الفقه والمسائل الطبية

الفقه والمسائل الطبية11%

الفقه والمسائل الطبية مؤلف:
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 341

الفقه والمسائل الطبية
  • البداية
  • السابق
  • 341 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 92284 / تحميل: 7816
الحجم الحجم الحجم
الفقه والمسائل الطبية

الفقه والمسائل الطبية

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحدّ المأذون فيه، ولكنّه مشكل، فلو مات الولد بسبب الختان، مع كون الختّان حاذقاً من غير أنْ يتعدّى عن محلّ القطع، بأنْ كان أصل الختان مُضرّاً به، في ضمانه إشكال(١) .

أقول : لم يظهر لي فرق بين المقام وبين الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسده، حيث أفتى صاحب العروة والسيّد الخوئي هناك بضمانه مطلقاً، وفي المقام قيّد الضمان بتجاوز الحدّ المأذون(٢) ؟.

وعلّق السيّد الأُستاذ الخوئيرحمه‌الله على قوله ( لكنّه مشكل ): بل الأقوى عدم الضمان(٣) .

أقول : ولعلّه لعدم صدق إفساد الطبيب حينئذٍ(٤) .

ثمّ قال السيّد الخوئيرحمه‌الله : ومع ذلك، الظاهر هو الضمان في مسألة الختان، إلاّ إذا كان المقتول به هو الذي سلّم نفسه له مع استجماعه شرائط التكليف(٥) .

وذكر في كتابه توضيح المسائل: إنْ مات الطفل بالختان ؛ يضمن الطبيب، تجاوز الحدّ المعمول به في ختانه أم لم يتجاوز، وإن تضرّر به الطفل، فإنْ قطع أكثر من المعمول به يضمن، وإلاّ ففي ضمانه إشكال، والأحوط الرجوع إلى الصلح. ( كتاب الإجارة، المسألة ٢٢١٢ ).

وقال بعض أهل العصر في منهاج الصالحين: الختّان إنْ قصّر أو أخطأ

___________________

(١) العروة الوثقى ج ٢ ص ٣٩٣ - ٣٨٤.

(٢) نعم مفهوم كلام السيّد الأُستاذ الخوئي في منهاج الصالحين ( ١٠١ ج٢ الطبعة الثامنة ) عدم الفرق بينهما في قيد التجاوز عن الحدّ وعدمه، في الضمان وعدمه فلاحظ.

(٣) العروة الوثقى ج٢ / ٣٩٤.

(٤) فيجري في حقّ الطبيب في المسألة الرابعة أيضاً بلا فرق.

(٥) نفس المصدر.

٢١

في عمله كأن تجاوز عن الحدّ المتعارف، فتضرّر أو مات الطفل كان ضامناً، وإنْ تضرّر أو مات بأصل الختان لم يكن عليه ضمان، إذا لم يعهد إليه إلاّ إجراء عمليّة الختان دون تشخيص ما إذا كان الطفل يتضررّ بها أم لا، ولم يكن يعلم بتضرّره مسبقاً.

أقول : في غير ما أنجز الأمر إلى القتل، المدار في الضمان هو صدق الإفساد، فإذا لم يصدق فلا موجب للضمان، فالأرجح عدم الضمان إذا كان حاذقاً ولم يتجاوز الحدّ المأذون طبّاً، وفي القتل يرجع إلى إطلاق ما دلّ على لزوم الديّة على مَن قتل خطأً أو شبه عمد، نعم، إذا لم يستند القتل إلى الطبيب لا وجه لضمانه ؛ وما ذكره بعض أهل العصر، كما نقلناه عنه آنفاً، لا يخلو من وجه، والله العالم.

وكلّ ما ذكرنا في هذا الأمر جارٍ في الأمر الرابع فتأمّل.

( السادس ) : إذا قال الطبيب من غير مباشرة: لو كنت مريضاً بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني، فلا ضمان عليه لعدم موجبه. وإن قال: الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني، ففي العروة: فلا ينبغي الإشكال في عدم ضمانه(١) .

أقول : وقاعدة الغرور تشمل المقام، وإذا كان أجيراً يشمله قولهعليه‌السلام : ( كلّ عاملٍ أعطيته أجراً على أنْ يصلح فأفسد فهو ضامن )(٢) ، إلاّ أنْ يدّعي انصراف الحديث إلى فرض المباشرة، مع أنّه كسابقه ظاهراً.

وفي الجواهر ( ص٤٩ ج٤٣ ): أمّا إذا قال ( الطبيب ): أظنّ أنّ هذا الدواء نافع لهذا الداء، أو لو كنت أنا لفعلت كذا، ممّا لم تكن فيه مباشرة

___________________

(١) العروة الوثقى ٢: ٣٩٤.

(٢) المصدر.

٢٢

منه وإنّ فعل المريض العاقل المختار، أو وليّه ذلك اعتماداً على القول المزبور فإنّ المتّجه فيه عدم الضمان ؛ للأصل وغيره، كما أنّ المتّجه عدم شيءٍ عليه حيث لم يعلم الحال ؛ لاحتمال الموت بغير العلاج.

أقول : ما ذكر صاحب الجواهر من فرض أخذ الظنّ في كلام الطبيب، أوضح في نفي الضمان عنه من فرض صاحب العروة ( قدس‌ سره ما ).

وأمّا إن كان الطبيب آمراً، ففي العروة: ففي ضمانه إشكال، الاّ أن يكون سبباً وكان أقوى من المباشر، وأشكل منه إذا كان واصفاً للدواء من دون أن يكون آمراً، كأنْ يقول: دوائك كذا و كذا، بل الأقوى فيه عدم الضمان(١) .

أقول : وتبعه عليه سيّدنا الأُستاذ الخوئيقدس‌سره .

وقال بعض أهل العصر في منهاج الصالحين: لو عالج الطبيب المريض مباشرةً، أو وصف له الدواء حسب ما يراه، فاستعمله المريض وتضرّر أو مات، كان ضمانه عليه وإن لم يكن مقصّراً.

أقول : فلاحظ وتأمّل.

( السابع ) : يحرم للصيدليّات إيتاء الأدوية المخالِفة لنظر الأطباء وكتابتهم، كما يحرم إيتاء الأدوية التي مضى وقتها وهي غير نافعة للمرض.

وإذا علم البائع أنّ الطبيب خان المريض أو اشتبه، وأنّ هذا الدواء مهلك أو قاتل له إن استعمله ؛ يجب عليه إعلام المريض بالحال، ويحسن الإعلام إذا كان الضرر جزئيّاً أو كانّ الدواء غير مفيدٍ له، فإنّ الله سبحانه يقول:

( إنَّ الله يأمُرُ بِاْلعَدْلِ وَالإحْسَان ) (٢) . ويقول:( وتَعَاونُوا عَلَى البِرِّ وَالتَقّوَى ) (٣) .

___________________

(١) العروة الوثقى ٢: ٣٩٤.

(٢) النمل آية ٩٠.

(٣) المائدة آية ٢.

٢٣

خاتمة

قال صاحب الجواهر بعد ذكر روايات أكثرها ضعاف سنداً، وليست بحجّة:

ولا يخفى عليك ما في هذه النصوص من الفوائد، منها... وجوب العلاج لمن كان له بصيرة فيه، ومنها عدم اعتبار الاجتهاد في علم الطبّ، بل يكفي للمداوي المداوى بالتجربيّات العاديّة ونحوها ممّا جرت السيرة والطريقة به، وخصوصاً للعجائز والأطفال(١) .

أقول : هذا بالنسبة إلى التداوي بالعقاقير غير المضرّة لا بأس به، وأمّا التداوي بالأدوية الكيمياويّة المضرّة أو القاتلة كما هي المتداولة اليوم، فلا يجوز لغير الاختصاصي الحاذق الخبير ضرورة حرمة الإضرار بالناس وهلاكهم، وهذا ظاهر، فليتّق الله مَن يسمّون أنفسهم بالأطباء، ويقتلون الناس أو ينقصونهم(٢) ، كما أنّه فليتّق الله مَن يسمّون أنفسهم بالعلماء والفقهاء، ويضلّون المؤمنين عن سبيل الله، وكأنّ الفتوى في عصرنا صارت مباحاً مطلقاً للجميع.

___________________

(١) جواهر الكلام ٤٣ / ٥٠.

(٢) قال بعض الشعراء :

ملكالموت رفت پيش خدا

گفت سبحان ربي الأعلى

داكترى است در فلان كوچه

منيكى مى كشم واو صدتا

يابفرما كه جان او گيرم

يا مرا كار ديگرى فرما

٢٤

المسألة الرابعة

أحكام المسّ والنظر

يجوز لكلٍّ من الجنسين النظر إلى بدن مماثله ومسّه من دون شهوة وريبة، إلاّ العورتين فيحرم النظر إليهما ومسّهما، وإنْ لم يكن عن تلذذ(١) .

يحرم على الرجل النظر إلى المرأة - سوى وجهها وكفّيها - بتفصيلٍ مذكورٍ في الكتب المبسوطة الفقهيّة(٢) ، كما يحرم على المرأة النظر إلى الرجل - أيضاً - بتفصيلٍ مقرّرٍ في محلّه.

ويحرم على كلّ من الجنسين مسّ بدن الآخر وإنْ لم يكن عن تلذّذ، بل كان الماسّ أو الممسوس عجوزاً.

ولا ملازمة بين جواز النظر والمسّ، فكم من امرأةٍ جاز النظر إليها ويحرم مسّها، وإنْ شئت فقل: إنّ حرمة مسّ غير المحارم لم يطرأ عليها استثناء أصلاً، كما طرأ على حرمة النظر إلى غير المحارم.

فكلّ عمليّة طبيّة جراحيّة أو غير جراحيّة أو غير طبيّة إذا استلزمت النظر المحرّم أو المسّ المحرّم، لا تجوز، لا سيّما النظر إلى العورة أو مسّها، فإنّ الحرمة فيه آكد.

فجواز مباشرة الطبيب أو الطبيبة للعلاج، وجواز تداوي المريض أو المريضة إذا اشتملتا على النظر والمسّ المحرّمين موقوف على توفّر شروط

___________________

(١) يظهر من بعض الروايات جواز النظر إلى عورة مَن ليس بمسلم وأنّها كعورة حمار، وأفتى به بعض المحدثين، لاحظ بحثه في كتابنا: حدود الشريعة، ج٢ مادّة النظر...

(٢) لا حظ كتابنا: حدود الشريعة، ج٢ مادّة النظر.

