الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد9%

الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد مؤلف:
الناشر: دار الغدير
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 440

الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد
  • البداية
  • السابق
  • 440 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 130931 / تحميل: 6137
الحجم الحجم الحجم
الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

مؤلف:
الناشر: دار الغدير
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

والآن نُقدّم - للقارئ الكريم - المزيد من الأدلّة والمؤيّدات على رجحان لبس السواد؛ لإظهار الحزن والأسى على سادات وأئمّة الورى (عليهم السلام):

بعضُ الأدلّة المنقولة في لبس السواد

١- لبسُ الحَسنان السواد على أبيهما بعد شهادته (عليه السلام): عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال: دخلتُ مسجد الكوفة بعد قَتل أمير المؤمنين ورأيتُ الحسن والحسين (عليهما السلام) لابسي السواد(١) .

٢- وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وكان قد خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إليهم - إلى الناس بعد شهادة أبيه - وعليه ثياب سود(٢) .

٣- لبس نسُاء بني هاشم السواد والمسوح حُزناً على سيّد الشهداء (عليه السلام)، كما ورد ذلك في كتاب المحاسن للبرقي، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: لمّا قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبسنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكينَ من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم)(٣) ووجه الدلالة على الاستحباب وعلى رفع الكراهة: هو أنّ ذلك الفعل كان بإمضائه وتقرير الإمام المعصوم (عليه السلام)، إضافةً لدلالة الخبر على أنّ لبس السواد هو من شعار الحزن والعزاء على المفقود العزيز الجليل من قديم الزمان

____________________

(١) مجمعُ الدُرر في المسائل الاثنتي عشر، شيخ عبد الله المامقاني.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٢.

(٣) المحاسن ٢: ٤٠٢ - وقد دوّنت هذه الرواية في كتب: الكافي، والبحار، والوسائل نقلاً عن كتاب المحاسن.

٣٨١

وسالف العصر والأوان، وكما هو المرسوم اليوم في جميع نقاط العالَم(١).

٤- وفي إقبال الأعمال(٢) نقلاً عن كتاب (النشر والطيّ) بإسناده عن الرضا (عليه السلام)، أنّه قال - في حديث في فضيلة يوم الغدير -:(وهو يوم تنفيس الكرب ويوم لبس الثياب ونزع السواد).

٥- ومثلها رويَ في مستدرك الوسائل عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان الحلّي بإسناده عن أحمد بن إسحاق، عن الإمام العسكري (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضيلة يوم التاسع من ربيع الأول، وأساميه - إلى أن قال - قال (عليه السلام):(ويوم نزع السواد) (٣) .

٦- ما جرى في الشام على قافلة سيّد الشهداء (عليه السلام)، بعدما أذِن لهم يزيد بالرجوع وطلبوا منه النوح على الحسين (عليه السلام): فلم تبقَ هاشميّة ولا قريشيّة إلاّ ولَبست السواد على الحسين وندبوه(٤) .

٧- سكينة بنت الحسين ترى الزهراء (عليها السلام) في المنام وهي تندب الحسين وعليها ثياب سود، يذكر ذلك المحقّق النوري في المستدرك حيث تقول سكينة (عليها السلام): (... فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله خلقتهنّ، وزاد في نورهنّ وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها، وعليها ثياب سود، وبيدها قميص مضمّخ بالدم

____________________

(١) راجع كتاب (إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد) للسيّد جعفر الطباطبائي الحائري، تعليق السيّد محمد رضا الحسيني الاعراجي الفحّام ص: ٢٨ - هامش (٢).

(٢) إقبال الأعمال: ٤٦٤.

(٣) وفيه:(ويوم نزع الأسواد). - وقد أدرجه المجلسي في بحاره نقلاً عن كتاب زوائد الفوائد للسيّد ابن طاووس؛ مستدرك الوسائل ٣: ٣٢٦ - ٣٢٧.

(٤) مستدرك الوسائل ٣: ٣٢٧.

٣٨٢

إلى أن ذكرت أنّها كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام)(١) .

٨- وفي مقتل أبي مخنف(٢) ، عندما أخبر نعمان بن بشير بقتل الحسين (عليه السلام)، فلم يبقَ في المدينة مخدّرة إلاّ وبرزت من خدرها، ولبسوا السواد وصاروا يدعون بالويل والثبور.

٩- وروى في الدعائم(٣) عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنّه قال:(لا تلبس الحاد - المرأة في حِدادها على زوجها -ثياباً مصبّغة ولا تكتحل ولا تطيّب ولا تزيّن حتّى تنقضي عدّتها، ولا بأس أن تلبس ثوباً مصبوغاً بسواد) ، وقد أفتى بمضمونه الشيخ في المبسوط(٤) ، والمحقّق في الشرائع في حداد الزوجة وفي الإيضاح.

١٠- وروى الصفّار في بصائر الدرجات عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن عيسى بن عبد الله وثابت، عن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(خطبَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً بعد أن صلّى الفجر في المسجد وعليه قميصة سوداء) ، وذكرَ (عليه السلام) أنّه توفّيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك اليوم(٥) .

وفي سيرة ابن هشام(٦) : كان على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قميصة سوداء حين اشتدّ به وجعه.

١١- وروى الكليني(٧) ،

____________________

(١) مستدرك الوسائل ٣: ٣٢٧.

(٢) صفحة ٢٢٢.

(٣) ٢: ٢٩١.

(٤) ٥: ٢٦٥ - ٢٦٤.

(٥) بصائر الدرجات: ٣٠٥ - ٣٠٤؛ بحار الأنوار ٢٢: ٤٦٤.

(٦) ٤: ٣١٦.

(٧) الكافي ٦: ٤٤٩.

٣٨٣

والدعائم(١) بسنده عن سليمان بن راشد، عن أبيه قال: رأيتُ عليّ بن الحسين (عليه السلام) وعليه درّاعة سوداء وطيلسان أزرق.

١٢- وفي عيون الأخبار وفنون الآثار لعماد الدين إدريس القريشي(٢) عن أبي نعيم، بإسناده عن أمّ سلمة رضوان الله عليها، أنّها لمّا بلغها مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ضربت قبّة سوداء في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولبست السواد.

