تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني الجزء ٢

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني8%

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني مؤلف:
الناشر: مؤسسة الأعلمي
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 486

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣
  • البداية
  • السابق
  • 486 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 75491 / تحميل: 9723
الحجم الحجم الحجم
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني الجزء ٢

مؤلف:
الناشر: مؤسسة الأعلمي
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

سيفا من الخروج، وهم يعرفون أنّني ما وردت بلادهم إلاّ لأجله، ونادى عند ذلك بالسكبانية أن يذهبوا مع الدروز جماعة ابن معن لنهب دمشق، فوردت السكبانية والدروز أفواجاً إلى خارج دمشق، وشرعوا في نهب المحلاّت الخارجيّة، فلمّا اشتدّ الكرب والحرب على المحلاّت، وتلاحم القتال، خاف العقلاء في دمشق، فخرج جماعة إلى ابن جانبولاذ، وقالوا له: إنّ ابن سيفا قد وضع لك عند قاضي القضاة مئة ألف قرش، وتداركوا له خمسة وعشرين ألف قرش أُخر، كما وقع عليه معه الاتفاق، من مال بعض الأيتام التي كانت على طريق الأمانة في قلعة دمشق. وبعد ذلك أدّاها - أيضاً - ابن سيفا كالمئة ألف، فلمّا تكلّم الناس في الصلح طلب ابن جانبولاذ المال الذي وقع عليه الصلح على يد الدفتري، وقال إن جاءني المال في هذا الوقت رحلت. فحملوا له مئة وخمسة وعشرين ألف قرش، ونادى بالرحيل عن المزة في اليوم الرابع من نزوله.

واستمرّ النهب في أطراف دمشق ثلاثة أيّام متوالية، وكانوا يأخذون الأموال والأولاد الذكور، ولم يتعرّضوا للنساء.

ولمّا فارق ابن جانبولاذ دمشق سار على طريق البقاع، وفارق ابن معن هناك، ورحل إلى أن وصل إلى مقابلة حصن الأكراد، وأقام هناك، وأرسل إلى ابن سيفا يطلب منه الصلح والمصاهرة ؛ فأجابه وأعطاه ما يقرب من ثلاث كرات من القروش، وزوّجه ابنته، وتزوّج منه أخته لابنه الأمير حسين.

ورحل ابن جانبولاذ من هناك إلى جانب حلب، وجاءته الرسل من جانب السلطنة، تقبّح عليه ما فعل بالشام، فكان تارةً ينكر فعلته، وتارةً يحيل الأمر على عسكر الشام.

وشرع يسدّ الطرقات، ويقتل مَن يعرف أنّه سائر إلى طرف السلطنة لإبلاغ ما صدر منه، حتّى أخاف الخلق، ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزّة.

وكان ابن سيفا ممتثّلاً لأمره غير تارك مداراة السلطنة، واتّفق معه على أن تكون حمص تحت حكم ابن سيفا.

وكانت حماة وما وراءها من الجانب الشمالي إلى أدنة في تعلّق ابن جانبولاذ.

وانقطعت أحكام السلطنة عن البلاد المذكورة نحو سنتين، ثمّ تقلّبت على ابن جانبولاذ أُمور انتهت بقتله في سنة ١٠٢٠ هـ.

هذا ما مُني به ابن سيفا من ابن جانبولاذ، ولكنّ ذلك لا يُعدّ شيئاً مذكوراً في جنب ما لاقاه من الأمير فخر الدين المعني. على أنّ مدّة ولايات ابن جانبولاذ في الديار الشاميّة - وإن ضخمت - فلم يمتدّ في أجله ما

٤٤١

يمتدّ به أجلها، كما كانت الحال في ولاية الأمير فخر الدين، وطول مدّتها، فكان عضباً مشهوراً على يوسف باشا بن سيفا، وعوناً للولاة العثمانيين عليهم، ولا يدع فرصةً في خضد شوكتهم من أيّ متغلّبٍ إلاّ وانتهزها، ولم تلطّف المصاهرة التي انعقدت بين المعني وأبناء سيفا شيئاً من حدّة المعني.

قال المحبي في خلاصة الأثر في ترجمة الأمير فخر الدين بن معن:

وكان وقع بين فخر الدين وبين بني سيفا حكّام طرابلس الشام حروب شديدة، ودهمهم مرّةً فنهب طرابلس، وأباد كثيراً من ضواحيها، وكان سبباً لخراب هاتيك البلاد.

ولقد عرفت الشيء الكثير في تضاعيف أخبار طرابلس في العهد العثماني، ممّا مُني به بنو سيفا، وخاصّةً كبير أمرائهم، ومنشئ دولتهم يوسف باشا.

(٢) علي باشا أخو الأمير يوسف باشا بن سيفا ولم يترجم له المحبي.

(٣) الأمير حسين بن يوسف بن سيفا الأمير ابن الأمير:

ولي في حياة والده كفالة طرابلس الشام، ثمّ عزل عنها، ثمّ ولي كفالة الرُّها، ثمّ تركها من غير عزل.

وقَدِم حلب وكافلها محمد باشا قرة قاش، فحضر الأمر حسين لديه مسلّماً عليه ؛ فأكرمه واحترمه، ثمّ دعاه إلى وليمة، فجاء مع جماعةٍ قليلة فاحتاطت به جماعة قرة قاش، وأمرهم أستاذهم بالقبض عليه، فمسكوه، ورفعوه إلى القلعة مسجوناً. ووُضع في مسجد المقام يحتاط به الحرسة، فبعث قرة قاش إلى السلطان يخبره ذلك.

وبلغ والده الخبر فبعث جماعته، ووعد السلطان بمئة ألف قرش إن عفا عنه، فلم يجبه إلى ذلك، وبعث أمراً بقتله فجاء الجلاد، فقال بقلبٍ جريء وجَنان قويّ: أيليق أن أكون من الباشوات ويقتلني الجلاّد، ثمّ إنّه أشار إلى رجلٍ معظّمٍ من أتباع قرة قاش أن يقتله، وقال له: إصبر علي حتّى أكتب مكتوباً إلى والدي وأوصه بعض وصايا، فكتب ورقةً أوصاه بأولاده وعزّاه في نفسه، ثمّ صلّى ركعتين، واستغفر الله، وقال: ربِّ أني ظلمت نفسي وعملت سوءاً بجهالة فتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم. ووضع محرمة نفسه في عنقه، وأمر ذلك

٤٤٢

الرجل بخنقه، فخنقه.

وبكى عليه جماعة كثيرة لحسنه وكونه شابّاً، وكان شجاعاً بطلاً، إلاّ أنّه كان يبالغ في ظلم العباد. ثم أُخرجت أمعاؤه ودُفنت بتربة القلعيين، وجرت جثّته وأُرسلت إلى والده ؛ فاستقبلها النساء والرجال، بالبكاء والصراخ، والويل والثبور، وصار يوم دخوله كيوم مقتل الحسين.

حكى قرة قاش: إنّي كنت في خدمة السلطان أحمد، وقد خرج إلى الصيد، فعرضوا عليه طيور الصيد، ثمّ جاؤوه بطيرٍ عظيمٍ لا نظير له.

فتعجّب منه، وقال: من بعث هذا؟

قالوا: عبدك حسين باشا بن سيفا أمير الأمراء بطرابلس.

فقال السلطان آه آه آه من خيانة مماليكي الأمر لله إلى هذا الحسين هذا الكافر بالحياة، فأسرّها قرة قاش في نفسه، وصاده بطيره.

وكان قتله في رابع عشر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين وألف، وعمره قريب من الثلاثين (رحمه الله تعالى).

(٤) الأمير محمد بن علي السيفي الطرابلسي:

أحد أمراء بن سيفا حكّام طرابلس الشام، وولاتها المشهورين بالكرم والأدب.

كان هؤلاء القوم في هذا العصر كبني برمك في عصرهم: فضلاً وكرماً ونُبلاً، ما برحوا في طرابلس لهم العِزّة الزاهرة والحرمة الباهرة، والدولة الظاهرة، وهم مقصد كلّ شاعر، ومورد كلّ مادح، ومدحهم شعراء كثيرون قصدوهم.

وكانوا يعطون أعظم الجوائز، وكان الأمير محمد بينهم كالفضل في بني برمك، وكان من أهل الأدب الظاهر، والفضل السامي، أديباً فاضلاً بليغاً. وُلِّي حكومة طرابلس بعد الأمير يوسف السيفي، وبذل العطايا وكانت إحساناته تستغرق العدّ. ويُحكى عنه من ذلك ما يبعد وقوعه ؛ فمن ذلك ما حكاه الأديب الشاعر محمد بن ملحة العكاري، وكان من شعراء الأمير المختصّين به، قال: لمّا دهم الأمراء بني سيفا الخطب من فخر الدين بن معن، وركب عليهم وحاربهم، وكنت إذ ذاك في خدمة الأمير محمد، فما برحت أدافع عنه بالمقاتلة حتى لقيني من عسكر ابن معن، فضربني على رجلي بسيفٍ فجرحها، فبعث بي الأمير إلى منزله، وأمر بمعالجة رجلي حتّى برأت.

وكان أمرهم انتهى إلى الصلح والمصافاة، فخرج الأمير يوماً إلى التنزّه وأنا معه، وكان الفصل فصل الربيع وقد أزهرت الأشجار، فجلست إلى جانب شجرةٍ مزهرة، فسألني عن رجلي، فقلت: قد برأت، وأريد أن أريك قوّتها، ثمّ ضربت بها تلك الشجرة فتناثر من نوّارها

٤٤٣

شيءٌ كثير ؛ فسرّ بذلك، وأمر لي بجائزةٍ من الدنانير بمقدار ما سقط من النوّار، وكان شيئاً كثيراً.

واختصّ به جماعةٌ من الشعراء: كحسين بن الجزري الحلبي وسرور بن سنين، وكان يقع بينهما محاورات بحضرته.

وكانت وفاته في سنة اثنتين وثلاثين وألف بمدينة قونية مسموماً، وكان متوجّهاً إلى الروم، هكذا روى خبر وفاته الأديب عبد الكريم الطاراني.

ولمّا بلغ ابن الجزري خبر وفاته قال يرثيه:

ولـمّا احـتوت أيدي المنايا محمّداً أمير ابن سيفا ظاهر الروح والبدن

تعجّبت كيف السيف يُغمد في الثرى وكيف يُوارى البحر في طيّة الكفن

حُكي أنّ أُختاً للأمير محمد سمعت بهذين البيتين، فبعثت إلى ابن الجزري بسبعمئة قرش وفرس.

وكان الأمير المذكور نظام البيت السيفي ومَن بعده تقلّب بهم الزمان، وخرجت عنهم الحكومة، وتفرّقوا أيادي سبأ.

وحكى لي بعض الأدباء، قال: أخبرني بعض الإخوان أنّه جاور منهم امرأةً بدمشق، وكانت تعرف الشعر حقّ المعرفة. قال: فسألتها يوماً عن دولتهم، وما كانوا فيه من النعمة ؛ فتنهدت وأنشدت:

كان الزمان بنا غرّاً فما برحت بـه الليالي إلى أن فطّنته بنا

سنة ١٠٤٩ هـ ١٦٣٩ م:

في هذه السنة عزل شاهين باشا عن إيالة طرابلس، وخلفه محمد باشا الأرناؤط، وكان مدبّره مصطفى بك بن الصهيوني.

وفي هذه السنة (ص ٧٢٥):

ركب باشا طرابلس لحرب الأمير سليمان بن سيفا، فظفر به ونهب عكاراً.

وهرب الأمير سليمان، وكان صحبته حمدان بن الشاعر من قرية فاريا الذي هو من أنسباء الشيخ علي حمادة.

سنة ١٠٥١ هـ ١٦٤١ م:

في هذه السنة وقع الاضطهاد على بيت حمادة من والي طرابلس، فطردهم من وادي علمات ومن بلاد جبيل، وقتل محمد ياغي بن قمر الدين

٤٤٤

وصعباً بن حيدر، وبعض تابعيهم، وتولّى على بلادهم الأمير علي بن علم الدين.

وفي هذه السنة حضرت أوامر شريفة من الباب العالي إلى محمد باشا الأرناؤط والي طرابلس، أن تكون صيدا وبيروت في تسليمه ؛ فأرسل مدبّره زلفة آغا متسلّماً.

سنة ١٠٥٤ هـ ١٦٤٤ م:

في هذه السنة عزل محمد باشا الأرناؤط عن إيالة طرابلس، وتولاّها حسن باشا، وكان مدبّره الشدياق رزق البشعلاني، وقُدّمت الشكايات إلى الباب العالي ضده، فحضر كاتبٌ ليعدّ الأشجار والرجال والبيوت والمنازل، وبعد ما سافر المحرّر أبطل الباشا جميع ذلك، وأعاد الأحوال إلى ما كانت عليه. وكانت الناس لكثرة المظالم تبيع كلّ ثلاثة سنابل قمح بقرش.

وفي آخر هذه السنة عُزل محمد باشا الأرناؤط، وتولّى إيالة طرابلس محمد باشا الصوفي، وقيل إنّه في تلك السنة رجع محمد باشا الأرناؤط.

سنة ١٠٦٢ هـ ١٦٥١ م:

في هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس وتولاّها حسن باشا، وسلّم أُمورها إلى الشيخ أبي رزق البشعلاني، واتّفق المذكور مع الأمير إسماعيل الكردي والمقدّم علي بن الشاعر ضدّ بيت حمادة.

وفي هذه السنة: رجع محمد باشا الأرناؤط إلى إيالة طرابلس، وأقام أبا رزق مدبّراً له.

وبعد مدّةٍ أخبروه أنّ مراده أن يخرج من طرابلس، فقبض عليه وعلى عياله وضبط بيته وأرزاقه.

وبعد خمسة أشهرٍ وردت الأخبار: بأنّ محمد باشا الأرناؤط معزول، وأُقيم على طرابلس مكانه قرا حسن باشا ؛ فأخذ محمد باشا أبا رزق والمقيّدين معه إلى حماة، وعندما وصل قرا حسن باشا إلى حماة أطلق سراح أبا رزق وأولاده، تحت تسعة أكياس التي نقدها عنه ابن الصهيوني، ورجع إلى خدمة قرا حسن باشا.

وبعد وصول محمد باشا الأرناؤط إلى إسلامبول، حضر أمر شريف مع قبجي مخصوص بقطع رأس أبي رزق جيش، فطلب منه قرا حسن باشا بأن يسلم ليعفي

٤٤٥

عنه، فقبل ذلك ونطق بالشهادة أمام القاضي وأعيان طرابلس، ورجع القبجي إلى إسلامبول.