٢٥

ثلاثة:

١ - استلزام المرض مشقةً وحرجاً للمريض. وحرج المريض يكفي لجواز العمليّة المذكورة له، وللطبيب - كما سبق - دليله في المسألة الثانية، فليس كلّ مرضٍ جزئي، أو غرضٍ تجمّلي يجوز التدخّل للطبيب والتمكين للمريض أو المُراجِع، فكما يحرم النظر والمسّ على الطبيب يحرم الكشف والتمكين على المريض والمُراجِع، ومنه يظهر أنّ مجرّد جواز منع الحمل من دون تحقّق حرج وضرر لا يزيل حرمة النظر والمسّ على الطبيب ومُراجِعه.

٢ - لا يحلّ مسّ العورة مطلقاً، ولا مسّ بدن الجنس المُخالِف إذا كانت الحاجة ترتفع بلبس الساتر، من أيّ نوعٍ كان ممّا يمنع عن التماس المباشر.

٣ - إذا أمكن التداوي والعلاج عند المماثل لا يجوز الرجوع إلى المخالِف، حتّى من جهة النظر الى العورة أو مسّها مع حرمتها على المماثل والمخالِف ؛ وذلك فإنّ حرمتهما على المخالف أشدّ وآكد.

وقيل بتقديم المحارم على غيرهم مع عدم إمكان المماثل، إذا أمكن، والله العالم.

ثمّ إنّه إذا حرمت العملية تبطل الإجارة، فلا يملك الطبيب الأُجرة، فيحرم عليه أخذها إلاّ إذا وهبها له المريض أو المريضة أو المُراجِع بقطع النظر عن بطلان الإجارة، والله أعلم.

وسيأتي في المسألة الثانية والعشرين، والثالثة والعشرين، ما يتعلّق بالمس والنظر، وإفشاء السرّ وغيره، إنْ شاء الله تعالى.

فروع فقهيّة:

١ - عورة الأُنثى عبارة عن فرجها وحلقة دبرها، وعورة الذكر عبارة

٢٦

عن حلقة دبره وآلته التناسليّة لا غيرها، وعورة الطفل غير المميّز لا بأس بمسّها والنظر إليها، لضرورة أو غير ضرورة.

٢ - ما اشتهر بين بعض العوام مِن أنّ الطبيب محرم للمريض كلام باطل لا أصل له، والطبيب كغيره في حرمة النظر والمسّ، كما أنّ المريض كغيره يجب عليه أنْ يحفظ نفسه عن نظر الطبيب ومسّه، وإنّما يجوز النظر والمسّ بمقدار الضرورة، على ما عرفت.

٣ - إذا ترتفع الضرورة بالنظر أو المسّ في دقيقتين، تحرم زيادة النظر والمس ولو بمقدار ثانية، كما إذا ارتفعت الضرورة بمسّ ثلاث سنتمترات، أو النظر إليها يحرم مسّ الزائد أو النظر إليه.

٤ - ما ذكرنا في حقّ الأطبّاء والمرضى، يجري في حقّ المضمّدين والمضمّدات أيضاً، ولا يجوز للمريض أو المريضة قبول الجنس المخالِف للتضميد إذا استلزم النظر أو المس المحرّم، إلاّ مع توفّر الشروط، وإذا أمكن في المستشفيات الشخصيّة اشتراط المضمّد المماثِل وجب ذلك على المريض.

٥ - يحرم على مساعِدات الأطبّاء مسّ أيديهنّ لأبدانهم، وإن استلزمته المقرّرات الإداريّة، والرسوم الحكوميّة.

٢٧

المسألة الخامسة

بِدءُ الحياة الإنسانيّة

السؤال المقصود بالإجابة هنا هو أنّه متى تبدأ الحياة الإنسانيّة ؟

وستعلم في الأبحاث الآتية أنّ مطلق الحياة ثابتة في مني الرجل والمرأة، وبعد التحامهما وصيرورتهما خليّة، ثمّ إلى كتلة خلايا، ثمّ إلى حوصلة عالقة بالرحم، ثمّ منغرسة فيه والروح لم تُنفخ بعد في جنينٍ ميّت.

وإليك عدّةٌ من الآراء في المقام:

( القول الأوّل ) : المشهور في ألسنة المسلمين وأذهانهم: أنّ الحياة الإنسانيّة تبدأ بنفخ الروح في الجنين، والمشهور عند أهل النظر منهم: أنّه بعد أربعة أشهرٍ من الحمل.

واعترضه بعض الأطبّاء الماهرين المتديّنين بأنّ علم الطب لا يرى لاستقبال الروح أثر، وقال: مسألة: إنّ الجنين آنذاك يكتسب الإدراك، أو الخيال، أو تبدو عليه أمارات الرضاء والغضب، هي للأسف الشديد من باب الفولكلور أو من باب التحمّس لوجهة نظر معيّنة، ومحاولة تأييدها علميّاً بغير سندٍ علمي(١) .

أقول : اعتراضه متين لكنّه مقلوب عليه، فكما لا يصل الطبيب إلى أثرٍ للروح بعد أربعة أشهرٍ من الحمل، كذا لا يصل إلى نفيه أيضاً، فلا يحقّ له إنكاره أيضاً.

والخلط بين حدود العلوم التجريبيّة والفلسفة أو الدين أوجب

___________________

(١) ص ٥٧، الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.

٢٨

زلّة جماعات كثيرة من المادّيين فضّلوا وأضّلوا، وتوضيح المقام محتاج إلى بسطٍ في الكلام، لكنّه لا يناسب هذا الكتاب.

( القول الثاني ) : لحظة التحام الحيوان المنوي بالبويضة هي بداية الحياة الإنسانيّة، اختاره بعض الأطبّاء المُشار إليه آنفاً، واستدلّ عليه بتحقّق كائن في هذا الدور تنطبق عليه جميع الشروط التالية:

١ - أنْ تكون له بداية واضحة معروفة.

٢ - أنْ يكون قادراً على النموّ ما لم يحرم أسبابه.

٣ - أنْ يُفضي نموّه إلى الإنسان جنيناً ووليداً وطفلاً وصبيّاً وشابّاً وشيخاً وكهلاً، إنْ نسأ الله له في الأجل.

٤ - أنّ ما سبقه من دور لا يمكن أنْ ينمو فيُفضي إلى إنسان.

٥ - أنْ تكتمل له الحصيلة الإرثيّة لجنس الإنسان عامّةً، وكذلك له هو فرداً بذاته، مختلفاً عن غيره من الأفراد منذ بدء الخليقة وحتّى قيام الساعة.

وقال: هذه الشروط الخمسة تتوفّر جميعاً في البويضة ( البيضة ) الملقّحة، وهي لا تتوفّر في غيرها، ولا تنطبق على ما قبلها ولا ما بعدها.

واستشهد عليه - أيضاً - بتأجيل عقوبة الإعدام شرعاً إنْ كان المحكوم عليها حاملاً دون تقييد الحمل بزمانٍ خاص، كما استشهد بقوله تعالى:( وإذْ أنْتُم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمّهاتكم ) (١) ، قال مَن هؤلاء الأجنّة ؟

أنتم وأنا الإنسان(٢) وأنكر أن تكون حياة الجنين قبل تمام أربعة أشهر نباتيّة أو حيوانيّة، فإنّ النبات - تعريفاً - ليس له جهاز حركيّ فعّال، ولا جهاز عصبي، وأُسلوبه الغذائي مختلف، وهو يقتات على الضوء ويستهلك ثاني

___________________

(١) النجم آية ٣٢.

(٢) ص ٣٠٣، الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.

٢٩

أُوكسيد الكربون ويفرز الأوكسجين

وأحجم أنْ يصفها بأنّها حياة حيوانيّة، وقد يسعد جماعة داروين أنْ نقرّر أنّ جنين الإنسان بدور حيواني !!!(١) .

أقول : الشرائط الخمسة لا تثبت أنّ حياة البيضة الملقّحة حياة إنسانيّة ؛ لعدم الملازمة بينهما عرفاً وطباً وعقلاً وشرعاً، فهي ليست شروطاً للحياة الإنسانيّة، حتّى تترتّب عليها ترتب المعلول على علّتها، وتأجيل إعدام الحامل إنّما هو لأجل أنّ حملها في مصيره إلى الإنسانيّة لا أنّه إنسان بالفعل حتّى في شهره الأوّل، وهذا الاشتباه قد صدر من غير واحدٍ من أعضاء الندوة، كما يظهر من مطالعة الكتاب ( أي كتاب بداية الحياة الإنسانيّة ونهايتها ) وغيرها، نعم حرمة الإجهاض، ولزوم تأخير إعدام الحامل، وحكم الخروج عن العدّة وأمثالها، أحكام شرعيّة تتّبع موضوعاتها، ولا معنى للتلاعب بعناوينها.

والاستدلال بقوله تعالى:( وإذْ أنْتُم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمهاتكم ) (٢) ضعيف، إذْ لا شك في أنّ المراد به: أنَّكم كنتم أجنّة، أو ما يؤدّي معناه، ولا يُراد به أنَّكم الآن أجنّة !! كما أنّ الإنسان كان تراباً ولم يكن بإنسان.

على أنّ لازم هذا القول أنْ يكون نهاية الحياة الإنسانيّة بموت خلاياه

___________________

(١) ادّعى بعض الباحثين: أنّ ١٢٥ مليون خليّة تموت في جسم الإنسان كلّ دقيقة، وتحلّ محلّها خلايا جديدة... وتتساقط الخلايا من الجسم كما تتساقط أوراق الشجر الميّتة من أشجارها، وأنّ الذرّات التي تكوّن جسم أيّ إنسان منّا غير موقوفة عليه... فهي تأتي من مصادر شتّى... وبعد أن تغادر الجسم تذهب إلى مصادر شتّى. فجسم الإنسان يموت ويحيى، ثمّ يموت ويحيى في الحياة الدنيا، والإنسان نفسه حيّ يُرزق... إذن فَسِرُّ الحياة غير معلّقٍ بموت الجسم أو حياته. ص ٣٦٥، نفس المصدر.

(٢) النجم آية ٣٢.

٣٠

لا بموت المخّ، كما ذهب إليه أطبّاء الأعصار الأخيرة.

ثمّ المفهوم من الآية الخامسة في سورة الحجّ بطلان هذا القول، فإنّ مدلولها أنّ الإنسان خُلِق ونشأ من النُطفة والعلقة والمُضغة، لا أنّه عينها. على هذا القائل إشكال آخر تعرّض له، ولم يقدر على حلّه ودفعه، فلاحِظ.

