النهاية الجزء ١

النهاية5%

النهاية مؤلف:
الناشر: دارالكتاب العربي
تصنيف: متون فقهية ورسائل عملية
الصفحات: 793

الجزء ١ المقدمة
  • البداية
  • السابق
  • 793 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 224217 / تحميل: 6272
الحجم الحجم الحجم
النهاية

النهاية الجزء ١

مؤلف:
الناشر: دارالكتاب العربي
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

ثمَّ يسعى بين الصّفا والمروة. فإن طاف بالبيت أشواطا، ثمَّ قطعه ناسيا، وسعى بين الصّفا والمروة، كان عليه أن يتمّم طوافه، وليس عليه استينافه. فإن ذكر أنّه لم يكن أتمّ طوافه، وقد سعى بعض السّعي، قطع السّعي، وعاد فتمّم طوافه، ثمَّ تمّم السّعي.

والمتمتّع إذا أهلّ بالحجّ، لا يجوز له أن يطوف ويسعى إلّا بعد أن يأتي منى، ويقف بالموقفين، إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يقدر على الرّجوع إلى مكّة، أو مريضا، أو امرأة تخاف الحيض فيحول بينها وبين الطواف، فإنّه لا بأس بهم أن يقدّموا طواف الحجّ والسعي.

وأمّا المفرد والقارن، فإنّه لا بأس بهما أن يقدّما الطّواف قبل أن يأتيا عرفات.

وأمّا طواف النساء فإنّه لا يجوز إلّا بعد الرّجوع من منى مع الاختيار. فإن كان هناك ضرورة تمنعه من الرّجوع إلى مكّة، أو امرأة تخاف الحيض، جاز لهما تقديم طواف النساء، ثمَّ يأتيان الموقفين ومنى، ويقضيان المناسك ويذهبان حيث شاء. ولا يجوز تقديم طواف النّساء على السّعي. فمن قدّمه عليه، كان عليه إعادة طواف النّساء. وإن قدّمه ناسيا أو ساهيا، لم يكن عليه شي‌ء وقد أجزأه.

ولا بأس أن يعوّل الرّجل على صاحبه في تعداد الطّواف. وإن

٢٤١

تولّى ذلك بنفسه، كان أفضل. ومتى شكّا جميعا في عدد الطّواف استأنفا من أوّله.

ولا يجوز للرّجل أن يطوف وعليه برطلة. ويستحبّ للإنسان أن يطوف بالبيت ثلاثمائة وستين أسبوعا. فإن لم يتمكّن من ذلك، طاف ثلاثمائة وستّين شوطا، فإن لم يتمكّن من ذلك، طاف ما تيسّر منه. ومن نذر أن يطوف على أربع، كان عليه طوافان: أسبوع ليديه، وأسبوع لرجليه.

فإذا فرغ الإنسان من طوافه، أتى مقام إبراهيم، ويصلّي فيه ركعتين، يقرأ في الأولى منهما الحمد وقل هو الله أحد، وفي الثّانية الحمد وقل يا أيها الكافرون. وركعتا طواف الفريضة فريضة مثل الطّواف على السّواء. وموضع المقام حيث هو السّاعة. فمن نسي هاتين الرّكعتين، أو صلّاهما في غير المقام، ثمَّ ذكرهما، فليعد إلى المقام، فليصلّ فيه. ولا يجوز له أن يصلّي في غيره. فإن خرج من مكّة، وكان قد نسي ركعتي الطّواف، وأمكنه الرّجوع إليها، رجع وصلّى عند المقام. وإن لم يمكنه الرّجوع، صلّى حيث ذكر، وليس عليه شي‌ء. وإذا كان في موضع المقام زحام، فلا بأس أن يصلّي خلفه. فإن لم يتمكّن من الصّلاة هناك، فلا بأس إن يصلّي حياله.

ووقت ركعتي الطّواف، إذا فرغ منه أيّ وقت كان من ليل

٢٤٢

أو نهار، سواء كان ذلك بعد العصر أو بعد الغداة، اللهمّ إلّا أن يكون الطّواف نافلة. فإنّه متى كان كذلك وطاف بعد الغداة أو بعد العصر، أخّر الصّلاة إلى بعد طلوع الشّمس أو بعد الفراغ من المغرب. ومن نسي ركعتي الطّواف، وأدركه الموت قبل أن يقضيها كان على وليّه القضاء عنه.

باب السعي بين الصفا والمروة

إذا أراد الإنسان الخروج الى الصّفا يستحبّ له أن يستلم الحجر الأسود أوّلا، ثمَّ يأتي زمزم فيشرب منها، ويصبّ على بدنه دلوا من مائه. ويكون ذلك من الدّلو الذي بحذاء الحجر.

فإذا أراد الخروج إلى الصّفا، فليكن خروجه من الباب المقابل للحجر الأسود حتّى يقطع الوادي. فإذا صعد الى الصّفا، نظر الى البيت، واستقبل الرّكن الذي فيه الحجر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر من آلائه وبلائه وحسن ما صنع به ما قدر. ويستحبّ له أن يطيل الوقوف على الصّفا. فإن لم يمكنه، وقف بحسب ما تيسّر له. وليكبر الله سبعا ويهلّله سبعا، ويقول: « لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كلّ شي‌ء قدير » ثلاث مرّات. ثمَّ ليصلّ على النّبيّ،صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليدع بالدعاء الذي ذكرناه في كتاب « تهذيب الأحكام » إن شاء الله. ثمَّ لينحدر إلى المروة ماشيا إن

٢٤٣

تمكّن منه. فإن لم يتمكّن منه، جاز أن يركب. فإذا انتهى إلى أول زقاق عن يمينه بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، سعى. فإذا انتهى اليه، كفّ عن السّعي ومشى مشيا. فإذا جاء من عند المروة، بدأ من عند الزّقاق الذي وصفناه. فإذا انتهى الى الباب قبل الصّفا بعد ما تجاوز الوادي، كفّ عن السّعي ومشى مشيا.

والسّعي هو أن يسرع الإنسان في مشيه إن كان ماشيا. وإن كان راكبا، حرّك دابّته في الموضع الذي ذكرناه. وذلك على الرّجال دون النساء.

والسّعي بين الصّفا والمروة فريضة لا يجوز تركه. فمن تركه متعمّدا، فلا حجّ له. ومن تركه ناسيا، كان عليه إعادة السّعي لا غير. فإن خرج من مكّة ثمَّ ذكر أنّه لم يكن قد سعى، وجب عليه الرّجوع والسّعي بين الصّفا والمروة. فإن لم يتمكّن من الرّجوع، جاز له أن يأمر من يسعى عنه. وإن ترك الرّمل بين الصّفا والمروة لم يكن عليه شي‌ء. ويجب البداءة بالصّفا قبل المروة والختم بالمروة. فمن بدأ بالمروة قبل الصّفا، وجب عليه إعادة السّعي لا غير.

والسّعي المفروض بين الصّفا والمروة سبع مرّات. فمن سعى أكثر منه متعمّدا، فلا سعي له، ووجب عليه إعادته. فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا، طرح الزيادة واعتدّ بالسبعة. ومن سعى ثماني مرات، ويكون قد بدأ بالصّفا، فإن شاء أن يضيف إليها

٢٤٤

ستّا، فعل، وإن شاء أن يقطع، قطع. وإن سعى ثماني مرّات وهو عند المروة، أعاد السّعي، لأنّه بدأ من المروة وكان يجب عليه البداءة بالصّفا. ومن سعى تسع مرّات وكان عند المروة في التّاسعة، فليس عليه إعادة السّعي، لأنّه بدأ بما بدأ الله به، وختم بما ختم به. ومتى سعى الإنسان أقلّ من سبع مرّات ناسيا، وانصرف، ثمَّ ذكر أنّه نقص منه شيئا، رجع، فتمّم ما نقص منه. فإن لم يعلم كم نقص منه، وجب عليه إعادة السّعي. وإن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السّعي، وجب عليه دم بقرة. وكذلك إن قصّر أو قلّم أظفاره، كان عليه دم بقرة وإتمام ما نقص من السّعي. ولا بأس أن يسعى الإنسان بين الصّفا والمروة على غير وضوء. غير أنّ الوضوء أفضل.

فإذا دخل وقت صلاة الفريضة، والإنسان في حال السّعي، قطع السّعي، وصلّى في بعض المساجد هناك، ثمَّ عاد فتمّم السّعي. ولا بأس أن يجلس الإنسان بين الصّفا والمروة للاستراحة. ولا بأس أن يقطع السّعي لقضاء حاجة له أو لبعض إخوانه، ثمَّ يعود فيتمّم ما قطع عليه. ومن نسي الرّمل في حال السّعي حتّى يجوز موضعه، ثمَّ ذكر، فليرجع القهقرى الى المكان الذي يرمل فيه.