سنة ١٠٦٥ هـ ١٦٥٤ م:

في هذه السنة دخل إيالة طرابلس محمد باشا الكبير، فأعطى حكم البترون إلى المقدّم علي بن الشاعر، وجبّة بشرة إلى الشيخ أحمد.

سنة ١٠٦٦ هـ ١٦٥٥ م:

في هذه السنة استقرّت إيالة طرابلس على ابن الكبرللي، فعيّن إسماعيل الكردي مدبّراً له، ولمّا رأى أنّه لا يركن إليه ؛ هرب بعياله إلى بلاد ابن معن فأسكنه في مدينة صور.

وفي هذه السنة عُزل مراد باشا عن الوزارة، وتسلّم أختامها محمد باشا الذي كان على ايالة طرابلس سابقاً، فتولّى طرابلس محمد آغا الطباج.

سنة ١٠٦٩ هـ ١٦٥٨ م:

في هذه السنة تثبت الطباج على ايالة طرابلس، فأعطى عكار والجبة للمقدّم فارس بن أبي اللمع، وبلاد البترون للمقدّم علي بن الشاعر، ويكون استيفاء مالها على يد ابن معن.

وفي هذه السنة: حضر إلى إيالة طرابلس قبلان باشا وبيده أوامر شريفة ضدّ بيت حمادة، فهربوا إلى كسروان بعيالهم، فهدم الباشا بناياتهم في وادي علمات، ونزل إلى جبيل بالعسكر، وضبط الحنطة التي كانت لأهالي كسروان. ثمّ قرر عكار على المقدّم فارس بن مراد أبي اللمع، وبلاد جبيل على جاور آغا، وجبة بشرة على المقدّم قائدبيه بن الشاعر.

وبسبب فساد بيت حمادة واختلاف بعضهم مع البعض ؛ تضعضعت أحوال الرعايا وأنفق المال، فقبض على جاور آغا وقتله.

سنة ١٠٧١ هـ ١٦٦٠ م:

في هذه السنة تقدّم عرضحالات إلى الباب العالي من مرتضى باشا والي الشام، أنّ بيت شهاب وبعض أغاوات الشام منعوه عن الدخول

٤٤٦

والتصرّف ؛ فأرسل محمد باشا الوزير ابن الكبرللي ولده أحمد باشا إلى نيابة الشام، ومحمد باشا الأرناؤط إلى صيدا وبيروت، وقرّر قبلان باشا على طرابلس. وعند وصول ابن الوزير إلى الشام، كاتب باشا القدس وقبلان باشا والي طرابلس وباشا غزّة، وابن طربيه البدوي، بالركوب لحرب بني قيس.

وجرت أُمورٌ لا تتعلّق بهذا التاريخ فأغفلنا ذكرها.

سنة ١٠٨٢ هـ ١٦٧١ م:

في آخر هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس، وتولّى مكانه حسن باشا، فأعطى مشايخ بيت حمادة قطيعتهم، ولم يكلّفهم سفراً أو تكاليف أُخر عليها.

سنة ١٠٨٥ هـ ١٦٧٤ م:

وفي هذه السنة استمرّ حسن باشا على إيالة طرابلس، فأعطى الشيخ سرحان بلاد جبيل والبرتون.

ولمّا نزل إليه الشيخ أحمد بن قانصوه ليأخذ حكم الجبة، قبض عليه بسبب الخراب الذي بدا فيه، وقبض على الشيخ محمد بن حسن ذيب لتأخّر مال الضنية.

سنة ١٠٨٦ هـ ١٦٧٥ م:

وفي هذه السنة استمرّت إيالة طرابلس بيد حسن باشا، فركب مدبّره لمحاربة بيت حمادة، وطردهم حتّى إلى عين التقير فوق أفقا. ثمّ إنّ المدبّر أحضر الشيخ أحمد وابن محمد عيادة وابن حسن ذيب، وأمر أولاد عمّهم أن يقتلوهم. فلمّا شاع خبر قتلهم، وثب رفاقهم على بلاد جبيل، ونهبوا وحرقوا قرىً كثيرةً في البترون. فمسكوهم وسجنوهم في جبيل، وتضعضعت أحوال الرعايا، فعرض حسن باشا للباب العالي عن عصاوة البلاد، فحضر أمر إلى باشا الشام وباشا صيداء أن ينجدا باشا طرابلس على العصاة.

وفي أوّل تشرين الأوّل اجتمعت النوّاب والعساكر، نحو خمسين ألفاً إلى بلاد البقاع، ونزلوا في قب الياس، وكاتبوا ابن معن كي يسلّمهم العصاة.

وكان إسماعيل باشا صيدا يحب الأمير أحمد بن معن، فأرسل إليه سرّاً أن لا يكبر الوهم عليه ؛ فجمع الأمراء آل شهاب من وادي التيم، ومشايخ البلاد في دير القمر، وكانوا نحو أربعة آلاف شخص، وأجابوا أنّ آل حمادة ليسوا في بلادهم، وكتبوا إلى إسماعيل باشا أنّ ابن

٤٤٧

معن يكفل المال المتأخّر على بيت حمادة، بشرط أن يرجعوا المسجونين المرهونين في قلعة طرابلس. فتعاطى باشا صيدا صرف أمرهم، وأحضروا الرهون إليهم، وقدّم الباشا العشرين ألفاً التي كانت عليهم.. وانصرفت العساكر، ورجع باشا طرابلس وعسكر الشام.

سنة ١٠٨٧ هـ ١٦٧٦ م:

في هذه السنة حضرت أوامر تثبيت إلى حسن باشا على إيالة طرابلس، فولّى الحاج حسين بن الحسامي، وأبا حيدر على بلاد جبيل، والحاج باز بن رعد، ومرعب بن الشاطر على البترون، وأبا كرم على جبة بشرة.

ووزع السكمان على جميع القطائع، خوفاً من آل حمادة، ثمّ جاء الأمر بالسفر لمحاربة تركمان البغدلة، فمات مرعب بن الشاطر في القلعة، والشيخ حسين بن أحمد قتل الحاج بازاً في أرض كغد، ولمّا رجع حسن باشا من السفر، وأخبروه بقتل الحاج باز والخراب الذي حدث بغيابه، سار بالرجال إلى بلاد جبيل، فقتل شيخ قرية البربارة، وقبض على ابن الحسامي وعلى مشايخ غرزوز، وغرّمهم ؛ لأنّهم صرفوا إلى حمادة في أملاكه، ثمّ أمر بحرق قرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة. وبعد ما رجعت الدولة حضر آل حمادة وأحرقوا بلاد جبيل وبلاد البترون، فخربت جميع البلاد، ونزح الرعايا إلى بلاد ابن معن، وتفرّقوا في جميع البلاد، واستوطنوا بها، ولم يرجع أحد منهم إلى بلاد جبيل.

سنة ١٠٨٩ هـ ١٦٧٨ م:

في هذه السنة: استولى على الوزارة مصطفى باشا، بعد وفاة ابن الكبرللي محمد باشا، فغيَّر النوّاب في جميع الأيالات وأرسل محمد باشا إلى طرابلس، فأعطى بلاد جبيل إلى الشيخ سرحال، والبترون إلى ولده الشيخ حسن، وجبة بشرة إلى الشيخ حسن بن أحمد، وأمرهم أن يحملوا الرعايا على الطمأنينة ويردّوا النازحين.

سنة ١٠٩١ هـ ١٦٨٠ م:

في هذه السنة صرف محمد باشا آل حمادة في قطائعهم، وفيها انتقل محمد باشا من طرابلس إلى مدينة صيداء.

وتولّى طرابلس باشا آخر اسمه كاسمه، فصرف آل حمادة في مقاطعاتهم.

٤٤٨

سنة ١٠٩٢ هـ ١٦٨١ م:

في هذه السنة قتل المشايخ آل حمادة ابن أخت باشا حلب في بلاد عكار.

وبعد عزل الباشا عن طرابلس، نزلوا وأخرجوا رهونهم من القلعة بالسيف، وباغتوا قرية عشقوت من كسروان وقتلوا بعضاً من أهلها، وعند ذلك حضر فرمان إلى الأمير أحمد أن يتولّى على جميع قطائع آل حمادة ؛ فتوجّه الأمير بالعسكر إلى غزر، وأرسل قوماً ليباغتوهم ؛ فهربوا إلى بلاد بعلبك.

فأحرق القرى وقطع أملاكهم، ثمّ رجع إلى الشوف، ولم يقبل أن يتولّى مقاطعاتهم كما أمره باشا طرابلس.

سنة ١٠٩٨ هـ ١٦٨٦ م:

في هذه السنة استقرّت إيالة طرابلس على علي باشا النكدي، وجاء الأمر له في الركوب ضد عرب البكدلة.

ولمّا توجّه ؛ هاجت آل حمادة على البلاد فقتلوا أخا داغر شيخ حردين، وعليّاً بن رعد شيخ الضنية.

ولمّا رجع الباشا قبض على اثني عشر رجلاً من تابعيهم وقتلهم، ثمّ حضر أمرٌ إلى الباشا أن يركب لحرب الأمير شديد الحرفوش ؛ لأنه خرّب قرية الراس وهدم قلعتها.

فجمع الباشا المقدّم قائد بيه ابن الشاعر، وأخا علي الرعد، وابن دندش، وكتب إلى الأمير أحمد بن معن أن يلاقيه في رجاله، فلاقاه، وهرب الأمير شديد إلى بلاد جبيل إلى آل حمادة، فنقل الباشا إلى العاقورة وحرقها، وحرق قرى غيرها، وقطع أملاك آل حمادة، وهدم دار الشيخ حسن، وضبط ودائعهم.

وعندما كان عسكر الباشا نازلاً على عين الباطية باغتهم آل حمادة، فقتلوا منهم خمسة وأربعين رجلاً، ففرّوا، وانهزم العسكر إلى بعلبك، ورجع كلٌّ إلى بلاده، ورجع الباشا إلى طرابلس.

فنزل آل حمادة وحرقوا قلعة جبيل، ونهبوا المدينة ؛ فهرب ابن الحسامي بعياله إلى مدينة بيروت.

سنة ١٠٩٩ هـ ١٦٨٧ م:

في هذه السنة حضر إلى إيالة طرابلس حسين باشا، فقبض على الشيخ يونس وأخيه عبد الله وأولادهما، بسبب دعوى والدهم على أبي رزق البشعلاني، فهربوا ليلاً إلى بلاد كسروان تحت حماية ابن معن، وعصوا على الباشا.

٤٤٩

سنة ١١٠٣ هـ ١٦٩١ م:

في هذه السنة حضر إلى إيالة طرابلس محمد باشا، فصرف مشايخ آل حمادة في قطائعهم، وأعطى الشيخ حسين بن سرحان بلاد جبيل والبترون، وأعطى ابنه الشيخ إسماعيل الكورة، والشيخ موسى بن أحمد الجبة، وأعطى أولاد حسن ذيب الضنية.

سنة ١١٠٤ هـ ١٦٩٢ م:

في هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس، وحضر مكانه علي باشا، فقرّر آل حمادة في مقاطعاتهم، ثمّ أخرجوا في هذه السنة عن إقطاعاتهم. وجرت عليهم اضطهادات، وقُتل منهم عدد كثير.

وهكذا كانت الأُمور تتبدّل من حالٍ إلى حالٍ ما بين عشيّةٍ وضحاها.

سنة ١١٠٦ هـ ١٦٩٤ م:

في هذه السنة أرسل السلطان أحمد أختام الوزارة إلى علي باشا، وقلّد الحكم مكانه على إيالة طرابلس مملوكه أرسلان باشا المطرجي ؛ فأرسل إلى الأمير أحمد بن معن، يعرض عليه القطائع التي كانت لآل حمادة، فلم يقبل ذلك، وأجاب أنّه لا يمكنه قبولها بسبب خراب البلاد.

ثمّ وزّع الباشا الأعمال على رجالٍ من زعماء البلاد، وأرسل مدبّراً للتفتيش على آل حمادة على طريق الجرد، وأرسل الأُمراء الأكراد مقدّمي بيت الشاعر على طريق الساحل، فلمّا صعدوا إلى الفتوح، ونزلوا إلى عين قبعل، قصدهم أولاد الشيخ حسين حمادة، وكانوا مختبئين في بتاتر. ومشى معهم من الجرد (جرد الشوف) نحو مئتي رجل، وباغتوا الذين أرسلهم أرسلان باشا ليفتشوا عليهم ليلاً ؛ فظفروا بهم وقتلوا منهم نحو أربعين رجلاً، وكان من جملة القتلى الأمير حسن الكردي، وابن الأمير أحمد قلاوون، والمقدّم نصور من بيت الشاعر ابن قائد بيه.

وما زالوا يطاردونهم حتّى نهر إبراهيم. ولمّا بلغ أرسلان باشا ذلك، أرسل عرضحالات إلى الباب العالي يشتكي فيها على ابن معن أنّه مرسل رجاله مع آل حمادة.

وخرج الباشا في العسكر إلى نهر إبراهيم، وبقي ينتظر الجواب. ولمّا وصلت الشكايات للباب العالي أصدر أوامر في عزل ابن معن، وإعطاء الأمر موسى اليمني ابن علم الدين السبع

٤٥٠

المقاطعات التي بيد ابن معن، وانتهت الحال بالانتقام من ابن معن.

ولم يطل الأمر حتّى عاد إليهم حكم مقاطعاتهم في هذه السنة نفسها، وفي سنة ١١٠٨ هـ ١٦٩٦ م زاد أرسلان باشا والي طرابلس في طلب المال، فتشتّت كثيرٌ من الرعايا من مواضعهم من شدّة الغلاء والظلم.

سنة ١١٠٩ هـ ١٦٩٧ م:

في هذه السنة: أنعم بإمارة الحجّ على أرسلان باشا، وتولّى إيالة طرابلس أخوه قبلان باشا.

سنة ١١١٠ هـ ١٧٩٨ م:

في هذه السنة: تولّى إيالة طرابلس أرسلان باشا، وإيالة صدا أخوه قبلان باشا، وكان أرسلان باشا قد غضب على المشايخ الحمادية، ونزع من أيديهم ولاية بلاد جبيل، فتشفّع فيهم الأمير بشير الأوّل الشهابي، وكفل كلّ ما يحدث منهم، وأعادهم إلى ولايتهم.

وفي سنة ١١١٢ هـ ١٧٠٠ م، ص ٧٥٠: تقرّرت في هذه السنة: إيالة طرابلس على أرسلان باشا، وإيالة صيدا على قبلان باشا.

سنة ١١٢٧ هـ ١٧١٥ م:

في هذه السنة تولّى على دمشق يوسف باشا، وعزل قبلان باشا عن طرابلس، وتولّى مكانه بشير باشا الذي كان والياً على صيدا.

