العلويون بين الاسطورة والحقيقة

العلويون بين الاسطورة والحقيقة10%

العلويون بين الاسطورة والحقيقة مؤلف:
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 368

  • البداية
  • السابق
  • 368 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 104464 / تحميل: 13375
الحجم الحجم الحجم
العلويون بين الاسطورة والحقيقة

العلويون بين الاسطورة والحقيقة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

الفِرقُ الإسلامية والاختلاف حولها

(افترَقَت أُمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة، فرقةٌ ناجية والباقون في النار، وافترَقت أُمّة عيسى على اثنين وسبعين فرقة، فرقة ناجية، والباقون في النار، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة ناجية، والباقون في النار، قيل: مَن الناجية يا رسول الله؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه اليوم).

هذا الحديث، كان نقطةُ البدء في تقسيم أُمّة الإسلام إلى فرقٍ كثيرة جداً، إذ استغلّه أصحاب الأهواء والنزعات، لِبَثّ الفرقة بين أبناء الأُمّة الواحدة، وكان هدف هؤلاء - على ما يبدو - تفريغ الدين الإسلامي القويم من خاصيّته، وإظهاره بصورة آراء متنافرة متضاربة، لا اتّفاق بينها، ولا انسجام.

ومن الملاحظ، أنّ الكتابة عن الفِرق الإسلامية في آثار الأقدَمين التي وصلت إلينا، جاءت على شكلين:

الأوّل:

عرَضيّاً في سياق الحديث عن موضوعٍ من المواضيع، فدراسة الفِرق في هذه الحالة لم تكن مقصودة لذاتها، وهذا ما نلمسه عند:

٢١

الجاحظ في(الحيوان) ، ابن قتيبة في(المعارف) ، الرازي في(الزينة) ، البلخي في(البدء والتاريخ) ، المسعودي في(مروج الذهب) ، ابن عبد ربّه في(العقد الفريد) ، المقدسي في(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) ، ابن الجوزي في(تلبيس إبليس) ، المقريزي في(الخطط المقريزية)، وغيرهم... وغيرهم...

الثاني:

دراسة الفِرَق مقصودة بذاتها، مستقلّة عن أيّ موضوع آخَر، وهذا ما نَجده في:

(فِرَق الشيعة) للنوبختي، و(التنبيه والرد على أهل الأهواء والبِدع) للملطي، و(الفَرق بين الفِرَق) للبغدادي، و(الفصل في المِلل والأهواء والنِحل) لابن حزم الأندلسي، و(مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين) للأشعري، و(التبصير في الدين وتمييز الفِرَق الناجية عن الفِرَق الهالكين) للأسفرايني، و(المِلل والنِحل) للشهرستاني، و(اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين) لفخر الدين الرازي و... و... وغيرهم وغيرهم...

وكل مَن يمعن النظر في كتابات أصحاب الفِرق يجد أنّهم قد اختلفوا فيما بينهم في:١ - عدد الفِرق ٢ - وفي أسمائها ٣ - وفي نسبتها ٤ - وفي مقالاتها.

أوّلاً - عددُ الفِرَق:

لم يتّفق كُتّاب الفِرَق على عدد هذه الفِرَق، فابن قتيبة في(المعارف) لم يذكر غير إحدى عشرة فرقة، على حين أنّ بعض كتّاب الفِرق تجاوزوا في العدد رقم (٧٣)، والبعض منهم عدّ أكثر من ثلاثمئة فرقة، ومنهم مَن جعلَ فِرق الشيعة وحدها أكثر من ثلاثمئة فرقة.

حتى أنّ بعضهم - المقريزي - جعلَ عدد فِرق الرافضة ثلاثمئة فرقة.

٢٢

وقد برّرَ فخر الدين الرازي الزيادة في عدد الفِرق بقوله: (فإن قيل: إنّ هذه الطوائف التي عددهم أكثر من ثلاث وسبعين، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يُخبِر بأكثر، فكيف ينبغي أن يعتقد في ذلك؟

والجواب عن هذا: أنّه يجوز أن يكون مرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذكر الفِرق، الفِرَق الكبار، وما عَدَدْنا من الفِرق ليست من الفِرق العظيمة، وأيضاً فإنّه أخبرَ أنّهم يكونون على ثلاث وسبعين فرقة لم يجز أن يكونوا أقل، وأمّا إذا كانت أكثر فلا يضرّ ذلك، وكيف لم نذكر في هذا المختصر كثيراً من الفِرق المشهورة، ولو ذكرناها كلّها مستقصاة لجازَ أن يكون أضعاف ما ذكرنا، بل ربّما وجِد في فرقة من فِرق الروافض - وهم الإمامية - ثلاث وسبعون فرقة).

ثانياً - أسماءُ الفِرَق:

ومن جهة أُخرى ؛ فإنّ كل واحد من الذين تصدّوا للكتابة عن الفِرق الإسلامية، ذَكر فِرَقاً لم يذكرها غيره.

فالنوبختي في(فِرَق الشيعة) ذكرَ: الماصرية، والحسينية، والنفيسية.. ولم يذكرها غيره.

والرازي في(الزينة) ذكر: الشمرية، والطاحنية، والنهدية، ولم نَجد لها ذكراً عند غيره.

والبلخي في(البدء والتاريخ) ذكرَ: الكرنبية، واليعفورية، والقحطبية، والطيارة، والخشعبية، ولم يذكرها غيره.

والملطي في(التنبيه والرد) ذكر: الجمهورية، والسرية، والضررية، والتغلبية، والنجرانية، والعطوية، والجعدية، ولم نجدها عند غيره.

والمقدسي المعروف بالبشاري في(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) ذكر: المنذرية، والراهوية، والعطائية، والأبيضية، والسرخسية، والكلابية، والشفعوية، والداودية، ولم يذكرها سواه.

٢٣

وابن الجوزي في(تلبيس إبليس) ذكر: الكنزية، والأحمرية، والوهمية، والناكثية، والقاسطية، والملتزقة، والواردية، والمخلوقية، والفانية، والقبرية، واللفظية، والتاركية، والراجية، والمنقوصية، والمستثنية، والآمرية، واللاعنة، والمتربّصة، والمضطربة، والأفعالية، والمفروغية، والحبية، والخوفية، والفكرية، والمعية، والمتأنية، ولم يذكرها غيره.

وفخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين) ذكرَ: الأخشيدية، والناموسية، والعمادية، والعسكرية، والبنانية، والخالدية، واليونانية، والسورمية، والحوارية، والسبعية، والأزلية، والحماقية، ولم يذكرها غيره.

والمقريزي في(الخطط) ذكر: المزدارية، والجولقية، والبطيخية، والصباحية، والمجدرية، والزيادية، والبسلمية، والأهومية، ولم نجد لها ذكراً عند غيره.

والجيلاني في(توفيق التطبيق) ذكر: المرتاضون، والمشاؤون، ولم يذكرها سواه. إلخ... إلخ...

ثالثاً - نسبةُ الفِرَق:

ثمّة فِرَق عديدة اختلفَ أصحاب الفِرق في نسبتها، منها على سبيل المثال:

البيانية:

نَسَبَها كلٌ من النوبختي والرازي إلى بيان النهدي.

أمّا الملطي، فقال: سُموا بيانية ببيانٍ قالوا...

بينما نَسبها البغدادي، ومثله الإسفرايني والشهرستاني إلى بيان بن سمعان التميمي.

٢٤

الحارثية:

قال الرازي، ومثله النوبختي: إنّها تنتسب إلى عبد الله بن الحارث.

البغدادي، ومثله الإسفرايني ذكر: أنّهم أتباع حارث بن مزيد الأباضي.

العجلية:

النوبختي والرازي ينسبونها إلى هارون بن سعيد العجلي.

والشهرستاني ينسبها إلى عمير بن بيان العجلي.

أمّا البغدادي، فيُطلق على أتباع عمير بن بيان العجلي اسم (العجرية).

البشرية:

قال النوبختي: إنّهم أصحاب محمد بن بشير.

وأمّا البغدادي، ومثله الشهرستاني، وفخر الدين الرازي، فقالوا: إنّهم أتباع بِشر بن المعتمر.

الأزارقة:

قال كلٌ من الرازي، والإسفرايني، والبغدادي، والشهرستاني: إنّهم أصحاب نافع الأزرق.

أمّا الملطي، فقال: إنّهم أصحاب عبد الله بن الأزرق.

بينما قال فخر الدين الرازي: أتباع أبي نافع راشد الأزرق.

رابعاً - مقالاتُ الفِرق:

الأهمّ من الاختلاف في عدد الفِرق، وفي نسبتها: الاختلاف في مقالات تلك الفِرق، وهذا الاختلاف جاء على أحد شكلين:

٢٥

جزئي: يتمثّل في إضافاتٍ قليلة على قول الفرقة الواحدة، ذكرها كاتب دون أن يذكرها الآخر.

كلّي: بحيث يتضاد قول الواحد من أصحاب الفِرق، مع ما ذكره غيره عن نفس الفرقة.

والفِرق التي اختلفوا في مقالاتها كثيرةً جداً جداً، منها على سبيل المثال:

الخطّابية : يذكر النوبختي في(فِرَق الشيعة) : وأمّا أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي، ومَن قال بقولها، فإنّهم افترقوا لمـّا بلغهم أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمدعليه‌السلام لعنَه، وبريء منه ومن أصحابه، فصاروا أربعَ فِرق، وكان أبو الخطاب يدّعي أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام جعله قيّمه ووصيّه من بعده، وعلّمه اسم الله الأعظم، ثمّ ترقّى إلى أن ادّعى النبوّة، ثمّ ادّعى أنّه من الملائكة، وأنّه رسول الله إلى أهل الأرض والحجّة عليهم.

أمّا الرازي في(الزينة) فيقول: الخطّابية نُسبوا إلى أبي الخطّاب، واسمه محمد بن زينب الأسدي الأجدع، وكان يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه جعفر، فلمّا مات إسماعيل رجعوا إلى القول بإمامة جعفر، وغَلَوا في القول غُلواً شديداً، وخرجَ أبو الخطّاب في حياة جعفر بالكوفة في المسجد، في زمن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وأظهرَ الدعوة إلى جعفر، فتبرّأ منه جعفر ولعنهُ ودعا عليه، وقُتل هو وأصحابه كلّهم.