ومتى فرغ من السّعي قصّر. فإذا قصّر، أحلّ من كلّ شي‌ء

٢٤٥

أحرم منه. وأدنى التّقصير أن يقصّ أظفاره، ويجزّ شيئا من شعر رأسه، وإن كان يسيرا. ولا يجوز له أن يحلق رأسه كلّه. فإن فعله، كان عليه دم يهريقه. وإذا كان يوم النّحر، أمرّ الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق. هذا إذا كان حلقه متعمّدا. فإن كان حلقه ناسيا، لم يكن عليه شي‌ء. فإن نسي التّقصير حتّى يهلّ بالحجّ، كان عليه دم يهريقه.

وينبغي للمتمتّع أن لا يلبس الثّياب، ويتشبّه بالمحرمين من بعد إحلاله قبل الإحرام بالحجّ ندبا واستحبابا. فإن لبسها، لم يكن مأثوما.

ومتى جامع الرّجل قبل التّقصير، كان عليه بدنة إن كان موسرا. وإن كان متوسطا، فبقرة. وإن كان فقيرا، فشاة. ومن قبّل امرأته قبل التّقصير، كان عليه دم شاة. ولا بأس بمواقعة النّساء بعد التّقصير وشمّ الطّيب وفعل جميع ما كان يحرم عليه في حال الإحرام، إلّا الصّيد خاصة، لأنّه في الحرم. ويحلّ له أن يأكل ما صيد وذبح في غير الحرم.

ولا ينبغي للمتمتّع بالعمرة إلى الحجّ أن يخرج من مكّة قبل أن يقضي مناسكه كلّها إلّا لضرورة. فإن اضطرّ الى الخروج، خرج الى حيث لا يفوته الحجّ، ويخرج محرما بالحجّ. فإن أمكنه الرّجوع الى مكّة، وإلّا مضى إلى عرفات. فإن خرج بغير إحرام ثمَّ عاد، فإن كان عوده في الشّهر الذي خرج فيه، لم

٢٤٦

يضرّه أن يدخل مكّة بغير إحرام، فإن دخل في غير الشّهر الذي خرج فيه، دخلها محرما بالعمرة إلى الحجّ، وتكون عمرته الأخيرة هي التي يتمتّع بها الى الحجّ.

ولا يجوز لأحد أن يدخل مكّة إلّا محرما أي وقت كان وقد رخّص للمريض والحطّابة دخولها من غير إحرام.

باب الإحرام للحج

إذا أراد الإنسان أن يحرم للحجّ، فليكن ذلك عند زوال الشمس بعد أن يصلّي الفرضين، ويكون على غسل. هذا إذا تمكّن منه وكان عليه وقت. فإن لم يتمكّن، جاز له أن يحرم بقيّة نهاره أيّ وقت شاء. ومتى دخل إنسان يوم التّروية إلى مكّة طاف وسعى وقصّر وأحلّ، ثمَّ عقد الإحرام للحجّ، فإن لم يلحق مكّة إلّا ليلة عرفة، جاز له أن يفعل ذلك أيضا، فإن دخلها يوم عرفة، جاز له أن يحلّ أيضا ما بينه وبين زوال الشّمس. فإذا زالت الشّمس، فقد فاتته العمرة، وكانت حجّة مفردة. هذا إذا علم أنّه يلحق عرفات. فان غلب على ظنه أنّه لا يلحقها، فلا يجوز له أن يحلّ، بل يقيم على إحرامه، ويجعل حجّته مفردة.

وإذا أراد الإحرام، فليغتسل وليتنظّف، ويزيل الشّعر من ويأخذ من شاربه، ويقلّم أظفاره، ويفعل جميع ما

٢٤٧

فعله عند الإحرام الأوّل. ثمَّ ليلبس ثوبي إحرامه، وليدخل المسجد حافيا وعليه السّكينة والوقار. وليصلّ ركعتين عند مقام إبراهيمعليه‌السلام ، أو في الحجر. وإن صلّى ستّ ركعات، كان أفضل. وإن صلّى فريضة الظّهر، ثمَّ أحرم في دبرها، كان أفضل. وأفضل المواضع الّتي يحرم منها المسجد الحرام، وفي المسجد من عند المقام. فمن أحرم من غير المسجد، كان أيضا جائزا.

وإذا صلّى ركعتي الإحرام، أحرم بالحجّ مفردا، ويدعوا بالدّعاء كما كان يدعوا عند الإحرام الأول، إلّا أنّه يذكر الحجّ مفردا، لأنّ عمرته قد مضت. فإن كان ماشيا، لبّى من موضعه الذي صلّى فيه. وإن كان راكبا، لبّى إذا نهض به بعيره. فإذا انتهى الى الرّدم، وأشرف على الأبطح، رفع صوته بالتّلبية، ثمَّ ليخرج إلى منى. ويكون تلبيته الى زوال الشّمس من يوم عرفة. فإذا زالت الشّمس، قطع التّلبية.

ومن سها في حال الإحرام فأحرم بالعمرة، عمل على أنّه أحرم بالحجّ، وليس عليه شي‌ء. وإذا أحرم بالحجّ، لم يجز له أن يطوف بالبيت الى أن يرجع من منى. فإن سها فطاف بالبيت، لم ينتقض إحرامه، غير أنه يعقده بتجديد التّلبية. ومن نسي الإحرام بالحجّ الى أن يحصل بعرفات، جدّد الإحرام بها، وليس عليه شي‌ء. فإن لم يذكر حتّى يرجع الى

٢٤٨

بلده، فإن كان قد قضى مناسكه كلّها، لم يكن عليه شي‌ء.

باب نزول منى

يستحبّ لمن أراد الخروج إلى منى، الّا يخرج من مكّة حتّى يصلّي الظّهر يوم التّروية بها، ثمَّ يخرج إلى منى، إلّا الإمام خاصّة، فإنّ عليه أن يصلّي الظّهر والعصر التّروية بمنى، ويقيم بها الى طلوع الشّمس من يوم عرفة، ثمَّ يعدوا الى عرفات. فإذا اضطر الإنسان إلى الخروج بأن يكون عليلا يخاف ألّا يلحق، أو يكون شيخا كبيرا، أو يخاف الزحام، جاز له أن يتعجّل هبل أن يصلّي الظّهر.

فإذا توجّه إلى منى فليقل: « اللهم إياك أرجو وإياك أدعو. فبلّغني أملي، وأصلح لي عملي ». فإذا نزل منى فليقل: « اللهمّ هذه منى، وهي ممّا مننت به علينا من المناسك. فأسألك أن تمنّ عليّ بما مننت به على أنبيائك. فإنما أنا عبدك وفي قبضتك. » وحدّ منى من العقبة إلى وادي محسّر.

باب الغدو الى عرفات

يستحبّ للإمام أن لا يخرج من منى إلّا بعد طلوع الشّمس. من يوم عرفة. ومن عدا الإمام يجوز له الخروج بعد أن يصلّي الفجر بها، وموسّع له أيضا الى طلوع الشّمس. ولا يجوز له

٢٤٩

أن يجوز وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشّمس. ومن اضطرّ الى الخروج قبل طلوع الفجر، جاز له أن يخرج ويصلّي في الطّريق.

فإذا توجّه الى عرفات، فليقل: اللهمّ إيّاك قصدت وإيّاك اعتمدت ووجهك أردت. أسألك أن تبارك لي في رحلي، وأن تقضي لي حاجتي، وأن تجعلني ممّن تباهي به اليوم من هو أفضل منّي ». ويكون على تلبيته على ما ذكرناه الى زوال الشّمس فإذا زالت، اغتسل وصلّى الظهر والعصر جميعا، يجمع بينهما، ثمَّ يقف بالموقف ويدعو لنفسه ولوالديه ولإخوانه المؤمنين. والأدعية في ذلك كثيرة لم نوردها هاهنا مخافة التّطويل.

ويستحبّ أن يضرب الإنسان خباءه بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة. وحدّ عرفة من بطن عرنة وثويّة ونمرة إلى ذي المجاز. ولا يرتفع الى الجبل الا عند الضّرورة الى ذلك. ويكون وقوفه على السّهل. ولا يترك خللا إن وجده، إلّا سدّه بنفسه ورحله. ولا يجوز الوقوف تحت الأراك ولا في نمرة ولا في ثويّة ولا في ذي المجاز. فإنّ هذه المواضع ليست من عرفات. فمن وقف بها، فلا حجّ له. ولا بأس بالنّزول فيها، غير أنّه إذا أراد الوقوف، دعاء الى الموقف فوقف هناك.