سنة ١١٤٧ هـ ١٧٣٤ م:

في هذه السنة انتقل أسعد باشا العظم من إيالة صيدا إلى إيالة دمشق، وتولّى إيالة صيداء أخوه سعد الدين باشا والي طرابلس، وتولّى طرابلس سليمان باشا العظم، وقويت شوكة بني العظم في البلاد، وعظمت دولتهم.

سنة ١١٧٣ هـ ١٧٥٩ م:

فيها حصلت زلازل شديدة في برّ الشام، فأخربت طرابلس.

سنة ١١٧٧ هـ ١٧٦٣ م:

وكان في تلك الأيّام نائباً على دمشق عثمان باشا الكرجي الصادق.

٤٥١

وكان ولده محمد باشا نائباً على طرابلس، فأعطى عثمان باشا للأمير يوسف كتاباً إلى ولده محمد باشا أن ينعم عليه بحكم بلاد جبيل، فتوجّه الأمير يوسف إلى طرابلس، ووافاه الشيخ كليب من حاصبيا، فالتقى به في الطريق.

وبعد وصول الأمير يوسف إلى جبيل، أتى إليه أكثر مشايخ بلاد الدروز، وكان له من العمر اثنتا عشرة سنة.

سنة ١١٨٣ هـ ١٧٦٩ م:

في هذه السنة قبض الأمير يوسف على جملة من مشايخ آل حمادة، فالتجأوا إلى وزير طرابلس، وأتوا بعسكرٍ إلى قرية بززا، فسار إليهم الأمير يوسف.

ووقع القتال بينهم في قرية اميون فانكسر عسكر طرابلس وحاصر البعض منهم في البرج الذي في أسفل القرية. وقتل جملة أشخاص، ثم سلموا وساروا إلى طرابلس، ورجع الأمير يوسف إلى مدينة جبيل.

سنة ١١٨٨ هـ ١٧٧٤ م:

في هذه السنة عزل عثمان باشا المصري عن دمشق، وتولاها محمد باشا العظم، وحضر ولده يوسف باشا إلى طرابلس.

سنة ١١٩١ هـ ١٧٧٧ م:

في هذه السنة أرسل يوسف باشا والي طرابلس نائبه عثمان بك الشدد، فكبس الأمير حيدر أخا الأمير يوسف الشهابي في قرية إهدن من مقاطعة جبة بشرة، وحاصره بها يومين. فأتت الرجال من بلاد جبيل والمشايخ بنو الرعد من الضنية. ولما تكاثرت الرجال على عسكر طرابلس انقلب راجعاً إلى اميون، وبلغ الأمير يوسف ذلك، فمدّ أخاه بعسكرٍ وكبس به عسكر طرابلس في اميون فكسره، ورجع إلى طرابلس، وقتل منه جملة أشخاص، ورجع الأمير حيدر إلى مكانه.

سنة ١٢٠٣ هـ ١٧٨٨ م:

وفي ٢٥ تشرين الثاني من هذه السنة التي فرّ فيها الأمير يوسف الشهابي من الجزّار، وقد أرسل الجزّار له ألف خيّال على ساحل البر، ووصلت إلى البترون، وكان الأمير يوسف في جبة بشرة، فورده كتاب من

٤٥٢

محمد الأسعد متسلّم طرابلس، وكان صديقاً له ينذره بأنّ عمّه عثمان باشا الشديد وزير طرابلس، أمره أن يسير بالعسكر من طرابلس ليكبس الأمير يوسف في قرة إهدن، فلمّا وصل كتاب محمد الأسعد إلى الأمير يوسف قام صباحاً بمَن عنده من إهدن على طريق جبل المسقية إلى بلاد بعلبك.

سنة ١٢٠٧ هـ ١٧٩٢ م:

في هذه السنة عُزل خليل باشا عن إيالة طرابلس، وتولاّها حسين باشا.

سنة ١٢١٠ هـ ١٧٩٥ م:

في هذه السنة: فرّ أولاد الأمير يوسف من الأمير بشير حتّى دخلوا طرابلس، وكان متسلّمها الشيخ فاضل الرعد حاكم الضنية، وكان صديقاً لهم من أيّام أبيهم، فأكرمهم وقدّم لهم الذخائر، ثمّ إنّ الأمير بشيراً أرسل عسكر الدولة مع أخيه الأمير حسن إلى قرية زغرتا وحاضر طرابلس، بعد رجوع الأمير بشير ومعهم عسكرهم إلى عمشيت، فخرج عسكر الدولة من جبيل نحو ألف فارس وراجل وعسكر البلاد ؛ فانكسر عسكر طرابلس، ورجع أولاد الأمير يوسف إلى طرابلس، ويُقال إنّ محمد بك الأسعد حاكم عكار كان السبب في انكسار عسكر طرابلس، لما بينه وبين الأمير بشير من المودّة.

وفي هذه السنة: حدثت زلزلة عظيمة في جهة الشمال، فهدّمت أكثر الأبنية، وهُدم في طرابلس جملة أماكن.

سنة ١٢١١ هـ ١٧٩٦ م:

أرسل عبد الله باشا والي دمشق إلى ولده خليل باشا والي طرابلس: أن يوجّه الأمير حسيناً ابن الأمير يوسف لملاقاة العسكر في البقاع، ويوجّه عسكراً من طرابلس إلى بلاد جبيل.

والتحم القتال بين جيش الجزار وجيش الأمير بشير، فانتهى بانكسار العسكر الشامي.

سنة ١٢١٢ هـ ١٧٩٧ م:

في أيّام هذه السنة تكاثرت الأخبار بقدوم الإفرنج إلى الاسكندرية.

٤٥٣

وكان في ذلك شغل للجزار شاغل، وكان مثل ذلك للدولة العثمانية.

ولمّا تمّ الاتفاق بين الإنكليز والسلطان سليم، على مقاومة الحملة التي كان يقودها نابليون بونابرت، وحضرت عمارة الإنكليز، وأحرقت أربعة عشر مركباً للفرنساويّين كانت راسيةً في أبي قير. ثمّ حضرت مراكب إنكليزية إلى الشام بمضمون هذا الاتفاق، ويحثّهم على مقاومة الفرنساويّين، وحسن معاملة الحلفاء الإنكليز، وكتب بمثل ذلك إلى أهل طرابلس وقاضيها.

سنة ١٢١٤ هـ ١٧٩٩ م:

حضر أمر من عبد الله باشا العظم إلى البلاد، يأمرهم به بطاعة الأمير بشير، ولكنّ الأمير لم يكترث به لعلمه بأنّه لا يُفيده، ولكنّه إكراماً لعبد الله باشا أرسله إلى البلاد، فلم يعبأ به أحدٌ ؛ لأنّه لا يقدر أهلها على مقاومة الجزار مع ما بين أهلها من الاختلاف.

وبعد ذلك توجّه الأمير بشير من كسروان إلى بلاد جبيل، ثمّ إلى الكورة إلى رأس كيفا، وكان ذلك في ٢٥ تشرين الثاني، وكان والي طرابلس رحبون بك من ابن عمّ عبد الله باشا العظم، فأرسل إلى الأمير بشير خلعة بلاد جبيل.

سنة ١٢١٥ هـ ١٨٠٠ م:

في هذه السنة: حضر يوسف باشا أخو عبد الله باشا العظم إلى طرابلس، فما قبلوه، وكان أخوه كرهه، فقاموا عليه وأخرجوه إلى الميناء.

ودام القتال بينه وبينهم عدّة أيام، وقتلوا من عسكره جماعة، ثمّ نزل في البحر وسافر إلى اللاذقية.

وأقام عبد الله باشا مكانه إبراهيم سلطان من أهل البلد، وجعل مصطفى بربر دزداراً (محافظاً) على القعلة، وضبط إبراهيم آغا خزينة يوسف باشا، ورجعت أهالي طرابلس الذين كانوا قد نزحوا إلى بيروت.

سنة ١٢٢٣ هـ ١٨٠٨ م:

في هذه السنة كان الأمير حسن أخو الأمير بشير مريضاً في غزير ؛ فسار الأمير بشير إلى هناك يعوده، وكان ذلك في أوائل المحرّم، فأقام عنده أيّاماً، ولمّا كان قد وقع اختلاف بين مصطفى آغا بربر وأصحاب مقاطعات طرابلس، ركب الأمير إلى جبيل وتوسّط بينهم، وأصلح ذات بينهم.

٤٥٤

سنة ١٢٢٥ هـ ١٨١٠ م:

كان في هذه السنة علي بك الأسعد والياً على طرابلس.

وفي هذه السنة: لمّا استقرّ حكم دمشق الشام على سليمان باشا والي عكاء خَلَفاً ليوسف باشا الذي عصى أوامر الدولة، ولم يشأ تسليم الحكم إليه، واستعان سليمان باشا بالأمير بشير وبحكّام المقاطعات، وظفر بأعدائه وبيوسف باشا.

وحضر إليه فريقٌ من أصحاب المقاطعات، أرسل مصطفى آغا بربر متسلّما على مدينة طرابلس الشام قبل تسلّم القلعة.

سنة ١٢٣٥ هـ ١٨١٩ م:

في هذه السنة وجّهت الدولة العلِيّة الحكم على جميع الإيالات التي كان تولاّها سليمان باشا على عبد الله باشا، ومن جملتها إيالة طرابلس.

وحضر من عبد الله باشا مرسوم إلى الأمير بشير الشهابي، في معنى هذا التوجيه عليه بهذا المنصب العالي.

وفي هذه الأيّام من هذه السنة: كتب علي بك الأسعد متسلّم طرابلس إلى عبد الله باشا أنّ مصطفى آغا بربر يعمل تشويشاً في الإيالة، وهو يراسل درويش باشا وزير دمشق ؛ فحضر إليه الجواب أن يلقي القبض عليه.

وكان مصطفى آغا ساكناً في الدار التي بناها في قرية ايعال بالقرب من طرابلس، وكان شديد البأس، متّخذاً كثيراً من الإخوان والحلفاء. فلم يجسر على مهاجمته، حتّى أرسل يجمع إليه أقواماً من عكار وصافيتا.

ولمّا بلغ مصطفى آغا ذلك، فرّ إلى الجبة، وكتب إلى عبد الله باشا يتوسّل إليه ويستعطفه، وأرسل ذلك الكتاب ضمن كتاب الأمير بشير، وسأله أن يوجّه كتابه إلى الوزير طي كتاب منه يشفع فيه به، وفي الحال كتب الأمير إلى عبد الله باشا يلتمس منه العفو عن مصطفى آغا، فرجع الجواب بالإجابة إكراماً لخاطره، وفي طيّه كتاب لمصطفى آغا يتضمّن العفو وصفو الخاطر ؛ فبادر الأمير بإرساله إليه، ولمّا وصل الكتاب إلى مصطفى آغا سُرّ به سروراً لا يُوصف، وطابت نفسه وحضر على الفور إلى الأمير يشكر سعيه ومنّته عليه، وكان ذلك في ١٢ رجب. وبعد حضوره أرسل الأمير إلى عبد الله باشا أنّ مصطفى آغا بربر قد حضر إليه، وسأله أن يجبر كسر قلبه بما يدفع الشماتة عنه، فأنعم عليه بالرجوع إلى متسلّمية طرابلس، وعزل علي بك

٤٥٥

الأسعد عنها، وأرسل له خِلْعة الرضى والولاية، فنهض مصطفى آغا وصحب معه المباشر الذي حضر بالخلعة ؛ لأجل محاسبة علي بك، واسترجاع ما سلب من أمتعته ؛ فاضطر علي بك أن يردّ إليه كلّ ما كان قد أخذه، وكان بعد فرار مصطفى آغا قد حضر إلى ايعال، وسلب كلّ ما كان هناك لمصطفى آغا من أثاث وحلي وأمتعة وغلال، وباع أكثر ذلك السلب فاغترم ثمنه.

وفي ١٤ شعبان من هذه السنة: حضر كتاب من درويش باشا إلى الأمير بشير، يخبره أنّه في رابع شعبان حضر إليه خبر من الباب الهمايوني بتوجيه ولاية صيدا ويافا وطرابلس، وبقيّة الإيالة التي بيد عبد الله باشا إليه، وقد كتب إمضاءه هكذا: الحاج درويش باشا أمير الحج، ووالي دمشق وصيدا ويافا وطرابلس الشام حالاً، ولقّب نفسه بذلك بناءً على الإنعام الصادر له.

ولمّا وصل الكتاب إلى الأمير بشير أرجع الرسول من غير جواب، وأرسل الكتاب إلى عبد الله باشا، فحضر الجواب إليه أن يطلق التنبيه على أهالي بلاده، ويسير بعسكر إلى جسر بنات يعقوب، وقد كتب إمضاءه هكذا: السيّد عبد الله باشا أمير الحج، ووالي دمشق وصيداء ويافا وطرابلس الشام حالاً، ولبّى الأمير بشير طلب عبد الله باشا، وجمع الجموع كما جمع عبد الله جموعه، وجرت حرب بين عسكر عبد الله باشا ورويش، انتهت بانتصار جيوش عبد الله باشا.

وجرت بعد ذلك أُمورٌ لا يتعلّق ذكرها بهذا التاريخ فتركناها، وكان آخرها فوز عبد الله باشا بالولاية، بتوسّط الأمير بشير الذي سافر إلى مصر، مستشفعاً عزيز مصر محمد علي باشا.

سنة ١٢٤١ هـ ١٩٢٥ م:

حضر في هذه السنة كتاب من علي باشا المرعب، يبشّر الأمير بإسناد منصب طرابلس إليه، ويعرض عليه إرسال عساكر لإسعافه، معتذراً بأنّ إقامة الشيخ بشير (جنبلاط) عنده كانت بأمر والي طرابلس سابقاً ؛ فأكرم الأمير الرسول بخمسمئة قرش، وكتب إليه يهنّئه بالمنصب.

سنة ١٢٤٨ هـ ١٨٣١ م:

أمر إبراهيم أن يتوجّه الأمير خليل بن الأمير بشير بألف مقاتل لبنانيّين إلى طرابلس، للمحافظة عليها من عسكر السلطان ؛ فنهض من المعسكر إلى الشويفات، وأحضر إليه الشيخ حمود النكدي، والشيخ حسين تلحوق، والشيخ يوسف الملكي، وبعض أقربائهم، ومعهم ألف

٤٥٦

مقاتل، وسار بهم وبالأمير عبد الله حسن إلى طرابلس، ولمّا كتب الأمير خليل إلى إبراهيم باشا يخبره بجمع مدبر عثمان باشا عسكراً ومجيئه من اللاذقية إلى عكار، نهض إبراهيم باشا حالاً من المعسكر بأربعة آلاف، وزحف بها إلى طرابلس، أمّا مدبّر عثمان باشا، فلمّا قدم بفرسانه من عكار نحو طرابلس، خرج إليه الأمير خليل بعسكر، وانتشبت الحرب بينهم فقتل من أهل عكار ثلاثة رجال، ومن عسكره رجل واحد، وانهزم المدبّر بعسكره.

