة بالانتخاب. وإلا يخرج عن جادة الحق والعدل ولهذا صححوا - في زعمهم - خلافة أبي بكر وعمر، وأبطلوا خلافة علي وعثمان.

أما إبطالهم خلافة عليعليه‌السلام فلأنه - في رأيهم - أخطأ في قبول التحكيم وأما ابطالهم لخلافة عثمان، فلأنه خرج عن جادة الحق في السنوات الأخيرة من خلافته.

ج - ذهبت بعض فرقهم، إلى الاعتقاد بعدم وجوب نصب خليفة للمسلمين، لأن المسلمين بمقتضى تشابك مصالحهم، وتساوي حاجة بعضهم إلى بعض، مما يمنعهم عن الجور والتعدي. ومعه لا حاجة بهم إلى إمام أو خليفة. لأن وجوده عندئذ يكون لغواً وعبثاً.

د - ذهبوا - على اختلافهم - إلى القول بتكفير مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار. بل ذهبت بعض فرقهم، إلى تكفير مرتكب الذنب مطلقاً، حتى ولو كان من الصغائر. كما حكموا بكفر كل ما خالفهم، وان أطفال المشركين في النار مع آبائهم.

٢١

ه‍ - ذهبت بعض فرقهم، إلى الإعتقاد بحلية نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات بنات الإخوة. والقول بأن سورة يوسف ليست من القرآن.

هذه هي أهم النقاط التي يمكن حصر معتقدهم فيها مما يفهم من مجموع كلماتهم.

ولكن أهم ما برزوا فيه، هو ما ورد في النقطة الرابعة من تكفيرهم مرتكب الكبيرة، أو الذنب حتى ولو لم يكن من الكبائر وخلوده في النار.

ج - أهم فرق الخوارج:

والواقع أن ظهور الخوارج على مسرح الحياة كانت نتيجة موقف عاطفي متسرع، وليس مبنياً على أساس اعتقادي أو فكري. لذا نجدهم وقد تأرجحت آراؤهم وتباعدت، دون أن يكون لها محور تنشد إليه أو إطار تدور ضمن حدوده. ويبدو ذلك واضحاً في انقسامهم إلى فرق متكثرة جداً، تختلف فيما بينها إلى أن تصل إلى حد التباين. ويشذ بعضها إلى حد يصل معه إلى الكفر الصريح(١) .

وأهم هذه الفرق - وقد انقرضت الآن تقريباً - هي(٢) :

____________________

(١) وقد وردت في ذمهم وتكفيرهم والحث على قتالهم وقتلهم روايات كثيرة في كتب الأحاديث المعتبرة عند المسلمين عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فراجع مسند الإمام أحمد ٤ / ٤٢٢ - ٤٢٤ - وصحيح مسلم ١ / ٣٨٥ - ٣٩٨.

(٢) قيل بأن هذه الفرق من فروع الخوارج وقيل بأن بعضها من الأصول وبعضها من الفروع فراجع مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ١ / ٨٦ - ١٥٢ والتبصير في الدين للإسفراييني ٢٦ - ٣٧.

٢٢

العطوية: أتباع عطية بن الأسود الحنفي.

العجاردة: جماعة عبد الكريم بن عجرد.

الحفصية: (من الأباضية) جماعة حفص بن أبي المقداد.

البهيسية: أتباع أبي بيهس هيجم بن جابر.

الصفرية: أتباع المهلب بن أبي صفرة.

الشبيبية: نسبة إلى شبيب بن زيد.

الشعيبية: نسبة إلى شخص اسمه شعيب بن محمد.

٢ - المرجئة

أ - سبب تسميتهم:

لقد قلنا قبل قليل أن أهم أصل من الأصول التي التزم بها الخوارج هو القول بتكفير مرتكب الكبيرة، أو الذنب مطلقاً، وخلوده في النار، وقد أدى هذا الموقف المتطرف من هؤلاء إلى بروز فرقة في قبالهم تنادي بعكس ما اعتقدوه. حيث حكمت بإيمان مرتكب الكبيرة.

وأما من جهة عقابه بخلوده في النار - كما ارتآه الخوارج - فلا يقولون فيه بقول، بل يرجئون الحكم في ذلك إلى اللّه. والإرجاء هو التأخير.

ولعل هذا هو سبب تسميتهم بالمرجئة.