١٣- وروى المجلسي في البحار(٣) فيما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء، إلى أن قال (عليه السلام):(ثُمّ قال الوصيف: يا سكينة، اخفضي صوتكِ فقد أبكيتِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثُمّ أخذَ الوصيف بيدي فأدخلني القصر، فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله تعإلى خلقتهنّ وزاد في نورهنّ، وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها وعليها ثياب سود، بيدها قميص مضمّخ بالدم، وإذا قامت يقمنَ معها، وإذا جلست جَلسن معها، فقلتُ للوصيف: ما هؤلاء النسوة اللاتي قد عظّم الله خلقتهنّ؟

فقال: يا سكينة، هذه حوّاء أمّ البشر، وهذه مريم بنت عمران، وهذه خديجة بنت خويلد، وهذه هاجر، وهذه سارة، وهذه التي بيدها القميص المضمّخ - وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها - هي جدّتك فاطمة الزهراء عليها السلام) الحديث.

١٤- وروى الشيخ في الغَيبة بسنده إلى كامل بن إبراهيم، أنّه دخلَ على أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، فنظرَ إلى ثياب بياض ناعمة، قال: فقلتُ في نفسي:

____________________

(١) ٢: ١٦١.

(٢) صفحة ١٠٩.

(٣) ٤٥: ١٩٥.

٣٨٤

وليّ الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب، ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله؟

فقال (عليه السلام) متبسّماً:(يا كامل، وحسرَ عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال:هذا لله وهذا لكم) (١) .

١٥- في كامل الزيارات، بسنده: أنّ المَلَك الذي جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأخبره بقتل الحسين بن علي (عليه السلام) كان مَلَك البحار: وذلك أنّ مَلَكاً من ملائكة الفردوس نزلَ على البحر فنشر أجنحته عليها ثُمّ صاحَ صيحةً وقال:(يا أهل البحار، ألبسوا أثواب الحزن فإنّ فرخ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مذبوح...) (٢) .

____________________

(١) وسائل الشيعة ٣: ٣٥١؛ بحار الأنوار ٥٠: ٢٥٣ وج ٥٢: ٥٠.

(٢) كامل الزيارات: ٦٧ / ح ٣؛ مستدرك الوسائل ٣: ٣٢٧.

٣٨٥

الجهةُ الثامنة: ضرورةُ لَعن أعداء الدِين

٣٨٦

٣٨٧

هناك جهة لاحقة أخرى، وهي: قضيّة لَعن أعداء الدين الواردة في بعض الزيارات والأدعية والمأثور من الأدلّة والروايات، وإدراجها ضمن الخطابة الحسينيّة، أو الشِعر، أو النثر، إذ يثير البعض تساؤلات حول هذه الظاهرة.

وإنّ السبّ واللعن لا يناسب أخلاق المسلم فضلاً عن المؤمن، ويكشف عن الحقد، وهو من الأخلاق الذميمة وليس من الأخلاق الإسلاميّة، وهو انفعال عاطفي حادّ أو حماسي لا تدبّر فيه ولا تفكّر، نظير بعض الإشكالات التي مرّت في البكاء، وقد وردَ في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يوصي أصحابه أن(لا تكونوا سبّابين) .

ولتحرير حقيقة الحال في هذه الإثارات لابدّ من الالتفات إلى أنّ اللعن ليس مطلقاً هو السب، بل ينطبق على اللَعن الابتدائي من دون موجب للّعن، فيكون سبّاً، نظير ما يرتكبه بعض عوام الناس وغير الملتزمين، وأمّا إذا دُعي على شخص بما يستحقّ الدعاء عليه، ونُسب له ما يوجب له أن يُذكر به، فهذا لا يُعدّ سبّاً، بل هو إظهار لإنكار المنكر، ويُعدّ فضيلة، ولا يعدّ سبّاً؛ وإنّما هو نوع من الحالة الطبيعيّة النفسيّة والاجتماعيّة في الفطرة الإنسانيّة أو في مجموع المجتمع، إذ هو تنفّر من المنكر ورفض القبيح، فهل تقبيح القبيح يُعتبر سبّاً؟

وبعبارةٍ أخرى: أنّ من مقتضيات الفطرة الإلهيّة - التي فطرَ الله الناس عليها

٣٨٨

لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم -: هو تقبيح القبيح والنفرة منه وتحسين الحسن والانجذاب إليه، وهذه الفطرة الإنسانيّة والعقليّة تُحاذي فريضة وعقيدة التولّي والتبرّي، التولّي لأولياء الله تعإلى والتبرّي من أعدائه، حيث أمرَ بهما في الكثير من الآيات الكريمة كقوله تعإلى:( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) (١) .

وقوله تعإلى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (٢) .

وقوله تعإلى:( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (٣) .

وقوله تعإلى:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ ) (٤).

وقوله تعإلى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) (٥) .

وغيرها من آيات التولّي والتبرّي.

وقد قال تعإلى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٦) .

وقال تعإلى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا

____________________

(١) الجاثية: ١٩.

(٢) الممتحنة: ١٣.

(٣) المجادلة: ٢٢.

(٤) الممتحنة: ٤.

(٥) الممتحنة: ١.

(٦) الشورى: ٢٣.

٣٨٩

والآخِرة ) (١) .

ولا يخفى على اللبيب أنّ الحذر من اللعن لأعداء الله ورسوله هو في الحقيقة تذويب لظاهرة التوليّ والتبرّي، ومسخ لفطرة الحُسن والقُبح؛ لتعود الفطرة والقلب منكوسَين قبال الباطل والضلال، فهذا التحسّس والحذر من اللعن ينطوي على التنكّر لهدى عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والميل لضلال مخالفيهم، ومن الخطورة البالغة تمكن فيما إذا انتكس القلب ودبّ فيه المرض( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) (٢) لعترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم، تقبيح شخص بلا موجِب ومن دون عمل صدر منه يقتضي ذلك يُعتبر سبّاً، أمّا إذا صدرَ منه ما هو قبيح واستنكرنا ذلك القبيح فلا يُعد فعلنا سبّاً وليس بوقيعة، بل هو حالة طبيعة الفطرة وهي إنكار للمنكر، وإنّ إنكار المنكر يُعتبر أمراً صحّيّاً، ويدلّ على بقاء سلامة فطرة وتديّن الإنسان والتزامه باعتقاداته، وأمّا استحسان المنكر وعدم إنكاره - ولو قلباً وهو أضعف الإيمان - فأمر منبوذ شرعاً وعقلاً، ويدلّ على تبدّل لطبيعة الفطرة.

