الشيعة في الميزان

الشيعة في الميزان9%

الشيعة في الميزان مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 419

الشيعة في الميزان
  • البداية
  • السابق
  • 419 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 142052 / تحميل: 9229
الحجم الحجم الحجم
الشيعة في الميزان

الشيعة في الميزان

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

القرآن محدث

قال السنة: القرآن كلام اللّه، وشأن من شؤونه، واللّه قديم، فالقرآن قديم. وقال الإمامية: انه محدث، وليس بقديم، وان اللّه سبحانه خلق الكلام، كما خلق سائر الأشياء، أي أوجد حروفاً وأصواتاً في أجسام دالة على المراد.

تفسير القرآن

من الآيات ما بلغت الغاية من الوضوح، كقوله تعالى «قل هو اللّه أحد. وهو على كل شيء قدير» وهذا النوع يجوز أن يفسره العالم والجاهل، ومنها دون ذلك في الظهور كقوله سبحانه «ويقولون حجراً محجوراً. لا يبغون حولاً» ومثل هذا يجوز أن يفسره من عرف اللغة العربية صناعة وذوقاً دون الجاهل، ومنها المتشابه، وهو ما اشتبهت معانيه، وإنما يقع الاشتباه في أمور الدين - غالباً - كنفي التشبيه والجور عن اللّه جل ثناؤه. وقد بين صاحب مجمع البيان الحكم في المتشابه عند تفسير «وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم» ٧ آل عمران قال: ان الراسخين في العلم هم الضابطون له المتقنون فيه.. ومما يؤيد هذا أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم يتوقفوا بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا اللّه، وكان ابن عباس يقول في هذه الآية: انا من الراسخين في العلم.

ولا تجوز الإمامية لأحد أن يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن إلا إذا درس مع العلوم العربية العلوم الدينية كالأصول والفقه والحديث، ووقف على أسباب النزول، واجتنب الغلو، لأن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومجملاً ومبيناً، فمن الآيات لا يعمل بها مطلقاً، كالآية ٢٤١ البقرة «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إِخراج» فكان على المرأة إذا مات زوجها أن تعتد سنة كاملة بحكم هذه الآية، ثم نسخت بالآية ٢٣٥ البقرة «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً» فاستقر حكم عدة الوفاة على المرأة أربعة أشهر وعشرة أيام. ومن الآيات التي لا يؤخذ بعمومها الآية ١٧٧ البقرة «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر» قال الفقهاء: إِن الأب لا يقتل إذا قتل ولده ظلماً وعدواناً. ومن الآيات المجملة ما ورد في وجوب الصلاة والصوم والزكاة، وما إليها، إِذن من الآيات يجوز أن يفسرها العالم والجاهل، ومنها ما يفسرها العالم الضابط، ومنها يفسرها المجتهد في الفقه.

٢٨١

وقال الإمامية: إن الحديث يفسر ويخصص آيات القرآن، ولا يجوز أن ينسخ آية من آياته، وإنما تنسخ الآية بآية مثلها. والقرآن هو الدليل الأول من الأدلة الأربعة للشريعة، وهي الكتاب والسنة والاجماع والعقل، وعدد آياته نحو ستة آلاف آية، وآيات الأحكام منها نحو خمسمائة، أكثرها في العبادات والأحوال الشخصية.

كتب التفسير للإمامية

وللإمامية عدة كتب في التفسير منها مجمع البيان للطبرسي طبع مراراً، وكتاب التبيان للشيخ الطوسي مطبوع، وتفسير النعماني لمحمد بن ابراهيم، وخلاصة التفاسير لسعيد بن هبة اللّه الراوندي، وآلاء الرحمن للشيخ جواد البلاغي، طبع منه الجزء الأول، وقلائد العقيان في تفسير آيات الأحكام للشيخ أحمد الجزائري مطبوع، وزبدة البيان في تفسير آيات الأحكام لملا أحمد الأردبيلي، وكنز العرفان في آيات الأحكام أيضاً للمقداد بن عبد اللّه السيوري وغيرها *.

_____________________

* - المصادر: مجمع البيان، وشرح التجريد للعلامة الحلي، وتقريرات النائيني للشيخ محمد علي الخراساني، ورسائل الشيخ الأنصاري، والجزء الأول من أعيان الشيعة، والجزء الأول من آلاء الرحمن، وأوائل المقالات للمفيد.

٢٨٢

عِلم الحَديث عِندَ الإمَاميَّة *

الف علماء اللغة كتباً جمعوا فيها ألفاظ المفردات مع بيان معانيها، وكتباً دونوا فيها القواعد العربية كالصرف والنحو، والف الإمامية كتباً لجمع الحديث، وكتباً لرواة الحديث، وكتباً لنقد الحديث، ويحوي النوع الأول المعتقدات والانباء، والأوامر والنواهي، وأنواع المعاملات تتصل بالتسلسل إلى المعصوم، والنوع الثاني يشتمل على أسماء الرواة، فيذكر كل راوٍ باسمه وصفاته، ويسمى هذا علم الرجال، وفي النوع الثالث يذكر فيه النظم العامة والقواعد الكلية لمعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها، ويسمى علم الدراية، والغرض من هذه الأنواع الثلاثة واحد، وهو إِثبات السنة النبوية بالطريق الصحيح.

كتب الحديث

ومن كتب الحديث الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني «ت ٣٢٨ هجري» وفيه ١٦٠٩٩ حديثاً وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن بابويه المعروف بالصدوق «ت ٣٨١ هجري» وفيه ٩٠٤٤ حديثاً وكتاب التهذيب لمحمد بن الحسين الطوسي «ت ٤٦١ هجري» وفيه ١٣٠٩٥ حديثاً، وكتاب الاستبصار للشيخ الطوسي المذكور، وفيه ٥٥١١ حديثاً، وكتاب الوافي المعروف بمحسن الفيض «ت ١٠٩١ هجري» وهو ١٤ جزءاً، وكتاب الوسائل للحر العاملي «ت ١٠٣٣ هجري» وهو ٦ مجلدات وغير ذلك مما يضيق المقام عن ذكره، وهذه الكتب مبوبة مرتبة، يذكر في كل

_____________________

* - نشر في العرفان كانون الأول ١٩٥٤.

٢٨٣

باب جميع ما يتصل به من الأحاديث، والكتب الستة الآنفة الذكر معروضة للبيع مع غيرها في المكتبات العامة بإِيران والعراق.

كتب الرجال

ومن كتب الرجال المطبوعة: كتاب الرجال لأحمد بن علي النجاشي «ت ٤٥٠ هجري» وكتاب الرجال للشيخ الطوسي، وكتاب معالم العلماء لمحمد بن علي بن شهر اشوب «ت ٥٨٨ هجري» وكتاب منهج المقال للميرزا محمد الاسترابادي «١٠٢٠ هجري» وكتاب إتقان المقال للشيخ محمد طه نجف «١٣٢٣ هجري» وكتاب الرجال الكبير للشيخ عبد اللّه المقمقاني من علماء هذا القرن، إلى غير ذلك مما كتب علماء الشيعة في هذا الموضوع.

ومن الكتب المطبوعة في نقد الحديث كتاب البداية في علم الدراية للشيخ زين الدين بن علي العاملي «٩٦٦» وكتاب الوجيزة للشيخ البهائي العاملي «١٠٣٢» وكتاب شرح الوجيزة للسيد حسن الصدر من علماء هذا القرن، وكتاب مقياس الهداية للشيخ عبد اللّه المقمقاني، إلى غير ذلك من الكتب.

أقسام الحديث

وقسم الشيعة الحديث إلى قسمين متواتر، وآحاد، والمتواتر أن ينقله جماعة بلغوا من الكثرة حداً يمتنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب. وهذا النوع من الحديث حجة يجب العمل به. أما حديث الآحاد فهو ما لا ينتهي إلى حد التواتر، سواء أكان الراوي واحداً أم أكثر، وينقسم حديث الآحاد إلى أربعة أقسام:

١ - صحيح، وهو ما إذا كان الراوي إِمامياً ثبتت عدالته بالطريق الصحيح.

٢ - الحسن، وهو ما إذا كان الراوي إمامياً ممدوحاً، ولم ينص أحد على ذمه أو عدالته.

٣ - الموثق، وهو ما إذا كان الراوي مسلماً غير شيعي، ولكنه ثقة أمين في النقل.

٤ - الضعيف وهو غير الأنواع المتقدمة، كما لو كان الراوي غير مسلم أو مسلماً فاسقاً أو مجهول الحال أو لم يذكر في سند الحديث جميع رواته.

٢٨٤

العمل بالحديث

وقد أوجبوا العمل بالحديث الصحيح والحسن والموثق لقوة السند، والاعراض عن الضعيف لضعف السند، ولكنهم قالوا: إن الضعيف يصبح قوياً إذا اشتهر العمل به بين الفقهاء القدامى، لأن أخذهم بالضعيف مع علمنا بورعهم وحرصهم على الدين وقربهم من الصدر الأول يكشف عن وجود قرينة في الواقع اطلع أولئك الفقهاء عليها، وخفيت علينا نحن، ومن شأن هذه القرينة أن تجبر هذا الحديث. وتدل على صدقه في نفسه مع قطع النظر عن الراوي، كما أن القوي يصبح ضعيفاً إذا أهمله الفقهاء القدامى، فإن عدم عملهم به مع أنه منهم على مرأى ومسمع يكشف عن وجود قرينة تستدعي الاعراض عن هذا الحديث بالخصوص، وإن كان الراوي له صادقاً.

ومن علامات وضع الحديث عند الشيعة أن يكون مخالفاً لنص القرآن الكريم، أو لما ثبت في السنة النبوية، أو للعقل، أو ركيكاً غير فصيح، أو يكون إِخباراً عن أمر هام تتوافر الدواعي لنقله، ومع ذلك لم ينقله إلا واحد، أو يكون الراوي مناصراً للحاكم الجائر.

تعارض الحديثين

إذا ورد حديثان، وأثبت أحدهما ما نفاه الآخر، فإن كان أحد الحديثين معتبر السند دون الثاني، أخذنا بالمعتبر وطرحنا غيره، ولا يتحقق التعارض في هذه الحال، وإنما يقع التعارض إذا كان معاً معتبرين بحيث يعمل بكل منهما، لو كان بدون معارض.

٢٨٥

ومتى تم التعارض يؤخذ بأشهر الحديثين، والمراد بالأشهر أن يكون معروفاً عند الرواة، ومدوناً في كتب الحديث أكثر من الطرف الثاني، وإن تساويا بالشهرة، أخذ بالأعدل والأوثق، وقال المرزا النائيني في تقريرات الخراساني «باب التعارض»: ليس المراد بالأعدل والأوثق من كان أكثر زهداً في الدنيا، بل من كان أعدل في صدق القول وأوثق في النقل، وإذا تساويا في الصدق عرض الحديثان على كتاب اللّه، وأخذ بالحديث الموافق دون المخالف، وإذا كانا معاً لا يتنافيان مع ظاهر الكتاب، وتساويا في سائر الجهات، فالقاعدة المستفادة من الأحاديث الثابتة الصحيحة تستدعي التخيير في العمل بأحدهما، وترك الآخر، وقيل: تعارضا تساقطا كما هو الأصل، أي يترك العمل بهما معاً وتصير الواقعة مما لا نص فيها.