٢٣

ونسب الاسفراييني(١) إلى المرجئة، القول بأنه لا تنفع مع الكفر طاعة كما لا تضر مع الإيمان معصية. فالمعاصي عند هؤلاء - ان صحت النسبة - لا تزيل صفة الإيمان عن مرتكبها. ومن الواضح أن لازم هذا القول، فتح باب الرجاء أمام العاصي لمغفرة اللّه وعفوه. وقد يكون هذا هو سبب تسميتهم بالمرجئة أيضاً.

ب - زمن ظهور القول بالإرجاء:

وعلى ما ذكرناه، من أن المرجئة كفرقة، كان ظهورها كردة فعل للموقف المتطرف الذي وقفه الخوارج من مرتكب الكبيرة، يتضح أن ظهورها كان في النصف الأول من القرن الأول للهجرة.

وقد ذهب بعض الكتّاب المحدثين(٢) إلى القول بأن ظهور الإرجاء كفكرة إنما كان في عهد عثمان عندما وقف قسم من المسلمين موقف المحايد بينه وبين الثائرين عليه.

ج - موقف الأمويين من القول بالإرجاء:

ومهما يكن فقد احتضن الأمويون هذه الفرقة. لأنهم رأوا في انتشار فكرتها بالنسبة للعاصي - وهم غارقون في المنكرات والمعاصي كبيرها وصغيرها - سنداً لهم في قبال الخوراج الذين يكفّرون مرتكب الكبيرة كما مر.

____________________

(١) التبصير في الدين ص ٦٠.

(٢) راجع كتاب أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة.

٢٤

د - فرق المرجئة:

وقد انقسم المرجئة إلى خمس فرق: هي:

المريسية نسبة إلى بشر المريسي

الثنوية أصحاب أبي معاذ

الغسّانية نسبة إلى رجل يدعى غسان

الثوبانية نسبة إلى رجل يكنى بأبي ثوبان

اليونسية نسبة إلى يونس بن عون

والذي يبدو من مراجعة كلمات المرجئة، على اختلاف فرقهم المتقدمة أنهم يجمعون على أصل سياسي عندهم، هو أن الإيمان، ليس إلا التصديق في القلب والقول باللسان دون أن يكون للعمل بمقتضاه أية دخالة في اتصاف الإنسان به.

وقد نسب إلى بعض فرقهم القول بعدم اشتراط التصديق المذكور في حصول صفة الإيمان عند الإنسان. بل اكتفوا لحصول ذلك بالإقرار باللسان فقط.

ومن هنا ذهبوا إلى القول بإيمان المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع اعترافهم بأنهم لم يؤمنوا بقلوبهم.

ومن هنا ذهبوا أيضاً إلى القول بأن الكفر المقابل للإيمان، يتحقق بالإنكار باللسان، وان انعقد قلبه على الإقرار بكل الأصول.

٢٥

٣ - المجبّرة

أ - معنى القول بالجبر وأول قائل به:

ويراد بالمجبِّرة، أولئك الذين يقولون بأن كل فعل يصدر عن الإنسان فهو مخلوق للّه، سواء كان ذلك الفعل الصادر خيراً أو شراً، من دون أن يكون للإنسان أي اختيار أو أثر، في صدوره عنه، أو منع صدوره.

وقد استدل هؤلاء لمذهبهم، بآيات وردت في القرآن الكريم كقوله تعالى( اللَّهُ خَالِقُ کُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ عَلَى کُلِّ شَيْ‌ءٍ وَکِيلٌ ) (١) . وقوله تعالى:( وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ‌ ) (٢) .

وتنسب هذه الفرقة إلى الجهم بن صفوان، كاتب شريح بن الحارث. وقد عمل الجهم هذا، على نشرها في العراق، وبعض بلاد فارس.

وقيل إن ابن صفوان، لم يكن مبتدع فكرة القول بالجبر، بل كان أول من ابتدعها وروّج لها: الجعد بن درهم، مولى بني الحكم من أهل الشام. مربي بعض الخلفاء الأمويين، أخذها عن اليهود(٣) ، بعد اتصاله بهم ثم أخذها عنه الجهم عندما التقاه في الكوفة.

وقد قتل الجهم بن صفوان في أواخر حكم الأمويين، فقر أتباعه إلى نهاوند، واستقروا فيها.

