اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)

اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)23%

اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع) مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
تصنيف: الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
الصفحات: 253

اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)
  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 132783 / تحميل: 7939
الحجم الحجم الحجم
اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)

اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)

مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

وهذه الآيات ـ التي نبحثها ـ في الحقيقة تقف على نماذج للأمم السابقة ممّن شاهدوا أنواع المعاجز والأعمال غير العادية ، إلّا أنّهم استمروا في الإنكار وعدم الإيمان.

في البدء يقول تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) . سنشير في نهاية هذا البحث إلى هذه الآيات التسع وماهيتها.

ولأجل التأكيد على الموضوع اسأل ـ والخطاب موّجه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بني إسرائيل (اليهود) أمام قومك المعارضين والمنكرين :( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ ) .

إلّا أنّ الطاغية الجبار فرعون ـ برغم الآيات ـ لم يستسلم للحق ، بل أكثر من ذلك اتّهم موسى( فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ) .

وفي بيان معنى «مسحور» ذكر المفسّرون تفسيرين ، فالبعض قالوا : إنّها تعني الساحر بشهادة آيات قرآنية أخرى ، تقول بأنّ فرعون وقومه اتّهموا موسى بالساحر ، ومثل هذا الاستخدام وارد وله نظائر في اللغة العربية ، حيث يكون اسم المفعول بمعنى الفاعل ، كما في (مشؤوم) التي يمكن أن تأتي بمعنى «شائم» و (ميمون) بمعنى «يامن».

ولكن قسم آخر من المفسّرين أبقى كلمة «مسحور» بمعناها المفعولي والتي تعني الشخص الذي أثّر فيه الساحر ، كما يستفاد من الآية (39) من سورة الذاريات التي نسبت السحر إليه ، والجنون أيضا ،( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) .

على أي حال ، فإنّ التعبير القرآني يكشف عن الأسلوب الدعائي التحريضي الذي يستخدمه المستكبرون ويتهمون فيه الرجال الإلهيين بسبب حركتهم الإصلاحية الربانية ضدّ الفساد والظلم ، إذ يصف الظالمون والطغاة معجزاتهم بالسحر أو ينعتونهم بالجنون كي يؤثروا من هذا الطريق في قلوب الناس

١٦١

ويفرّقوهم عن الأنبياء.

ولكن موسىعليه‌السلام لم يسكت أمام اتّهام فرعون له ، بل أجابه بلغة قاطعة يعرف فرعون مغزاها الدقيق ، إذ قال له :( قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ) .

لذا فإنّك ـ يا فرعون ـ تعلم بوضوح أنّك تتنكر للحقائق ، برغم علمك بأنّها من الله! فهذه «بصائر» أي أدلة واضحة للناس كي يتعرفوا بواسطتها على طريق الحق. وعند ما سيسلكون طريق السعادة. وبما أنّك ـ يا فرعون ـ تعرف الحق وتنكره ، لذا :( وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) .

(مثبور) من (ثبور) وتعني الهلاك.

ولأنّ فرعون لم يستطع أن يقف بوجه استدلالات موسى القوية ، فإنّه سلك طريقا يسلكه جميع الطواغيت عديمي المنطق في جميع القرون وكافة الأعصار ، وذاك قوله تعالى:( فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ) .

«يستفز» من «استفزاز» وتعني الإخراج بقوة وعنف.

ومن بعد هذا النصر العظيم :( وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) . فتأتون مجموعات يوم القيامة للحساب.

«لفيف» من مادة «لفّ» وهنا تعني المجموعة المتداخلة المعقّدة بحيث لا يعرف الأشخاص ، ولا من أي قبيلة هم!

* * *

بحوث

1 ـ المقصود من الآيات التسع

لقد ذكر القرآن الكريم آيات ومعجزات كثيرة لموسىعليه‌السلام منها ما يلي :

1 ـ تحوّل العصا إلى ثعبان عظيم يلقف أدوات الساحرين ، كما في الآية

١٦٢

(20) من سورة طه :( فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ) .

2 ـ اليد البيضاء لموسىعليه‌السلام والتي تشع نورا :( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ) (1) .

3 ـ الطوفان :( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ) (2) .

4 ـ الجراد الذي أباد زراعتهم وأشجارهم( وَالْجَرادَ ) (3) .

5 ـ والقمل الذي هو نوع من الأمراض والآفات التي تصيب النبات : و( الْقُمَّلَ ) (4) .

6 ـ (الضفادع) التي جاءت من النيل وتكاثرت وأصبحت وبالا على حياتهم:( وَالضَّفادِعَ ) (5) .

7 ـ الدم ، أو الابتلاء العام بالرعاف ، أو تبدّل نهر النيل إلى لون الدم ، بحيث أصبح ماؤه غير صالح لا للشرب ولا للزراعة :( وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ) (6) .

8 ـ فتح طريق في البحر بحيث استطاع بنو إسرائيل العبور منه :( وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ) (7) .

9 ـ نزول ال (منّ) و (السلوى) من السماء ، وقد شرحنا ذلك في نهاية الآية (57) من سورة البقرة( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ) (8) .

10 ـ انفجار العيون من الأحجار :( فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ) (9) .

11 ـ انفصال جزء من الجبل ليظلّلهم :( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ

__________________

(1) طه ، 22.

(2) و (3) و (4) و (5) و (6) ـ الأعراف ، 133.

(7) البقرة ، 50.

(8) البقرة ، 57.

(9) البقرة ، 60.

١٦٣

ظُلَّةٌ ) (1) .

12 ـ الجفاف ونقص الثمرات :( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ) (2) .

13 ـ عودة الحياة إلى المقتول والذي أصبح قتله سببا للاختلاف بين بني إسرائيل:( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى ) (3) .

14 ـ الاستفادة من ظل الغمام في الاحتماء من حرارة الصحراء بشكل إعجازي :( وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ ) (4) .

ولكن الكلام هنا هو : ما هو المقصود من (الآيات التسع) المذكورة في الآيات التي نبحثها؟

يظهر من خلال التعابير المستخدمة في هذه الآيات أنّ المقصود هو المعاجز المرتبطة بفرعون وأصحابه ، وليست تلك المتعلقة ببني إسرائيل من قبيل نزول المنّ والسلوى وتفجّر العيون من الصخور وأمثال ذلك.

لذا يمكن القول أنّ الآية (133) من سورة الأعراف تتعرض إلى خمسة مواضيع من الآيات التسع وهي : (الطوفان ، القمّل ، الجراد ، الضفادع ، والدم).

كذلك اليد البيضاء والعصا تدخل في الآيات التسع ، يؤيد ذلك ورود تعبير (الآيات التسع) في الآيات (10 ـ 12) من سورة النمل بعد ذكر هاتين المعجزتين الكبيرتين.

وبذلك يصبح مجموع هذه المعاجز ـ الآيات ـ سبعا ، فما هي الآيتان الأخيرتان؟

بلا شك إنّنا لا نستطيع اعتبار غرق فرعون وقومه في عداد الآيات التسع ،

__________________

(1) الأعراف ، 171.

(2) الأعراف ، 130.

(3) البقرة ، 73.

(4) البقرة ، 57.

١٦٤

لأنّ الهدف من الآيات أن تكون دافعا لهدايتهم وسببا لقبولهم بنبوة موسىعليه‌السلام ، لا أن تقوم بهلاك فرعون وقومه.

عند التدقيق في آيات سورة الأعراف التي جاء فيها ذكر العديد من هذه الآيات يظهر أنّ الآيتين الأخريتين هما : (الجفاف) و (نقص الثمرات) حيث أننا نقرأ بعد معجزة العصا واليد البيضاء وقبل تبيان الآيات الخمس (الجراد ، والقمل ...) قوله تعالى :( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) .

وبالرغم من أنّ البعض يتصوّر أنّ الجفاف لا يمكن فصله عن نقص الثمرات وبذا تعتبر الآيتان آية واحدة ، إلّا أنّ الجفاف المؤقت والمحدود ـ كما قلنا في تفسير الآية (130) من سورة الأعراف ـ لا يؤثّر تأثيرا كبيرا في الأشجار ، أمّا عند ما يكون جفافا طويلا فإنّه سيؤدي إلى إبادة الأشجار ، لذا فإنّ الجفاف لوحده لا يؤدي دائما إلى نقص الثمرات.

إضافة إلى ما سبق يمكن أن يكون السبب في نقص الثمرات هو الأمراض والآفات وليس الجفاف.

والنتيجة أنّ الآيات التسع التي وردت الإشارة إليها في الآيات التي نبحثها هي:العصا، اليد البيضاء ، الطوفان ، الجراد ، القمل ، الضفادع ، الدم ، الجفاف ، ونقص الثمرات.