وبالتالي إن الإمامية يعتقدون أن الحديث مصدر من مصادر العقيدة الإسلامية، وأصل من أصول الشريعة المحمدية، وإن إِهماله إهمال للدين ومبادئه. لذا كانوا وما زالوا يجدون ويجتهدون في نقد الحديث وتمحيصه والاحتفاظ به، وبكل ما يمت إلى الإسلام بسبب قريب أو بعيد. *

_____________________

* - المصادر: كتاب تأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر، والجزء الأول من أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين. وكتاب منهج المقال للمرزا محمد، وكتاب مقياس الهداية للشيخ عبد اللّه المقمقاني، وتقريرات النائيني للخراساني، ورسائل الشيخ الأنصاري.

٢٨٦

الإجمَاع *

نشأ الاجماع عند المسلمين في المدينة المنورة، وبعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين الصحابة خاصة، ففي عهد الرسول لا مرجع سواه في الأمور الدينية، وفي عهد الصحابة لا فقه ولا فقهاء إلا في المدينة أو منها، فكان من السهل معرفة آراء المجمعين من ذوي القول، لقلتهم والعلم بمكانهم ومكانتهم، وبعد أن اتسعت البلاد الإسلامية، وصار في كل بلد حلقات للدرس، وأقطاب للشرع أصبح الحصول على الإجماع متعذراً أو متعسراً، خاصة أن التأليف والتدوين لم يكن معروفاً ولا مألوفاً في الصدر الأول.

وللإجماع أقسام عديدة، ولكل قسم فروع، ونخص الكلام - هنا - عن أهم الأقسام التي تصلح أصلاً للشرع، ودليلاً للفقيه، وينقسم الإجماع باعتبار الزمان إلى ثلاثة أقسام.

إجماع الصحابة

١ - إِجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعاً على حكم شرعي، وقد أوجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع، واعتباره أصلاً من أصول الشريعة، ولكنهم اختلفوا في الدليل الدال على اعتباره ولزوم الأخذ به، فقال الشيعة: هو حجة، لوجود الإمام مع الصحابة، وقال السنة هو حجة لحديث «ما اجتمعت أمتي على ضلالة» وعلى أي الأحوال فإن النتيجة واحدة، وهي العمل بإجماع الأصحاب عند جميع المذاهب.

_____________________

* - نشر في العرفان عدد شباط ١٩٥٢.

٢٨٧

إجماع أحد الصحابة

أجمع المذاهب الأربعة على العمل بقول أحد الصحابة إذا لم يقم على خلافه دليل من الكتاب أو السنة النبوية، لأنه اعلم بمراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفضل رفقته له، ومشاهدته لعصر التنزيل، فاجتهاده يقدم على اجتهاد المتأخر عنه(١) .

وذهب الغزالي والآمدي والشوكاني إلى أن قول الصحابي ليس بحجة لأن الصحابة أنفسهم اتفقوا على جواز مخالفة كل واحد منهم للآخر في الاجتهاد، وإذا كان قول الصحابي غير حجة عند الصحابة أنفسهم، فكيف يكون حجة بالقياس إلى غيرهم ! وهذا يتفق مع ما عليه الشيعة فتوى ودليلاً.

اجماع العلماء في عصر الصحابة

٢ - اتفاق العلماء في جميع الأمكنة والبلدان الإسلامية في عصر غير عصر الصحابة، والخلفاء الراشدين. أما الإجماع الإقليمي، أي اتفاق خاص، كإِجماع أهل العراق أو أهل الحجاز، فليس موضوعاً للبحث لأنه ليس إِجماعاً في واقع الأمر.

واتفاق علماء عصر واحد أو عصرين في كل مكان هو المراد - في الغالب - من لفظ الإجماع الموجود في كتب الفقه ومحاورة الفقهاء. ويقع الكلام عن هذا الإجماع في جهتين، الأولى في إمكان الاطلاع على فتوى كل عالم بالذات، والجهة الثانية في دليل هذا الاجماع، وحجة اعتباره.

أما الجهة الأولى، وهي الاطلاع على جميع أقوال علماء عصر من العصور في جميع الأمصار فعسير جداً، وخاصة في العصور الأولى، حيث لم يكن التأليف والتصنيف معروفاً، وبعد أن عرف التأليف لم تكن وسائل النشر متوافرة، هذا وليس كل عالم مؤلفاً، على أن التأليف كان مقصوراً على جمع الأحاديث ونقل الروايات من غير فتوى، وابداء رأي المؤلف، ورب فقيه كبير لم يعلم مكانه،

_____________________

(١) كتاب المدخل إلى أصول علم الفقه، للدكتور الدواليبي ص ٢٥٢ و٢٥٣ و٢٥٥.

٢٨٨

وفقيه عرف واشتهر، ولكن لم يعرف رأيه في مسألة خاصة.

مدعي الإجماع

ومن ادعى أو يدعي أنه استقصى أقوال جميع فقهاء عصره أو عصر من تقدم عليه، وأنه اطلع على أقوالهم واحداً فواحداً، من ادعى ذلك فإنه لا يستند في دعواه إلا على الحدس والتخمين، رأى قول بعض العلماء فظن أنه قول الجميع قياساً للغائب على الشاهد، والمجهول على المعلوم، وقد رأيت كثيراً من الفقهاء يسألهم السائل عن حكم قضية هي من صميم الحياة تتصل بالدماء والأموال والأعراض، فيرجعون إلى كتاب من كتب فروع الفقه التي ذكرت الفرع من غير أصله «ولم يسنده المؤلف إلى دليله، ثم يحكم بقول صاحب الكتاب، كأنه كتاب اللّه المنزل، أو سنة نبيه المرسل، وإذا سألته عن الدليل اكتفى بدعوى الإجماع، والذي يظهر للمتتبع أن هذه الطريقة مألوفة عند المتقدمين أيضاً، فقد طعن العلماء على إِجماعات ابن إدريس، وابن زهرة، والشيخ الطوسي، وغيرهم، وقد جمع الشهيد الثاني أربعين مسألة «ادعى فيها الشيخ الإجماع، وهي مورد الخلاف، بل الشيخ نفسه خالف في أكثرها في موارد أخرى وقال العلامة المجلسي في كتاب الصلاة من كتاب البحار «ان الفقهاء لما رجعوا إلى الفروع نسوا ما أسسوه في الأصول فادعوا الإجماع في أكثر المسائل، سواء أظهر فيها الخلاف أم لا، وافق الروايات المنقولة أم لا، حتى أن السيد وأضرابه كثيراً ما يدعون الإجماع فيما يتفردون به» وقال الميرزا حسين النائيني في تقريرات الخراساني «إذا كان الحاكي للإجماع من المتقدمين على العلامة والمحقق والشهيد فلا عبرة بحكايته» والخلاصة أن الإجماع المنقول بلسان أحد العلماء لا يكون دليلاً لحكم شرعي، وإن كان الناقل شيخ الأولين والآخرين، لأن دين اللّه لا يصاب بحدس فقيه وبما يختلج في خياله.

دليل الإجماع

الجهة الثانية: وهي دليل الإجماع استدل السنة على أن الإجماع أصل من أصول الشريعة بحديث من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية، وبحديث لا تجتمع أمتي على ضلالة أو على خطأ. فالإجماع عندهم أصل مستقل بنفسه، مثل الكتاب والسنة.

ويلاحظ عليهم أولاً: أن الاطلاع على أقوال جميع علماء العصر متعذر، كما أسلفنا، ثانياً: وفي حالة إِمكان الاطلاع على أقوالهم جميعاً نتساءل: لو اتفق علماء عصر واحد على خلاف من تقدم عليهم ممن يعتد بقوله، فهل يسمى اتفاقهم هذا إِجماعاً لأمة محمد ؟ كلا. إن إِجماع

٢٨٩

الأمة معناه إجماع العلماء في جميع الأعصار والأمصار، وإِجماع علماء الأمة في كل عصر ومصر لا يرتاب في حجته عاقل، كما يأتي:

أما الشيعة فلم تثق بحديث لا تجتمع أمتي على خطأ، وقالوا: يكون الإجماع حجة إذا كشف عن رأي المعصوم، وعليه لا يكون الإجماع دليلاً مستقلاً، بل يدخل في السنة، أي أن السنة تثبت بالإجماع كما تثبت بقول الثقا من الرواة.

ويلاحظ على قول الشيعة أن الإجماع إِذا حصل في زمن المعصوم يمكن أن يكشف عن قوله، ولكن لا يكون الإجماع هو الدليل، بل الدليل قول المعصوم، وفي زمن غيابه لا يمكن أن يكشف الإجماع عن قول المعصوم بحال، إِذن لا يكون الإجماع دليلاً في كلتا الحالتين، ولذا قال الشيخ الأنصاري في كتابه المعروف بالرسائل «ان السنة هم الأصل للإجماع، وهو الأصل لهم»، ومعنى هذا أن الشيعة لا تعترف بمثل هذا الإجماع.

وحاول بعض العلماء أن يجعل الإجماع أصلاً شرعياً بما قرره من أن اتفاق العلماء، وخاصة المتقدمين القريبين من عصر الأئمة إِذا اتفقوا على حكم ديني مع اختلافهم في كثير من الأحكام وثقتنا بدينهم وعلمهم. أن اتفاقهم - والحالة هذه - يدل دلالة واضحة أن هناك دليلاً صحيحاً معتبراً قد اطلعوا عليه، وخفي علينا، ويرد هذا القول انه يعتمد على الحدس والتخمين والأحكام الشرعية لا تصاب بالحدس.

وبعد هذا البيان يتضح أن الحكم الديني الذي اتفق عليه أهل عصر واحد أو عصرين هو محل للاجتهاد والجدال والنقاش، سواء أقلنا بقول الشيعة أم السنة، وان من خالف مثل هذا الإجماع لا يكون خارجاً على الأصول الشرعية الإسلامية.

إِجماع العلماء في جميع الأعصار والأمصار

إِذا أجمعت علماء المذاهب الإسلامية في جميع الأعصار والأمصار من عهد الرسول الأعظم إلى يومنا هذا على أمر فلا يسوغ مخالفتهم بحال، حيث يصبح الحكم ضرورة دينية حتمية، ومن يخالفه يخرج عن الأصول الإسلامية. أما إِذا أجمع علماء مذهب يكون الحكم ضرورة مذهبية، ومن يخالفه يخرج عن الأصول المذهبية لا الإسلامية.

العاملون بخلاف الإجماع

خالف بعض العلماء المراجع القسم الثاني من الإجماع، أي اتفاق علماء عصر أو أكثر: منهم السيد كاظم صاحب العروة الوثقى، قال في كتاب الملحقات باب الوقف: ان ظاهر إجماع الإمامية على أن الوقف لا يتم إلا مع الصيغة اللفظية الدالة عليه صراحة، لأن لفظ وقفت،

٢٩٠

وتصدقت ورد في حديث أهل البيت، ومع اعتراف السيد بصحة النص، ووجود الإجماع افتى بعدم وجوب الصيغة في الوقف، إستناداً إلى سيرة الناس وعاداتهم، فإنهم يوقفون بلا صيغة، بل بالمعاطاة، ويكون ذلك وقفاً عندهم، فيكون وقفاً في الشرع أيضاً.

ومنهم المرزا حسين النائيني وغيره من العلماء المتأخرين خالفوا إجماع المتقدمين على أن العقود لا يجوز أن تكون معلقة على شيء، فالوكالة باطلة، إذا قلت لإنسان: أنت وكيلي يوم الجمعة في بيع داري، قال النائيني في تقريرات الخونساري «ليس هذا الإجماع تعبدياً - أي لا يجب العمل به - لأن العلماء أبطلوا هذه العقود لتوهم اعتبار التنجيز أو مانعية التعليق».