٢٥٠

باب الإفاضة من عرفات والوقوف بالمشعر الحرام ونزول منى

إذا غربت الشّمس من يوم عرفة فليفض الحاجّ من عرفات إلى المزدلفة. ولا يجوز الإفاضة قبل غيبوبة الشّمس. فمن أفاض قبل مغيبها متعمّدا، كان عليه بدنة، ينحرها يوم النّحر بمنى. فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوما إمّا في الطّريق أو إذا رجع الى أهله. وإن كانت إفاضته قبل مغيب الشّمس على طريق السّهو أو يكون جاهلا بأنّ ذلك لا يجوز، لم يكن عليه شي‌ء.

فإذا أراد أن يفيض، فليقل: « اللهمّ لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف، وارزقنيه أبدا ما أبقيتني، واقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من وفدك عليك. وأعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير والبركة والرّحمة والرّضوان والمغفرة. وبارك لي فيما أرجع اليه من مال أو أهل أو قليل أو كثير. وبارك لهم فيّ ».

واقتصد في السير وسر سيرا جميلا. فإذا بلغت الى الكثيب الأحمر عن يمين الطّريق، فقل: « اللهمّ ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلّم لي ديني، وتقبّل مناسكي » ولا يصلّي المغرب

٢٥١

والعشاء الآخرة إلّا بالمزدلفة. وإن ذهب من اللّيل ربعه أو ثلثه. فإن عاقه عائق عن المجي‌ء إلى المزدلفة الى أن يذهب من اللّيل أكثر من الثّلث، جاز له أن يصلّي المغرب في الطّريق. ولا يجوز ذلك مع الاختيار. وينبغي أن يجمع بين الصّلاتين بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين. ولا يصلّي بينهما نوافل. بل يؤخّر نوافل المغرب الى بعد العشاء الآخرة. وإن فصل بين الفرضين بالنّوافل، لم يكن مأثوما، غير أنّ الأفضل ما قدّمناه.

وحدّ المشعر الحرام ما بين المأزمين إلى الحياض والى وادي محسّر. فلا ينبغي أن يقف الإنسان إلا فيما بين ذلك. فإن ضاق عليه الموضع، جاز له أن يرتفع الى الجبل. فإذا أصبح يوم النّحر، صلّى الفجر، ووقف للدّعاء، إن شاء قريبا من الجبل، وإن شاء في موضعه الذي بات فيه. وليحمد الله تعالى وليثن عليه، وليذكر من آلائه وحسن بلائه ما قدر عليه. ويصلّي على النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . ويستحبّ للصّرورة أن يطأ المشعر الحرام، ولا يتركه مع الاختيار. فإذا كان قبيل طلوع الشمس بقليل، رجع الى منى. ولا يجوز وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشّمس.

ولا يجوز للإمام أن يخرج من المشعر الا بعد طلوع الشّمس وإن أخّر غير الإمام الخروج بعد طلوع الشّمس لم يكن به بأس. ولا يجوز الخروج من المشعر الحرام قبل طلوع الفجر.

٢٥٢

فإن خرج قبل طلوعه متعمّدا، كان عليه دم شاة. وإن كان خروجه ناسيا أو ساهيا، لم يكن عليه شي‌ء. ومرخّص للمرأة والرّجل الذي يخاف على نفسه، أن يفيضا إلى منى قبل طلوع الفجر.

فإذا بلغ وادي محسّر، وهو واد عظيم بين جمع ومنى، وهو الى منى أقرب، فليسع فيه حتّى يجاوزه. ويقول: « اللهم سلّم عهدي، واقبل توبتي، وأجب دعوتي، واخلفني فيمن تركت بعدي ». فإن ترك السعي في وادي محسّر، فليرجع وليسع فيه، إن تمكّن منه، وإن لم يتمكّن، فليس عليه شي‌ء.

وينبغي أن يأخذ حصى الجمار من جمع. وإن أخذه من مني أو من بعض الطّريق، كان أيضا جائزا. ويجوز أخذ حصى الجمار من سائر الحرم سوى المسجد الحرام ومسجد الخيف ومن حصى الجمار. ولا يجوز أخذ الحصى من غير الحرم. ولا يجوز أن يرمى الجمار الا بالحصى. ويكره أن تكون صمّا. ويستحبّ أن تكون برشا ويكون قدرها مثل الأنملة منقّطة كحليّة. ويكره أن يكسر من الحصى شي‌ء بل يلتقط بعدد ما يحتاج اليه.

ويستحبّ أن لا يرمي الإنسان الجمار إلّا على طهر. فإن رماها على غير طهر، لم يكن عليه إعادة. فإذا أراد رمي الجمار

٢٥٣

فليرمها حذفا: يضع كلّ حصاة منها على بطن إبهامه، ويدفعها بظفر السّبّابة، ويرميها من بطن الوادي. وينبغي أن يرمي يوم النّحر الجمرة القصوى بسبع حصيات يرميها من قبل وجهها. ويستحبّ أن يكون بينه وبين الجمرة قدر عشرة أذرع إلى خمس عشر ذراعا، ويقول حين يريد أن يرمي الحصى: « اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي وارفعهنّ في عملي ». ويقول مع كلّ حصاة: « اللهمّ ادحر عنّي الشّيطان. اللهمّ تصديقا بكتابك وعلى سنّة نبيّك،صلى‌الله‌عليه‌وآله ، اللهمّ اجعله حجّا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ».

باب الذبح

الهدي واجب على المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ. ومن ليس بمتمتّع، فلا يجب عليه ذلك. فإن تطوّع به، كان له فيه فضل كبير وثواب جزيل. وإن لم يفعل، فليس عليه شي‌ء. ومن وجب عليه الهدي، ولا يقدر عليه، فإن كان معه ثمنه، خلّفه عند من يثق به، حتّى يشتري له هديا، ويذبح عنه في العام المقبل في ذي الحجّة. فإن أصابه هو في مدّة مقامه بمكّة إلى انقضاء ذي الحجّة، جاز له أن يشتري ويذبح. وان لم يصبه، فعل ما ذكرناه.

ومن لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه، وجب عليه صيام عشرة أيّام: ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجع الى أهله. وصوم

٢٥٤

ثلاثة أيّام: يوم قبل التّروية ويوم التّروية ويوم عرفة. فإن فاته صوم هذه الثّلاثة أيام، فليصم يوم الحصبة، وهو يوم النّفر، ويومان بعده متواليات. فإن فاته ذلك أيضا، صامهنّ في بقيّة ذي الحجّة. فإن أهلّ المحرم، ولم يكن قد صامهنّ، وجب عليه دم شاة، وليس له صوم. فإن مات من وجب عليه الهدي، ولم يكن معه ثمنه، ولا يكون قد صام أيضا، صام عنه وليّه الثلاثة أيّام، وليس عليه قضاء السبعة أيّام. وإذا صام الثلاثة أيّام، ورجع الى أهله، كان عليه بقيّة الصيام من السبعة أيّام. فإن جاوز بمكّة، انتظر مدّة وصول أهل بلده الى البلد أو شهرا، ثمَّ صام بعد ذلك السبعة أيّام. ولا يجوز أن يصوم الثلاثة أيّام بمكّة في أيّام التّشريق.

ومن فاته صيام يوم قبل يوم التّروية، صام يوم التّروية ويوم عرفة، ثمَّ صام يوما آخر بعد انقضاء أيّام التّشريق. فإن فاته صوم يوم التّروية، فلا يصومنّ يوم عرفة، بل يصوم الثّلاثة أيّام بعد انقضاء أيّام التّشريق متتابعات. وقد رخّص في تقديم صوم الثّلاثة أيّام من أوّل العشر. ومن ظنّ أنّه إن صام يوم التّروية ويوم عرفة، أضعفه عن القيام بالمناسك، جاز له أن يؤخّر صوم هذه الأيام الى بعد انقضاء أيّام التشريق. ومن صام هذه الثّلاثة أيّام بعد أيّام التّشريق فلا يصمهنّ إلّا متتابعات. وكذلك أن قدّم صومهنّ على ما ذكرناه من الرّخصة. ومن لم

٢٥٥

يصم هذه الثّلاثة أيّام، وخرج عقيب أيّام التّشريق، فليصمها في الطّريق. فإن لم يتمكن من ذلك، صام مع السّبعة أيّام إذا رجع الى أهله. ولا بأس بتفريق صوم السّبعة أيّام. ومن لم يصم الثّلاثة أيام بمكّة، ولم يصمها أيضا في الطّريق حتّى رجع إلى أهله، وكان متمكّنا من الهدي، فليبعث به إلى مكّة، فإنّه أفضل من الصّيام. ومن صام ثلاثة أيّام ثمَّ أيسر، أو وجد ثمن الهدي، فالأفضل أن يشتري الهدي. وإن صام ما بقي عليه، كان أيضا جائزا.