ومن نفس سورة الأعراف نعرف أنّ هؤلاء ـ برغم الآيات التسع هذه ـ لم يؤمنوا ، لذلك انتقمنا منهم وأغرقناهم في اليم بسبب تكذيبهم(1) .

هناك روايات عديدة وردت في مصادرنا حول تفسير هذه الآية ، ولاختلافها فيما بينها لا يمكن الاعتماد عليها في إصدار الحكم.

__________________

(1) الأعراف ، 136.

١٦٥

2 ـ هل أنّ السائل هو الرّسول نفسه؟

ظاهر الآيات أعلاه يدل على أنّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قد أمر بسؤال بني إسرائيل حول الآيات التسع التي نزلت على موسى ، وكيف أنّ فرعون وقومه صدّوا عن حقانية موسىعليه‌السلام بمختلف الذرائع رغم الآيات.

ولكن بما أنّ لدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من العلم والعقل بحيث أنّه لا يحتاج إلى السؤال ، لذا فإنّ بعض المفسّرين ذهب الى أن المأمور بالسؤال هم المخاطبون الآخرون.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ سؤال الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكن لنفسه ، بل للمشركين ، لذلك فما المانع من أن يكون شخص الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي يسأل حتى يعلم المشركون أنّه عند ما لم يوافق على اقتراحاتهم ، فذلك لأنّها اقتراحات باطلة قائمة على التعصّب والعناد ، كما قرأنا في قصّة موسى وفرعون ونظير ذلك.

3 ـ ما المراد ب (الأرض) المذكورة في الآيات؟

قرأنا في الآيات أعلاه أنّ الله أمر بني إسرائيل بعد أن انتصروا على فرعون وجنوده أن يسكنوا الأرض ، فهل الغرض من الأرض هي مصر (نفس الكلمة وردت في الآية السابقة والتي بيّنت أنّ فرعون أراد أن يخرجهم من تلك الأرض.

وبنفس المعنى أشارت آيات أخرى إلى أنّ بني إسرائيل ورثوا فرعون وقومه) أو أنّها إشارة إلى الأرض المقدّسة فلسطين ، لأنّ بني إسرائيل بعد هذه الحادثة اتجهوا نحو أرض فلسطين وأمروا أن يدخلوها.

بالنسبة لنا فإنّنا لا نستبعد أيّا من الاحتمالين ، لأنّ بني إسرائيل ـ بشهادة الآيات القرآنية ـ ورثوا أراضي فرعون وقومه ، وامتلكوا أرض فلسطين أيضا.

١٦٦

4 ـ هل تعني كلمة (وعد الآخرة) يوم البعث والآخرة؟

ظاهرا إنّ الإجابة بالإيجاب ، حيث أنّ جملة( جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) قرينة على هذا الموضوع ، ومؤيّدة لهذا الرأي. إلّا أنّ بعض المفسّرين احتملوا أنّ (وعد الآخرة) إشارة إلى ما أشرنا إليه في بداية هذه السورة ، من أنّ الله تبارك وتعالى قد توعّد بني إسرائيل بالنصر والهزيمة مرّتين ، وقد سمى الأولى بـ «وعد الأولى» والثّانية بـ «وعد الآخرة» ، إلّا أنّ هذا الاحتمال ضعيف مع وجود قوله تعالى :( جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) (فدقق في ذلك).

* * *

١٦٧

الآيات

( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) )

التّفسير

عشاق الحق

مرّة أخرى يشير القرآن العظيم إلى أهمية وعظمة هذا الكتاب السماوي ويجيب على بعض ذرائع المعارضين.

في البداية تقول الآيات :( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ ) ، ثمّ تضيف بلا أدنى فاصلة( وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) .

ثمّ تقول :( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) إذ ليس لك الحق في تغيير محتوى القرآن.

١٦٨

لقد ذكر المفسّرون آراء مختلفة في الفرق بين الجملة الأولى :( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ ) والجملة الثّانية :( وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) منها :

1 ـ المراد من الجملة الأولى : إنّنا قدّرنا أن ينزل القرآن بالحق. بينما تضيف الجملة الثّانية أنّ هذا الأمر أو التقدير قد تحقق ، لذا فإنّ التعبير الأوّل يشير إلى التقدير ، بينما يشير الثّاني إلى مرحلة الفعل والتحقق(1) .

2 ـ الجملة الأولى تشير إلى أنّ مادة القرآن ومحتواه هو الحق ، أمّا التعبير الثّاني فانّه يبيّن أن نتيجته وثمرته هي الحق أيضا(2) .

3 ـ الرأي الثّالث يرى أنّ الجملة الأولى تقول : إنّنا نزّلنا هذا القرآن بالحق بينما الثّانية تقول : إنّ الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتدخل في الحق ولم يتصرف به ، لذا فقد نزل الحقّ.

وثمّة احتمال آخر قد يكون أوضح من هذه التّفاسير ، وهو أنّ الإنسان قد يبدأ في بعض الأحيان بعمل ما ، ولكنّه لا يستطيع إتمامه بشكل صحيح وذلك بسبب من ضعفه ، أمّا بالنسبة للشخص الذي يعلم بكل شيء ويقدر على كل شيء ، فإنّه يبدأ بداية صحيحة ، وينهي العمل نهاية صحيحة. وكمثال على ذلك الشخص الذي يخرج ماء صافيا من أحد العيون ، ولكن خلال مسير هذا الماء لا يستطيع ذلك الشخص أن يحافظ على صفاء هذا الماء ونظافته أو يمنعه من التلوث ، فيصل الماء في هذه الحالة إلى الآخرين وهو ملوّث. إلّا أنّ الشخص القادر والمحيط بالأمور ، يحافظ على بقاء الماء صافيا وبعيدا عن عوامل التلوث حتى يصل إلى العطاشى والمحتاجين له.

القرآن كتاب نزل بالحق من قبل الخالق ، وهو محفوظ في جميع مراحله سواء في المرحلة التي كان الوسيط فيها جبرائيل الأمين ، أو المرحلة التي كان

__________________

(1) يراجع تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 3955.

(2) في ظلال القرآن ، أننا تفسير الآية.

١٦٩

الرّسول فيها هو المتلقي ، وبمرور الزمن له تستطيع يد التحريف والتزوير أن تمتد إليه بمقتضى قوله تعالى :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) فالله هو الذي يتكفل حمايته وحراسته.

لذا فإنّ هذا الماء النقي الصافي الوحي الإلهي القويم لم تناله يد التحريف والتبديل منذ عصر الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتى نهاية العالم.

الآية التي تليها ترد على واحدة من ذرائع المعارضين وحججهم ، إذ كانوا يقولون: لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة على الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولماذا كان نزوله تدريجيا؟ كما تشير إلى ذلك الآية (32) من سورة الفرقان التي تقول :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ) فيقول الله في جواب هؤلاء:( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ) (1) حتى يدخل القلوب والأفكار ويترجم عمليا بشكل كامل.

ومن أجل التأكيد أكثر تبيّن الآية ـ بشكل قاطع ـ أنّ جميع هذا القرآن أنزلناه نحن:( وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ) .

إنّ القرآن كتاب السماء إلى الأرض ، وهو أساس الإسلام ودليل لجميع البشر ، والقاعدة المتينة لجميع الشرائع القانونية والاجتماعية والسياسية والعبادية لدنيا المسلمين ، لذلك فإنّ شبهة هؤلاء في عدم نزوله دفعة واحدة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجاب عليها من خلال النقاط الآتية :

أوّلا : بالرغم من أنّ القرآن هو كتاب ، إلّا أنّه ليس ككتب الإنسان المؤلّفة حيث يجلس المؤلّف ويفكّر ويكتب موضوعا ، ثمّ ينظّم فصول الكتاب وأبوابه لينتهي من تحرير الكتاب ، بل القرآن له ارتباط دقيق بعصره ، أي ارتباط ب (23) سنة ، هي عصر نبوة نبي الإسلام بكل ما كانت تتمخض به من حوادث وقضايا.

__________________

(1) مجيء كلمة (قرآن) منصوبة في الآية أعلاه يفسّره المفسّرين بأنّه مفعول لفعل مقدّر تقديره (فرقناه) ، وبذلك تصبح الجملة هكذا : (وفرقناه قرآنا).