ومنهم السيد أبو الحسن، حيث قال في الوسيلة الكبرى «إذا قال أحد أهالي السواد جوزت بدل زوجت صح» مخالفاً في ذلك إجماع العلماء على أن صيغة الزواج يجب أن تكون على العربية الفصحى، وكذلك خالف علماء هذا العصر إجماع المتقدمين على اشتراط العربية في صيغ البيع، كما خالف من قبلهم الإجماع على منزوحات البئر.

وممن خالف الإجماع السيد المرتضى وابن زهرة قالا: إذا طلقت اليائس، والصبية المدخول بها التي لم تبلغ التاسعة فعليهما العدة(١) ، ومنهم الصدوق والشيخ الطوسي والعلامة ونجيب الدين بن سعيد قالوا: إذا مات الزوج، ولم يكن هناك وارث إلا الزوجة ترث الربع بالفرض ويرد الباقي عليها مع غيبة الإمام(٢) ، ومنهم الشيخ محمد رضا آل يس قال في كتاب بلغة الراغبين «باب الإرث»: لا عدة على المتوفى عنها زوجها إذا جرى العقد في مرضه الذي مات فيه، ولم يدخل، ومنهم ابن أبي عقيل وابن الجنيد والصدوق قالوا: تحل ذبيحة أهل الكتاب(٣) .

والخلاصة أن إجماع علماء عصر أو عصرين لا يجعل الحكم قطعياً، وضرورة دينية أو مذهبية، بل يكون اجتهادياً ظنياً يقبل الجدال والنقاش، ومن خالفه لا يكون خارجاً عن الأصول الشرعية. والإجماع الذي يجب العمل به، ولا يكون محلاً للاجتهاد هو إجماع الأمة في كل عصر ومصر من عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذا العهد، وعليه يكون الحكم ضرورة من ضرورات الدين.

_____________________

(١) كتاب المسالك للشهيد الثاني «باب الطلاق».

(٢) نفس المصدر «باب الارث».

(٣) نفس المصدر «باب الصيدوالذباحة».

٢٩١

دَليلُ العَقْل *

على المجتهد أن يستخرج أحكامه - قبل كل شيء - من أحد الأدلة الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، فمع وجود واحد منها لا يبقى مجال لدليل العقل، وإذا فقدت جميعها لجأ الفقيه إلى الدليل الرابع.

وكان هذا الدليل في الصدر الأول «فكرة المصلحة»(١) التي تختلف باختلاف الأنظار والآراء، فلم يكن الأصحاب يعرفون القياس، والبراءة، والاستصحاب، وما إلى ذلك من الأصول التي عرفت بعد عصر الصحابة، فكان الصحابي إذا عرضت له مسألة اجتهد برأيه على أساس المصلحة روح الإسلام غير مقيد بضابط خاص، أو قاعدة معينة، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها هذه الفتوى للخليفة الثاني عمر بن الخطاب:

روى مالك أن الضحاك بن قيس ساق خليجاً له، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى فقال له: تمنعني، وهو لك منفعة ! تسقي منه ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فأمر عمر محمداً أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا. قال له عمر: لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك. فقال محمد: لا. فقال له عمر: واللّه ليمرن به ولو على بطنك(٢) .

وبعد عصر الصحابة تركز الاجتهاد على أصول خاصة، وقواعد معينة، وقد اختلفت كلمة المذاهب الإسلامية في تعيين الدليل الرابع.

_____________________

* - نشر في العرفان عدد نيسان ١٩٥٢.

(١) كتاب المدخل إلى علم أصول الفقه ص ٨٣ للدكتور الدواليبي.

(٢) المدخل إلى علم أصول الفقه ص ٢٥٩ للدكتور الدواليبي.

٢٩٢

مذاهب السنة والدليل الرابع

قال الحنفية والمالكية: هو القياس، والاستحسان، والاستصلاح(١) .

وقال الشافعية: هو القياس فحسب، ولا يعتمد على الاستحسان والاستصلاح(٢) وقال الحنبلية هو القياس والاستصلاح(٣) .

والقياس هو إِلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه، إِلحاقه به في الحكم الشرعي لاتحاد بينهما في العلّة(٤) مثلاً نص الشرع على أن الجدة لأم ترث، ولم ينص على الجدة لأب، فنورث الجدة لأب قياساً على الجدة لأم، لأن كلتيهما جدة، وهذا أشبه شيء بقياس المساواة، ومن أدلتهم على اعتبار القياس، قوله تعالى (واعتبروا يا أولي الأبصار)(٥) والشيعة الإمامية منعوا العمل بالقياس، ومن المأثور عنهم، والمشهور على ألسنتهم وفي كتبهم «ليس من مذهبنا القياس» واستثنوا من حرمة العمل بالقياس حالتين: العلة المنصوصة، مثل لا تشرب الخمر، لأنه مسكر، ومفهوم الأولوية، مثل لا تقل لهما أف، والحقيقة انهما ليسا من القياس في شيء، لأن النص في المثال الأول أثبت الحرمة لكل مسكر خمراً كان أو غيره، فالحكم لغير الخمر ثبت بالنص، لا بالقياس، وكذا في المثال الثاني، فإن النص أثبت الحرمة لكلي الاهانة الشاملة للشتم والضرب، وعُبِّر عن العام بأضعف أفراده، وهو التأفيف، للتنبيه على أهمية الطاعة والتأدب مع الوالدين.

أما الاستحسان فقد عرّفه أبو الحسن الكرخي من الأحناف أنه العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي العدول، وقال ابن العربي من المالكية أنه العمل بأقوى الدليلين(٦) وفسره بعضهم بأنه دليل ينقدح

_____________________

(١) المرجع السابق ص ٣٢٣ - ٣٢٦.

(٢) نفس المرجع ص ٣٣٢.

(٣) نفس المرجع ص ٣٣٦.

(٤) نفس المرجع ص ٢٧٩.

(٥) شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني ج ٢ ص ٢١٥ وفلسفة التشريع للأستاذ المحمصاني ١٢٢ طبعة ثانية.

(٦) المدخل إلى علم أصول الفقه ص ٢٧١ - ٢٧٢ للاستاذ الدواليبي.

٢٩٣

في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته(١) .

ولم تستطع هذه التعاريف، ولا غيرها أن تحدد لنا حقيقة الاستحسان، وتبين مراد القائلين به، فهي كما ترى لا نفهم منها معنى معيناً يتميز عن غيره، ويحملنا هذا على الظن أن القائلين بالاستحسان أنفسهم لم يفهموه فهماً صحيحاً يرتكز على أساس معقول.

والأمثلة التي ذكروها للاستحسان مختلفة أشد الاختلاف، فمنها ما تنطبق عليه قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ومنها تنطبق عليه تقديم الأهم على المهم، ومنها ما يدخل في المصالح المرسلة، وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس للاستحسان ضابط معين، وأن اعتماد الفقيه عليه يؤدي إلى الفوضى في الأحكام، ولذا قال الشافعي: من استحسن فقد شرع، أي أحدث شرعاً من قبل نفسه(٢) .

أما الاستصلاح أو المصالح المرسلة فهو أن يُستخرج الحكم من طبيعة المصلحة على شريطة عدم وجود النص، مثل إنشاء الدواوين، وإِقامة المحاكم للفضل بين الناس، وما إلى ذلك مما تستدعيه المصلحة(٣) ولم أَر في أقوال العاملين بالمصالح المرسلة وأمثلتهم ما يتنافى مع شيء من مذهب الشيعة الإمامية، لأنها في الحقيقة تطبيق للقواعد الكلية، والمبادئ الإسلامية عند فقدان النص.

الشيعة الإمامية والدليل الرابع

إِذا أراد الشيعة الإمامية أن يستخرجوا حكماً شرعياً لمسألة تعرض لهم بحثوا - قبل كل شيء - في نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء باذلين أقصى الجهد في الفحص والتنقيب، فاذا وجدوا نصاً خاصاً أو إجماعاً وقفوا عنده وعملوا وإذا لم يجدوا ذلك لجأوا إلى العمومات والقواعد الكلية التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، أو قام عليها الإجماع، مثل أوفوا بالعقود، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي، والولد للفراش، والحدود تدرأ بالشبهات، وكل شرط جائز

_____________________

(١) شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني ص ٢٢٤.

(٢) نفس المرجع والصفحة.

(٣) المدخل إلى علوم أصول الفقه ص ٢٧٣ - ٢٧٧ وما بعدها للأستاذ الدواليبي.

٢٩٤

إلا ما حلل حراماً أو حرم حلالاً، وما إلى ذلك، فإذا جهلوا حكم معاملة وقعت بين اثنين، وانه هل يجب الوفاء بالعقد الذي اتفقا عليه أو لا يجب ؟ حكموا بوجوب الوفاء تمسكاً بعموم أوفوا بالعقود، وإذا حامت الظنون حول مولود ولد من زوجة شرعية، حامت أنه ولد الزوج الشرعي أو غيره حكموا بأنه ابن شرعي للزوج عملاً بعموم الولد للفراش، وإذا ترددوا في جواز قتل مجرم، حقنوا دمه أخذاً بحديث الحدود تدرأ بالشبهات، وإذا تلف مال الغير في يد إنسان، حكموا عليه بدفع البدل من المثل أو القيمة حتى يقوم الدليل على العكس، وإذا اشترط إنسان على نفسه شرطاً محللاً، ألزموه به استناداً إلى حديث كل شرط جائز إلا ما يحلل حراماً أو يحرم حلالاً، ومتى أعوزهم الإجماع والنصوص الخاصة والعامة لجأوا إلى الدليل الرابع، وهو عندهم الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وهذه الأصول الأربعة تشترك جميعها بأنها وظيفة الجاهل بحكم الواقعة بسبب فقدان النص والإجماع، قالوا: إن المجتهد لو طبق عمله على مؤداها يكون معذوراً عند اللّه والناس غير مستحق للوم ولا عقاب أخطأ أم أصاب.

ومعنى الاستصحاب هو الأخذ بالحالة السابقة إلى أن يثبت العكس - مثلاً - استأجر زيد داراً من عمرو، وسكن فيها عشرات السنين حال حياة عمرو، ثم توفي عمرو، فطالب ورثته زيداً بالاجار، فقال: إني تملكت الدار من أبيكم، وسكنتها أمداً طويلاً في حياته دون أن أدفع له درهماً واحداً، لأنها انتقلت إلي بطريق مشروع، فهذ القول لا يسمع من زيد، وذلك عملاً بالاستصحاب، أي كنا نعلم أن زيداً وضع يده على الدار في بدء الأمر على سبيل الاجار، فنأخذ بالحالة الأولى لليد إلى أن تقوم البينة المعاكسة، فكما علمنا بالاجار السابق يجب أن نعلم بحدوث الملك اللاحق، لأن العلم لا يرفعه إلا العلم، والحجة لا تدفع إلا بالحجة، وهذا معنى قول الإمام الصادق ع «من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك ان اليقين لا ينقضه إلا اليقين».

أما أصل البراءة فمورده الشك بالتكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة، كحضور الأفلام السينمائية، وتسجيل الأصوات، وما إلى ذلك من المواضيع التي وجدت بعد عصر التشريع، والتي ستوجد، فنحكم بإِباحتها استناداً إلى ما ثبت شرعاً من أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي، وعقلاً من أن العقاب بلا بيان قبيح.