( القول الثالث ) : أنّ الحياة على أقسام:

١ - الحياة الخليّة، وهي حياة البويضة المخصبة.

٢ - الحياة النسيجيّة، وهي انقسام الخليّة المتكررة وانغراسها في جدار الرحم واستمرار نموّها.

٣ - الحياة الإنسانيّة في الأُسبوع الثاني عشر من وقت تخصيب البويضة، الذي أصبح فيه للجنين كيان أو وجود، فهو يقفز ويلعب وينام ويصحو ويحس ويفزّع، كلّ ذلك تزامناً مع اكتمال تكوين المخّ، وبداية قيامه بوظائفه من ظهور محركّات التنفّس، وإشارات المخّ الكهربائيّة الدالّة على نشاط وعمل قشرة المخّ والنصفين الكرويين، وهذه المرحلة تقف كعلامة هامّة على طريق نموّ وتطوّر الجنين، كما أنّ هذه العلامات والظواهر التي تحدث، هي عكس العلامات التي تُوصف في مرحلة وفاة المخّ عند موت الإنسان. ومن هنا يمكننا أنْ نصفها بمرحلة ميلاد المخّ، أو بداية الحياة الإنسانيّة.

وفي نهاية هذا الأُسبوع: يكون الجنين قد بلغ تسع سنتيمترات طولاً، و٤٥ جراماً وزناً.

ومن السهل التعرّف على هذه المرحلة وتحديدها على وجه الدقّة بالفحص بجهاز السونار، لبيان الحركات التنفّسية وأنشطة الجنين المختلفة(١) .

___________________

(١) ص ٦٩ نفس المصدر.

٣١

ويزيد هذا القائل: وفي أثناء الأُسبوع الثاني عشر تظهر على الجنين خمسة مظاهر جديدة وهامّة، كلّها تشير إلى اكتمال تكوين مخّ الجنين، وبداية ظهور الكيان الإنساني في الجنين، ويبدو ذلك من:

١ - تتصور ّحركات الجنين حركات مركّبة متوافقة، لا انقباضات تشنّجيّة مثل: ثني الظهر، ورفع الرأس، والالتفات بالوجه إلى الجانبين، وكذلك حركات مركّبة للفم والشفتين واللسان والفكّين شبه حركات الرضاعة.

٢ - ظهور الحركات التنفّسيّة، وليس المقصود هنا أنّ الجنين يتنفّس الهواء، فالرئتان لا تعملان في فترة الحمل، إلاّ أنّ هذه الحركات التنفّسيّة تؤدّي إلى التنفّس بعد الولادة.

٣ - مرور الجنين في هذه المرحلة بفترات متتابعة ومنتظمة من النشاط والحركة،بعضها فترات روحة وسكون، وقد تكون فترات يقظة ونوم.

٤ - بدء عمل ونشاط قشرة المخّ كما سبق ذكره.

٥ - بداية ظهور حركات بناء على تنبيهات من الخارج. وهذا يعني: أنّ مراكز عليا في المخّ قد تدخلّت(١) في حدوث هذه الحركة ؛ وذلك بناءً على انفعالات حسّيّة في مخّ الجنين، أدرك بها حدوث شيءٍ غير مألوف، ويُستنتج من هذا وجود الحسّ، كذلك الوعي بالمحيط الذي يوجد فيه الجنين(٢) .

___________________

(١) ص ٦٧ و ص٦٨ نفس المصدر، وقال في محلٍ آخر: وكذلك التفاعل معه بالحركة الذاتيّة النابعة من إرادته. ص ٦٥، نفس المصدر.

(٢) وقال في محلٍ آخر ( ص٢١٠، نفس المصدر ): رأي علمي جديد يعتمد على اعتبار اكتمال تكوين المخّ... ولا اقصد هنا بالطبع اكتمال نضوج المخّ ، أقول:

=

٣٢

أقول : صحّ ما ذكره أولا، فهو لا يدلّ على مدّعاه ؛ لأنّ الحسّ والحركة الإراديّة تجامعان الحياة الحيوانية، وتنفيان الحياة النباتية فقط، ولا تتطلّبان الحياة الإنسانيّة بخصوصها حتّى يقال: إنّ مخّه يدرك الكليّات أو يحاول أنْ يثبت ملزوم إدراك الكليّات، وهو تعلّق الروح الإنسانيّة بالجنين، فهذا القائل لم يقدر على إثبات مدّعاه، هذا إذا فرضنا وجود نفس حيوانية في الإنسان، منحازة عن الروح الإنسانيّة، وكانت هي المصدر للحسّ والحركة الإراديّة، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك وأنّ الحسّ والحركة الإراديّة، وإن كانا في الحيوانات مستندين الى النفس الحيوانية، لكنّهما في الإنسان مستندان إلى النفس الناطقة الإنسانيّة فقط، ولا روح حيوانية مستقلّة في الإنسان، فَصِحّة هذا القول يثبت مدعى قائله لا محالة، فلا بُدّ من بلوغ ما ادّعاه إلى درجة القطع، فإنّه بالفعل مشكوك.

والمظنون أنّ ما تقدّم من إيراد بعض الأطباء على القول الأوّل ناظر الى ادّعاء هذا القائل، حيث وصفه بأنّه من باب الفلكلور، أو من باب التحمّس لوجهة نظر معيّنة، ومحاولة تأييدها علميّاً بغير سندٍ علمي.

( القول الرابع ) : إنّ بدء الحياة الإنسانيّة ليس لحظة الالتحام بل وقت العلوق، إذ ليست كلّ بويضة ( بييضة ) ملقّحة هي لا بدّ أنْ تنغرس في الرحم، يمكن أن يتسبّب اللولب لتصريفها ؛ لأنّه لا تبدأ الحياة فعلاً إلاّ حين تصبح ملتصقة بالأُم وبالرحم، أي: إذا انغرست في الرحم، وهو ما عبّر عنه بعض الأطبّاء بالاندغام، مأخوذاً من كلمة العلوق(١) .

___________________

=

اكتمال تكوين المخّ في الأُسبوع الثاني عشر محتاج إلى آراء حسيّة للأطبّاء، فلا بُدّ من الفحص والرجوع.

(١) ص ٣٢٤، نفس المصدر.

٣٣

( القول الخامس ) : إنّه تستغرق رحلة الإنسان من خليّة واحدة إلى ١٦ خليّة في المعمل حوالي ٤ - ٥ أيّام ( ومن خليّة إلى ٦ بلايين خليّة - فترة الحمل - حوالي ٢٨٣ يوماً ).

ولقد اصطلح طبياً ( علميّاً ) على أنّ تسمّى مرحلة نموّ الإنسان داخل الرحم منذ أنْ تأخذ الخليّة الملحقة في الانقسام إلى الثمانية ( ٨ ) أسابيع الأُولى من الحياة بالجنين، ويسمّى الجنين في الفترة الباقية من الحمل بالمولود !

والسبب في هذه التسمية هو: أنّ الجنين في مرحلة نموّه داخل الرحم يمرّ بمرحلتين هامّتين من التكوين:

الأُولى والتي تمتدّ ثمانية أسابيع، يكون الجنين فيها في حالة تكوين وتشكيل ونمو مضطرد في الخلايا.. والناظر اليه في تلك المرحلة يجد كتلةً من الخلايا التجاويفيّة والقنوات.. ( على شكل علقة ثمّ مُضغة ) ليس لها سمة الإنسان السوي، وأهمّ ما يميّز هذه المرحلة من الناحية التشريحيّة هو ظهور ( الميزاب العصبي ) وهو بداية تكوين الجهاز العصبي ( الحسّي ) عند الجنين، وبعد هذه المرحلة يأخذ الجنين داخل الرحم مظهراً آخر في النموّ، ويمكن للناظر إليه ( أي بعد مرحلة الثمانية الأسابيع الأُولى ) أنْ يميّز شكل إنسانٍ آخذٍ في النموّ... وقد وصف ذلك في آية الخلق والتطوّر داخل الرحم:...( ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقِين ) .

إذا يمكن القول بأنّ الجنين هو إنسان في الأسابيع ٦ - ٨، ومنها ما هو حياته داخل الرحم، أو في أنبوبة اختبار في محمل طفل الأنابيب(١) .

___________________

(١) ص ٤٤١، الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.

٣٤

أقول : هذه الأقوال الأربعة لعلماء الطب الذي هو في حال تطوّره وطريق تكامله، وقد عرفت أنّها ضعيفة غير قابلة للاعتماد، وقبل الانتقال إلى القول الحق لا بُدّ من بيان أمرٍ هامٍّ يجب الالتفات إليه، ومراعاته في كلّ باب، وهو أنّ ما ذكره أهل الطب وساير العلوم التجربيّة على أقسام:

منها : ما ثبت بالحسّ والتجربة، بحيث لا يقبل الترديد، وهذا ممّا لا شكّ في قبوله بحكم العقل والفطرة، فإنْ وُجد في القرآن المجيد، أو الأحاديث المعتبرة ما يخالفه بظاهره ؛ وجب ردّ علم هذا الظاهر من الكتاب والسنّة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا معنى للتعبّد به على خلاف الحسّ، كما بُيّن ذلك في علم الكلام بأوضح برهان.

ومنها : ما هو است-نباطات وآراء ظنّيّة من هؤلاء العلماء الاختصاصيّين، ولا عبرة بها، كما لا قيمة بآراء الفقهاء والأُصوليّين والمجتهدين من علماء الدين، بل وآراء الصحابة العدول والسلف الصالح ( رض ) في مقابل الأدلّة الشرعيّة من ظواهر الكتاب والسنّة، ولا يجوز لنا تقليدهم بحال، فإنّ قداسة أحدٍ، أمرٌ، وتقليده أمرٌ آخرٍ، ولا ملازمة بينهما.

ومنها : ما هو مبنيٌّ على الإحصائيّات المحدودة محلاًّ ووقتاً، وهذا أيضاً لا اعتبار به، فليس كلّ ما ذُكر أو بُني عليه في العلوم أمراً حسّيّاً وحقيقة واقعيّة يجب قبوله، كما ربّما يتخيّل مَن لا فهم له، كما أنّه لا يجوز ردّ ما ثبت بطريقٍ حسّيٍّ أو قطعيٍّ: كالحسّ لأجل فتوى سلف، أو حديث ضعيف بل معتبر، فإنّ الأحاديث كظواهر الكتاب ظنّيّة، والظنّ يضمحلّ عند العلم بخلافه، اللّهم إلاّ عند من لا عقل له.

إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ البحث هنا عن عدّه أُمورٍ تناسب المقام على نحو الاختصار:

٣٥

١ - أقسام الحياة وحقيقتها، ومعنى حياة الجنين في أدواره وأطواره.