وأمّا أهل طرابلس، فقد كتبوا إلى عثمان باشا أن يحضر بعسكره، وهم يسلّمونه المدينة ؛ فأرسل لهم جواباً يخبرهم أنّه قادم إليهم، فوقع ذلك الجواب بيد مصطفى بربر، فقتل أولئك الرسل، وقبض على القاضي والمفتي وبعض الأعيان، ووضعهم في القلعة.

ثمّ قَدِم عثمان باشا إلى قرية المنية وبصحبته أربعة آلاف مقاتل أرناؤوط وهوارة وغيرهم من تلك المقاطعات، وبنى متاريس على تلٍّ هناك تجاه المدينة ؛ فخرج إلى قتاله مصطفى بربر بمئتي مقاتل طرابلسيين، ومئتين من العسكر النظامي. واشتعلت نار الحرب بينهم، فانكسر عسكر طرابلس، فلمّا رأى الأمير خليل ذلك زحف برجاله، وهجم على عثمان باشا هجمةً هائلةً، وصدم عسكره نحو التلّ عند الأرناؤوط، فهجم عليهم الستمئة المذكورون، فارتدّ عليهم نحو ألف وخمسمئة فارس من عسكره، ففصلوا منهم نحو خمسين شخصاً، فقتلوا بعضهم وقبضوا على الباقين.

فلمّا رأى الأمير خليل ذلك هجم بعسكره عليهم فكسر الفرسان من السهل، والأرناؤوط من التل، وجدَّ في أثرهم إلى البداوي فقتل منهم خمسة أشخاص، ثمّ عاد إلى المدينة ظافراً.

وقُتل من عسكر عثمان باشا ثلاثون رجلاً وشيخ صافيتا، أمّا إبراهيم باشا، فإنّه لمّا أقبل على طرابلس خرج لملاقاته الأمير خليل والأمير عبد الله. ولمّا بلغ عثمان باشا قدومه فرّ هارباً ليلاً نحو حماة، ثمّ أرسل إبراهيم باشا الأمير عبد الله إلى المنية ليضبط ما تركه عثمان باشا، ونهض بعسكره في أثره إلى حمص.

سنة ١٢٤٩ هـ ١٨٣٣ م:

في هذه السنة: قَدِم إبراهيم باشا من طرابلس إلى بيروت، فوافاه الأمير أمين.

وفيها: لمّا وصل الأمير خليل إلى طرابلس التقاه سليم بك ؛ فأمر بالقبض على خمسة وعشرين رجلاً من الطرابلسيّين الذين ظهرت خيانتهم

٤٥٧

وسجنهم في القلعة، وكان منهم ثمانية رجال من الأعيان. أمّا مصطفى بربر فقد خاف أن يُتّهم بالتعصّب على إبراهيم باشا ؛ فتوجّه إلى بتدين يبرئ نفسه. ثم نهض الأمير خليل وسليم بك برجالهما إلى عكار فقبضا على أسعد بك المرعب وأسعد بك، وعلى اثنين من أولاد محمد بك القدور، ثمّ أمرا بالقبض على ثلاثين رجلاً وبعض وجوه عكار، ثمّ رجع الأمير خليل إلى طرابلس لمرضٍ اعتراه ومنها إلى بتدين.

أمّا مصطفى بربر فالتمس من الأمير أن يستميح له من الوزير صفو الخاطر والأمان، فعرض الأمير ذلك إلى الوزير فأجابه، وأمر برجوعه آمناً إلى وطنه في قرية ايعال فرجع.

سنة ١٢٥٦ هـ ١٨٤٠ م:

في هذه السنة اتّفق الباب العالي مع دول النمسا والروسية والانكليز وبروسيا على استخلاص سورية من يد محمد علي باشا عزيز مصر. ولمّا كان الأمير بشير من أكبر أعوان ولده إبراهيم باشا على امتلاك سورية، وكان فريق من أُمراء البلاد اللبنانيّة وشيوخهم على خلاف رأي الأمير، وخاصّةً الدروز.

ولمّا علم إبراهيم باشا باتّفاق الباب العالي مع تلك الدول، وتحقّق أن مخالفي الأمير بشير سينضمّون إلى الجانب العثماني، كتب إلى الأمير بشير بجمع السلاح من النصارى، فأهاج هذا الطلب النصارى، وقام اجتماع من العامّة والخاصّة قرّر مطاليب، وطلب أن يحقّقها الأمير، وكان قد سبق ذلك ترك جمع السلاح وإرجاع ما جُمع منه. ثمّ قرر فريقٌ من الأُمراء الشهابيّين، واللمعيّين، وغيرهم، أن يقطعوا الطريق على العساكر المصريّة لئلاّ يدخلوا البلاد، فوجّهوا الأمير حمود إلى جهة صيدا، والأمير علي منصور إلى جهة البقاع، وأبا سمرا إلى جهة طرابلس، وغيرهم من الشيوخ في جهات أُخرى.

وقَدِم علي بك عسكره إلى طرابلس، وكان الأمراء الشهابيّون واللمعيّون يشدّدون العامّة سرّاً، ويحثّونهم على الثبات، وكذلك كان يفعل قناصل الدولة المتّفقة مع الباب العالي ضد المصريين.

توجّه أبو سمرا إلى جهة طرابلس بمئة رجل، أبقاهم محافظين في انطلياس ونهر الكلب وجونية، وتبعه وهو ذاهب إلى طرابلس بعض شيوخ الحبيشيّة والدحادحة والخوازنة والحمادية.

ولمّا بلغ والي طرابلس قدومه أرسل إليه نحو أربعة آلاف عسكري بمدافع، فالتقاهم، ونشبت الحرب بينهم فتقهقر أبو سمرا إلى ايعال، وقتل من جماعته سبعة أشخاص ومن

٤٥٨

العسكر المصري نحو عشرين رجلاً، وعاد العسكر إلى طرابلس، ثمّ جمع أبو سمرا رجالاً إلى ايعال وفي اليوم الثالث قصد عسكر طرابلس إلى ايعال، فالتقاهم بمن معه، وشنّ الغارة عليهم فانكسروا إلى طرابلس فأعمل اللبنانيّون في أقفيتهم السلاح وأخذوا منهم مدفعاً، فقتل منهم نحو خمسين رجلاً ومن اللبنانيين نحو عشرين، ثمّ انفضّ اللبنانيّون عن أبي سمرا.

وسار بعشرين رجلاً من المتاولة إلى الضنية، ولمّا وصل أبو سمرا إلى الضنية، استقبله المشايخ بنو الرعد، وحالاً جمعوا رجالهم وقاموا على متسلّم الدولة المصريّة وقتلوه، واستلموا مقاطعتهم.

فبلغ والي طرابلس ذلك فأرسل عسكراً لمحاربتهم. فالتقوه إلى قرية نجعة وحاربوه هناك، فانكسر العسكر المصري، وتقهقر إلى قرية مرياطا، وقتل منهم جماعة.

وفي اليوم التالي رجع إليهم العسكر وحاربهم فتبدّدوا، وقٌتل منهم ثلاثون رجلاً وأُسر عشرة، ثمّ توجّه أبو سمرا بالمتاولة إلى وادي موسى، فاجتمع إليه هناك ١٥٠ رجلاً، فقصد متسلّم عكار فقتله وسلبه، وأخذ منه أربعة من خيله، وحاصر جماعته في قرية الريحانيّة على شاطئ البارد، ثمّ انهزموا فنهبها أبو سمرا، وانطلق إلى جرد عار وانصرفت جماعته عنه، ثمّ توجّه إلى مزيارا فاختبأ فيها.

ما جاء في أخبار الأعيان في جبل لبنان للشدياق من أخبار طرابلس:

جاء فيه في الصفحة الثامنة في ذكر المدن الفينيقيّة الثمان الأُولى:

طرابلوس: وهي لفظة يونانية مركّبة معناها مدن ثلاث: وهي مدينة في الشمال يمرّ في وسطها نهر أبي علي، فيها قلعة حصينة بناها ريموند الفرنسوي سنة ١١٠٢، وسنة ١١٠٩ استولى عليها الإفرنج بعد محاصرتها خمس سنين، وسنة ١٢٨٧ حاصرها الملك المنصور قلاوون ستّة وعشرين يوماً، ففتحها بالسيف فهرب منها الإفرنج إلى جزيرة بين المدينة والمينا ؛ فهجمت عليهم الفرسان سابحين على خيولهم في البحر، وقتلوا كبارهم وسبوا الصغار والنساء.

ثمّ أمر الملك بهدم المدينة فدكّوها إلى الأرض. ولها ميناء بعيدة عنها نحو ميل، وسكّانها إسلام ونصارى، وهم من الظرف والكرم والشجاعة على جانبٍ عظيمٍ، وخارجها بساتين وحدائق كثيرة.

وجبل لبنان معاملتان: الأُولى معاملة طرابلس وأوّلها شرقيّ

٤٥٩

طرابلوس، وآخرها جسر المعاملتين بين جونية وجبيل، وفي هذه المعاملة ثماني مقاطعات:

الأُولى: الزاوية. الثانية: الكورة. الثالثة: القويطع. الرابعة: جبة بشرة أي جبة القاعدة. الخامسة: بلاد البترون. السادسة: عبرين أي المجاز. السابعة: بشعلة ودوما وسورات أي صورة. الثامنة: الفتوح، ومنتهى حدود هذه المعاملة جسر المعاملتين، وعندها ينتهي الخطّ الحديدي الممتدّ من بيروت.

نسبة الأمراء بني سيفا:

المقدّم جمال الدين الملقّب بسيفا ولد عبد الله، وعبد الله ولد أولاداً فولد أحد أولادهم محمداً، ومحمد ولد ولدين يوسف وحسيناً. فيوسف ولد سبعة أولاد وهم حسين وحسن وعمر وقاسم ومحمود وبلك وعساف.

فحسين ولد سليمان وسليمان ولد عليّاً.

هؤلاء الأمراء ينتسبون إلى المقدّم جمال الدين المذكور ابن أحد مماليك الجراكسة، وعمّالهم في طرابلس وعكار وحصن الأكراد وما والاها. ثم توفّي فتولّى بعده ولده المقدّم عبد الله، ثمّ تولّى بعده من ذرّيّته محمد باشا، ثمّ توفّي وله ولدان الأمير يوسف والأمير حسين، وتولّى ولده يوسف باشا.

وفي سنة ١٦٣٧: استخدم شاهين باشا الأمير إسماعيل (من أُمراء راس نحاش الأكراد) والشيخ علي حمادة، وأرسلهما بعسكرٍ لقتال آل سيفا وتابعهم، فقبضوا على قاسم باشا سيفا والأولاد والنساء، وبحثا عن أموالهم فتبدّدت آل سيفا.

وسنة ١٦٢٢، لمّا كان الأمير فخر الدين محاصراً يوسف باشا في طرابلس، حضر الأمير موسى إلى منزل الأمير فخر الدين متجسّساً، وأظهر أنّه آتٍ لتوسّط الصلح، ولمّا رجع أخبر حسين باشا أنّ الأمير جلس في الإيوان، فأطلق الباشا المدافع على ذلك الإيوان إلى القلعة فانهدم جانب من الترس ولم يكن حينئذٍ هناك أحد ؛ فانتقل الأمير تلك الدار، وأمر بهدمها.

وفي سنة ١٦٤١: غضب وزير طرابلس على الحماية ففرّوا من وادي علمات وبلاد جبيل.

سنة ١٦٥٩: تولّى قبلان باشا على طرابلس، فلمّا بلغ الحمادية أنّه مأمور بقصاصهم، فرّوا إلى كسروان بعيالهم ؛ فهدم الباشا دورهم وقرى وادي علمات.

٤٦٠

وسنة ١٦٧٣: وَلّى حسن باشا الحمادية مقاطعاتهم، ورفع عنهم أكلاف المال، فطمعوا وتصرّفوا بالمال نفسه، وقتلوا أُناساً عند نهر رشعين، ونهبوا تلك المقاطعات.

وسنة ١٦٧٤: وَلّى حسن باشا الشيخ سرحال بلاد جبيل والبترون.

ولمّا حضر الشيخ أحمد قانصوه ليلويه جبة بشرة قبض عليه ؛ لأنّه أخرب البلاد، وقبض على الشيخ محمد بن حسن ذيب ؛ لأنّه تصرّف بمال الضنية.

وسنة ١٦٧٥م: جهّز حسن باشا عسكراً لطرد بني حمادة لتصرّفهم بالمال الأميري، فأرسل مدبّره فطردهم إلى عين النقير التي فوق أفقا، حتّى فصل بينهم الظلام، ثمّ أحضر الشيخ أحمد بن محمد قانصوه وابن حسن ذيب، وأمر أولاد عمّهما أن يقتلوهما فقتلوهما.

ولمّا ذاع الخبر، وثب جماعتهما على بلاد جبيل، فنهبوا وقتلوا وأحرقوا حصرايل، ونهبوا قرى البترون، ومواشي حصرون.

وسنة ١٦٧٦م: لمّا رجع حسن باشا من حرب تركمان البكدلة، وبلغه مطاولة الحمادية، أحرق لهم قرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة، ولمّا رجع إلى طرابلس أحرقوا قصوبا وتولا وعبدلَّى وبسبينا وسفار وشبطين.

وسنة ١٦٧٧م: ولّى مصطفى باشا الشيخ سرحال بلاد جبيل، وولده الشيخ حسيناً بلاد البترون، والشيخ حسين أحمد جبة بشرة. وأمرهم أن يعطوا الأمان ويردّوا النزاح.

وسنة ١٦٨٤م: قتل الحمادية أبا نادر شيخ مزرعة عكار وابن أخت محمد باشا في حلبا، ولمّا عزل محمد باشا من طرابلس هجمت الحمادية على القلعة، وأخرجوا رهائنهم، ودهموا عشقوت ليلاً، وقتلوا من أهلها أحد عشر رجلاً. فتقدّمت الشكوى عليهم لوالي طرابلس، فحنق منهم، وولّى الأمير أحمد المعني على مقاطعاتهم جميعها. فتوجّه الأمير أحمد إلى غزير بخمسة آلاف مقاتل ودهمهم، ففرّوا إلى بلاد بعلبك ؛ فأحرق إِبلج ولاسا وأفقا والمغيرة وقطع أشجارهم ؛ فالتمس خواص الأمير الصفح عنهم فصفح، وقفل راجعاً إلى الشوف، من دون قبول خلعة من والي طرابلس على مقاطعاتهم.