فتقبيح القبيح ليس بسب، أوَ ليس ينبغي أن نتخلّق بالأخلاق والصفات الإلهيّة؟ لاحظ مادّة اللعن في القرآن الكريم، وردت مادّة اللعن في القرآن الكريم ما يقرب من الأربعين مورداً، والنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أريدَ مدحه يوصف بأنّ خُلقه كان خُلق القرآن، فأفضل ما يتخلّق به الإنسان هو أخلاق القرآن وأخلاق الله عزّ وجل، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى أنّ النهي عن المنكر يُعتبر

____________________

(١) الأحزاب: ٥٧.

(٢) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ٢٩.

٣٩٠

من الفرائض الركنيّة في أبواب الفقه، وأدنى مراتبه هو الإنكار القلبي والبراءة القلبيّة من المنكر، والمرتبة الوسطى هو الإنكار اللساني، وهذا الحكم يتعلّق بموضوعه وهو المنكر مطلقاً، سواء كان المنكر السابق أم المنكر الحالي، وهذا يستلزم البراءة من جميع أعداء الله على مرّ الدهور والعصور قلباً ولساناً، ومن أوضح مصاديق إنكار المنكر هو اللعن لأعداء الدين والمناوئين للأنبياء والأولياء والصالحين.

اللعنُ من الآيات القرآنيّة

ومن الآيات في ذلك:

-( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (١) .

هذه الآية هي سنّة من الله على مَن يستحقّ اللعن من جهة، ومن جهة أخرى هي واردة أيضاً فيما نحن فيه في الشعائر الحسينيّة، حيث إنّ قَتَلة الحسين (عليه السلام) آذوا الله ورسوله كما ورد في نصوص الفريقين.

-( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) (٢) .

ويحثّ الله عزّ وجل على لعنهم.

-( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا

____________________

(١) الأحزاب: ٥٧.

(٢) البقرة: ١٥٩.

٣٩١

والآخِرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١) .

وهذه نماذج يسيرة، وإلاّ فالآيات القرآنيّة كثيرة في موضوع اللعن.

وهناك مثالاً قرآنيّاً لعدم التولّي: ففي خطاب لإبليس بعد أن أبى أن يتّبع آدم:( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) هذه الآية هي رمز لعدم الموالاة لدين الله، ولعدم اتّباع حجّة الله، وإبليس كفره ليس كفر إنكار لله عزّ وجل، ولا إنكاراً منه للمعاد؛ إنّما كفره بسبب عدم السجود، فلم يؤنّبه الله بأنّك لم تُقرّ بخليقتي، بل كلّ السور التي تتعرّض لهذه الواقعة فيها ذمّ وتأنيب الله لإبليس على عدم السجود ولعدم الإذعان بإمامة وخلافة وحجيّة آدم،( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ... ) .

فكفرُ إبليس: كفر عدم إقرار بالإمامة وعدم اعتراف بالحجّة الإلهيّة، والواقعة القرآنيّة في بدء الخليقة رمز للإمامة، كما أُشير إلى ذلك في الرواية الواردة في تفسير البرهان، وقد شرحها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة(٢) ، أنّ هذه الواقعة كلّها لأجل بيان أمور وأسرار عجيبة يستعرضها القرآن في سبع سِور.

( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) (٣) : تدلّ على عدم الخضوع وعلى عدم الموالاة والاتّباع)،( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ

____________________

(١) النور: ٢٣.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: باب ٢٣٨: ١٢٧.

(٣) ص: ٧٥.

٣٩٢

عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ) ، والذي لا يتولّى وليّ الله له لعنة خاصّة، أمّا مَن يُعادي وليّ الله وخليفة الله وحجّة الله؛ فإنّ الآية الشريفة تُقرّر اللعن الإلهي عليه وطرده من رحمة الله.

وفي سورة الإسراء(١) مثالاً آخر:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ... ) هذه الرؤية في تفاسير العامّة الروائيّة أيضاً وردَ أنّها رؤية مَن ينزو على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن بألفاظ مختلفة، والمتتبّع فيها يصل إلى أنّ مضمونها هو نفس ما ذكرتهُ روايات الخاصّة في تفسير الآية، وهي الرؤيا التي انزعجَ منها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في اغتصاب الخلافة.

( إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) يعني: أحاط بالأحداث والوقائع التي تمرّ على الناس، والتي ترتبط بأمورهم وبشؤونهم وبمستقبل أفعالهم.

طبيعةُ القرآن: هو بيان الحقيقة من زاوية، أو عن طريق الإشارة كي يسلم القرآن من التحريف، ولو كان القرآن يتضمّن التصريح، أو قريب من التصريح، لحُرِّف وبدِّل من أوّل يوم، لكنّ القرآن الكريم يكنّي ويشير إلى حقيقة قد لا يلتفت لها إلاّ ذوو الألباب( لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) (٢) .

-( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ) (٣) .

____________________

(١) الآية ٦٠.

(٢) ص: ٢٩.

(٣) البقرة: ٢٦٩.

٣٩٣

-( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ ) (١) .

-( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) .

يدلّ على أنّ الشجرة وفتنة الناس، يعني أمر يُفتتن به الناس، فالأمر مرتبط بشأن اجتماعي وسياسي، فيظهر من نفس سياق الآية توقّع فتنة.

وهذه الفتنة للناس إشارة إلى السقيفة وما حصل فيها، ثُمّ إنّ آية( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ... ) هي سلالة أغصان وفروع، وهو مُلك بني أميّة تبدأ هذه الشجرة الملعونة بالنموّ على تربة وأساس تلك الفتنة.

تفسير هذه الشجرة الملعونة ليست شجرة نباتيّة، بل( وَنُخَوِّفُهُمْ.. ) ، و(هم) خطاب للعقاب،( فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) .

نفس الألفاظ إذا جُمعت في نفس السياق فإنّنا نحصل على صورة واضحة، لكن دَأب القرآن هو إعطاء الإشارات.

فهذه وغيرها من الآيات العديدة في القرآن التي تدلّ على وجود اللعن وجوازه على أعداء الدين.

____________________

(١) عنكبوت: ٤٣.

٣٩٤

الجهةُ التاسعة: العزاءُ والرِثاء سُنّة قرآنيّة

٣٩٥

٣٩٦

يطرح البعض سؤالاً عن المبرِّر الشرعي والأهداف الدينيّة، وراء تكرار العزاء وإقامة المأتم على سيّد الشهداء (عليه السلام)، وعلى بضعة المصطفى (عليها السلام) كلّ عام مع تطاول المدّة بنحو دائم وندبة راتبة، والحال أنّ الندبة والرثاء على السبط الشهيد (عليه السلام) قد ثبتَ أنّه سنّة إلهيّة تكوينيّة وقرآنيّة إضافة لكونها سنّة نبويّة، وقد أوضحَت الكثير من الكتب والمراجع التاريخيّة والدراسات عدداً من هذه الوجوه.