فإن كان المتمتّع مملوكا وكان قد حجّ بإذن مولاه، كان مولاه مخيّرا: بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصّيام، أيّ ذلك فعل، فقد أجزأه. فإن لحق العبد عتق قبل انقضاء الوقوف بالموقفين، وجب عليه الهدي، ولم يجزأه الصّيام، إلّا إذا لم يجد ذلك. وإن لم يصم العبد الى أن تمضي أيّام التّشريق، فالأفضل لمولاه أن يهدي عنه ولا يأمره بالصّيام. وان أمره، لم يكن به بأس. وإنّما يكون مخيّرا قبل انقضاء هذه الأيّام.

ولا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحجّ إلّا بمنى. وما ليس بواجب، جاز ذبحه أو نحره بمكّة. ومن ساق هديا في الحجّ، فلا يذبحه أيضا إلّا بمنى. وإن ساقه في العمرة، فلينحره بمكّة قبالة البيت بالحزورة.

وأيّام النّحر بمنى أربعة أيّام: يوم النّحر وثلاثة أيّام بعده.

٢٥٦

وفي غيره من البلدان ثلاثة أيّام: يوم النّحر ويومان بعده.

هذا لمن أراد أن يتطوّع بالأضحية. فأما هدي المتعة فإنّه يجوز ذبحه طول ذي الحجّة على ما بيّنّاه.

وأفضل ما يكون الهدي البدن. فإن لم يجد، فمن البقر. فإن لم يجد ففحلا من الضّأن، فإن لم يجد فتيسا من المعز. فإن لم يجد إلّا شاة، كان ذلك جائزا عند الضّرورة. ولا يجوز الهدي إذا كان خصيّا، ولا التّضحية به أيضا. فإن كان موجوءا لم يكن به بأس. وهو أفضل من الشّاة، والشّاة أفضل من الخصيّ. وأفضل الهدي والأضاحي من البدن والبقر ذوات الأرحام، ومن الغنم الفحولة. ولا يجوز من الإبل إلّا الثّنيّ فما فوقه. ولا يجوز التّضحية بثور ولا جمل بمنى. ولا بأس بهما في البلاد. والإناث أفضل.

ويستحبّ أن تكون الأضحية من الغنم فحلا سمينا أقرن ينظر في سواد ويمشي في سواد. فإن اشترى أضحيّته على أنّها سمينة، فخرجت مهزولة، أجزأت عنه. فإن اشتراها على أنّها مهزولة، فخرجت سمينة، كانت أيضا جائزة. وإن اشتراها على أنّها مهزولة، فكانت كذلك، لم تجزأ عنه. وإذا لم يجد الهدي والأضحيّة بالصّفة التي ذكرناها، فليشتر ما تيسّر له. وقد بيّنّا أنّه لا يجوز من البدن إلّا الثّنيّ، وهو الذي قد تمَّ له خمس سنين ودخل في السّادسة. ولا يجوز من البقر

٢٥٧

والمعز إلّا الثّنيّ، وهو الذي قد تمّت له سنة ودخل في الثّانية. ويجزي من الضّأن الجذع لسنته. ولا يجوز التّضحية بمنى إلّا بما قد أحضر عرفات. فإن اشتراه على أنّه قد عرّف به، فقد أجزأه، ولا يلزمه هو أن يعرف به.

ولا يجوز الهدي الواجب، البقرة والبدنة، مع التّمكّن والاختيار إلّا عن واحد. وقد يجوز ذلك عند الضّرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين. وكلّما أقلّ المشتركون فيه، كان أفضل. وإذا كان الهدي تطوّعا، جاز أن يشتركوا فيه جماعة، إذا كانوا أهل خوان واحد مع الاختيار. ويجوز أن يشتركوا فيه عند الضّرورة، وإن لم يكونوا من أهل خوان واحد. ولا بأس أن يضحّى بالجاموس. فإن كان ذكرا ضحّي به عن واحد، وإن كانت أنثى جازت عن سبعة.

وقد بيّنّا أنّه لا يجوز في الهدي الخصيّ. فمن ذبح خصيّا، وكان قادرا على أن يقيم بدله، لم يجزئه ذلك، ووجبت عليه الإعادة. فإن لم يتمكّن من ذلك، فقد أجزأ عنه.

وقد بيّنّا أنّه ينبغي أن يكون الهدي سمينا، ولا يجزي إذا كان مهزولا. وحدّ الهزال الذي لا يجزي في الهدي أن لا يكون على كليتيه شي‌ء من الشّحم. ومن اشترى هديه، ثمَّ أراد أن يشتري أسمن منه، اشتراه، وباع الأوّل، إن شاء. وإن ذبحهما، كان أفضل.

٢٥٨

ولا يجوز في الهدي والأضحيّة العرجاء البيّن عرجها ولا العوراء البيّن عورها ولا العجفاء ولا الخرماء ولا الجذّاء، وهي المقطوعة الاذن، ولا العضباء، وهي المكسورة القرن. فإن كان القرن الدّاخل صحيحا، فلا بأس به، وإن كان ما ظهر منه مقطوعا. فلا بأس به، وإن كانت أذنه مشقوقة أو مثقوبة، إذا لم يكن قطع منها شي‌ء. ومن اشترى هديا على أنّه تام، فوجده ناقصا، لم يجزئ عنه، إذا كان واجبا. فإن كان تطوّعا، لم يكن به بأس.

وجميع ما يلزم الحاجّ المتمتّع وغير المتمتّع من الهدي والكفّارات في الإحرام لا يجوز ذبحه ولا نحره إلّا بمنى. وكلّ ما يلزمه في إحرام العمرة، فلا ينحره إلّا بمكّة. ومن اشترى هدية فهلك، فان كان واجبا أو مضمونا، وجب عليه أن يقيم بدله، وإن كان تطوّعا، فليس عليه شي‌ء.

والهدي إذا كان واجبا، لا يجوز أن يأكل الإنسان منه. وهو كلّ ما يلزمه في النّذور والكفّارات. وإن كان تطوّعا، فلا بأس أن يأكل منه.

وإذا هلك الهدي قبل أن يبلغ المنحر، فلينحره أو يذبحه، وليغمر النّعل في الدّم، ويضرب به صفحة سنامه، ليعلم بذلك أنّه هدي. وإذا أصاب الهدي كسر، فلا بأس ببيعه. ولكن يتصدّق بثمنه، ويقيم آخر بدله. وإن ساقه

٢٥٩

على ما به إلى المنحر، فقد أجزأه. وإذا سرق الهدي من موضع حصين، فقد أجزأ عن صاحبه. وإن أقام بدله، كان أفضل.

ومن وجد هديا ضالا، فليعرّفه يوم النّحر والثّاني والثالث. فإن وجد صاحبه، وإلّا ذبح عنه. وقد أجزأ عن صاحبه إذا ذبح بمنى. فإن ذبح بغيرها، لم يجزئه. وإذا عطب الهدي في موضع لا يوجد فيه من يتصدّق به عليه، فلينحر ويكتب كتاب ويوضع عليه ليعلم من يمرّ به أنّه صدقة. وإذا ضاع من الإنسان هدية واشترى بدله، ثمَّ وجد الأوّل، كان بالخيار: إن شاء ذبح الأوّل، وإن شاء الأخير. إلّا أنّه متى ذبح الأوّل، جاز له بيع الأخير، ومتى ذبح الأخير، لزمه أن يذبح الأوّل. ولا يجوز له بيعه. وهذا إذا كان قد أشعره. فإن لم يكن قد أشعره ولا قلّده، جاز له بيع الأوّل بعد ذبح الثّاني. ومن اشترى هديا وذبحه، فاستعرفه رجل، وذكر أنّه هدية ضلّ منه، وأقام بذلك شاهدين، فإن له لحمه، ولا يجزي عن واحد منهما، وإذا نتج الهدي، كان حكم ولده حكمه في وجوب نحره. ولا بأس بركوب الهدي وشرب لبنه ما لم يضرّ به ولا بولده.

وإذا أراد الإنسان أن ينحر بدنته، فلينحرها وهي قائمة من قبل اليمين، ويربط يديها ما بين الخفّ إلى الرّكبة، ويطحن في لبّتها. ويستحبّ أن يتولّى الذّبح بنفسه. فإن لم يحسنه، جعل

٢٦٠

يده مع يد الذّابح، ويسمّي الله تعالى، ويقول « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ » إلى قوله « وأنا من المسلمين » ثمَّ يقول: « اللهم منك ولك. بسم الله، والله أكبر. اللهمّ تقبّل منّي » ثمَّ يمرّ السّكين. ولا ينخعه حتّى يموت. ومن أخطأ في الذّبيحة، فذكر غير صاحبها، كانت مجزئة عنه بالنّيّة. وينبغي أن يبدأ أيضا بالذّبح قبل الحلق، وفي العقيقة بالحلق قبل الذّبح. فإن قدّم الحلق على الذّبح ناسيا، لم يكن عليه شي‌ء.