وكان أبو الخطّاب يقول بإلوهية جعفر، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وثبتَ قومٌ من أهل مقالته بعده على القول بذلك، وقالوا في الأئمة كلّهم بالغلو الشديد، وخرَجت فِرقة منهم إلى القول بإمامة محمد بن إسماعيل بعد أبيه إسماعيل، وزعموا أنّ أبا الخطّاب أمرَهم بذلك، ودلّهم عليه.

الملطي في(التنبيه والرد) يقول: وهُم يزعمون أنّ أبا بكر وعمر

٢٦

(رضي الله عنهما) الجبت والطاغوت، وكذلك الخمر والميسر عليهم لعنة الله، وقد فسّروا في كتاب الله أشياءً كثيرةً ما يشبه هذا.

وعن الخطّابية يقول الشهرستاني في(المِلل والنحل): أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع، مولى بني سعد.

زعمَ أبو الخطّاب أنّ الأئمة أنبياء، ثمّ آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد، وإلهية آبائه رضي الله عنهم، وهم أبناء الله وأحبّاؤه.

والإلهية نورٌ في النبوّة، والنبوّة نورٌ في الإمامة، ولا يخلو العالَم من هذه الآثار والأنوار، وزعمَ أنّ جعفراً هو الإله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه، ولكن لمـّا نزلَ إلى هذا العالَم لَبس تلك الصورة فرآه الناس فيها.

وعن هذه الفرقة، يقول فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين): وهُم يزعمون أنّ الله تعالى حلّ في علي، ثمّ في الحسن، ثمّ في الحسين، ثمّ في زين العابدين، ثمّ في الباقر، ثمّ في الصادق، وتوجّه هؤلاء إلى مكّة زمن جعفر الصادق وكانوا يعبدونه، فلمّا سمعَ الصادق بذلك، فأبلغَ ذلك أبا الخطّاب، وهو رئيسهم، فزعمَ: أنّ الله تعالى قد انفصلَ عن جعفر، وحلّ فيه، وأنّه هو أكمل من الله تعالى، ثمّ إنّه قُتل.

الخلفية: وهي إحدى فِرق (العجاردة):

يقول عنها البغدادي في(الفَرق بين الفِرق) : لا يرون القتال إلاّ مع إمامٍ منهم، وقد كفّوا أيديهم عن القتال ؛ لفَقدهم مَن يصلح للإمامة منهم.

وصارت الخلفية إلى قول الأزارقة في شيءٍ واحد، وهو: دعواهم أنّ أطفال مخالفيهم في النار.

ومثل هذا القول، نقلَ الأسفرايني في(التبصير في الدين) : أمّا الشهرستاني، فقال في(المِلل والنحل): خالَفوا الخمرية في القولِ بالقدر، وأضافوا القَدر خَيره وشَرّه إلى الله تعالى، وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنّة، وقالوا: الخمرية ناقضوا، حيث قالوا: لو عذّب الله العباد على أفعالٍ قدّرها عليهم، أو على ما لم يفعلوه، كان ظالماً، وقضَوا بأنّ أطفال

٢٧

المشركين في النار، ولا عملَ لهم ولا تَرك، وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض. ابن الجوزي في(تلبيس إبليس) يقول عن الخلفية: زعموا أنّ مَن تركَ الجهاد من ذكر وأنثى، فقد كَفر.

وعنها يقول فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين) : وهُم لا يرون أنّ الخير والشر من الله تعالى.

* * *

إنّ اختلاف كتّاب الفِرق، في عدد الفِرق، وفي أسمائها، وفي نسبتها، وفي مقالاتها، ذلك الاختلاف البيّن يجعلنا نشكّ في وجود هذه الفِرق أصلاً، خاصّةً وأنّه قد ثبتَ بالتدقيق أنّ ثمّة فِرقاً كثيرة مُبتَدعة لا وجود لها في دنيا الواقع: كالكيسانية، والكرنبية، والحارثية، والمعمرية، والمزيغية، والراوندية، والأبي مُسلمية، والأبي هريرية(١) ... كما ثبتَ أيضاً: أنّ ثمّة شخصيات زعموا أنّ لها تأثيراً كبيراً في الفِرق ومقالاتها، كانت مختلقة، لا مكان لها بين البشر، كعبد الله بن سبأ مثلاً.

وما يهمّنا في هذا المقام: هو المبحث عمّا إذا كان هنالك فرقة تسمّى بالنصيرية، أمْ أنّ هذا الاسم هو واحدٌ من أسماء عديدة، أُطلقت على فرقةٍ واحدة، خاصّةً وأنّ كتُب الفِرق حَملت إلينا أكثر من اسم لبعض الفِرق، مثالُ ذلك: يذكر أبو حاتم الرازي في(الزينة) : إنّ للمارقة خمسة ألقاب، يقال لهم: المارقة، والشراة، والخوارج، والحرورية، والمحكمة.

وفي حديثه عن السبأية يذكر: (ولهم في كلِ بلدٍ (لقب) يُلقّبون به، وهُم يسمّون ببلاد أصبهان الخرمية والكوذلية، وبالري وغيرها من أرض الجبال المزادكة والسنباذية وبالماهين المحمرة، وبأذربيجان الدقولية).

كما يذكر الغزالي في(المستظهري) ، وابن الجوزي في(المنتظم)

____________________

(١) عبد الواحد الأنصاري: مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام.

٢٨

وآخَرون غيرهما: أنّ ألقاب الإسماعيلية التي تداولتها الألسنة على اختلاف الأمصار والأزمنة، هي: الإسماعيلية، والباطنية، والقرامطة، والخرمية، والبابكية، والمحمرة، والسبعية، والتعليمية...

٢٩

أصلُ التسمية

ليس من السهل معرفة أصل تسمية (نصيرية)، ولا من أين جاء ذلك ؛ لأنّ الأقوال فيها متناقضة، وهي إلى جانب تناقضها لا تستند إلى دليلٍ مُقنع، ولا تخرج عن نطاق التخمين والتكهّنات.

الأكثرون يُرجعونها إلى محمد بن نصير، أحد دُعاة، أو أشياع، أو أصحاب، أو بوّاب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، لكنّ أصحاب هذا الرأي يختلفون فيها بينهم اختلافاً كبيراً حول اسم محمد بن نصير وكُنيته.

وها هي أسماء الرجل وكُناه، كما وردتنا على ألسِنتهم:

محمد بن نصير.

محمد بن نصير النميري.

أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري.

محمد بن نصير الكوفي.

أبو شعيب بن نصير البصري النميري.

ابن نصير.

محمد بن شعيب البصري.

محمد بن نصير الفهري أو النميري.

أبو شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري.

٣٠

وهناك مَن يشكّك في نسبة هذه التسمية إلى محمد بن نصير، دون أن يبيّن سبب تشكّكه مصرّحاً بأنّه لا يوجد ما يثبت هذا القول(١) .

ونحن مع هذا الرأي ؛ لجملة من الأسباب هي:

أوّلاً : كُتّاب الفِرق الأقدمون لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير، كما أنّهم لم ينسبوها إلى شخصٍ معيّن بالذات.

ثانياً : محمد بن نصير - كما تذكر كتب التراجم - توفي سنة ٢٥٩هـ/ ٨٧٣م، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره أوّل مرّة - في أوائل المئة الرابعة للهجرة - على لسان حمزة بن علي، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي، في(الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري)، وعلى لسان أبي العلاء المعري في(رسالة الغفران) ، و(اللزوميات) .

ثالثاً: أتباع محمد بن نصير يسمّون بالنميرية، على ما يذكر النوبختي المتوفّى سنة ٢٨٨هـ، إذ يقول:

(وقد شذّت فِرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته، فقالت: بنبوّة رجلٍ يقال له محمد بن نصير، وكان يدَّعي أنّه نبيٌ بعثه أبو الحسن العسكريعليه‌السلام ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التواضع والتذلّل، وأنّه إحدى الشهوات والطيّبات، وأنّ الله عزّ وجل لم يحرّم شيئاً من ذلك، وكان يقوّي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، فلمّا توفي قيل له في علّته - وكان اعتقلَ لسانه -: لِمَن هذا الأمر من بعدك؟ فقال: لأحمد، فلم يدروا مَن هو؟ فافترقوا ثلاث فِرق:

(فرقة) قالت: إنّه أحمد ابنه، و(فرقة) قالت: هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، و(فرقة) قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشر بن زيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء،

____________________

(١) عارف تامر: الإمامة في الإسلام.

٣١

وادّعى هؤلاء النبوّة عن أبي محمد، فسمّيت النميرية)(١) .

رابعاً: إذا أمعَنا النظر في ما كَتبه الشهرستاني عن النصيرية، نَجد أنّه استعملَ صيغة الجمع، (لهم جماعة ينصرون مذهبهم، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم)، بحيث يُفهم من ذلك أنّ أصحاب مقالة النصيرية أكثر من شخصٍ واحد.

ثمّة آراء أُخرى قليلة ترى أنّ تسمية نصيرية، نسبةً إلى نصير غلام الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ويبدو لنا خطل هذه الآراء، إذا عَلمنا أنّ أيّاً من كُتب التاريخ أو سواها، لم تذكر أنّ للإمام علي غلاماً يسمّى نصيراً.

ومن بين الآراء المطروحة رأيٌ مفرد، يعزو هذه التسمية إلى تغلب اسم الجبل على هذه الفئة(٢) ، والمقصود بالجبل:جبل النصيرية .

ويبدو أنّ هذا الاسم قد حرِّف إلى نصيرية.

والذي يُعزّز القناعة بصحة هذا الرأي هو: أنّ إطلاق اسم نصيرية على هذا الجبل، لم يظهر إلاّ أثناء الحَملات الصليبية، أي بعد عام ٤٨٨هـ (١٠٩٦م)، أي ما قبل هذا التاريخ، فكان الاسم الشائع لهذا الجبل هو جبل اللكام.

يقول الاصطخري: (وكورة الشام هي من حدّ فلسطين، وحدّ الشام، وثغور الجزيرة جبل اللكام، وهو الفاصل بين الثغرين، وجبل اللكام داخل في بلد الروم، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة، فيسمّى لكام إلى أن يجاوز اللاذقية)(٣) .