فالوجهُ الأوّل: وهو السنّة التكوينيّة الإلهيّة، فيشير إليه قوله تعالى في سورة الدخان( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ ) (١) ، تنفي هذه الآية السماء والأرض على هلاك قوم فرعون الظالمين، ممّا يقضي بوجود شأن فعل البكاء من السماء والأرض كظاهرة كونيّة، وإلاّ لمَا كان للنفي معنى محصّل، وقد أشارت المصادر العديدة من كتب العامّة - فضلاً عن كتب الخاصّة - إلى وقوع هذه الظاهرة الكونيّة عند مقتل الحسين (عليه السلام)، من مطر السماء دماً، واحمرارها مدّة مديدة، ورؤية لون الدم على الجدران وتحت الصخور والأحجار في المُدن والبلاد الإسلاميّة، فلاحظ ما ذكرهُ ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الحسين (عليه السلام) بأسانيد متعدّدة:

____________________

(١) الدخان: ٢٩.

٣٩٧

بل قد طالعنا أخيراً كتاب باللغة الانجليزيّة اسمه: (ذي أنكلو ساكسون كرونكل)(١) كتبه المؤلِّف سنة ١٩٥٤، وهو يحوي الأحداث التاريخيّة التي مرّت بها الأمّة البريطانيّة منذ عهد المسيح (عليه السلام)، فيذكر لكلّ سنة أحداثها، حتى يأتي على ذِكر أحداث سنة (٦٨٥) ميلاديّة، وهي تُقابل سنة (٦١) هجريّة سنة شهادة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فيذكر المؤلِّف أنّ في هذه السنة مطرت السماء دَماً، أصبح الناس في بريطانيا فوجدوا أنّ ألبانهم وأزبادهم تحوّلت إلى دم(٢) ، هذا مع أنّ الكاتب لم يجد لهذه الظاهرة تفسيراً، ولم يُشر من قريب ولا بعيد إلى مقارنة ذلك إلى سنة (٦١) هـ ق.

وأمّا الوجهُ الثاني: وهو كون ذلك سُنّة قرآنيّة، فهو على نمطين:

الأوّل: إلزام الباري تعالى مودّة أهل البيت (عليهم السلام) على الناس، بل وجَعل هذه الفريضة من عظائم الفرائض القرآنيّة في قوله تعالى:( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (٣) حيث جَعل المودّة أجراً على مجموع الرسالة المشتملة على أصول الدين العظيمة، ممّا يُدلّل على كون هذه الفريضة في مصاف أصول الديانة، ثُمّ بيّن تعالى أنّ المودّة لها لوازم وأحكام.

منها: الاتّباع كما في قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ

____________________

(١) لاحظ ص٣٨، وص ٣٥، وص ٤٢ من كتاب ( The Angle - Saxon Chronical )، وقد سجّل الكتاب في مكتبة ( everman.s library ) تحت رقم (٦٢٤).

(٢) وإليك نصّ العبارة باللغة اللاتينيّة:

.٦٨٥in this year in britain it rained blood and milk and butter were turned into blood.

(٣) الشورى: ٢٣.

٣٩٨

اللَّهُ ) (١) ، ومنها: الإخبات والإيمان بذلك كما في قوله تعالى:( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ) (٢) .

ومنها: الحُزن لحزنهم والفرح لفرحهم كما في قوله:( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ) (٣) ، فبيّن تعالى بدلالة المفهوم: أنّ العداوة مقتضاها الحُزن لفرح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته (عليهم السلام)، والفرح لمصيبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته (عليهم السلام)، فالمحبّة تقتضي الحُزن لمصابهم والفرح لفرحهم، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى:( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ) (٤) ، فعلى هذه الدلالة القرآنيّة يكون العزاء وإقامة المأتم والرثاء والندبة على مصاب السبط - بضعة المصطفى، سيّد شباب أهل الجنة، ريحانة الرسول الأمين - من مقتضيات الفريضة العظيمة الخالدة بخلود الدين، وهي مودّة القربى.

الثاني: وهو ما عَقدنا هذا المقال له، وهو: أنّ القرآن قد تضمّن الرثاء والندبة على خريطة وقائمة المظلومين طوال سلسلة أجيال البشريّة، وقد استعرضَ القرآن الكريم ظلاماتهم بدءاً من هابيل إلى بقيّة أدوار الأنبياء والرسل وروّاد الصلاح والعدالة، والجماعات المصلحة المقاومة للفساد والظلم: كأصحاب الأخدود، وقوافل الشهداء عبر تاريخ البشريّة، وحتّى الأطفال المجنيّ عليهم

____________________

(١) آل عمران: ٣١.

(٢) الحجرات: ٧.

(٣) البراءة: ٥٠.

(٤) آل عمران: ١٢٠.

٣٩٩

نتيجة سُنن جاهليّة كالموؤدة، بل قد رَثى وندبَ القرآن ناقة صالح لمكانتها، ولم يقتصر القرآن على الرثاء والندبة لمَن وقعت عليهم الظلامات، بل أخذ في التنديد بالظالم وبالعتاة الظلمة، وتوعّدهم بالعذاب والنِقمة والبطش، كما سنجده في جملة من الموارد الآتية التي نتعرّض لها في السور القرآنيّة، وهي:

الأُولى: قصّة أصحاب الأخدود، ففي سورة البروج تستهلّ السورة بالقسم الإلهي أربع مرّات:( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) ، وهذا الابتداء بمثابة توثيق للواقعة والحادثة التي يريد الإخبار عنها، وفي هذا منهجاً ودرساً قرآنيّاً يحثّ على توثيق الحادثة أولاً، ثُمّ الخوض في تفاصيلها ورسم أحداثها، ثُمّ تَذكر السورة الخبر الذي وقعَ القَسَم الإلهي على وقوعه بابتداء لفظة( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) ، وهو أسلوب رثاء وندبة وعزاء، نظير قول الراثي: (قُتل الحسين عطشاناً).