____________________

(١) الزمر ٦٢.

(٢) الصافات ٩٦.

(٣) القول بالجبر، هو مذهب الفريسيين من اليهود ومنهم كعب الأحبار، وهم الفئة الكبرى يقابلهم الصدوقيون الذين كانوا يقولون بالإختيار وهم فئة كانت قليلة نسبياً وقد انقرضت الآن..

٢٦

وإذا صح ما ذكرناه، يكون أول ظهور المجبرة كفرقة في أواسط حكم الأمويين.

ب - صلة الأمويين بالقول بالجبر:

والذي يبدو لي، أن الأمويين هم الذين ثبّتوا هذه الفكرة في أذهان بعض أتباعهم ومريديهم، ثم احتضنوها وعملوا على نشرها وترويجها وحمايتها وذلك لأمور:

الأول : أنها ترفع عنهم أمام الناس وزر ما يرتكبونه من موبقات، ويأتونه من منكرات وجرائم، باعتبار أنهم مجبورون على إتيانها ولا اختيار لهم فيها.

الثاني : إن فكرة الجبر هذه، من أبرز دعاتها - ان لم يكن واضع حجر الأساس لها - الجعد بن درهم، المقرب جداً من البلاط الأموي والمناطة به تربية أولاد الأمويين ممن صاروا خلفاء فيما بعد.

الثالث : إن هذه الفكرة راجت في الشام - مهد الأموية - أكثر من رواجها في أي قطر آخر من أقطار المسلمين. وقد روي أن ابن عباس خطب في أهل الشام يوماً، فقال في جملة ما قال:( أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون. وتنهون عن المعاصي وبكم ظهر العاصون. هل منكم إلا مفتر على اللّه ليجعل اجرامه عليه سبحانه وينسبه إليه ) (١) .

____________________

(١) المنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى ص ٨.

٢٧

الرابع : ان - القدرية - وهم الذين يقابلون المجبرة مقابلة النقيض لنقيضه ويقولون بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، من دون أن يكون للّه أية دخالة في خلقها من قريب أو بعيد. ان القدرية هؤلاء، قد شنوا - ممثلين في شخصي مؤسسي فكرتهم غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني - حرباً لا هوادة فيها على الأمويين بالخصوص، حتى أن معبداً المذكور، قد اشترك مع عبد الرحمن بن الأشعث، عندما ثار على الأمويين، فقتله الحجّاج. في حين أقذع غيلان الدمشقي، في سب الأمويين وشتمهم.

ج - المجبرة والأشاعرة:

والذي ينبغي التنبيه عليه هنا، أن فكرة الأشاعرة عن أفعال الإنسان، تلتقي في نتيجتها، مع فكرة المجبرة هؤلاء. كما سنتعرض لبيان ذلك في محله المناسب إن شاء اللّه.

وقد واصل المجبرة نشر فكرتهم فيما وراء النهر، حتى أوائل القرن الرابع الهجري، حيث انهارت أمام الحملات الفكرية التي شنَّها عليهم أبو منصور الماتريدي مؤسس الماتريدية: النسخة المشابهة جداً للأشاعرة.

٤ - القدَرية

أ - معنى القول بالقدر وأول قائل به:

ويراد بالقدرية، أولئك الذين يقولون بأن كل فعل يصدر عن الإنسان خيراً كان أو شراً، فهو مخلوق له وحده، بعد أن قدره بعلمه، وتحرك نحوه بإرادته، من دون أن يكون لعلم اللّه أو إرادته، دخالة في تقديره وإرادته.

٢٨

بل ذهب هؤلاء إلى القول بأن اللّه لا يعلم فعل العبد، إلا بعد إيجاده له.

وقد اتخذ القدرية هذا الموقف المتطرف من أفعال الإنسان، والذي لا سند له من عقل أو نقل، كرد فعل لموقف المجبرة المتقدم، من تلك الأفعال.

وغيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، هما اللذان حملا لواء هذه الفكرة(١) . حيث قام غيلان بنشرها في الشام، ومعبد في العراق(٢) .

وقيل بأن غيلان أخذ هذا القول عن الحسن بن محمد بن الحنفية(٣) .

ومن جملة مناظرات غيلان هذا التي يوردها بعض الباحثين(٤) في تاريخ الفرّق، مناظراته مع عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي. يقول: «قال ابن مهاجر: بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان وفلاناً نطقا في القدر، فأرسل إليهما.