٢ - الفوارق الرئيسيّة بين الحيوان والإنسان عند الفلاسفة.

٣ - تركّب الإنسان من البدن والنفس.

٤ - الروح والنفس تتحّدان أو تتعدّدان.

٥ - متى تبدأ الحياة الإنسانيّة.

فأقول مستعيناً بالله تعالى، ومتوكّلاً عليه في إصابة الحق:

( البحث الأوّل ) : من الخير والحقّ أنْ نعترف صريحاً بأنّه لا علم بحقيقة الحياة، كما لا علم لنا بحقيقة منبعها، وهو الروح، وإنّما نعرف الحياة بآثارها المذكورة في البيولوجيا، من التغذية والتنمية والتنفّس وتوليد المثل والحسّ والحركة ونحوها.

ومن المشهور بل المحسوس أنّ الحياة ثلاثة أقسام: نباتيّة وحيوانيّة وإنسانيّة، فإنْ دلّ دليل عقلي أو علمي على انحصار الحياة بهذه الأقسام ؛ فنقول: إنّ حياة الجنين ما لم يكن له حس وحركة إراديّة حياة نباتيّة(١) ، وحينما وُجد له الحسّ والحركة الإراديّة فحياته حيوانيّة(٢) ، ولا محذور فيه، ولا تعلّق لهذا القول بقول داروين وأصحابه بوجه، ولا تتحقّق الحياة الإنسانيّة دون تعلّق الروح الإنسانيّة به، كما ستعرف.

وإنْ لم يدلّ دليل عليه فلا مانع من جعل حياة الخلايا المذكورة المسمّاة بالجنين قسماً رابعاً.

والإنسان في سيره العلمي ربّما يصل إلى أقسامٍ أُخر من الحياة، وهذا هو الأظهر، إذْ لنا أنْ نقول: بأنّ حياته تعالى، وحياة الملائكة: نوعان آخران

___________________

(١) وإن ثبت أنّ حياة كلّ خليّة حياة حيوانيّة، فتأمّل.

(٢) ذكرنا ما يتعلّق بالمقام في آخر القول الثالث عن قريب، فلا تغفل منه.

٣٦

من الحياة.

( البحث الثاني ) : ذكر بعض الحكماء المتعمّقين أُموراً من خواصّ الإنسان:

١ - النطق والبيان(١) .

٢ - استنباط الصنائع العمليّة الغريبة. وأمّا ما يصدر من الحيوانات سيّما من النحل في بناء البيوت المسدّسة، فهو ليس من تدبير نفسها الشخصيّة الجزئيّة عن استنباط وإلاّ لم يكن على وتيرةٍ واحدةٍ، بل صدورها عن إلهامٍ وتسخيرٍ من مدبّرات أمرها !

٣ - الحالة الانفعاليّة المسمّاة بالتعجّب وما يتبعه من الضحك التابعة لإدراكه للأشياء النادرة، ويتبع إدراكه للأشياء المؤذيّة انفعال يسمّى الضجرة ويتبعه البكاء.

٤ - أنّ المشاركة المصلحيّة تقتضي المنع من بعض الأفعال، والحثّ على بعضها الآخر، ثمّ إنّ الإنسان يعتقد ذلك من حين صغره، ويستمرّ نشوؤه عليه، فحينئذٍ يتأكّد فيه اعتقاد وجوب الامتناع من أحدهما والإقدام على الآخر، فيسمّى الأوّل قبيحاً والثاني حسناً جميلاً.

وأمّا مثل أنّ الأسد المعلَّم لا يأكل صاحبه، والفرس العتيق النجيب لا يسافح أُمّه، فليس ذلك من جهة اعتقاد في النفس بل لهيئةٍ نفسانيّةٍ أُخرى.

٥ - الخجالة، فإنّها حالة انفعاليّة تحصل عند إدراكه بأنّ الغير اطّلع على أنّه ارتكب قبيحاً.

___________________

(١) الصغار والخرس لا يتكلّمون. والقرآن يُخبر عن نطق الهدهد والنملة، والعلم الحديث - أيضاً - ربّما يبحث عن نطق بعض الحيوانات، كما أشرنا في كتابنا مقالات.

وفي المقام بحث.

٣٧

٦ -٧ - الخوف والرجاء، فإنّ الإنسان إذا ظنّ أنّ أمراً يحدث في المستقبل يضرّه فيعرض له الخوف، أو ينفعه فيعرض له الرجاء، وأمّا سائر الحيوانات فإنّهما يحصلان لها بالفعل لا لأجل الظن بحدوث موجبيهما في المستقبل، كنقل النمل البُرّ بالسرعة إلى حُجَرِها منذرةً بالمطر، فإنّها إمّا أن يتخيّل أنّ هناك مؤذٍ يكون، أو مطر ينزل...

وبالجملة : إنّ الأفعال الحُكميّة والعقليّة إنّما تصدر من الإنسان من جهة نفسه الشخصيّة، ومن سائر الحيوانات من جهة عقلها النوعيّة تدبيراً كليّاً.

٨ - ما يتّصل بما ذكر من أنّ الإنسان له أنْ يروي في أُمور مستقبلة، هل ينبغي أنْ يفعلها أو لا ينبغي ؟

فحينئذٍ يفعل وقت ما حكمت به رؤيته وتدبيره أنْ يفعله، ولا يفعل هذا وقتاً آخر، بحسب ما يقتضي رؤيته ألاّ يفعله، ما كان يصح أن يفعله في الوقت الأوّل، وكذا العكس، وأمّا الحيوانات الأخرى فليس لها ذلك، وإنّما لها من الإعدادات ما يكون على ضربٍ واحدٍ مطبوعٍ فيها، وافقت عاقبتها أو خالفت.

٩ - تذكّر أُمورٍ غابت عن ذهن الإنسان، والحيوانات الأُخرى لا تقدر على مثله.

١٠ - أخصّ خواصّ الإنسان: تصوّر المعاني الكلّيّة المجرّدة عن المادّة، والاهتداء إلى التصديقات والتصوّرات المجهولة، وأخصّ من هذا: اتصال النفوس الإنسانيّة بالعالم الإلهي، بحيث تفنى عن ذاتها وتبقى ببقائه، وحينئذٍ يكون الحقّ سمعه وبصره ورجله ويده، وهناك التخلّق بأخلاق الله تعالى(١) .

___________________

(١) لا حظ ص ٧٨ إلى ص٨٢ ج٩ من أسفار الشيرازي.

٣٨

أقول : لم يكن للقدماء من الفلاسفة وغيرهم علم تجريبي دقيق، بخصوصيّات الحيوانات، وإنّما يعرفون منها أُموراً كلّيّةً عامّةً لا غير، فلا اعتماد بآرائهم في جميع الموضوعات التي لا تعرف بمجرّد العقل، ولذا أخطأوا خطأً كثيراً في الأجسام العلويّة والأفلاك والنجوم، وأصبح اليوم معرفة الشباب المتعلّمين بالسماويّات أكثر من معرفة: الفارابي وابن سينا والسهروردي وصدر الدين الشيرازي وسائر مشاهير الفلسفة، ولعلّه لا لوم على أحدٍ إذا ادّعى أنّه لا معرفة صحيحة لهؤلاء الحدْسيّين من الفلاسفة بالسماء وكواكبها ونجومها، وما يتعلّق بها أصلاً !!!

وعلّة الاشتباه أنّهم غلطوا في تمييزهم بين حدود الفلسفة والعلوم، فحاولوا إثبات ما يحتاج إثباته إلى الحسّ والتجربة بالعقل المجرّد، وظنّوا أنّ لهم الصلاحيّة في جميع أقسام العلوم ؛ كما أنّ المادّيّين اليوم مشوا على عكس ذلك، فإذا لم يجدوا شيئاً في حقلهم العلمي نفوه مطلقاً تخيّلاً منهم أنّه لا حقائق خارج الحسّ. والحق أنّ للحسّ مداراً خاصّاً وللعقل مركزاً خاصّاً، ولا بُدّ من مراعاة ذلك حتّى لا يضلّ الباحث، ولا يطمث معالم الحق، وتفصيل البحث في محلّه.

وعلى كلٍّ، مجموع هذه الخواص يكفي لتمييز الإنسان عن الحيوان، ولا نستطيع أنْ ندّعي أنّ شيئاً من تلك الخواص لا يوجد في الحيوانات، بل البحوث الحديثة تثبت خلاف ذلك، وربّما تثبت التجربة العلميّة في المستقبل حقائق أهمّ، وأكثر، وأعجب للحيوانات ممّا اكتشفته لحدّ الآن.

والذي أراه مميِّزاً جوهريّاً بين الإنسان والحيوان - بعد اشتراكهما في الإحساس والحركة الإراديّة وجملة من الأُمور الأُخر - هو تعلّق الروح بالإنسان المستتبع لقدرته على الإدراكات الكلّيّة الكثيرة، التي أوجبت تحوّل حياة الإنسان من المرحلة الابتدائية المظلمة الشبيهة بحياة الحيوانات إلى

٣٩

هذه المرحلة، ثمّ في المستقبل إلى المراحل التي لا تقع في ذهننا اليوم، ومن المحسوس عجز الحيوانات عن هذا التحوّل.

( البحث الثالث ) في حقيقة الإنسان:

إنّ الإنسان له بدن مادّي محسوس، وله نفس إنسانيّة سوى البدن، والكلام فيه تارةً من جهة العقل، وأُخرى من جهة دلالة القرآن، وثالثة من جهة العلم.

ونحن نذكر في الجهة الأُولى، كلام بعض المفسِّرين من أهل المعقول، وإنْ كان لنا نقاش أو إيراد على بعض كلامه، ثمّ إنّ بحثه وإن كان في تجرّد النفس لكنّه يفي بالمقام، قال:

هل النفس مجرّدة عن المادة ؟

( ونعني بالنفس: ما يُحكى عنه كلّ واحدٍ منّا بقوله: أنا ؛ وبتجرّدها عدم كونها أمراً ماديّاً ذا انقسام وزمان ومكان ).

إنّا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: ب-: أنا، ولا نشكّ أنّ كلّ إنسانٍ هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حيناً من أحيان حياتنا وشعورنا، وليس هو شيئاً من أعضائنا وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحسّ، أو بنحوٍ من الاستدلال، كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواسّ الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك، وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحسّ والتجربة، فإنّا ربّما نغفل عن كلّ واحدٍ منها، وعن كلّ مجموعٍ منها، حتّى عن مجموعها التام الذي نسمّيه بالبدن، ولا نغفل قطّ عن المشهود الذي نعبِّر عنه: ب-: أنا، فهو غير البدن وغير أجزائه.