٢٩٥

أما الاحتياط فواجب مع العلم بوجود التكليف الملزم، واشتباه الشيء المكلف به مردداً بين أمرين أو أمور محصورة، كما لو علمنا أن شفاء المريض في شيء من شيئين، أحدهما ينفعه، والآخر لا يضره ولا ينفعه، ولم نستطع التمييز بين الاثنين، فيجب - والحالة هذه - الاحتياط بشربهما معاً، أو علمنا أن هناك أمرين، أحدهما يضره، والآخر لا يضره ولا ينفعه، وعليه يجب تركهما معاً، فالاحتياط يكون بالفعل كما يكون بالترك، ومستند الاحتياط حكم العقل بوجوب دفع الضرر والبعد عنه.

اما التخيير فواجب فيما إِذا تردد فعل بين أن يكون إِما واجباً لا يجوز تركه، وإِما محرماً لا يجوز فعله، كما لو علمنا أن إنساناً حلف على شيء، ولكن لم يتذكر أنه حلف على فعله يوم الجمعة مثلاً أو على تركه، فيختار - والحالة هذه - الفعل أو الترك، أو فيما إذا كان هناك واجبان متساويان في الأهمية، ولا يستطيع المكلف الإتيان بهما معاً، فيختار حينئذ فعل أحدهما وترك الآخر، أو فيما إذا علم المكلف بوجوب أحد شيئين، وحرمة الآخر، وعجز عن التمييز بين الواجب والمحرم، فيختار أيضاً فعل أيهما شاء وترك الآخر، لأنه إن تركهما معاً يقع في المخالفة القطعية بترك الواجب، وإن فعلهما معاً يقع فيها بفعل المحرم، وإن فعل أحدهما دون الآخر يحتمل أن الذي أتى به هو الواجب، وبذلك يحصل الفرار من المخالفة القطعية إلى الموافقة الاحتمالية(١) ومعنى المخالفة القطعية أن يعلم الإنسان أنه خالف الحق والواقع يقيناً، خالفه بتركه الواجب، أو بفعله المحرم، ومعنى الموافقة الاحتمالية أن يحصل له هذا العلم.

وقد أخذت مذاهب السنة بالاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير في كثير من الموارد كما أخذت الشيعة بالاستصلاح والعلة المنصوصة ومفهوم الموافقة، ولكن أركان الدليل الرابع وأقسامه الرئيسية عند أولئك هي القياس والاستحسان والاستصلاح، وعند هؤلاء الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير.

_____________________

(١) رسائل الأنصاري المطلب الثالث من باب الشك في المكلف به.

٢٩٦

نكتفي بهذه الإشارة إلى أقوال المذاهب تاركين التفصيل في بيان الشروط والأقسام، والمقارنة، لأن المقام لا يتسع للمزيد، فقد وضع علماء الأصول من السنة والشيعة في هذا الدليل كتباً ضخمة مستقلة، على أن غرضنا ينحصر هنا في التعريف بالدليل الرابع فحسب، لنثبت أنه من أبرز مظاهر الاجتهاد، ولهذا سمي بالدليل الاجتهادي.

وقد وجد علماء الشيعة فيه ميداناً فسيحاً لاجتهادهم، فأحدث المتأخرون قواعد فقهية جديدة، وعدلوا كثيراً من القواعد القديمة، فنفوا أحكاماً أثبتها المتقدمون، وأثبتوا أحكاماً لم يعرفها أحد ممن سبقهم، قلّموا وطعَّموا جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات فمن القواعد التي اكتشفوها من عهد قريب: قاعدة مجهول التاريخ(١) والأصل المثبت وقاعدة اليقين، والشبهة المصداقية(٢) ، وما إلى ذلك مما يصدق عليه بحق أنه فقه جديد بالقياس إلى فقه المتقدمين، وهذا كتاب رسائل الشيخ الأنصاري، وكفاية الخراساني، وتقريرات النائيني دليل على هذه الحقيقة.

والخلاصة أن الاجتهاد يكون مع وجود الأدلة الأربعة، فمع نصوص القرآن يكون في الفهم والاستنباط، ومع السنة يكون في سند الحديث، وفهم ألفاظه، ويكون في الإجماع في إِمكان تحققه، وفي عدم الأخذ به إذا علم سببه، وإذا حصل في عصر أو عصرين، أما الدليل الرابع فكما قدمنا من أبرز مظاهر الاجتهاد، حيث لا نص ولا إِجماع.

على هذا الأساس، أساس الاجتهاد في فهم الأدلة الأربعة، والعمل بمقتضاها نستخرج أحكاماً شرعية تتلاءم مع طبيعة الحياة، ولا تتنافى مع شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإِجماع الأمة ودليل العقل، وبهذا المقياس نقيس جملة من الأحكام الموجودة في كتب الفقه، فننفي منها ما تأباه الضرورة، ولا يدل عليه دليل شرعي، ونقر ما أقرته الحاجة والشريعة الإسلامية.

_____________________

(١) قاعدة مجهول التاريخ نشرت مفصلة بجميع أقسامها وأحكامها في النشرة القضائية لوزارة العدلية اللبنانية عدد آب سنة ١٩٥١.

(٢) الأصل المثبت، وقاعدة اليقين، والشبهة المصداقية نشرت مفصلة في مجلة رسالة الإسلام المصرية بعنوان أصول الفقه بين القديم والجديد عدد رمضان ١٣٦٩ هجري.

٢٩٧

الإمَامَة عِندَ الشِّيعَة الإماميَّة

الإمامة

تجمع الرئاسة الزمنية والدينية لرجل يتولاهما خلافة عن النبي ص فالسلطات بكاملها تنحصر بالإمام وهو وحده يعين القضاة والولاة وقادة الجيش وأئمة الصلاة، وجباة الأموال وسائر الموظفين، يعينهم بمرسوم خاص أو بقانون أو بواسطة نائب عنه يخول له ذلك.

الأقوال في الإمامة

اختلف المسلمون في وجوب نصب الإمام بعد النبي وعدم وجوبه، وافترقوا في ذلك إلى فرق. قال الشيعة: يجب على اللّه أن ينصب إماماً للناس. وقال السنة: لا يجب ذلك على اللّه، وإنما يجب على الناس. وقال الخوارج: لا يجب نصب الإمام مطلقاً، لا على اللّه ولا على الناس.

قال القوشجي(١) من علماء السنة في كتاب شرح التجريد:

استدل أهل السنة على قولهم بإجماع الصحابة، وهو العمدة، حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول ص وكذا عقيب موت كل إمام، روي لما توفي النبي خطب أبو بكر، فقال: يا أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر من يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم اللّه.

_____________________

(١) هو علاء الدين علي بن محمد، وله عدة كتب، وهو الذي أكمل رصد سمرقند المشهور بالزيج الجديد، توفي في قسطنطينية ٨٧٩ هجري.

٢٩٨

فبادروا من كل جانب، وقالوا: صدقت، لكننا ننظر في هذا الأمر، ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى إمام.

واستدل الخوارج على عدم وجوب نصب الإمام بأن نصبه يستدعي إثارة الفتن والحروب، لأن كل حزب يؤيد واحداً منه، واتفاق جميع الأحزاب على رجل معين بعيد جداً، فالأولى سد الباب، على أنه لو أمكن اتفاق الكلمة على تعيين من يستجمع الشروط بكاملها جاز أن ينصبوه إماماً لهم.

واستدل الشيعة الإمامية على أن الاختيار في تنصيب الإمام للّه وحده بوجوه الأول: بأن تنصيبه لطف من اللّه في حق عباده، لأن الإمام يقربهم من الطاعة بإرشادهم إليها وحثهم عليها، ويبعدهم عن المعصية بنهيهم عنها وتخويفهم من عواقبها، واللطف منه واجب، فيكون تعيين الإمام وتنصيبه واجباً عليه.

وقال المحقق الأردبيلي(١) : لطف الإمامة يتم بأمور منها ما يجب على اللّه تعالى، وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم، والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله اللّه، ومنها ما يجب على الإمام، وهو تحمله الإمامة وقبوله لها، وهذا قد فعله الإمام، ومنها ما يجب على الرعية، وهو مساعدته وقبول أوامره، وهذا لم تفعله الرعية، فكان منع اللطف منهم لا من اللّه ولا من الإمام.

الثاني: أن اللّه ورسوله قد بينا جميع الأحكام حقيرها وخطيرها، ولم يهملا شيئاً من أقوال العباد وافعالهم إلا بينا حكمه بلفظ خاص أو عام، فكيف يترك بيان هذا المنصب الهام الذي تتعلق به جميع الشؤون الدنيوية والأخروية.

الثالث: أن اختيار النبي بيد اللّه، لأن النبوة سر لا يطلع عليه سواه، فهو وحده يعلم حيث يجعل رسالته، كذلك اختيار الإمام يرجع إلى اللّه، لأن الإمامة سر أيضاً لا يطلع عليه إلا هو، بالنظر لخطرها ونيابتها عن النبوة.

صفات الإمام

يشترط الشيعة الإمامية أن يكون الإمام معصوماً، لأن الغاية من وجوده ارشاد الناس إلى الحق، وردعهم عن الباطل. فلو جاز عليه الخطأ في الأحكام، أو المعصية

_____________________

(١) هو أحمد بن محمد الأردبيلي من أعظم علماء الإمامية ومراجعهم الدينية، ولأقواله وكتبه عندهم شأن كبير توفي سنة ٩٩٣ هجري.

٢٩٩

لكان كمن يطهر المكروب بمكروب مثله. وأن يكون أفضل من رعيته علماً وخُلقاً، لأنه لو لم يكن أفضل الجميع فلا يخلو اما أن يكون غيره أفضل منه، واما أن يكون مساوياً له في الفضل، والأول يستدعي تقديم المفضول على الفاضل، والتلميذ على الاستاذ، وهو قبيح عقلاً وشرعاً بدليل الآية ٣٥ من سورة يونس «أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى، فما لكم كيف تحكمون». والثاني ترجيح بلا مرجح، وهو عبث تعالى اللّه عنه، فتعين القول بالأفضلية المطلقة.

من هو الإمام بعد النبي

بعد أن أوجب الشيعة الإمامية النص من اللّه على الإمام قالوا: ثبت النص على علي بالخلافة بعد الرسول من القرآن الكريم والسنة النبوية، فمن القرآن الآية ٥٥ من سورة المائدة «إنما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» فقد نزلت في حق علي باتفاق المفسرين حين أعطى السائل خاتمه، وهو راكع في صلاته، وللولاية معان عديدة، والمراد منها في هذه الآية ولاية التصرف في أمور المسلمين بقرينة سوق الكلام، وعليه تكون نسبة الولاية إلى علي كنسبتها إلى النبي ص. ومن السنة: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى. من كنت مولاه فعلي مولاه. أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعد.. إلى غير ذلك من الأحاديث».

بقية الأئمة:

قال الشيعة الإمامية الاثنا عشرية: إن الإمام بعد علي ولده الحسن ثم الحسين ثم ولده علي ثم ولده محمد ثم ولده جعفر ثم ولده الكاظم ثم ولده الرضا ثم ولده الجواد ثم ولده علي ثم ولده الحسن ثم ولده محمد المنتظر سلام اللّه عليهم جميعاً مستدلين بقول النبي للحسين ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، وبالنص الثابت من كل إمام سابق على ما بعده.