١٧٠

لذا كيف يمكن لكتاب يتحدث عن حوادث (23) سنة متزامنا لها أن ينزل في يوم واحد؟

هل يمكن جمع حوادث (23) سنة نفسها في يوم واحد ، حتى ينزل القرآن في يوم واحد؟

إنّ في القرآن آيات تتعلق بالغزوات الإسلامية ، وآيات تختص بالمنافقين ، وأخرى ترتبط بالوفود التي كانت تفد على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فهل يمكن أن يكتب مجموع كل ذلك منذ اليوم الأوّل؟

ثانيا : ليس القرآن كتابا ذا طابع تعليمي وحسب ، بل ينبغي لكل آية فيه أن تنفّذ بعد نزولها ، فإذا كان القرآن قد نزل مرّة واحدة ، فينبغي أن يتمّ العمل به مرّة واحدة أيضا ، ونعلم بأنّ هذا محال ، لأنّ إصلاح مجتمع مليء بالفساد لا يتمّ في يوم واحد ، إذ لا يمكن إرسال الطفل الأمي دفعة واحدة من الصف الأوّل إلى الصفوف المتقدمة في الجامعة في يوم واحد. لهذا السبب نزل القرآن نجوما ـ أي بشكل تدريجي ـ كي ينفذ بشكل جيّد ويستوعبه الجميع وكي يكون للمجتمع قابلية قبوله واستيعابه وتمثله عمليا.

ثالثا : بدون شك ، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقائد هذه النهضة العظيمة سيكون ذا قدرات وإمكانيات أكبر عند ما يقوم بتطبيق القرآن جزءا جزءا ، بدلا من تنفيذه دفعة واحدة. صحيح أنّه مرسل من الخالق وذو عقل واستعداد كبيرين ليس لهما مثيل ، إلّا أنّه برغم ذلك فإنّ تقبّل الناس للقرآن وتنفيذ تعاليمه بصورة تدريجية سيكون أكمل وأفضل ممّا لو نزل دفعة واحدة.

رابعا : النّزول التدريجي يعني الارتباط الدائمي للرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع مصدر الوحي ، إلّا أنّ النّزول الدفعي يتمّ بمرحلة واحدة لا يتسنى للرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الارتباط بمصدر الوحي لأكثر من مرّة واحدة.

آخر الآية (32) من سورة الفرقان تقول :( كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ

١٧١

تَرْتِيلاً ) وهي إشارة إلى السبب الثّالث ، بينما الآية التي نبحثها تشير إلى السبب الثّاني من مجموع الأسباب الأربعة التي أوردناها. ولكن الحصيلة أنّ مجموع هذه العوامل تكشف بشكل حي وواضح أسباب وثمار النّزول التدريجي للقرآن.

الآية التي تليها استهدفت غرور المعارضين الجهلة حيث تقول :( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) .

* * *

ملاحظات

في هذه الآية ينبغي الالتفات إلى الملاحظات الآتية :

أوّلا : يعتقد المفسّرون أنّ جملة( آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا ) يتبعها جملة محذوفة قدّروها بأوجه متعدّدة ، إذ قال بعضهم : إن المعنى هو : سواء آمنتم أم لم تؤمنوا فلا يضر ذلك بإعجاز القرآن ونسبته إلى الخالق.

بينما قال البعض : إنّ التقدير يكون : سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا فإنّ نفع ذلك وضرره سيقع عليكم.

لكن يحتمل أن تكون الجملة التي بعدها مكمّلة لها ، وهي كناية عن أنّ عدم الإيمان هو سبب عدم العلم والمعرفة ، فلو كنتم تعلمون لآمنتم به. وبعبارة أخرى : يكون المعنى : إذا لم تؤمنوا به فإنّ الأفراد الواعين وذوي العلم يؤمنون به.

ثانيا : إنّ المقصود من( الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ) هم مجموعة من علماء اليهود والنصارى من الذين آمنوا بعد أن سمعوا آيات القرآن ، وشاهدوا العلائم التي قرءوها في التوراة والإنجيل ، والتحقوا بصف المؤمنين الحقيقيين ، وأصبحوا من علماء الإسلام.

وفي آيات أخرى من القرآن تمت الإشارة إلى هذا الموضوع ، كما في قوله

١٧٢

تعالى في الآية (113) من سورة آل عمران :( لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) .

ثالثا : «يخرّون» بمعنى يسقطون على الأرض بدون إرادتهم ، واستخدام هذه الكلمة بدلا من السجود ينطوي على إشارة لطيفة ، هي أنّ الواعين وذوي القلوب اليقظة عند ما يسمعون آيات القرآن وكلام الخالقعزوجل ينجذبون إليه ويولهون به الى درجة أنّهم يسقطون على الأرض ويسجدون خشية بدون وعي واختيار(1) .

رابعا : (أذقان) جمع (ذقن) ومن المعلوم أن ذقن الإنسان عند السجود لا يلمس الأرض ، إلّا أن تعبير الآية إشارة إلى أنّ هؤلاء يضعون كامل وجههم على الأرض قبال خالقهم حتى أنّ ذقنهم قد يلمس الأرض عند السجود.

بعض المفسّرين احتمل أنّ الإنسان عند سجوده يضع أوّلا جبهته على الأرض ، ولكن الشخص المدهوش عند ما يسقط على الأرض يضع ذقنه أولا ، فيكون استخدام هذا التعبير في الآية تأكيدا لمعنى (يخرون)(2) .

الاية التي بعدها توضح قولهم عند ما يسجدون :( وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ) (3) . هؤلاء يعبرون بهذا الكلام عن عمق إيمانهم واعتقادهم بالله وبصفاته وبوعده. فهذا الكلام يشمل الإيمان بالتوحيد والصفات الحقة والإيمان بنبوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالمعاد. والكلام على هذا الأساس يجمع أصول الدين في جملة واحدة.

وللتأكيد ـ أكثر ـ على تأثّر هؤلاء بآيات ربّهم ، وعلى سجدة الحب التي

__________________

(1) يقول الراغب في (المفردات) : «يخرون» من مادة «خرير» ويقال لصوت الماء والريح وغير ذلك ممّا يسقط من علّو. وقوله تعالى :( خَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) تنبيه على اجتماع أمرين : السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح ، والتنبيه أنّ ذلك الخرير كان صوت تسبيحهم بحمد الله لا بشيء آخر. ودليله قوله تعالى فيما بعد:( وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) .

(2) تفسير المعاني ، ج 15 ، ص 175.

(3) (إنّ) في قوله :( إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا ) غير شرطية ، بل هي تأكيدية ، وهي مخففة من الثقيلة.

١٧٣

يسجدونها تقول الآية التي بعدها :( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) .

إنّ تكرار جملة( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ ) دليل على التأكيد ، وعلى الاستمرار أيضا.

الفعل المضارع (يبكون) دليل على استمرار البكاء بسبب حبّهم وعشقهم لخالقهم.

واستخدام الفعل المضارع في جملة( يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) دليل على أنّهم لا يتوقفون أبدا على حالة واحدة ، بل يتوجهون باستمرار نحو ذروة التكامل ، وخشوعهم دائما في زيادة (الخشوع هو حالة من التواضع والأدب الجسدي والروحي للإنسان في مقابل شخصية معينة أو حقيقة معينة).

* * *

بحثان :

1 ـ التخطيط للتربية والتعلم

من الدروس المهمّة التي نستفيدها من الآيات أعلاه ، هو ضرورة التخطيط لأي ثورة أو نهضة ثقافية أو فكرية أو اجتماعية أو تربوية ، فإذا لم يتمّ تنظيم مثل هذا البرنامج فالفشل سيكون النتيجة الحتمية لمثل هذه الجهود. إنّ القرآن الكريم لم ينزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة واحدة بالرغم من أنّه كان موجودا في مخزون علم الله كاملا ، وقد تمّ عرضه في ليلة القدر على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دفعة واحدة ، إلّا أنّ النّزول التدريجي استمرّ طوال (23) سنة ، وضمن مراحل زمنية مختلفة وفي إطار برنامج عملي دقيق.

وعند ما يقوم الخالق جلّ وعلا بهذا العمل بالرغم من عمله وقدرته المطلقة وغير المتناهية عند ذلك سيتّضح دورنا وتكليفنا نحن إزاء هذا المبدأ. وعادة ما يكون هذا قانونا وتكليفا إلهيا ، حيث أنّ وجوده العيني لا يختص بعالم التشريع

١٧٤

وحسب ، بل في عالم التكوين أيضا. إنّه من غير المتوقع أن تنصلح أمور مجتمع في مرحلة البناء خلال ليلة واحدة لأنّ البناء الحضاري الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي يحتاج إلى المزيد من الوقت.

وهذا الكلام يعني أنّنا إذا لم نصل إلى النتيجة المطلوبة في وقت قصير فعلينا أن لا نيأس ونترك بذل الجهد أو المثابرة. وينبغي أن نلتفت إلى أنّ الانتصارات النهائية والكاملة تكون عادة لأصحاب النفس الطويل.