وأيضاً : لو كان هو البدن، أو شيئاً من أعضائه أو أجزائه أو خاصّةٍ من الخواص الموجودة فيها - وهي جميعاً مادّيّة، ومن حكم المادّة التغيّر

٤٠

التدريجي وقبول الانقسام والتجزّي - لكان مادّيّاً متغيّراً وقابلاً للانقسام، وليس كذلك، فإنّ كلّ أحدٍ إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانيّة اللاّزمة لنفسه، وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه ؛ وجده معنىً مشهوداً واحداً باقياً على حاله من غير أدنى تعدّدٍ وتغيّر، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه، والخواصّ الموجودة معها متغيّرة متبدّلة من كلّ جهةٍ في مادّتها وشكلها وسائر أحوالها وصورها، وكذا وجده معنىً بسيطاً غير قابلٍ للانقسام والتجزّي، كما يجد البدن وأجزائه وخواصّه - وكلّ مادّة وأمرٍ مادّيٍّ كذلك - ؛ فليست النفس هي البدن ولا جزءاً من أجزائه، ولا خاصّة من خواصّه، سواء أدركناه بشيءٍ من الحواسّ، أو بنحوٍ من الاستدلال، أو لم ندرك ؛ فإنّها جميعاً مادّية كيفما فُرضت، ومن حكم المّادة التغيّر وقبول الانقسام، والمفروض أنْ ليس في مشهودنا المسمّى بالنفس شيء من هذه الأحكام ؛ فليست النفس بمادّيّة بوجه.

وأيضاً، هذا الذي نشاهده، نشاهده أمراً واحداً بسيطاً، ليس فيه كثرة من الأجزاء، ولا خليط من خارج، بل هو واحد صِرْف، فكلّ إنسانٍ يشاهد ذلك من نفسه، ويرى أنّه هو وليس بغيره، فهذا المشهود أمرٌ مستقلٌّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادّة، ولا يوجد فيه شيء من أحكامها اللاّزمة، فهو جوهر مجرّد عن المادّة متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتحاداً ما له بالبدن، وهو التعلّق التدبيري ؛ وهو المطلوب.

وقد أنكر تجرّد النفس جميع المادّيّين، وجمعٌ من الإلهيّين من المتكلّمين والظاهريّين من المحدثين، واستدلّوا على ذلك، وردّوا ما ذُكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلّف من غير طائل.

قال المادّيّون: إنّ الأبحاث العلميّة على تقدّمها وبلوغها اليوم إلى غاية

٤١

الدقّة في فحصها وتجسّسها، لم تجد خاصّة من الخواصّ البدنيّة إلاّ وجدت علّتها المادّيّة، ولم تجد أثراً روحيّاً لا يقبل الانطباق على قوانين المادّة حتّى تحكم بسببها بوجود روح مجرّدة.

قالوا: وسلسلة الأعصاب تؤدّي الإدراكات إلى العضو المركزي وهو الجزء الدماغي، على التوالي وفي نهاية السرعة، ففيه مجموعة متّحدة ذات وضع واحد لا يتميّز أجزائها ولا يُدرك بطلان بعضها وقيام الآخر مقامه، وهذا الواحد المتحصّل هو نفسنا التي نشاهدها ونحكي عنها ب-: أنا.

فالذي نرى أنّه غير جميع أعضائنا صحيح، إلاّ أنّه لا يثبت أنّه غير البدن وغير خواصّه، بل هو مجموعة متّحدة من جهة التوالي والتوارد لا نغفل عنه، فإنّ لازم الغفلة عنه - على ما تبيّن - بطلان الأعصاب، ووقوفها عن أفعالها وهو الموت، والذي نرى أنّه ثابت صحيح لكنّه لا من جهة ثباته وعدم تغيّره في نفسه بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكيّة وسرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائماً، فما فيه من الماء يجده الحسّ واحداً ثابتاً، وهو بحسب الواقع لا واحدٌ ولا ثابت، وكذا يجد عكس الإنسان، أو الشجر أو غيرهما فيه واحداً ثابتا، وليس واحداً ثابتاً بل هو كثيرٌ متغيّر تدريجاً بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه، وعلى هذا النحو وجود الثبات والوحدة والشخصيّة التي نرى في النفس.

قالوا: فالنفس التي يُقام البرهان على تجرّدها من طريق المشاهدة الباطنيّة، هي في الحقيقة مجموعة من خواصّ طبيعيّة، وهي: الإدراكات العصبيّة، التي هي نتائج حاصلة من التأثير والتأثّر المتقابلين بين جزء المادّة الخارجيّة وجزء المركّب العصبي، ووحدتها وحدة اجتماعيّة لا وحدة واقعيّة حقيقيّة.

٤٢

أقول : أمّا قولهم: ( إنّ الأبحاث العلميّة المبتنية على الحسّ والتجربة، لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح، ولا وجدت حكماً من الأحكام غير قابل التعليل إلاّ بها )، فهو كلام حقٍّ لا ريب فيه، لكنّه لا ينتج انتفاء النفس المجرّدة التي أُقيم البرهان على وجودها، فإنّ العلوم الطبيعيّة الباحثة عن أحكام الطبيعة، وخواص المادّة، إنّما تقدر على تحصيل خواصّ موضوعها الذي هو المادّة، وإثبات ما هو من سنخها، وكذا الخواص والأدوات المادّيّة، التي نستعملها لتتميم التجارب المادّيّة، إنّما لها أن تحكم في الأُمور المادّيّة، وأمّا ما وراء المادّة والطبيعة فليس لها أن تحكم فيها نفياً ولا إثباتاً، وغاية ما يشعر البحث المادّي به هو عدم الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود، وليس من شأنه - كما عرفت - أن يجد ما بين المادّة التي هي موضوعها ولا بين أحكام المادّة وخواصّها، التي هي نتائج بحثها، أمراً مجرّداً خارجاً عن سنخ المادّة، وحكم الطبيعة.

والذي جرّأهم على هذا النفي ؛ زعمهم أنّ المثبتين لهذه النفس المجرّدة، إنّما أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيويّة من وظائف الأعضاء، ولم يقدروا على تعليلها العلمي، فأثبتوا النفس المجرّدة لتكون موضوعاً مُبْدئاً لهذه الأفاعيل، فلمّا حصل العلم اليوم على عللها الطبيعيّة لم يبق وجهٌ للقول بها. ونظير هذا الزعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.

وهو اشتباهٌ فاسدٌ، فإنّ المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك، ولم يسندوا بعض الأفاعيل البدنيّة إلى البدن، فيما علله ظاهرة، وبعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنيّة بلا واسطة وإلى النفس بواسطتها، وإنّما أسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن ألبتّة، وهو علم الإنسان بنفسه ومشاهدته ذاته، كما مرّ.

٤٣

وأمّا قولهم: ( إنّ الإنيّة المشهودة للإنسان على صفة الوحدة، هي عدّة من الإدراكات العصبيّة الواردة على المركز، على التوالي، وفي نهاية السرعة - ولها وحدة اجتماعية - ) فكلام لا محصّل له، ولا ينطبق عليه الشهود النفساني ألبتّة، وكأنّهم ذهلوا عن شهودهم النفساني ؛ فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسّيّة إلى الدماغ، واشتغلوا بالبحث عمّا يلزم ذلك من الآثار التالية، وليت شعري، إذا فرض أنّ هناك أُموراً كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها ألبتّة، وهذه الأُمور الكثيرة التي هي الإدراكات أُمور مادّيّة ليس ورائها شيء آخر إلاّ نفسها، وأنّ الأمر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمِن أين حصل هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره ؟!

ومن أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عياناً ؟!

والذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجد ؛ فإنّ الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة، وإنّما وحدتها في الحسّ أو الخيال - كالدار الواحد والخطّ الواحد مثلاً - لا في نفسه، والمفروض، في محلّ كلامنا، أنّ الإدراكات والشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها، فلازم قولهم:

إنّ هذه الإدراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلاً، وهي بعينها شعور واحد نفساني واقعاً، وليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة، كما يدرك الحاسّة أو الخيال المحسوسات، أو المخيّلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإنّ المفروض أنّ مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها، نفس الإدراك النفساني الواحد في نفسه، ولو قيل: إنّ المُدْرك هاهنا الجزء الدماغي، يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت الوحدة ؛ كان الإشكال بحاله، فإنّ المفروض: أنّ إدراك الجزء الدماغي نفس هذه الإدراكات الكثيرة

٤٤

المتعاقبة بعينها، لا أنّ للجزء الدماغي قوّة إدراك تتعلّق بهذه الإدراكات، كتعلّق القوى الحسيّة بمعلوماتها الخارجيّة وانتزاعها منها صوراً حسّيّة، فافهم ذلك.

والكلام في كيفيّة حصول الثبات والبساطة في هذا المشهود، الذي هو متغيّر متجزّئ في نفسه كالكلام في حصول وحدته، مع أنّ هذا الفرض أيضاً - أعني أن تكون الإدراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة مشعورةً بشعورٍ دماغيٍّ على نعت الوحدة - نفسه فرض غير صحيح، فما شأن الدماغ والقوّة التي فيه، والشعور الذي لها، والمعلوم الذي عندها ؟!

وهي جميعاً أُمورٌ مادّيّةٌ، ومن شأن المادّة والمادّي الكثرة والتغيّر وقبول الانقسام، وليس في هذه الصورة العلميّة شيء من هذه الأوصاف والنعوت، وليس غير المادة والمادي هناك شيء.

وقولهم: ( إنّ الأمر يشتبه على الحسّ أو القوّة المُدْرِكة، فيدرك الكثير المتجزّي المتغيّر واحداً بسيطاً ثابتاً ) غلط واضح، فإنّ الغلط والاشتباه من الأُمور النسبيّة التي تحصل بالمقايسة والنسبة، لا من الأُمور النفسيّة، مثال ذلك أنّا نشاهد الأجرام العظيمة السماويّة صغيرة كالنقاط البيض، ونغلط في مشاهدتنا هذه على ما تبيّنه البراهين العلميّة، وكثير من مشاهدات حواسّنا، إلاّ أنّ هذه الأغلاط، إنّما تحصل وتوجد إذا قايسنا ما عند الحسّ ممّا في الخارج من واقع هذه المشهودات، وأمّا ما عند الحسّ في نفسه، فهو أمرٌ واقعيٌّ كنقطة بيضاء لا معنى لكونه غلطاً ألبتّة.

والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ حواسّنا وقوانا المُدْرِكة إذا وجدت الأُمور الكثيرة المتغيِّرة المتجزّية على صفة الوحدة والثبات والبساطة ؛ كانت القوى المُدْرِكة غالطة في إدراكها، مشتبهة في معلومها

٤٥

بالقياس إلى المعلوم الذي في الخارج، وأمّا هذه الصورة العلميّة الموجودة عند القوّة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها ألبتّة، ولا يمكن أن يُقال للأمر الذي هذا شأنه: إنّه مادّي لفقده أوصاف المادّة العامّة.

فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الحجّة التي أوردها المادّيون من طريق الحسّ والتجربة إنّما ينتج عدم الوجدان، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود ( وهو مدَّعاهم ) مكان عدم الوجدان، وما صوّروه لتقرير الشهود النفساني - المثبت لوجود أمرٍ واحدٍ بسيطٍ ثابتٍ - تصوير فاسد، لا يوافق لا الأُصول المادّيّة المسلِّمة بالحسّ والتجربة، ولا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه.

وأمّا ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد، في أمر النفس، وهو أنّه الحالة المتّحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحيّة من الإدراك والإرادة والرضا والحب وغيرها، المنتجة لحالة متّحدة مؤلّفة، فلا كلام لنا فيه، فإن لكلّ باحثٍ أنّ يفترض موضوعاً، ويضعه موضوعاً لبحثه، وإنّما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في الخارج والواقع، مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه، وهو البحث الفلسفي، كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.

وقال قوم آخرون من نُفاة تجرّد النفس من الملِّيّين: إنّ الذي يتحصّل من الأُمور المربوطة بحياة الإنسان: كالتشريح والفيزيولوجي، إنّ هذه الخواص الروحيّة الحيويّة تستند إلى جراثيم الحياة والسلولات التي هي الأُصول في حياة الإنسان، وسائر الحيوان، وتتعلّق بها، فالروح خاصّة، وأثر مخصوص فيها لكلّ واحدٍ منها أرواح متعدّدة، فالذي يسمّيه الإنسان روحاً لنفسه، ويحكي عنه ب-: أنا: مجموعة متكوّنة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد

٤٦

والاجتماع، ومن المعلوم أنّ هذه الكيفيّات الحيويّة، والخواصّ الروحيّة، تبطل بموت الجراثيم والسلولات، وتفسد بفسادها، فلا معنى للروح الواحدة المجرّدة الباقية بعد فناء التركيب البدني، غاية الأمر أنّ الأُصول المادّيّة المكتشَفة بالبحث العلمي لمّا لم تفِ بكشف رموز الحياة ؛ كان لنا أن نقول: إنّ العلل الطبيعيّة لا تفي بإيجاد الروح، فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة، وأمّا الاستدلال على تجرّد النفس من جهة العقل محضاً فشيء لا يقبله ولا يصغي إليه العلم اليوم، لعدم اعتمادها على غير الحسّ والتجربة، هذا.

أقول : وأنت خبير بأنّ جميع ما أوردناه على حجّة الماديّين وارد على هذه الحجّة المختلَقة من غير فرق، ونزيدها أنّها مخدوشة:

أوّلاً : بأنّ عدم وفاء الأُصول العلميّة المكتَشَفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحياة، لا ينتج عدم وفائها أبداً، ولا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادّيّة في نفس الأمر على جهلٍ منّا، فهل هذا إلاّ مغالطة وُضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم ؟!

وثانياً : بأنّ استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادّيّة - إلى المادّة وبعضها الآخر - وهي الحوادث الحيويّة - إلى أمر وراء المادّة - وهو الصانع - قول بأصلين في الإيجاد، ولا يرتضيه المادّي ولا الإلهي، وجميع أدلّة التوحيد تُبطله.

وهنا إشكالات أُخر أوردوها على تجرّد النفس، مذكورة في الكتب الفلسفيّة والكلاميّة، غير أنّ جميعها ناشئة عن عدم التأمّل والإمعان فيما مرّ من البرهان، وعدم التثبّت في تعقّل الغرض منه ؛ ولذلك أضربنا عن إيرادها، والكلام

٤٧

عليها، فمَن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانّها، والله الهادي(١) انتهى كلامه.

وأمّا الكلام في الجهة الثانية - وهي دلالة القرآن والسنّة على أنّ للإنسان روحاً ونفساً غير البدن، فنقتصر فيه على نقل جملةٍ من الآيات الكريمة:

١ -( وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‌ ) (آل عمران ١٦٩ - ١٧١ ).

٢ -( وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لٰکِنْ لاَ تَشْعُرُونَ‌ ) ( البقرة ١٥٤ ).

٣ - (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غُدُوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدْخِلُوا آل فروعون أشدّ العذاب ) ( المؤمن ٤٥ - ٤٦ ).

واعلم أنّ هذه الآيات الثلاث تدلّ على أمرين:

أوّلهما : الحياة البرزخيّة للشهداء وأئمّة الكفر فقط دون غيرهما، أي لا يُستفاد منها عموم الحياة البرزخيّة للجميع، والاستدلال عليه بآيات أُخر لا يخلو عن منع وإشكال.

ثانيهما : أنّ للإنسان شيئاً آخر وراء البدن لا يموت بموت البدن وفنائه، وهو المستحقّ للثواب والعذاب، وهو الذي يُسمّى بالروح والنفس.

٤ -( فَلَوْ لاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ‌ ) ( الواقعة ٨٣ ).

___________________

(١) ص ٣٦٤ إلى ٣٧٠ ج١ تفسير الميزان.

٤٨

٥ -( کَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي ) ( القيامة ٢٦ ).

٦ -( إِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ کَافِرُونَ‌ * قُلْ يَتَوَفَّاکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذِي وُکِّلَ بِکُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّکُمْ تُرْجَعُونَ‌ ) ( السجدة ١٠ ).

أقول : ملك الموت لا يتوفّى الجسم الذي يُدفن في الأرض ويضلّ فيها، بل يتوفّى النفس.

٧ -( وَ لَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلاَئِکَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَکُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ.. ) ( الأنعام ٩٣ ).

٨ -( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِکُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَکَّرُونَ‌ ) ( الزمر ٤٢)(١) .

___________________

(١) وقد يُقال أنّ قوله تعالى( هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاکُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُکُمْ فِيهِ ) ( الأنعام ٦٠ )، يدلّ على موت الإنسان في المنام، والحال أنّه حيّ نائم.

وقد يُجاب عنه بأنّ الموت والنوم يشتركان في انقطاع تصرّف النفس في البدن، كما أنّ البعث بمعنى الإيقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الإحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرّفها في البدن بعد الانقطاع، فلأجله عُدت الإنامة توفياً، وإن شئت فقل إنّ التوفّي على قسمين: توفّي مؤقّت وهو الإنامة، وتوفّي يستمر وهو الإماتة كما يُستفاد من قوله تعالى:

( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِکُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرَى... ) ( الزمر آية ٤٢).

ويقول بعض الأطبّاء: إنّ حياة النوم ليست بها حسّ ولا وعي ولا حركة.

ويجب أن نعرف أنّ للنوم درجات، والدرجات السطحيّة منه يخالطها بعض اليقظة، وبعض الحسّ والحركة من تقليب وخلافه.

وأمّا الدرجات العميقة فلا، ونفس الشيء يحدث في التخدير وفقد الوعي المؤقّت، وفقد الوعي الدائم كتلف قشرة المخّ الكامل ( ص ٣٤٤ الحياة الإنسانيّة ).

أقول : وبعد فقد بقى الفرق العلمي بين الموت والنوم، وأخواته المشار إليها، وكذا الجنون وبيانه على عهدة العلوم.

وسيأتي في الفصل الثاني من المسألة التاسعة

=

٤٩

( البحث الرابع ) : النفس والروح مفهومان لحقيقةٍ واحدةٍ، فهما موجود واحد قطعاً، ومهما قيل في الفرق بينهما فهو بلحاظ الاعتبارات والمراتب لا غير، فإنّ كلّ إنسان يُدرك من ضميره أنّه واحد لا اثنان !

وتخيّل التعدّد من أوهام العوام، ومَن بحكمهم من مدّعي العلم المبتلين بالجهل المركّب.

ويناسب هنا أنْ نرجع إلى الكتاب والسنّة ؛ لنرى رأيهما في حقّهما وما يتعلّق بهما من خصوصياتهما.

أمّا الروح فقد استُعملت في القرآن في معانٍ مختلفةٍ غير ما به حياة الإنسان وشخصيّته، بل ليس فيه أنّ آدمعليه‌السلام أعطاه الله روحاً، وإنّما فيه أنّه تعالى نفخ في آدم من روحه ( الحجر ٢٩ - ص٧٢ ) كما ورد ( مثله ) في حقّ عيسىعليه‌السلام ، فلعلّ المراد من النفخ هو الإحياء فقط لا أنّ آدم وعيسى صاحبا روح(١) .

وأمّا قوله تعالى:( ويسئلونك عن الرُّوح قُلِ الرُّوح من أمر ربّي ) فالمراد بها مجهول، ويُحتمل أنّها الروح الأمين، أو روح القُدُس(٢) ، أو أُريد به ما أُريد بقوله تعالى:( تَنَزَّلُ الْمَلاَئِکَةُ وَ الرُّوحُ ) ، وبقوله:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِکَةُ صَفّاً ) ، أو روح الإنسان. لكن في الأحاديث أنّه خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل...(٣) .

وأمّا قوله تعالى:( أُولٰئِکَ کَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) ( المجادلة ٢٢ ) فهي الروح المؤيّدة للمؤمنين - رزقنا الله بفضله -

___________________

=

عشرة حول النسيج الشبكي ما ينفع للمقام، وكذا في الفصل الرابع في جواب الإشكال السابع.

(١) نعم الأحاديث تدلّ على أن للإنسان روحاً كما تأتي.

(٢) بناءً على أنّه غير الروح الأعلين أي جبرئيل وفيه بحث.

(٣) لاحظ ج١٨ وغيره من بحار الأنوار.

٥٠

وليست بروح تنشأ منها الحياة الإنسانية، كما لا يخفى.