وقال: ما الأمر الذي تنطقان به؟

فقالا: هو ما قال اللّه يا أمير المؤمنين.

قال: وما قال اللّه؟

قال (غيلان): قال:( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَکُنْ شَيْئاً مَذْکُوراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاکِراً وَ إِمَّا کَفُوراً ) .

ثم سكتا

____________________

(١) راجع سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها وراجع أيضاً الخطط للمقريزي.

(٢) سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها.

(٣) المنية والأمل لأحمد بن المرتضى ١٥ وما بعدها.

(٤) راجع سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها.

٢٩

فقال عمر: اقرآ.

حتى بلغا( ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربيه سبيلاً، وما تشاؤون إلا ان يشاء الله ) إلى آخر السورة.

قال عمر: «كيف تريان يا ابني الأتانة؟ تأخذان الفروع وتدعان الأصول».

ب - القدرية والمعتزلة:

ولا بد من التنبيه هنا، على أن عقيدة المعتزلة في أفعال الإنسان، تلتقي في جوهرها، مع فكرة القدرية هؤلاء، كما سنتعرض لبيان ذلك، في محله المناسب، إن شاء اللّه.

ب - بعد عصر الترجمات

تلك، كانت أهم الفرق التي سبقت في الظهور عصر الترجمات. والآن لا بد من استعراض أهم المواقف الفكرية والاعتقادية، التي تولدت عن عصر الترجمات.

لقد سبق أن قلنا، بأن جواً فكرياً مبلبلاً، طغت فيه التساؤلات، عن ذات اللّه وصفاته، بشكل هستيري، لا تحده ضوابط، ولا تقيده قيود هيأ أرضيته عصر الترجمات للتراث الفلسفي اليوناني.

في ظل هذا الجو الفكري المبلبل، برز إلى الوجود فريق، أخذ على عاتقه مهمة الإجابة على تلك التساؤلات، عن معاني الآيات المتشابهة، بتأويله تلك الآيات التي ذكرنا طرفاً منها في مطلع هذه البحوث. وهذا الفريق، هو ما يعرف باسم: المشبهة أو المجسمة.

٣٠

١ - المشبهة

أ - صنفا المشبهة:

والذي يبدو، أن هؤلاء المشبهة، كانوا صنفين:

الأول: جعل التشبيه بين ذات اللّه وبين جسم الإنسان، فقال بأن المعبود «جسم ولحم، ودم. وله جوارح وأعضاء من يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين وأذنين»(١) «وأجازوا عليه - كما يقول الشهرستاني - الانتقال والمصافحة. وحكي عن داود الجواري أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. وقال: ان له وفرة سوداء، وشعراً شديد الجعودة»(٢) :

وقد غلا هؤلاء غلواً فاحشاً، حيث زعم أنه سبعة أشبار بشبر نفسه(٣) .

الثاني: جعل التشبيه في الصفات «وذلك حين زعم بعضهم أن للّه إرادة حادثة، وكلاماً حادثاً مثل ما للإنسان. وحين زعم آخرون، أن اللّه لا يعلم أن الشيء سيكون قبل أن يكون مثله في ذلك مثل الإنسان أيضاً»(٤) .

____________________

(١) و(٢) راجع الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٧٥ وما بعدها.

(٣) و(٤) راجع التبصير في الدين للإسفراييني ٧٠ وما بعدها وكتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي ٦٣ وما بعدها.

٣١

ب - أهم فرق المشبهة:

المنصورية: جماعة أبي منصور العجلي.

الحلولية: جماعة أبي حلمان الدمشقي.

المقنعية: نسبة إلى رجل مقنع ظهر أيام المهدي، وادعى أنه إله.

العزاقرة: نسبة إلى ابن أبي العزاقر الشلمغاني.

المغيرية: نسبة إلى المغيرة بن سعيد العجلي.

الجوارية: نسبة إلى داود الجواري(١) .

ج - وجهة نظر:

وانه لمن الملفت للنظر - حقاً - أن تظهر إلى الوجود، في تلك البيئة الدينية المحافظة جداً. وفي ذلك العصر الذي كانت فيه القيم الروحية، هي التي تحدد سلوك الفرد، وتصبغ تفكيره بصبغتها، حيث لم يكن أحد - من كان - يجرؤ على المجاهرة، ولو بما يستشم منه رائحة الاستهتار أو التهاون بها.