هذه كلمة موجزة أردنا بها الإشارة إلى جهة الموضوع، ولم نرد شرحه وتفصيله في هذا المقام، وما زال الإمامية منذ أكثر من ألف سنة يؤلفون في الإمامة الكتب المطولة والمختصرة، وينشرون الرسائل والمقالات، ويتلون فيها الخطب والمحاضرات في المحافل وعلى المنابر، وينظمون الدواوين والقصائد، وأوسع كتاب في هذا الموضوع - حسب ما أظن - كتاب الشافي للشريف المرتضى، فقد جمع فيه أقوال المؤيدين والمفندين، وما قيل أو يمكن أن يقال حول الإمامة، ومن جاء بعده أخذ عنه.

وهو مطبوع يعرض للبيع في مكاتب إيران والعراق.

٣٠٠

الإمَام

لأي صفة يتسع هذا المقام إذا حاولت التعبير عن بعض صفات الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ! ألزهده وعدله، أو لعقله وعلمه، أو لشجاعته وكرمه، أو لتواضعه وعفوه، أو لتضحيته وخدماته، أو لفصاحته وبلاغته !.

وهل يحتاج الكاتب عن هذه الشخصية إلى الاستشهاد بقول مستشرق غربي، أو مؤرخ شرقي!. هل يحتاج إلى نقل الرواة ثقة عن ثقة، ويبحث في سند الرواية ونصوصها، ثم يجهد الفكر في الاستنباط والتأويل والتخريج !. كلا، ليس الكاتب بحاجة إلى شيء من هذا، فلا مدعي ومنكر، كي نلجأ إلى طرق الاثبات والاقناع، ولا اجتهاد وتقليد، كي يفحص المجتهد عن الدليل، والمقلد عمن يوثق بقوله.

نشأ الإمام في محيط يعبد الاصنام، وما سجد لصنم، وافتتح حياته بالجهاد ضد الشرك والالحاد، والبغي والاستبداد، بات على فراش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله معرضاً نفسه للقتل فداء للرسول الأعظم، وقتل يوم بدر صناديد قريش، منهم الوليد وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن سعيد، وحقق اللّه على يد الرسول ويده أول عز للإسلام والمسلمين، وقتل يوم اُحد جماعة من الأعداء، منهم طلحة بن طلحة وبني عبد الدار أصحاب الراية، وقتل في وقعة خيبر مرحبا بطل اليهود، ويوم الخندق عمرو بن ود الذي كان يقوم بألف رجل، قاتل وقتل هؤلاء وغيرهم لا لسلطان ولا لمال ولا أخذاً بثأر، قاتلهم بعد أن جحدوا إِله العالمين، واستعلوا على البائسين، واستعبدوا المستضعفين، قاتلهم بعد أن دعاهم إلى الحق فرفضوه، فلم ير لهم دواء إلا السيف فأعمله في رقابهم، وشفى صدور قوم مؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم.

وقد اعتاد الناس أن يقولوا: أنت كريم لمن سرق ألفاً، وبذل منه واحداً، بل اعتادوا أن يلقبوه بالمحسن الكبير. إِذن بأي لفظ نعبر عمن بذل حياته وجميع ما يملك للناس، بقي الإمام هو وزوجته بنت الرسول، وولداه الحسنان ثلاثة أيام لا يذوقون شيئاً، حيث آثروا بطعامهم على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وباع حديقة لا يملك غيرها باثني عشر ألف درهم وزعها على المحتاجين، ولم يبق لأهله درهماً واحداً، وهم أحوج من يكون إلى المال.

واعتاد الناس أن يقولوا للرئيس: أنت عادل، وإن عاش في النعمة والترف، وشعبه في البؤس والشقاء، إذن بأي لفظ نعبر عن الإمام، وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض في الكوفة، وسكن في كوخ مع الفقراء، وهو خليفة المسلمين، وامتنع عن أكل الطيبات، لأن في أطراف مملكته من لا

٣٠١

عهد له بالشبع، ولا طمع له بالقرص.

قال له العلاء الحارثي: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصماً. قال: ماله ؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال: عليّ به، فلما جاء قال: يا عدو نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى اللّه أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها !. أنت أهون على اللّه من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك. قال: ويحك، إِني لست كأنت، إن اللّه فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس.

بهذا القياس، بالشعب بالضعفاء والمساكين والفقراء قاس الإمام، وهو الحاكم المطلق، نفسه وأخاه عقيلاً وولديه حسناً وحسيناً، فلقد شمل عدله القريب والبعيد، والعدو والصديق، كما شمل الغيث المؤمن والملحد، بل شمل عدله الحيوان كما شمل الإنسان، فكان يوصي من في يده إِبل الصدقة أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، وأن لا يبالغ في حلبها خشية أن يضر ذلك بولدها، وأن لا يركب ناقة ويدع غيرها، بل يعدل بينها في الركوب، وبين صواحباتها، فيا للعدالة المساواة تشمل الأحياء جميعاً، مساواة بين أفراد الحيوان، فضلاً عن أبناء الإنسان.

أما العفو فهو فوق العدل، وعفو الإمام فوق كل عفو، قد يعفو الإنسان عمن يسيء إليه بكلمة نابية، أو يعتدي على بعض ما يملك، أما الإمام فقد ظفر بألد أعدائه مروان بن الحكم وعمرو بن العاص فعفا عنهما، وكل واحد منهما أخطر عليه من جيش بخاصة ابن العاص، وحال جند معاوية بينه وبين الماء في صفين، وقالوا له: لن تذوق الماء حتى تموت عطشاً، فأجلاهم عنه، وسقاهم منه، وأوصى بقاتله ابن ملجم خيراً، وقال لأهله: اعفوا هو أقرب للتقوى.

أما علمه فقد ملأت أقواله كتب اللغة بشتى فروعها، وكتب الفلسفة والأخلاق والفقه بخاصة القضاء، وهو أول رجل في الإسلام، وربما في العالم وضع العلماء كتباً مستقلة في قضائه، وقوله الفصل والحجة القاطعة في ذلك كله، وبكلمة متى ثبت القول عن علي فلا يسأل عن قول سواه، لأنه ينطق بلسان الرسول الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى. وأجمع وأروع كلمة قيلت في وصف الإمام هي كلمة صاحبه ضرار، حيث قال له معاوية: صف لي علياً، فقال: كان بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحدته، كان واللّه عزيز الدمعة، طويل الفكرة،

٣٠٢

يقلب كفيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ونحن واللّه مع تقريبه لنا، ودنوه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، وإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه، وهو يقول: يا دنيا اليَّ تعرضت، أم إليَّ تشوقت: هيهات هيهات غري غيري، لا حين حينك، فقد طلقتك ثلاثاً، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطبك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق(١) .

وبالتالي فلا أريد مما قدمت أن أمهد لذكر فضائل الإمام ومناقبه، وإنما غرضي الوحيد أن أبين أن الولاء للإمام هو ولاء للإنسانية والحق والعدالة، ولا

_____________________

(١) كتاب حديقة الأفراح، لأحمد الشرواني ص ٤٣ طبعة سنة ١٢٩٨ هجرية.

٣٠٣

استدل على ذلك بنص ولا أصل ولا إجماع، وإنما أحيل من يطالبني بالدليل إلى سيرة الإمام وتاريخه، ثم يحكم بما يوحيه عقله وضميره، بل أحيله إلى سيرة الأمويين مع الإمام، وسيعلم من حقدهم عليه، واغراقهم في بغضه مكانته من الحق، لأنهم أعداؤه الألداء، وخصومه الأشداء.

قيل لمعاوية: قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن هذا الرجل، فقال: لا واللّه، حتى يربو عليها الصغير، ويهرم الكبير، هذا قول من وصف بالحلم الذي ورثه عن أمه هند، فكيف بغير الحليم منهم !.

المنَاجَاة *

لقد بذل الأئمة الهداة (ع) أقصى ما لديهم من جهد ليُخلّقوا شيعتهم بأخلاقهم، ويقصدوا بهم قصدهم، وسلكوا لذلك كل سبيل، ولم يقتصروا على إلقاء الخطب والمواعظ، والدروس والمحاضرات، وضرب الأمثال والحكم، وإيراد القصص والحكايات، بل أوجدوا لهم آثاراً أخرى من غير هذا النوع، وغير الأساليب المألوفة في فن التربية الحديثة ودور المعلمين والمعلمات وعنوا بها عناية خاصة، لأنها أجدى وأبلغ في التأثير والتهذيب.

وقد اصطلح الشيعة على تسمية تلك الآثار التي لا يقدر قدرها إِلا من فتح اللّه عليه باب علمه وهدايته، اصطلحوا على تسميتها بالأدعية والزيارات، ولكنها في واقع الأمر إِشراق إلهي يكمل ما في النفس البشرية من نقص، ويطهر ما فيها من رجس، ويصلح ما فيها من فساد، هي وحي ما في ذلك شك، ولكنها وحي المحبة والإخلاص، وفيض الضمير والوجدان الحي أراد أئمة الشيعة أن يجردوا من كل نفس رقيباً ملازماً لها في السر والعلانية مسيطراً عليها سيطرة السيد على عبده والقائد على جنده يقربها من الطاعة ويبعدها عن المعصية، فسنوا لأتباعهم أدعية ومناجاة رتبوها على الأيام والأوقات، وأمروهم بتكرارها ومعاودتها حتى تصبح لهم طبيعة ثانية: فدعاء للصباح، وآخر للمساء، وفي كل يوم من أيام الشهر، وفي كل ليلة من ليالي الجمعة دعاء خاص، ولكل من رجب وشعبان ورمضان ولياليه عشية وسحراً وأيامه ظهراً وعصراً أدعية معينة، وأودعوا هذه

_____________________

* - نشر في العرفان أيار ١٩٥٠ بعنوان قرآن رقم ٢ عند الإمامية، وابدلت العنوان هنا، لأن جماعة من الأفاضل انتقدوه.

٣٠٤

الأوراد مكارم الأخلاق بكاملها، وعلى الأصح أودعوها أخلاقهم الكريمة بالذات، وهي لا تعد ولا تحصى، وقد جمعها علماء الإمامية في كتب خاصة، منها الصحيفة السجادية، والاقبال لابن طاووس، ومصباح الكفعمي، وجامع الأدعية والزيارات نذكر منها في مقامنا هذا بعض الفقرات على سبيل الشاهد والمثال:

«ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلية أزالت قدمي.. إِلا هي لعلك رأيتني مستخفاً بحقك فأقصيتني، أو لعلك رأيتني معرضاً عنك فقليتني، أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني، أو رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني، أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني، أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني، أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني، أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني.. اللهم ألبسني زينة المتقين في بسط العدل وكظم الغيظ، وحسن السيرة، والسبق إلى الفضيلة، والقول بالحق وإن عز، والصمت عن الباطل وإِن نفع، واستقلال الخير وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قل من قولي وفعلي.. اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمني والتظني والحسد ذكراً لعظمتك، وتفكيراً في قدرتك، وما أجرى على لساني من لفظة فحش أو هجر أو شتم عرض أو شهادة باطل أو اغتياب غائب أو سب حاضر نطقاً بالحمد لك، وإغراقاً في الثناء عليك.. اللهم الحقني بصالح من مضى، واجعلني من صالح من بقي، وخذ بي سبيل الصالحين.. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والفشل والهم والحزن والجبن والبخل والغفلة والقسوة والذلة والمسكنة والفقر والفاقة، وأعوذ بك من نفس لا تقنع، وبطن لا يشبع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، وعمل لا ينفع، وصلاة لا ترفع».