كما أنّ توصيفهم بأصحاب الأخدود بيان لكيفيّة القتل التي جرت عليهم، فتواصِل السورة تصوير مسرح الحدث استثارة للعواطف وتهييجها بوصف الأخدود( النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) ، وهو بيان لشدّة سعرة النار التي أُجّجت لإحراقهم، وهو ترسيم لبشاعة الجناية وفظاعتها، ثُمّ يُتابع القرآن الكريم( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) وهو بيان لقطة أخرى من مسرح عمليّات الحادثة التي أوقعها الظالمون على المؤمنين، من إرعابهم وتهديدهم بإجلاسهم على شفير الأخدود المتأجّج أوّلاً، لأجل ممارسة الضغط عليهم للتخلّي عن مبادئهم التي يتمسّكون بها، وفيه بيان لشدّة صلابة المؤمنين مع هذا الإرعاب المتوجّه عليهم، ثُمّ تُتابع السورة( وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) وهذا بيان يُجسّد فوران الشَفقة الإلهيّة على الظلامة والتلهّف على ما يُفعل بالمؤمنين.

٤٠٠

ثُمّ تتلو السورة( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) لتبيّن براءة المؤمنين لتركيز شدّة الظلامة، ومن جهةٍ أخرى: تبيّن شدّة صلابة المؤمنين وصمودهم وعلوّ مبدئهم، ثُمّ يبدأ الباري تعالى بتهديد الظالمين والتنديد بهم من موقع المالك للسموات والأرض والشاهد المراقب لكلّ الأمور، ثُمّ يقول تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ *... إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) .

فيُسطّر تعالى قاعدة وسنّة إلهيّة عامّة وهي: الوقوف بصف المظلومين والموجهة قبال الظالمين، وهو بذلك يُربّي المسلمين والمؤمنين - عبر القرآن الكريم - على التضامن مع المظلومين والنفرة والتنديد بالظالمين عبر التاريخ، ويُعلّمهم أن لا يتخاذلوا باللامبالاة، ولا يتقاعسوا بذريعة أنّ هذه الأحداث والوقائع غابرة في التاريخ، بل يحثّ على التضامن والوقوف في صفّ كلّ مظلوم من أول تاريخ البشريّة إلى آخرها، والتنديد بكلّ طاغوت وظالم.

وهذا الجوّ القرآني نراه لا يكتفي من المسلم والقارئ للسورة بالتعاطف وإثارة الأحاسيس تجاه المظلوم، بل يستحثّهما على النفور من الظالم والتنديد به وإن كان زمانه قد مضى في غابر التاريخ، كلّ ذلك لتطهير الإنسان من الذوبان في مسيرة الظالمين، وانجذاباً له مع مبادئ المظلومين، فترى السورة تضمّ إلى إقامة الندبة والرثاء على أصحاب الأخدود والتنديد بقاتليهم،( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ) فتُذكّر قارئ السورة بمسيرة بقيّة ظلامات الظالمين من عصابة جنود فرعون وثمود الذين جَنوا على الأنبياء والصالحين.

٤٠١

فالسورة ابتدأت بالقَسَم على تأكيد وقوع الفادحة وتحسّر في ندبتهم ورثائهم وإظهار العزاء عليهم، وبيان لعظم التنكيل بالمؤمنين وبراءة المؤمنين عن الجرم، ثُمّ توعّد على الانتقام بتصوير مليء بالعبارات المتحرِّكة بُغية إثارة العواطف والأحاسيس الجيّاشة.

ثُمّ إنّ ههنا إلفاتة مهمّة إلى بعض الأمور:

الأوّل: وهي أنّ هذه السورة حيث كانت في أسلوب أدب الرثاء والندبة والعزاء وإقامة المأتم على أصحاب الأخدود، فلابدّ أن يكون قراءة هذه السورة في كيفيّة التجويد بنحو من التصوير البياني والطور الإيقاعي المناسِب لجوّ معاني هذه السورة، وهذه الكيفيّة هي المعروفة بطور الرثاء والنوح، وقد تقرّر في علم التجويد أخيراً ضرورة التصوير والترسيم البياني لجوّ معاني الكلام، فلا يصحّ قراءة القرآن على وتيرة واحدة، بل آيات البشارة بالجنّة والثواب والنعيم تُقرأ بنحو الابتهاج والفرح، وآيات الإنذار والوعيد تُقرأ بكيفيّة الخوف والقشعريرة، وآيات التشريع والأحكام تُقرأ بكيفية التبيين والتعليم، وآيات الحِكمة والمعارف والموعظة تُقرأ بنحو الطور الصوتي المناسِب لجوّ الموعظة والحكمة، فمن ذلك نستخلص: أنّ النوح والترديد الرثائي من ألحان القراءة القرآنيّة لهذه السور المتضمّنة للمراثي.

الثاني: أشارَ الكثير من المفسّرين إلى أنّ القرآن قد نزلَ على: أمثال، ومواعظ، وحِكم، وإنذار، وبشارة، وأحكام ومعارف، وأخبار، وأنباء و...، ولم يشيروا إلى وجود أسلوب وأدب الرثاء والندبة في القرآن الكريم مع أنّه من الفصول المهمّة في الأدب والأسلوب القرآني، حيث سنذكر نموذجاً من بعض قائمة

٤٠٢

المراثي والندبة في السور القرآنيّة.

الثالث: أنّ اشتمال الكتاب العزيز في العديد من السور القرآنيّة على المراثي والندبة والعزاء، وهو قرآن يُتلى كلّ صباح ومساء وفي كلّ آن وزمان، وهو عهد الله تعالى إلى خلقه اللازم عليهم أن يتعاهدوه بالقراءة والتدبّر كلّ يوم، ولا سيّما في شهر رمضان الذي هو ربيع القرآن، فيقضي ذلك دعوة القرآن لإقامة الرثاء والندبة والعزاء على ظلامات المظلومين وروّاد الإصلاح الإلهي في البشريّة، في كلّ يوم فضلاً عن كلّ أسبوع، وفضلاً عن كلّ شهر، وكلّ موسم، وكلّ سنة بنحو راتب ودائم، في كلّ قراءة للقرآن وترتيل.