إنه لمن الملفت للنظر حقاً - كما قلت - أن تبرز فجأة، وفي مثل هذه البيئة جماعة من الناس، تدّعي لنفسها حق تأويل الآيات المتشابهة بأهوائها وآرائها، وبما توحيه لها عقولها القاصرة.

ونحن نؤمن - كمسلمين - بحرية الفكر والرأي، إلا أننا نؤمن بها في حدود المعقول، وبشكل يتناسب مع الجو العام، الذي تتواجد فيه هذه الحرية. وبالطرق المتعارفة، التي لا تشذ عن قانون التدرّج.

____________________

(١) وقد ورد في بعض الكتب بالحاء المهملة أي «الحواري».

٣٢

أما الطفرة من أحد طرفي القطر في الدائرة، إلى الطرف الآخر، من دون مرور بمركزها فمستحيلة.

وهذه الفرقة من المشبهة، بظهورها بهذا الشكل، وبهذه الصورة، وبهذه الأفكار، حطمت كل القواعد والأصول المتعارفة، لظهور أية جماعة فكرية أو غيرها في كل زمان ومكان.

أضف إلى ذلك، انها لم تدل بآرائها حول حكم شرعي، أو مشكلة تتعلق بالمخلوق، وإنما تجاوزت ذلك كله، لتفلسف ذات الخالق وصفاته.

ومن هنا كان لا بد، من وضع علامة استفهام كبيرة، مع علامة تعجب على هذه الظاهرة، متمثلة فيما يسمى بالمشبهة أو المجسمة.

وتظهر منطقية موقفنا هذا، إذا اطلعنا على أن التشبيه والتجسيم، لهما جذور في اليهودية، والنصرانية. بل ان اليهود - كما يذكر الرازي -(١) أكثرهم من المشبهة.

وإذا كان الأمر كذلك فليس من البعيد أبداً، أن يكون هؤلاء، المجسمة الذين برزوا على المسرح بهذا الشكل الملفت للنظر، من اعداء الإسلام، والحاقدين عليه، تظاهروا بالإيمان وأبطنوا الكفر، ليقوّضوا دعائم الدين من داخل، وليشكّكوا المسلمين في عقيدتهم، ببثهم مثل هذه الآراء الفاسدة التي - كما يقول الشهرستاني - «لا تدل على عقل ولا علم»(٢) .

ولعله من هنا، عبر عنهم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، بأنهم مجوس هذه الأمة أو يهود هذه الأمة.

____________________

(١) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٦٣ وراجع ما قلناه في هامش ص ٣٤ من هذا الكتاب.

(٢) الملل والنحل ١ / ٧٥ وما بعدها.

٣٣

وقد شعر بعض مفكري الإسلام في تلك الحقبة، بما تنطوي عليه الأفكار التي يبثها هؤلاء المجسمة، من خطورة على العقيدة، وقداستها في العقول والقلوب، فهبوا للوقوف في وجهها، يسفهونها، ويسفهون القائلين بها، ويكتشفون بطلانها وسخفها بالحجج والبراهين. فنشأت بذلك فرقة المعتزلة.

٢ - المعتزلة

أ - مبدأ ظهور المعتزلة كفرقة:

وقد ظهرت هذه الفرقة أول ما ظهرت، في البصرة، متمثلة في شخص واصل بن عطاء، حيث كان من تلاميذ الحسن البصري، ثم انفصل عنه، ليؤسس مدرسة عرفت فيما بعد، بمدرسة الإعتزال بالبصرة. في قبال مدرسة الإعتزال في بغداد، والتي أسسها بعد ذلك تلميذه بشر بن المعتمر الملقب بالهلالي والمكنى بأبي سهل.

ب - سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم:

وقد ذكر مؤرخو الفرق أسباباً مختلفة لتسمية المعتزلة بهذا الإسم، يمكن إرجاعها إلى إثنين:

أولهما : اعتزال واصل بن عطاء، مجلس أستاذه الحسن البصري، لمخالفته بعض آرائه الإعتقادية، وخاصة في مرتكب الكبيرة، إذا مات من غير توبة.

وقد ذكر البغدادي أن عمرو بن عبيد، كان من المؤيدين لواصل في الرأي، فاعتزل الحسن معه.