2 ـ علاقة العلم بالإيمان

الموضوع الآخر الذي يمكن أن نستفيده من الآيات أعلاه هو علاقة العلم بالإيمان، إذ تقول الآيات : إنّكم سواء آمنتم بالله أو لم تؤمنوا فإنّ العلماء سيؤمنون بالله إلى درجة أنّهم يعشقون الخالق ويسقطون أرضا ساجدين من شدّة الوله والحبّ ، وتجري الدّموع من أعينهم، وإنّ هذا الخشوع والتأدّب يتصف بالاستمرار في كل عصر وزمان.

إنّ الجهلة ـ فقط ـ هم الذين لا يعيرون أهمية للحقائق ويواجهونها بالاستهزاء والسخرية ، وإذا أثّر فيهم الإيمان في بعض الأحيان فإنّه سيكون تأثيرا ضعيفا خاليا من الحبّ والحرارة.

إضافة إلى ذلك ، فإنّ في الآية ما يؤكّد خطأ وخطل النظرية التي تربط بين الدين والجهل أو الخوف من المجهول. أمّا القرآن فإنّه يؤكّد على عكس ذلك تماما ، إذ يقول في مواقع متعدّدة : إنّ العلم والإيمان توأمان ، إذ لا يمكن أن يكون هناك إيمان عميق ثابت من دون علم ، والعلم في مراحلة المتقدمة يحتاج إلى الإيمان. (فدقق في ذلك).

* * *

١٧٥

الآيتان

( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111) )

سبب النّزول

وردت آراء متعدّدة في سبب نزول هاتين الآيتين منها ما نقله صاحب مجمع البيان عن ابن عباس الذي قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساجدا ذات ليلة بمكّة يدعو : يا رحمن يا رحيم ، فقال المشركون متهمين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه يدعونا إلى إله واحد ، بينما يدعو هو مثنى مثنى. يقصدون بذلك قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا رحمن يا رحيم. فنزلت الآية الكريمة أعلاه(1) .

__________________

(1) يراجع مجمع البيان أثناء تفسير الآية.

١٧٦

التّفسير

آخر الذرائع والأغذار

بعد سلسلة من الذرائع التي تشبث بها المشركون امام دعوة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نصل مع الآيات التي بين أيدينا إلى آخر ذريعة لهم ، وهي قولهم : لماذا يذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخالق بأسماء متعدّدة بالرغم من أنّه يدّعي التوحيد. القرآن ردّ على هؤلاء بقوله :( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) . إنّ هؤلاء عميان البصيرة والقلب ، غافلون عن أحداث ووقائع حياتهم اليومية حيث كانوا يذكرون أسماء مختلفة لشخص واحد أو لمكان واحد ، وكل اسم من هذه الأسماء كان يعرّف بشطر أو بصفة من صفات ذلك الشخص أو المكان.

بعد ذلك ، هل من العجيب أن تكون للخالق أسماء متعدّدة تتناسب مع أفعاله وكمالاته وهو المطلق في وجوده وفي صفاته والمنبع لكل صفات الكمال وجميع النعم ، وهو وحدهعزوجل الذي يدير دفة هذا العالم والوجود؟

أساسا ، فانّ الله تعالى لا يمكن معرفته ومناجاته باسم واحد إذ ينبغي أن تكون أسماؤه مثل صفاته غير محدودة حتى تعبّر عن ذاته ، ولكن لمحدودية ألفاظنا ـ كما هي أشياؤنا الأخرى أيضا ـ لا نستطيع سوى ذكر أسماء محدودة له ، وإنّ معرفتنا مهما بلغت فهي محدودة أيضا ، حتى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو من هو في منزلته وروحه وعلو شأنه ، نراه يقول : «ما عرفناك حق معرفتك».

إنّ الله تعالى في قضية معرفتنا إيّاه لم يتركنا في أفق عقولنا ودرايتنا الخاصّة ، بل ساعدنا كثيرا في معرفة ذاته ، وذكر نفسه بأسماء متعدّدة في كتابه العظيم ، ومن خلال كلمات أوليائه تصل أسماؤه ـ تقدس وتعالى ـ إلى ألف اسم.

وطبيعي أنّ كل هذه أسماء الله ، وأحد معاني الأسماء العلّامة ، لذا فإنّ هذه علامات على ذاته الطاهرة ، وجميع هذه الخطوط والعلامات تنتهي إلى نقطة

١٧٧

واحدة ، وهي لا تقلّل من شأن توحيد الذات والصفات.

وهناك قسم من هذه الأسماء ذو أهمية وعظمة أكثر ، حيث تعطينا معرفة ووعيا أعظم، تسمى في القرآن الكريم وفي الرّوايات الإسلامية ، بالأسماء الحسنى ، وهناك رواية معروفة عن رسول الهدىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما مضمونها : «إن الله تسعا وتسعين اسما ، من أحصاها دخل الجنّة».

وهناك شرح مفصل للأسماء الحسنى ، والأسماء التسعة والتسعين بالذات ، أوردناه في نهاية الحديث عن الآية (180) من سورة الأعراف ، في قوله تعالى :( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) .

لكن علينا أن نفهم أنّ الغرض من عد الأسماء الحسنى ليس ذكرها على اللسان وحسب ، حتى يصبح الإنسان من أهل الجنّة ومستجاب الدعوة ، بل إنّ الهدف هو التخلّق بهذه الأسماء وتطبيق شذرات من هذه الأسماء ، مثل (العالم ، والرحمن ، والرحيم ، والجواد،والكريم) في وجودنا حتى نصبح من أهل الجنّة ومستجابي الدعوة.

وهناك كلام ينقله الشيخ الصدوقرحمه‌الله في كتاب التوحيد عن هشام بن الحكم جاء فيه :

يقول هشام بن الحكم : سألت أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام عن أسماء الله عزّ ذكره واشتقاقها فقلت : الله ممّا هو مشتق؟

قالعليه‌السلام : «يا هشام ، الله مشتق من إله ، وإله يقتضي مألوها ، والاسم غير المسمّى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا ، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد الاثنين ، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد.

أفهمت يا هشام؟».

قال هشام : قلت : زدني.

قالعليه‌السلام : «للهعزوجل تسعة وتسعون اسما ، فلو كان الاسم هو المسمى لكان

١٧٨

كلّ اسم منها هو إلها ، ولكن اللهعزوجل معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء وكلّها غيره.

يا هشام ، الخبز اسم للمأكول ، والماء اسم للمشروب ، والثوب اسم للملبوس ، والنار اسم للمحرق»(1) .

والآن لنعد إلى الآيات. ففي نهاية الآية التي نبحثها نرى المشركين يتحدّثون عن صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقولون : إنّه يؤذينا بصوته المرتفع في صلاته وعبادته ، فما هذه العبادة؟ فجاءت التعليمات لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبر قوله تعالى :( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) .

لذلك فإنّ الآية أعلاه لا علاقة لها بالصلوات الجهرية والإخفاتية في اصطلاح الفقهاء، بل إنّ المقصود منها يتعلق بالإفراط والتفريط في الجهر والإخفات ، فهي تقول : لا تقرأ بصوت مرتفع بحيث يشبه الصراخ ، ولا أقل من الحد الطبيعي بحيث تكون حركة شفاه وحسب ولا صوت فيها.

أسباب النّزول الواردة ـ حول الآية ـ التي يرويها الكثير من المفسّرين نقلا عن ابن عباس تؤيّد هذا المعنى.(2)

وهناك آيات عديدة من طرق أهل البيت نقلا عن الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام وتؤيد هذا المعنى وتشير إليه(3) .

لذا فإنا نستبعد التفاسير الأخرى الواردة حول الآية.

أمّا ما هو حد الاعتدال ، وما هو الجهر والإخفات المنهي عنهما؟ الظاهر أنّ الجهر هو بمعنى (الصراخ) ، و (الإخفات) هو من السكون بحيث لا يسمعه حتى فاعله.

وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال في تفسير الآية :

__________________

(1) توحيد الصدوق نقلا عن تفسير الميزان أثناء تفسير الآية.

(2) ـ يمكن مراجعة نور الثقلين ، ج 3 ، ص 233 فما بعد.

١٧٩

«الجهر بها رفع الصوت ، والتخافت بها ما لم تسع نفسك ، واقرأ بين ذلك»(1) .

أمّا الإخفات والجهر في الصلوات اليومية ، فهو ـ كما أشرنا لذلك ـ له حكم آخر، أو مفهوم آخر ، أي له أدلة منفصلة ، حيث ذكرها فقهاؤنا رضوان الله عليهم في (كتاب الصلاة) وبحثوا عنها.