ومن السّنّة أن يأكل الإنسان من هديه لمتعته، ومن الأضحيّة ويطعم القانع والمعترّ: يأكل ثلثه، ويطعم القانع والمعترّ ثلثه، ويهدي لأصدقائه الثّلث الباقي. وقد بيّنّا أنه لا يجوز أن يأكل من الهدي المضمون إلّا إذا كان مضطرّا. فإن أكل منه من غير ضرورة، كان عليه قيمته. ولا بأس بأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام وادّخارها. ولا يجوز أن يخرج من منى من لحم ما يضحّيه. ولا بأس بإخراج السّنام منه. ولا بأس أيضا بإخراج لحم قد ضحّاه غيره. ويستحبّ أن لا يأخذ شيئا من جلود الهدي والأضاحي، بل يتصدّق بها كلّها. ولا يجوز أيضا أن يعطيها الجزّار. وإذا أراد أن يخرج شيئا منها لحاجته إلى ذلك، تصدّق بثمنه.

ولا يجوز أن يحلق الرّجل رأسه، ولا أن يزور البيت، إلا بعد الذّبح، أو أن يبلغ الهدي محلّه. وهو أن يحصل في رحله

٢٦١

فإذا حصل في رحله بمنى، وأراد أن يحلق، جاز له ذلك. ومتى فعل ذلك ناسيا، لم يكن عليه شي‌ء. ومن وجبت عليه بدنة في نذر أو كفّارة، ولم يجدها، كان عليه سبع شياه. فإن لم يجد، صام ثمانية عشر يوما إمّا بمكّة أو إذا رجع إلى أهله.

والصّبيّ إذا حجّ به متمتّعا، وجب على وليّه أن يذبح عنه.

ومن لم يتمكّن من شراء هدي، إلّا يبيع بعض ثيابه التي يتجمّل بها، لم يلزمه ذلك، وكان الصوم مجزئا عنه.

ويجزي الهدي عن الأضحيّة. وإن جمع بينهما، كان أفضل. ومن لم يجد الأضحيّة، جاز له أن يتصدّق بثمنها. فإن اختلفت أثمانها، نظر إلى الثّمن الأوّل والثّاني والثّالث، وجمعها ثمَّ يتصدّق بثلثها، وليس عليه شي‌ء.

ومن نذر لله تعالى أن ينحر بدنة، فإن سمّى الموضع الذي ينحرها فيه، وجب عليه الوفاء به، وإن لم يسمّ الموضع، لم يجز له أن ينحرها إلّا بفناء الكعبة. ويكره للإنسان أن يضحّي بكبش قد تولّى تربيته، ويستحبّ أن يكون ذلك ممّا يشتريه.

باب الحلق والتقصير

يستحبّ أن يحلق الإنسان رأسه بعد الذّبح. وإن كان صرورة، لا يجزئه غير الحلق. وإن كان ممّن حجّ حجّة الإسلام، جاز له التّقصير، والحلق أفضل. اللهمّ إلّا أن يكون قد لبّد

٢٦٢

شعره. فإن كان كذلك، لم يجزئه غير الحلق في جميع الأحوال.

ومن ترك الحلق عامدا أو التّقصير إلى أن يزور البيت، كان عليه دم شاة. وإن فعله ناسيا، لم يكن عليه شي‌ء، وكان عليه إعادة الطّواف. ومن رحل من منى قبل الحلق، فليرجع إليها، ولا يحلق رأسه إلّا بها مع الاختيار. فإن لم يتمكّن من الرّجوع إليها، فليحلق رأسه في مكانه، ويردّ شعره إلى منى، ويدفنه هناك فإن لم يتمكّن من ردّ الشعر، لم يكن عليه شي‌ء.

والمرأة ليس عليها حلق، ويكفيها من التّقصير مقدار أنملة.

وإذا أراد أن يحلق، فليبدأ بناصيته من القرن الأيمن ويحلق إلى العظمين ويقول إذا حلق: « اللهمّ أعطني بكلّ شعرة نورا يوم القيامة ». ومن لم يكن على رأسه شعر، فليمرّ الموسى عليه. وقد أجزأه. وإذا حلق رأسه، فقد حلّ له كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا النّساء والطّيب، إن كان متمتّعا. فإن كان حاجّا غير متمتّع، حلّ له كلّ شي‌ء إلّا النّساء. فإذا طاف طواف الزّيارة، حلّ له كلّ شي‌ء إلّا النّساء. فإذا طاف طواف النّساء، حلّت له أيضا النّساء.

ويستحبّ ألا يلبس الثّياب إلّا بعد الفراغ من طواف الزّيارة، وليس ذلك بمحظور. وكذلك يستحبّ ألّا يمسّ الطّيب إلّا بعد الفراغ من طواف النّساء، وإن لم يكن ذلك محظورا على ما قدّمناه.

٢٦٣

باب زيارة البيت والرجوع الى منى ورمي الجمار

فإذا فرغ من مناسكه بمنى، فليتوجّه إلى مكّة، وليزر البيت يوم النّحر، ولا يؤخره إلّا لعذر. فإن أخّره لعذر، زار من الغد ولا يؤخر أكثر من ذلك. هذا إذا كان متمتّعا. فإن كان مفردا أو قارنا، جاز له أن يؤخر الى أيّ وقت شاء، غير أنّه لا تحلّ له النّساء. وتعجيل الطّواف للقارن والمفرد أفضل من تأخيره.

ويستحبّ لمن أراد زيارة البيت أن يغتسل قبل دخول المسجد والطّواف بالبيت، ويقلّم أظفاره، ويأخذ من شاربه، ثمَّ ثمَّ يزور. ولا بأس أن يغتسل الإنسان بمنى، ثمَّ يجي‌ء إلى مكّة، فيطوف بذلك الغسل بالبيت. ولا بأس أن يغتسل بالنّهار ويطوف بالليل ما لم ينقض ذلك الغسل بحدث أو نوم. فإن نقضه بحدث أو نوم، فليعد الغسل استحبابا، حتّى يطوف وهو على غسل. ويستحبّ للمرأة أيضا أن تغتسل قبل الطّواف.

وإذا أراد أن يدخل المسجد، فليقف على بابه، ويقول: « اللهمّ أعنّي على نسكك » إلى آخر الدّعاء الذي ذكرناه في الكتاب المقدّم ذكره. ثمَّ يدخل المسجد، ويأتي الحجر الأسود فيستلمه ويقبّله. فإن لم يستطع، استلمه بيده وقبّل يده. فإن لم يتمكّن من ذلك أيضا، استقبله، وكبّر، وقال ما قال حين طاف بالبيت يوم قدم مكّة. ثمَّ يطوف بالبيت أسبوعا كما قدّمنا وصفه

٢٦٤

ويصلّي عند المقام ركعتين. ثمَّ ليرجع الى الحجر الأسود فيقبّله، إن استطاع، ويستقبله ويكبّر. ثمَّ ليخرج إلى الصّفا، فيصنع عنده ما صنع يوم دخل مكّة. ثمَّ يأتي المروة، ويطوف بينهما سبعة أشواط، يبدأ بالصّفا ويختم بالمروة.

فإذا فعل ذلك، فقد حلّ له كلّ شي‌ء أحرم منه إلّا النّساء. ثمَّ ليرجع الى البيت، فيطوف به طواف النّساء أسبوعا، يصلّي عند المقام ركعتين، وقد حلّ له النّساء.

وأعلم أنّ طواف النّساء فريضة في الحجّ وفي العمرة المبتولة. وليس بواجب في العمرة التي يتمتّع بها الى الحج. فإن مات من وجب عليه طواف النّساء. كان على وليّه القضاء عنه. وإن تركه وهو حيّ، كان عليه قضاؤه. فإن لم يتمكّن من الرّجوع الى مكّة، جاز له أن يأمر من يتوب عنه. فإذا طاف النّائب عنه، حلّت له النّساء. وطواف النّساء فريضة على النّساء والرّجال والشّيوخ والخصيان، لا يجوز لهم تركه على حال.

فإذا فرغ الإنسان من الطّواف فليرجع إلى منى ولا يبيت ليالي التّشريق إلّا بها. فإن بات في غيرها، كان عليه دم شاة. فإن بات بمكّة ليالي التّشريق، ويكون مشتغلا بالطّواف والعبادة، لم يكن عليه شي‌ء. وإن لم يكن مشتغلا بهما، كان عليه ما ذكرناه، وان خرج من منى بعد نصف اللّيل، جاز له أن يبيت بغيرها، غير أنّه لا يدخل مكّة إلّا بعد طلوع الفجر. وإن تمكّن ألّا يخرج

٢٦٥

منها إلّا بعد طلوع الفجر، كان أفضل. ومن بات الثّلاث ليال بغير منى متعمّدا، كان عليه ثلاثة من الغنم. والأفضل أن لا يبرح الإنسان أيّام التّشريق من منى. فإن أراد أن يأتي مكّة للطّواف بالبيت تطوّعا، جاز له ذلك، غير أنّ الأفضل ما قدّمناه.