فهل ترى وسيلة أيسر من هذه الوسيلة، وأبعدها أثراً وأعمها نفعاً ؟ وهل ترى شيئاً أقرب إلى النفس، وأدنى من القلب والعقل من هذه الخشية والسكينة ؟ وهل ادعى إلى التفكير والتأمل والرجوع بالنفس، إلى بارئها من هذا الشعور الديني الذي يبعث في القلب رغبة ورهبة وحناناً ورحمة.

إن هذا النحو من التأديب لم يكتشفه فن التربية الحديثة بعد ولم تهتد إليه رجاله الاخصائيون، فلم يكتف الإمام بتعداد المساوئ، وإضافة كل سيئة إلى نتيجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها بحال، وإنما علم الإنسان كيف يتصل بخالقه رأساً ومن غير واسطة، وكيف يخلد إلى ضميره

٣٠٥

ووجدانه، ويعكف على نفسه فيهذبها ويجرد منها وازعاً يقف سداً بينها وبين شهواتها واندفاعاتها، متجهاً بها إلى الخير والكمال، ناهجاً السعادة والفضيلة.

على هذا الأساس، أساس الشعور باللّه وبالخير المطلق، والتجرد من الشهوات والأهواء وتهذيب الأخلاق والطباع، وتثقيف العقول والمواهب. على هذا الأساس أراد أئمة الشيعة أن يقيموا بنيان الإنسانية لتسيطر المحبة والعدالة، ويعم الأمن والسلام.

وقعت البشرية في أشد مما هي فيه اليوم من الجهل والعدوان وإفشاء الرذيلة والفحشاء، ولم تنشلها من تلك الهوة السحيقة العميقة القنابل والطائرات، إن هذه تزيد المشاكل تعقداً وتقف حجرة عثرة في سبيل الصلاح والإصلاح لأن الأدواء والأوباء لا تعالج بإِيجاد اسبابها الباعثة على نموها وانتشارها. لقد وقع العالم في شر مما هو فيه الآن، فكان خلاصه على يد الرسل والأنبياء، رسل الرحمة والسلام، وانبياء الإنسانية والعدالة، إن احياء روح الفضيلة في النفوس هي السبيل الوحيدة الموصلة إلى الراحة وحسن العاقبة والسعادة في الدنيا والآخرة.

ليس الغرض من هذه الأوراد التقرب إلى اللّه سبحانه بتلاوتها وترديد ألفاظها، وإنما القصد أن نتفهم معانيها ومغازيها، فتغمر بها نفوسنا، ويستغرق بها تفكيرنا، لنعمل جاهدين معتقدين أن من ورائنا قوة خفية تراقب وتحاسب، فتعين المخلص على جهاده، وتمهد له سبيل النجاح، وتشجعه على المضي والنشاط:

«ربي قوّ على خدمتك جوارحي، واشدد على العزيمة جوانحي وهب لي الجد في خشيتك، والدوام في الاتصال بخدمتك، حتى أسرع إليك في ميادين السابقين، واشتاق إلى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنو المخلصين، واخافك مخافة الموقنين».

وهل القرب من اللّه غير الجهاد في سبيل الصالح العام ؟ وهل السباق في ميادين اللّه غير المسارعة إلى الفضائل والخيرات ؟ وهل الاتصال بخدمة اللّه غير المثابرة على العمل الذي يعود بالنفع عليك وعلى أهلك وأطفالك ؟

«اللهم أعطني السعة في الرزق، والأمن في الوطن، وقرة العين في الأهل والمال والولد والصحة في الجسم والقوة في البدن والسلامة في الدين».

إن هذه ثمرات ينتجها السعي مع التوكل على الواحد الأحد، وهل تجد شيئاً أمس بالعاطفة، وأسرع تأثيراً وإنفعالاً من قول الإمام زين العابدين (ع): «اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعل أوسع رزقك عليّ إذا كبرت، واحسن أيامي يوم ألقاك».

٣٠٦

وأي حرمة أو هيبة للمرء عند زوجه وأولاده إذا شاب رأسه وقل ماله ؟ ولا يوم كيومه الأخير الذي عليه مدار سعادته أو شقائه الابديين.

وبعد، فإن هذه الكنوز ليست بأدعية ولا أوراد فحسب، وإنما هي كتاب الدهر ومدرسة الحياة، وثروة القلب والعقل، فيجب أن يقرأها المؤمن والملحد، لأنها الوازع الوجداني في هذه الحياة، فضلاً عما فيها من لذة ومتعة وجمال.

كان الشيعة الإمامية منذ عهد أئمتهم إلى زمن قريب يحافظون على هذه الآثار ذكوراً وإناثاً كباراً وصغاراً، يجثمون في المساجد وفي البيوت يكررونها خاشعين متضرعين، فيشعر كل واحد أنه خلق لعمل الخير لا للشر، ووجد للطاعة لا للمعصية، ثم أهملوها كما أهملوا غيرها من الشعائر والعادات المقدسة التي كانوا بها مثلاً أعلى لصدق الإيمان ورسوخ العقيدة.

التقيَّة

قال ابن أبي الحديد في أول الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة ما يتلخص بأن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى عماله برئت الذمة ممن يروي شيئاً في فضائل علي وأهل بيته، وأن يمحوا اسم كل شيعي من دواوين العطاء، وينكلوا به، ويهدموا داره، وامتثل العمال أمر سيدهم، فقتلوا الشيعة تحت كل حجر ومدر، وطردوهم وشردوهم، وقطعوا الأيدي والأرجل، وسملوا الأعين، وصلبوهم على جذع النخل. وزاد الضغط بعد معاوية أضعافاً، وبالأخص في ولاية عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين، وولاية الحجاج «بن يوسف» حيث قتل الشيعة كل قتلة، وأخذوا بكل ظنة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعي.

ومن هذا الضغط التزم الشيعة طريق (التقية). ومعناها عندهم الحيطة والحذر من القوي الظالم الذي يأخذ المتهم دون أن يحاكمه ويأذن له بالدفاع عن نفسه.

واليوم لا أثر للتقية عند الشيعة حيث لا خوف عليهم، ولا هم يرهبون.

واستدلوا على تشريع التقية بالآية ١٠٦ النحل «إِلا من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان». قال المفسرون في سبب نزولها: إِن المشركين آذوا عمار بن ياسر، وقسوا عليه، وأكرهوه على قول السوء بحق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعطاهم ما أرادوا، فوصل خبره إلى الرسول، وهو مع جماعة من أصحابه، فقال بعضهم: كفر عمار، فأجابه الرسول: كلا، إِن عماراً يغمره الإيمان من قرنه إلى قدمه، ودخل عليهم عمار باكياً على ما صدر منه، فمسح الرسول عينيه، وقال له: لا تبك، إِن عادوا لك فعد لهم بما قلت.

٣٠٧

الأصْل في الأشيَاء

من عقيدة الإمامية أن الأصل في الأشياء الاباحة حتى يرد فيها نهي، فهم لا يخطئون من يفعل شيئاً لا يعلم المنع عنه، فعدم العلم بالمنع كاف للحكم بالإباحة، ولا نحتاج إلى دليل خاص يدل على الترخيص، فمن قال: هذا حلال، أو هذا طاهر، لا يسأل عن الدليل، وإنما يطلب الدليل ممن يدعي التحريم أو النجاسة، لأن الأصل في الأشياء الحل والطهارة حتى يثبت العكس.

وينقلب هذا الأصل إلى ضده في بعض الوقائع، أي أن الأصل فيها المنع حتى يثبت العكس، منها حقوق الناس، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على غيره بالقتل أو الضرب أو الشتم، أو التصرف في أمواله حتى يعلم بوجود المسوغ، ومنها مقاربة النساء، فلا يجوز مقاربة أية امرأة أو العقد عليها إلا بعد العلم بالحل والجواز، ومنها اللحوم فلا يجوز تناول أي نوع من اللحم حتى يثبت أنه من حيوان يؤكل لحمه، وأنه ذكي حسب الأصول المقررة.

والسر أن الزواج في النوع الأول مطلق غير مقيد بشيء، أما جواز التصرف بحق الغير، بدمه أو ماله، وجواز مقاربة المرأة، وتناول اللحم فمقيد بشرط خاص لا بد من إِحرازه والتثبت من وجوده، وبمجرد الشك في الشرط ينتفي الجواز والترخيص.

٣٠٨

هَل يَجبُ على المتَديّن أن يقَلد في أعمَالِه الدّينية ؟ *

جاءني هذا السؤال من أحد المهاجرين المؤمنين، ثم أخبرني بعض القادمين من المهجر أن هذه المسألة كثر حولها الكلام والحوار بين الجالية اللبنانية في سيراليون.

لكل إنسان أن يستقل بحريته وإِرادته، فيقول ويفعل ما يشاء ما لم يتعد بأقواله وأفعاله على حرية الغير، وبتعبير أهل الشريعة ما لم يحلل حراماً أو يحرم حلالاً، وليس له أن ينسب كلمة واحدة أو فعلاً من الأفعال إلى الدين أو القانون أو لأي شيء آخر ما لم تثبت النسبة لديه بالطرق العلمية الصحيحة.

والمتدين عندما يؤدي عملاً إِنما يؤديه بدافع ثبوته في الدين مدعياً أن الدين نفسه أمره بذلك، ولا ريب أن يكون كاذباً مفترياً على اللّه ورسوله في دعواه هذه إذا لم يتحقق من ثبوتها في الشريعة بأحد طرق الإثبات، ومصادر الشريعة أربعة: كتاب اللّه، وسنة نبيه، والإجماع، وأدلة العقل، ولمعرفة الحكم الشرعي الثابت في هذه الأصول طريقان(١) .

الطريق الأول: أن يكون للمتدين الأهلية التامة لاستخراج الحكم من دليله بنفسه وبلا واسطة، ولا تتحقق هذه الأهلية إلا لمن عرف اللغة العربية من معاني الكلمات وهيئاتها وتراكيبها واطلع على كتب الشريعة، وموارد اجماع العلماء والمشهور من أقوالهم، واتقن أصول الفقه اللفظية والعقلية، ومتى تمت هذه المعلومات للمتدين استطاع بعد بذل الجهد في البحث والتنقيب وإمعان النظر أن يرد الفروع إلى أصولها، والجزئيات إلى كلياتها، ويستخرج الأحكام الشرعية

_____________________

* - نشر في العرفان تشرين الثاني ١٩٥٤.

(١) هذان الطريقان محل وفاق بين الفقهاء أما الاحتياط فقد اختلفوا فيه ولذا لم نذكره.

٣٠٩

من أدلتها وبهذا يصبح عالماً مجتهداً يعمل برأيه، ولا يرجع إلى غيره.

الطريق الثاني: يختص بمن لا أهلية له لاستخراج الحكم الشرعي من دليله، وقد عبر عنه الفقهاء بالمقلد، والتقليد تارة يراد منه التقليد بالرأي، أي الأخذ بقول القائل بصفته الشخصية دون أن يطالب بالحجة والدليل، بل يجعل قوله «العندي» هو الدليل والحجة، كما لو حكم إنسان بصحة شيء أو فساده، لأن فلاناً حكم بذلك بحيث يكون القول هو الدليل الوحيد لا غير، وهذا هو التقليد الأعمى المحرم عقلاً وشرعاً وعرفاً، وهو المعني بما جاء في القرآن الكريم «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون».