* * *

ملاحظة

هذا الحكم الإسلامي في الدعوة إلى الاعتدال بين الجهر والإخفات يعطينا فهما وإدراكا من جهتين :

الأولى : لا تؤدوا العبادات بشكل تكون فيه ذريعة بيد الأعداء ، فيقومون بالاستهزاء والتحجج ضدكم ، إذ الأفضل أن تكون مقرونة بالوقار والهدوء والأدب ، كي تعكس بذلك نموذجا لعظمة الأدب الإسلامي ومنهج العبادة في الإسلام.

فالذين يقومون في أوقات استراحة الناس بإلقاء المحاضرات الدينية بواسطة مكبرات الصوت ، ويعتقدون أنّهم بذلك يوصلون صوتهم إلى الآخرين ، هم على خطأ ، وعملهم هذا لا يعكس أدب الإسلام في العبادات ، وستكون النتيجة عكسية على قضية التبليغ الديني.

الثّانية : يجب أن يكون هذ التوجيه مبدأ لنا في جميع أعمالنا وبرامجنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وتكون جميع هذه الأمور بعيدة عن الإفراط والتفريط ، إذ الأساس هو :( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) .

أخيرا نصل إلى الآية الأخيرة من سورة الإسراء ، هذه الآية تنهي السورة المباركة بحمد الله ، كما افتتحت بتسبيحه وتنزيه ذاتهعزوجل . إنّ هذه الآية ـ في

__________________

(1) نور الثقلين ، ج 3 ، ص 234.

١٨٠

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

الله عَزَّ وجَلَّ جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون(١) .

قال له عمران: أخبرني عن الإبداع خلقٌ هو أم غير خلق؟

قال الرضاعليه‌السلام : بل خلقٌ ساكنٌ لا يُدرَك بالسكون وإنّما صار خلقاً، لأنّه شيءٌ محدَثٌ، والله الذي أحدثه. فصار خلقاً له. وإنّما هو الله عَزَّ وجَلَّ وخلقُهُ لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عَزَّ وجَلَّ لم يعد أن يكون خلقه وقد يكون الخلقُ ساكناً ومتحرِّكاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً وكلُّ ما وقع عليه حدٌّ فهو خلق الله عَزَّ وجَلَّ)(٢) .

واعلم أنّ كلّما أوجدتك الحواسّ فهو معنى مدرك للحواسّ، وكلّ حاسّة على ما جعل الله عَزَّ وجَلَّ لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كلّه واعلم أنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد، خلق خلقاً مقدّراً بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدّر، فليس في كل واحد منهما لون ولا ذوق ولا وزن، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بأنفسهما، ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره للّذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده.

والله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يمسكه، والخلق يمسك بعضه بعضاً بإذن الله ومشيئته، وإنّما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعداً.

ولو وصفوا الله عَزَّ وجَلَّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

قال عمران: يا سيدي أشهد أنّه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسألة.

____________________

(١) مسند الإمام الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٨٨ - ٩٠.

(٢) مسند الإمام الرضاعليه‌السلام : ٢ / ٨٨ - ٩٠.

٢٠١

قال: سل عمّا أردت.

قال: اسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحوّل من شيء إلى شيء؟ أو به حاجة إلى شيء؟

قال الرضاعليه‌السلام : أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فانّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم وليس يفهمه المتفاوت عقله، العازب علمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون.

أما أوّل ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عَزَّ وجَلَّ لم يخلق شيئاً لحاجته ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء إلاّ أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه، والله عَزَّ وجَلَّ وتقدّس بقدرته يمسك ذلك كلّه، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلاّ الله عَزَّ وجَلَّ.

ومن أطّلعه عليه من رسله وأهل سرّه والمستحفظين لأمره وخزّانه القائمين بشريعته، وإنّما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئاً، فإنّما يقول له ( كن فيكون) بمشيّته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولا شيء منه هو أبعد منه من شيء، أفهمت يا عمران؟

قال: نعم يا سيدي قد فهمت، واشهد أن الله على ما وصفته ووحدته، وأن محمّداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ، ثم خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلمّا نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجّته أحد قطّ، لم يدنُ من الرضاعليه‌السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شيء وأمسيناه فنهض المأمون والرضاعليه‌السلام فدخلا وانصرف الناس وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلي محمد بن جعفر فأتيته.

فقال لي: يا نوفليّ أما رأيت ما جاء به صديقك لا والله ما ظننت أنّ عليّ

٢٠٢

ابن موسى خاضّ في شيء من هذا قطّ. ولا عرفناه به إنّه كان يتكلّم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام.

قلت: قد كان الحاجّ يأتونه ويسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وكلّمه من يأتيه لحاجة.

فقال محمّد بن جعفر: يا أبا محمد إنّي أخاف عليه أن يحسده هذا الرّجل فيسمّه أو يفعل به بليّة، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء، قلت: إذاً لا يقبل منّي، وما أراد الرّجل إلاّ امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائهعليهم‌السلام فقال لي: قل له إنّ عمك قد كره هذا الباب وأحبّ أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى.

فلمّا انقلبت إلى منزل الرضاعليه‌السلام أخبرته بما كان من عمّه محمد بن جعفر فتبسّم ثم قال: حفظ الله عمّي ما أعرفني به، لِمَ كره ذلك؟ يا غلام صر إلى عمران الصابي فأتني به.

فقلت: جعلت فداك أنا أعرف موضعه هو عند بعض إخواننا من الشيعة.

قالعليه‌السلام : فلا بأس، قرّبوا إليه دابّة، فصرت إلى عمران فأتيته به فرحّب به ودعا بكسوة فخلعها عليه وحمله، ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها.

فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدّك أمير المؤمنينعليه‌السلام .

قال: هكذا نحبّ، ثم دعاعليه‌السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه وأجلس عمران عن يساره حتّى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحباً وبكّر علينا نطعمك طعام المدينة، فكان عمران بعد ذلك يجتمع عليه المتكلّمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتّى اجتنبوه، ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالاً وحمله، وولاّه الرضاعليه‌السلام صدقات بلخٍ فأصاب الرّغائب(١) .

____________________

(١) التوحيد: ٤١٧ - ٤٤١، والعيون ك ١ - ١٥٤.

٢٠٣

٣ - حواره مع علي بن الجهم

عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن القاسم بن محمد البرمكي عن أبي الصلت الهروي: أن المأمون لما جمع لعلي بن موسى الرضاعليه‌السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وساير أهل المقالات فلم يقم أحد إلاّ وقد ألزمه حجّته كأنّه قد ألقم حجراً.

فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟

قال: بلى.

قال: فما تعمل في قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَعَصَى آدَمُ رَبّهُ فَغَوَى ) وقوله عَزَّ وجَلَّ:( وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لَن نّقْدِرَ عَلَيْهِ ) وقوله في يوسف: ( وَظَنّ دَاوُدُ أَنّمَا فَتَنّاهُ ) وقوله في نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله):( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) ؟

فقال الإمام الرضاعليه‌السلام : ويحك يا علي! اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله عَزَّ وجَلَّ برأيك، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .

أما قوله عَزَّ وجَلَّ في آدمعليه‌السلام ( وَعَصَى آدَمُ رَبّهُ فَغَوَى ) فإن الله عَزَّ وجَلَّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتمّ مقادير أمر الله عَزَّ وجَلَّ. فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عَزَّ وجَلَّ:( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .

وأما قوله عَزَّ وجَلَّ:( وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لَن نّقْدِرَ عَلَيْهِ ) إنّما ظن أنّ

٢٠٤

الله عَزَّ وجَلَّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَأَمّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) أي ضيّق عليه، ولو ظنّ أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.

وأما قوله عَزَّ وجَلَّ في يوسف:( وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا ) فإنّها همّت بالمعصية وهمّ يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ ) يعني القتل ( وَالْفَحْشَاءَ ) يعني الزنا.

وأما داود فما يقول من قبلكم فيه؟

فقال علي بن الجهم يقولون: إنّ داود كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة أُوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان أُوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن أقدم أُوريا أمام الحرب، فقدّم فظفر أُوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود.

فكتب الثانية أن قدّمه أمام التابوت فقتل أُوريا رحمه الله وتزوّج داود بامرأته.

قال: فضرب الرضاعليه‌السلام بيده على جبهته، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة ثم بالقتل.