فإذا كانت سنّة القرآن ذلك في ظلامات المظلومين مثل: أصحاب الأخدود، وأتباع الأنبياء، فما ظنّك ببضعة المصطفى (عليها السلام) وريحانة خاتم الأنبياء، وسيّد شباب أهل الجنة لا سيّما مع افتراض أمر القرآن بمودّتهم والحزن لمصابهم، كما تقدّم في النمط السابق؟

الثانية: قصّة يوسف (عليه السلام)، ويعقوب (عليه السلام)، ويستهلّ القرآن الكريم تفصيل أحداث المأساة التي جرت عليهما بقوله تعالى:( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (1) ، كما يختم كلامه في السورة:( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ... ) (2) ؛ ليُبيّن أنّ ما قصّهُ و سَرَده من فعل يوسف ويعقوب (عليهما السلام) سُنّة تستنّ بها هذه الأمّة، ويبدأ الحديث عن ظلامة يوسف (عليه السلام) وهو في سنٍّ يافع ناعم الأظفار

____________________

(1) يوسف: 7.

(2) يوسف: 111.

٤٠٣

بقوله:( فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ) فيرسم للقارئ مسرح الحدث بتعصّبهم وتجمّعهم على الطفل الصغير؛ ليلقوه في أعماق البئر( غَيَابَتِ الْجُبِّ ) ، هذا كلّه لبيان فظاعة فعلهم وأنّهم ألقوه في أعماق الجُبّ، وهذا نظير قوله تعالى:( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) .

وعلى غرار هذا التعبير الرثائي، ما استعملهُ شاعر أهل البيت (عليهم السلام) دعبل الخزاعي بقوله: (أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مُجدّلاً) وهو نحو من تهييج العاطفة ليعيش السامع والقارئ الحالة المأساويّة وكأنّها تتجسّد أمامه، ثُمّ يقول تعالى في ذيل التصوير الأول:( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) حيث تُبيّن مدى شدّة القساوة الجارية على يوسف (عليه السلام) وهو في نعومة أظفاره، وإنّ العناية الإلهيّة لا تتركه من دون لطفها، وتُتابع السورة آثار المصيبة على يعقوب (عليه السلام)( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) ، فتُبيّن أنّ الجزع والندبة قد اشتدّا بالنبي يعقوب (عليه السلام) إلى حدّ إصابة عينيه بالعَمى، وقد اشتدّ حزنه وشكواه إلى الله تعالى إلى درجة اتّهام أبنائه بالخلل في عقله أو بدنه وهو معنى الحرض، والبثّ شدّة الحزن، وهذا دليل على أنّ الجزع من فعل الظالمين ممدوح، وإنّما الجزع من قضاء الله وقدره هو المذموم، وأمّا اللواذ والالتجاء إلى الله تعالى في الجزع والشكوى والبثّ والحزن فهذا ممدوح وهو تنفّر من الظالمين.

الثالثة: قصّةُ قَتل الأنبياء وقد ندّد القرآن الكريم واستنكرَ قتلهم فيما يقرب

٤٠٤

من تسعة مواضع منها:( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) ، وقال:( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (2) كما في البقرة 61 - 91، وآل عمران 21 - 112، والمائدة 70 - 81 - 183، والنساء 155، وكذلك ندّد القرآن بقتل روّاد الإصلاح الإلهي في البشريّة:( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) .

الرابعة: ما في سورة التكوير:( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (4) ، وهذه ندبة قرآنيّة للمولودة التي تُقتل في زمن الجاهليّة نتيجة السُنن العرفيّة الجاهليّة الظالمة، ويتبيّن في هذا الأسلوب الرثائي كيفيّة مسرح الجناية بدفن الوليدة وهي حيّة في التراب مع كمال براءتها.

الخامسة: عزاء الشهداء في سبيل الله تعالى:( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) (5) .

السادسة: قصّةُ هابيل وجريمة قتله من قِبل قابيل، بقوله:( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ... فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (6) ، فيُبيّن البراءة في جانب هابيل والوحشيّة والقساوة في جانب قابيل، فالبيان يُصوّر شدّة الأحاسيس من الطرفين أثناء التحام الطرفين في

____________________

(1) البقرة: 91.

(2) البقرة: 61.

(3) آل عمران: 21.

(4) التكوير: 8، 9.

(5) البقرة: 154.

(6) المائدة: 28 - 30.

٤٠٥

الحدث، إلاّ أنّ التهاب أحاسيس هابيل مملوءة بالصفاء والإحسان، وأحاسيس قابيل مشحونة بالعدوان والتجاوز لمقتضيات الفطرة.

السابعة: ما ارتكبه فرعون وهامان من طغيان واستكبار في الأرض:( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ) (1) ، وقوله سبحانه:( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) (2) .

الثامنة: ناقة صالح في سورة الشمس:( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ) (3) ، فبيّن طغيان ثمود وإنّ الذي ارتكبَ الجريمة هو الأشقى من قوم ثمود، وبيّن حُرمة الناقة بإضافتها إلى ذاته المقدّسة مع كونها ناقة صالح، ثُمّ صوّر بإحساسٍ ملتهب عمليّة الجناية من المعتدي بأنّه قام بعمليّة العقر، واللفظ يُبيّن قساوة الفعل، والسورة تُسند الفعل إلى قوم ثمود كلِّهم لرضاهم بذلك، كما سبقَ أن وصفَ المعتدي بالشقاء البالغ غايته، ثُمّ بيّنَ بجانب وقوفه بصف المظلوم وتضامنه معه تنديده للظالم وانبعاث الغضب والنقمة الإلهيّة العاجلة وسخطهُ الشديد عليهم، فلم يكتفِ برثاء المظلوم، بل قَرنهُ بشجب الظالم والإنكار عليه، بل وإدانة قوم ثمود لموقفهم المتفاعِل تأييداً للجريمة.

فإذا كان موقف القرآن من ناقة صالح يُبدي مثل هذا التضامن معها وهي دابّة وآية إلهيّة، ويُدين ظلم قوم ثمود لها، فبالله عليك، ما هو موقف القرآن الكريم

____________________

(1) القصص: 4.

(2) إبراهيم: 6، البقرة: 49.

(3) الشمس: 11 - 15.

٤٠٦

من سبط سيّد النبيّين وأشرف السفراء المقرّبين وسيّد شباب أهل الجنة؟ وإذا كان القرآن يدعونا إلى تلاوة الندبة والرثاء على ناقة صالح والظلامة الحادثة، بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة تتلقّى منه البشريّة دروساً من التربية، ويحثّنا على إقامة هذه الندبة وعلى التنديد بمرتَكبي تلك الظلامة، فكيف بك بالظلامة المرتكبة ضدّ سيّد شباب أهل الجنة، ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وما يُمثّله من مبادئ وأصول للدين الحنيف متجسّدة فيه.