فإذا كانت الحروب الصليبية بدأت سنة ٤٨٨هـ وانتهت سنة ٦٩٠هـ، وإذا كان الشهرستاني ولِد سنة ٤٦٩هـ وتوفّي سنة ٥٤٨هـ، كان معنى ذلك: أنّ اسم نصيرية قد تغلّب على اسم الجبل في زمن

____________________

(١) فِرَق الشيعة.

(٢) محمد كرد علي: خطط الشام.

(٣) كتاب الأقاليم.

٣٢

الشهرستاني.

وترجع أسباب تسميةNazarie على ما نرى، إلى وجود الطائفة الإسماعيلية النزارية في أماكن معيّنة من هذا الجبل - مصياف - قدموس - سلمية -، والدّور الهامّ الذي لعبتهُ مصياف منذ أن انتزَعها الإسماعيليون من بني منقذ سنة ٥٣٥هـ، وكذلك إلى الدّور الهامّ الذي قامَ به شيخ الجبل سنان راشد الدين، زعيم الطائفة الإسماعيلية النزارية في مصياف وفدائييه، أثناء الحروب الصليبية، ممّا جعلَ اسم هذه الطائفة على كلِ شفةٍ ولسان.

وهناك نقطة أُخرى مهمّة تتعلّق بأصل التسمية، من الضروري الوقوف عندها قليلاً، وهي: ما ذكره بعض المؤرّخين المحدَثين، من أنّ العلويين تسمّوا نصيرية أوّلاً، ثمّ أُطلق عليهم - حسب إرادتهم - اسم العلويين في أيّام الانتداب الفرنسي(١) ، ولم يقدّموا أي دليل يدعم أقوالهم.

والحقيقة: أنّه وجِدت فِرقة من الشيعة تسمّى بالعلوية، عُرفت بهذا الاسم منذ القديم، ذكرها كلٌ من: المسعودي في(مروج الذهب) ، وياقوت الحموي في(معجم البلدان) .

يقول المسعودي: (والغلاة أيضاً ثمان فِرق: المحمدية منهم أربع، والمعتزلة أربع، وهُم العلوية).

كما ذكرَ ياقوت الحموي عند حديثه عن مدينة قاشان ما نصّه: (مدينة قرب أصبهان، تُذكر مع قُم، وأهلها كلّهم شيعة إمامية.

قرأتُ في كتاب ألّفه أبو العباس أحمد بن علي بن بابه القاشي، وكان رجلاً أديباً، قَدِم مرو وأقام بها إلى أن مات بعد الخمسمئة، ذَكر في كتابٍ ألّفه في فِرق الشيعة إلى أن انتهى إلى ذكر المنتظر، ومن عجائبه ما يذكر ما شاهدته في بلادنا قومٌ من العلوية من أصحاب التنايات يعتقدون هذا المذهب).

____________________

(١) يوسف الحكيم: سورية والعهد العثماني، ص (٦٨)، ود. صبحي محمصاني: فلسفة التشريع في الإسلام، ص(٨٥)، ومحمد كرد علي: خطط الشام، ص (١١٢).

٣٣

وهذا دليل على أنّ أصل التسمية هو (العلوية)، لكن تبدّلت التسمية مع الزمن إلى (نصيرية) لأسباب سياسية، أمْلَتها ظروف معيّنة.

تاريخ ظهور النصيرية:

تحديد تاريخ ظهور النصيرية على وجه الدقّة، أمرٌ من الصعوبة بمكان كبير ؛ لكثرة الأقوال وتناقضها، ثمّ ابتعادها عن بعضها بعضاً ابتعاداً عظيماً.

فنحن إذا أخذنا بالرأي القائل: إنّ أصل تسمية نصيرية، جاءت من نصير مولى الإمام عليعليه‌السلام ، كان معنى ذلك: أنّ تاريخ ظهور النصيرية هو زمن الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، أي ما بين سنة ٢٣/ قبل الهجرة و٤٠هـ.

أمّا إذا مِلْنا إلى الرأي الآخَر، الذي يقول: إنّ أصل التسمية نسبةً إلى محمد بن نصير،.... المتوفّى سنة ٢٥٩هـ، كان معنى ذلك: أنّ تاريخ ظهور النصيرية بين سَنَتَي ٢٣٢هـ، و٢٥٩هـ، وكما هو واضح ؛ فإنّ بين هذا التاريخ وذاك مدىً زمنياً واسعاً شاسعاً.

ثمّة نفر من المؤرّخين جعلَ تاريخ ظهور النصيرية - على وجه العموم - دون تحديد لسَنةٍ معيّنة (في القرن الثالث الهجري)(١) ، أو (في النصف الثاني من القرن الثالث)(٢) ، وهناك مَن يقول: إنّ المذهب النصيري أو العلوي، معاصر للدعوة الدرزية(٣) .

وأوّل إشارة إلى ظهور النصيرية وصَلت إلينا، ما كَتبه أبو الفرج الملطي في (تاريخ الدول السرياني) في أخبار سنة ٨٩١م = ٢٧٨هـ، وهي:

____________________

(١) الدكتور صبحي المحمصاني: فلسفة التشريع في الإسلام.

(٢) كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوّف والتشيّع.

(٣) عمر فروخ: تاريخ الفكر العربي.

٣٤

(رغبَ الكثيرون أن يعرفوا مَن هم النصيريون؟ فنقول: في السنة ١٢٠٢ لليونان (٨٩١م)، ظهرَ شيخ في أطراف الكوفة بقرية الناصرية، كان يُكثر من الصوم والصلاة ويتظاهر بالزهد، وتبعهُ كثيرون من أهل البلد.

واصطفى اثني عشر رجلاً بعدد الرسل، وأوصاهم أن يبثّوا بين الناس تعليماً غريباً، ولمـّا اطّلع حاكم البلد على خبره أرسل فقُبض عليه، وحبسهُ في إحدى غرف داره، وأقسم أنّه صباح الغد يشنقه، وشربَ الحاكم تلك الليلة خمراً حتى سكر، وفرشوا له لينام.

فطلبَ مفتاح الغرفة التي حُبس فيها الشيخ، ووضعهُ تحت وسادته، وغرقَ في النوم، وكان للحاكم خادمة تنام عنده، سبقت فاطّلعت على صوم الشيخ وصلاته، فأخذَتها الشفقة عليه، وقصَدت مولاها وهو غارق في سباتٍ عميقٍ، والتقفت المفتاح، وذهبت فأطلقت الشيخ، ثمّ أغلقت الباب، وردّت المفتاح إلى مكانه.

ولمـّا أفاقَ الحاكم تناولَ المفتاح، وفتحَ باب الغرفة فلم يجد فيها أحداً، فأخذه الدهش، وتخوّفت الخادمة أن تُعلمه بأنّها هي التي فتحت وأطلقته، وهكذا ذاعَ الخبر بأنّ الشيخ خرجَ والأبواب مغلقة.

وما عتمَ أن شاهدَ الشيخ اثنين من تلامذته يسوقان فداناً في أراضٍ بعيدة عن القرية، فقصدَ نحوهما، وأكّد لهما أنّ الملائكة أطلقوه وجعلوه في البرية، ثمّ كَتب كتاب مذهبه، ودَفعه إليهما ليُعلما الناس بموجبه، وقد أثبتَ فيه ما يلي: إنّي أنا فلان الذي يُظنّ أنّه ابن عثمان من قرية الناصرية، قد ظهرَ لي في الرؤية المسيح يسوع الكلمة الهادئ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، من ولدِ علي، وهو جبرائيل الملاك، وقال لي:

إنّك أنت الداعي، أنت الحق، أنت جمل يحقد على غير المؤمنين، أنت بهيمة حاملة ثقل المؤمنين، أنت روح، أنت يوحنا بن زكريا، فانذرْ الناس ليجثوا أربع ركعات في صلاتهم، ركعتين قبل بزوغ الشمس، وركعتين قبل الغروب، شطر أورشليم، ويقولون في كل مرّة هذه العبارات الثلاث: الله السامي على الكل، الله الأعظم من الكل، الله الأكبر من الكل، وأن لا يشتغلوا في يَومي الاثنين والجمعة، وأن يصوموا يَومين في السنة، وأن يقلّلوا من غسل أعضاء التناسل، ولا يشربوا المسكر، بل يشربوا ما أرادوا

٣٥

من الخمر، ولا يأكلوا لحوم الحيوانات الضارية. وبعدما لقّنهم تعليماً مثل هذا سقيماً سخيفاً، انتقلَ إلى فلسطين، وجعلَ يلقّن الناس الجَهلة القرويين، ثمّ اختفى من هناك، ولم يوقَف على مكانه حتى اليوم).

بحسب هذه الرواية، يكون تاريخ ظهور النصيرية هو سنة ٢٧٨هـ في الكوفة، وهذا التاريخ هو عينه مبدأ ظهور القرامطة.

وما ذكرهُ الملطي يشابه إلى حدٍ بعيد، ما رواه ثابت بن سنان بن قرّة الصابئ (ت ٣٦٥هـ)، في تاريخه عن بدء ظهور القرامطة:

(في سنة مئتين وثمانية وسبعين من الهجرة، فيها تحرّك بسواد الكوفة قومٌ يُعرفون بالقرامطة، وكان ابتداء أمرِهم - فيما ذكر - أنّ زعيم هذه الطائفة قَدِم من بلدةِ خوزستان إلى عاصمة الكوفة، فنزلَ بموضعٍ يقال له النهرين، وتظاهرَ بالزهد والورع والتقشّف، وكان يسف الخوص، ويأكل من كسب يده، ويكثر من الصلاة.

وأقامَ على ذلك زمناً كبيراً، وكان إذا جاءه شخص وجلسَ معه تحدّث معه في أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأخبرهُ أنّ الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يومٍ وليلة، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثمّ أعلَمهم أنّه يدعو إلى إمامٍ من أهل البيت، فأقامَ على الدعاية حتى اجتمعَ حوله جمعٌ كبير.

واصطحبَ برجلٍ بقّال، وكان يكثر الجلوس على باب حانوته، فجاء يوماً قومٌ إلى البقّال، وطلبوا منه رجلاً يحفظ عليهم ما حُرموا من نخلهم، فدلّهم عليه، وقال لهم: (إن أجابكم إلى حفظ تَمْركم فإنّه بحيث تحبّون)، فكلّموه في ذلك، فأجابهم إلى ذلك بأجرٍ معلوم.