وأما النفس والأنفس فقد وردت في القرآن كثيراً، وإليك بعض ما يتعلّق بها:

١ - النفس هي المسؤولة عن أعمال الإنسان كقوله تعالى:( ثُمَّ تُوَفَّى کُلُّ نَفْسٍ مَا کَسَبَتْ ) ( البقرة ٢٨١ )، وقوله:

( وَ وُفِّيَتْ کُلُّ نَفْسٍ مَا کَسَبَتْ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‌ ) (١) .

والآيات الدالّة عليه كثيرة(٢) .

٢ - أنّها تذوق الموت وإليها أُسند القتل، كقوله تعالى:( کُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) ( آل عمران ١٨٠ )، ( الأنبياء ٢٥ )، ( العنكبوت ٥٧ ).

٣ - أنّها تُلْهَم فجورها وتقواها.

٤ - أنّها المكلّفة:( لاَ يُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) ( البقرة ٢٨٦ )، ولاحظ سورة الأنعام ١٥٢، والأعراف ٤٢، والمؤمنون ٦٢، والطلاق ٧.

٥ - أنّها أمّارة بالسوء، وأنّها لوّامة، ومطمئنة وترجع إلى ربّها راضيةً مرضيّة.

٦ - أنّها متنعّمة في الجنّة، ( الزخرف ٧١ - فُصّلت ٣١ )(٣) .

وأمّا الأحاديث المعتَبَرة الواردة في المقام فقد استوفيناها في موسوعتنا الحديثيّة( معجم الأحاديث المعتبرة ) وذكرنا بعضها في سائر كتبنا ( گوناگون ج١ - عقايد براى همه وغيرها )، وإليك جملة منها:

١ - صحيح أبي ولاّد المروي في الكافي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال: قلت له: جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر

___________________

(١) آل عمران أية ٢٥.

(٢) البقرة ٤٨، ١٢٣، ٢٨١، آل عمران ٢٥..

(٣) ونسب إلى النفس - أيضاً - زائداً على ما في المتن: الإيمان والتفريط في جنب الله، والوسوسة، والتسويل، والشّحّ، والاشتهاء، والهوى، والأكنان، والحرج، والإخفاء، والاستيقان في آيات أُخر.

٥١

حول العرش، فقال: ( لا، المؤمن أكرم على الله مِن أن يجعل روحه في حوصلة طير ( و ) لكن في أبدان كأبدانهم )(١) .

٢ - صحيح محمّد بن قيس المروي في الخصال عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: سأل الشامي... عن العين التي تأوي إليها أرواح المشركين ؟ فقال: ( هي عينٌ يُقال لها سلمى )(٢) .

٣ - صحيح الكناسي المروي في الكافي، عن الباقرعليه‌السلام ...: ( إنّ لله جنّة خلقها الله في المغرب... وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كلّ مساء... وإنّ لله ناراً في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار... )(٣) .

٤ - صحيح الأحول المروي فيه قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الروح التي في آدم قوله:( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) (٤) ، قال: ( هذه روح مخلوقة، والروح في عيسى مخلوقة)(٥) .

٥ - حسنة حمران، قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ:( وَرُوحٌ مِنْهُ ) (٦) قال: ( هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى )(٧) .

٦ - صحيح أبي بصير المروي في الكافي، قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ:( وَ يَسْأَلُونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (٨) ،

___________________

(١) ص ٢٦٨ ج٦ بحار الأنوار.

(٢) ص ٢٧٤ نفس المصدر.

(٣) ص ٢٩٠ المصدر.

(٤) الحجر آية ٢٩.

(٥) ص ١٣٣ ج١ الكافي.

(٦) النساء آية ١٧١.

(٧) الكافي ١: ١٣٣.

(٨) الإسراء آية ٨٥.

٥٢

قال: ( خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل(١) ... )

٧ - معتبرة ابن أبي يعفور المرويّة في العلل عن الصادقعليه‌السلام :

( إنّ الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا )(٢) .

أقول : هذا المضمون وارد في عدّة من الأحاديث، لكنّ أكثرها ضعيفة سنداً فتكون مؤيّدة لها.

٨ - موثّقة ابن بكير، عن الباقرعليه‌السلام : (... وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفَي عام)(٣) .

أقول : خلقة الأرواح قبل الأبدان بألفي عام وردت في جملة من الأحاديث(٤) ، ولا يبعد حصول الاطمئنان بصدور بعضها عن الأئمّةعليهم‌السلام ، والظاهر أنّها تنافي قول بعض الفلاسفة: إنّ الروح جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء، ولذا أوّله في الأسفار تأويلاً باطلاً.

واعلم أنّ الروح لا تُطلق على الإنسان المركّب منها ومن البدن، بل يطلق على نفسها فقط، بخلاف النفس، فإنّها تطلق على خصوص معناها، كما تُطلق على معنىً يُعبّر عنه بالفارسيّة بكلمة ( خود، خودتان، خودما )، أي: على مجموع الإنسان، كقوله تعالى:( فسلِّموا على أنفُسِكُم ) (٥) ، بل ربّما على ما استحال البدن والنفس فيه ؛ كما في حقّه تعالى:( وَ يُحَذِّرُکُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (٦) .

___________________

(١) الكافي ١: ٢٧٣، نسخة الكومبيوتر.

(٢) ص ١٣٩ ص ٥٨ البحار.

(٣) ص ١٣٨ ج ١ الكافي.

(٤) النور آية ٦١.

(٥) لاحظ ج٥٨ وغيره من بحار الأنوار.

(٦) آل عمران آية ٢٨ و ٣٠.

٥٣

بقي شيء وهو: أنّ عوام المسلمين يزعمون أنّ الروح لا تأمر بالشرّ بل تأمر بالخير دائماً، وأمّا النفس، فهي تأمر بالخير والشرّ، ولعلّ وجه هذا الزعم أنّ القرآن أسند الشرّ إلى النفس ولم يسنده إلى الروح، لكنّ القرآن لم يفصّل القول في الروح الإنسانيّة، كما عرفت، وما تقدّم من الأحاديث المعتبرة يكفي في ضعف الزعم المذكور.

وبالجملة : هما مفهومان لمصداقٍ واحدٍ كما عرفت.

وأمّا الكلام في الجهة الثالثة - وهي دلالة العلم على وجود الروح - فهو طويل نقتصر فيه هنا على كلام بعض الفضلاء فقط ؛ حتى لا يطول بنا المقام:

والمادّة التي يتكوّن منها الدماغ، هي عين المادّة التي تنشأ منها بقيّة أعضاء الجسد، ونوع الحياة الذي يتسبّب في نشوء الجميع واحد. فإنّ أصل الجنين خليّة واحدة ثمّ تتكثّر، وعليه، يلزم أن تكون الوظائف التي تقوم بها مختلف أعضاء الجسم من جنسٍ واحدٍ دون اختلاف تخصّصاتها، وهي وظائف غير إراديّة ولا فكريّة، لأنّها اللاّرادة، ويستحيل بحسب سنن الكون وموجوداته أن يتولّد - بصورة آليّة - المريد من غير المريد والمفكِّر من غير المفكِّر.

وماقيل من أنّ: الإرادة، والفكر، والشعور، وغيرها من الأنشطة الإنسانيّة الاختياريّة، إنّما تنشأ من الدماغ نتيجة تفاعلات كيميائية وفيزيائية، غير صحيح ؛ فإنّ كلّ تفاعلٍ لابُدّ له من عامل، فهو إن كان خارجيّاً يلزم استناد إرادته وأفكاره ومشاعره المختلفة غير اختياريّة له، مع أن المادّيّين لم يستطيعوا - ولن يستطيعوا - ولا مرّة واحدة أن يضعوا العناصر والمركّبات في أنابيب الاختبار، ثمّ يدفعونها بالتأشيرات المعنويّة بدلاً من العوامل المادّيّة المعهودة.

٥٤

وإن كان داخليّاً فما هو ؟

هل هو مجرد احتكاك الخلايا والأعصاب، أم هو مجرد وصول الدماء إلى عروق الدماغ، أم هو شيءٌ آخر ؟

فليكن أيّ شيء فلماذا تتحدّد وتختلف نتائج ذلك التفاعل الكيميائي المزعوم، باختلاف الأشخاص من جهة، وباختلاف الأزمان والساعات والأحوال في الشخص الواحد من جهةٍ أُخرى ؟

إنّ محتويات الأدمغة واحدة في الأشخاص والأزمان، وأنشطتهما المادّيّة واحدة، فلماذا تتعدّد إذن نتائج التفاعلات التي تحدث فيها ؟

فتتعدّد الأفكار، وتتعدّد المشاعر والأحاسيس، وتعدّد الاكتشافات، وتتعدّد المواهب عند الأشخاص، بل وتعدّد عند الشخص الواحد في ساعتين...، أقول : ولا تفسير له سوى الإقرار بوجود الروح...(١) . انتهى ما أردنا نقله.

واعلم أنّ الاعتقاد بوجود الروح، لا ينقص من أهميّة المخّ وعظم عمله، فلا تغفل، ويقول طبيب مسلم: إنّ كثيراً من العلماء، ذكروا أنّ المظاهر النفسيّة: كالوعي، والإدراك، والانفعال، والذاكرة، والقدرة على التعلّم، والإحساس النهائي للّذّة والألم، وكلّ هذه المظاهر النفسيّة لم يثبت علميّاً - إلى الآن - أنّ مراكزها النهائيّة موجودة في خلايا المخّ.

والحقيقة أنّنا نتعلّم الطبّ حسب المدرسة الغربيّة، التي ينفصل عندها العلم عن الدين، فهي ترى: أنّ المظاهر النفسيّة عبارة عن تفاعلات كيمياوية معقّدة تحدث داخل خلايا المخّ، وهذا أمر لم يثبت علميّاً للآن(٢) .

أقول : ولتأثير الروح والمخّ وأهمّيّة كلتيهما لنضرب مثلاً، ونشبّه

___________________

(١) ص ١٢٧ إلى ص١٣١ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة، نقلنا عنها بعض القليل مع الاختصار.

(٢) ص٨٦ نفس المصدر.

٥٥

الروح بالمصوِّر، وخلايا المخّ بجهاز التصوير، والصورة كما تحتاج إلى المصوِّر تحتاج إلى آلة التصوير ولا يغني أحدهما عن الآخر في إنتاج الصورة.

( البحث الخامس ) في بدء حياة الإنسان.

المتدبّر في البحثين الأخيرين، يقتنع بسهولة أنّ الحياة الإنسانيّة إنّما هي بتعلّق الروح بالبدن، كما أنّ موت الإنسان بانقطاع هذا التعلّق نهائياً، ولا ربط لحياة الخلايا بحياة الإنسان، ولا موته بموتها، وهذا الذي اعتقده علماء الإسلام، هو الصحيح المطابق للبراهين العقليّة أيضاً.