وهذه نبذة من الندبة والمراثي التي تصدّى القرآن الكريم لاستعراضها وإقامتها في السور القرآنيّة، بأسلوب وأدب الرثاء والعزاء ونحو ذلك من أساليب الندبة الهادفة المطلوبة لإحياء المبادئ، المتمثّلة في الذين وقعت عليهم تلك الظلامات من أجل أنّهم يحملون تلك المبادئ ويسعون لإقامتها وبنائها.

فنستخلص: أنّ الندبة والرثاء الراتب سُنّة قرآنيّة يمارسها القارئ، والتالي، والمرتّل لكتاب الله العزيز، وهي مجلس من المجالس المُقامة في أندية القرآن الكريم.

وأمّا الوجه الأخير: وهو كون العزاء والمأتم على سيّد الشهداء (عليه السلام) سُنّة نبويّة أيضاً، فقد كُتب في بيانه جملة من الأعلام، نذكر - على سبيل المثال لا الحصر - ما أشار إليه العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه (سيرتنا وسنّتنا)، (سيرة النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وسنّته) في اثني عشر مأتماً ومجلساً عَقدهُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لندبة الحسين (عليه السلام)، وهو يافع في نعومة أظفاره في مَلأ من المهاجرين والأنصار في المسجد تارةً، وأخرى في بيته مع بعض زوجاته، وثالثة مع بعض خواصّه، وقد نَقل تلك الوقائع المتكرّرة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الكثير من الحفّاظ وأئمّة الحديث في مسانيدهم، والمؤرّخين أصحاب

٤٠٧

السيَر في كُتبهم، منهم: أحمد بن حنبل في مسنده، والنسائي والترمذي في سُننهما، وغيرهم وابن عساكر في تاريخه، وغيرهم، فلاحِظ ثمّة ما كتبهُ العلاّمة الأميني(1) ، وكذلك ما كتبهُ العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين (المأتم الحسيني مشروعيّته وأسراره).

ومِسكُ الختام لبحث الشعائر الحسينيّة، نذكر ما كتبهُ العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه سيرتنا وسنّتنا، حول المآتم التي أقامها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على سبطه سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، من خلال الفصل الآتي.

____________________

(1) وسيأتي هذا الفصل في آخر الكتاب ص: 411 تحت عنوان مسك الختام.

٤٠٨

مِسكُ الخِتام

٤٠٩

٤١٠

أحصى العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه الشريف (سيرتنا وسنّتنا) عشرين مأتماً، أقامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، كلّ مأتم بأسانيد عديدة من كُتب صِحاح وحديث أهل السُنّة والجماعة باسطاً البحث عن صحّة أسانيدها من كتب الجرح والتعديل لديهم.

وإليك جرداً ببعض تلك القائمة:

1 - مأتمُ الميلاد: ما أخرجه الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، والحافظ الخوارزمي، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العُقبى ص 119، والحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسين السبط (عليه السلام) في تاريخ دمشق.

2 - مأتمُ الرضوعة: أخرجه الحافظ الحاكم النيسابوري في المستدرك 3: 176 وص 179، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ الخوارزمي 1: 158 - 159 وص 162، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ص 154، وابن حجر في الصواعق ص 115، والنسائي في الخصائص الكبرى 2: 125، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223.

3 - مأتمُ رأس السنة: أخرجه الحافظ الخوارزمي في مقتل الإمام السبط

٤١١

الشهيد 1: 163.

4 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة، أمّ المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم، والحافظ الهيثمي في المجمع 9: 189، والحافظ ابن عساكر في تاريخه.

5 - مأتمٌ آخر في بيت أمّ سلمة، أمّ المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين السبط (عليه السلام)، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ الكنجي في الكفاية ص 279، والحافظ الخوارزمي في المقتل ص 170، ومحبّ الدين الطبري في كتاب ذخائر العُقبى ص 147، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 42، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 189، والقسطلاني في المواهب اللدنيّة 2: 195، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 125، والشيخاني المدني في الصراط السوي ص 93، والسيّد القراغولي في جوهرة الكلام ص 120، والحافظ الزرندي في نظم الدُرر ص 215.

6 - مأتمٌ آخر في بيت السيّدة أمّ سلمة بنعي مَلك المطر: أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 3: 242 في باب مسند أنس بن مالك، وأيضاً في 3: 265، والحافظ أبو يعلى في مسنده، والحافظ أبو نعيم في الدلائل 3: 202، والحافظ الطبراني في الجزء الأوّل في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين السبط (عليه السلام)، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة في باب إخبار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل الحسين، والفقيه ابن المغازلي الواسطي في المناقب، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ

٤١٢

المحبّ الطبري في ذخائر العقبى ص 146 - 147، عن البغوي في معجمه، وأبي حاتم في صحيحه، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ العراقي في طرح التقريب، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 187 - 190، والقرطبي في مختصر التذكرة ص 119، والحافظ ابن حجر في الصواعق ص 115، والحافظ الترمذي في كتاب أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل شرح كتاب الشمائل، وأبو الهدى في ضوء الشمس 1: 97 - 98، والحافظ القسطلاني في المواهب 2: 195، والسيوطي في الخصائص 2: 125، والشيخاني في الصراط السوي، والقراغولي في جوهرة الكلام ص117، وعماد الدين العامري في شرح بهجة المحافل 2: 236، والخوارزمي في مقتل الحسين 1: 162.

7 - مأتمٌ في بيت عائشة بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ ابن البرقي، والسيّد محمود المدني في الصراط السوي، والطبراني في المعجم في ترجمة الحسين، وأبو الحسن الماوردي في أعلام النبوّة ص 83 الباب 12، وابن سعد في الطبقات الكبرى، وابن عساكر في تاريخه، والحافظ الدار قطني في الجزء الخامس في عِلل الحديث، والخوارزمي في المقتل 1: 159، والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9: 187 - 188، وابن حجر في الصواعق ص 115، والسيوطي في الخصائص 2: 125 - 126، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223، والقراغولي في جوهرة الكلام ص 117.

8 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ عبد الرزّاق الصنعاني في مصنّفه، وابن عساكر في تاريخه، والمحبّ الطبري في ذخائر العُقبى

٤١٣

ص 147، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ص 154، وأبو المظفّر السبط في التذكرة ص 142، والشيخاني المدني في الصراط السوي ص 94، والقراغولي في جوهرة الكلام ص 117.

