مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة الجزء ٦

مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة8%

مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة مؤلف:
الناشر: سپهر أنديشه
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 460

الجزء ٦
  • البداية
  • السابق
  • 460 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 247339 / تحميل: 9490
الحجم الحجم الحجم
مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة

مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة الجزء ٦

مؤلف:
الناشر: سپهر أنديشه
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

وبعد قتل عثمان تستّر بقميصه، وبه رسّخ أركان حُكمه وحكومة أُسرته، وبثّ الفتنة في أوساط المجتمع الإسلامي، وحمل راية الشقاق والخلاف ضدّ خليفة المسلمين الشرعي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال في الخُطط: ( اغتنم معاوية هذه الفرصة السانحة في مقتل عثمان؛ ليعيد الأمر إلى بني أُميّة ويُصبحوا أُمراء في الإسلام!.. وكان النعمان بن بشير أتاه إلى دمشق بقميص عثمان الذي قُتل فيه مُخضّباً بدمه، وبأصابع نائلة زوجته، فوضع القميص على منبر دمشق، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع مُعلّقة في أردانه، وتعاهد الرجال من أهل الشام على قتل قتلة عثمان ومَن عرض دونهم بشيء أو تُفنى أرواحهم، وكان ستّون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان.. وكان عمرو بن العاص - لما نشب الناس في أمر عثمان - في ضيعة له بالسبع من حيّز فلسطين قد اعتزل الفتنة! فاستدعاه معاوية يسترشد برأيه، ووعده بمُلك مصر إن هو ظفر بعليّ، فارتأى عمرو أن يجلب معاوية شرحبيل بن السمط الكنديّ رأس أهل الشام، فسار هذا يستقري مدنها مدينةً مدينةً، يُحرّض الناس على الأخذ بدم عثمان، فأجابه الناس كلّهم إلاّ نفراً من أهل حمص نُسَّاكاً، فإنّهم قالوا: نلزم بيوتنا ومساجدنا وأنتم أعلم منّا... )(١) .

ومن هنا انطلقت شرارة حرب صِفِّين، ولا مجال لذكر تفاصيلها الآن.

إسلام أُمويّ وحكم دمويّ!

هنا إسلام أُمويّ ينطق بمنطق القهر والقوّة، برهانه السلاح، ودليله قمع كلّ مَن يقوم بالكفاح، يُنفّذه أرباب السلطة والسيف، ويُزيِّنه البائعون دينهم بدنياهم، المشترون سخط الخالق برضى المخلوق.

____________________

(١) خُطط الشام ١/ ١٠٥.

٢١

ترى مظاهر الإسلام من الصلاة والصوم والحجّ و..، لكنّها قشر بلا لُبٍّ، وجسد بلا روح؛ فالطليق ابن الطليق يدّعي الخلافة الإسلامية، ولا يعرف الناس حقّ عليّعليه‌السلام حتى تشتبه المسألة على العامّة ويتأوّه أمير المؤمنينعليه‌السلام بهذه الكلمات:

( فيا عجباً للدهر! إذ صِرتُ يُقرن بي مَن لم يسعَ بقدمي، ولم تكن له كسابقتي التي لا يُدلي أحدٌ بمثلها... )(١) .

وللمال دوره الهامّ في تثبيت ما يُريده الحُكّام؛ فلقد بثّوه ووزّعوه على أوساط الضعفاء والمحبّين لحلاوة الدُّنيا، الناسين مرارة حساب العُقبى، فأصبحوا ساكتين صامتين، كأن لم يحصل شيء ولم يحدث أيّ أمر!

( خَطَبَ معاوية يوماً بمسجد دمشق، وفي الجامع يومئذٍ من الوفود علماء قريش وخطباء ربيعة ومدارهها، وصناديد اليمن وملوكها، فقال معاوية: إنّ الله تعالى أكرم خلفاءه فأوجب لهم الجنّة، فأنقذهم من النار، ثمّ جعلني منهم! وجعل أنصاري أهل الشام، الذابّين عن حرم الله! المؤيَّدين بظفر الله! المنصورين على أعداء الله!!...

وفي الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان، فقال الأحنف لصعصعة: (أتكفيني أم أقوم أنا إليه؟ (فقال صعصعة:) بل أكفيكه أنا )، ثمّ قام صعصعة فقال: يا بن أبي سفيان، تكلّمت فأبلغت ولم تُقصِّر دون ما أردت، وكيف يكون ما تقول وقد غَلَبْتنا قسراً وملكتنا تجبُّراً ودِنتنا بغير الحقّ، واستوليت بأسباب الفضل علينا؟!

فأمّا إطراؤك أهل الشام، فما رأيت أطوع لمخلوق وأعصى لخالق منهم! قوم ابتعتَ منهم دينهم وأبدانهم بالمال، فإن أعطيتهم حاموا عنك ونصروك! وإن

____________________

(١) نهج البلاغة، كتاب ٩.

٢٢

منعتهم قعدوا عنك ورفضوك... )(١) .

وأكثروا وضع الأحاديث في فضل الشام، حتّى كأن ليس لله تعالى بشيء من الأرض حاجة إلاّ بها - كما قال محمد الصغاني(٢) - ونشروا لزوم اتّباع كلّ أمير وحُرمة الخروج عليه، ودعوا إلى الصلاة خلف كلّ إمام، برّاً كان أو فاجراً، وبثّوا فضل الغزو في البحر، وتركوا الواقع الثابت، وصار حُبّ عليّ وآله أكبر جُرم لا يُغتفر، وسبُّه على المنابر يجهر(٣) .

نعم، إنّ معاوية تمكّن من بسط حُكمه الجائر، بفضل المال الوافر، وحدّة سيفه الشاهر، وقتله الأفاضل من الصحابة والتابعين الأكابر، مثل عمرو بن الحمق، وحجر بن عديّ وأصحابه، كما احتجّ به الإمام الحسينعليه‌السلام في ضمن رسالته التي أرسلها إلى معاوية:

( ألستَ قاتل حجر بن عديّ أخي كندة وأصحابه الصالحين العابدين، كانوا يُنكرون الظلم ويستعظمون المنكر والبِدَع، ويؤثرون حُكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما كنتَ أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكَّدة، لا تأخذهم بحدَث كان بينك وبينهم، ولا بإحنةٍ تجدها في صدرك عليهم؟!

أوَ لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفّرت لونه ونحّلت جسمه بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله عزّ وجل

____________________

(١) الأمالي للشيخ الطوسي، ٥، ح٤، المجلس الأوّل.

(٢) دائرة المعارف ١٠/ ٣٩٤.

(٣) للمزيد من معرفة الوثائق والتفاصيل حول هذا الموضوع راجع الجزء الأول من هذه الموسوعة: الإمام الحسينعليه‌السلام في المدينة المنوّرة، تأليف: علي الشاوي، ص١١٦ - ١٢٨.

٢٣

وميثاقه ما لو أعطيته العُصْم ففهمته لنزلت إليك من شغف الجبال، ثمّ قتلته جرأة على الله عزّ وجلّ، واستخفافاً بذلك العهد؟! ...

أوَ لست صاحب الحضرميّين، الذين كتب إليك فيهم ابن سميّة: أنّهم على دين عليّ ورأيه. فكتبت إليه: اقتل كلَّ مَن كان على دين عليّ ورأيه. فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ - والله - وابن عليّ الذي كان يضرب عليه أباك... )(١) .

فبمنطق القوّة أخذ معاوية البيعة لولَده يزيد، كما اعترف بذلك الجميع، ومنهم صاحب خُطط الشام بقوله:

( أوعز معاوية سرّاً إلى ولاة الأمصار، أن يوفِدوا الوفود إليه يُزيّنون له إعطاء العهد لابنه يزيد، حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعوه، والسيوف مسلولة - فيما قيل - على رقاب الصحابة في مسجد الرسول، وبذلك أخرج معاوية الخلافة عن أصولها، وجعلها كالملك يورِّثها الأب ابنه أو مَن يراه أهلاً لها من خاصّته، أو كسرويّة أو قيصريّة، على سنّة كسرى وقيصر كما قالوا )(٢) .

ذكر علماء السِّيَر، عن الحسن البصريّ أنّه قال: ( قد كانت في معاوية هنات لو لقي أهل الأرض ببعضها لكفاهم: وثُوبه على هذا الأمر واقتطاعه من غير مشورة من المسلمين، وادّعاؤه زياداً، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه، وبتوليته مثل يزيد على الناس )(٣) .

____________________

(١) الاحتجاج للطبرسي ٢/ ٩٠ - ٩١.

(٢) خُطط الشام ١/ ١٠٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٨٦.

٢٤

مَن هو يزيد؟

هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وأُمّه ميسون بنت بجدل بن دلجة بن قنافة أحد بني حارثة بن جناب.

ولِد سنة ٢٥هـ، وكان آدم جعداً مهضوماً أحور العين، بوجهه آثار جدريّ، حسن اللحية خفيفها(١) .

لهوه:

قال البلاذريّ: ( المدائني والهيثم وغيرهما قالوا: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويُكنّيه أبا قيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل، أصاب خطيئة فمُسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع! وكان يحمله على أتان وحشيّة ويُرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يوماً وجعل يقول:

تمسَّك أبا قيس بفضل عنانها

فليس عليها إن هلكت ضمان

فقد سبقت خيل الجماعة كلَّها

وخيل أمير المؤمنين أتان

قال المسعودي: وكان على أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مُشمّر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش مُلمع بأنواع الألوان.

