اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)15%

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
تصنيف: الإمام الصادق عليه السلام
الصفحات: 241

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
  • البداية
  • السابق
  • 241 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 110129 / تحميل: 8582
الحجم الحجم الحجم
اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

تعاظماً فطوّقه الله تعالى بحيّة لها سبعون ألف جناح ، في كل جناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر ، لا عدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين ، والتوت الحيّة على العرش ، فالعرش إلى نصف الحيّة وهي ملتوية عليه فتواضع عند ذلك(١) .

وقال معاوية لكعب أنت تقول : إنّ ذا القرنين كان يربط خيله بالثريّا ؟ فقال له كعب : إن كنت قلت ذلك فإنّ الله قال :( وآتيناه من كل شيء سبباً ) (٢) .

هذا هو التراث الحديثي والتفسيري والتأريخي المخلوط بالإسرائيليات وافتراءات الوضّاعين خدمة للحكّام وقد دوّن هذا التراث بعد قرن من وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد رفع الحظر عمر بن عبد العزيز واعتمدت مدرسة الحديث اعتماداً مطلقاً على ما روي بدون تحكيم العقل حتى قالوا : إنّ السنة تنسخ القرآن والقرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن ، أمّا مَنْ يقول بأنّا نعرض الأحاديث على القرآن فهذا من أقوال الزنادقة كما يزعمون !(٣) .

ومن هنا نقف على بعض أسباب نشوء الانحرافات الفكرية وانتشارها بسرعة في المجتمع الإسلامي مثل الجبر والزندقة والغلو ، ونشير إلى كل منها تباعاً .

ب ـ التحريف في مجال الحديث النبوي الشريف :

١ ـ جاء في صحيح الترمذي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لمعاوية : اللّهمّ

ـــــــــــــــــ

(١) الجامع لأحكام القرآن : ١٥ / ٢٨٢ .

(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ٣ / ١٠٦ .

(٣) بحوث في الملل والنحل ، جعفر السبحاني : ١/١٢٩ .

٨١

اجعله هادياً مهدياً وأهد به(١) .

٢ ـ وعن عمير بن سعيد قال : لا تذكروا معاوية إلاّ بخير فإنّي سمعت رسول الله يقول : اللّهم أهد به ؟(٢) .

٣ ـ وروى أحمد وأبو داود والبغوي والطبراني وغيرهم أن النبيّ قال : ( عليكم بالشام فإنّها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده ، إنّ الله قد توكل بالشام وأهله )(٣) .

٤ ـ وعن كعب الأحبار : أنّ النبيّ قال : أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممّن عصاه(٤) .

٥ ـ روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ( وصاحب سرّي معاوية بن أبي سفيان )(٥) .

٦ ـ وقيل إنّ ابن أبي العوجاء ( وهو أحد الزنادقة ) لمّا أُخذ لتضرب عنقه قال : وضعت فيكم أربعة آلاف حديث ، أُحرّم فيها الحلال وأحلّ الحرام(٦) .

ج ـ التحريف في المجال التاريخي

حاولت مجموعة من الروايات الموضوعة أن ترسم لنا شخصية الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصورة هزيلة ومتناقضة في سلوكها ، منها :

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي : ٥ / ٦٨٧ ، باب مناقب معاوية .

(٢) كنز العمّال : ١٤ / ١٤٩ .

(٣) المصدر السابق .

(٤) أضواء على السنّة المحمّدية : ١٢٩ .

(٥) تطهير الجنان واللسان : ١٧ .

(٦) الموضوعات لابن الجوزي ، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان : ١/٣٧ .

٨٢

١ ـ أنّ النبيّ كان يستمع إلى الجواري يغنّين ويضربن الدفوف .

٢ ـ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحمل زوجته عائشة على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان وخدّه على خدّها .

٣ ـ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عشق زوجة ابنه بالتبنيّ بعد أن رآها بصورة مثيرة !(١) .

الاتجاهات الفكرية المنحرفة

١ ـ الجبر : عندما دعت الحاجة لصياغة علم الكلام والفقه والتفسير رجع المنظّرون لهذه الأفكار إلى التراث الحديثي الذي قد يبدو منه الجبر من قِبل الله للعباد فاستخدموه لخدمة الأمويين تثبيتاً لدعائم سلطانهم فروّجوا عقيدة أنّ الجبر التي تعني نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى ، فكل ما يصدر من العبد من خير أو شر ينسب إلى الله سبحانه ، ويقولون إنّه ليس لنا صُنع ، أي لسنا مخيّرين بل نسير بإرادة الله ومشيئته فإذا شاء الله أن نصلّي صلّينا وإذا شاء أن نشرب الخمر شربناها واستدلوا على ذلك بآيات قرآنية منها قوله تعالى :( وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ) (٢) وقوله تعالى :( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) (٣) ومن الواضح أنّ المعتنق لهذه العقيدة يسمح لنفسه بارتكاب كل جريمة ومعصية من ترك الواجبات وانتهاك المحرّمات مثل شرب الخمر وارتكاب الزنا والسرقة

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري : ١ / ١٦٩ ، وصحيح مسلم باب صلاة العيدين : ٢ / ٦٠٧ ، ومسند أحمد : ٦ / ٣٨ .