9 - مأتمٌ في بيت السيّدة زينب بنت جحش أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن عساكر في تاريخه، والهيثمي في المجمع 9: 188، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223.

10 - مأتمٌ في بيت أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين (عليه السلام)، والزرندي في نظم الدُرر ص 215، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 188 - 189، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223، والشيخاني المَدني في الصراط السوي ص 49.

11 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير، والحافظ الحاكم النيسابوري في المستدرك 4: 398، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة، وابن عساكر في تاريخه، والحافظ محمد بن أحمد المقدّسي الحنبلي في (صفات ربّ العالمين).

12 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في المصنّف ج 12، والطبراني في المعجم الكبير في ترجمة الإمام السبط الشهيد (عليه السلام).

13 - مأتمٌ في بيت عائشة بنعي مَلكٍ ما دخلَ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قط: أخرجه الطبراني في المعجم في ترجمته (عليه السلام)، وأحمد بن حنبل في مسنده 6: 294

٤١٤

بإسناده عن عائشة أو أمّ سلمة، والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 41، والهيثمي في المجمع 9: 187، وابن حجر في الصواعق ص115، والسيّد محمود المَدني في الصراط السوي.

14 - مأتمٌ في بيت عائشة: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، والحافظ ابن عساكر في تاريخه.

15 - مأتمٌ في دار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أخرجه النسّابة العبيدلي العقيقي في أخبار المدينة، والسيّد محمود الشيخاني في الصراط السوي، والحافظ الخوارزمي في المقتل 2: 167.

16 - مأتمٌ في مَجمع الصحابة: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والسيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6: 223، والخوارزمي في المقتل ص 160 - 161.

17 - مأتمٌ في حَشدٍ من الصحابة: أخرجه ابن أبي شيبة المجلّد الثاني عشر في المصنّف، والحافظ ابن ماجة في السُنن 2: 518 في باب خروج المهدي، والحافظ العقيلي في ترجمة يزيد بن أبي زياد، والحاكم في المستدرك 4: 464، والحافظ أبو نعيم الإصبهاني في أخبار أصبهان 2: 12، والطبراني الجزء الثالث في المعجم الكبير.

18 - مأتمٌ في دار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العُقبى ص 148.

19 - مأتمٌ في كربلاء أقامهُ أبو الشهيد أمير المؤمنين: أخرجه أحمد بن حنبل

٤١٥

في مسنده 2: 60 - 61، وابن أبي شيبة في المصنّف ج 12، وابن سعد في الطبقات، والطبراني في الجزء الأوّل في المعجم الكبير، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن عساكر في تاريخه، والفقيه ابن المغازلي في المناقب، والحافظ ضياء الدين المقدّسي في المختارة، والخوارزمي في المقتل 1: 170، والسبط أبو المظفّر في تذكرة الأمّة ص 142، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العُقبى ص 148، وابن كثير في تاريخ الشام، والسيوطي في جمع الجوامع 6: 223، وفي الخصائص 2: 126، وفي الجامع الصغير 1: 13.

والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 187، وابن حجر في الصواعق ص 115، والسيّد محمود الشيخاني في الصراط السوي ص 93، والسيّد القراغولي الحَنفي في جوهرة الكلام ص 118، والشربيني في السراج المنير شرح الجامع الصغير 1: 68، والحفيني في حاشيته 1: 68، والمنّاوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 204، وأحمد محمد شاكر في شرح مسند أحمد 2: 60، ونصر بن مزاحم في كتاب صفّين ص 158، وابن كثير في البداية والنهاية 8: 199، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 278، والسيوطي في الخصائص 2: 126 وغيرها.

20 - مأتمٌ يوم عاشوراء: أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1: 283، والطبراني في الجزء الأوّل من المعجم الكبير، والبيهقي في دلائل النبوّة وفي باب رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، والحاكم في المستدرك 4: 397، والحافظ الخطيب في تاريخ بغداد 1: 142، وأبو عمرو في الاستيعاب 1: 144، وابن عساكر في تاريخه 4: 340، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 42، وابن الأثير في أُسد

٤١٦

الغابة 2: 22، والأصبهاني في سير السلف، والزرندي في نظم الدُرر ص 217، والكنجي في الكفاية ص 210، والحافظ الترمذي في الجامع الصحيح 13: 193، والحاكم في المستدرك 4: 19، والبيهقي في دلائل النبوّة باب رؤيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن الأثير في جامع الأصول، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 126، وغيرها كثير جدّاً.

وبسرد هذه الرسالة الشريفة، نصل إلى آخر صفحة من طيّات هذا الكتاب (الشعائر الحسينيّة بين الأصالة والتجديد) والحمدُ لله ظاهراً وباطناً، وأوّلاً وآخراً، والصلاة على محمّد وآله الميامين.

٤١٧

٤١٨

مُلحق:

فتوى الإمام النائيني (قدِّس سرّه) حول الشعائر الحسينيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:

بعد السلام على إخواننا الأماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.

قد تواردت علينا في (الكرّادة الشرقيّة) برقياتكم وكُتبكم المتضمنّة للسؤال عن حُكم المواكب العزائيّة وما يتعلّق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها فنحن نحرّر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:

الأولى: خروج المواكب العزائيّة في عشرة عاشوراء - ونحوها إلى الطرق والشوارع - ممّا لا شبهة في جوازه ورجحانه، وكونه من أظهر مصاديق ما يُقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينيّة إلى كلّ قريب وبعيد، لكنّ اللازم

٤١٩

تنزيه هذا الشعار العظيم عمّا لا يليق بعبادة مثله من غناء، أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدّم والتأخّر بين أهل محلَّتين، ونحو ذلك، ولو اتّفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حُرمته إلى المواكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة في عدم بطلانها.

الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور، إلى الحد المذكور، بل وإن تأدّى كلّ من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى.

وأمّا إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرّد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقّب عادة بخروج ما يضرّ خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدرّبون العارفون بكيفيّة الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتّفق خروج الدم قدر ما يضرّ خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمَن توضّأ أو اغتسلَ أو صام آمناً من ضرره ثُمّ تبيّن ضرره منه، لكنّ الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدرّبين ولا سيّما الشبّان الذين لا يُبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة، وامتلاء قلوبهم من المحبّة الحسينيّة، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإماميّة باتّخاذها، لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمّنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنّا وإن كنّا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيّدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منّا قبل أربع سنوات لكنّا لما

٤٢٠

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440