وإنْ شئت فقل: إنّ قوام إنسانيّة الإنسان بروحه لا ببدنه، وإنّ فُرض موجوداً تامّاً في الخارج وكان جميع خلاياه حيّة، فالجنين مهما تكامل وتنامى فهو - قبل تعلّق الروح - جنين الإنسان، وما يؤل إلى الإنسان وليس بإنسان نفسه.

متى تتعلّق الروح بالبدن ؟

هذا هو السؤال المهمّ في المقام، ولا يصلح علم الطب وعلم الأجنّة، وسائر العلوم للإجابة عليه، لحدّ الآن، ولا أظنّ اهتداء العقل إليه أيضاً، فلا بُدّ من الرجوع إلى الدين فيه، لكنّ القرآن الكريم - وحسب فهمي - ليس فيه ما يدلّ على توقيت تعلّق الروح بالبدن، سوى قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ‌ ) (١) ، ولا بُعد في إرادة تعلّق الروح بالجنين من هذه الآية، إذ إنشاء الجنين مخلوقاً آخر لا يناسب إلاّ صيرورته ذات روح، ويؤكِّده قوله:( فَتَبَارَکَ اللَّهُ... ) ، بل يدلّ على إرادة التعلّق المذكور بعض الروايات المعتبرة الآتية، لكن لا يُستفاد أنّ تعلق الروح

___________________

(١) المؤمنون آية ١٤.

٥٦

بالجنين في أيّ شهرٍ من شهور الحمل، وإنّما يُستفاد من الآية المذكورة أنّه بعد كسوة العظام لحماً. وإن قدّر الطب بشكلٍ دقيقٍ محسوسٍ على تعيين زمن كسوتها لحماً لم يقدر على زمان تعلّق الروح بالجنين، إذ لا دليل على أنّه بعدها بلا فصل، بل ظاهر قوله:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ ) ، الفصل بينهما، فلا يبقى أمامنا للحصول على جواب السؤال المذكور سوى الأحاديث، فنقول:

١ - الصحيح المرويّ في التهذيب عن أمير المؤمنينعليه‌السلام :

(... فإذا أُنشئ فيه خلقٌ آخر، وهو الروح، فهو حينئذٍ نفس، ألف دينار كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أُنثى فخمسمئة دينار )(١) .

٢ - صحيح محمّد بن مسلم المرويّ في الكافي، قال:

سألت أبا جعفرعليه‌السلام ... قلت: فما صفة النطفة التي تُعرف بها ؟

فقال: ( النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة، فتمكث في الرحم إذا صارت أربعين يوماً، ثمّ تصير إلى علقة.

قلت: فما صفة خلقة العلقة التي تُعرف بها ؟

فقال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة تمكث في الرحم بعد تحويلها عن النطفة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة.

قلت: فما صفة المضغة وخلقتها التي تُعرف بها ؟

قال: هي مضغة لحمٍ حمراءَ فيها عروقٌ خضرٌ مشتبكة، ثمّ تصير إلى عظم.

قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظماً ؟

فقال: إذا كان عظماً شقّ له السمع والبصر، ورُتّبت جوارحه، فإذا كان كذلك فإنّ فيه الديّة كاملة )(٢) ، ورواه الشيخ في تهذيبه بتفاوت(٣) .

أقول : لم يذكر في هذا الصحيح توقيت المضغة بأربعين يوماً، ولا

___________________

(١) ص ٢٨٥ ج ١٠ نسخة الكومبيوتر.

(٢) ص ٣٤٥ ج ٧ الكافي.

(٣) ص ٤٧٥ ج ٢٦ جامع الأحاديث.

٥٧

يضر، فإنّه مذكور في صحيح زرارة وغيره، الآتية في مسألة الإجهاض(١) . ولم يذكر تعلّق الروح بالجنين أيضاً.

أقول : لا يُفهم من هذه الأحاديث مع الآية أنّ بدء الحياة الإنسانيّة، في أوّل الشهر الخامس من الحمل، أي في اليوم ١٢١ من الحمل، بل يُحتمل نفخ الروح بأطول من ذلك، كما لا يخفى، بل في رواية أبي شبل:

( هيهاتَ يا أبا شبل، إذا مضت الخمسة الأشهر فقد صارت فيه الحياة، وقد استوجب الديّة)(٢) ، ولعلّه اشتباه ومحرّف الأربعة الأشهر، لكنّه محتمل، إذ لا يخالفه نصٌّ معتبر، سوى معتبرة ابن الجهم الآتية(٣) ، ولا بُدّ لك أن تُلاحظ ما يأتي من الآية والأحاديث في المسألة الآتية، مع هذه الأحاديث جمعاً.

ومقتضى النظر الدقيق، أنّ جميع الأحاديث لا تدلّ على أنّ نفخ الروح يكون في أوّل الشهر الخامس من الحمل، حتّى معتبرة ابن الجهم في المطلب الأوّل من المسألة الآتية، وإنْ كانت مشعرة بها، نعم مدلولها نفخ الروح في الجنين بعد أربعة أشهر، فلاحظ وتأمّل جيّداً، والله العالم.

ولعلّه لأجل ما ذكرنا ؛ قال صاحب الجواهرقدس‌سره في باب الدية ( ص٣٦٥ ج٤٣ ): بل عن ظاهر الأصحاب عدم اعتبار مضيّ الأربعة أشهر في الحكم بحياته على وجه يترتّب عليه الديّة، وإن قال الصادقعليه‌السلام في خبر زرارة:

( السّقط إذا تمّ له أربعة أشهر غُسِّل )(٤) .

وأفتى الأصحاب بمضمونه، إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي تحقّق العنوان في المقام.

أقول : أي حياة الجنين لوجوب الدية الكاملة.

___________________

(١) لاحظ ص ٦٤ هذا الكتاب.

(٢) جامع الأحاديث ٢٦ / ٤٨١.

(٣) الكافي ٧: ٣٤٦، نسخة الكومبيوتر.

(٤) الكافي ٣: ٢٠٦.

٥٨

المسألة السادسة

حول إجهاض الجنين(١)

الإجهاض: إلقاء حَمْلٍ ناقص الخَلْق بغير تمام، سواء من المرأة أو من غيرها، وكثيراً ما يُعبّر عن الإجهاض بالإسقاط، أو الطرح أو الإلقاء، وفي المقام مطالب ننقلها عن الأطبّاء:

١ - الثابت في علم الأجنّة أنّ الحياة موجودة في الحيوان المنوي قبل التلقيح، وموجودة في البويضة قبل الالتقاء، وقد يلتقي الحيوان المنوي والبويضة ويُسفر عن ذلك حمل عنقود وليس إنساناً، والحمل العنقودي ليس جنيناً، وإنّما مجرد خلايا لا تكون في مجموعها أي شكل من الأشكال، وإنّما شكلها شكل عنقود العنب، وبعد فترةٍ من الزمن يتقلّص الرحم ويطرد هذا المحتوى، ولكن ليس فيه ما يدلّ على الإنسان، أو على صورة الإنسان، أو على الحياة، وهو - أيضاً - نتيجة التقاء الحيوان المنوي بالبويضة(٢) .

٢ - فترة الإنشاء - يعني به قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) (٣) -

___________________

(١) الإجهاض - كما في معاجم اللُّغة واستعمال الفقهاء - هو إلقاء الحمْل ناقص الخَلْق، أو ناقص المدّة.

وقد أطلق مجمع اللُّغة العربية كلمة الإجهاض: على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة الإسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع. هكذا قيل.

(٢) قال بعض الأطباء: إنّ البويضة المخصبة من ناحية خلويّة بالتأكيد هي ليست الجنين، إنّ جزءً يسيراً منها يتكوّن منه الجنين، وهذا يحدث في اليوم العاشر بعد العلوق، وقد لا يحدث فتكون بويضةً فاسدةً لا ينتج عنها جنين، وقد يحدث منها حمل عنقودي، وقد يحدث توأم... ص٦٧٧، الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبّيّة.

(٣) المؤمنون آية ١٤.

٥٩

حسبما رأيناه في الفيلم: أنّه في الأُسبوع السادس أو السابع بعد الفترة من الأُسبوع الأوّل إلى الأُسبوع السادس كانت مجموعة من الأنسجة لم تظهر بالفيلم، وإنّما ظهر لنا من بعد الأُسبوع السادس، وبعد الأربعين يوماً بدأ يتخلّق، بدأ يظهر الرأس وتظهر الأطراف، بدء خَلْقٍ آخر... ( و) من بعد الأُسبوع السادس ما هو إلاّ نموٌّ وليس تكويناً جديداً(١) .

٣ - إنّ الجنين يتحرّك ويتحرّك من قبل نهاية الشهر الرابع بزمن ٍطويل، ولكنّ السيّدة لا تحس به ؛ لأنّ الكيس المائي الذي يسبح فيه يكون في البداية كبيراً فسيحاً بالنسبة لجسمه الصغير، ويمرّ زمن حتّى يكبر الجنين، فتستطيع لكماته وركلاته أنْ تطال جدار الرحم ؛ فتشعر بها السيّدة بعد أربعة أشهر من الحمل، بل إنّ لدينا الآن من الأجهزة ما نسمع به دقّات قلب الجنين وهو في الأُسبوع الخامس، ولدينا من الأجهزة ما نرصد به حركة الجنين حتّى مِن قبل ذلك...(٢) .

وقيل: إنّ الحركة متّصلة قبل ذلك ؛ لأنّ الخلايا منذ المراحل الأُولى في حركة، حتّى إنْ لم ترها الأجهزة ؛ لأنّ الخلايا تتحرّك، وترتّب نفسها إلى آخره(٣) .

٤ - مبرِّرات الإجهاض في الغرب قد اتّسعت حتّى بلغت خاتمة المطاف بالإجهاض حسب الطلب !!!

ومن المبرِّرات: الدواعي الطبّيّة، لكن وسع في بعض البلاد مدلولها فبدأت بالخطر على حياة الأُمّ إن استمرّ الحمل، ثمّ الخطر على صحّتها، ثمّ على صحّتها الجسميّة، أو النفسيّة، ثمّ عليها في الحاضر وفي المستقبل المنظور، ثمّ على الصحّة الجسميّة أو

___________________

(١) ص٢٣٤ وص٢٣٥، الإنجاب في ضوء الإسلام.

(٢) ص٢٥٤ وص٢٥٥، نفس المصدر.

(٣) ص٢٨٢، نفس المصدر.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341