(٢) الإنسان : ٧٦ / ٣٠ .

(٣) الأنعام : ٦ / ١٢٥ .

٨٣

والقتل ثم يقول شاء الله أن أسرق فسرقت ، وشاء الله أن أزني فزنيت ؛ وبهذا لا يكون للإنسان كسب ولا إرادة ولا اختيار ولا تصرّف فيما وهبه الله من نعمة العقل ، فكيف يكون له مطمع في ثواب أو خوف من عقاب(١) .

٢ ـ الزندقة : ومن الأفكار التي ظهرت في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام فكرة الإلحاد والزندقة ، ولا يستغرب أحد من نشوء هذه الفكرة المنحرفة في العالم الإسلامي وهو عالم التوحيد الخالص وإبّان قوته وفي وقت تتطلع سائر الأمم للرسالة الإسلامية الخاتمة .

إنّ الظلم والفساد الذي أشاعه الأمويون في كل ميادين الحياة كان هو السبب في ظهور هذه الأفكار المناقضة للفكر الإسلامي .

عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : تظهر الزنادقة سنة ثمانية وعشرين ومئة لأنّي نظرت في مصحف فاطمةعليها‌السلام (٢) .

كان السؤال والمناقشة للفكر الذي يتبنّاهُ الحكام ذنباً لا يغتفر وعلى الإنسان أن يسمع ولا يفكر أمّا الخلافة الإسلامية فتبلورت في طواغيت بني أمية وفراعنة بني العباس هذا الفساد الذي عمّ ميادين الفكر والسلوك شجّع ظهور الفكر الإلحادي كرفض للواقع الفاسد .

ومن هنا نشاهد ابن أبي العوجاء يعقد حلقاته الفكرية لغرض التشكيك في التوحيد وفي مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان ينكر أصل الوجود ويقول : إنّ الوجود بدأ بإهمال وكان الجعد بن درهم ممعناً في الكفر ومبتدعاً ومتفانياً

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ١٢٢ .

(٢) بصائر الدرجات : ١٧٢ ، وبحار الأنوار : ٢٦ / ١٢٣ وإثبات الهداة : ٥ / ١٧٥ .

٨٤

في الزندقة وكان يعلن الإلحاد(١) ومن بدعه أنّه جعل في قارورة تُراباً وماءً فاستحال دوداً وهواماً فقال لأصحابه : إنّي خلقت ذلك لأنّي كنت سبب كونه وبلغ ذلك الإمام الصادقعليه‌السلام فردّه بأبلغ البرهان قائلاً :( إن كان خلقه فليقل كم هو ؟ وكم الذكران منه والإناث ؟ وكم وزن كل واحدة منهنّ ؟ وليأمر الذي يسعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره ) (٢) .

٣ ـ الاعتزال : لقد تطرّف الخوارج والمرجئة في حكم مرتكب الكبيرة ، بعد تعارض التراث الحديثي والتفسيري مع العقل ، ثم عجزت الثقافة التي جمدت على ظواهر الحديث والقرآن من الإجابة على الأسئلة التي فرضتها حالة الانفتاح على الحضارات الأخرى ومن هنا تبلورت أفكار المعتزلة تلبية لحاجة التطوّر المدني في البلاد الإسلامية وكثرة الاستفهامات التي كانت تثيرها الحركات الإلحادية فظهرت في هذا العصر فكرة الاعتزال التي رفضت الاعتماد على الحديث بشكل مطلق وهاجمت أهل الحديث لتعطيلهم العقل ، وتكفيرهم كل مَن يبحث ويناقش .

الخط السياسي للاعتزال : كان الاعتزال مسانداً للحكم القائم في تلك العصور ، وقد خدم سياسة الحكّام عندما أخذ يهاجم المقدسات في ضمير الأمة وتفكيرها ؛ وذلك حين أقرّ المعتزلة بأنّ الإمامة والخلافة تتمّ للمفضول ويجوز تقديمه على الفاضل ، وبهذا استدلّوا على شرعيّة خلافة الأمويين والعباسيين .

قال أحمد أمين : إنّ جرأة المعتزلة في نقد الرجال هو بمثابة تأييد قوي

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال : ١ / ٣٩٩ ، لسان الميزان : ٢ / ١٠٥ .

(٢) أمالي المرتضى : ١ / ٢٨٤ .

٨٥

للأمويين ؛ لأنّ نقد الخصوم ووضعهم موضع التحليل وتحكّم العقل في الحكم عليهم أو لهم يزيل على الأقل فكرة تقديس عليعليه‌السلام التي كانت شائعة عند جماهير الناس(١) .

ولذا نالوا التأييد المطلق والدعم الشامل من قِبل الأمويين وبعد انهيار الحكم الأموي انضمّوا إلى الحكم العباسي فكانوا من أجهزته وأعوانه ، وكان المنصور يُكبر عَمْرو بن عبيد أحد كبار المعتزلة(٢) .