فكان يحفظ لهم ويصلّي أكثر نهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطاره رطلاً من التمر من البقّال فيأكله، ويجمع النوى ويعطيه البقّال، فلمّا حَمل التجّار تَمْرَهم عند البقّال ودفعوا إليه أجرته، وحاسب الأجير البقّال على ما أخذه من التمر، ودفعَ له ثمن النوى، فسمعَ أصحاب التمر محاسبته للبقّال بثمن النوى فضربوه، وقالوا له: (لم ترضَ بأكل تَمْرِنا، حتى بعتَ النوى)، فقال لهم البقّال: (لا تفعلوا)، وقصّ عليهم القصّة، فندموا على ضربه

٣٦

، واستحلّوا منه، ففعل، وازدادَ بذلك نُبلاً عند أهل القرية، لمـّا وقفوا من زهده. ثمّ مَرض فمكثَ على الطريق مطروحاً، وكان في القرية رجل يُدعى (كرميته) ؛ لحمرة عينيه، وهو بالنبطية أحمر العينين، يحمل على أثوار له، فكلّم البقّال في حمل المريض إلى بيته، فحَمله وأقام حتى بريء.

ودعا أهل القرية إلى اعتناق مذهبه فأجابوه، وكان يأخذ من كلِ رجلٍ ديناراً، ويزعم أنّه للإمام، واتّخذ منهم اثني عشر نقيباً، وأمَرَهم أن يدعوا الناس إلى نِحلته، وقال لهم: أنتم كحواريي عيسى.

فاشتغلَ أهل كور عن أعمالهم بما رسمَ لهم من الصلوات، وكان للهيصم ضياع، فرأى تقصير أهل القرية في عمارتها، فسألَ عن ذلك، فأُخبر بخبر القرمطي، فأخذهُ وحبسه، وحلفَ أن يقتله ؛ لِمَا اطّلع على مذهبه، وأغلق باب البيت عليه، وجعلَ مفتاح البيت تحت وسادته، واشتغلَ بالشرب.

فسمعَ بعض مَن في الدار من الجواري بقصّته، فرقّت للرجل، فأخذت المفتاح - حين نام سيّدها - وفتحت الباب وأخرجته، ووضَعت المفتاح مكانه، فلمّا أصبح الهيصم فتحَ الباب ليقتله فلم يجده، وشاعَ ذلك في الناس، فافتتنَ به خلقٌ كثير من تلك القرية، وقالوا: رُفع.

ثمّ ظهرَ في ناحية أُخرى، واجتمعَ بأصحابه وغيرهم، وسألوه عن أمره، فأخبرَ أنّه لا يمكن أحداً أن يصل إليه بسوء، فعظمَ من ذاك الوقت في أعينهم، ثمّ خافَ على نفسه، فخرجَ إلى ناحية الشام، فلم يوقَف له على أثَر.

وسمّى نفسه باسم الرجل الذي كان في داره (كرميته، صاحب الأثوار)، ثمّ خُفّف فقيل: قرمط. هكذا ذَكر أصحاب زكرويه عنه.

وقيل: إنّ قرمط لقب رجل بسواد الكوفة، كان يحمل غلّته على أثوارٍ له، واسمه حمدان.

ثمّ فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة، ووقفَ الطائي أحمد بن محمد على أمرهم، فجعلَ على الرجلِ منهم ديناراً في العام، فقَدِم قومٌ من الكوفة، فرفعوا أمرَ القرامطة والطائي إلى السلطان، وأخبروه أنّهم أحدثوا ما ليس في دين الإسلام، وأنّهم يرون السيف على أُمّة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) إلاّ مَن بايعهم، فلم يلتفت إليهم، ولم يسمع منهم.

٣٧

وفيما حُكي عن القرامطة من مذهبهم: أنّهم جاؤوا بكتاب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان، وهو من قريةٍ يقال لها نصرانة، داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل.

وذكرَ أنّ المسيح تَصوّر له في جسم إنسان، وقال له: أنت الداعية، وإنّك الحجّة، وإنّك الناقة، وإنّك الدابّة، وإنّك يحيى، وإنّك روح القدس، وأخبرهُ أنّ الصلاة أربع ركعات، ركعتان قبل الشروق، وركعتان بعد الغروب، ويقيم الأذان في كلّ صلاة، يكبّر ثلاثاً (أشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين، أشهد أنّ آدم رسول الله، أشهد أنّ نوحاً رسول الله، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، أشهد أنّ عيسى رسول الله، أشهد أنّ محمداًَ رسول الله، وأشهد أنّ أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله، ويقرأ في كلّ ركعة الاستفتاح المـُنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة إلى بيت المقدس، وأنّ الجمعة يوم الاثنين، لا يُعمل فيه شيء، والسورة:

(الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتّخذ لأوليائه بأوليائه، قل إنّ الأهلّة مواقيتُ للناس، ظاهرها ليعلم عدد السِنين والحساب والشهور والأيّام، وباطنها أوليائي الذين عَرّفوا عبادي سبيلي، اتّقوني يا أُولي الألباب، وأنا الذي لا أُسأل عمّا أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمَن صبرَ على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنّتي وأخلدتهُ في نعمتي، ومَن زالَ عن أمري وكذّب رسلي أخذتهُ مهاناً في عذابي، وأتممتُ أجَلي، وأظهرت أمْري على ألسِنة رُسلي، وأنا الذي لم يعلُ عليّ جبّار إلاّ وضعتهُ، ولا عزيز إلاّ أذللته، وليس الذي أصرّ على أمره ودامَ على جهالته، وقالوا: لن نبرحَ عليه عاكفين وبه موقنين أولئك الكافرون، ثمّ يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربّي ربّ العزّة وتعالى عمّا يَصف الظالمون)، يقولها مرّتين، فإذا سجدَ قال: (الله أعلى) مرّتين، (الله أعظم) مرّتين.

ومن شريعته الصوم يومين في السنة، وهما المهرجان، والنبيذ حرام والخمر حلال، وألاّ يغتسلوا من الجنابة إلاّ الوضوء كوضوء الصلاة، وأنّ مَن حاربهُ وجبَ قتله، ومَن لم يحاربه ممّن خالفهُ وجبَ عليه الجزية، ولا يأكل كلّ ذي ناب ولا كلّ ذي مخلب).

٣٨

يستفاد من ذلك: أنّ الملطي - المعروف بابن العبري، المتوفّى سنة ٦٨٥هـ - اعتبرَ النصيرية هم القرامطة، وهذا خطأ.

ثمّ إنّه ناقضَ نفسه بنفسه، في كتابه(تاريخ مختصر الدول) عند حديثه عن القرامطة ؛ إذ ذَكر عنهم نفس ما قاله عن النصيرية، في روايته التي بيّناها، وإذاً فإنّ تحديد تاريخ ظهور النصيرية بسنة ٢٧٨هـ، أخذاً بما ذَكره الملطي، في غير محلّه.

ويبقى أقرب الأقوال إلى الصواب القول: بأنّ ظهور النصيرية هو النصف الثاني من القرن الثالث ؛ لأنّه عندما كتبَ حمزة بن علي رسالته في الردّ على النصيري بين عامي ٤٠٨ و٤١٠هـ، كانت الفرقة النصيرية موجودة ومعروفة، وهذا يعني أنّ وجودها سابق لهذا التاريخ، لكنّ تحديد ظهورها بسنةٍ معيّنة، أمر من الصعوبة بمكان كبير ؛ لعدم وجود الدليل القاطع.

***

٣٩

مَوطِن النصيرية

يُفهم من الآثار التي وصلت إلينا: أنّ النصيرية تنتشر في أماكن وأقاليم متعدّدة، عربية وأجنبية.

في سورية أطلقَ المؤرّخون على أماكن تواجد النصيرية أسماء كثيرة: جبال اللاذقية، جبال النصيرية، بلاد العلويين، منطقة العلويين، منطقة اللاذقية، الجبل العلوي، جبل الشام، جبل اللكام، إلخ...

ومن الأسماء التي ذُكرت أيضاً، جبل السمان (اتخذوا جبل السمان، الذي يسمّى الآن جبل النصيرية)(١) .

ولم نعثر في الكتب على أيّ ذِكر لهذا الاسم، الذي انفردَ به شيخنا محمد أبو زهرة دون سواه، ولعلّ الشيخ يقصد جبل السماق، وهو كما ذَكر ياقوت الحموي في معجم البلدان(٢) ، جبل عظيم من أعمال حلب الغربية.

وثمّة مَن ذَكر اسماً آخَر، بعيد كل البُعد عن الأسماء المألوفة المتداولة، وهو جبل بلاطنس(٣) .

أمّا الاختلاف الذي يُذكر فهو في تحديد موقع جبل اللكام ؛ لأنّ

____________________

(١) تاريخ المذاهب الإسلامية: الجزء ١، ص٦٣.

(٢) الجزء ٢، ص١٠٠.

(٣) أبو الفداء: المختصر في تاريخ البشر.

٤٠

الجغرافيين العرب لم يتّفقوا على رأيٍ واحدٍ بصدده.

فالمقدسي المعروف بالبشاري يقول: (أمّا جبل اللكام، فإنّه أعمر جبال الشام، وأكبرها وأكثرها ثماراً، وهو اليوم بِيَد الأرمن، وطرسوس ورائه، وأنطاكية دونه)(1) .

أمّاالاصطخري فيذكر: (وكورة الشام إنّما هي من حدّ فلسطين، وحدّ الشام، وثغور الجزيرة جبل اللكام، وهو الفاصل بين الثغرين، وجبل اللكام داخل في بلد الروم، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة فيسمّى لكام، إلى أن يجاوز اللاذقية ثمّ تسمّى بهراء وتنوخ، إلى حمص ثمّ تسمّى جبل لبنان)(2) .

وياقوت الحموي يقول: (اللكام وهو الجبل المشرف على أنطاكية، وبلاد ابن ليون والمصيصة وطرسوس، وتلك الثغور)(3) .

وفي لبنان توجد النصيرية في شمال عكار(4) ، وفي وادي التيم(5) ، كما توجد في جبال الظنيين.

ويقولابن الوردي : (أحاطت عساكر الشام بجبال الظنيين المنيعة، وكانوا عصاة مارقين، وترجّلوا عن الخيل، وصعدوا في تلك الجبال من كل جانب، وقتلوا وأسّروا جميع مَن فيها من النصيرية)(6) .