فقال: يابن رسول الله! فما كانت خطيئته؟

فقالعليه‌السلام : ويحك إنّ داود إنّما ظن أن ما خلق الله عَزَّ وجَلَّ خلقاً هو أعلم منه فبعث الله عَزَّ وجَلَّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقالا: ( خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) فعجّل داودعليه‌السلام على المدّعى عليه، فقال:( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ) ولم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك، ولم يُقبل

٢٠٥

على المدعي عليه فيقول ما يقول.

فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول الله عَزَّ وجَلَّ يقول:( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ ... ) .

فقلت: يا بن رسول الله فما قصته مع أُوريا؟

فقال الإمام الرضاعليه‌السلام : إنّ المرأة في أيام داود إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً، وأول من أباح الله عَزَّ وجَلَّ له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داودعليه‌السلام ، فذلك الذي شقّ على أُوريا. أما محمد نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وقول الله عَزَّ وجَلَّ له:( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) فإن الله عَزَّ وجَلَّ عرّف نبيه (صلّى الله عليه وآله) أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وإنّهنّ أمهات المؤمنين واحد من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذٍ تحت زيد بن حارثة.

فأخفى (صلّى الله عليه وآله) اسمها في نفسه ولم يبده له لكيلا يقول أحد من المنافقين أنه قال في امرأة في بيت رجل أنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين قال الله عَزَّ وجَلَّ: (وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) في نفسك وأن الله عَزَّ وجَلَّ ما تولى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حواء من آدم وزينب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة من عليعليه‌السلام .

قال: فبكى علي بن الجهم وقال: يابن رسول الله أنا تائب إلى الله عَزَّ وجَلَّ أن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا إلاّ بما ذكرته(١) .

٤ - حواره مع صاحب الجاثليق

عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى صاحب السابريّ، قال: سألني أبو قرّة صاحب الجاثليق أن أوصله إلى الرضاعليه‌السلام فستأذنته في ذلك.

____________________

(١) أمالي الصدوق: ٥٥.

٢٠٦

فقالعليه‌السلام : أدخله عليّ. فلما دخل عليه قبّل بساطه وقال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا، ثم قال: أصلحك الله ما تقول في فرقة ادّعت دعوى فشهدت لهم فرقة أخرى معدّلون؟

قال: الدعوى لهم.

قال: فادعت فرقة أخرى دعوى، فلم يجدوا شهوداً من غيرهم؟

قال: لا شيء لهم.

قال: فإنّا نحن ادّعينا أنّ عيسى روح الله وكلمته ألقاها، فوافقنا على ذلك المسلمون، وادّعى المسلمون أن محمّداً نبيّ، فلم نتابعهم عليه وما أجمعنا عليه خير ممّا افترقنا فيه.

فقال له الرضاعليه‌السلام : ما اسمك؟

قال: يوحنا.

قال: يا يوحنا إنّا آمنا بعيسى بن مريمعليه‌السلام روح الله وكلمته الذي كان يؤمن بمحمد (صلّى الله عليه وآله)، ويبشّر به، ويقرّ على نفسه أنه عبد مربوب. فإن كان عيسى الذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الذي آمن بمحمد (صلّى الله عليه وآله)، وبشّر به، ولا هو الذي أقرّ لله عَزَّ وجَلَّ بالعبوديّة والربوبية، فنحن منه بُراء فأين اجتمعنا؟

فقام وقال لصفوان بن يحيى: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس!(١)

٥ - حواره مع أرباب المذاهب الإسلامية

لما حضر عليُّ بن موسى الرضاعليهما‌السلام مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان. فقال المأمون: (أخبروني عن معنى

____________________

(١) عيون الأخبار: ٢ / ٢٣٠.

٢٠٧

هذه الآية( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (١)؟

فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلّها.

فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال الرضاعليه‌السلام : لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرةعليهم‌السلام .

فقال المأمون: وكيف عنى العترةَ دون الأمة؟

فقال الرضاعليه‌السلام : لو أراد الأمة لكانت بأجمعها في الجنة؛ لقول الله:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (٢) . ثم جعلهم في الجنة فقال عَزَّ وجَلَّ:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) (٣) فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم. ثم قال الرضاعليه‌السلام : هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٤) . وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخلّفٌ فيكم الثَقَلين كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. انظروا كيف تَخْلُفوني فيهما، يا أيها الناس لا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم.

قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غيرُ الآل؟

فقال الرضاعليه‌السلام : هم الآل.

فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثَر عنه(٥) أنه قال: أمتي آلي وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أُمته.

____________________

(١) سورة فاطر (٣٥): ٣٢.

(٢) سورة فاطر (٣٥): ٣٢.

(٣) سورة فاطر (٣٥): ٣٣.

(٤) الأحزاب (٣٣): ٣٣.

(٥) أي ينقل عنه: يقال أثر الحديث من بابي - ضرب ونصر -: نقله.

٢٠٨

فقال الرضاعليه‌السلام : أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد؟

قالوا: نعم.

قالعليه‌السلام : فتحرم على الأمة؟

قالوا: لا.

قالعليه‌السلام : هذا فرقٌ بين الآل وبين الأمة. ويحكم! أين يذهب بكم؟! أصرفتم عن الذكر صفحاً أم أنتم قومٌ مسرفون؟! أما علمتم أنّما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟!

قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن؟

قالعليه‌السلام : من قول الله( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (١) فصارت وراثة النبوَّة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أنَّ نوحاً سأل ربّه( فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُُّّ ) (٢) وذلك أنَّ الله وعده أن ينجيه وأهلَه، فقال له ربُّه تبارك وتعالى:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (٣) .

فقال المأمون: فهل فضَّل الله العترة على سائر الناس؟

فقال الرضاعليه‌السلام : إنَّ الله العزيز الجبّار فضّل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.

قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله؟

فقال الرضاعليه‌السلام : في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (٤) وقال الله في موضع آخر: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

____________________

(١) الحديد (٥٧): ٢٦.

(٢) هود (١١): ٤٥.

(٣) هود (١١): ٤٦.

(٤) آل عمران (٣): ٣٣ - ٣٤.

٢٠٩

وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) (١) ثمّ ردَّ المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحُسِدوا عليهما بقوله:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين والمُلْكُ ههنا الطاعة لهم.

قالت العلماء: هل فسَّر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرضاعليه‌السلام : فسَّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً. فأوّل ذلك قول الله:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٣) - ورهطك المخلصين - هكذا في قراءة أُبي بن كعب وهي ثابتةٌ في مصحف عبد الله بن مسعود فلمّا أمر عثمان زيدَ ابن ثابت أن يجمع القرآن خَنَسَ هذه الآية(٤) وهذه منزلةٌ رفيعة وفضلٌ عظيم وشرف عال حين عنى الله عَزَّ وجَلَّ بذلك الآل فهذه واحدة.

والآية الثانية في الاصطفاء قول الله:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند لأنَّه فضلٌ بيِّن.

والآية الثالثة حين ميَّز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيَّه في آية الابتهال فقال:( قُلْ - يا محمد -تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٥) فأبرز النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً والحسنَ والحسينَ وفاطمةَعليها‌السلام فقَرَن أنفسهم بنفسه. فهل تدرون ما معنى قوله:( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؟ قالت العلماء: عنى به نفسَه. قال أبو الحسنعليه‌السلام : غلطتم، إنما عنى به عليّاًعليه‌السلام . ومما

____________________

(١) النساء (٤): ٥٤.

(٢) النساء (٤): ٥٩.

(٣) الشعراء (٢٦): ٢١٤.

(٤) خنس الشيء: من بابي ضَرَبَ ونَصَرَ - ستر. ومن قوله: (أمر عثمان - إلى قوله - وخنسه) ليست في العيون.

(٥) آل عمران (٣): ٦١، وليس في القرآن كلمة (يا محمد) وهو تفسير وتوضيح منهعليه‌السلام .

٢١٠

يدلُّ على ذلك قولُ النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: لينتهينَّ بنو وليعةَ(١) أو لأبعثنَّ إليهم رجلاً كنفسي يعني عليّاًعليه‌السلام . فهذه خصوصيَّة لا يتقدَّمها أحدٌ. وفضل لا يختلف فيه بشر. وشرف لا يسبقه إليه خلقٌ؛ إذ جعل نفسَ عليٍّعليه‌السلام كنفسه فهذه الثالثة.

وأمّا الرابعة: فإخراجه الناسَ من مسجده ما خلا العترةَ حين تكلّم الناسُ في ذلك، وتكلم العبّاسُ، فقال: يا رسول الله تركت عليّاً وأخرجتنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا تركته وأخرجتكم ولكنَّ الله تركه وأخرجكم. وفي هذا بيان قوله لعليعليه‌السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

قال العلماء: فأين هذا من القرآن؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : أوجِدُكُم في ذلك قرآناً أقرؤه عليكم، قالوا: هات. قالعليه‌السلام : قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) (٢) ففي هذه الآية منزلةُ هارون من موسى وفيها أيضاً منزلةُ عليٍّعليه‌السلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومع هذا دليل ظاهر في رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: إن هذا المسجد لا يحلُّ لجُنُب ولا لحائض إلاّ لمحمد وآل محمد.