وإذا رجع الإنسان إلى منى لرمي الجمار، كان عليه أن يرمي ثلاثة أيّام: الثّاني من النّحر والثّالث والرّابع، كلّ يوم بإحدى وعشرين حصاة. ويكون ذلك عند الزّوال، فإنّه الأفضل. فإن رماها ما بين طلوع الشمس الى غروبها، لم يكن به بأس.

فإذا أراد أن يرمي، فليبدأ بالجمرة الأولى، فليرمها عن يسارها من بطن المسيل بسبع حصيات يرميهنّ خذفا. ويكبّر مع كلّ حصاة، ويدعوا بالدّعاء الذي قدّمناه. ثمَّ يقوم عن يسار الطّريق ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلّي على النّبيّ وآله،صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمَّ ليتقدم قليلا ويدعوا ويسأله أن يتقبّل منه. ثمَّ يتقدّم أيضا ويرمي الجمرة الثّانية، ويصنع عندها كما صنع عند الأولى، ويقف ويدعوا، ثمَّ يمضي إلى الثّالثة فيرميها كما رمى الأوليين، ولا يقف عندها.

وإذا غابت الشّمس، ولم يكن قد رمى بعد، فلا يجوز له أن يرمي إلّا في الغد. فإذا كان من الغد، رمى ليومه مرّة، ومرّة قضاء لما فاته، ويفصل بينهما بساعة. وينبغي أن يكون الذي يرمي لأمسه بكرة، والذي ليومه عند الزّوال. فإن فاته رمي يومين،

٢٦٦

رماها كلّها يوم النّفر، وليس عليه شي‌ء. وقد بينا أنّه لا يجوز الرّمي باللّيل. وقد رخّص للعليل والخائف والرّعاة والعبيد الرّمي باللّيل. ومن نسي رمي الجمار الى أن أتى مكّة، عاد إلى منى، ورماها، وليس عليه شي‌ء. وحكم المرأة في جميع ما ذكرناه حكم الرّجل سواء.

فإن لم يذكر الى أن يخرج من مكّة، لم يكن عليه شي‌ء. إلّا أنّه إن حجّ في العام المقبل، أعاد ما كان قد فاته من رمي الجمار. وإن لم يحجّ أمر وليّه أن يرمي عنه. فإن لم يكن له وليّ، استعان برجل من المسلمين في قضاء ذلك عنه.

والترتيب واجب في الرّمي. يجب أن يبدأ بالجمرة العظمى ثمَّ الوسطى ثمَّ جمرة العقبة. فمن خالف شيئا منها، أو رماها منكوسة، كان عليه الإعادة. ومن بدأ بجمرة العقبة ثمَّ الوسطى ثمَّ الأولى، أعاد على الوسطى ثمَّ جمرة العقبة وقد أجزأه. فإن نسي فرمى الجمرة الأولى بثلاث حصيات، ورمى الجمرتين الأخريين على التّمام، كان عليه ان يعيد عليها كلّها. وإن كان قد رمى من الجمرة الأولى بأربع حصيات ثمَّ رمى الجمرتين على التّمام، كان عليه أن يعيد على الأولى بثلاث حصيات. وكذلك إن كان قد رمى على الوسطى أقل من أربعة، أعاد عليها وعلى ما بعدها. وإن رماها بأربعة، تمّمها، وليس عليه شي‌ء من الإعادة على الثّالثة. ومن رمى جمرة بست حصيات، وضاعت عنه واحدة،

٢٦٧

أعاد عليها بحصاة، وإن كان من الغد. ولا يجوز له أن يأخذ من حصى الجمار فيرمي بها. ومن علم أنّه قد نقص حصاة واحدة، ولم يعلم من أي الجمار هي، أعاد على كلّ واحدة منها بحصاة. فإن رمى بحصاة، فوقعت في محمله، أعاد مكانها حصاة أخرى. فإن أصابت إنسانا أو دابّة، ثمَّ وقعت على الجمرة، فقد أجزأه.

ولا بأس أن يرمي الإنسان راكبا. وإن رمى ماشيا، كان أفضل ولا بأس أن يرمى عن العليل والمبطون والمغمى عليه والصّبيّ.

وينبغي أن يكبّر الإنسان بمنى عقيب خمس عشرة صلاة. يبدأ بالتّكبير يوم النّحر من بعد الظّهر إلى صلاة الفجر من اليوم الثّالث من أيّام التّشريق، وفي الأمصار عقيب عشر صلوات، يبدأ عقيب الظّهر من يوم النّحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثّاني من أيّام التّشريق، ويقول في التّكبير: « الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام ».

باب النفر من منى ودخول الكعبة ووداع البيت

لا بأس أن ينفر الإنسان من منى اليوم الثّاني من أيّام التّشريق وهو اليوم الثّالث من يوم النّحر. فإن أقام إلى النّفر الأخير، وهو اليوم الثّالث من أيّام التّشريق والرّابع من يوم النّحر، كان أفضل. فإن كان ممّن أصاب النّساء في إحرامه أو صيدا، لم يجز له أن

٢٦٨

ينفر في النّفر الأوّل. ويجب عليه المقام الى النّفر الأخير. وإذا أراد أن ينفر في النّفر الأوّل، فلا ينفر إلّا بعد الزّوال، إلّا أن تدعوه ضرورة إليه من خوف وغيره، فإنّه لا بأس أن ينفر قبل الزّوال، وله أن ينفر بعد الزّوال ما بينه وبين غروب الشّمس. فإذا غابت الشّمس، لم يجز له النّفر، وليبت بمنى الى الغد. وإذا نفر في النّفر الأخير، جاز له أن ينفر من بعد طلوع الشّمس أيّ وقت شاء. فإن لم ينفر وأراد المقام بمنى، جاز له ذلك، إلّا الإمام خاصّة، فإنّ عليه أن يصلّي الظّهر بمكّة.

ومن نفر من منى، وكان قد قضى مناسكه كلّها، جاز له أن لا يدخل مكّة. وإن كان قد بقي عليه شي‌ء من المناسك، فلا بدّ له من الرّجوع إليها. والأفضل على كلّ حال الرّجوع إليها لتوديع البيت وطواف الوداع.

ويستحبّ أن يصلّي الإنسان بمسجد منى، وهو مسجد الخيف. وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مسجده عند المنارة التي في وسط المسجد، وفوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا، وعن يمينها وعن يسارها مثل ذلك. فإن استطعت أن يكون مصلّاك فيه، فافعل. ويستحبّ أن يصلّي الإنسان ستّ ركعات في مسجد منى. فإذا بلغ مسجد الحصباء، وهو مسجد رسول الله،صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فليدخله وليسترح فيه قليلا وليستلق على قفاه.

٢٦٩

فإذا جاء إلى مكّة فليدخل الكعبة، إن تمكّن من ذلك سنّة واستحبابا. والصّرورة لا يترك دخولها على حال مع الاختيار. فإن لم يتمكّن من ذلك، لم يكن عليه شي‌ء.

فإذا أراد دخول الكعبة فليغتسل قبل دخولها سنّة مؤكّدة. فإذا دخلها، فلا يمتخط فيها، ولا يبصق. ولا يجوز دخولها بحذاء. ويقول إذا دخلها: « اللهمّ إنّك قلت: ومن دخله كان آمنا، فآمنّى من عذابك عذاب النار ».

ثمَّ يصلّي بين الأسطوانتين على الرّخامة الحمراء ركعتين، يقرأ في الأولى منهما « حم السّجدة » وفي الثّانية عدد آياتها، ثمَّ ليصلّ في زوايا البيت كلّها، ثمَّ يقول: « اللهمّ من تهيّأ وتعبّأ » إلى آخر الدّعاء. فإذا صلّى عند الرّخامة على ما قدّمناه، وفي زوايا البيت، قام فاستقبل الحائط بين الرّكن اليمانيّ والغربيّ، ويرفع يديه، ويلتصق به، ويدعوا. ثمَّ يتحوّل الى الرّكن اليمانيّ، فيفعل به مثل ذلك. ثمَّ يأتي الرّكن الغربيّ، ويفعل به أيضا مثل ذلك، ثمَّ ليخرج. ولا يجوز أن يصلّي الإنسان الفريضة جوف الكعبة مع الاختيار. فإن اضطرّ الى ذلك، لم يكن عليه بأس بالصّلاة فيها. فأمّا النّوافل فالصّلاة فيها مندوب اليه.