قالوا: وكان يزيد همّ بالحجّ ثمّ إتيان اليمن، فقال رجل من تنوخ:

يزيد صديق القرد ملَّ جوارنا

فحنَّ إلى أرض القرود يزيد

فتبّاً لمن أمسى علينا خليفة

صحابته الأدنون منه قرود )(٢)

وروى الباعوني نحوه عن الفوطي في تاريخه، وفيه: أنّ يزيد كان يسقي قرده

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٢٤. ونحوه في: الجوهر الثمين: ٨٠؛ التنبيه والإشراف: ٢٦٤.

(٢) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠٠.

٢٥

فضل كأسه، وفيه أيضاً: وجاء يوماً سابقاً فطرحته الريح فمات، فحزن عليه حزناً شديداً، وأمر بتكفينه ودفنه، وأمر أهل الشام أن يُعزّوه فيه! وأنشأ يقول:

كمْ قوم كـرام ذو مـحافظة

إلاّ أتـانا يُـعزّي فـي أبـي قيس

شـيخ الـعشيرة أمـضاها وأجملها

إلى المساعي على الترقوس والريس

لا يُـبعد الله قـبراً أنـت سـاكنه

فـيه جـمال وفيه لحية التيس(١)

فسقه:

قال ابن الصبان: ( وأمّا فسقه فقد أجمعوا عليه )(٢) .

روى السيّد ابن طاووس، عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال:( لما أتوا برأس الحسين عليه‌السلام إلى يزيد لعنه الله كان يتّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين عليه‌السلام ويضعه بين يديه ويشرب عليه ) (٣) .

وفي التنبيه والإشراف: ( كان (يزيد) يُبادر بلذَّته، ويُجاهر بمعصيته، ويستحسن خطأه، ويهوّن الأمور على نفسه في دينه إذا صحّت له دنياه )(٤) .

وعن المدائني: كان يزيد يُنادم على الشراب سرجون مولى معاوية، وليزيد شعر منه قوله:

ولها بالماطرون إذا

أكل النمل الذي جمعا

منزل حتّى إذا ارتبعت

سكنت من جلّق بيعا

في جنان ثَمّ مؤنقة

حولها الزيتون قد ينعا(٥)

____________________

(١) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٣.

(٢) إسعاف الراغبين: ١٩٣.

(٣) الملهوف: ٢٢٠.

(٤) التنبيه والإشراف: ٢٦٤.

(٥) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠١.

٢٦

وقال المسعوديّ: ( وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، من شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، ولعن الوصيّ، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق، والفجور... )(١) .

وقال الكيا الهراسي في شأنه: ( لو مُددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل... كيف لا وهو اللاّعب بالنرد والمتصيّد بالفهود ومُدمن الخمر؟!... )(٢) .

وقال الذهبي: ( كان ناصبيّاً فظّاً، يتناول المسكر ويفعل المنكر... )(٣) .

وقال أبو علي مسكويه الرازي: ( وظهر في المدينة، أنّ يزيد بن معاوية يشرب الخمر حتّى يترك الصلاة، وصحّ عندهم ذلك، وصحّ غيره ممّا يُشبهه، فجعلوا يجتمعون لذلك حتّى خلعوه وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل )(٤) .

وعن ابن حجر: ( أنّ يزيد قد بلغ من قبايح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً، لا يُستكثَر عليه صدور تلك القبائح منه )(٥) .

قال المسعودي: ( ولما شمل الناس جورُ يزيد وعمّاله، وعمّهم ظلمه وما ظهر من فسقه، من قتله ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيّته، وأنصف منه لخاصّته وعامّته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم، وهو عثمان بن محمّد بن أبي سفيان، ومروان بن الحَكم، وسائر بني أُميّة )(٦) .

____________________

(١) مروج الذهب ٣/ ٧٢.

(٢) هامش تاريخ نيسابور: ٥٩٨ في ترجمته.

(٣) شذرات الذهب ١/٦٨.

(٤) تجارب الأُمم ٢/ ٧٦

(٥) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٨ عن شرح الهمزية لابن حجر.

(٦) مروج الذهب ٣/ ٦٨.

٢٧

وقال المنذر بن الزبير - لما قدم المدينة -: ( إنّ يزيد قد أجازني بمئة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن أُخبركم خبره، والله، إنّه ليشرب الخمر، والله، إنّه ليسكر حتّى يدَع الصلاة )(١) .

قال اب ن حجر: ( وعلى القول: بأنّه مُسلم. فهو فاسق شرّير سكّير جائر، كما أخبر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

وذكر البلاذري في أنساب الأشراف: ( وذكر لي شيخ من أهل الشام: أنّ سبب وفاة يزيد، أنّه حمل قرده على الأتان وهو سكران، ثمّ ركض خلفها فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء )(٣) .

كتب الأستاذ عبّاس محمود العقّاد: ( الروايات لم تُجمِع على شيء كإجماعها على إدمانه الخمر، وشغفه باللذّات، وتوانيه عن العظائم.. وقد مات بذات الجنب وهو لما يتجاوز السابعة والثلاثين، ولعلّها إصابة الكبد من إدمان الشراب، والإفراط في اللذات، ولا يُعقل أن يكون هذا كلّه اختلاقاً واختراعاً من الأعداء؛ لأنّ الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، وهما بغيضان أشدّ البغض إلى أعداء الأُمويّين..؛ ولأنّ الذين حاولوا ستره من خدّام دولته لم يُحاولوا الثناء على مناقب فيه تحلّ عندهم محلّ مساوئه وعيوبه، كأنّ الاجتراء على مثل هذا الثناء من وراء الحسبان، ولم يكن هذا التخلّف في يزيد من هزال في البُنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري أحياناً بقايا السلالات التي تهمُّ بالانقراض والدثور، ولكنّه كان هزالاً في الأخلاق وسقماً في الطويّة.. قعد به العظائم مع

____________________

(١) الغدير ١٠/ ٢٥٦ عن كامل ابن الأثير ٤/ ٤٥، وتاريخ ابن كثير ٨/ ٢١٦.

(٢) الصواعق المحرقة: ٣٣٠.

(٣) أنساب الأشراف ٥/ ٣٠٠.

٢٨

وثوق بنيانه، وضخامة جثمانه، واتّصافه ببعض الصفات الجسدية التي تزيد في وجاهة الأُمراء، كالوسامة وارتفاع القامة، وقد أُصيب في صباه بمرض خطير - وهو الجدريّ - بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره، ولكنّه مرض كان يشيع في البادية، ولم يكن من دأبه أن يقعد بكلّ مَن أُصيب به عن الطموح والكفاح )(١) .

كفره:

(الارتداد هو الكفر بعد الإسلام، ويتحقّق بالبيّنة، وبالإقرار على النفس بالخروج من الإسلام، أو ببعض أنواع الكفر - وبكلّ فعل دالّ صريحاً على الاستهزاء بالدِّين والاستهانة به ورفع اليد عنه - وبالقول الدالّ صريحاً على جحد ما عُلم ثبوته من الدِّين ضرورة أو على اعتقاده ما يحرم اعتقاده بالضرورة من الدِّين... )(٢) .

إذا حكمنا بظاهر الإسلام في حقّ أبي سفيان ومعاوية بعد فتح مكّة - وإن كان للتوقّف في ذلك مجال واسع، تؤيّده الشواهد التاريخية في حياتهما السوداء - فإنّنا نحكم بارتداد يزيد عنه؛ وذلك استناداً إلى أشعاره التي أفصح بها عن الإلحاد، وأبان عن خبث ضميره وعدم الاعتقاد، وفيها:

لـعبتْ هـاشم بـالملك فلا

خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نزل

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً

ولـقالوا يـا يـزيد لا تُشل

فـجـزيناهم بـبدرٍ مـثلها

وأقـمنا مـثل بـدرٍ فاعتدل

____________________

(١) أبو الشهداء الحسين بن علي: ٦٨.

(٢) أُنظر جواهر الكلام ٤١/ ٦٠٠ - ٦٠١.

٢٩

لستُ من خِندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل(١)

وفيها:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرفت

تلك الرؤوس على رُبى جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني(٢)

ما قالته زينب الكبرى:

وأوّل مَن استند إلى أشعاره وأثبت كفره - في مجلسه وأمامه - هي العقيلة زينب الكبرى، بنت الإمام أمير المؤمنينعليهما‌السلام التي وصفها الإمام زين العابدينعليه‌السلام : بأنّها(... عالمة غير مُعلَّمة... ) (٣) . فإنّها قالت ليزيد: ( أنسِيتَ قول الله عزّ وجلّ:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (٤) .. ولا غرو منك ولا عجب من فعلك، وأنّى يُرتجى الخير ممّن لفظ فوه أكباد الشهداء! ونبت لحمه بدماء الشهداء! ونبت لحمه بدماء السعداء! ونصب الحرب لسيّد الأنبياء! وجمعَ الأحزاب! وشهرَ الحراب! وهزّ السيوف في وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! أشدّ العرب لله جحوداً! وأنكرهم لرسوله! وأظهرهم له عدواناً وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً! ألا إنّها نتيجة خِلال الكفر! وضبّ يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر! فلا يستبطئ في بغضنا أهلَ البيت مَن كان نظره إلينا شنفاً وشنآناً وإحناً وأضغاناً! يُظهر كفره برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! ويُفصح ذلك بلسانك وهو يقول - فرحاً بقتل ولده وسبي ذرّيته - غير متحوّب ولا مُستعظم، يهتف بأشياخه:

____________________

(١) يأتي الكلام حول أشعاره وتمثُّله بأبيات ابن الزبعرى مُفصّلاً.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٠.