أمّا علاقتهم مع الشيعة فكانت في غاية من الخصومة وترى الشيعة أنّ الاعتزال فكر طارئ على الإسلام ؛ لأنّ تقديم المفضول على الفاضل معناه الخروج عن منطق الحق وإماتة المواهب والقدرات فضلاً عن أنّ هذا الاتجاه يُعارض القرآن الكريم الذي يقول :( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (٣) .

إنّ الكوارث التي عانتها الأمة على مدى تأريخها بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعود إلى تقديم المفضول على الفاضل ، ولولا ذلك لسار الفاضل بالأمة سيراً سجُحاً ولأوردهم منهلاً رويّاً تطفح ضفتاه كما تنبّأت بذلك بضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة الزهراءعليها‌السلام في خطابها المبكّر بعد تسنّم أبي بكر الخلافة والتربّع على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعزل علي بن أبي طالبعليه‌السلام عن هذا الموقع الريادي الذي عيّنه فيه رسول الإسلام .

٤ ـ حركة الغلاة : تعتبر حركة الغلاة في نظر المؤرّخين من أخطر الحركات هدماً

ـــــــــــــــــ

(١) فجر الإسلام : ٢٩٥ .

(٢) تاريخ بغداد : ٤ / ١٤٨ ـ ١٥٠ .

(٣) الزمر : ٣٩ / ٩ .

٨٦

وضرراً للمجتمع الإسلامي آنذاك ؛ لأنّها حركة سياسية عقائدية قد استهدفت ضرب الإسلام من الداخل ، كما أنّ دراسة هذهِ الحركة من قِبل المؤرّخين لا زالت غامضة حتى اليوم ; إذ لم تدوّن أفكار هذهِ الحركة بأقلام دعاتها .

وحركة الغلاة لم تدم طويلاً ؛ لأنّها ظهرت على المسرح السياسي ثم اختفت بسرعة وقد حاصرها الإمام الصادقعليه‌السلام حيث أدرك خطورتها فأعلن البراءة منها ومن مبادئها ولعن دعاتها كأبي الخطاب وحذّر الناس من أهدافها الخبيثة .

لقد نشطت هذه الحركة في أواخر الحكم الأموي فبثّ أبو الخطاب أفكاره بسريّة في مدينة الكوفة في الوقت الذي كانت تموج بها التيارات السياسية ، والدعوة العباسية ناشطة في شق طريقها إلى النجاح وكان اختيار أبي الخطاب للكوفة لعلمه بأنّها قاعدة لتجمع الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام ؛ وبهذا يمكن تشويه هذه القاعدة الواعية وضرب أتباع أهل البيت عن هذا الطريق .

قال أبو عباس البغوي : دخلنا على فثيون النصراني وكان في دار الروم بالجانب الغربي ، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب فقال فثيون : رحم الله عبد الله ( ابن كلاب ) كان يجيئني فيجلس إلى تلك الزاوية ـ وأشار إلى ناحية من البيعة وهي الكنيسة ـ وعني أخذ هذا القول ، ولو عاش لنصّرنا المسلمين(١) ـ أي لجعلناهم نصارى .

إنّ ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمرٌ لا ينكره عاقل : أمّا في جانب الخير ، فكظهور جبرئيلعليه‌السلام ببعض الأشخاص ، والتصوير بصورة أعرابي ، والتمثّل بصورة البشر .

ـــــــــــــــــ

(١) الفهرست لابن النديم : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ .

٨٧

وأمّا في جانب الشر ، فكظهور الشيطان بصورة إنسان ، حتى يعمل الشر بصورته وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلّم بلسانه فكذلك يقال : إنّ الله تعالى ظهر بصورة أشخاص ولمّا لم يكن بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شخص أفضل من علي (رضي الله عنه) وبعده أولاده المخصوصون وهم خير البرية فظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم فعن هذا أطلقوا اسم الإلهية عليهم !! وإنّما أثبتوا هذا الاختصاص ( لعلي ) (رضي الله عنه) دون غيره لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى فيما يتعلّق بباطن الأسرار(١) .

ثم زعم أبو الخطاب أنّ الأئمة أنبياء ثم آلهة ! وقال بإلهية جعفر بن محمد ! وإلهية آبائه (رضي الله عنهم) وهم أبناء الله وأحباؤه ! والإلهية نور في النبوّة والنبوّة نور في الإمامة ، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار وزعم أنّ جعفراً هو الإله في زمانه !! وليس هو المحسوس الذي يرونه ! ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيه(٢) !

هذه هي أهم الاتجاهات الفكرية المنحرفة التي كانت قد راجت في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ، وسوف نتابع مواقف الإمامعليه‌السلام منها وأساليبه في كيفية التعامل معها بغية معالجة هذا الداء الذي أخذ يستشري في المجتمع الإسلامي آنذاك .

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل للشهرستاني : ١/١٦٨ .

(٢) الملل والنحل للشهرستاني : ١/١٥٩ .

٨٨

الفصل الثاني : متطلّبات عصر الإمام الصادقعليه‌السلام

بعد الوقوف على مظاهر الفساد والانحراف التي عمّت ميادين الحياة في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام نستطيع أن ندرك عمق المأساة التي كان الإمامعليه‌السلام قد واكبها منذُ نشأته حتى هذا التاريخ .