وسنة ١٦٨٦م: لمّا توجّه علي باشا النكدلي لمحاربة عرب البكدلة، هاجت الحمادية وقتلوا باد اغر شيخ حردين، وابن رعد شيخ الضنية، وغيرهما، فقبض المدبّر على اثني عشر رجلاً من أتباعهم، ورفعهم على الخازوق.

وفيها: هرب الأمير شديد الحرفوش من وجه علي باشا مستغيثاً بالحمادية ؛ فجرّ ذلك الباشا على

٤٦١

العاقورة فأحرقها، وأحرق أربعين قرية من مقاطعاتهم، وقطع أشجارها، وهدم حارة الشيخ حسين في ايليج، وقبر الأمير عمر في طورزيا.

ولمّا كان العسكر نازلاً عند عين الباطية دهمته الحمادية ليلاً، وقتلوا منه خمسة وأربعين رجلاً، وغنموا أسلابهم، فانحدر الباشا إلى جبيل، ونكبها ثمّ قفل راجعاً إلى طرابلس.

ولمّا انتشر خبر رجوعه انحدر حزب الحمادية، فأحرقوا قلعة جبيل، ونهبوا ما وجدوه في المدينة.

وفي سنوات ١٦٩١ و ١٦٩٢ و ١٦٩٣ م: جرت أُمور ومنازعات ومحاربات بين الحمادية وولاة طرابلس لا يتعلّق بذكرها غرض مهم لبحثنا فتركناها.

وفي سنة ١٦٩٨م: أرسل أرسلان باشا عسكراً لقتال الحمادية لتمنّعهم عن أداء المال الأميري، فقبض العسكر على بعضهم بغتةً، وأحضرهم إلى طرابلس وسجنهم، وفرّ مَن بقي منهم إلى دير القمر يستغيثون بالأمير بشير حسين الشهابي الوالي، فأغاثهم، وأرسل إلى الباشا يلتمس منه إطلاق المأسورين منهم، وكفل له المال الباقي عليهم والمال الذي ترتّب عليهم لأجل ذنبهم، فبلغ مئتين وخمسين ألف قرش ؛ فأطلقهم الباشا وأبقاهم بحسب عوائدهم، وفوّض توليتهم للأمير بشير فولاّهم، وأرسل يستردّ المال منهم فأدّوه، فدفعه الأمير للباشا.

وفي السنوات ١٧٦١ و ١٧٦٢ و ١٧٧٠م: جرت أحداث جلّها يتعلّق بالحمادية مع مجاوريهم وولاة طرابلس، ليس لها كبير فائدة ؛ فأعرضنا عنها.

سنة ١٦٠ م:

في هذه السنة: ولّى يوسف باشا سيفا وزير طرابلس الشيخ يوسف وأخاه الشيخ قانصوه، ابني الشيخ أحمد حمادة، على بلاد جبيل، جزاءً لقتلهما مقدّمي جاج الأربعة.

سنة ١٥٨٤:

لمّا نُهبت خزنة السلطان مراد في جون عكار، أمر السلطان إبراهيم باشا والي مصر أن يجمع العساكر من مصر وقبرس ودمشق وحلب، ويحضر لمقاصّة آل سيفا وأمراء لبنان.

فحضر بالعساكر ونزل في مرج

٤٦٢

عرجموش تحت زحلة، وأرسل يطلب الغرماء من الأمير قرقماس، ومسك طريق البحر والبقاع على الدروز، وقتل خلقاً كثيراً ؛ فخاف الأمير قرقماس وفرّ إلى مغارة تيرون، وتوفّي فيها.

وجرت منه أُمور قبيحة، وقتل ستّمئة رجل وأخذ جماعة من الشيوخ إلى إسلامبول، فأعيدوا بعد تبرئة أنفسهم ممّا عُزي إليهم.

وسنة ١٥٩٨م: كانت الواقعة في نهر الكلب، بين الأمير فخر الدين ويوسف باشا سيفا والي طرابلس، بسبب ولاية كسروان، فانكسر يوسف باشا، وقتل ابن أخيه الأمير علي وتشتّت عسكره. فتولى الأمير فخر الدين بيروت وكسروان سنةً واحدةً، ثمّ تركهما له برضاه، وسار إلى الشوف.

وفي سنة ١٦٠٥م: كانت الواقعة في جونية بين الأمير فخر الدين وبين يوسف باشا سيفا، فانهزم يوسف باشا.

وسنة ١٦٠٧م: جرت حروب شديدة بين علي باشا جانبلاط والي حلب، ويوسف باشا والي طرابلس، فاستنجد علي باشا بالأمير، فنجده، وجمع رجال بلاده والتقاه بها إلى أرض عراد في حماة.

ووقعت الحرب بين الفريقين فانكسر يوسف باشا والي طرابلس، وتولّى علي باشا حلب، ومرق من طاعة السلطان أحمد.

وأمّا الأمير فتبع أثر يوسف باشا برجاله، ولم يمكّنه من الدخول إلى طرابلس، فانهزم بحراً إلى بلاد حارثة، مستغيثاً بالأمير أحمد طربيه فأغاثه وأرسله إلى دمشق. فلمّا بلغ علي باشا ذلك وجّه له عسكراً، وكتب إلى الأمير يستنجده، وحاصروه في دمشق. ولمّا ضاق به الحال دفع لعلي باشا مئة ألف قرش ؛ فرضي عنه، وخصص الأمير بأخذ شيءٍ منها فأبى.

ثمّ خرج يوسف باشا بالأمان، وسار إلى حصن الأكراد، فلمّا بلغ السلطان عصيان علي باشا ؛ أرسل إليه مراد باشا الصدر الأعظم بالعساكر العثمانية، فخرج إليه علي باشا من حلب بثمانين ألف مقاتل وحاربه ؛ فانكسر ؛ وولّى الأدبار منهزماً إلى حلب، فحصن القلعة، وأدخل إليها عياله ورجاله وماله، وولّى على المدينة والياً.

وانطلق يطلب النجدة من شاه العجم، ولمّا خرج من المدينة وصل مراد باشا بالعساكر، ومعه أحمد باشا الحافظ، ويوسف باشا سيفا سردار العساكر، فشدّد الحصار على حلب ففتحها، ثمّ فتح القلعة بالأمان، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وباع عيال علي باشا بيد الدلاّل فبيعت والدته بثلاثين قرشاً، وطرد السكمان من المدينة، وحنق على الأمير لمساعدته علي باشا قبلاً.

٤٦٣

سنة ١٦١٣:

أرجع أحمد باشا الحافظ ولاية بيوت وكسروان إلى يوسف باشا سيفا.

في هذه السنة: كان رجال يوسف باشا سيفا مع الأمير علي ابن الأمير فخر الدين في حصاره دمشق، وفيها ظهرت النفرة بين الأمير وأحمد باشا الحافظ. فقدّم أصحاب الحافظ في دمشق الشكوى بأمره إلى الدولة: أنّ الأمير فخر الدين تغلّب على بلاد حوران وعجلون وغيرهما وحاصر دمشق. فقبل السلطان سليم الشكوى وأمر بالقبض على مدبّر الأمير، وسلب كلّ ما له وأنفذ أربعة عشر باشا من ذوي الطوخي، وخمسين سنجقاً، وأصحبهم بخمسين ألف مقاتل لإبادة آل معن، وجعل الحافظ مقدّماً عليهم.

ولمّا وصلوا إلى بانياس، توجّه الأمير أحمد الشهابي إلى دمشق، وكتب إلى الأمير يونس الحرفوش أن يحضر إلى دمشق، ويدخل في طاعة المحافظ، وبيَّن له وفرة العساكر وشدّة الاهتمام بزوال آل معن. ثمّ نهضت العساكر من بانياس إلى دمشق، فنهض بهم الحافظ إلى المفقر. فقدم إليه الأمير يونس الحرفوش برجاله، وأمّا الأمير علي الشهابي فقدّم الطاعة للحافظ لكنّه، أقام معتزلاً عن الحافظ وآل معن. فلما بلغ الأمير ذلك وجّه ولده الأمير عليّاً وأصحابه بالسكمان، والشيخ حمدان والشيخ عمرو لمحافظة خان المجامع، وحصن بانياس، وقلعة شقيف أرنون، وجرت تدابير حربيّة دفاعيّة من الأمير.

وكان في هذه الأثناء إرجاع الحافظ ولاية بيروت وكسروان إلى يوسف باشا سيفا، كما سبق بيان ذلك.

وجرت وقائع بين عسكر الأمير وعسكر الحافظ، ومنها: وقعة حيال قلعة شقيف أرنون التي حاصرها الحافظ، وكان في عسكره رجال الأمير أحمد سيفا، واشتدّ على القلعة الحصار والحرب مدّة شهرين نهاراً وليلاً، إلى أن وصلوا إلى خندقها وقد ثبت أهلها في الجلاد، ولمّا طالت عليهم المدّة أرسلوا يستنجدون الأمير يونس وبالسكمان الذين عنده.

فلمّا وصل الرسول إليه أمر السكمان أن يتوجّهوا فأبوا خوفاً من كثرة رجال الحافظ المحدقين بالقلعة، ثمّ أخذت النخوة جلب حسين والي غزير ؛ فانتخب له الأمير يونس مئةً وخمسين رجلاً يسيرون معه نجدةً لأهل القلعة.

ولمّا تحقّقوا أنّ دخولهم إليها أمرٌ لازم كما أمرهم الأمير ؛ انفضّ أكثرهم فلم يبق منهم إلاّ أحد

٤٦٤

وخمسون رجلاً سار بهم جلب حسين ؛ فكتب بعض السكمان الذي في دير القمر إلى الحافظ يخبرونه بذلك، فلمّا بلغه الكتاب، أرسل حسين باشا سيفا والأمير يونس الحرفوش بجماعتهما يمسكون الطريق عليهم، ولمّا وصلوا إلى العقبة فوق جسر الخردلة، التقوا بهم ليلاً، وانتشبت الحرب بينهم فقبض عسكر الحافظ على رجلين، وهرب اثنا عشر رجلاً، فبقي مع جلب حسين سبعة وثلاثون رجلاً فظلّوا سائرين ليلاً إلى أن بلغوا أتراس عسكر الحافظ ؛ فاستلّوا سيوفهم وهجموا عليهم، فانهزم أصحاب الأتراس فحل الرعب في قلوب المجاورين، فأخذ منهم اللبنانيّون بيرقين، ثمّ هجموا على أتراس رجال الأمير أحمد سيفا فانهزموا، وجُرح الأمير أحمد وأخذوا منهم بيرقين.

وقُتل من اللبنانيّين رجل وأسّر رجلان، وقتل من عسكر الحافظ جماعة، ثمّ نزلوا إلى الخندق واستداروا إلى جانب المزحلق، ففتح لهم أهل القلعة باب السر فدخلوا، وكانوا أربعة وثلاثين رجلاً، وعند الصباح نشروا الأربعة البيارق على شرفات القلعة، فحنق الحافظ، فأمر حسن باشا سيفا أن يتوجّه إلى بلاده، ويجمع رجاله كلّها ويحضر بهم إلى الدامور، وأمر الشيخ مظفّر اليمني أن يجمع رجال الغرب والجرد والمتن ويحضر بهم إلى تجاه رأس الشوف، وأرسل إلى نهر صيدا بعض مقدّم العساكر وسناجق من عسكر الروم، والأمير أحمد الشهابي، والأمير أحمد طرباي، ووالي صفد. فلمّا بلغوا ذلك النهر توجّه فريق منهم ليحرقوا غريفة، فالتقاهم رجال القرى القريبة إليها فصدّوهم، فانكسروا، وقُتل منهم جماعة.

أمّا الأمير منذر التنوخي فاختبأ، ولمّا اشتدّ الحال على الأمير يونس، وأحدقت به العساكر من كلّ جانب، جمع عقلاء أصحابه وأكابر بلاده وخاطبهم بذلك، فأشاروا عليه بالتوسّل إلى الحافظ، وأنّه يدخل تحت طاعته على أيّ وجهٍ كان، وأنّه يرسل والدته تتشفّع به، فأرسلها ومعها ثلاثون رجلاً من وجوه عقلاء الديار، وخمسة وعشرون ألف قرش، وأربعة من الخيل الجياد. ولمّا بلغه مراسلة السكمان الحافظ قام إلى بعقلين ثمّ إلى نيحا وأقام فيها بمَن بقي معه.

وأمّا السكمان، فقد فرّوا من دير القمر ليلاً إلى قلعة الشقيف، وسلّموا للحافظ، فلمّا بلغ حسين باشا ذلك ؛ نهض برجاله من الدامور إلى دير القمر، وأحرق بعض بيوت منها قاصداً إحراق السرايا.

وأمّا والدة الأمير يونس، فقد انتهت شفاعتها بولدها للحافظ بالنجاح على قواعد، ولمّا لم تتحقّق كما يريد الحافظ عادت

٤٦٥

الأُمور سيرتها الأُولى، وانتهت إلى وقائع واضطرابات في البلاد، وإلى سفر الأمير فخر الدين إلى إيطاليا.

وسنة ١٦١٤م: عُزل أحمد باشا الحافظ عن دمشق، وتولّى مكانه ركس باشا، وأرسل نادي بالأمان، ولمّا قَدِم حلب أمر بإطلاق والدة الأمير يونس ومَن معها، وسلّمها كتاب الأمان لولدها الأمير فخر الدين بأن يرجع إلى بلاده آمناً، فأرسله الأمير يونس إلى أخيه.

وفيها: أرسل الأمير يونس الشيخ أبا نادر الخازن بجماعةٍ إلى كسروان خفيةً ؛ ليقتل علي بن سكيكر القاطع في فقيع أي القليعات ؛ لأنّ يوسف باشا كان سلّمه مداخيل الخوازنة حين غضب عليهم لمّا نزحوا من بلادهم. فصادفه الشيخ عند عجلتون فقتله.

فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ أحرق دور الخوازنة في عجلتون، وقطع أشجارهم فيها وفي كفر ذبيان وغيرهما ؛ فانهزمت عيالهم وأتباعهم إلى بيروت، وتعيّنوا عند واليها.

وسنة ١٦١٦ م ص ٢٧١ فيها: كتب السلطان فرماناً ليوسف باشا سيفا أن يرفع يده عن بلاد كسروان وبيروت، وعن مساعدة الشيخ مظفّر، وابن الأمير محمد جمال الدين، وبني الصواف المقدّمين، وكتب الصدر الأعظم لحسين باشا الجلالي والي طرابلس، ولجركس باشا والي دمشق، وأرسل لهما ذلك الفرمان داخل كتابه صحبة رجل يُسمّى مصطفى جاويش ؛ فكتب الوزيران إلى يوسف باشا كتاباً، وأرسلا له ذلك الفرمان، وصورة كتابة الصدر إليهما ضمّنه صحبة ذلك الرجل السفير، فسلّمه الكتاب وأتى إلى بيروت، فأبى يوسف باشا قبول الأمير، وأرسل يقوّي الشيخ مظفّراً، وعزم على قتل السفير في بيروت.