فقالت العلماء: هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد إلاّ عندكم معشرَ أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : ومن ينكر لنا ذلك ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد مدينةَ العلم فليأتها من بابها). ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا يُنكره إلاّ معاندٌ. ولله عَزَّ وجَلَّ الحمدُ على ذلك. فهذه الرابعة.

وأمّا الخامسة: فقولُ الله عَزَّ وجَلَّ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (٣) خصوصية خصَّهم

____________________

(١) بنو وليعة - كسفينة -: حيّ من كندة.

(٢) يونس (١٠): ٨٧.

(٣) الإسراء (١٧): ٢٦.

٢١١

الله العزيز الجبّار بها واصطفاهم على الأمة. فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ادعوا لي فاطمة فدعوها له. فقال: يا فاطمة. قالت: لبيّك يا رسول الله. فقال: إنَّ فدك لم يُوجَف عليها بخيل ولا ركاب وهي لي خاصَّة دون المسلمين. وقد جعلتها لك لما أمرني الله به فخُذيها لك ولولدك. فهذه الخامسة.

وأمّا السادسة: فقول الله عَزَّ وجَلَّ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) فهذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وآله) دون الأنبياء وخصوصيَّة للآل دون غيرهم. وذلك أنَّ الله حكى عن الأنبياء في ذكر نوحعليه‌السلام ( وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) (٢) وحكى عن هودعليه‌السلام قال:( ...يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (٣) .

وقال لنبيِّه (صلى الله عليه وآله):( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) . ولم يفرض الله مودَّتهم إلا وقد علم أنّهم لا يرتدون عن الدين أبداً ولا يرجعون إلى ضلالة أبداً. وأخرى أن يكون الرجل وادّاً للرجل فيكون بعضُ أهل بيته عدوَّاً له فلا يَسلَمُ قلبٌ فأحبَّ الله أن لا يكون في قلبِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين شيءٌ. إذ فرض عليهم مودَّة ذي القربى، فمن أخذ بها وأحبَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) وأحبَّ أهل بيتهعليهم‌السلام لم يستطع رسولُ الله أن يبغضه. ومن تركها ولم يأخذها وأبغض أهل بيت نبيِّه (صلى الله عليه وآله) فعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبغضه؛ لأنّه قد ترك فريضة من فرائض الله. وأيُّ فضيلة وأيُّ شرف يتقدم هذا. ولمّا أنزل الله هذه الآية على نبيِّه (صلى الله عليه وآله):( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أصحابه، فَحَمِد الله وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس إنَّ الله قد فرض عليكم فرضاً فهل أنتم مؤدُّوه فلم يجبه أحدٌ. فقام فيهم يوماً ثانياً، فقال مثل ذلك. فلم

____________________

(١) الشورى (٤٢): ٢٣.

(٢) هود (١١): ٢٩.

(٣) هود (١١): ٥١.

٢١٢

يجبه أحدٌ. فقام فيهم يومَ الثالث، فقال: أيُّها الناس إنَّ الله قد فرض عليكم فرضاً فهل أنتم مؤدُّوه فلم يجبه أحد. فقال: أيُّها الناس إنَّه ليس ذهباً ولا فضة ولا مأكولاً ولا مشروباً. قالوا: فهات إذاً؟ فتلا عليهم هذه الآية. فقالوا: أمَّا هذا فنعم. فما وفى به أكثرُهم.

ثمَّ قال أبو الحسنعليه‌السلام : حدثني أبي، عن جدّي، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليهم‌السلام قال: اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن لك يا رسول الله مؤونةً في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم بها بارَّاً مأجوراً، أعطِ ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج. فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ عليه الروح الأمين فقال: يا محمد( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) لا تؤذوا قرابتي من بعدي، فخرجوا، فقال أناس منهم: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحُثَّنا على قرابته من بعده إن هو إلاّ شيء افتراه في مجلسه وكان ذلك من قولهم عظيماً. فأنزل الله هذه الآية( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (١) فبعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: هل من حدث؟ فقالوا: إي والله يا رسول الله، لقد تكلّم بعضنا كلاماً عظيماً [فـ]ـكرهناه، فتلا عليهم رسول الله فبكوا واشتدَّ بكاؤهم، فأنزل الله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (٢) فهذه السادسة.

وأمّا السابعة فيقول الله:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٣) وقد علم المعاندون [منهم] أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، قد عرفنا التسليم [عليك] فكيف الصلاة عليك؟ فقال: تقولون: (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد) وهل بينكم معاشر الناس في هذا اختلافٌ؟ قالوا: لا.

فقال المأمون: هذا ما لا اختلاف فيه

____________________

(١) الأحقاف (٤٦): ٧.

(٢) الشورى (٤٢): ٢٥.

(٣) الأحزاب (٣٣): ٥٦.

٢١٣

[أصلا] وعليه الإجماع فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا القرآن؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : أخبروني عن قول الله: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) فمن عنى بقوله: يس؟ قال العلماء: يس محمد ليس فيه شك. قال أبو الحسنعليه‌السلام : أعطى الله محمداً وآل محمد من ذلك فضلاً لم يبلغ أحدٌ كنه وصفه لمن عقله وذلك أنَّ الله لم يسلّم على أحد إلاّ على الأنبياء [صلوات الله عليهم] فقال تبارك وتعالى:( سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) (٢) وقال:( سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (٣) وقال:( سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) (٤) ولم يقل: سلامٌ على آل نوح ولم يقل: سلامٌ على آل إبراهيم ولا قال: سلامٌ على آل موسى وهارون؛ وقال عَزَّ وجَلَّ:( سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) (٥) يعني آل محمد. فقال المأمون: لقد علمت أنَّ في معدن النبوة شرح هذا وبيانه. فهذه السابعة.

وأمَّا الثامنة فقول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (٦) فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسوله (صلى الله عليه وآله) فهذا فصل بين الآل والأمة، لأنَّ الله جعلهم في حيِّز وجعل الناس كلَّهم في حيِّز دون ذلك ورضي لهم ما رضي لنفسه واصطفاهم فيه، وابتدأ بنفسه ثم ثنّى برسوله ثم بذي القربى في كلّ ما كان من الفيء والغنيمة وغير ذلك مما رضيه عَزَّ وجَلَّ لنفسه ورضيه لهم فقال وقوله الحقُّ:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) فهذا توكيد مؤكد وأمرٌ دائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ

____________________

(١) يس (٣٦): ١ - ٤.

(٢) الصافات (٣٧): ٧٧. أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من الملائكة والجن والانس.

(٣) الصافات (٣٧): ١٠٩.

(٤) الصافات (٣٧): ١٢٠.

(٥) الصافات (٣٧): ١٣٠.

(٦) الأنفال (٨): ٤١.

٢١٤

يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) . وأما قوله:( وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ) فإنَّ اليتيم إذا انقطع يتمُهُ(١) خرج من المغانم ولم يكن له نصيبٌ وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيبٌ في المغنم ولا يحلُّ له أخذه وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم فيهم للغنيِّ والفقير، لأنَّه لا أحد أغنى من الله ولا من رسوله (صلى الله عليه وآله) فجعل لنفسه منها سهماً ولرسوله (صلى الله عليه وآله) سهماً، فما رضي لنفسه ولرسوله رضيه لهم وكذلك الفيء ما رضيه لنفسه ولنبيَّه (صلى الله عليه وآله) رضيه لذي القربى كما جاز لهم في الغنيمة فبدأ بنفسه، ثمَّ برسوله (صلى الله عليه وآله)، ثمَّ بهم، وقرن سهم بسهم الله وسهم رسوله (صلى الله عليه وآله) وكذلك في الطاعة قال عَزَّ وجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) فبدأ بنفسه، ثمَّ برسوله (صلى الله عليه وآله) ثم بأهل بيته وكذلك آية الولاية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٣) فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونةً بطاعته كما جعل سهمه مع سهم الرسول مقروناً بأسهمهم في الغنيمة والفيء فتبارك الله ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت، فلمّا جاءت قصةُ الصدقة نزَّه نفسه عزَّ ذكره ونزَّه رسوله (صلى الله عليه وآله) ونزَّه أهل بيته عنها فقال:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ) (٤) فهل تجد في شيء من ذلك أنّه جعل لنفسه سهماً أو لرسوله (صلى الله عليه وآله) أو لذي القربى لأنّه لمّا نزَّههم عن الصدقة نزَّه نفسه ونزَّه رسولَه ونزَّه أهل بيته لا بل حرَّم عليهم، لأنَّ الصدقة محرّمةٌ على محمد وأهل بيته وهي أوساخ الناس لا تحِلُّ لهم لأنهم طُهِّروا من كل دنس ورسخ، فلمّا طهَّرهم واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه وكره لهم ما كره لنفسه.