ولم يحدّد ابن الوردي مكان وجود هذه الجبال، ونعتقد أنّه المقصود بجبال الظنيين هو جبل الضنية أو الظنية، الواقع إلى الشمال من بشري.

يقولأنطوان شكر الله حيدر: (وهذا الجبل يحمِل إلى هذا اليوم اسم الجماعة الشيعية التي استقرّت به، وهي الضنية أو الظنية على الأصحّ، وهو

____________________

(1) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.

(2) كتاب الأقاليم.

(3) معجم البلدان: الجزء5، ص22.

(4) أحد الآباء اليسوعيين: مختصر تاريخ سورية ولبنان.

(5) الدكتور محمد علي مكي: لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني.

(6) تتمة المختصر في أخبار البشر.

٤١

الاسم الذي أُطلق على عدد من الفِرق الباطنية، وبخاصة الإسماعيلية)(1) .

وبهذا المعنى كتبَ الشيخ طه الولي (وكان آل عمار على مذهب الشيعة الإمامية، وقد امتدّ سلطانهم حتى شملت - بالإضافة إلى طرابلس - مناطق عكار، والضنية، وبلاد جبيل، والبترون، وما تزال الجبال المطلّة على طرابلس من جهة الشرق تحمل حتى اليوم اسم (الضنية)، والضاد هنا حلّت مكان الظاء، وهذه الكلمة أُطلقت في الماضي على هذه الجبال ؛ لأنّ أهلَها كانوا يُعرفون آنذاك باسم الظنية، وهو الاسم الذي اشتهروا به ؛ لأنّهم كانوا على مذهب الشيعة، الذين يقولون بالظنّ والتأويل في تفسير أحكام الشريعة الإسلامية، الواردة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة)(2) .

وتوجد النصيرية أيضاً في العراق، في الشرطة، وهي كما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: (كورة كبيرة من أعمال واسط، بينها وبين البصرة، لكنّها عن يمين المنحدر إلى البصرة).

كما توجد في بعض أجزاء شمال فلسطين.

أمّا في البلاد الأوروبية، فتوجد النصيرية في كلٍّ من: تركيا، واليونان، وبلغاريا، وألبانيا السفلى.

وبنتيجة الهجرة، توطّنت جماعات كثيرة منهم في أمريكا الجنوبية، وبشكلٍ خاص في الأرجنتين والبرازيل.

____________________

(1) مجلّة الحوادث: العدد 1143 تاريخ 29/9/1987.

(2) جريدة اللواء، العدد 3381، تاريخ 29/6/1980.

٤٢

عقائدُ النصيرية

ذهبت أقوال المؤرّخين حول عقائد النصيرية في كلّ اتجاه، واختلطت الأقوال اختلاطاً عجيباً، وتشابكت وبَلَغ تشابكها حدّاً استحالَ معه إيجاد نقطة تلاقٍ واحدة، ما بين قول وقول، وبالتالي أصبحت معرفة ما هو حقيقي، وما هو موضوع مدسوس من أشقّ الأمور على الباحث.

وليس بخافٍ أنّ اصطلاح (نصيرية) ظهرَ في عدد كثُرت فيه الفتن، والانقسامات والميول، والأهواء والنزعات، والمذاهب الفلسفية، والعداوات المذهبية، كما كثر فيه الدسّ والاختلاق والتحريف، وتزييف الحقائق وتشويهها.

وأوّل ما يلاحظ أنّ عقائد النصيرية - كما وردتنا - مأخوذة كلّها من خصوم هذا المذهب، ولم نرَ أيّاً من المؤرّخين مَن ذَكر اسم كتابٍ واحدٍ من كتب النصيرية، أو ذَكر اسم رجلٍ واحدٍ من رجالاتها.

ولمـّا كان أخذ المذهب من خصومه مغامرة جريئة، تحتاج إلى كثيرٍ من التحرّي والدقّة، لذلك فإنّنا تعامَلنا مع مختلف الأقوال بمنتهى الحيطة والحذر، ووقفنا عند كلّ نقطة، وحاولنا جهد المستطاع إرجاع الأشياء إلى أُصولها، ولا غنى عن القول: إنّه لابدّ عند البحث عن عقائد النصيرية من التمييز ما بين نوعين من الكتابات:

٤٣

الأوّل: كتابات المؤرّخين الأقدَمين.

الثاني: كتابات المؤرّخين المحدَثين، ثمّ المعاصرين، وهناك اختلافُ كبير، بين هذين النوعين من الكتابات.

ونحن في هذا الفصل، سنتكلّم عن عقائد النصيرية كما تحدّث عنها القدماء، ثمّ كما تحدّث عنها المحدّثون، ثمّ كما تحدّث عنها رجالات العلويين وشيوخهم، وكما تظهر في كتاباتهم وأشعارهم.

٤٤

النصيريةُ عند الأقْدمين

كان ما كتَبه حمزة بن علي (ت 433هـ)، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي، في رسالته المسمّاة(الرسالة الدامغة في الردّ على النصيري)، أوّل إشارة وصَلت إلينا عن عقائد النصيرية.

وهذه الرسالة جاءت ردّاً على كتاب(الحقائق وكشف المحجوب) ، الذي ألّفه شخصٌ من النصيرية لم نعرف اسمه، أثارتهُ - على ما يبدو - دعوى القائلين بتأليه الحاكم، فصنّفَ كتابه للتشنيع عليهم، والطعن في مقالتهم، كما يُفهم ممّا أورده حمزة في رسالته، لم يكن لهذا الفاسق النصيري - لعنة المولى عليه - بُغية غير الفساد في دين مولانا جلّ ذِكره، ودين المؤمنين، ودين مولانا لا ينفسد أبداً.

لذلك رأينا حمزة يُحذّر من قبول كلام هذا النصيري، مُعلناً أنّ (مَن قَبِل كلامه عَبَد إبليس، واعتقد التناسخ، وحلّل الفروج، واستحلّ الكذب والبهتان).

ومن خلال ردّ حمزة على (النصيري) قارنَ بين أقوال النصيرية، وأقوال القائلين بإلوهية الحاكم، موضّحاً حقيقة أقوال مؤلّهة الحاكم، من ذلك مثلاً قوله: (مَن اعتقدَ التناسخ مثل النصيرية المعنوية، في علي بن أبي طالب وعَبَده - خسرَ الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين).

وقوله: (ثمّ إنّه إذا ذكرَ علياً يقول: علينا سلامه ورحمته، وإذا ذكرَ مولانا جلّ ذكره يقول: علينا سلامه. فيطلب الرحمة من المفقود المعدوم

٤٥

ويجحد الموجود الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته، ولا يكون في الكفر أعظم من هذا، فصحّ عند الموحّد العارف بأنّ الشرك الذي لا يُغفر أبداً (هو): بأن يُشرك بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جلّ ذكره، ويقول: علي مولانا الموجود، ومولانا هو علي، لا فرق بينهما، والكفر ما اعتقدهُ هذا الفاسق من العبادة في علي بن أبي طالب والجحود لمولانا جلّ ذكره).

وإلى جانب اتّهام حمزة بن علي النصيرية، باعتقادهم التناسخ، وعبادة علي بن أبي طالب، فقد اتّهمهم بأمورٍ أخلاقية تنال من سمعتهم وشرفهم، من ذلك: (إنّ النصيريين لا يُحرّمون القتل ولا السرقة، ولا الكذب ولا الافتراء، ولا الزنا حتى ولا اللواطة، ولا يحجب عريقو النصيرية نساءهم وبناتهم عن بعضهم، ولا يعبأون بكلّ ما يمكن حدوثه بين الرجال والنساء، وإلاّ فلا يكمل إيمانهم).

وكان هذا الاتّهام ردّاًَ على اتّهام النصيريين، القائلين بإلوهية الحاكم بأنّ (جميع ما حرّموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا والفاحشة، فهو مطلق للعارف والعارفة)، ونحن لا نستطيع أن نطمئن إلى صحة اتّهامات كل واحدٍ منهما إلى الآخَر ؛ لأنّ الدافع إليها خلاف عقائدي شديد، فلا عجب إذاً أن يَصمَ كلٌ منهما الآخَر بأقبح وأشنع التّهم ؛ للحطّ من مقامه.

وأوّل مَن تنبّه إلى بطلان الاتّهامات التي كالَها حمزة بن علي إلى النصيرية، صاحبا (ولاية بيروت)، رفيق التميمي، ومحمد بهجت، إذ قالا: (لعلّ هذه الاتّهامات مختلَقة، إذ لا يُعثر في كتب النصيرية، ولا في أغانيهم أدنى إشارة تدلّ على صحتها، وقد أجمعَ كلّ مَن احتكّ بهذه الطائفة واختبرها أنْ لا صحة لوجود تلك الرذائل الأخلاقية فيهم، ولعلّ مؤلّف الرسالة الدامغة استهجنَ من النصيريين عدم الاحتجاب فضربَ أخماسه بأسداسه، وتشفّى منهم بهذه التّهمة المشينة).

وقد تناسى المؤرّخون كتاب النصيري، وتمسّكوا بكل ما جاء في رسالة حمزة التي ذاعت وانتشرت، وكانت نقطة الانطلاق لكلّ مَن يريد أن يطعن في أخلاقيات النصيرية.

٤٦

ومن القدماء الذين أشاروا إلى شيء من عقائد النصيرية أيضاً، المعرّي في (اللزوميات)، بقوله:

يا آكِلَ التُفّاحِ لا تَبعَدَن

وَلا يُقِم يَومُ رَدىً ثاكِلَك

قالَ النُصَيريُّ وَما قُلتُهُ

فَاِسمَع وَشَجِّع في الوَغى ناكَلَك

قَد كُنتَ في دَهرِكَ تُفّاحَةً

وَكانَ تُفّاحُكَ ذا آكِلَك

وَحَرفَ هاجٍ لُحتَ فيما مَضى

وَطالَما تَشكُلُهُ شاكَلَك

وفي(رسالة الغفران) عند حديثه عن التناسخ، إذ قال: (وتؤدّي هذه النحلة إلى التناسخ، وهو مذهبٌ عتيقٌ يقول به أهل الهند، وقد كثر في جماعة من الشيعة، نسأل الله التوفيق والكفاية، وينشد لرجلٍ من النصيرية:

أعَجَبي أمنّا لصرف الليالي

جعلتْ أختَنا سكينة قاره

فازجري هذه السنانير عنها

واتركيها وما تضمّ الغراره

وقال آخَرٌ منهم:

تبارك الله كاشفَ المِحن

فقد أرانا عجائب الزمن

حمار شيبان شيخُ بلدتنا

صيّره جارنا أبو السكن

بدّل من مَشيته بحلته

مَشيته في الحزام والرسن

وهذه الأبيات - التي رواها المعرّي عن اثنين من النصيرية لم يسمِّهما - لا تعطينا أيّة فكرة عن مذهب النصيرية، وهي تفيد السخرية والدعابة لا أكثر.