وتارة يراد بالتقليد الأخذ بالرواية أي الأخذ بما ينقله القائل عن غيره، لا من عند نفسه، كالأخذ بقول الطبيب إن هذا الشيء يحتوي على مادة كذا، وبقول المحامي إن القانون ينص على كذا، وبقول المهندس إن هذا الأساس يحمل طابقين من البناء أو أكثر، وكأخذ القاضي بشهادة من يعلم بعدالته، والأعمى بقول البصير الذي يرشده إلى الطريق، وما إلى ذلك من رجوع من لا يعلم إلى من يعلم، وهذا النوع من التقليد، وهو العمل بالرواية لا بالرأي، هو الذي أوجبه الفقهاء، فقد كانوا وما زالوا يرشدون الناس إلى ما ثبت في كتاب اللّه وسنة رسوله لا إلى شيء من آرائهم وأقوالهم الخاصة، فالجاهل يسأل العالم عن الحكم الثابت في الشريعة، فيفتيه به، ويرويه له لفظاً أو معنى، لقد أوجب الفقهاء السؤال على الجاهل للآية الكريمة «فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون» وأوجبوا على العالم أن يجيب ويبين لقوله تعالى «وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه»

وبهذه المناسبة ننقل إلى القراء ما قاله محمد بن علي الشوكاني من علماء السنة في رسالته المسماه القول المفيد في أدلة الإجتهاد والتقليد طبعة سنة ١٩٢٩ ص ١٧ و١٨ و٢٨ «ان حدوث التمذهب بمذهب الأئمة الأربعة إِنما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة، وانهم كانوا على نمط من تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وان هذه المذاهب إنما أحدثها العوام المقلدة من دون أن يأذن بها إِمام من الأئمة المجتهدين. وكأن هذه الشريعة التي بين أظهرنا من كتاب اللّه وسنة رسوله قد صارت منسوخة، والناسخ لها ما ابتدعوه من التقليد في دين اللّه، فلا يعمل الناس بشيء مما في الكتاب والسنة، بل لا شريعة لهم إِلا ما تقرر في المذاهب، أذهبها اللّه».

٣١٠

فوَائدُ الصَّوم *

اعتاد فريق أن يكتبوا في كل سنة عن فوائد الصوم في عدد رمضان من مجلة العرفان الغراء، ونحن إذ نشكر العرفان التقية السخية، ولهذا الفريق حسن النية، نرجو ألا يكتب أحد في هذه السنة وفي السنين التالية الشيء الذي كان قد كتب في الأجيال الخالية، إن ما ينشرونه في كل عام، هو تكرار لما قيل وسطر من مئات الأعوام.

قالوا: إن فائدة الصوم تنقية المعدة، وفائدة الوضوء النظافة وفائدة الصلاة الرياضة، وأنا استغفر اللّه تعالى عن إخواني الأفاضل من هذا التعليل والتحليل، إن تناول حبة واحدة من الصيدلية لا تدع في المعدة كبيرة ولا صغيرة، وإن الغسل بالماء الساخن والصابون يغني عن عشرين وضوءاً من حيث النظافة، وإن حركة رياضية فنية تغني عن ألف ركعة من حيث الرياضة.

إن العبادة صلة خاصة بين العبد وربه، وفائدتها أخروية محضة، فلا يسوغ تفسيرها بأشياء دنيوية، ولا صلة لها بهذه الحياة سوى إظهار العبودية، والانقياد التام، والطاعة العمياء للّه سبحانه، فكل ما يعود إلى العبادة يجب التسليم به من غير قيد ولا شرط، وقول كيف ولماذا ؟ عقوق، وهذا معنى قول الفقهاء إن العبادة من الأمور التوقيفية، أي يجب الوقوف منها عند أمر اللّه تعالى.

أما حديث «صوموا تصحوا» فلعله جواب لمن يزعم أن الصوم يمرض الصحيح، لا إنه يصحح المريض، ولهذا يحرم الصوم على المريض مع الضرر،

_____________________

* - نشر في العرفان أيار ١٩٥٢.

٣١١

وعلى الصحيح إذا أدى به إلى المرض.

وقالوا: إن من فائدة الصوم أن يتذكر الصائم الفقير، ليتصدق عليه بالفرش والرغيف، ولو صح هذا لوجب الصوم على النواب فقط ليتذكروا الجياع والعطاشى الذين انتخبوهم، وجعلوهم نواباً.

كيفَ يَجبُ أن نَفهَم الِعبَادَة *

المواضيع التي تعرض لها الإسلام

يبحث الإسلام عن العقائد، عن الإيمان باللّه ورسوله واليوم الآخر، وعن محاسن الأخلاق ومساوئها، كالعفاف والصدق، والثبات والوفاء، والكرم والأمانة، وعن الغضب والحسد، والإسراف والبخل، والرياء والكذب، والغش والخلاعة، وما إلى ذلك، ويبحث عن العبادة، كالصلاة والصيام والحج، وعن النظم الاجتماعية، كالزواج والطلاق، والوصايا والمواريث، والجيش وتعيين الولاة، وتنظيم القضاء، ويبحث عن التجارة والزراعة، وما إِليهما من العقود.

ومن يرغب في لقب عالم بالديانة الإسلامية فعليه أن يعرف هذه الأمور، ويأخذها من أصولها المقررة، وأدلتها المفصلة، وبقدر معرفته بها قوة وضعفاً تكون منزلته من العلم بالإسلام وشريعته.

وليس من غرضنا في هذا المقام أن نبين حقيقة كل نوع من هذه الأنواع، والوصف الذي يخصه، ويميزه عن سواه، وإنما الغرض أن نبين الفرق بين العبادة وغيرها من المعاملات، ومنه يتضح القصد مما قلناه عن العبادة في العرفان الأغر عدد شعبان سنة ١٣٧١ هجري، وجواب ما كتبه الدكتور عمر فروخ، وما كتبه الأستاذ الشيخ عبد اللّه الخنيزي حول رأينا في معنى العبادة.

_____________________

* - نشر في العرفان أيلول ١٩٥٢.

٣١٢

معنى العبادة

والفرق بين العبادة وجميع المعاملات أن العبادة لا تصح بحال بل لا تسمى عبادة إلا بشرطين: الأول: أن يثبت وجوبها بطريق النقل لا بطريق العقل. الثاني: أن يكون الدافع الأول على الإتيان بها إِطاعة اللّه سبحانه، وامتثال أمره الخاص المتعلق بالفعل نفسه، فمن عمل عملاً متعبداً به، وقاصداً منه وجه اللّه من دون أن يثبت أمره فإن عمله يكون بدعة وضلالة، وكذا من صام وصلى من غير أن يكون الدافع الأول على عباته إِطاعة الأمر المتعلق بالعبادة يكون عمله لغواً، فليس للإنسان كائناً من كان أن يعبد اللّه تعالى بعمل خاص يخترعه من عند نفسه، أو يزيد أو ينقص فيما رسم اللّه، مستنداً في ذلك إلى الأوامر المطلقة المجملة، كقوله سبحانه «وما اُمروا إِلا ليعبدوا اللّه. واعبدوا اللّه مخلصين له الدين. وما خلقت الجن والانس إِلا ليعبدون» وليس له أيضاً أن يشرك مع طاعة اللّه أي باعث من البواعث المادية، فمن توضأ بداعي الطاعة والنظافة معاً، أو صلى بداعي التعبد والرياضة، أو صام بداعي الوجوب والصحة يقع عمله في غير موقعه.

معنى المعاملة

أما معاملات التجارة، وعقود الزراعة، والأحوال الشخصية، وتنظيم دوائر الحكومة، وما إلى ذلك مما لا يدخل في باب العبادات ولا يمت إليها بصلة قريبة أو بعيدة، فكلها تصح وتنفذ من غير حاجة إلى أمر من اللّه سبحانه، على شريطة أن لا تزاحم حقاً من الحقوق الخاصة أو العامة، فلو فرض أن الناس اصطلحوا فيما بينهم على إيجاد نوع من التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو عادة من العادات، ولم يكن شيء منها معروفاً في عهد الرسول فتصح وتسمى شرعية أيضاً، وإن لم يرد فيها نص خاص، تسمى شرعية للمبادئ العامة التي أقرها الدين، مثل «أوفوا بالعقود. وأحل اللّه البيع. والناس عند شروطهم. وكل صلح وشرط جائز إلا ما حلل حراماً أو حرم حلالاً» وأعلن الفقهاء هذه الحقيقة في كتب الفقه وأصوله بقولهم أنه ليس للمشرع حقيقة دينية شرعية واصطلاح خاص لمعنى الألفاظ إلا في العبادات، أي يرجع إليه في تفسير العبادة وأجزائها وشروطها، أما غيرها من المعاملات فهو كأحد الناس لا فرق بينه وبين أي إنسان من أبناء العرف في هذه الجهة.

٣١٣

وإذا وجد أمر خاص في الكتاب أو السنة بغير العبادات، كالأمر بالزواج والتجارة، فلا يجب على الإنسان أن يفعل المأمور به تقرباً إلى اللّه، وامتثالاً لأمره الخاص، كما يجب ذلك في العبادات، فمن تزوج لإشباع الغريزة الجنسية أو للولد، فالزواج شرعي صحيح، ومن باع أو اشترى، لغاية مادية فمعاملته صحيحة نافذة، بل لو قصد التوصل إلى الحرام من البيع كمن باع بعض ما يملك ليستعين به على الاثم والعدوان، فالبيع صحيح، وقد أجمع الفقهاء على أن من باع وقت الأذان إلى الصلاة من يوم الجمعة يأثم، ولكن بيعه صحيح نافذ الأثر، يأثم للآية الكريمة «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع» ويصح البيع، لأن النهي عن المعاملة لا يدل على الفساد.

نتيجة الفرق بين العبادة والمعاملة

وبعد أن اتضح أن الأحكام الشرعية، منها عبادات، ومنها معاملات، وأن العبادة تتوقف على أمر اللّه، وعلى إِتيانها بامتثال هذا الأمر على العكس من المعاملة ينتج أن العبادة من الأمور الروحية التي تقرب فاعلها من طاعة اللّه، وتبعده عن معصيته، وانها لا تمت إلى المادة بصلة، بل هي للّه وحده «فاسجدوا للّه واعبدوا. فاعبد اللّه مخلصاً. وأقم الصلاة لذكري» ولازم ذلك أن كل متدين يجب عليه أن يفعل العبادة عن طيب نفس من غير قيد ولا شرط.

ويبحث الإسلام عن المعاملات على أساس مادي، أي أساس تنظيم الحياة الدنيوية تنظيماً يصون مصلحة المجتمع، ولا تتصل المعاملات بالروح والحياة الأخرى إِلا تبعاً لهذه المصلحة، فمن تجاوز حدودها فقد تجاوز حدين، وخالف حقين، حق اللّه، وحق الناس، أي الحق الخاص والحق العام، ومن أخل بشيء من العبادة فقد تجاوز حداً واحداً، وخالف حقاً واحداً، هو حق اللّه فحسب، فالمعاملات التجارية والزراعية والصناعية يصح منها ما يتلاءم مع الحياة وتقدمها ويفسد منها ما لا يتفق مع الصالح الدنيوي، والصحيح نافذ بحق كل إنسان مؤمناً كان أم جاحداً.