ولمّا بلغ الأمير عليّاً ذلك ؛ كتب إلى عمّه الأمير يونس أن يجمع رجال الشوف قاطبةً، ويلاقيه بهم إلى جسر الأولي، وكتب إلى الأمير علي الشهابي بمثل ذلك ؛ فحضرا إليه برجالهما فبلغ عسكره ثلاثة آلاف مقاتل، فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ استدعى الأمير شلهوب الحرفوش، والأمير أرسلان، والأمير موسى الكردي من راس نحاش، وحسن آغا ومعه عشرون بلكباشيّاً من السكمان، وأكثر رجال بلاده، لحفظ بيروت، ولمساعدة الشيخ مظفّر.

فحضروا ثمّ نهض الأمير علي بمَن معه إلى الدامور، وأرسل شرذمةً إلى الناعمة لطرد يوسف باشا من الحارة، فحاصروهم إلى المساء، وأحرقوا القرية ثمّ رجعوا ؛ فأرسل أولئك الرجال

٤٦٦

يخبرن الشيخ مظفّر بما كان ؛ فنهض الشيخ من فوره برجاله إلى الناعمة، وكانوا نحو ألفي مقاتل، وعمل أتراساً عند العين، وصفّ عسكره من العين إلى الحارة.

وعندما بلغ الأمر عليّاً ذلك ؛ نهض من الغد بالعسكر إلى الناعمة، وقسّم العسكر ثلاثة أقسام فتوجّه بالسكمان المشاة في القلب، وتوجّه عمّه الأمير يونس برجال الشوف في الميمنة بجانب الجبل، وتوجّه الأمير علي الشهابي برجاله وفرسان السكمان ورجال بلاد بشارة والشقيف وصيدا في الميسرة ناحية البحر. وهجم جمعهم معاً، وتقابل الجيشان واصطدم الفريقان، وهجمت الأمراء بالفرسان متسابقين على الميمنة، فلمّا أبصروهم منقضّين عليهم كالبزاة ولّوا الأدبار ؛ فقبض العسكر على السكمان الذين في المتاريس، وتبعوا أعقاب المنهزمين إلى أرض قرتية قرب الشويفات، وأخذوا منهم ثلاثة عشر برقاً وقتلوا نحو مئتي رجل، وقُتل من عسكر الأمراء نحو ثلاثين رجلاً.

ثمّ رجع الأمير بالعسكر إلى الدامور، أمّا الشيخ مظفّر فظلّ سائراً إلى الضنية، وتوطّن في قرية شدرا.

ولمّا بلغ الأمير حسن بن يوسف باشا ذلك ؛ فرّ من غزر بعيال أخيه حسين باشا إلى بلاد عكار.

ولمّا بلغ حسين باشا الجلالي والي طرابلس انهزام الأمير حسن سيفا إلى عكار ؛ أرسل رجالاً يمسكون عليه الطريق، فلمّا أقبل عليهم انهزم بفرسانه، فقبضت الرجال على مَن معه، ونهبوا ما وجدوه للأمير، ورجعوا بهم إلى طرابلس، فأخذ الوزر أمتعتهم. فلمّا بلغ والده يوسف باشا ذلك ؛ أرسل ولده الأمير عمر يطلب من والي طرابلس العفو عن المعتقلين، وقدّم له مالاً أرضاه به فأمر بإطلاقهم.

وفيها: كتب الأمير سليمان سيفا إلى الأمير علي يخبره: بأنّ يوسف باشا محاصر إيّاه في برج تولا، ويستغيث به ؛ فجمع الأمير رجال صيدا وأمرهم بالمسير إلى تولا صحبة مدبّره، وأمر الأمير ناصر الدين التنوخي أن يتوجّه برجال الجرد والغرب والمقدّمين اللمعيين أن يتوجّهوا برجال المتن، وطويل حسين أن يتوجّه برجال كسروان، وكتب إلى حسن اليازجي أن يجمع رجال بلاد صفد وبلاد بشارة والشقيف، ويحضر بهم إلى صيدا منتظراً الطلب. ثمّ نهض الأمير بالعسكر إلى نهر إبراهيم، فبلغه أنّ الأمير سليمان سلّم لعمّه يوسف باشا عنوة وأخذه إلى عكار، فأمر بنهب قرى الحمادية والشاعرية وحرقها ؛ وذلك لأنهم كانوا قد غشوا الأمير سليمان بطرد

٤٦٧

الخوازنة من عنده، وأعلموا يوسف باشا بذلك، ثمّ رجع الأمير بالعسكر إلى البلاد وصرفه.

وفيها: لمّا رجع الأمير فخر الدين من مسينا (إيطاليا) بعد غياب خمس سنين وقُدّمت إليه الهدايا، وكان ممّن أرسل إليه بهدية ومعها جوادان، حسن بك بن يوسف باشا، فقبل الأمير الهدايا كلّها والخيل وخلع على مُقدّمها، إلاّ هدايا ابن سيفا أرجعها قائلاً: نتاج عوضها أخشاباً نعمّر بها دارنا التي أحرقها حسين باشا في دير القمر، ولو أرسل إلينا الاثنين وعشرين ألف قرش، التي اقترضتها جماعته من جماعتنا في إسلامبول، لكان أوفق له، وكان يجب عليه أن يردّ المواشي التي أودعناها نحن وجماعتنا عنده في أيّام الحافظ، ويعوّض على مَن صادره من جماعتنا، وكفى ما فعله في أيّام الحافظ، فهذان الجوادان اللذان أرسلهما لا ينسياننا ما ذكرناه.

والتمس من الأمير علي الشهابي أن يكتب إلى يوسف باشا، طالباً منه ما اقترضته جماعته في إسلامبول فكتب.

فأجابه يوسف باشا: إن هذا القرض ينظر ما ضبطه الأمير من غلّة أملاكنا في بيروت وكسروان وانطلياس. ولماذا لا ينظر الأمير إلاّ ما فعلناه، ويغضّ نظره عن الأمير يُونس الحرفوش الذي قتل سكمان آل معن، وسبّب هدم القلاع وراسل مشايخ المتاولة حين كان ولده الأمير أحمد في مشغره.

سنة ١٦١٨:

في هذه السنة: كتب الأمير إلى عمر باشا الكتنجي والي طرابلس يشكو أعمال يوسف باشا، فأجابه إذا شئت أن تحاربه فأنا أكون مساعداً لك، وأضمن لك غضب الدولة، فسرّ الأمير بذلك الجواب، وكتب إلى الأمير علي الشهابي يستنهضه لإنجاده.

وقام من صيدا إلى بيروت، وكتب إلى مدبّره الشيخ أبي نادر الخازن: أن يُرسل رجالاً يمسكون جسر نهر إبراهيم على الذاهبين إلى الجهة الشماليّة، لئلاّ يدري به يوسف باشا، واستدعى إليه رجال الشوف والغرب والجرد والمتن وكسروان، وكتب إلى ولده الأمير علي: أن يجمع رجال بلاد صفد وبلاد بشارة والشقيف وصيدا، ويذهب بهم إلى غزير، وكتب إلى الأمير يونس الحرفوش أن يضبط ما لآل سيفا من المواشي والغلال في القرانية

٤٦٨

والهرمل. ثمّ نهض من بيروت بمَن اجتمع عنده إلى نهر إبراهيم، ثمّ إلى جبيل، فخاطب المحافظين الذين وضعهم يوسف باشا في القلعة أن يسلّموا فأبوا، ثمّ خاطب المحافظين الذين في قلعة سمر جبيل فأبوا، فتركهم لاشتغاله بما هو أهمّ.

ونهض إلى أميون، ومنها إلى قلعة بخعون في الضنية، وحينئذٍ توجّه بعضٌ من عسكره من أهل دير القمر للكسب، فصادفوا الأمير محمد بن حسن بن يوسف باشا، فلمّا أبصرتهم جماعته فرّوا عنه هاربين، فقبض عليه أهل دير القمر وأحضروه إلى الأمير، وعمره خمس سنين. فأرسل الأمير يخبر والدته بسلامة ابنها لتطمئنّ، ونقلها من سير إلى عكار، وفي غضون ذلك قدم إلى غزير الأمير علي بعسكره، ومعه الأمير علي الشهاب بعسكره.

أمّا الأمير علي فنهض بعسكره من قلعة بخعون إلى قرية تولا. ولمّا بلغ يوسف باشا قدومه فرّ منهزماً، فأرسل حريمه ومثمّناته الخفيفة قدّامه في طريق، ونهض برجاله إلى قلعة الحصن في طريقٍ آخر، ثمّ أخذ الأمير علي ثلاثمئة فارس من عسكره، وجدّ مسرعاً إلى عكار.

وفي أوّل الليل ظهرت عشرة مشاعل خارجة من عكار على طريق الحصن، فجدّ السير في أثرهم وإذا النساء والأحمال سائرة قدّامه، فاستحلف فرسانه ألاَّ يمدّوا أيديهم إلى النساء بل يشتغلوا بالكسب، فلمّا سمع يوسف باشا الضوضاء ؛ أطفأ المشاعل، وأسرع بعسكره إلى قلعة الحصن، ولم يدافع عن حريمه وماله.

أمّا الأمير علي فترجّل لصعوبة المسالك، واستولى عسكره على الأحمال، ثمّ توجّه إلى قرية شدرا قاصداً اعتقال الشيخ مظفّر اليمني المقيم هناك بعد فراره من واقعة الناعمة، ولمّا علم بقدوم الأمير فرّ هارباً إلى قلعة الحصن، فرجع الأمير إلى عكار ليجمع عسكره، فرآه قد دخلها وغنم ما فيها. وعند الصباح شنّ الغارة إلى الحصن فتبعه ألف فارس من عسكره، ولمّا أقبل على قلعة الحصن وجد جميع أمراء آل سيفا متهيّئين برجالهم للقتال، وعنده بنو الصواف مقدّمو المتن برجالهم. فندم الأمير على إقدامه غير مصحوب بكلّ عسكره. ثمّ عوّل على الحرب محرِّضاً قومه على القتال، وانقضّ هو وفرسانه على القوم. فانهزم يوسف باشا بقومه متسابقين إلى تلك القلعة للتحصين فيها فدخلوها.

وفرّ الأمير محمد وأخوه الأمير سليمان سيفا إلى بلاد جبيل، وقُتل من عسكر آل سيفا خلق كثير. ثمّ

٤٦٩

قَدِم باقي عسكر الأمير من عكار، وأحاطوا القلعة من كلّ جانب، فكتب يوسف باشا إلى وزير دمشق ووزير حلب يستغيث بهما، وكتب الأمير إلى ولده الأمير علي أن يبقى في غزير، ويرسل إليه عسكره صحبة الأمير علي الشهابي، ثمّ أمر الشيخ أبا نادر الخازن أن يذهب ليلاً بعشرة أنفار لهدم الجسر الذي عند باب القلعة، فربطوه وجذبوه بالحبال فلم يمكنهم هدمه، وفي غضون ذلك قَدِم عمر باشا والي طرابلس إلى الأمير، ولمّا ضاق بيوسف باشا الحال أرسل ابنة الأمير إليه تستغيث به لأجله. وبينما كان الأمير في خيمته، وإذا ابنة داخلة إليه ومعها نساء، فالتمست منه العفو عن آل سيفا ؛ فطيّب قلبها ووعدها بإجابة سؤالها، بشرط أنّ يوسف باشا يدفع له مئتي ألف قرش، ويسلّمه صكّاً برفع الضبط عن أرزاق آل عساف من انطلياس إلى بيروت.

وحينئذٍ قدم الأمير علي الشهابي بالعسكر، فرجع الأمير ببعض العسكر إلى عكار، ونقل حجارة السرايا إلى شاطئ البحر ومنه إلى بيروت بحراً، ومنها إلى دير القمر.

ولمّا تضايق يوسف باشا ولم ينجده الوزيران ؛ أرسل يطلب من الأمير الصلح، فطلب منه الأمير ثلاثمئة ألف قرش، منها خمسة وعشرون ألف قرش وفاء صكّ دينٍ عليه للأمير، ومنها مئة وخمسة وعشرون ألف قرش عوض ما ضبطه من مواشي الأمير، التي أودعها عنده حين سافر إلى البلاد الإفرنجيّة، ومن محصول بيروت وغزير والبلاد مدّة ثمانية أشهر، والنصف الثاني لوالي طرابلس عوض ما ضبطه عليه من أموال مقاطعات طرابلس. فارتضى بذلك وأرسل ولده الأمير بلك، وفي أثناء ذلك توجّه الأمير بمئة فارس إلى عكار، فأرسل الأمير محمد سيفا ووالدته بنت جانبلاط إلى حارة الناعمة، وأحرق بيوت عكار جميعها مع السرايا، وهدم دار يوسف باشا ودور أصحابه نظير إحراق حسين باشا سيفا حارات آل معن في دير القمر في زمن الحافظ، ورجع إلى الحصن وتسلّم قلعة جبيل، وقلعة سمر جبيل بالأمان، فأطلق مقدّميهم وفرّق رجالهم في عسكره، وكتب إلى ولده الأمير علي أن يهدم قلعة جبيل فهدمها، ووضع رجالاً في قلعة سمر جبيل، ولمّا تعذّر الفرار على يوسف باشا لكِبَر سنّه، أرسل يعرض على الأمير قبض المال الذي تعهّد به.

وفي غضون ذلك قَدِم وزير دمشق بعسكره إلى القُصَيْر، ونهض وزير

٤٧٠

حلب بعسكره إلى حماة، وأرسلا إلى والي طرابلس والأمير أن يرفعا الحصار عن يوسف باشا، فلم يُجيباهما إلى ذلك، بل شدّدا الحصار. فلمّا رأى الوزيران تصلّب والي طرابلس والأمير وقوّتهما، وأنّهما لا يقدران على مقاومتهما توسّطا الصلح وحكما على يوسف باشا بدفع مئة ألف قرش أُخرى لوالي طرابلس والأمير، وكتبها إليه أن يدفعها ليَد وكيلهما، فلمّا تحقّق يوسف باشا ضعف الوزيرين ؛ أحضر المال وسلّمه لولده الأمير حسين لدفعه للأمير، فلمّا دفعه تبارأوا.

ثمّ قال الأمير لعمر باشا فلنرسل هذا المبلغ مع المحصّل المقيم عندك ممّا علينا للدولة فارتضى، فدفعاه وكتبا معه كتباً وصرفاه إلى الدولة. فكتبت الدولة إلى الأمير جواباً تمدحه به.