وفي هذا الظرف الذي خفّت فيه المراقبة بسبب ضعف الدولة الأموية ، ووجد الإمامعليه‌السلام أنّ جانباً كبيراً من الإسلام قد أُقصي عن واقع الحياة ، وأنّ قيم الجاهلية قد عادت تظهر للوجود ، وأنّ الصيغ الغريبة عن الدين أخذت تدخل في فهم القرآن والسنّة الشريفة وتسبّبت في تغيير مضمون الرسالة وجوهرها ، لاحظ أنّ الأمر أخذ يزداد تفاقماً في أواخر العهد الأموي الذي نمت فيه مدارس فكرية وتيارات سياسية بعيدة عن الإسلام ، وكان يرىعليه‌السلام أنّ الأكثرية الساحقة من الأمة قد ركنت إلى الطمع بسبب ما شاهدته من صور الظلم والتعسّف الذي قد ارتكب بحق كل مَن كان يعترض على سياسة الحكّام المنحرفين عن الدين كل هذه الأمور قد لاحظها الإمامعليه‌السلام بدقّة وبدأ يعالجها بكل أناة لنقرأ معاً حوار سدير الصيرفي مع الإمامعليه‌السلام :

قال سدير الصيرفي : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت له : والله

٨٩

ما يسعك القعود فقال :ولِم يا سدير ؟ قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك ، والله لو كان لأمير المؤمنينعليه‌السلام ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عديّ .

فقال :يا سدير وكم عسى أن يكونوا ؟ قلت : مائة ألف قال :مائة ألف ! قلت : نعم ، ومائتي ألف ؟ فقال :ومائتي ألف ؟ قلت : نعم ، ونصف الدنيا قال : فسكت عنّي ثم قال :يخفّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع (١) ؟ قلت : نعم فأمر بحمار وبغل أن يسرجا ، فبادرت ، فركبت الحمار فقال :يا سدير ، أترى ، انزل بنا نصلّي ، ثم قال :هذه أرض سبخة لا تجوز الصلاة فيها فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ، ونظر إلى غلام يرعى جداء(٢) .

فقالوالله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود ونزلنا وصلّينا فلمّا فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء ، فعددتها فاذا هي سبعة عشر ! )(٣) .

فالإمامعليه‌السلام إزاء هذا الواقع المملوء بالفساد والضياع قد وجد أنّ الأمر أحوج ما يكون إلى إيجاد تيّار إسلامي أصيل يحمل قيم الرسالة التي جاء بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولابدّ أيضاً أن يتم عزل الأمة عن الحكومات الظالمة لئلاّ تكون مرتعاً لمظالمها ، فعن طريق غرس القيم الإسلامية وإيجاد تيّار فاعل يساهم في اجتثاث المظالم أو تقليلها يمكن التحرّك لإصلاح الواقع الفاسد حيث إنّه قد يرغم الولاة على العدل استجابة لإرادة قطّاع كبير من

ـــــــــــــــــ

(١) يَنبع حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر .

(٢) الجدي : من أولاد المعز .

(٣) الكافي : ٢ / ٢٤٢ ، وبحار الأنوار : ٤٧/٣٧٢ .

٩٠

الأمة حينما يرفض هذا القطاع الكبير الاستبداد ويدعو إلى العدل بوعي إسلامي عميق .

لقد تخلّى الإمام الصادقعليه‌السلام عن ممارسة العمل المسلح ضد الحكّام المنحرفين بشكل مباشر ، وكان موقفه هذا تعبيراً واقعياً عن اختلاف صيغ العمل السياسي التي تحدّدها الظروف الموضوعية وإدراكاً عميقاً لطبيعة العمل التغييري .

فالإمامعليه‌السلام حاول أن ينشر قيمه ومفاهيمه دعوته بعيداً عن التصريحات السياسية الثورية ، واتّجه نحو بناء تيّار شعبي عامّ في الأمة كما ركّز على بناء الجماعة الصالحة الممثّلة لخط أهل البيتعليهم‌السلام والإشراف عليها وتنظيم أساليب عملها في مواجهة الانحراف المستشري بحيث يجعلها كتلة مترابطة في العمل والتغيير وإعداد أرضية صالحة تؤدّي إلى قلب الواقع الفاسد على المدى القريب أو البعيد .

وقد استهدف الإمامعليه‌السلام في نشاطه الرسالي لونين من الانحراف :

اللون الأول : الانحراف السياسي المتمثّل في زعامة الدولة ، واللون الثاني : الانحراف العقائدي والفكري والأخلاقي ، ثم الانحراف السياسي عند الأمة .

كما اتّجه الإمامعليه‌السلام في حركته التغييرية الشاملة إلى حقلين مهمّين :

أحدهما : الانفتاح العام والشامل على طوائف الأمة واتجاهاتها السياسية والفكرية .

ثانيهما : مواصلة بناء جامعة أهل ألبيتعليهم‌السلام العلمية .

وكلا الحقلين يعتبران من حقول النشاط العام ، وسوف نبحثه في هذا

٩١

الفصل من هذا الباب .