٣٤

أما الدينوري في عيون الأخبار، فهو ينسب حركة الإعتزال هذه لمجلس الحسن إلى عمرو بن عبيد وجماعة، من دون أن يذكر إسم واصل بن عطاء.

ثانيهما : دعواهم التي ادّعوها، من أنهم اعتزلوا فرقتي الضلالة: الخوارج وأهل الحديث.

هذا، ويمكن أن يشكّل السببان سبباً واحداً، هو أن واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد، أو هما معاً بعد أن خالفا كلاً من أهل الحديث - ومنهم الحسن البصري - والخوارج الرأي في مرتكب الكبيرة، اعتزلا كلتا الفئتين وكوّنا مدرستهما الجديدة، فسموا بالمعتزلة.

ج - بعض أسماء المعتزلة:

وقد أطلقت على المعتزلة، أو أطلقوا هم على أنفسهم، إضافة إلى الإعتزال عدة أسماء أهمها، كما يذكر القاضي عبد الجبار: «العدلية لقولهم بعدل اللّه وحكمته، والموحّدة لقولهم لا قديم مع اللّه.»(١) .

ويقول الشهرستاني «ويسمون - أي المعتزلة - أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية والعدلية»(٢) .

____________________

(١) طبقات المعتزلة.

(٢) الملل والنحل ١ / ٤٣.

٣٥

د - حجتهم على فضل الاعتزال:

واحتج المعتزلة لفضل الإعتزال بأدلة من القرآن والسنة.

فمن القرآن الكريم احتجوا بقوله تعالى على لسان إبراهيمعليه‌السلام ( وَ أَعْتَزِلُکُمْ وَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ أَدْعُو رَبِّي ) (١) .

ومن السنة الشريفة، بما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله «من اعتزل من الشر سقط في الخير»(٢) .

وبما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله بطريق سفيان الثوري «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، ابرّها وأتقاها الفئة المعتزلة»(٣) .

ه‍ - أصول المعتزلة:

وقد قرر المعتزلة أصولاً خمسة، لا يستحق أحد صفة الإعتزال إلا إذا اعتقد بها جميعاً، وهذه الأصول هي:

التوحيد : ومعناه أنه «تعالى واحد في ذاته لا قسمة ولا صفة له. وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود قديمين ومقدور بين قادرين.»(٤)

العدل : وهو عند المعتزلة «ما يقتضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة»(٥) .

____________________

(١) مريم ٤٨.

(٢) و(٣) و(٤) و(٥) القاضي عبد الجبار في طبقات المعتزلة.

٣٦

الوعد والوعيد : ويريدون بهما «أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض... وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار»(١) .

المنزلة بين المنزلتين : ويريدون به أن مرتكب الكبيرة في مرتبة وسط لا هو بمؤمن ولا هو بكافر. وبعبارة أخرى: المسلم الذي ارتكب كبيرة من الكبائر هو في منزلة وسط بين منزلتي الكفر والإيمان.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : وقد ذهب المعتزلة إلى القول بوجوبهما بمقتضى العقل فقط.

هذا، وسوف نلم ببعض آراء هذه المدرسة - على نحو الإجمال - حول هذه الأقوال وغيرها، في مطاوي بحوثنا القادمة إن شاء اللّه.

و - طبقات المعتزلة:

والمعتزلة ككل فرقة أو نحلة، يحاولون أن يبرزوا أحقيتهم فيما يقولون ويعتقدون، بأية صورة، وبكل أسلوب.

ومن هنا نراهم، يجعلون من جملة القائلين بمقالتهم، عظام الرجال وقادة الأمة، مؤوّلين لكل منهم، قولاً صدر عنه، أو موقفاً وقفه، بما يتفق مع عقيدتهم ومذهبهم.

ولذا، نجد القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، أنه يذكر من جملة المعتزلة، علياًعليه‌السلام وغيره كما سنرى.

____________________

(١) الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٤٥.

٣٧

وفي رأيي، أن محاولتهم حشر هذه النماذج بين صفوفهم، وعدها من معتنقي مذهبهم، أمر لا يخلو من سخف وقحة، فضلاً عن أنه يفتح لخصومهم ثغرة ينفذون من خلالها ليضمّوا فضيحة جديدة، إلى ما يرونه لهم من فضائح.