وأوّل مَن تعرّض للحديث عن النصيرية - من كتّاب الفِرق - الشهرستاني في(الملل والنحل) ، وجميع الذين كَتبوا عن الفِرق الإسلامية من قَبله، وهم: ابن قتيبة (ت 276هـ)، النوبختي (ت: 288هـ)، الأشعري القمي (ت: 301هـ)، أحمد بن حمدان الرازي (ت 332هـ)، الأشعري (ت 324هـ)، البلخي (ت: 340هـ)، المسعودي (ت 346هـ)، الملطي (ت 377هـ)، البغدادي (ت: 429هـ)، لم يأتِ

٤٧

أيٌ منهم على ذكر للنصيرية، والشهرستاني عندما تكلّم عن النصيرية، لم يتكلّم عنها لوحدها، وإنّما تكلّم عنها وعن الإسحاقية معاً، معتبراً إيّاهما فرقة واحدة، قال:

(النصيرية والإسحاقية من جملة غلاة الشيعة، ولهم جماعة ينصرون مذهبهم، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم، وبينهم خلافٌ في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت).

قالوا: ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمرٌ لا ينكره عاقل، أمّا في جانب الخير فكظهور جبريلعليه‌السلام ببعض الأشخاص والتصوّر بصورة أعرابي، والتمثّل بصورة البشر، وأمّا في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشرّ بصورته، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلّم بلسانه.

فكذلك نقول: إنّ الله تعالى ظهرَ بصورة أشخاص، ولمـّا لم يكن بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) شخص أفضل من علي (رضي الله عنه) وبعده أولاده المخصوصون، وهُم خيرُ البريّة، فظهرَ الحقّ بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم، وإنّما أثبتنا الاختصاص لعليعليه‌السلام دون غيره ؛ لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى، فيما يتعلّق بباطن الأسرار.

قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (أنا أحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر)، وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وقتال المنافقين إلى علي (رضي الله عنه)، ومن هذا شبّهه بعيسى بن مريمعليه‌السلام فقال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (لولا أن يقولَ الناس فيكَ ما قالوا في عيسى بن مريم عليه السلام لقلتُ فيكَ مقالاً)، وربّما أثبتوا له شركة في الرسالة ؛ إذ قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (فيكم مَن يقاتل على تأويله، كما قاتلتُ على تنزيله، ألا وهو خاصف النعل).

فعِلم التأويل، وقتال المنافقين، ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوّة جسدانية، من أوّل الدليل على أنّ فيه جزءاً إلهياً وقوّة ربّانية، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته وخلق بِيَده وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا: كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، قال: (كنّا أظلّة على يمين العرش، فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا)، فتلك الظِلال وتلك الصور التي تُنبئ عن الظِلال هي

٤٨

 حقيقته، وهي مشرقة بنور الربّ، إشراقاً لا ينفصل عنها، فسواء كانت في هذا العالَم أو في ذلك العالم، وعن هذا قال علي (رضي الله عنه): (أنا مِن أحمد كالضوء من الضوء، لا فرق بين النورين، إلاّ أنّ أحدهما سابقٌ، والثاني لاحقٌ به تالٍ له).

قالوا: وهذا يدلّ على نوع من الشركة، فالنصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي، والإسحاقية أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة، ولهم اختلافات أُخرى لا نذكرها.

وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية....).

وتستوقفنا في هذا النص الملاحظات التالية:

1 - لم يذكر الشهرستاني أسماء أصحاب مقالة النصيرية والإسحاقية، كما أنّه لم يَنسب أيّاً من الفرقتين إلى شخصٍ معيّن بالذات.

2 - ذكرَ للبيانية مقالة تشبه مقالة النصيرية شبهاً كاملاً، هي: (أتباع بيان بن سمعان التميمي، قال: حلّ في علي جزء إلهي، واتّحد بجسده، فبه كان يعلم الغيب ؛ إذ أخبرَ عن الملاحم وصحّ الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: (والله، ما قلعتُ باب خيبر بقوّة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوّة رحمانية ملكوتية بنور ربّها مضيئة).

3 - إذا تأمّلنا قوله: (وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية)، وقارنّاه بما ذكره عن الإسماعيلية (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنّما لزمَهم هذا اللقب لحُكمهم بأنّ لكلّ ظاهر باطناً، ولكلّ تنزيل تأويل، ولهُم ألقابٌ كثيرة، سوى هذه على لسان قوم قوم، فبالعراق يسمّون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، وبخراسان التعليمية، والملحدة...) تبيّن لنا أنّ النصيرية غير القرامطة والباطنية، وأنّه لا رابطة تجمع ما بينهم وبين هؤلاء.

4 - يُفهم من كلامه: أنّ مقالة الإسحاقية هي ذاتها مقالة النصيرية، والخلاف ما بينهما محصور فقط في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت، وأنّ النصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي، بينما الإسحاقية

٤٩

أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة.

لكنّه أوقَع نفسه في تناقضٍ كبير، حينما ذكر للإسحاقية مقالة تختلف تماماً مع ما تقدّم بيانه ؛ وذلك عند حديثه عن الكرامية، قال:

(أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام،... وهُم طوائف بَلَغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة: العابدية، والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية، ولكلّ واحدٍ منهم رأي، إلاّ أنّه لمـّا لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين، بل عن سفهاء اغتام جاهلين، لم نفردها مذهباً، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، وأشرنا إلى ما يتفرّع منه.

نصّ أبو عبد الله على أنّ معبوده على العرش استقراراً، وعلى أنّه بجهة فوق ذاتاً، وأطلقَ عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمّى عذاب القبر: إنّه أحَدي الذات، أحَدي الجوهر، وإنّه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوّز الانتقال، والتحوّل، والنزول،... وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه....

ومن مذهبهم جميعاً: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم: أنّ ما يحدث في ذاته فإنّما يحدث بقدرته، وما يحدث مبايناً لذاته فإنّما يحدث بواسطة الأحداث... ويفرّقون بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود والموجِد، وكذلك بين الإعدام والمعدوم.....

وزعموا أنّ في ذاته سبحانه حوادث كثيرة، مثل: الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والكتب المنزلة على الرسلعليهم‌السلام ، والقصص والوعد والوعيد والأحكام، ومن ذلك المـُسمعات والمـُبصرات فيما يجوز أن يُسمع ويُبصر، والإيجاد والإعدام هو القول والإرادة، وذلك قوله (كُن) للشيء الذي يريد كونه، وإرادته لوجود ذلك الشيء، وقوله للشيء كُن، صورتان.

وعلى قول الأكثرين منهم: الخلق عبارة عن القول والإرادة.

ومن أصلهم: أنّ الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء، حتى يستحيل عدمها.

ومن أصلهم: أنّ المـُحدث إنّما يحدث في ثاني حال ثبوت الأحداث بلا فصل، ولا أثَر للأحداث في حال بقائه.

ومن أصلهم: أن ما يحدث في ذاته من الأمر فمنقسم إلى أمر

٥٠

التكوين، وإلى ما ليس أمر التكوين،..... وممّا أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم: الباري تعالى عالِم بعلم، قادر بقدرة، حيٌّ بحياة، شاءٍ بمشيئة، وجميع هذه الصفات صفات قديمة أزلية قائمة بذاته.

واتّفقوا على أنّ العقل يحسّن ويقبّح قبل الشرع، وتجب معرفة الله تعالى بالعقل.

وقالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال.

وقالوا في الإمامة: إنّها تثبت بإجماع الأمّة، دون النصّ والتعيين كما قال أهل السنّة، إلاّ أنّهم جوّزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين.

ومذهبهم الأصلي: اتّهام علي (رضي الله عنه) في الصبر على ما جرى مع عثمان (رضي الله عنه) والسكوت عنه، وذلك عرق نزع).

وإزاء هذا التناقض بتنا لا نعلم أيّ القولين هو الصحيح. وتزداد حيرتنا إذا عَلمنا أنّ كتّاب الفِرق، نقلوا عن الإسحاقية كلاماً يختلف جذرياً، عمّا أوردهُ الشهرستاني.

فالخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) يذكر(1) :

(سمعتُ أبا القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي يقول: إسحاق بن محمد بن أبان النخعي الأحمر كان خبيث المذهب، رديء الاعتقاد، يقول: إنّ علياً هو الله جلّ جلاله وأعز، قال: وكان أبرص، فكان يطلي البرص بما يُغيّر لونه فسمّي الأحمر لذلك، قال: وبالمدائن جماعة من الغلاة يُعرفون بالإسحاقية، يُنسبون إليه.

سألتُ بعض الشيعة ممّن يعرف مذاهبهم، ويخبر أحوال شيوخهم عن إسحاق، فقال: لي مثل ما قاله عبد الواحد بن علي سواء.

وقال: لإسحاق مصنّفات في المقالة المنسوبة إليه، التي يعتقدها الإسحاقية، ثمّ وقَع إليّ كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه، في الردّ على الغلاة، وكان النوبختي هذا من متكلّمي الشيعة الإمامية، فذكرَ أصناف مقالات الغلاة، إلى أن قال: وقد كان ممّن جوَّد الجنون في الغلو في عصرنا، إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر، وكان ممّن يزعم

____________________

(1) المجلّد 6، ص380.

٥١

أنّ علياً هو الله، وأنّه يظهر في كلّ وقت، فهو الحسن في وقت الحسن، وكذلك هو الحسين، وهو واحد، وأنّه هو الذي بعثَ بمحمد (صلّى الله عليه وسلّم)، وقال في كتابٍ له: لو كانوا ألْفاً لكانوا واحداً.