وأمّا حقل النشاط الخاص بمحاوره المتعدّدة فيتلخّص في إكمال بناء الجماعة الصالحة وهذا ما سوف نبحثه في الفصل الثالث من هذا الباب .

الانفتاح على الاتجاهات الفكرية والسياسية

ويقع البحث في هذا الحقل ضمن عدّة محاور :

١ ـ المحور العقائدي السياسي :

وفي هذا المحور ركّز الإمام على عدّة نشاطات :

النشاط الأوّل : التثقيف على عدم شرعيّة الحكومات الجائرة ورتّب على ذلك تحريم الرجوع إليها لحل النزاع والخصومات كما ورد عنه :( إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه ) (١) .

وقال أيضاً :( أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم ) (٢) .

وعن أبي بصير عنهعليه‌السلام قال :( أيّما رجل كان بينه وبين أخ له ممارات في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجل : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٤ .

(٢) المصدر السابق : ١٨ / ٢ .

٩٢

قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) ) (١) .

وعن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاء أيحل ذلك ؟ فقال :مَن تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً ؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) (٢) .

وفي توجيه آخر حرّم أيضاً التعاون مع الأنظمة الجائرة فمن توصياته بهذا الخصوص ، قولهعليه‌السلام :( إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :لا تُعِنْهم ـ أي حكام الجور ـعلى بناء مسجد (٤) .

وقالعليه‌السلام لبعض أصحابه :( يا عذافر نُبّئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ ! ) (٥) .

وعن علي بن حمزة ، قال كان لي صديق من كتّاب بني أمية فقال لي : استأذن لي على أبي عبد اللهعليه‌السلام فاستأذنت له ، فلمّا دخل سلّم وجلس ، ثم قال : جعلت فداك إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً ، وأغمضت في مطالبه .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام لو أنّ بني أمية لم يجدوا مَن يكتب لهم ، ويجبي لهم

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ٤ / ٦٠ .

(٢) النساء : ٤/٦٠ ، وسائل الشيعة : ٢٧/١٣ .

(٣) وسائل الشيعة : ١٧/١٧٩ ح ٦ .

(٤) المصدر السابق : ١٧/١٨٠ .

(٥) المصدر السابق : ١٧/١٧٨ .

٩٣

الفيء (١) ويقاتل عنهم ، ويشهد جماعتهم ، لما سلبونا حقّنا ، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ، ما وجدوا شيئاً إلاّ وقع في أيديهم . فقال الفتى : جعلت فداك فهل لي من مخرج منه ؟

قال :إن قلت لك تفعل ؟ قال : أفعل ، قال :اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم ، فمَن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومَن لم تعرف تصدّقت به (٢) .

النشاط الثاني : مارس فيه التثقيف على الصيغة السياسية السليمة من خلال تبيان موقع الولاية المغصوب واستخدم الخطاب القرآني في هذا المجال الذي حاولت فيه المدارس الفكرية الأخرى تجميد النص بحدود الظاهر فقد علّقعليه‌السلام على قوله تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٣) .

إنّ الله عزّ وجلّ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً ، وأنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً وان الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، وأنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً ، فلمّا جمع له الأشياء قال :( إنّي جاعلك للناس إماماً ) .

قالعليه‌السلام :( فَمن عِظَمِها ـ أي الإمامة ـفي عين إبراهيم عليه‌السلام قال : ومن ذرّيتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : لا يكون السفيه إمام التقي ) (٤) .

كما فسّرعليه‌السلام قوله تعالى :( صبغة الله ومَن أحسن من الله صبغة ونحن

ـــــــــــــــــ

(١) الفيء : الخراج .

(٢) المناقب لابن شهر اشوب : ٣/٣٦٥ ، بحار الأنوار : ٤٧/١٣٨ ، والكافي : ٥/١٠٦ .

(٣)البقرة : ٢ / ١٢٤ .

(٤) الميزان : ١/٢٧٦ .

٩٤

له عابدون ) (١) بأنّ الصبغة هي الإسلام(٢) وفي قول آخر عنهعليه‌السلام بأنّ الصبغة هي صبغ المؤمنين بالولاية ، يعني الولاية لإمام الحق أمير المؤمنينعليه‌السلام في الميثاق(٣) .

وعلّق العلاّمة الطباطبائي على ذلك بقوله : وهو من باطن الآية(٤) .

كما نجدهعليه‌السلام يتحدث عن الإمام أمير المؤمنين ويذكّر الناس بحديث الغدير ، ذلك الحدث السياسي الخطير في حياه الأمة ، ويذكّرهم به لئلاّ يتعرّض هذا الحدث للنسيان والإلغاء قال في حق عليعليه‌السلام ( المدعو له بالولاية المثبت له الإمامة يوم غديم خم ، بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى قال :فمَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعاد مَن عاداه ، وانصر مَن نصره ، واخذل مَن خذله ، وأعن مَن أعانه (٥) .