وأما التاسعة فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

____________________

(١) اليتم - بالضم مصدر يتم ييتم -: الانفراد. وأيضاً حالة اليتيم.

(٢) النساء (٤): ٥٩.

(٣) المائدة (٥): ٥٥.

(٤) التوبة (٩): ٦٠.

٢١٥

إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (١) فقال العلماء(٢) إنما عنى بذلك اليهود والنصارى. قال أبو الحسنعليه‌السلام : وهل يجوز ذلك؟ إذاً يدعونا إلى دينهم ويقولون: إنه أفضل من دين الإسلام. فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا يا أبا الحسن؟ قال: نعم. الذِّكرُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أهله وذلك بيّن في كتاب الله بقوله في سورة الطلاق:( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ ) (٣) فالذِّكر رسول الله ونحن أهله. فهذه التاسعة.

وأمّا العاشرة فقول الله عَزَّ وجَلَّ في آية التحريم:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ - ) (٤) أخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة ابنتي أو ما تناسل من صلبي لرسول الله أن يتزوّجها لو كان حيّاً؟ قالوا: لا. قالعليه‌السلام : فأخبروني هل كانت ابنةُ أحدكم تصلَحُ له أن يتزوّجها؟ قالوا: بلى. قال: فقالعليه‌السلام : ففي هذا بيان أنّا من آله ولستم من آله ولو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم كما حرمت عليه بناتي. لأِنّا من آله وأنتم من أُمته، فهذا فرق بين الآل والأمة، إذا لم تكن الآل فليست منه. فهذه العاشرة.

وأمّا الحادية عشرة فقوله في سورة المؤمن حكايةً عن قول رجل:( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٥) فكان ابنَ خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه ولم يضفه إليه بدينه. وكذلك خُصِّصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادتنا منه وعُمِّمنا الناسَ بدينه، فهذا فرق ما بين الآل والأمة فهذه الحادية عشرة.

____________________

(١) النحل (١٦): ٤٣، الأنبياء (٢١): ٧.

(٢) في العيون: (نحن أهل الذكر فاسألونا ان كنتم لا تعلمون) فقالت العلماء... الخ.

(٣) الطلاق (٦٥): ١٠ - ١١.

(٤) النساء (٤): ٢٣.

(٥) غافر (٤٠): ٢٨.

٢١٦

وأمّا الثانية عشرة فقوله:( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (١) فخصّنا بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع أمره، ثم خصَّنا دون الأمة، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيء إلى باب عليٍّ وفاطمةعليهما‌السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرّات فيقول الصلاةَ يرحمكم الله، وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء بهذه الكرامة التي أكرمنا الله بها وخصّنا من جميع أهل بيته فهذا فرق ما بين الآل والأمة. وصلّى الله على ذرّيته والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمد نبيه(٢) .

٦ - حواره مع المأمون

عن أبي الصلت الهروي قال: قال المأمون يوماً للرضاعليه‌السلام : يا أبا الحسن أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين بأيّ وجه هو قسيم الجنّة والنار؟ وبأي معنى؟ فقد كثر فكري في ذلك!

فقال له الرضاعليه‌السلام : (يا أمير المؤمنين ألم ترو، عن أبيك، عن آبائه، عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: حبّ علي إيمان وبغضه كفر؟ فقال: بلى! فقال الرضاعليه‌السلام : فقسمة الجنة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه فهو قسيم الجنّة والنار.

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو الصلت الهروي: فلما انصرف الرضاعليه‌السلام إلى منزله أتيته، فقلت له، ياابن رسول الله ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين؟ فقال الرضاعليه‌السلام : يا أبا الصلت إنما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدّث عن آبائه عن

____________________

(١) طه (٢٠): ١٣٢.

(٢) تحف العقول: ٣١٣.

٢١٧

عليّعليه‌السلام أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار هذا لي وهذا لك)(١) .

٧ - حواره مع متكلمي الفرق الإسلامية

عن الحسن بن الجهم، قال: (حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده عليّ ابن موسى الرضاعليه‌السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم، فقال له: يابن رسول الله بأيّ شيء تصح الإمامة لمدّعيها؟

قالعليه‌السلام : بالنصّ والدليل، قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟ قال: في العلم واستجابة الدّعوة، قال: فما وجه إخباركم بما يكون؟ قال: ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس. قالعليه‌السلام : أما بلغك قول الرسول (صلى الله عليه وآله) اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، قال: بلى؛ قال: وما من مؤمن إلاّ وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه، ومبلغ استبصاره وعلمه، وقد جمع الله الأئمة منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين، وقال عَزَّ وجَلَّ في محكم كتابه:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) فأوّل المتوسمين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أمير المؤمنينعليه‌السلام من بعده ثمّ الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسينعليهم‌السلام إلى يوم القيامة.

قال فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن زدنا ممّا جعل الله لكم أهل البيت، فقال الرضاعليه‌السلام : إنّ الله عَزَّ وجَلَّ قد أيدنا بروح منه مقدّسة مطهرة ليست بملك لم تكن مع أحد ممّن مضى إلاّ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي مع الأئمة منّا تسدّدهم وتوفقهم وهو عمود من نور بيننا وبين الله عَزَّ وجَلَّ.

قال له المأمون: يا أبا الحسن بلغني أنَّ قوماً يغلون فيكم ويتجاوزون

____________________

(١) عيون أخبار الرضا: ٢ / ٨٦.

٢١٨

فيكم الحدّ؟

فقال الرضاعليه‌السلام : (حدَّثني أبي موسى بن جعفر؛ عن أبيه، عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا ترفعوني فوق حقّي فإنَّ الله تبارك وتعالى اتّخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً.

قال الله تبارك وتعالى:( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .

قالعليه‌السلام : (يهلك فيَّ إثنان ولا ذنب لي، محبّ مفرط ومبغض مفرّط وأنا أبرء إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريمعليه‌السلام من النصارى، قال الله تعالى:( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١) . وقال عَزَّ وجَلَّ:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) وقال عَزَّ وجَلَّ:( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) ومعناه إنهما كانا يتغوَّطان، فمن ادّعى للأنبياء ربوبية وادّعى للائمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة.

فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرّجعة؟

فقال الرضاعليه‌السلام : إنها لحقّ قد كانت في الأمم السالفة ونطق به القرآن وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون في هذه الأمة كلّ ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. قالعليه‌السلام : إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريمعليه‌السلام فصلّى خلفه.

____________________

(١) المائدة (٥): ١١٧.

٢١٩

وقالعليه‌السلام : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ثمّ يكون ماذا؟ قال: ثمّ يرجع الحق إلى أهله.

فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في القائلين بالتناسخ؟

فقال الرضاعليه‌السلام : من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم مكذّب بالجنة والنار.

قال المأمون: ما تقول في المسوخ؟

قال الرضاعليه‌السلام : أولئك قوم غضب الله عليهم، فمسخهم، فعاشوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتناسلوا، فما يوجد في الدنيا من القردة والخنازير وغير ذلك مما وقع عليهم اسم المسوخيّة فهو مثل ما لا يحلّ أكلها والانتفاع بها.

قال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، فو الله ما يوجد العلم الصحيح إلا عند أهل هذا البيت وإليك انتهت علوم آبائك فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً.

قال الحسن بن الجهم: فلما قام الرضاعليه‌السلام تبعته فانصرف إلى منزله، فدخلت عليه وقلت له: يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي وهب لك من جميل رأي أمير المؤمنين ما حمله على ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك.

فقالعليه‌السلام : يابن الجهم لا يغرنَّك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع منّي فإنه سيقتلني بالسمّ وهو ظالم إليَّ، إني أعرف ذلك بعهد معهود إليَّ من آبائي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاكتم هذا ما دمت حياً.

قال الحسن بن الجهم: فما حدَّثت أحداً بهذا الحديث إلى أن مضىعليه‌السلام بطوس مقتولاً بالسمّ ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها قبر هارون الرشيد إلى جانبه(١) .

____________________

(١) عيون أخبار الرضا: ٢ / ٢٠٠.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253