(٣) العوالم ١٧/ ٣٧٠.

(٤) آل عمران: ١٧٨.

٣٠

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ولقالوا يا يزيد لا تُشل

مُنتحياً على ثنايا أبي عبد الله - وكان مُقبَّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - ينكتها بمِخصرته، وقد التمع السرور بوجهه، لعَمْرِي، لقد نكأتَ القرحة، واستأصلتَ الشأفة، بإراقتك دمَ سيّد شباب أهل الجنّة، وابن يعسوب العرب وشمس آل عبد المطّلب، وهتفتَ بأشياخك، وتقرّبتَ بدمه إلى الكفرة من أسلافك... )(١) .

ما قاله بعض الصحابة:

واستند إلى تلك الأبيات بعض الصحابة، وأثبت ارتداد يزيد بتمثّله لها.

ذكر ابن عبد ربّه: ( بعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما أُلقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الزبعرى يوم أُحُد: ليت أشياخي... الأبيات.

فقال له رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ارتددت عن الإسلام - يا أمير المؤمنين -؟ قال: ( بلى، نستغفر الله )، قال: ( والله، لا ساكنتك أرضاً أبداً ). وخرج عنه )(٢) .

أقوال العلماء في كفره:

صرّح كثير من العلماء والمؤرِّخين، وأرباب الفكر بكفر يزيد بن معاوية، نكتفي بذكر بعضهم:

رأي الإمام أحمد بن حنبل:

قال الشبراوي: ( قال العلاّمة ابن حجر في شرح الهمزية: إنّ يزيد قد بلغ من قبائح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً، لا يُستكثَر عليه صدور تلك القبائح منه، بل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به علماً وورعاً يقضيان، بأنّه لم يقل ذلك إلاّ لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك ثبتت

____________________

(١) الاحتجاج ٢/ ١٢٤ - عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٨.

(٢) العقد الفريد ٥/ ١٣٩.

٣١

عنده )(١) .

رأي ابن القفطي:

قال الباعوني: ( وذكر ابن القفطي في تأريخه قال: إنّ السبي لما ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقّيه، فلقي الأطفال والنساء من ذرّية علي والحسن والحسين، والرؤوس على أسنّة الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة العقاب، فلما رآهم أنشد:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرقت

تلك الرؤوس على رُبى جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني بذلك: أنّه قتل الحسين بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، مثل عُتبة جدّه ومَن مضى من أسلافه، وقائل مثل هذا بريء من الإسلام، ولا يُشكّ في كفره )(٢) .

رأي الباعوني:

قال: وما أظنّ أنّ مَن استحلّ ذلك ( قتل الحسينعليه‌السلام )، وسلك مع أهل النبيّ هذه المسالك شمّ ريحة الإسلام، ولا آمن بمحمّد عليه الصلاة والسلام، ولا خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولا آمن طرفة [عين] بربّه، والقيامة تجمعهم وإلى ربّهم مرجعهم.

ستعلم ليلى أيّ دين تداينت

وأيّ غريمٍ في التقاضي غريمها(٣)

رأي ابن عقيل:

ذكر سبط ابن الجوزيّ، عن ابن عقيل أنّه قال: وممّا يدلّ على كفره (يزيد) وزندقته - فضلاً عن سبّه ولعنه - أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها:

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٨.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠٠.

(٣) المصدر ٢/ ٣١١.

٣٢

عـليّة هـاتي واعـلني وتـرنَّمي

بـدلّـك إنّـي لا أُحـبّ الـتناجيا

حـديث أبـي سفيان قِدْماً سمى بها

إلـى أُحُـدٍ حـتّى أقـام الـبواكيا

ألا هـات فـاسقيني على ذاك قهوةً

تـخيَّرها الـعنسي كـرماً شـاميا

إذا مـا نـظرنا فـي أُمـورٍ قديمة

وجـدنا حـلالاً شـربها مُـتواليا

وإن مُـتّ يـا أُمّ الأُحيمر فانكحي

ولا تـأملي بـعد الـفراق تـلاقيا

فـإنّ الـذي حُـدِّثْتِ عن يوم بعثنا

أحـاديث طسم تجعل القلب ساهيا

ولابـدّ لـي مـن أن أزور محمّداً

بمشمولة صفراء تروي عظاميا(١)

رأي اليافعي:

وعن اليافعي: وأمّا حُكم مَن قتل الحسين، أو أمر بقتله ممّن استحلّ ذلك فهو كافر، وإن لم يستحلّ ففاسق فاجر، والله أعلم(٢) .

رأي القاضي أبي يعلى وابن الجوزي:

قال الآلوسيّ: وقد جزم بكفره - أي يزيد بن معاوية - وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى(٣) .

رأي الكيا الهراسي:

قال: هو (يزيد) اللاّعب بالنرد، المتصيّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لأهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمصرّح في شعره بالكفر الصريح(٤) .

رأي سبط ابن الجوزي:

قال سبط ابن الجوزيّ - بعد ذكره استناد ابن عقيل

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٩٠.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٨.

(٣) تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٤) جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.

٣٣

بأشعار يزيد على كفره وزندقته(١) - قلت: ومنها قوله:

ولو لم يمسَّ الأرض فاضل بردها

لما كان عندي مَسحة في التيمّم

ومنها: لما بدت تلك الحمول وأشرقت - وقد ذكرناها -.

ومنها قوله:

مـعشر الـنُّدمان قوموا

واسمعوا صوت الأغاني

واشـربوا كـأس مدام

واتـركوا ذكر المغاني

أشـغلتْني نغمة العيدان

عن صـوت الأذانِ

وتـعوّضتُ عن الحور

خـموراً فـي الـدنان

إلى غير ذلك ممّا نقلتُه من ديوانه، ولهذا تطرّق إلى هذه الأُمّة العار بولايته عليها، حتّى قال أبو العلاء المعرّي - يُشير بالشنار إليها -:

أرى الأيّام تفعل كلّ نُكر

فما أنا في العجائب مُستزيد

أليس قريشكم قتلت حسيناً

وكان على خلافتكم يزيد

رأي ابن عساكر:

حُكي عن ابن عساكر أنّه قال: نُسب إلى يزيد قصيدة منها:

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لـعبت هـاشم بـالملك فلا

مَـلَكٌ جـاء ولا وحيٌ نزل

فإن صحّت عنه فهو كافر بلا ريب، انتهى معناه(٢) .

رأي الأجهوري:

قال: وقد اختار الإمام محمّد بن عرفة والمحقّقون من أتباعه

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٩١.

(٢) شذرات الذهب ١/ ٦٨.

٣٤

كفر الحجّاج، ولا شكّ أنّ جريمته كجريمة يزيد، بل دونها(١) .

رأي السعد التفتازاني:

قال: والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين، وإهانته أهل بيت رسول الله ممّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، فلعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وعلى أعوانه.

قال الشبراويّ: وقول السعد: بل في إيمانه. أي بل لا نتوقّف في عدم إيمانه، بقرينة ما بعده وما قبله(٢) .

رأي الحافظ البدخشاني:

قال: وجعل (يزيد) ينكت رأسه ( الحسينعليه‌السلام ) بالخيزران، وأنشد أبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا إلى آخره، والأبيات مشهورة، وزاد فيها بيتين مُشتملين على صريح الكفر(٣) .

رأي الشبراوي:

قال - بعد ذكر تمثّل يزيد بأشعار ابن الزبعرى -: خزّاه الله في هذه الأبيات، إن كانت صحيحة، فقد كفر فيها بإنكار الرسالة(٤) .

رأي الآلوسي:

قال في تفسيره: وفي تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوفيات: أنّ السبي لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّية عليّ والحسين (رضي الله تعالى عنهما)، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة جيرون، فلما رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرفتْ

تلك الرؤوس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٧.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢، تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٣) نزل الأبرار: ١٥٩.

(٤) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٥٧.

٣٥

يعني أنّه قتل بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، كجدّه عتبة وخالد ولد عتبة وغيرهما، وهكذا كفر صريح، فإذا صحّ عنه فقد كفر به، ومثله تمثّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه: ليت أشياخي... الأبيات..