وعندما التقى وفد من المعتزلة في مستوى رفيع ضمّ أعلامهم ورؤوسهم فكان من بينهم : عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم ، وذلك بعد قتل الوليد واختلاف أهل الشام ، وقد أجمع رأي المعتزلة على محمد بن الحسن للخلافة الإسلامية ، وبعد أن اسندوا أمرهم في الرأي إلى زعيمهم الروحي عمرو بن عبيد ودار حوار طويل بينه وبين الإمام خاطبه الإمام قائلاً :يا عمرو لو أنّ الأمة قلّدتك أمرها فملكته بغير قتال ، ولا مؤنة فقيل لك : ولِّها مَن شئت ، مَن كنت تولّي ؟

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢/١٣٨ .

(٢) تفسير الصافي : ١/١٧٦ .

(٣) تفسير العياشي : ١/٦٢ .

(٤)الميزان : ١/٣١٥ .

(٥) عوالم العلوم والمعارف : ١٥/٣ ـ (٢٧٠ ـ ٢٧١) وراجع أيضاً شواهد التنزيل : ١/١٨٧ والدر المنثور : ٢/٢٩٨ وفتح القدير : ٣/٥٧ وروح المعاني : ٦/١٦٨ .

٩٥

وبادر عمرو فقال : أجعلها شورى بين المسلمين .

قال :بين كلّهم ؟ قال : نعم قال :بين فقهائهم وخيارهم ؟ قال :نعم قال :قريش وغيرهم ؟ قال : قال له : العرب والعجم ؟

قالعليه‌السلام :أخبرني يا عمرو أتتولّى أبا بكر وعمر أو تتبرّأ منهما ؟ قال : أتولاّها .

فقال له الإمامعليه‌السلام :يا عمرو إن كنت رجلاً تتبرّأ منهما فإنّه يجوز لك الخلاف عليهما ، وأنت كنت تتولاّهما فقد خالفتهما فقد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ، ولم يشاور أحداً ، ثم ردّها أبو بكر عليه ولم يشاور أحداً ، ثم جعلها عمر شورى بين ستة ، فأخرج منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش ، ثم أوصى الناس فيهم ـ أي في الستة الذين انتخبهم ـبشيء ما أراك ترضى أنت ولا أصحابك به .

وسأل عمرو الإمامعليه‌السلام عما صنع عمر قائلاً : ما صنع ؟

قال الإمامعليه‌السلام :أمر صهيباً أن يصلّي بالناس ثلاثة أيام ، وأن يتشاور أولئك الستّة ليس فيهم أحد سواهم إلاّ ابن عمر ، ويشاورونه ، وليس له من الأمر شيء ، وأوصى مَن كان بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيّام ولم يفرغوا ويبايعوا ، أن تُضرب أعناق الستة جميعاً وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيّام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين أفترضون بذا فيما تجعلون من الشورى بين المسلمين ؟ (١) .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤٧/٢١٣ ـ ٢١٦ ، والاحتجاج ٢/١١٨ ـ ١٢٢ .

٩٦

٢ ـ المحور الثقافي والفكري :

أ ـ مواجهة التيّارات الإلحادية :

ومن الخطوات التي خطاها الإمامعليه‌السلام هي مواجهة الأفكار الإلحادية ـ سابقة الذكر ـ حيث ناقشها بعدّة أساليب حتى استفرغ محتواها ووقف أمام تحقيقها لأهدافها .

نختار نماذج من تحرّك الإمام ونشاطه في هذا المجال .

١ ـ جرت بين الإمام وأحد أقطاب حركة الكفر والإلحاد ( أبو شاكر الديصاني ) عدّة مناظرات أفحمه الإمام فيها ، وأبطل مزاعمه الواهية ، وكان من بينها المناظرة التي وجّه فيها أبو شاكر السؤال التالي للإمامعليه‌السلام : قائلاً : ما الدليل على أنّ لك صانعاً ؟

فأجابه الإمامعليه‌السلام :( وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إمّا أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري فإن كنت صنعتها فلا أخلو من أحد معنيين : إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث : أنّ لي صانعاً وهو ربّ العالمين ) (١) .

٢ ـ دخل الديصاني على الإمام الصادقعليه‌السلام فقال له : يا جعفر بن محمد دُلّني على معبودي . وكان إلى جانب الإمام غلام بيده بيضة فأخذها منه ، وقال له :( يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٣/٥٠ عن التوحيد للصدوق .

٩٧

صلاحها ، ولا دخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدرى للذكر خُلقت أم للانثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبّراً ؟ ) .

وأطرق الديصاني مليّاً إلى الأرض ، وأعلن التوبة والبراءة ممّا قاله(١) .

٣ ـ ووفد زنديق آخر على الإمامعليه‌السلام وهو من الزنادقة البارزين في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام وقد قدّم للإمام عدّة مسائل حسّاسة فأجاب عنها الإمامعليه‌السلام نذكر بعضاً منها :

١ ـ سأله : كيف يعبد اللهَ الخلقُ ولم يروه ؟

فأجابهعليه‌السلام :( رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها ، والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته ) (٢) .

ويتضمّن جواب الإمامعليه‌السلام بعض الأدلة الوجدانية على وجود الخالق من خلقه للمجرّات في الفضاء والتي لا تعتمد على شيء سوى قدرة الله تعالى .