وكان راوية للحديث، وعمل كتاباً ذَكر أنّه كتاب التوحيد، فجاء فيه بجنون وتخليط لا يتوهّمان، فضلاً مَن يدلّ عليهما، وكان ممّن يقول: باطن صلاة الظهر محمد (صلّى الله عليه وسلّم) ؛ لإظهاره الدعوة، قال: ولو كان باطنها هو هذه التي هي الركوع والسجود، لم يكن لقوله: ( إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر ) يعني أنّ النهي لا يكون إلاّ من حي قادر.

وعن الإسحاقية، قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): (قالوا: إنّ النبوّة متّصلة إلى يوم القيامة، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبي).

فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين) ، يسمّي الإسحاقية (الإسجافية) ويقول عنها: (ويزعمون أنّ الله تعالى كان يحلّ في علي في بعض الأوقات، وفي اليوم الذي قلعَ علي باب خيبر كان الله تعالى قد حلّ فيه).

5 - ما تجدر الإشارة إليه: أنّ الشهرستاني كان يتلاعب في الأقوال، ويورد النصّ بصيغة بعيدة عن الحقيقة، مثال ذلك قوله: (عن هذا قالوا: كان هو موجوداً قبل خلق السموات والأرض، قال...)، بحيث يُفهم من صيغة هذا الكلام: أنّ قائله هو جماعة النصيرية أو الإسحاقية، مع أنّ الحقيقة خلاف ذلك، وعبارة (كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض)... ليست من كلام النصيرية أو الإسحاقية، وإنّما هي نصّ حديث شريف، جاء في كتاب(غاية المرام) للعلاّمة البحريني، عن(فرائد السمطين)، و(مسند أحمد)، و(فضائل الخوارزمي) ، و(مناقب الخطيب) أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: ( كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى، قبل أن يخلق الخلق، فلمّا خلقَ آدم ركّبَ ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتى أفرق في صلب عبد المطلب).

وهو حديث مشهور ذكره المعري في قصيدته ذات المطلع:

٥٢

علّلاني فإنّ بيضَ الأماني

فنيتُ والزمان ليس بفانِ

يقول:

أحَد الخمسة الذين هُم الأغراض

في كلّ منطقٍ والمعاني

والشخوص الذين خَلقن ضياء

قبل خلق المِرّيخ والميزان

قبل أن تُخلق السماوات أو تؤمر

أفلاكهنّ بالدوران ...

هذا التلاعب في الأقوال من قِبَل الشهرستاني، يجعلنا نتساءل: هل كان الشهرستاني يختلق الأقوال ويحرِّفها؟ لا نستبعد ذلك، وهو على كلّ حال متّهم في عقيدته، وفي نزاهته، وفي أمانته العلمية.

يقول معاصره أبو محمد الخوارزمي: (ولولا تخبّطه في الاعتقاد، ومَيله إلى هذا الإلحاد لكانَ هو الإمام، وكثيراً ما كنّا نتعجّب من وفور فضله وكمال عقله، وكيف مالَ إلى شيء لا أصل له، واختارَ أمراً لا دليل عليه لا معقولاً ولا منقولاً، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان)(1) ، ومثل هذا الكلام عن الشهرستاني يروي السبكي في(طبقات الشافعية) .

ويذكر ظهير الدين البيهقي في(تاريخ حكماء الإسلام): إنّ الشهرستاني كان يصنّف تفسيراً ويؤّول الآيات على قوانين الشريعة والحكمة وغيرها، فلمّا قيل له: هذا عدول عن الصواب، امتلأَ من ذلك غضباً.

وكان ممّن جرَحوا الشهرستاني أيضاً، عبد الحسين أحمد الأميني في (الغدير)، الذي سجّلَ عليه كثيراً من المآخذ والسقطات ؛ وذلك في تعليقه على قول الشهرستاني: (اختلفَ الشيعة بعد موت علي بن محمد العسكري أيضاً، فقال قوم: بإمامة جعفر بن علي، وقال قوم: بإمامة الحسن بن علي، وكان لهم رئيس يقال له علي بن فلان الطاحن، وكان من أهل الكلام، قوّى أسباب جعفر بن علي،

____________________

(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان، مادة شهرستان.

٥٣

وأمالَ الناس إليه، وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه ؛ وذلك أنّ محمداً قد مات، وخلّف الحسن العسكري، قالوا: امتحنّا الحسن ولم نَجِد عنده عِلماً، ولقّبوا مَن قال بإمامة الحسن الحمارية، وقوّوا أمر جعفر بعد موت الحسن، واحتجّوا بأنّ الحسين مات بلا خلف، فبطلت إمامته ؛ لأنّه لم يعقّب، والإمام لا يكون إلاّ ويكونَ له خلفٌ وعَقب، وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعوةٍ ادّعاها عليه، أنّه فعلَ ذلك من صلب جواريه وغيره، وانكشفَ أمرهم عند السلطان والرعية وخواصّ الناس وعوامّهم، وتشتّتت كلمة مَن قال بإمامة الحسن، وتفرّقوا أصنافاً كثيرة، فثبتت هذه الفرقة على إمامة جعفر، ورجع إليهم كثير ممّن قال بإمامة الحسن، منهم الحسن بن علي بن فضّال، وهو من أجَلّ أصحابهم وفقهائهم، كثير الفقه والحديث، ثمّ قالوا بعد جعفر، بعلي بن جعفر، وفاطمة بنت علي أخت جعفر، وقال قومٌ: بإمامة علي بن جعفر دون فاطمة السيدة، ثمّ اختلفوا بعد موت علي وفاطمة اختلافاً كثيراً).

فكان ردّ الأميني على هذا الكلام: (ليتَ شِعري متى وقعَ الخلاف في الإمامة بين الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، وبين أخيه جعفر، الذي ادّعى الإمامة بعد وفاة أخيه؟ ومَن هو علي بن فلان الطاحن، الذي قوّى أسباب جعفر، وأمالَ الناس إليه؟! ومتى خُلق؟! ومتى مات؟ ولستُ أدري أي هي بن بي هو؟ وهل وجَد لنفسه مقيلاً في مستوى الوجود؟

أنا لا أدري والشهرستاني لا يدري والمنجّم أيضاً لا يدري، وكيف أعانَ جعفراً فارس بن حاتم بن ماهويه، وقد قتلهُ جنيد بأمر والده الإمام علي الهاديعليه‌السلام ، ومَن هو محمد الذي خَلف الإمام الحسن العسكري؟! أهو الإمام محمد الجواد؟! ولم يَخلف إلاّ ابنه الإمام الهادي سلام الله عليه، أو هو أبو جعفر محمد بن علي صاحب البقعة المعظّمة بمقربة بلد، وقد مات بحياة أبيه الطاهر والإمامة مستقرّة لوالده، ومتى كان إماماً أو مدّعياً الإمامة حتى يخلف غيره عليها؟! ومَن هؤلاء الذين امتحنوا الحسن الزكي العسكري فلم يجدوا عنده عِلماً؟! ثمّ وجدوه في جعفر، الذي لم يُعرف عنه شيء غير أنّه ادّعى الإمامة باطلاً بعد أخيه؟!

٥٤

وقصارى ما عندنا: أنّه أدرَكته التوبة، ولم يوجد له ذكر بعلم أو ترجمة في أيّ من الكتب، ولا نَشرت عنه كتب الأحاديث شيئاً من علومه المدّعاة له عند الشهرستاني، لو صدقت الأوهام، وهذا الحسن العسكريعليه‌السلام تجده في التراجم والمعاجم من الفريقين مذكوراً بالعلم والثقة، وملأ كتب العلم والحديث تعاليمه ومعارفه، ومَن هُم الذين لقّبوا أتباع الحسنعليه‌السلام بالحمارية؟!

نعم، أهل بيت النبوّة محسودون في كل وقت، فكان يحصل لكلّ منهم في وقته مَن يسبّه حسداً، ويسبّ أتباعه، لكن لا يذهب لقباً له أو لأشياعه، وإنّما يتدهور في مهوى الضعة.

ومتى كان الحسن بن علي بن فضّال في عهد الإمام الحسن العسكري؟! حتى يرجع عنه جعفر إلى جعفر، وقد توفّي ابن فضّال سنة 221 ونطفة الحسن وجعفر بعدُ لم تنعقد، وقبل أن يبلغ الحُلم والدهما الطاهر الإمام الهادي المتولّد سنة 212هـ، ومَن ذا الذي ذَكر للإمام الهادي بنتاً اسمها فاطمة؟! حتى يقولَ أحدٌ بإمامتها ؛ فإنّ الإمامعليه‌السلام لم يُخلّف من الذكور إلاّ الحسن والحسين وجعفراً، ومن الإناث إلاّ عليّة، باتّفاق المؤرّخين).

ومهما يكن من أمر، فإنّ لظهور الروحاني بالجسد الجسماني، أدلّة كثيرة في الكتاب والسنّة، قال تعالى في سورة مريم:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِالرّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً... ) .

وفي السنّة عن عمر (رحمه الله)، قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذات يوم، إذ طلعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتى جلسَ إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبِرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن

٥٥

 استطعتَ إليه سبيلاً) قال: صدقتَ. فعجبنا له، يسأله ويصدّقه!.

قال: فأخبِرني عن الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبهُ ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه).

قال: صدقتَ.

قال: فأخبِرني عن الإحسان؟

قال: (أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك).

قال: فأخبِرني عن الساعة؟

قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

قال: فأخبِرني عن إماراتها؟

قال: (أن تلد الأمَة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).

ثمّ انطلقَ، فلبثتُ مليّاً، ثمّ قال: (يا عمر، أتدري مَن السائل؟)، قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنّه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم) (رواه مسلم، متن الأربعين النووية، الحديث الثاني).