رأي عبد الباقي أفندي العمري:

أشار إلى أبيات يزيد، شاعرُ العراق عبد الباقي أفندي العمري، فيما حُكي عن الباقيات الصالحات بقوله:

نقطع في تكفيره إن صحّ ما

قد قال للغراب لما نعبا(١)

تأمُّل ابن حجر:

تأمَّل ابن حجر في صواعقه، واتّخذ طريقاً آخر حول هذه المسألة، قال: ( اعلم أنّ أهل السنّة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية ووليِّ عهده من بعده، فقالت طائفة: إنّه كافر؛ لقول سبط ابن الجوزي - وغيره المشهور -: إنّه لما جاءه رأس الحسين (رضي الله عنه)، جمع أهل الشام وجعل ينكت رأسه بالخيزران، ويُنشد أبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا الأبيات المعروفة، وزاد فيهما بيتين مُشتملين على صريح الكفر.. وقالت طائفة: ليس بكافر؛ لأنّ الأسباب الموجبة للكفر لم يثبت عندنا منها شيء، والأصل بقاؤه على إسلامه حتّى يُعلم ما يُخرِجه عنه، وما سبق أنّه المشهور يُعارضه ما حُكي أنّ يزيد لما وصل إليه رأس الحسين قال: رحمك الله يا حسين، لقد قتلك رجل لم يعرف حقّ الأرحام، وتنكّر لابن زياد، وقال: قد زرع لي العداوة في قلب البرّ والفاجر. وردّ نساء الحسين ومَن بقي من بنيه مع رأسه إلى المدينة ليُدفن الرأس بها.

وأنت خبير بأنّه لم يثبت موجب واحدة من المقالتين، والأصل أنّه مُسلم،

____________________

(١) هامش الإتحاف: ٥٦.

٣٦

فنأخذ بذلك الأصل حتّى يثبت عندنا ما يوجب الإخراج عنه؛ ومن ثَمّ قال جماعة من المحقّقين: إنّ الطريقة الثابتة القويمة في شأنه، التوقّف فيه وتفويض أمره إلى الله سبحانه؛ لأنّه العالم بالخفيّات والمطّلع على مكنونات السرائر وهواجس الضمائر، فلا نتعرّض لتكفيره أصلاً؛ لأنّ هذا هو الأحرى والأسلم، وعلى القول: بأنّه مسلم، فهو فاسق شرّير، سكّير جائر، كما أخبر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(١) .

نقول: إنّ هذه الطريقة غير قويمة؛ وذلك لعدّة أمور:

أوّلاً: إنّه بعدما نقل المؤلّف الشهرة في المقام عن سبط ابن الجوزيّ وغيره، بزيادة يزيد بيتين مُشتملين على صريح الكفر، فلا مجال له أن يقول: والأصل أنّه مسلم، فنأخذ بذلك حتى يثبت عندنا ما يوجبه الإخراج.

فأيّ موجب أدلّ من كلامه الصريح، ولو لا التواتر في النقل فالشهرة القائمة كافية لإثبات ذلك، كما نقلها؟!

أضف إلى ذلك ما قاله الآلوسي: ( وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر )(٢) .

ثانياً: وأمّا ما ادّعاه من تعارض الشهرة بالمحكي - مع فرض صحّة المحكيّ - فلا تعارض في البين؛ لأنّنا نقول: إنّه تمثّل بالأبيات، وزاد فيها البيتين المشتملين على صريح الكفر، ومع ذلك لما رأى انقلاب الأمر وتغيّر الأوضاع، وخاف الفتنة، ورأى الزلزال في مُلكه تفوّه بهذه الكلمات؛ والدليل على ذلك ما نقله المؤلّف في هذه المقالة، أنّ يزيد تنكّر لابن زياد وقال: ( قد زرع لي العداوة في قلب البرّ والفاجر )، هذا يؤيّد أنّه اتّخذ هذا الموقف بعدما ثبت لديه استنكار الرأي العام.

____________________

(١) الصواعق المحرقة: ٣٣٠.

(٢) تفسير روح المعاني ٢٦/ ٧٣. سيأتي قوله تفصيلاً في رأيه في لعن يزيد.

٣٧

ثالثاً: إنّ الاحتياط في المسألة أن يتّخذ الإنسان موقفاً مناسباً في هذه المأساة الكبرى، إنّها فاجعة قتل الحسينعليه‌السلام ، الذي بكى الرسول على قتله قبل مقتله كراراً، ولعن قاتله مراراً، فما فعله ابن الحجر من الاحتياط هو خلاف الاحتياط.

توقّف البيهقي:

ذكر الخوارزميّ: قال شيخ السنّة أحمد بن الحسين، حول تمثّل يزيد بأبيات ابن الزبعرى: وآخر كلام يزيد لا يُشبه أوّله، ولم أكتبه من وجه يثبت مثله، فإن كان قاله فقد ضَمَّ إلى فعل الفجّار - في قتل الحسين وأهل بيته - أقوال الكفّار )(١) .

علّق العلاّمة المحمودي عليه بهذا الكلام:

( أقول: إنّ البيهقي لم يُعجبه أن يُفتّش عن كفر إمامه، كي يثبت له كفره، ويفتضح عند العقلاء، ولو كان بذل جهده حول أقوال يزيد لكان يثبت له أنّه قال بالكفر مراراً، كما عمل بأعمال الكفّار مراراً )(٢) .

مع مجاهد: ذكر سبط ابن الجوزي أنّ مجاهد قال حول أبيات ( لعبت هاشم بالملك فلا ): نافق(٣) .

وفي مقتل الخوارزمي أنّه قال: فلا نعلم الرجل إلاّ قد نافق في قوله هذا(٤) .

وللعلاّمة المحمودي تعليق في المقام أعجبني ذكره، قال:

( النفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وإسراره، فإن كان قول يزيد:

لعبتْ هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٩.

(٢) عبرات المصطفين ٢/ ٢٩١.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٦١.

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٨.

٣٨

هو إظهار الإيمان، فما هو إظهار الكفر والإعلان به؟! وهل فرق بين قول يزيد هذا في كونه صريحاً بالكفر ببعث الرسول، وبين قول الدهريّين الذي حكى الله تعالى عنهم بقوله:( مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) (١) ؟! فكما أنّ هذا القول من الدهريّين صريح في إنكار المبدأ، كذلك قول يزيد صريح في إنكار الرسالة التي هي الركن الثاني من الدِّين، وكذلك ما حكاه الله عزّ وجلّ عن فرعون في قوله:( ... أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (٢) ، وهل يمكن لمن يعرف العربية ومعنى الكفر والنفاق أن يقول: إنّ هذا القول من فرعون ليس صريحاً في الكفر، وإنّما هو نفاق، أي إبطان الكفر؟! وما أظنّ الفرق بين الأمرين غمض على مجاهد، أو لم يعرف الفرق بينهما!

الظاهر أنّه حينما تكلّم بهذا الكلام، وفسّر الكفر الصريح بالنفاق، كان في جوّ من المعاندين التابعين للنزعات الأُمويّة، ففسّر الكفر الصريح بالكفر غير الصريح، المسمّى بالنفاق كي يستريح من مُشاغبتهم ومُجادلتهم الجاهلية. والأمر واضح غير محتاج إلى التطويل )(٣) .

جوره:

إنّ حكومة آل أبي سفيان قامت على أساس الجور والعدوان، ونجد ذروة ذلك في زمن مُلك يزيد بن معاوية؛ لأنّ اللعين لم تدُمْ سلطته إلاّ ثلاث سنين، قتل في السنة الأُولى منها الإمام الحسين وأصحابهعليهم‌السلام ، وفي السنة الثانية غزا المدينة المنوّرة، وأباحها على جنده ثلاثاً، وهم بجوار قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - وسُمّيت بوقعة الحرّة - وفي الثالثة منها هدم الكعبة،

أمّا مأساة كربلاء، فقد قرأت تفاصيلها. وأمّا

____________________

(١) الجاثية: ٢٤.

(٢) النازعات: ٢٤.

(٣) عبرات المصطفين ٢/ ٢٩٢.

٣٩

وقعة الحرّة وقضايا ابن الزبير، فتفاصيلها خارجة عن عهدة هذا الكتاب، إلاّ أنّنا نذكر نُبذة عن صفحة تاريخه السوداء في وقعة الحرّة.

قال سبط ابن الجوزيّ: ( وذكر المداينيّ في كتاب الحرّة عن الزهريّ قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمئة من وجوه الناس، من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وأمّا من لم يُعرف، من عبدٍ أو حرٍّ أو امرأة فعشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وامتلأت الروضة والمسجد.

قال مجاهد: التجأ الناس إلى حُجرة رسول الله ومنبره، والسيف يعمل فيهم..

وذكر أيضاً المداينيّ عن أبي قرّة قال: قال هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج.

وغير المدايني يقول: عشرة آلاف امرأة.

قال الشعبيّ: أليس قد رضي يزيد بذلك وأمر به، وشكر مروان بن الحَكم على فعله؟! )(١) .

يقول ابن قتيبة: ( فوجّه يزيد مسلم بن عقبة المري في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فسار بهم حتّى نزل المدينة، فقاتل أهلها وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيّام، فهي وقعة حرّة )(٢) .

وقال اليعقوبي: ( فوجّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرّة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً.. حتى دخلتُ المدينة فلم يبقَ بها كثير أحد إلاّ قُتل، وأباح حرم رسول الله حتّى وَلدت الأبكار لا يُعرف مَن أولدهنّ )(٣) .

وقال ابن حجر: ( فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، وأمره أن يستبيح

____________________

(١) تذكرة الخواص: ٢٨٩، وبعضه في الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٤.

(٢) المعارف: ١٩٨.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥٠.

٤٠

المدينة ثلاثة أيّام، وأن يُبايعهم على أنّهم خَوَل وعبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نهض إلى مكّة لحرب ابن الزبير، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقتل بها خلقاً من الصحابة وأبنائهم وخيار التابعين، وأفحش القضية إلى الغاية... )(١) .