فإذا خرج من البيت ونزل عن الدرجة، صلّى عن يمينه ركعتين. فإذا أراد الخروج من مكّة، جاء الى البيت، فطاف به أسبوعا طواف الوداع سنّة مؤكّدة. فإن استطاع أن يستلم الحجر

٢٧٠

والرّكن اليمانيّ في كل شوط، وفعل. وإن لم يتمكّن، افتتح به، وختم به، وقد أجزأه. فإن لم يتمكن من ذلك أيضا، لم يكن عليه شي‌ء. ثمَّ يأتي المستجار، فيصنع عنده كما صنع يوم قدم مكّة. ويتخيّر لنفسه من الدّعاء ما أراد. ثمَّ يستلم الحجر الأسود، ثمَّ يودّع البيت ويقول: « اللهمّ لا تجعله آخر العهد من بيتك » ثمَّ ليأت زمزم فيشرب منه، ثمَّ ليخرج، ويقول: « آئبون تائبون، عابدون، لربّنا حامدون، الى ربّنا راغبون، الى ربّنا راجعون ». فإذا خرج من باب المسجد، فليكن خروجه من باب الحنّاطين. فيخرّ ساجدا، ويقوم مستقبل الكعبة، فيقول: « اللهمّ إني أنقلب على لا إله إلا الله ».

ومن لم يتمكّن من طواف الوداع، أو شغله شاغل عن ذلك حتى خرج، لم يكن عليه شي‌ء. فإذا أراد الخروج من مكّة، فليشتر بدرهم تمرا، وليتصدّق به، ليكون كفّارة لما دخل عليه في الإحرام، إن شاء الله.

باب فرائض الحج

فرائض الحجّ: الإحرام من الميقات، والتّلبيات الأربع، والطّواف بالبيت، إن كان متمتّعا، ثلاثة أطواف: طواف للعمرة، وطواف للزيارة، وطواف للنّساء، وإن كان قارنا أو مفردا، طوافان: طواف للحجّ، وطواف للنّساء، ويلزمه مع

٢٧١

كلّ طواف ركعتان عند المقام، وهما أيضا فرضان، والسّعي بين الصّفا والمروة، والوقوف بالموقفين: عرفات والمشعر الحرام وإن كان متمتّعا، كان الهدي أيضا واجبا عليه أو ما يقوم مقامه.

فمن ترك الإحرام متعمّدا، فلا حجّ له. وإن تركه ناسيا حتّى يجوز الميقات، كان عليه أن يرجع إليه، ويحرم منه، إذا تمكّن منه. فإن لم يتمكّن لضيق الوقت أو الخوف أو ما جرى مجراهما من أسباب الضّرورات، أحرم من موضعه وقد أجزأه. فإن كان قد دخل مكّة، وأمكنه الخروج الى خارج الحرم، فليخرج وليحرم منه. فإن لم يستطع ذلك، أحرم من موضعه.

ومن ترك التّلبية متعمّدا، فلا حجّ له. وإن تركها ناسيا، ثمَّ ذكر، فليجدّد التّلبية، وليس عليه شي‌ء.

ومن ترك طواف الزّيارة متعمّدا، فلا حجّ له. وإن تركه ناسيا، أعاد الطّواف أيّ وقت ذكره.

ومن ترك طواف النّساء متعمّدا، لم يبطل حجّة، إلّا أنّه لا تحلّ له النّساء، حتى يطوف عنه حسب ما قدّمناه. وركعتا الطّواف متى تركهما ناسيا، كان عليه قضاءهما حسب ما قدّمناه.

ومن ترك السّعي متعمّدا، فلا حجّ له. فإن تركه ناسيا،

٢٧٢

عليه قضاؤه حسب ما قدّمناه.

ومن ترك الوقوف بعرفات متعمّدا، أو بالمشعر الحرام، فلا حجّ له. فإن ترك الوقوف بعرفات ناسيا، كان عليه أن يعود، فيقف بها ما بينه وبين طلوع الفجر من يوم النّحر. فإن لم يذكر إلّا بعد طلوع الفجر، وكان قد وقف بالمشعر، فقد تمَّ حجّه، وليس عليه شي‌ء.

وإذا ورد الحاجّ ليلا، وعلم: أنّه مضى الى عرفات، وقف بها وإن كان قليلا، ثمَّ عاد الى المشعر الحرام قبل طلوع الشّمس، وجب عليه المضيّ إليها والوقوف بها، ثمَّ يجي‌ء إلى المشعر الحرام. فإن غلب على ظنّه أنّه إن مضى الى عرفات، لم يلحق المشعر قبل طلوع الشّمس، اقتصر على الوقوف بالمشعر، وقد تمَّ حجّه، وليس عليه شي‌ء.

ومن أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشّمس، فقد أدرك الحجّ. وإن أدركه بعد طلوع الشّمس، فقد فاته الحجّ.

ومن وقف بعرفات، ثمَّ قصد المشعر، فعاقه في الطّريق عائق، فلم يلحق الى قرب الزّوال، فقد تمَّ حجّه، ويقف قليلا بالمشعر ويمضي إلى منى. ومن لم يكن قد وقف بعرفات، وأدرك المشعر بعد طلوع الشّمس، فقد فاته الحجّ، لأنّه لم يلحق أحد الموقفين في وقته.

ومن فاته الحجّ، فليقم على إحرامه الى انقضاء أيّام

٢٧٣

التّشريق، ثمَّ يجي‌ء، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصّفا والمروة، ويجعل حجّته عمرة. وإن كان قد ساق معه هديا، فلينحره بمكّة وكان عليه الحجّ من قابل إن كانت حجته حجّة الإسلام. وإن كانت حجّة التّطوّع، كان بالخيار: إن شاء حجّ، وإن شاء لم يحجّ. ومن حضر المناسك كلّها ورتّبها في مواضعها. إلّا أنّه كان سكرانا، فلا حجّ له، وكان عليه الحجّ من قابل.

باب مناسك النساء في الحج والعمرة

قد بيّنّا فيما تقدّم من أن الحجّ واجب على النّساء كوجوبه على الرّجال. فمتى كانت المرأة لها زوج، فلا تخرج إلّا معه. فإن منعها زوجها من الخروج في حجّة الإسلام، جاز لها خلافه. ولتخرج، وتحجّ حجّة الإسلام. وإن أرادت أن تحجّ تطوّعا، فمنعها زوجها، فليس لها مخالفته.

وينبغي أن لا تخرج إلّا مع ذي محرم لها من أب أو أخ أو عمّ أو خال. فإن لم يكن لها أحد ممّن ذكرناه. جاز لها أن تخرج مع من تثق بدينه من المؤمنين.

وإذا كانت المرأة في عدّة الطّلاق، جاز لها أن تخرج في حجّة الإسلام، سواء كان للزّوج عليها رجعة أو لم تكن. وليس لها أن تخرج إذا كانت حجّتها تطوّعا، إلّا أن تكون العدّة

٢٧٤

لزوجها عليها فيها رجعة. فأمّا عدّة المتوفّى عنها زوجها، فلا بأس بها أن تخرج فيها الى الحجّ فرضا كان أو نفلا.

وإذا خرجت المرأة، وبلغت ميقات أهلها، فعليها أن تحرم منه، ولا تؤخره. فإن كانت حائضا، توضّأت وضوء الصّلاة واحتشت واستثفرت وأحرمت، إلّا أنها لا تصلّي ركعتي الإحرام فإن تركت الإحرام ظنّا منها أنّه لا يجوز لها ذلك، وجازت الميقات، كان عليها أن ترجع الى الميقات، فتحرم منه، إذا أمكنها ذلك. فإن لم يمكنها، أحرمت من موضعها. إذا لم تكن قد دخلت مكّة. فإن كانت قد دخلت مكّة، فلتخرج الى خارج الحرم، وتحرم من هناك. فإن لم يمكنها ذلك، أحرمت من موضعها، وليس عليها شي‌ء.

فإذا دخلت المرأة مكّة، وكانت متمتّعة، طافت بالبيت، وسعت بين الصّفا والمروة، وقصّرت. وقد أحلّت من كلّ ما أحرمت منه مثل الرّجل سواء.

فإن حاضت قبل الطّواف، انتظرت ما بينها وبين الوقت الذي تخرج الى عرفات. فإن طهرت، طافت وسعت. وإن لم تطهر، فقد مضت متعتها، وتكون حجّة مفردة، تقضي المناسك كلّها ثمَّ تعتمر بعد ذلك عمرة مبتولة. فإن طافت بالبيت ثلاثة أشواط ثمَّ حاضت، كان حكمها حكم من لم يطف. وإذا طافت أربعة أشواط، ثمَّ حاضت، قطعت الطّواف،

٢٧٥

وسعت بين الصّفا والمروة، وقصّرت، ثمَّ أحرمت بالحجّ، وقد تمّت متعتها.