ثمّ أرجع الأمير كلّ ما ضبطه ليوسف باشا وللشيخ مظفّر. ورجع بعسكره إلى البقيعة ومنها إلى طرابلس وكانت مدّة الحصار ثلاثين يوماً. فولاّه عمر باشا بلاد البترون وبلاد جبيل فدفع له المال سلفاً وأبقى عنده السكمان محافظين. وبعد أن ولّى على المقاطعتين بعض رجاله عاد إلى بيروت.

وأما يوسف باشا، فقد أرسل ولده الأمير حسناً إلى دمشق، يلتمس من واليها ووالي حلب أن يلتمسا له من الدولة ولاية طرابلس، وأرسل لوالي حلب عشرة آلاف قرش ولمدبّره ألفين، فالتمسا له ذلك، فأرسلت له الدولة ما طلب، وتوجّه إلى طرابلس، وفي أثناء ذلك سار الأمير إلى بلاد جبيل للصيد، فخاف أهل طرابلس وتحصّن بعضهم في القلعة والأبراج، ولمّا عاد إلى بيروت اطمأنّوا.

وفيها: قدم قبوجي باشي يطلب المال من يوسف باشا، فالتمس منه أن يكون وسيطاً بينه وبين الأمير، فيرد له حفيده الأمير محمد بن حسين باشا ووالدته بنت علي باشا جانبلاط ؛ فأرسل القبوجي الأمير موسى الكردي إلى بيروت، فسلّمه حفيد يوسف باشا ووالدته بنت علي باشا جانلاط ومَن كان معهما، فرجع بهم إلى طرابلس، ثمّ عاد إلى الأمير ومعه كتاب له أن يتسلّم بلاد جبيل والبترون مدّة أربع سنين.

سنة ١٦١٩ م:

وقعت في هذه السنة المراسلة بين الأمير وبين يوسف باشا، فأرسل ابن أخيه الأمير محمداً إلى صيدا، يلتمس من الأمير رجوع بلاد البترون

٤٧١

وجبيل له، وأنّه يضع ولده في غزير لجمع المال. فلمّا خاطبه الأمير محمد بذلك غضب جدّاً، وتهدّد الأمير محمداً ووبّخه على شكوى عمّه للدولة، ووعده بالزيادة للدولة على إيالة طرابلس مئة ضعف، ثمّ صرفه ووجّه مدبّره حالاً إلى إسلامبول بطلبها، وأرسل مع ولده الأمير علي مركبين موسوقي صابوناً ليبيعه المدبّر هناك، ويدفع ثمنه سلفاً على مطلوب ولاية طرابلس مضعفاً. فلمّا وصل المدبر عرض لعلي باشا الصدر الأعظم الجديد فأجابه ؛ فباع المدبّر الصابون، ودفع ثمنه لعلي باشا عن مال تلك السنة، واقترض المدبّر عشرة آلاف قرش وقدّمها لعلي باشا خدمةً، واقترض اثنين وأربعين ألف قرش وسلّمها لحسين باشا الجلال، فدفعها حسين باشا للصدر سلفاً عن إيالة طرابلس، فأنعم الصدر على المدبّر بولاية جبلة واللاذقيّة، وأخرج أوامر سلطانيّة بهدم قلاع يوسف باشا، وضبط أرزاقه وأرزاق أصحابه.

ورجع المدبّر إلى البلاد، ثمّ زاد يوسف باشا على إيالة طرابلس، فأرجعتها الدولة له.

وأمّا المدبّر فقدم إلى عكار، وطلب من يوسف باشا الصكّ الذي على الأمير، فوعده بإحضاره من إسلامبول، وأرسل الأمير موسى الكردي مع المدبّر بهذا الجواب للأمير، فلمّا عرض له الجواب ظنّه محاولة فقبض على الأمير موسى وسجنه في قلعة بيروت رهناً على قبض المال. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ أرسل خمسة عشر ألف قرش وحلياً رهناً على عشرة آلاف قرش، وطلب المهلة بالباقي، فكتب إليه الأمير صكّاً بما قبضه وأطلق الأمير موسى.

وفيها: أرسل يوسف باشا عسكراً مع ولده الأمير حسن لقتال ابن أخيه الأمير سليمان في بلاد صافيتا، أوّلاً لمحبّته الأمير، ثانياً لعدم أدائه المال المرتّب عليه. فلمّا وصل الأمير حسن إلى تل عبّاس ؛ فرّ الأمير سليمان وحده هارباً إلى بلاد جبلة نزلاً على مقدّم الكلبيّين من معاملة القدموس، وأرسل يستغيث بالأمير، فجمع الأمير رجال بلاده وتوجّه بهم إلى البترون.

فلمّا بلغ يوسف باشا قدومه، أمر ولده الأمير حسناً أن يجمع الرجال الذين معه في تل عبّاس ويستكن، وأرسل الأمير موسى الكردي إلى الأمير يعتذر له عن قتال ابن أخيه، أنّه إنّما كان توهيماً عليه لكي يؤدّي ما عليه من المال.

وأرسل مع الأمير موسى خلعة للأمير سليمان على مقاطعة صافيتا، فأرسلها إلى الأمير سليمان فتقبلها، ورجع إلى صافيتا. ولمّا سار

٤٧٢

الأمير من البترون بفرسانه إلى حدث بعلبك، ومنها إلى المجر في بلاد بعلبك، ثمّ إلى الهرمل، ومنها إلى معان ومنها إلى قرية شدرا في عكار، قَدِم إليه الأمير سليمان من صافيتا بالهدايا، وأخبره بما كان من عمّه، فاغتاط الأمير وأمر بحصار سكمان يوسف باشا في داره في عكار التي عمّرها بعد ما هدمها الأمير يوم حاصره.

فأرسل الشيخ أبا نادر الخازن مع الأمير سليمان إلى حصار أولئك السكمان، ونهض بالعسكر لمعونتهما، فحاصروا السكمان شهراً، ثمّ سلّموا طالبين الأمان، وساروا إلى طرابلس يخبرون يوسف باشا، فأمر الأمير بهدم كلّ ما جدّد يوسف باشا من الأبنية هناك، وأبقى الأمير سليمان ومعه خمسة بلكباشية في دار الأمير محمد، ثمّ رجع الأمير بمَن معه إلى بيروت وصرفهم سنة ١٦٢٠.

كتب الصدر الأعظم في هذه السنة كتاباً إلى الأمير صحبة قبوجي باشا، مضمونة الحوالة على يوسف باشا بتحصل ما عليه من الأموال السلطانيّة، فجمع الأمير جلا بلاده وقصد طرابلس، وأرسل يطلب منه الأموال، فأبى، فوضع ولده الأمير حسناً في القلعة والسكمان في الأبراج.

وتوجّه نحو جبلة، وكتب إلى الدولة يشكو الأمير بأن ليس مراده بحصار القلعة تحصيل المال، بل امتلاك القلعة، والتمس أمراً برفع حوالته عنه وهو يدفع ما عليه، وأرسل إلى ولده الأمير عمر، والأمير قاسم، وأقاربه أن يجمعوا العساكر في قرية البقيعة، فجمعوها وأرسلوها إلى جون عكار.

ثمّ وصل الأمير إلى برج البحصاص، وأقام فيه عشرة أيّام يراسل الأمير حسناً بدفع المال فأبى، ثمّ طلب منه أن يبيع بالوكالة عن أبيه جميع ما اشتراه من تركة الأمير محمد العساف في بيروت وانطلياس وحارة غزير وأملاكها، ويدفع المال الباقي عليه من الاثنين والأربعين ألف قرش التي دفعت في إسلامبول من مال بلاد جبيل والبترون، فأبى، وأرسل يخبر والده بذلك، فكتب له كتاباً يوكّله به ببيع ما ذكر، فكتب الأمير حسن صكّ البيع لدى القاضي والمفتي والأعيان بجميع أملاك آل سيفا المذكورة بخمسين ألف قرش، وأرسله إلى الأمير ؛ فأرسله الأمير إلى إسلامبول إلى قاضي عسكر، وأخذ يلحّ بطلب مال السلطان، فأبى يوسف باشا وولده الأمير حسن الأداء. واتّفق أن كان بعض فرسان الأمير يغسلون في يومٍ ثيابهم عند النهر، فخرج إليهم فرسان من الأبراج وخطفوا خيلهم، وأدّى ذلك إلى القتال فقُتل من كلّ فرقةٍ أربعة أنفار، فلمّا تحقّق

٤٧٣

الأمير ذلك العصيان، أمر مدبّره وطويل حسين أن يهجما على المدينة بثلاثمئة من السكمان فهجموا.

ولمّا وصلوا إلى القرب من باب المدينة، أطلقت عليهم سكمان الأبراج الرصاص، فقُتل منهم أربعة فرسان، فتسلّق أحد الفرسان الأبطال السور، ثمّ نزل إلى المدينة وتبعه تسعة من الفرسان مثله، فانهزم أولاد حمادة حافظو باب المدينة، وتحصّنوا في القلعة.

ثمّ انحدر عسكر الأمير، وكسروا الأقفال وفتحوا الباب، فدخل باقي السكمان وهجموا على دار حسين باشا سيفا بقرب القلعة، فأطلق مَن فيها عليهم الرصاص فقتل منهم قائداً وثلاثة أنفار، ثمّ دخل الأمير إلى المدينة واستدعى إليه الأمير سليمان سيفا والسكمان الذين كان قد أبقاهم عنده في عكار، وشرع يحاصر حسين باشا وأخوته في القلعة، واستدعى مركبين فرنساويين من صيدا فحضرا، فوضع فيهما خمسين رجلاً من السكمان ليمنعوا عن المدينة الوارد من الميرة.

وفي بعض الأيّام خرج سكمان يوسف باشا من الأبراج يرومون القتال، وتحصّنوا في الأتراس، فهجم عليهم سكمان الأمير بدون علمه، واضطرمت نار الحرب عند طرابلس العتيقة، فتقلقلت سكمان الأمير وكادوا يولّون الأدبار، وقتل منهم عشرة أنفار. ولمّا بلغ الأمير ذلك ؛ نهض حالاً بخمسين فارساً وشنّ الغارة، فلمّا أقبل على القوم جرّد سيفه وهجم بالفرسان هجمةً هائلةً وتبعه باقي السكمان لا يلوون على عنان. فلمّا أبصرتهم فرسان الأتراس ولّوا الأدبار نحو الأبراج، فسُدّت عليهم أبواب الهرب وأعمل في أقفيتهم السلاح فقُتل منهم نحو خمسين رجلاً وتشتّت الباقون.

أمّا الشيخ أبو نادر الخازن، فقد صادف أبا جمال الدين غبروش المعرابي الكسرواني صاحب يوسف باشا فقتله، ثمّ رجع الأمير بفرسانه إلى منزله. فلمّا بلغ الأمير محمد سيفا ذلك، أرسل من قرية سير ولده الأمير عليّاً إلى الأمير بهدايا.

وفي يومٍ حضر الأمير موسى الكردي إلى الأمير يلتمس منه أن يصالح يوسف باشا، ورجع إلى القلعة فأخبر حسين باشا أنّ الأمير فخر الدين يجلس في الإيوان، وعند المساء أمر حسين باشا أن يطلقوا المدافع على ذلك الإيوان، وعند المساء أمر حسين باشا أن يطلقوا المدافع على ذلك الإيوان، فأطلقوا عليه ثلاثة مدافع فانهدم جانب من الترس، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد في الإيوان، وبلغ الأمير ذلك ؛ فقال: إذا كان مرادهم هدم دارهم فأنا أولى بذلك، ومن الغد انتقل منها، وأمر بهدمها فهُدمت. وعند ذلك قدم كرد

٤٧٤

حمزة والحاج كيوان بمئة فارس من قِبَل سليمان باشا والي دمشق، لأجل توسّط الصلح، ورفْع الحصار عن طرابلس.

وكانت فرقة من عسكر الأمير في بركة البداوي، فقصدهم العسكر الذي في جون عكار.

واستعرت نار الحرب بين الفريقين. فلما بلغ عسكر الأمير ذلك تسابقوا لمساعدة أصحابهم دون ترتيب، فلمّا أقبلوا انهزم عسكر يوسف باشا خداعاً، وأكمن بعضهم، فتبعهم عسكر الأمير وعبروا النهر وهم يطردونهم، فثار القوم الكامنون بوجوههم، وأطلقوا عليهم الرصاص فانكسروا وولّوا هم وأصحابهم مدبرين، فلمّا بلغ الأمير وقوع الحرب، اندفع إليهم بباقي الفرسان، واندفق كالماء المنهمر، وسطا سطوة النمر. فلمّا عرفوه ولّوا الأدبار، مزدحمين على الفرار، وتوغّلوا في القفار، فجمع الأمير عسكره ورجع إلى المدينة، فقتل من عسكره نحو أربعين رجلاً، ومن عسكر يوسف باشا خمسة عشر رجلاً.

وفيما هم على هذه الحال قدم قبوجي باشا بخمسة مراكب، ومعه أوامر برفع الحصار عن طرابلس، وتحصيل المال من يوسف باشا، حسبما التمس من الدولة وخلعة للأمير. فلمّا أقبلت المراكب، خاف سكمان الأمير الذين في المركبين الفرنساويّين وفرّوا إلى المدينة، فقابل القبوجي الأمير وأعطاه الأمر السلطاني وألبسه الخلعة ؛ فامتثل الأمير الأمر السلطاني، وقال:

إنّ يوسف باشا لا يبالي بنقضه العهد معك، فمتى ارتفعنا عنه لا يدفع لك المال السلطاني، كما تعهّد لنا قبلاً ونقض، فخذ منه المال بحضورنا. فأجابه القبوجي أنّه تعهّد بدفع المال بعد ثلاثة أيّام من توجّهك، وأنت فلا جناح عليك اذهب بسلام. فأكرمه الأمير بألفين وخمسمئة قرش، ونهض بعسكره راجعاً إلى بيروت ومعه كرد حمزة والحاج كيوان، فأكرمهما بألفي قرش وجماعتهما بثلاثة آلاف قرش، فذهبا بهم إلى دمشق.

وأمّا يوسف باشا، فحاول القبوجي عن دفع المال مدّة طويلة.

وفي هذه السنة: أرسل السلطان مصطفى خليل باشا قبطان البحر بالمراكب، فوصل إلى صيدا، ثمّ توجّه بالمراكب إلى بيروت، ثمّ توجّه إلى طرابلس، فتوسّل إليه يوسف باشا بأن يكون وسيطاً بالصلح بينه وبين الأمير فخر الدين، وأنّه يسمح بإعطاء كريمته خطيبة ولده الأمير بلك، فأرسل الوزير يخاطب الأمير بذلك الشأن فأجابه، فأرسل يوسف باشا أخاه الأمير محمداً إلى صيدا ؛ فأعطاه الأمير كريمته الخطيبة، ورجع بها إلى طرابلس جَذِلاً.