وقال ابن الجوزيّ: ( فأباحها مسلم بن عقبة ثلاثاً، يقتلون الرجال ويقعون على النساء! وحكّمتْ امرأةٌ مسلم بن عقبة في ولدها وكان قد أُسر فقال: عجّلوه لها. فضُرِبتْ عنقه، ثمّ دعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد وقال: بايعوا على أنّكم خَوَل له وأموالكم له!

فقال يزيد بن عبد الله بن زمعة: نُبايع على كتاب الله. فأمر به فضُرب عُنقه، وجيء بسعيد بن المسيّب إلى مسلم فقالوا: بايع.

فقال: أُبايع على سيرة أبي بكر وعمر!

فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون، فخلّى عنه.

وذكر محمّد بن سعد في الطبقات: أنّ مروان بن الحَكم يُحرّض مسلم بن عقبة على أهل المدينة ونهبها ثلاثاً، فلما قدم مروان على يزيد شكر له وأدناه... ).

ثمّ قال ابن الجوزي: ( مَن أراد أن ينظر إلى العجائب، فلينظر إلى ما جرى يوم الحرّة على أهل المدينة بإطلاق يزيد أصحابه في النّهب )(٢) .

وقال الشبراوي: ( إنّ يزيد بن معاوية قال لمسلم بن عقبة: إذا ظفرت بالمدينة، فخلّها للجيش ثلاثة أيّام، يسفكون الدماء، ويأخذون الأموال، ويفسقون بالنساء )(٣) .

وقال ابن قتيبة: ( فبلغ عدّة قتلى الحرّة يومئذٍ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفاً وسبع مئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان، ذكروا أنّه قُتل يوم الحرّة من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانون

____________________

(١) أُنظر تهذيب التهذيب ١١/ ٢١٤، رقم ٨١٠٠.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٥٤.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٥.

٤١

رجلاً ولم يبقَ بدريّ بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبعمئة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجّة لثلاث بقين منها ثلاث وستّين )(١) .

وفي البدء والتاريخ: (فجاء مسلم بن عقبة فأوقع بالمدينة، وقتل أربعة آلاف رجل من أفناء الناس، وسبعين رجلاً من الأنصار، وبَقَرَ عن بطون النساء، وأباح الحرم، وأنهب المدينة ثلاثة أيّام )(٢) .

هذا بالنسبة إلى المدينة، وأمّا مكّة، فقد قال المسعودي: ( ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرقّ والسبي، وغير ذلك ممّا عنه أعرضنا من مُسرِفٍ، خرج عنها يريد مكّة في جيوشه من أهل الشام؛ ليوقع بابن الزبير وأهل مكّة بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستّين، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مُسرِف لعنه الله، واستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين حتّى مكّة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام... ونصب الحصين فيمَن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكّة والمسجد من الجبال والفجاج، وابن الزبير في المسجد. فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورُمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتّان وغير ذلك من المحروقات، وانهدمت الكعبة واحترقت البَنيَّة... )(٣) .

وقال ابن قتيبة الدينوريّ: ( وحاصروا عبد الله بن الزبير، وأُحرقت الكعبة حتّى انهدم جدارها وسقط سقفها... )(٤) .

____________________

(١) الإمامة والسياسة ١/ ٢١٥.

(٢) البدء والتاريخ ٦/ ١٤.

(٣) مروج الذهب ٣/ ٧١.

(٤) المعارف: ١٩٨.

٤٢

لعنه:

اللعن: الطّرد من الرحمة، قال تعالى:( ... لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ... ) (١) ، أي أبعدهم وطردهم من الرحمة(٢) ، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ والدّعاء(٣) .

يمكن الاستدلال على جواز لعن يزيد بعدّة أُمور:

١. التمسّك بعموم وإطلاق بعض الآيات القرآنية:

منها: قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (٤) . ولا شكّ أنّ إيذاء الحسين إيذاء للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فكيف بقتله؟!(٥) .

ومنها: قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (٦) .

إذا كانت لعنة الله وعذابه العظيم تشمل مَن يقتل مؤمناً مُتعمّداً، فكيف بمَن

____________________

(١) البقرة: ٨٨.

(٢) مجمع البحرين ٤/ ١٢٤، مادّة لعن.

(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٥٥ - عنه سفينة البحار ٢/ ٥١٢.

(٤) الأحزاب: ٥٧.

(٥) قال الزرندي المتوفّى سنة ٧٥٠ في نظم درر السمطين ٢٣٢: وروى علي عن درّة بنت أبي لهب، وفي رواية أبي هريرة: أنّ صبية بنت أبي لهب جاءت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت: يا رسول الله، إنّ الناس يصيحون بي ويقولون أنت بنت حطب الله، قالت: خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مُغضباً حتّى استوى على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:( ما بال رجال يؤذوني في أهل بيتي، والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتّى يُحبّني، ولا يُحبّني حتّى يُحبّ فيَّ ذرّيّتي، فما لي أُوذى؟! ) .

قالوا: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وفي رواية:( ما بال أقوام يؤذوني في قرابتي؟! ألا مَن آذاني في قرابتي فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله ) انتهى.

أقول: إذا كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يغضب لما حصل في إيذاء بنت أبي لهب لساناً، فكيف لا يحصل ذلك بالنسبة إلى ما جرى في حقّ ابن بنته وأهل بيته لساناً وسناناً؟!

(٦) النساء: ٩٣.

٤٣

يقوم بقتل الحسينعليه‌السلام وهو سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وثمرة البتولعليها‌السلام ، الذي قال جدّه في حقّه:( حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً ) (١) ؟ !

وقوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (٢) .

ويزيد هو من الشجرة الملعونة في القرآن؛ قال السيوطي في الدرّ المنثور: ( أخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أُريت بني أُميّة على منابر الأرض وسيتملّكونكم فتجدونهم أرباب سوء ). واهتمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك فأنزل الله:( ... وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ... ) (٣) .

وعن كتاب المعتضد: لا خلاف بين أحد أنّه تبارك وتعالى أراد بها بني أميّة(٤) .

ومنها: قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (٥) .

ولا ريب أنّ يزيد هو من أكابر المفسدين في الأرض، بعد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه بكربلاء، وأمره ورضاه بذلك ووقعة الحرّة وهدم الكعبة، فإذا لم يكن هذا إفساداً في الأرض فلا يبقى للفساد أيّ معنى! فيشمله لعن الله طبقاً لهذه الآية الشريفة.

وعدّه أحمد بن حنبل من مصاديق المفسدين في الأرض، بتمسّكه بهذه الآية المباركة(٦) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ١/ ٢١٣ ط دار أنوار الهدى و...

(٢) الإسراء: ٦٠.

(٣) الدرّ المنثور ٤/ ١٩١.

(٤) سفينة البحار ٢/ ٥١٤ (مادّة لعن).

(٥) محمّد: ٢٢ - ٢٣.

(٦) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٦.

٤٤

٢. التمسّك بعموم بعض الأحاديث:

منها: ما روي عن عليّعليه‌السلام قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :( سبعة لعنهم الله وكلّ نبيّ مُجاب: المغيّر لكتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمبدّل سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله عزّ وجلّ، والمتسلّط في سلطنة ليُعزّ مَن أذلّ الله ويُذلّ مَن أعزّ الله، والمستحلّ لحرم الله، والمتكبّر على عبادة الله عزّ وجلّ ) (١) .

ولا ريب أنّ موارد ممّا ذكر آنفاً مُطبّقة على يزيد، مثل ما روى ابن حجر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:( أوّل مَن يُبدّل سنّتي رجل من بني أُميّة، يُقال له: يزيد ) (٢) .

ومنها: ما روى البخاريّ، بإسناده عن أنس، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها ولا يُحدَث فيها حدث، مَن أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) (٣) .

ومنها: ما رواه أحمد، بإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبَنا عليّ فقال:(... قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المدينة حرم ما بين عِيْر إلى ثور، فمَن أحدث فيها حدثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلاً ولا صرفاً... ) (٤) .

ومنها: ما روي مسنداً عن السائب بن خلاّد، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( مَن أخاف أهل المدينة أخافه الله عزّ وجلّ، وعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ) (٥) .

____________________

(١) سفينة البحار ٢/ ٥١٢. وقريب منه: المعجم الطبراني ٣/ ح١١٦.

(٢) الصواعق المحرقة: ٢٣١.

(٣) صحيح البخاري ٣/ ٢٥ (آخر كتاب الحجّ، باب حرم المدينة).

(٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٨١.

(٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤/ ٥٥ - ٥٦.

٤٥

ومنها: ما رواه في كفاية الطالب، بإسناده عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( لما عُرِج بي إلى السماء، رأيت على باب الجنّة مكتوباً: ( لا إله إلاّ إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ حبّ الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمَة الله، على باغضهم لعنة الله، مهما ذكر الله ).

ثمّ قال: تفرّد به عليّ بن حمّاد وهو ثقة، وأخرجه محدّث الشام عن محدّث العراق وإمام أهل الحديث(١) .

قال ابن الجوزي: جاء في الحديث لعن مَن فعل ما لا يُقارب معشار عُشر فعل يزيد(٢) .

٣. أقوال العلماء في لعن يزيد:

أحمد بن حنبل:

قال الآلوسي: ( نقل البرزنجي في الإشاعة، والهيثميّ في الصواعق المحرقة، أنّ الإمام أحمد لما سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يُلعن مَن لعنه الله في كتابه؟!