ويصل القاضي عبد الجبار المعتزلي، بطبقات المعتزلة - حسب رأيه - إلى عشر، نذكر أهم رجالات كل طبقة منها، وذلك انسجاماً مع الموضوعية وإن كنا قد بينا رأينا في ذلك، وأنه من السخف بمكان.

الطبقة الأولى : عليعليه‌السلام وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس.

الطبقة الثانية : الحسنعليه‌السلام والحسينعليه‌السلام .

الطبقة الثالثة : الحسن بن الحسن بن عليعليه‌السلام ، عبد اللّه بن الحسن بن عليعليه‌السلام ، زيد بن عليعليه‌السلام .

الطبقة الرابعة : غيلان الدمشقي، واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد.

الطبقة الخامسة :.....

الطبقة السادسة : أبو الهذيل العلاف، أبو إسحاق النظّام، بشر بن المعتمر، معمر بن عباد.

الطبقة السابعة : عمرو بن بحر الجاحظ، أبو يعقوب الشحام، صالح قبة، أبو جعفر الإسكافي، أبو علي الأسواري.

الطبقة الثامنة : أبو علي الجبائي، أبو الحسين الخياط، أبو القاسم الكعبي، ابن الراوندي.

الطبقة التاسعة : أبو هاشم الجبائي.

٣٨

الطبقة العاشرة : أبو القاسم السيرافي، أحمد بن أبي هاشم الجبائي، أبو بكر البخاري.

ز - فرق المعتزلة : ذكر البغدادي، أن فرق المعتزلة عشرون هي:

الواصلية. العمروية.الهذيلية. النظّامية . الأسوارية.المعمرية. البشرية. الهشامية. المَردَارية . الجعفرية وهم أتباع جعفر بن حرب الثقفي وجعفر بن بشر الهمداني. الاسكافية.الثمّامية. الجاحظية . الشجامية.الخياطيّة. الكعبية. الجبائية. البهشمية. الخابطية. الحمارية .

وأما الشهرستاني(١) فقد ذكر منها خمس عشرة فرقة وتكلم على كل واحدة بالتفصيل والفرق التي ذكرها من الفرق المذكورة أعلاه ما طبع بالأسود وزاد واحدة لم تذكر وهي: الحَدْثية.

ح - شيوخ المعتزلة:

وهنا - تتميماً للفائدة، لا بأس من أن نذكر لمحة عن عدد من أشهر شيوخ المعتزلة.

١ - محمد بن الهذيل

يكنى بأبي الهذيل، ويلقب بالعلاف.

والوجه في تلقيبه بالعلاف - كما يذكر القاضي عبد الجبار - هو أن داره كانت بالعلافين، وهي محلة بالبصرة حيث ولد.

____________________

(١) راجع الملل والنحل ١ / ٤٦ - ٨٥.

٣٩

وقد ولد سنة ١٣٥ هجرية، أو قبل ذلك بسنة واحدة على اختلاف الروايتين حول سنة مولده. وتوجد رواية ثالثة لأبي الحسين الخياط، تقول انه ولد سنة ١٣١ هجرية.

وقد كان شيخه الذي أخذ عنه العلم، عثمان الطويل، كما ذكر هو عن نفسه، حسب رواية البغدادي في تاريخه.

ويصفه الشهرستاني بأنه شيخ المعتزلة الأكبر.

بعض آراء العلاف للاعتقادية

أ - رأيه في ذات اللّه وصفاته:

يرى العلاف أن «اللّه واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا صورة، ولا لحم ولا دم، ولا جوهر ولا عرض وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان. ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص»(١) .

وبهذا يتضح أن العلاف يقول بتوحيد اللّه والتوحيد التام المطلق، وينزهه التنزيه المطلق التام، عن كل ما يستشم منه رائحة التجسيم أو التشبيه.

هذا فيما يتعلق بالذات. وأما ما يتعلق بالصفات الإلهية. فإنا نجد أبا الهذيل يقسمها إلى قسمين:(٢) صفات ذات وصفات أفعال.

ويقصد بصفات الذات تلك التي لا يجوز أن يوصف الباري بأضدادها ولا بالقدرة على اضدادها.

____________________

(١) مقالات الإسلاميين للأشعري ١ / ١٥٥ وما بعدها.

(٢) نفس المصدر / ١٦٥ وما بعدها.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212