فإذا فرغت من المناسك، وطهرت تمّمت الطّواف. وإن كانت قد طافت الطّواف كلّه، ولم تكن قد صلّت الرّكعتين عند المقام، فلتخرج من المسجد، ولتسع، وتعمل ما قدّمناه من الإحرام بالحجّ وقضاء المناسك، ثمَّ تقضي الرّكعتين إذا طهرت. وإذا طافت بالبيت بين الصّفا والمروة وقصّرت، ثمَّ أحرمت بالحجّ، وخافت أن يلحقها الحيض فيما بعد، فلا تتمكّن من طواف الزّيارة وطواف النّساء، فجائز لها أن تقدّم الطّوافين معا، والسّعي بين الصّفا والمروة، ثمَّ تخرج فتقضي المناسك كلّها، ثمَّ ترجع الى منزلها.

فإن كانت قد طافت طواف الزّيارة، وبقي عليها طواف النّساء، فلا تخرج من مكّة إلّا بعد أن تقضيه. وإن كانت قد طافت منه أربعة أشواط وأرادت الخروج، جاز لها أن تخرج وإن لم تتمّ الطّواف.

والمستحاضة لا بأس بها أن تطوف بالبيت، وتصلّي عند المقام، وتشهد المناسك كلّها، إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. والفرق بينها وبين الحائض، أنّ الحائض لا يحلّ لها دخول المسجد، فلا تتمكّن من الطّواف، ولا يجوز لها أيضا الصّلاة، والطّواف لا بدّ فيه من الصّلاة، وليس هذا حكم المستحاضة.

٢٧٦

وإذا أرادت الحائض وداع البيت، فلا تدخل المسجد، ولتودّع من أدنى باب من أبواب المسجد، وتنصرف، إن شاء الله.

وإذا كانت المرأة عليلة لا تقدر على الطّواف، طيف بها، وتستلم الأركان والحجر. فإن كان عليها زحمة، فتكفيها الإشارة. ولا تزاحم الرّجال. وإن كان بها علّة تمنع من حملها والطّواف بها، طاف عنها وليّها، وليس عليها شي‌ء. وكذلك إذا كانت عليلة لا تعقل عند الإحرام، أحرم عنها وليّها، وجنّبها ما يجتنب المحرم، وقد تمَّ إحرامها. وليس على النّساء حلق ولا دخول البيت. فإن أرادت دخول البيت، فلتدخله إذا لم يكن هناك زحام. ولا يجوز للمستحاضة دخول البيت على حال.

باب من حج عن غيره

من وجب عليه الحجّ، لا يجوز له أن يحجّ عن غيره إلّا بعد أن يقضي حجّته التي وجبت عليه. فإذا قضاها، جاز له بعد ذلك أن يحجّ عن غيره. ومن ليس له مال يجب عليه الحجّ، جاز له أن يحجّ عن غيره. فإن تمكّن بعد ذلك من المال، كان عليه أن يحجّ عن نفسه، وقد أجزأت الحجّة التي حجّها عمّن حجّ عنه.

وينبغي لمن يحجّ عن غيره أن يذكره في المواضع كلّها،

٢٧٧

فيقول عند الإحرام: اللهمّ ما أصابني من تعب أو نصب أو لغوب فأجر فلان بن فلان، وأجرني في نيابتي عنه. وكذلك يذكره عند التّلبية والطّواف والسّعي وعند الموقفين وعند الذّبح وعند قضاء جميع المناسك، فإن لم يذكره في هذه المواضع، وكانت نيته الحجّ عنه، كان جائزا.

ومن أمر غيره أن يحجّ عنه متمتّعا، فليس له أن يحجّ عنه مفردا ولا قارنا. فإن حجّ عنه كذلك، لم يجزئه، وكان عليه الإعادة. وإن أمره أن يحجّ عنه مفردا أو قارنا، جاز له أن يحجّ عنه متمتّعا، لأنه يعدل الى ما هو الأفضل. ومن أمر غيره أن يحجّ عنه على طريق بعينها، جاز له أن يعدل عن ذلك الطّريق الى طريق آخر. وإذا أمره أن يحجّ عنه بنفسه، فليس له أن يأمر غيره بالنّيابة عنه. فإن جعل الأمر في ذلك اليه، جاز له أن يستنيب غيره فيه. وإذا أخذ حجة عن غيره، لا يجوز له أن يأخذ حجة أخرى، حتى يقضي التي أخذها.

وإذا حجّ عن غيره، فصدّ عن بعض الطّريق، كان عليه ممّا أخذه بمقدار ما بقي من الطّريق. اللهم إلّا أن يضمن الحجّ فيما يستأنف، ويتولّاه بنفسه.

فإن مات النّائب في الحجّ، وكان موته بعد الإحرام ودخول الحرم، فقد سقطت عنه عهدة الحجّ، وأجزأ عمّن حجّ عنه وإن مات قبل الإحرام ودخول الحرم، كان على ورثته، إن

٢٧٨

خلّف في أيديهم شيئا، مقدار ما بقي عليه من نفقة الطّريق. وإذا أخذ حجة، فأنفق ما أخذه في الطّريق من غير إسراف، واحتاج الى زيادة، كان على صاحب الحجّة أن يتمّمه استحبابا. فإن فضل من النّفقة شي‌ء، كان له، وليس لصاحب الحجّة الرّجوع عليه بالفضل. ولا يجوز للإنسان أن يطوف عن غيره وهو بمكّة، إلّا أن يكون الذي يطوف عنه مبطونا لا يقدر على الطّواف بنفسه، ولا يمكن حمله والطّواف به. وإن كان غائبا، جاز أن يطوف عنه.

وإذا حجّ الإنسان عن غيره من أخ له أو أب أو ذي قرابة أو مؤمن، فإن ثواب ذلك يصل الى من حجّ عنه من غير أن ينقض من ثوابه شي‌ء. وإذا حجّ الإنسان عمّن يجب عليه الحجّ بعد موته تطوّعا منه بذلك، فإنّه يسقط عن الميّت بذلك فرض الحجّ.

ومن كان عنده وديعة، فمات صاحبها، وله ورثة، ولم يكن قد حجّ حجّة الإسلام، جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يحجّ عنه، ويردّ الباقي على ورثته، إذا غلب على ظنّه أنّ ورثته لا يقضون عنه حجّة الإسلام. فإن غلب على ظنّه أنّهم يتولّون القضاء عنه، فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئا إلّا بأمرهم.

ولا بأس أن تحجّ المرأة عن الرّجل إذا كانت قد حجّت

٢٧٩

حجّة الإسلام، وكانت عارفة. وإذا لم تكن حجّت حجّة الإسلام، وكانت صرورة، لم يجز لها أن تحجّ عن غيرها على حال.

ولا يجوز لأحد أن يحجّ عن غيره إذا كان مخالفا له في الاعتقاد، اللهمّ إلّا أن يكون أباه، فإنّه يجوز له أن يحجّ عنه.

باب العمرة المفردة

العمرة فريضة مثل الحجّ، لا يجوز تركها. ومن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، سقط عنه فرضها. وإن لم يتمتّع، كان عليه أن يعتمر بعد انقضاء الحجّ، إن أراد، بعد انقضاء أيّام التّشريق، وإن شاء أخّرها إلى استقبال المحرّم. ومن دخل مكّة بالعمرة المفردة في غير أشهر الحجّ، لم يجز له أن يتمتّع بها الى الحجّ. فإن أراد التّمتّع كان عليه تجديد عمرة في أشهر الحجّ. وإن دخل مكّة بالعمرة المفردة في أشهر الحجّ، جاز له أن يقضيها، ويخرج الى بلده أو أيّ موضع شاء. والأفضل له أن يقيم حتى يحجّ، ويجعلها متعة. وإذا دخلها بنيّة التّمتّع، لم يجز له أن يجعلها مفردة، وأن يخرج من مكّة، لأنّه صار مرتبطا بالحجّ. وأفضل العمرة ما كانت في رجب، وهي تلي الحجّ في الفضل.

٢٨٠

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617

618

619

620

621

622

623

624

625

626

627

628

629

630

631

632

633

634

635

636

637

638

639

640

641

642

643

644

645

646

647

648

649

650

651

652

653

654

655

656

657

658

659

660

661

662

663

664

665

666

667

668

669

670

671

672

673

674

675

676

677

678

679

680

681

682

683

684

685

686

687

688

689

690

691

692

693

694

695

696

697

698

699

700

701

702

703

704

705

706

707

708

709

710

711

712

713

714

715

716

717

718

719

720

721

722

723

724

725

726

727

728

729

730

731

732

733

734

735

736

737

738

739

740

741

742

743

744

745

746

747

748

749

750

751

752

753

754

755

756

757

758

759

760

761

762

763

764

765

766

767

768

769

770

771

772

773

774

775

776

777

778

779

780

781

782

783

784

785

786

787

788

789

790

791

792

793