فقال عبد الله: قد قرأت كتاب الله عزّ وجلّ فلم أجد فيه لعن يزيد!

فقال الإمام: إنّ الله تعالى يقول:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ... ) الآية(٣) ، وأيّ فساد وقطيعة أشدّ ممّا فعله يزيد؟! )(٤) .

ابن الفرّاء (٥) :

قال ابن الجوزيّ: ( وصنّف القاضي أبو الحسين محمّد بن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء كتاباً فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر فيهم يزيد وقال: الممتنع من ذلك، إمّا أن يكون غير عالم بجواز ذلك أو مُنافقاً يريد أن يوهم بذلك

____________________

(١) كفاية الطالب: ٤٢٣.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٩.

(٣) محمّد: ٢٢ - ٢٣.

(٤) روح المعاني ٢٦/ ٧٢.

(٥) المولود في شعبان ٤٥١ والمتوفّى في عاشر محرّم سنة ٥٧٦ قتلاً، هو كما عن المنتظم ١٠/ ٢٩ تفقّه وناظَرَ، وكان مُتشدّداً في السنّة، وكذا في هامش الردّ على المتعصّب: ١٨.

٤٦

وربّما استفزّ الجهّال بقوله: المؤمن لا يكون لعّاناً

قال (القاضي): وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن، نقلت هذا من خطّ أبي الحسين وتصنيفه )(١) .

ابن الجوزيّ:

قال ابن الجوزيّ: ( سألني سائل في بعض مجالس الوعظ - عن يزيد بن معاوية، وما فعل في حقّ الحسين صلوات الله عليه، وما أمر به من نهب المدينة - فقال لي: أيجوز أن يُلعن؟

فقلت: يكفيه ما فيه، والسكوت أصلح!

فقال: قد علمت أنّ السكوت أصلح، ولكن هل تُجوِّز لعنه؟

فقلت: قد أجازها العلماء الورعون منهم الإمام أحمد بن حنبل(٢) ، فإنّه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة )(٣) .

ورغم عبارة (السكوت أصلح )، لكنّا نرى أنّ ابن الجوزيّ لم يلتزم بذلك فعلاً ولا قولاً، ولعلّه قاله خوفاً على نفسه في تلك الجلسة؛ والدليل عليه ما قاله سبطه في التذكرة: ( قلت: ولما لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد، بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا، فقال جدّي:( ... أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (٤) .

وقال: ( وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم، أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد، فقال: ما تقولون في رجل وليَ ثلاث سنين، في السنة الأُولى قتل الحسين، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها؟! فقالوا: نلعن. فقال: فالعنوه )(٥) .

الأسفراينيّ:

قال: المختار ما ذهب إليه ابن الجوزي، وأبو الحسين القاضي

____________________

(١) الردّ على المتعصّب العنيد: ١٨؛ تذكرة الخواص: ٢٨٧.

(٢) الردّ على المتعصّب العنيد: ٩.

(٣) تذكرة الخواص: ٢٨٧؛ الإتحاف: ٦٣.

(٤ و٥) تذكرة الخواص: ٢٩١.

٤٧

ومَن وافقهما )(١) .

المقدسيّ:

ومن الذين لعنوا يزيد هو مُطهّر بن طاهر المقدسيّ المتوفّى سنة ٥٠٧ ببغداد، فقد صرّح بلعنه في كتابه البدء والتاريخ(٢) .

السيوطيّ:

قال جلال الدين السيوطي: لعن الله قاتله (أي قاتل الحسين) وابن زياد معه، ويزيد أيضاً، وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصّة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون(٣) .

عبد الكريم بن الشيخ وليّ الدِّين:

قال العلاّمة المحمودي: ومنهم (العلماء المجوّزين للعن يزيد) الشيخ عبد الكريم بن الشيخ ولي الدِّين، مؤلّف كتاب (مجمع الفوائد ومعدن الفرائد)، في ذكر الأحاديث الواردة في الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: ( فمعلوم أنّ يزيد اللعين وأتباعه كانوا من الذين أهانوا أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانوا مُستحقّين للغضب والخذلان واللعنة من الملك الجبّار المنتقم يوم القيامة، فعليه وعلى مَن اتّبعه وأحبّه وأعانه ورضّاه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ثمّ قال: ومَن أراد التفصيل في اللعنة على يزيد، فليُطالع إلى تبيين الكلام، وأمّا منع بعضهم فليس من عدم جوازه، لأنّه جايز بالاتّفاق، بل من خوف السراية إلى أبيه معاوية، كما في شرح المقاصد! )(٤) .

العلاّمة الأجهوري عن شيخ مشايخه:

قال الشبراوي: ( وقال شيخ مشايخنا في حاشية الجامع الصغير، عند قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أوّل جيش من أُمّتي يركبون البحر

____________________

(١) روح المعاني ٢٦/ ٧٣.

(٢) البدء والتاريخ ٦/ ٦ و٨ و..

(٣) تاريخ الخلفاء: ١٦٥.

(٤) هامش كتاب الردّ على المتعصّب العنيد: ٦ عن كتاب مجمع الفوائد ومعدن الفرائد حوالي ص٢٠.

٤٨

قد أوجبوا، وأوّل جيش من أُمّتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم ) : هذا يقتضي أنّ يزيد بن معاوية من جملة المغفور لهم!

وأُجيب: بأنّ دخوله فيهم لا يمنع خروجه منهم بدليل خاص، أو أنّ قوله:( مغفور لهم ) مشروط بكونه من أهل المغفرة ويزيد ليس كذلك، حتّى أطلق بعضهم جواز لعنه بعينه؛ لأنّه أمر بقتل الحسين... )(١) .

وفي الحديث المذكور وجوه للنظر، من حيث الصغرى والكبرى وغيرها، لا مجال لذكرها.

الكيا الهراسي:

قال الباعونيّ: ( وسئِل الكيا الهراسي - وهو من كبار الأئمّة - عن لعنه (يزيد بن معاوية)، فقال: لم يكن [يزيد من] الصحابة، ولِد في زمان عمر بن الخطّاب، وركب العظائم المشهورة.

قال: وأمّا قول السلف، ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك أيضاً قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد وهو التصريح دون التلويح.

قال: وكيف لا، وهو اللاعب بالنرد، المتصيّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر والقاتل لأهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمصرّح في شعره بالكفر الصريح؟! )(٢) .

التفتازانيّ في شرح العقائد النسفيّة:

( اتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتلَ الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، قال: والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحاداً، قال: فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه )(٣) .

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢.

(٢) جواهر المطالب ٢/ ٣٠١.

(٣) شذرات الذهب ١/ ٦٨؛ نُزل الأبرار: ١٦٢.

٤٩

السمهوديّ:

قال الشبراوي: ( وقال السيّد السمهوديّ في جواهر العقدين: اتّفق العلماء على جواز لعن مَن قتل الحسين(رضي الله عنه)، أو أمر بقتله، أو أجازه، أو رضي به من غير تعيين... )(١) .

البدخشاني:

قال في نُزل الأبرار: (... ويتحقّق أنّه - يزيد - لم يندم على ما صدر منه، بل كان مُصرّاً على ذنبه، مُستمرّاً في طغيانه، إلى أن أقاد منه المنتقم الجبّار، وأوصله إلى دركات النار، والعجب من جماعة يتوقّفون في أمره، ويتنزّهون عن لعنه، وقد أجازه كثير من الأئمّة منهم ابن الجوزيّ، وناهيك به علماً وجلالة... )(٢) .

عبد الباقي أفندي:

قال الآلوسي: ويُعجبني قول شاعر العصر، ذو الفضل الجليّ عبد الباقي أفندي العمريّ الموصليّ، وقد سُئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريضٌ جنابه

فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا(٣)

الآلوسيّ:

( الذي يغلب على ظنّي، أنّ الخبيث لم يكن مُصدّقاً برسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيّه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلاّ الصبر، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولو سُلِّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يُحيط به نطاق البيان، وأنا

____________________

(١) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٣.

(٢) نُزل الأبرار: ١٦٠.

(٣) روح المعاني ٢٦/ ٧٣.

٥٠

أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوّر أن يكون له مِثْل من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتُبْ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويُلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عزّ وجلّ عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم، ومَن مال إليهم إلى يوم الدِّين، ما دمعت عين على أبي عبد الله... ومَن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضلّيل فليقل: لعن الله عزّ وجلّ مَن رضي بقتل الحسين ومَن آذى عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغير حقّ ومَن غصبهم حقّهم. فإنّه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوّلياً في نفس الأمر، ولا يُخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المارّ ذكره وموافقيه، فإنّهم - على ظاهر ما نُقِل عنهم - لا يُجوّزون لعن مَن رضي بقتل الحسين (رضي الله تعالى عنه)، وذلك - لعَمْرِي - هو الضلال البعيد، الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد )(١) .

قتله الإمام الحسينعليه‌السلام :

إنّ قتل الحسينعليه‌السلام مصيبة لا مصيبة أعظم منها، كيف لا، وهو من الخمسة الذين قال لهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :( أنا سلمٌ لمن سالمتم وحربٌ لمن حاربتم ) (٢) .