٤٧٥

وفيها: أرسل عمر باشا متسلّماً إلى طرابلس، مصحوباً بكتاب إلى الأمير يطلب منه أن يكون مسعفاً متسلّمه إذا عارض يوسف باشا. ولمّا وصل المتسلّم إلى المدينة منعه يوسف باشا عن تنفيذ أوامره، فكتب المتسلّم إلى الأمير يخبره، وأرسل له كتاب عمر باشا، فلمّا وصل إليه جمع السكمان حالاً وأرسلهم إلى حارة غزير، وأمر بجمع رجال بلاده جميعها. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ جمع أقاربه والسكمان وخرج من المدينة إلى عكار، وأرسل ولده الأمير بلك إلى بيروت متظاهراً بالحرد من والده. ولمّا بلغ الأمير ذهاب يوسف باشا إلى عكار ؛ أرسل الشيخ أبا نادر الخازن برجال كسروان وبلاد جبيل وبلاد البترون إلى جبة بشرة، لطرد جماعة يوسف باشا وضبط المقاطعة. فلمّا وصل إلى بشرة انهزمت جماعة يوسف باشا منها، ودخل البرد وعرض إلى الأمير، فولّى أخاه الشيخ أبا صافي على تلك المقاطعة، فأقام في ذلك البرّ برجاله سنة ١٦٢٢.

في هذه السنة: عُزل باشا عن طرابلس، وتولّى مكانه عمر باشا، فكتب إلى الأمير طلب منه المساعدة حسب أمير الدولة بتحصيل المال الباقي على يوسف باشا، فأجابه وأرسل إليه مملوكه سرور آغا والي كسروان، يسأله كيف يريد، فأنعم على الأمير بولاية جبيل والبترون وبشرة والضنية وعكار، بشرط أن يدفع له سلفاً عشرة آلاف قرش ؛ فأرسل له ذلك مع أربعة آلاف قرش خدمةً، وألف قرش لأحد خواصّه، وحالاً جمع السكمان ورجال بلاده عامّةً، وكتب إلى الأمير محمد الشهابي أن يوافيه برجاله، وسار إلى طرابلس، فلمّا أقبل على المدينة لقيه عمر باشا وقاضي المدنية وأعيانها إلى برج البحصاص بموكبٍ عظيمٍ ودخلوا المدنية.

وفي اليوم الثاني دعاه عمر باشا للوليمة، ودعا معه جميع الأعيان، وخلع عليه وعلى الأمير محمد الشهابي والأمير بلك بن يوسف باشا، وعلى جميع المناصب.

وفي اليوم الثالث خرج الأمير إلى بِرْكة السمك وأقام بها، وحينئذٍ قدم قبوجي ومعه أمر بتقرير يوسف باشا على طرابلس.

سنة ١٦٢٣:

جرت في هذه السنة حوادث بين الأمير فخر الدين ووالي الشام، انتهت بانتصار الأمير وبانهزام من كان في جيش الوالي من أُمراء الحرافشة، وهو الأمير يونس ومن أمراء آل سيفا الأمير عمر وكرد حمزة

٤٧٦

وباسر الوالي.

وقد لخّصنا ذلك فيما نقلناه عن تاريخ الأمير حيدر، فلا نعيده.

ثمّ انتهت الحال بالتصافي بين الوزير والأمير، وإنعام الوزير عليه بأعمال ومقاطعات وعلى ولده وأخوه.

ولمّا رجع الأمير وولده الأمير علي، قَدِم الأمير بلك بن يوسف باشا فاستقبلاه بالإعزاز، وخلع الأمير عليه الخلعة التي خلعها الوزير عليه، وأكرم الأمير علي بخلعته على الأمير سليمان سيفا.

وبلغه وهو في جهات بعلبك: أنّ حسن باشا سيفا زوج ابنته توفّي في طرابلس، فأرسل إلى يوسف باشا رسولاً يطلب منه أن يُرجع له ابنته.

وفيها: قَدِم من إسلامبول قبوجي باشي ومعه خلعة، وأمر بتقرير الأمير على ولايته كما كان، وأمر بطلب مال الإرساليّة، وبتحصيل المال الباقي عند يوسف باشا، فأكرمه الأمر بخمسمئة قرش، قائلاً: متى حصلت من يوسف باشا أؤدّي لك مال الإرساليّة، فانطلق القبوجي إلى طرابلس.

وفيها: قَدِم عمر باشا إلى طرابلس والياً، فمنعه يوسف باشا عن الدخول إليها، فأتى إلى البترون. فلمّا بلغ الأمير ذلك توجّه بخمسين فارساً إلى البترون، ولمّا قابل عمر باشا، أعطى الأمير أمراً من الدولة بأن يكون مساعداً عمر باشا على يوسف باشا. فلمّا بلغ يوسف باشا قُدوم الأمير ؛ أرسل يلتمس منه عدم مساعدة عمر باشا، وأنّه كتب إلى الدولة يرجو تقرير المنصب عليه، ووعده بإرسال الاثني عشر ألف قرش، التي تمّ عليها الرضى بزواج بنت الأمير للأمير عمر، فأذعن له الأمير وأتى إلى غزير، ثمّ إلى بيروت.

ثمّ في هذه السنة: كتب إلى رؤساء عسكر دمشق أن يرسلوا خمسمئة فارس لمساعدة عمر باشا بحسب الأمر السلطاني، فأجابوه أنّ مصطفى باشا حضر له تقرير على إيالة دمشق فرجع إليها فلا يمكنهم إرسال الفرسان.

وعزم الأمير على النهوض إلى طرابلس ليسلِّمها لعمر باشا، فنبّه على العسكر بالقيام. وحينئذٍ وصل جماعةٌ من قِبَل يوسف باشا، وأخبروا الأمير أنّ ثلاثة من خواصّ الوزير قادمون ومعهم المال الذي انعقد عليه الصلح.

٤٧٧

فحضر رؤساء العساكر إلى الأمير يلتمسون منه أن لا يقوم بالعسكر صباحاً إلى أن يصل أولئك المرسلون، فارتضى، وعند الصباح وصلت الرسل ودفعوا له الاثني عشر ألف قرش مهر ابنته التي تعهّد بها يوسف باشا، والتمسوا منه أن لا ينهض بالعسكر إلى طرابلس، فلم يرتض منهم ما لم يدفعوا له خمسة عشر ألف قرش نفقة العساكر، فتعهّدوا له بها إلى أجلٍ معلومٍ وحرّروا بها صكّاً ؛ فخلع على كبيرهم، وأكرم مَن معه، وكتب إلى أحد خواصّه أن يتوجّه من بعلبك إلى طرابلس ليقبض المال من يوسف باشا، ويجري عقد بنت الأمير على الأمير عمر سيفا.

وفيها حضر إلى الأمير من إسلامبول أوامر بطلب مال الإرساليّة، أمّا عمر باشا، فطلب من الأمير أن يتوجّه معه من بيروت إلى طرابلس، ليسلّمه إيّاها، ووهبه الخمسين ألف قرش التي له في ذمّة يوسف باشا لينفق منها على العسكر، وسلّمه صكّها الذي سلّمه إيّاه يوسف باشا حين كان محاصراً إيّاه في قلعة الحصن، وأمر الدولة بحصوله فأرسل الأمير ليوسف باشا صورة ذلك الصكّ، وأمر الدولة بحصوله، طالباً منه المال فأجابه طالباً مهلة نصف شهر إلى أن يأتيه جواب الدولة بتقرير المنصب عليه، وإلاّ فيسلّم طرابلس لعمر باشا.

ثمّ حضر لعمر باشا تقرير على طرابلس، فطلب من الأمير المعونة على تسليم إيالة طرابلس، فأحضر الأمير السكمان من صيدا واستدعى أخاه الأمير يونس أن يحضر برجال الشوف إلى بيروت، وجمع الأمير رجال الغرب والجرد والمتن وكسروان ونهض بالجميع مع عمر باشا إلى نهر إبراهيم، ثمّ إلى البترون.

وفي اليوم الثاني وفدت الأخبار بتقرير إيالة طرابلس على يوسف باشا. فلمّا تحقّق الأمير ذلك رجع بالعسكر إلى بيروت.

سنة ١٦٢٤:

في هذه السنة: تعهّد مدبّر الأمير للدولة بدفع مئتي ألف ذهب من مولاه الأمير، فأنعم السلطان على الأمير بولايات عرب استان من حدود حلب إلى حدود القدس، ولقّبه سلطان البرّ على هذه المعاملات.

ولمّا تمّ له هذا الأمر، أمر بجمع السكمان الذين عنده، وعند ولده فحضروا، وكانوا تسعة آلاف نفر، وجمع خمسة آلاف مقاتل من أبناء العرب، وزحف بهم من بيروت إلى نهر إبراهيم، ثمّ نهض إلى البترون ومنها إلى جبل عكار، وأرسل إلى يوسف باشا يطلب منه الخمسين ألف قرش

٤٧٨

التي أحاله بها عمر باشا بموجب الصكّ الذي كتبه عليه يوسف باشا، فأداها له حالاً.

ولم تطل سنة ١٦٣٣ حتّى تنكّرت الأحوال بالأمير فخر الدين، فقاد الكجك أحمد باشا الحافظ العساكر العثمانية إلى محاربته بأمر خليل باشا، الصدر الأعظم ؛ لأنّه بلغ السلطان مراد أحمد ما عزم عليه الأمير من تقليد السلطنة.

وورد له شكوى من دولة حلب: أنّ الأمير فخر الدين بنى قلعتين عند حلب وانطاكية، فنخشى بأن يوقع بنا ضرراً بسببهما. وتقدّم عليه شكوى أُخرى: أنّه قبلاً نهب طرابلس وأغلب القرى الشامية.

أمّا الكجك فقَدِم إلى دمشق أوّل فصل الشتاء، وأخذ يجمع العساكر من حدود بلاد الروم إلى خان سعسع، وأرسل يدعو المناصب إليه، فاستدعى الأمير عليّاً اليمني، والأمير حسين سيفا، والأمير محمد الحرفوش، وأخاه الأمير حسيناً، وولَّى كلاً منهم على بلاده.

ووقعت بين الأمير وعساكر الكجك حروبٌ انتهت بقتل الأمير علي ابن الأمير فخر الدين، وبفرار الأمير فخر الدين إلى قلعة شقيف بترون قرب نيحا، وتحصّنه فيها بأولاده ونسائه وجواريه وبعض مدبّريه ورجاله، ثمّ بمحاصرة الكجك له وقبضه عليه وإرساله مع أولاده الأمراء: منصور وحيدر وبلك إلى إسلامبول.

سنة ١٦٣٥:

فيها ارتحل الأمير عساف سيفا إلى جبيل، واتّفق مع جماعة الأمير ملحم المعين على محاربة الأمير علي سيفا، فطردوا اليمنيّة إلى بلاد الكلبيّة، ورجع الأمير ملحم إلى الشوف.

سنة ١٦٥٠:

في هذه السنة: ولّى عمر باشا والي طرابلس على بلاد البترون الأمير ملحماً.

وسنة ١٦٥١ أرسل حسن باشا والي طرابلس إلى بلاد عكار رجلاً يُقال له حسن آغا، وكتب إلى الأمير ملحم أن يأمره بجباية أموالها.

وسنة ١٦٥٨: ولّى محمد آغا الطباخ والي طرابلس المقدّم فارس بن مراد اللمعي جبة بشرة، والمقدّم علي بن الشاعر البترون، وأمرهما أن يكونا تحت يد الأمير ملحم المعني.

٤٧٩

سنة ١٦٦٠:

كتب أحمد باشا الكبرلي والي دمشق إلى الأمير أحمد وأخيه الأمير قرقماس، يطلب منهما إحضار الأُمراء الشهابيّين لظنّه أنّهم نزلوا عندهما، فأجاباه أنّ الأُمراء المذكورين لم ينزلوا بلادهما، وأنّهما انتقلا من بعقلين إلى عين زحلتا بنحو سبعة آلاف نفس، فكتب إليهما ثانيةً طلب منهما أربعمئة ألف قرش نفقة العساكر، وإلاّ فيطأ ديارهما بعساكره ويخرّبها. فخضعا لذلك وتعهّدا له بأداء مئتين وخمسين ألف قرش منجّمةً على أربعة أشهر، ووضعا عنده رهناً على ذلك الأمير قاسماً الأرسلاني أمير الشويفات، وشرف الدين مقدّم حمانا، فارتضى ونهض راجعاً إلى دمشق.

وأمّا الأميران، فبعد أن تعهّدا للكبرلي تقاعدا عن الأداء، ثمّ بلغه أنّ الأُمراء الشهابيّين عند الأميرين المذكورين، فنهض من دمشق ثانيةً إلى قب الياس، فقَدِم إليه والي غزّة، ووالي طرابلس، وغيرهما من الأُمراء. واشتدّت قوّته فنهض الأمير أحمد، والأمير قرقماس، والأُمراء الشهابيّون إلى كسروان، واجتمعوا عند المشايخ الحمادية، وصمّموا على تفريق رجالهم والفرار من وجه الكبرلي، وعزموا على الاختفاء في تلك الديار. ولما بلغه أنّ الأمراء المعنيّين والشهابيّين مختفون في كسروان ؛ وجّه إليهم خمسة آلاف من عسكره، ومعهم جماعة من اليمنيّة لأجل الفحص عنهم، وكتب إلى قبلان باشا والي طرابلس أن ينهض إليهم بذلك السبب فنهض.

ولمّا بلغ الأُمراء ذلك فرّ الأميران الشهابيّان إلى الجبل الأعلى عند حلب، وأمّا العساكر فطفقوا يجولون في بلاد جبيل وكسروان، ويدهمون المواضع التي يظنّ أنّ الأمراء مختبئون فيها، وأحرقوا دور اللمعيّين والخوازنة والحمادية والمعنية ومدبّريهم، وقطعوا أشجارهم وعاثوا في تلك الديار وأخربوها.

سنة ١٦٧٥:

في هذه السنة: صدر الأمر السلطاني بقصاص الحمادية لعدم دفعهم المال الأميري، فكتب الوزراء إلى الأمير (أحمد المعني) أن يسلّمهم العصاة، وكتب إليه إسماعيل باشا والي صيدا كتاب الأمان، فاجتمع وجوه البلاد في دير القمر، وكتبوا إلى إسماعيل باشا: أنّ الأمير أحمد يكفل العشرة الآلاف قرش الباقية عند الحمادية، بشرط أنّ حسن باشا والي طرابلس يطلق لهم رهائنهم، فارتضى وانفضّت العساكر.

٤٨٠

481

482

483

484

485

486