ثم إنّ العقول الواعية والقلوب المطمئنّة بالإيمان هي التي ترى الله بما تبصره من بدائع مخلوقاته ؛ إذ الأثر يدلّ على المؤثّر والمعلول يدلّ على علّته .

٢ ـ وسأله : من أين أثبت أنبياءَ ورسلاً ؟

فأجابعليه‌السلام :( إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً ، صانعاً ، متعالياً عنّا ، وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحاجّهم ويحاجّوه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه ، وعباد يدلّونهم على مصالحهم

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ١ / ٨٠ ، والاحتجاج : ٢ / ٧١ ـ ٧٢ .

(٢) الاحتجاج : ٢/٧٧ .

٩٨

ومنافعهم ، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم أنبياء الله وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فلا تخلو الأرض من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقال الرسول ووجود عدالته .

وأضاف الإمام الصادقعليه‌السلام قائلاً :( نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة ولا تكون الحجة إلاّ من عقب الأنبياء وما بعث الله نبياً قطّ من غير نسل الأنبياء ؛ وذلك أن الله شرع لبني آدم طريقاً منيراً ، وأخرج من آدم نسلاً طاهراً طيّباً ، أخرج منه الأنبياء والرسل ، هم صفوة الله وخلص الجوهر ، طهروا في الأصلاب ، وحفظوا في الأرحام ، لم يصبهم سفاح الجاهلية ولا شاب أنسابهم ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفاً منه ، فمَن كان خازن علم الله ، وأمين غيبه ، ومستودع سرّه ، وحجّته على خلقه ، وترجمانه ولسانه لا يكون إلاّ بهذه الصفة ، فالحجّة لا تكون إلاّ من نسلهم ، يقوم مقام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول ، إن جحده الناس سكت ، وكان بقاء ما عليه الناس قليلاً ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه ، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس ، وإنّهم إن أقرّوا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل ، وذهب الاختلاف والتشاجر ، واستوى الأمر ، وأبان الدين ، وغلب على الشك اليقين ، ولا يكاد أن يقرّ الناس به ، ولا يطيعوا له ، أو يحفظوا له بعد فقد الرسول ، وما مضى رسول ولا نبيّ قط لم تختلف أُمّته من بعده ) .

٣ ـ وسأله : ما يصنع بالحجّة إذا كان بهذهِ الصفة ؟

فأجابهعليه‌السلام :( يُقتدى به ، ويخرج عنه الشيء بعد الشيء ، مكانه منفعة الخلق ،

٩٩

وصلاحهم فإن أحدثوا في دين الله شيئاً أعلمهم ، وإن زادوا فيه أخبرهم ، وإن نقصوا منه شيئاً أفادهم ) (١) .

وبهذا المستوى من الحوار وعمقه يستمرّ الإمامعليه‌السلام في أجوبته العملاقة حتى تصل الأسئلة والأجوبة إلى خمسة وتسعين(٢) ، ونظراً لسعتها اقتصرنا على الثلاث الأول منها .

ب ـ مواجهة تيّار الغلوّ

لقد كان موقف الإمام الصادقعليه‌السلام من تيّار الغلوّ وحركة الغلاة حازماً وصارماً ، فقال لسدير :( يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء ، برئ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، والله لا يجمعني وإيّاهم يوم إلاّ وهو عليهم ساخط ) (٣) .

وقال ميسرة : ذكرت أبا الخطّاب عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وكان متّكئاً فرفع إصبعه إلى السماء ثم قال :( على أبي الخطّاب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فأشهد بالله أنّه كافر فاسق مشرك ، وأنّه يحشر مع فرعون في أشدّ العذاب غدوّاً وعشيّاً ، ثم قال :والله والله إنّي لأنفس على أجساد أصيبت معه النار ) (٤) .

وقال عيسى بن أبي منصور : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول ـ وقد ذكر أبا الخطّاب ـ :( اللّهمّ العن أبا الخطّاب فإنّه خوّفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي اللّهمّ

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : ٢/٧٧ ـ ٧٨ .

(٢) الاحتجاج : ٢/٧٧ ـ ١٠٠ عن يونس بن ظبيان وعبد الدين سنان ، ولم يسمّيا الزنديق ولم يرويا توبته !

(٣) أصول الكافي : ١ / ٢٦٩ .

(٤) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢٦٩ ح ٥٢٤ .

١٠٠

أذقه حر الحديد ) (١) .

وكان موقفهعليه‌السلام صلباً أمام هذه الطائفة الخطيرة على الإسلام ، وما كان ليستريح طرفة عين حتى أحبط مؤامرتها وما ضمّته من الحقد اليهودي ودسائسه التأريخية على الإسلام ، ولو كان قد تراخى وفتر عنها لحظة لكانت تقصم ظهر التشيّع .