جزاء قاتل الحسينعليه‌السلام وأوصافه في الروايات:

لقد جاءت في شأن قاتل الحسينعليه‌السلام وأوصافه وعذابه روايات دالّة على عمق المأساة، نذكر بعضها:

روى ابن المغازلي، بإسناده عن أبي أحمد بن عامر، عن عليّ بن موسى الرضا،

____________________

(١) روح المعاني ٢٦/ ٧٢ - ٧٤.

(٢) فرائد السمطين ٢/ ٣٨ ح٣٧٣، وفي الصواعق المحرقة ٢٨٤ ح١٦: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبّان والحاكم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( أنا حرب لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم ) .

٥١

عن آبائه عن عليّعليهم‌السلام قال:( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ قاتل الحسين في تابوتٍ من نار مُنكّس في النار، حتّى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم عزّ وجلّ من شدّة ريح نتنه، وفيها خالد ذائق العذاب الأليم، لا يُفتَّر عنه ساعة ويُسقى من حميم، الويل له من عذاب الله عزّ وجلّ ) (١) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:( إنّ موسى بن عمران سأل ربّه فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله إليه: يا موسى، لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنّي أنتقم له من قاتله ) (٢) .

روى الخوارزمي اعتراض حبر من الأحبار في مجلس يزيد، اعترض على يزيد في قتله الحسينعليه‌السلام ، فأمر يزيد به فوجئ في حلقه ثلاثاً، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني وإن شئتم فذروني، إنّي أجد في التوراة: مَن قتل ذريّة نبيّ فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله نار جهنّم(٣) .

روي عن القندوزي قال: عليعليه‌السلام رفعه:( يقتلُ الحسينَ شرُّ هذه الأُمّة ) (٤) .

وعن مودّة القُربى، عن عليّعليه‌السلام قال:( قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقتل الحسين شرُّ هذه الأُمّة، ويتبرّأ الله منهم ومَن والاهم وممّن يكفر بي ) (٥) .

____________________

(١) مناقب علي بن أبي طالب ٦٦، ح٩٥. وروح نحوه الخوارزمي في مقتله ٢/ ٨٢، وبعضه الشبراوي في الإتحاف: ٧٤ وغيرهم.

(٢) عيون أخبار الرضا ٢/ ٤٧ ح١٧٩، ذيل اللئالي: ٧٦، على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٢٤؛ فرائد السمطين ٢/ ٢٦٣ ح٥٣١؛ مقتل الخوارزمي ٢/ ٨٥؛ انظر: مفتاح النجا (للبدخشي) ١٣٦.

(٣) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧١.

(٤) ينابيع المودّة: ٢٦٢ ط اسلامبول على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٧١.

(٥) مودّة القربى: ١١١ ط لاهور، على ما في إحقاق الحقّ ١١/ ٣٧١.

٥٢

وعن المتّقي الهندي: روى ابن عساكر، عن أُمّ سلمة: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني هذا يُقتل، وأنّه اشتدّ غضب الله على مَن يقتله ) (١) .

وعن ابن سعد، عن عائشة: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( إنّ جبرئيل أراني التربة التي يُقتل عليها الحسين، فاشتدّ غضب الله على مَن يسفك دمه، فيا عائشة، والذي نفسي بيده، إنّه ليحزنني. فمَن هذا مِن أُمّتي يقتل حسيناً بعدي؟! ) (٢) .

روى الخطيب في تاريخه، بإسناده عن جابر بن عبد الله، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال للحسينعليه‌السلام :( لعن الله قاتلك ) .

قال جابر: فقلت يا رسول الله، ومَن قاتله؟

قال:( رجل من أُمّتي يُبغض عترتي لا يناله شفاعتي، كأنّي بنفسه بين أطباق النيران يرسب تارةً ويطفو أُخرى، وأنّ جوفه ليقول: عِقْ عِقْ ) (٣) .

وروى الخوارزمي، عن أبي برزة الأسلمي أو غيره من الصحابة أنّه قال ليزيد:

أشهد لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول:( إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتل الله قاتلهما ولعنه، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً ) (٤) .

وقال: قال ابن عبّاس: خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل موته بأيّام إلى سفر له، ثمّ رجع وهو مُتغيّر اللون مُحمرّ الوجه، فخطب خُطبة بليغة موجزة، وعيناه تهملان دموعاً، قال فيهما:( أيّها الناس، إنّي خلّفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي... ) ، فساق الخُطبة إلى أن قال:( ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربٍ وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر ) (٥) .

____________________

(١ و٢) إحقاق الحقّ ١١/ ٣٦١ عن كنز العمّال ١٣/ ١١٢ط حيدر آباد دكن.

(٣) تاريخ بغداد ٣/ ٢٩٠؛ لسان الميزان ٥/ ٣٧٧؛ إحقاق الحقّ ١١/ ٣٢٣.

(٤) مقتل الخوارزمي ٢/ ٥٧.

(٥) مقتل الخوارزمي ١/ ١٦٤، عنه إحقاق الحقّ ١١/ ٣٦٤.

٥٣

ومنها: ما ذكر من حديث أُمّ الفضل بنت الحارث، حين أدخلت حسيناً على رسول الله، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وبكى، وأخبرها بقتله، إلى أن قال: ثمّ هبط جبرئيل معه قبضة من تربة الحسين تفوح مسكاً أذفر، فدفعها إلى النبيّ وقال:( يا حبيب الله، هذه تربة ولَدك الحسين بن فاطمة، وسيقتله اللعناء بأرض كربلاء ) .

فقال النبيّ:( حبيبي جبرئيل، وهل تُفلح أُمّة تقتل فرخي وفرخ ابنتي؟! ) .

فقال جبرئيل:( لا، بل يضربهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر ) ... إلى أن قال: ثمّ أخذ النبيّ تلك القبضة التي أتاه بها الملك، فجعل يشمّها ويبكي ويقول في بكائه:( اللّهم، لا تُبارك في قاتل ولدي، وأصله نار جهنّم ) (١) .

يزيد هو القاتل:

لا شكّ أنّ الفعل كما ينسب إلى المباشر، ينسب إلى المسبّب، يقال: فتح الأمير البلد. وإن لم يحضر المعركة، بل حصل الفتح على يد جنده، ولكن يُنسب إلى أميرهم لكونه الآمر.

وفي مأساة كربلاء، نجد أدلّة قويّة على أنّ يزيد هو القاتل؛ باعتبار أنّه هو الذي أمر بقتل الحسينعليه‌السلام والقتال معه.

فتحصّل؛ أنّ جميع ما روي حول قاتل الحسين، وخذلانه في الدّنيا، وعقابه في العقبى يشمل يزيد؛ لكونه الآمر الأعلى، وبصفته أمير قَتَلَة الحسينعليه‌السلام ، فما شأن عبيد الله بن زياد إلى يزيد إلاّ كنسبة شمر وعمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد، فيشمله العنوان.

هذا، وثَمَّ شواهد تاريخية مُهمّة تُثبت الموضوع.

الشواهد التاريخية:

عندما يتفحّص المتتبّع صفحات التاريخ، يجد هناك أدلّة كافية لإثبات الموضوع، نُشير إلى بعضها:

____________________

(١) المصدر ١/ ١٦٢.

٥٤

أمْرُه الوليد بن عتبة بقتل الحسينعليه‌السلام :

إنّ يزيد أمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامله على المدينة بقتل الحسينعليه‌السلام ، وإرسال رأسه الشريف إليه إن لم يُبايع، ولعلّ هذا أوّل مُبادرة لقتل الإمامعليه‌السلام .

قال اليعقوبي: ( كتب (يزيد) إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامله على المدينة: إذا أتاك كتابي هذا فأحضِر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخُذْ الناس بالبيعة، فمَن امتنع فأنفذ فيه الحُكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام )(١) .

مسألة اغتيال الإمام الحسينعليه‌السلام في موسم الحجّ:

إنّ يزيد أمر باغتيال الإمامعليه‌السلام في موسم حجّ عام ٦٠ من الهجرة، قال العلاّمة المجلسي: ( ولقد رأيت في بعض الكُتب المعتبرة، أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولاّه أمر الموسم، وأمّره على الحاجّ كلّهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسينعليه‌السلام سرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة، وأمرهم بقتل الحسينعليه‌السلام على أيّ حال اتّفق )(٢) .

وكتب الدكتور حسن إبراهيم حسن: ( وقد قيل: إنّ الحسين كان يعرف ما يُحدق به من خطر إذا بقى في مكّة؛ لأنّ بني أُميّة سوف يتعقّبونه حتّى يقتلوه في الحجاز؛ لذلك آثر أن يكون قتله بعيداً عن البيت الحرام )(٣) .

* رسائل يزيد حول قتل الحسينعليه‌السلام :

إنّه كتب إلى عبيد الله بن زياد بقتال الحسينعليه‌السلام ، وهناك عدّة شواهد:

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤١.

(٢) بحار الأنوار ٤٥/ ٩٩.

(٣) تاريخ الإسلام ١/ ٣٩٩.

٥٥

منها: ما روى ابن عبد ربّه، عن علي بن عبد العزيز، عن محمّد بن الضحّاك بن عثمان الخزاعي، عن أبيه قال: ( كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد وهو واليه بالعراق: أنّه بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة وقد ابتُلي به زمانك بين الأزمان وبلدك بين البلدان، وابتُليتَ به من بين العمّال، وعنده تُعتق أو تعود عبداً... )(١) .