فنحن إذاً لا نستطيع أن نُنزّل كلام الشهرستاني منزلة اليقين ونعطيه الحجّية المطلقة، وعلينا أن نتعامل معه بمنتهى الحذر، وأن نضعه في غربال التدقيق والتمحيص. ومع ذلك، فإنّ ما كُتب عن النصيرية في مرحلة ما بعد الشهرستاني لا يتلاقى مع ما كَتبه الشهرستاني، ولا في نقطةٍ واحدة، مثال ذلك: ما رواه ابن الأثير في (الكامل) عند حديثه عن الشلمغاني ومذهبه، قال(1) : (وكان مذهبهُ أنّه إله الآلهة، يحقّ الحقّ. وأنّه الأوّل القديم الظاهر الباطن الرازق التام، الموما إليه بكلّ معنى. وكان يقول: إنّ الله سبحانه وتعالى يحلّ في كل شيء على قدر ما يحتمل، وإنّه خلقَ الضدّ ليدلّ على المضدود، فمِن ذلك أنّه حلّ في آدم لمـّا خلقهُ، وفي إبليسه أيضاً، وكلاهما ضدّ لصاحبه ؛ لمضادّته إيّاه في معناه، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحق، وأنّ الضد أقرب الشيء من شبهه، وأنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في جسد ناسوتي ظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو، وأنّه لمـّا غابَ آدم ظهرَ اللاهوت في خمسة ناسوتية، كلمّا غابَ منهم واحد ظهرَ مكانه آخَر. وفي

____________________

(1) حوادث سنة 322هـ.

٥٦

خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة. ثمّ اجتمعت اللاهوتية في إدريس وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، كما تفرّقت بعد آدم. واجتمعت في نوحعليه‌السلام وإبليسه، وتفرّقت عند غيبتهما. واجتمعت في إبراهيمعليه‌السلام وإبليسه نمرود، وتفرّقت لمـّا غابا. واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في سليمان وإبليسه، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في عيسى وإبليسه، فلمّا غابا تفرّقت في تلامذة عيسى وأبالستهم. ثمّ اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه.

ثمّ إنّ الله يظهر في كلّ شيء، وكلّ معنى، وإنّه في كلِ أحَد، بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصوّر له ما يغيب عنه، حتى كأنّه يشاهده. وإنّ الله اسم لمعنى، وإنّ مَن احتاج الناس إليه فهو إله ؛ ولهذا المعنى يستوجب كل أحَد أن يسمّى إلهاً. وإنّ كل أحَد من أشياعه يقول: إنّه ربّ لِمَن هو دون درجته، وإنّ الرجلَ منهم يقول: أنا ربٌّ لفلان، وفلان ربٌّ لفلان، وفلان ربُّ ربّي، حتى يقع الانتهاء إلى ابن أبي القراقر، فيقول: أنا ربُّ الأرباب، لا ربوبية بعده، ولا يُنسب الحسن والحسين (رضي الله عنهما) إلى علي (كرم الله وجهه) ؛ لأنّ مَن اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولَد ولا والد.

وكانوا يسمّون موسى ومحمداً (صلّى الله عليه وسلّم) الخائنين ؛ لأنّهم يدّعون أنّ هارون أرسلَ موسى، وعلياً أرسلَ محمداً، فخاناهما.

ويزعمون أنّ علياً أمهلَ محمداً عدد سِنين أصحاب الكهف، فإذا انقضت هذه المدّة - وهي ثلاثمئة وخمسون سنة - انتقلت الشريعة، ويقولون: إنّ الملائكة كلّ مَن مَلَك نفسه وعرفَ الحق، وإنّ الجنة مَعرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم.

ويعتقدون تَرك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقدٍ، ويبيحون الفروج، ويقولون: أن يمتحنَ الناس بإباحة فروج نسائهم، وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان مَن يشاء من ذوي رحمه، وحَرَم صديقه وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، وأن لابدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ؛ ليولج النور فيه، ومَن امتنعَ عن ذلك قُلب في الدَّور الذي يأتي بعدَ هذا العالَم امرأة ؛ إذ كان من مذهبهم التناسخ.

وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين (تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً)، وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيرية، ولعلّها هي هي ؛ فإنّ النصيرية يعتقدون في ابن

٥٧

الفرات ويجعلونه رأساً في مذهبهم...).

وإذا كان ابن الأثير شبّه مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية، وصرّح: (لعلّها هي هي) ؛ فإنّ الحقيقة خلاف ما يزعمه، والأدلّة على ذلك كثيرة، منها:

1 - الشلمغاني مات قتلاً سنة 322هـ، واصطلاح النصيرية - كما رأينا - ظهرَ لأوّل مرّة في مطلع المئة الرابعة.

2 - ياقوت الحموي - الذي نقلَ ابن الأثير عنه - لم يقُل: إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية، ولم ترد على لسانه كلمة نصيرية(1) .

وكذلك فإنّ جميع المؤرّخين الذين كتبوا عن الشلمغاني: كالمسعودي (ت 345هـ)، وابن النديم (ت 385هـ)، والبغدادي (ت 429هـ)، والأسفرايني (ت 471هـ)، وابن الجوزي (ت 597هـ)، والحموي (ت 626هـ)، وابن خلّكان (ت 681هـ)، وأبي الفداء (ت 732هـ)، واليافعي اليمني (ت 768هـ)، والسيوطي (ت 911هـ)، وابن العماد (ت 1089هـ)، والمؤلّف المجهول، لم يقُل أيّ منهم: إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية، ومنهم مَن جاء قبل ابن الأثير، ومنهم بعده.

3 - ما وردنا من أخبار عن مقالة النصيرية على لسان الشهرستاني، لا يأتلف مع ما ذكره ابن الأثير.

4 - ثمّة أقوال أوردها ابن الأثير على أنّها من مذهب الشلمغاني، قرأناها في كتب الفِرق منسوبة إلى القرامطة، كالقول بالتناسخ وإباحة نساء بعضهم لبعض، والقول بالناسوت في اللاهوت، وإسقاط فرائض العبادات.

يقول الملطي في(التنبيه والرد) عن القرامطة: (وقومٌ منهم يقولون

____________________

(1) إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: الجزء الأوّل، ص (296) تحت عنوان (إبراهيم بن أبي عون).

٥٨

بتناسخ الروح، وهم يقولون: بالناسوت في اللاهوت، على قول النصارى سواء، وزعموا أنّ نساء بعضهم حلال لبعض، وكذلك أولادهم وأبدانهم، مباحة من بعضهم لبعض، لا تحظير بينهم ولا منع...).

وفي كُتب الفِرق: أنّ فرقة المخمِّسة هي التي تقول: إنّ الله حلّ في خمسة أشخاص.

وذكرَ البغدادي في (الفَرق بين الفِرق) عند حديثه عن الشريعية: أنّ الشريعي هو الذي زعمَ أنّ الله تعالى حلّ في خمسة أشخاص، وهُم: النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وزعموا أنّ هؤلاء الخمسة آلهة، ولها أضداد خمسة.

ولم يقُل أيُّ أحدٍ من كتّاب الفِرق: إنّ المخمسة، أو الشريعية هي النصيرية، أو أنّ مقالتها تشبه مقالة النصيرية.

5 - على رأي الشلمغاني، كما ذكرَ ابن الأثير: يوجد أربابٌ عديدون على شكلٍ هَرَمي، رأسه الشلمغاني (ربّ الأرباب، لا ربوبية بعده)، بينما مقالة النصيرية - كما ذكرَ الشهرستاني -: أنّ في عليعليه‌السلام جزءٌ إلهي وقوةٌ ربّانية، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته.

6 - ولنا أن نتساءل: مَن هو (ابن الفرات) الذي قال ابن الأثير: إنّ النصيرية يعتقدون فيه، ويجعلونه رأساً في مذهبهم، وما مقام هذا الكلام هنا؟!

ابن الأثير لم يُصرّح باسمه، وكُتب التاريخ ذكرتْ لنا أسماءً كثيرةً من بني الفرات، منهم: علي بن محمد بن موسى بن الفرات وزير المقتدر، وأسد بن الفرات فاتح صقلية، وإسحاق بن الفرات قاضي ديار مصر، وجعفر بن الفضل بن الفرات، والفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات، وأحمد بن الفرات، والمحسن بن فرات، ووثيمة بن الفرات، وعمر بن الفرات.

وكتّاب الفِرق ذَكروا اثنين من بني الفرات:

الأوّل : هو عمر بن الفرات، والفرقة التي تُنسب إليه تسمّى بالعمرية، على ما يذكر الحافظ رجب البرسي

٥٩

في(مشارق أنوار اليقين) . والثاني : هو محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، الذي كان يقوّي أسباب النميري، على ما روى النوبختي في(فِرق الشيعة) .

ويميل ذهننا إلى الظنّ بأنّ المقصود هو علي بن محمد بن موسى بن الفرات، وزير المقتدر ؛ لأنّ ابن الأثير في أخبار سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة - عند ذكره اعتراض أبي طاهر القرمطي الحاج في طريق مكّة - قال: (انقلبت بغداد واجتمعَ حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين، الذين نكبهم ابن الفرات، وجعلنَ ينادين: القرمطي الصغير أبو طاهر قَتل المسلمين في طريق مكّة، والقرمطي الكبير ابن الفرات قَتل المسلمين ببغداد،... فقال له نصر الحاجب: ومَن الذي سَلّم الناس إلى القرمطي غيرك ؛ لِمَا يجمع بينكما من التشيّع والرفض).

7 - وأخيراً نشير إلى أنّ البغدادي في(الفَرق بين الفِرق) أطلقَ على الفرقة التي تُنسب إلى الشلمغاني، اسم العذاقرية، وذكرها مرّتين: مرّة عند حديثه عن مذاهب المشبّهة وأصنافهم، ومرّة ثانية عند ذكر أصناف الحلولية، وفي المرّتين لم يذكر أنّ مقالة الشلمغاني أو العذاقرية، تشبه مقالة النصيرية، ولم يشِر إلى وجود أيّة صلة ما بين العذاقرية والنصيرية.

ما دام الأمر كذلك، لماذا شبّه ابن الأثير مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية، واعتبرها هي نفسها؟!

الجواب برأينا ؛ لأنّ الشلمغاني اتُّهم بالرفض، وهذا ما يُفهم من أقوال المؤرّخين: (أظهر الرفض)، و(دعا إلى الرفض)، و(إنّ زعيم الرافضة الحسين بن روح أظهرَ شأنه)، وكذلك لِمَا نُقل عنه من قول: (إنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في هيكل ناسوتي أظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو).

***

[تغيُّر وتبدُّل أقوال النصيرية بحسب مؤرِّخي الفِرق:

أ - فتواى ابن تيميَّة. ]

وممّا يسترعي الانتباه: أنّه كلمّا تقدّمنا في الزمن، وجَدنا أقوال النصيرية تتغيّر وتتبدّل عند كتّاب الفِرق والمؤرّخين، بحيث تختلف هذه

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368