ويتسع على الفقيه مجال الاجتهاد في المعاملات، ويضيق في العبادات، إِذ ينحصر في البحث عن الأمر التعبدي، فإِن وجده التزم به، وإِلا توقف عن القول، واعمال الفكر.

٣١٤

بني الإسلام على خمس

ولا شيء أصرح في الدلالة على ما قدمنا من الحديث الذي اتفقت عليه جميع المذاهب الإسلامية «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وإِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة، وحج البيت» فلم يبنَ الإسلام على شيء من الزراعة والصناعة والتجارة، لأن هذه تبنى عليها الحياة المطلقة في جميع صورها وألوانها، الحياة الطبيعية المادية التي يحياها في هذه الدار كل فرد متديناً أم غير متدين، أما الصلاة والحج والصيام فإنها أركان الحياة الروحية الدينية، فمن أقرَّ بها لزمه أن ينقاد إليها انقياداً تاماً، ولا يجوز له أن يعللها بشيء من المادة، إِذ يتنافى ذلك مع إِسلامه وإِيمانه.

الصلاة تنهى عن الفحشاء

وعلى الأساس الذي ذكرناه لمعنى العبادة نستطيع أن نفسر قوله سبحانه «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» وغيرها من الآيات والأحاديث التي تعرضت لبيان الحكمة من العبادة، فالقصد منها أن الإنسان لو عبد اللّه حقاً لتمشى على دين اللّه، وانتهج صراطه المستقيم، فانتهى عن المنكر والفحش، وعمل الخير والمعروف إِلا فقد حكم على نفسه بنفسه بأنه دجال منافق خير منه من أعلن الكفر والجحود وبهذا تجد تفسير قوله تعالى «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون»

ما قال ربك ويل للأولى سكروا

بل قال ربك ويل للمصلينا

وثبت عن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إِلا بعداً. وقال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. وطاعة الصلاة أن ينتهي المصلي عن الفحشاء والمنكر» وقال الإمام الصادق ع: «من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه».

٣١٥

المتعَة عِندَ الشيعَة الإمَاميَّة *

ويسمونها بالزواج المنقطع، وبالزواج إلى اجل، وهي كالزواج الدائم لا تتم إلا بعقد صحيح دال على قصد الزواج صراحة، ويحتاج العقد إلى إيجاب. وهو قول المرأة أو وكيلها: زوجت أو أنكحت أو متعت، ولا يكون بغير هذه الألفاظ الثلاثة أبداً، وإلى قبول من الرجل، وهو قبلت أو رضيت.

وكل مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون هذا العقد فهي سفاح. وليست بنكاح حتى مع التراضي والرغبة الأكيدة. وإذا كان العقد بلفظ أجرت أو وهبت أو أبحت ونحوها، فهو لغو لا أثر له أبداً. ومتى تم العقد كان لازماً يجب الوفاء به، وألزم كل واحد من الطرفين بالعمل على مقتضاه.

ولا بد في عقد المتعة من ذكر المهر، وهو كمهر الزوجة الدائمة لا يتقدر بقلة أو كثرة، فيصح بكل ما يتراضى عليه الرجل والمرأة، ويسقط نصفه بهبة الأجل، أو انقضائه قبل الدخول، كما يسقط نصف مهر الزوجة بالطلاق قبل الدخول.

ولا يجوز للرجل أن يتمتع بذات محرم كأمه، واخته، وبنته، وبنت أخيه، وبنت اخته، وعمته، وخالته، نسباً ولا رضاعاً، ولا بأم زوجته ولا بنتها، واختها، ولا بمن تزوج أو تمتع بها أبوه أو ابنه، ولا بمن هي في العدة من نكاح غيره، ولا بمن زنى بها وهي في عصمة غيره، فالمتعة في ذلك كله كالزوجة الدائمة من غير تفاوت.

وعلى المتمتع بها أن تعتد مع الدخول بعد انتهاء الأجل، كالمطلقة، سوى أن المطلقة تعتد بثلاث حيضات، أو ثلاثة أشهر، وهي تعتد بحيضتين أو بخمسة

_____________________

* - نشر في العرفان تشرين الأول ١٩٥٠.

٣١٦

وأربعين يوماً. أما العدة من الوفاة فهما فيها سواء، ومدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أحصل الدخول أم لم يحصل.

والولد من المتعة كالولد من الزوجة الدائمة في الميراث والنفقة وسائر الحقوق المادية والأدبية.

ولا بد من أجل معين في المتعة يذكر في متن العقد، وبهذا تفترق المتعة عن الزواج الدائم، ولكن الطلاق يفصم عرى الزواج، كما يفصمه انتهاء الأجل في المتعة، فانتهاء الأجل طلاق في المعنى، ولكن بغير أسلوبه.

ولا ميراث للمتمتع بها من الزوج، ولا نفقة لها عليه، والزوجة الدائمة لها الميراث والنفقة ولكن للمتمتع بها أن تشترط على الرجل ضمن العقد الانفاق والميراث، وإذا تم هذا الشرط كانت المتمتع بها كالزوجة الدائمة من هذه الجهة أيضاً، ويكره التمتع بالزانية والبكر.

هذه هي المتعة، وهذي حدودها وقيودها، كما هي مدونة في جميع الكتب الفقهية للشيعة الإمامية، ولم تستعمل المتعة شيعة سوريا ولبنان، ولا عرب العراق، والمنقول أن بعض المسنّات في بلاد إيران يستعملن المتعة.

والخلاصة أن الشيعة الإمامية يقولون بإِباحة المتعة، ولكن على الأساس الذي بيناه. وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يفعلونها، وما هي بشائعة في بلادهم. وإنما الزواج الشائع بينهم هو الزواج الدائم المعروف المألوف عند جميع الطوائف والأمم. ولا أثر لها في محاكمهم الشرعية.

وقد اتفق السنة والشيعة على تشريع زواج المتعة في عهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودلت عليه الآية ٢٤ من سورة النساء «فما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن فريضة»، وفي الحديث ما ذكره مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه، قال: «استمتعنا على عهد رسول اللّه وأبي بكر وعمر».

ولكن السنة قالوا: إن المتعة نسخت واصبحت حراماً بعد أن أحلها اللّه سبحانه، وقال الشيعة: لم يثبت النسخ عندنا، كانت حلالاً، وما زالت على ما كانت عليه.

٣١٧

ضَريبَة الزكَاة عِندَ الإماميَّة *

اجتمعت في القاهرة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشعبي العام الذي سيعقد في ٢٠ أيلول من هذه السنة لبحث التكافل الاجتماعي، وستستأنف اللجنة اجتماعها ثانية لتنهي الأبحاث التي تدرج في جدول أعمال المؤتمر.

ومن الأبحاث التي تحضرها اللجنة الزكاة والوقف الخيري لرعاية المؤسسات الاجتماعية، تبحث هذين الموضوعين مكيفين مع العصر على أساس الشريعة الإسلامية، وقد اختير لهذه الغاية ثلاثة من علماء المسلمين، منهم العلامة الشيخ عبد اللّه العلايلي، واثنان من علماء القاهرة، ولا بد أن يدرس هؤلاء الأفاضل أقوال المذاهب في الزكاة والوقف، إن درس أقوالهم مجتمعة يؤدي حتماً إلى النتيجة المطلوبة، إذ رب فقيه لا تتفق فتواه في مسألة إلا مع عصره وبيئته، وآخر تتفق فتواه في المسألة ذاتها مع عصره، ولو ضمت اللجنة علماء من جميع المذاهب الإسلامية لجاءت الفائدة أتم وأكمل.

وان للشيعة الإمامية اجتهادات في زكاة الأموال واخماسها لا تجدها في أي مذهب إسلامي، وبوسعي أن أورد عشرات الشواهد على ذلك غير أن المجال لا يتسع لأكثر من شاهد: قال اللّه تعالى في سورة الأنفال آية ٤١ «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن للّه خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» فقد فسرت المذاهب - عدا الشيعة - الغنيمة بالأموال المكتسبة بطريق الحرب والقتال فأوجبوا الخمس بهذا النوع خاصة، أما الشيعة فقالوا: إن

_____________________

* - نشر في جريدة بيروت ٢٣ نيسان ١٩٥٢.

٣١٨

الغنيمة هي كل فائدة تحصل للإنسان من أي سبيل كان، لا من طريق الحرب فحسب.

فمن ملك منجماً من ذهب أو فضة أو حديد أو نفط أو نحاس أو زفت أو كبريت وما إلى ذلك ففيه الخمس، عشرون بالمائة، ومن وجد مدخراً من آثار السابقين أو أخرج شيئاً من البحر كاللؤلؤ والمرجان أو ورث من إنسان مالاً ثابتاً أو منقولاً، وكان المورث لم يؤد الخمس ففي ذلك كله ضريبة ٢٠ بالمائة وكل ما يكسبه الإنسان من أرباح التجارة والصناعة والعمل والاجارات والوظيفة والهدية والوصية، وما إلى ذلك يستثنى منه مؤنته ومؤنة من يعول سنة كاملة وما زاد عن مؤنة السنة ففيه الخمس، ومن اشترى طعاماً أو وقوداً وفضل منه شيء عن السنة ففيه الخمس، ومن اشترى ثياباً تزيد عن حاجته وبقيت عنده أكثر من سنة ففيها الخمس.

هذا مثال واحد أوردناه للتنبيه على أن المجال عند الشيعة الإمامية يتسع لمن يريد أن يتخذ من الشريعة الإِسلامية أحكاماً تتمشى مع كل زمان ومكان.

إن الشيعة يملكون كنوزاً ثمينة من الاجتهادات التي ترتكز على الكتاب والسنة، ويملكون الإفادة منها في كل تشريع جديد، فمن الخير أن يشترك علماء الشيعة في كل مجتمع ومؤتمر يهدف إلى مثل هذه الغاية السامية.

٣١٩

الضَّرورَة تعفي المضطرّ مِنَ العِقاب *

عدم الحرج:

تقوم الشريعة الإسلامية على مبادئ وأسس يقاس بها كل حكم من أحكام الشريعة، من أي نوع كان، ومن تلك المبادئ السعة، وعدم العسر والحرج على المكلفين، وهو أصل مطلق غير مقيد، وحاكم غير محكوم، لا ينفيه شيء، وبه ينتفي كل تكليف يوجب العسر والحرج، سواء أكان التكليف من نوع العبادات أو المعاملات أو العقوبات أو الأحوال الشخصية.

وقد أعلن القرآن الكريم هذا المبدأ «وما جعل عليكم في الدين من حرج» «يريد اللّه بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر». «يريد اللّه أن يخفف عنكم» واشتهر الحديث عن الرسول الأعظم: (بعثت بالحنفية السمحة).

قاعدة المصالح والمفاسد:

ومن القواعد التي ترجع إلى عدم الحرج قاعدة المصالح والمفاسد التي قال بها الشيعة والمعتزلة، تتلخص في أن اللّه أمر بالفعل لمصلحة فيه تعود على فاعله، ونهى عنه لمفسدة كذلك، لا ان الفعل يصبح صالحاً لأن اللّه أمر به وفاسداً لأنه نهى عنه، بل أمر به اللّه تعالى لأنه صالح بالذات، ونهى عنه لأنه قبيح بالذات.

ويتفرع على ذلك أنه يجوز للإنسان - إذا اضطرته الظروف - أن يفعل، ويترك ما نص الكتاب والسنة على وجوبه وتحريمه، ولا يعد ذلك مخالفة منه

_____________________

* - نشر في رسالة الإسلام نيسان ١٩٥٢.

٣٢٠

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419