وقال السيوطي: ( وبعث أهل العراق إلى الحسين الرُّسل والكُتب يدعونه إليهم، فخرج من مكّة إلى العراق في عشر ذي الحجّة، ومعه طائفة من آل بيته، رجالاً ونساءً وصبياناً، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجّه إليه جيشاً أربعة آلاف، عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص... )(٢) .

وفي نور الأبصار: ( كتب عبيد الله بن زياد إلى الحسين كتاباً يقول فيه: أمّا بعد، فإنّ يزيد بن معاوية كتب إليّ أن لا تفحض [تغمض] جفنك من المنام، ولا تشبع بطنك من الطعام، إمّا أن يرجع الحسين إلى حكمي أو تقتله، والسلام )(٣) .

اعتراف ابن زياد بذلك:

قال مسكويه الرازي: ( إنّه كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد أن اغْزُ ابن الزبير.

فقال: والله، لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن رسول الله وأغزو البيت؟! )(٤) .

زينب الكبرى تجعل مسؤولية قتل الحسين على عاتق يزيد:

قالتعليها‌السلام في مجلس يزيد: ( أتقول: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا. غير مُتأثِّم ولا مُستعظم، وأنت

____________________

(١) العقد الفريد ٥/ ١٣٠؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٠٥؛ انظر أنساب الأشراف ٣/ ١٦٠؛ ابن عساكر ترجمة الإمام الحسين: ٢٠٨؛ بغية الطالب (لابن العديم) ٦/ ٢٦١٤؛ مجمع الزوائد ٩/ ١٩٣؛ مُعجم الطبراني ٣/ ١١٥ ح٢٨٤٦ (على ما في هامش عبرات المصطفين ٣/ ٢٨٢)؛ كفاية الطالب: ٤٣٢.

(٢) تاريخ الخلفاء: ١٦٥؛ دائرة المعارف ٧/ ٤٨.

(٣) نور الأبصار: ١٢٩.

(٤) تجارب الأُمم ٢/ ٧٧.

٥٦

تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟! ولم لا تكون كذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإهراقك دماء ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب؟! ولتردنّ على الله وشيكاً موردهم، ولتودَّنّ أنّك عميت وبُكمت وأنّك لم تقل: فاستهلّوا وأهلّوا فرحاً.. فلئن اتّخذتنا مغنماً لتتّخذنّ مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة، ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرّية محمّد صلّى الله عليه )(١) .

وقالت - في ضمن خطبتها مُخاطبةً له -: ( وفعلتك التي فعلت، وما فريت إلاّ جلدك، وما جززت إلاّ لحمك، وسترد على رسول الله بما تحمّلت من ذُرّيّته، وانتهكت من حُرمته وسفكت من دماء عترته ولحُمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم، ولا يستفزّنّك الفرح بقتلهم... فالعجب كلّ العجب لقتل الأتقياء وأسباط الأنبياء وسليل الأوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة تنطف أكفّهم من دمائنا!!... )(٢) .

ابن عبّاس يُحمّل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسينعليه‌السلام :

قال اليعقوبي: ( إنّه كتب في ضمن كتابه إلى يزيد:... وأنت قتلت الحسين بن علي بفيك الكُثْكُث، ولك الأثلب، إنّك - إن تُمنِّك نفسك ذلك - لعازب الرأي، وإنّك لأنت المفنّد المهوّر، لا تحسبني - لا أبا لك - نسيتُ قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب، مصابيح الدُّجى ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مُصرّعين في صعيد، مُرمّلين بالتراب، مسلوبين بالعراء، لا مُكفّنين تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشي بهم عرج الضباع، حتى أتاح الله لهم أقواماً لهم يشتركوا في دمائهم، فأجنّوهم في أكفانهم وبي -

____________________

(١) بلاغات النساء: ٢١.

(٢) الاحتجاج ٢/ ١٢٧ - ١٢٩ عنه بحار الأنوار ٤٥/ ١٥٩.

٥٧

والله - وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست - يا يزيد -...

فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودّي ونصري! وقد قتلت بني أبي وسيفك يقطر من دمي.. إنّي لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي، فلا يستقرّ بك الجدل ولا يُهملك الله بعد قتلك ثمرة رسول الله إلاّ قليلاً، حتّى يأخذك أخذاً أليماً، فيُخرجك الله من الدُّنيا ذميماً أليماً )(١) .

وقالوا: إنّه كتب إليه: ( ما أنس طردك حسيناً من حرم الله وحرم رسوله، وكتابك إلى ابن مرجانة تأمره بقتله، وإنّي لأرجو من الله أن يأخذك عاجلاً، حيث قتلت عترة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورضيت بذلك. أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لتقتل الحسين؟! )(٢) .

معاوية ابنه يُحمّله المسؤولية:

قال ضمن خُطبته التي ألقاها بعد موت أبيه يزيد: (... ثمّ قُلّد أبي، وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلّت مُنعته، وانقطعت مدّته، وصار في حضرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه!

وقال: إنّ أعظم الأُمور علينا، علمنا بسوء مصرعه، وقبح مُنقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة وحرّق الكعبة )(٣) .

بعض بني العبّاس يُحمّله المسؤولية:

قيل: ( إنّه لما أُحضرت حرم مروان إلى صالح بن علي بن عبد الله ليُقْتلن، فقالت ابنة مروان الكبرى: يا عمّ أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تُحبّ حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمّك! فليسعنا من عفوكم ما أوسعكم من جورنا!!

قال: والله، لا أستبقي منكم أحداً، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟! ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٤٨. وروى نحوه الخوارزمي.

(٢) تذكرة الخواص: ٢٧٥. وروى الذهبي مضمون هذه الرسالة أيضاً (أنساب الأشراف ٥: ٣٢٢).

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢/ ٢٥٤.

٥٨

الحسين وصَلَبَه بالكوفة؟! ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصَلَبَه بخراسان؟! ألم يقتل ابن زياد الدعيّ مسلم بن عقيل؟ّ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته؟! ألم يخرج إليه بحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا فوقّفهنّ موقف السبي؟! )(١) .

رضاه بقتل الحسينعليه‌السلام بعد مقتله:

قال السعد التفتازاني: ( والحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل بيت رسول الله ممّا تواتر معناه )(٢) .

قال الشبراوي: ( قال أبو الفضل: وبعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وضِع في طست بين يدي يزيد، وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب، ثمّ أمر بصلبه فصُلِب ثلاثة أيّام بدمشق، وشكر لابن زياد صنيعه، وبالغ في إكرامه ورِفْعَته، حتّى صار يدخل على نسائه )(٣) .

وقال سبط ابن الجوزي: والذي يدلّ على هذا، أنّه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه، وسكر ليلة وقال للمغنّي غنِّ، ثمّ قال يزيد بديهيّاً:

اسْقِنْي شربةً تروي فؤادي

ثمّ مِلْ فاسْقِ مثلها ابن زيادِ

صاحب السرّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً

ومُبيد الأعداء والحُسَّادِ(٤)

ونحسب من علائم رضى يزيد، أمره بنصب الرأس الشريف على باب داره(٥) .

____________________

(١) دائرة المعارف ٤/ ٤٢١.

(٢) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٢.

(٣) الإتحاف بحُبّ الأشراف: ٦٩.

(٤) تذكرة الخواص: ٢٩.

(٥) مقتل الخوارزمي ٢/ ٧٤.

٥٩

أقوال العلماء في المسألة:

البلاذري:

روي بأسانيد مُتعدّدة أشياء حول فسق ولهو يزيد، ثمّ قال: ( ثمّ جرى على يده قتل الحسين، وقتل أهل الحرّة ورمي البيت وإحراقه )(١) .

القاضي ابن نعمان:

علّق على كلام يزيد لأُسارى أهل البيت: ( صيّرتم أنفسكم عبيداً لأهل العراق، ما علمت بمخرج أبي عبد الله حتّى بلغني قتله )، بقوله (القاضي ابن نعمان): ( كَذَبَ عدوُّ الله، بل هو الذي جهّز إليه الجيوش )(٢) .

المسعودي:

قال: ( وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة من شرب الخمر وقتل ابن بنت رسول الله و... )(٣) .

ابن عقيل (٤٣١ - ٥١٢):

قال الباعوني: ( ولقد قرأ قارئٌ بين يدي الشيخ العالم أبي الوفاء ابن عقيل (رحمه الله)( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤) ، فبكى وقال: سبحان الله! كان طمعه فيما قال:( ... فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ... ) (٥) ، جاوزوا - والله - الحدّ الذي طمع فيه!

ضحّوا بأشمط عنوان السجود به

يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

إي والله، عمدوا إلى عليّ بن أبي طالب بين صفَّيه فقتلوه، ثمّ قتلوا ابنه الحسين بن فاطمة الزهراء وأهل بيته الطيّبين الطاهرين، بعد أن منعوهم الماء، هذا والعهد بنبيّهم قريب، وهم القرن الذي رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأوه يُقبِّل فمه وترشُّفه

____________________

(١) أنساب الأشراف ٥/ ٢٩٩.

(٢) شرح الأخبار ٣/ ٢٦٨.

(٣) مروج الذهب ٣/ ٧٢.

(٤) سبأ: ٢٠.

(٥) النساء: ١١٩.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460