ونلمس في الروايتين التاليتين حرقة الإمام وألمه الشديد ومخافته من تأثير هذه الدعوة الضالّة على الأمة وشعارها المزيّف بحبّها لأهل البيتعليهم‌السلام ، فعن عنبسة بن مصعب قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( أي شيء سمعت من أبي الخطاب ؟ ) قلت : سمعته يقول : إنّك وضعت يدك على صدره وقلت له : عه ولا تنس وأنت تعلم الغيب وأنّك قلت هو عيبة علمنا وموضع سرّنا أمين على أحيائنا وأمواتنا .

فقال الإمام الصادق :( لا والله ما مسّ شيء من جسدي جسده ، وأما قوله إنّي قلت : إنّي أعلم الغيب فو الله الذي لا إله إلاّ هو ما أعلم الغيب (٢) ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحبّائي إن كنت قلت له ! وأمّا قوله إنّي قلت : هو عيبة علمنا وموضع سرّنا وأمين على أحيائنا وأمواتنا فلا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له من هذا شيئاً من هذا قط ) (٣) .

وقال الإمامعليه‌السلام لمرازم :( قل للغالية توبوا إلى الله فإنّكم فسّاق كفّار مشركون ) .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجل : ٢٩٠ ح ٥٠٩ وعنه في عوالم العلوم والمعارف : ٢٠/٢ ح ١١٥١ .

(٢) والإمامعليه‌السلام هنا في مقام نفي العلم بالغيب الاستقلالي الذي يدّعيه الغلاة ، لا العلم بالغيب الممنوح للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولهم منه سبحانه .

(٣) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢٩٢ ح ٥١٥ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٣٧٥ .

١٠١

وقالعليه‌السلام له : (إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له : يقول لك جعفر بن محمد : يا كافر يا فاسق أنا بريء منك قال : مرازم فلمّا دخلت الكوفة قلت له : يقول لك جعفر بن محمد : يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بريء منك قال بشار : وقد ذكرني سيدي ؟! قلت : نعم ذكرك بهذا قال : جزاك الله خير )(١) .

لاحظ الخبث وطول الأناة وعمق التخطيط حيث يذهب هذا الخبيث ليلتقي بالإمامعليه‌السلام بعد كل الذي سمعه ولمّا دخل بشار الشعيري على الإمامعليه‌السلام قال له :( اُخرج عني لعنك الله ، والله لا يظلّني وإيّاك سقف أبداً ) فلمّا خرج ، قالعليه‌السلام :( ويله ما صغر الله أحداً تصغير هذا الفاجر ، إنّه شيطان خرج ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه ، وليبلّغ الشاهدُ الغائب إني عبد الله وابن أمته ضمّتني الأصلاب والأرحام وإنّي لميّت ومبعوث ثم مسؤول ) (٢) .

ج ـ طرح المنهج الصحيح لفهم الشريعة :

إنّ الإمام الصادقعليه‌السلام في الوقت الذي كان يواجه هذه التيارات الإلحادية الخطيرة على الأمة كان مشغولاً أيضاً بمواجهة التيّارات التي تتبنّى المناهج الفقهية التي تتنافى مع روح التشريع الإسلامي ، والتي تكمن خطورتها في كونها تعرّض الدين إلى المحق الداخلي والتغيير في محتواه ، من هنا كان الإمامعليه‌السلام ينهى أصحابه عن العمل بها حتّى قال لأبان :( يا أبان ! إنّ السُنة إذا قيست محق الدين ) (٣) .

وكان للإمام نشاط واسع لإثبات بطلان هذه المناهج وبيان عدم شرعيّتها .

ـــــــــــــــــ

(١) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٣٩٨ ح ٧٤٤ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢/٣٧٥ .

(٢) المصدر السابق : ٤٠٠ ح ٧٤٦ وعنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٢٣٥ .

(٣) بحار الأنوار : ١٠٤/٤٠٥ عن المحاسن للبرقي .

١٠٢

لقد كان أبو حنيفة يتبنّى مذهب القياس ويعمل به كمصدر من مصادر التشريع في استنباط الأحكام ، لكنّ الإمامعليه‌السلام كان ينكر عليه ذلك ويبيّن له بطلان مذهبه .

وإليك بعض المحاورات التي جرت بينه وبين الإمامعليه‌السلام :

ذكروا أنّه وفد ابن شبرمة مع أبي حنيفة على الإمام الصادقعليه‌السلام فقال لابن شبرمة :( مَن هذا الذي معك ؟ )

فأجابه قائلاً : رجل له بصر ، ونفاذ في أمر الدين .

فقال لهعليه‌السلام :(لعله الذي يقيس أمر الدين برأيه ؟ ) فأجابه : نعم .

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى أبي حنيفة قائلاً له :( ما اسمك ؟ ) فقال : النعمان .

فسألهعليه‌السلام :( يا نعمان ! هل قست رأسك ؟ )

فأجابه : كيف أقيس رأسي ؟ .

فقال لهعليه‌السلام :ما أراك تحسن شيئاً هل علمت ما الملوحة في العينين ؟ والمرارة في الأذنين ، والبرودة في المنخرين والعذوبة في الشفتين ؟

فبهر أبو حنيفة وأنكر معرفة ذلك ووجّه الإمام إليه السؤال التالي :(هل علمت كلمة أوّلها كفر ، وآخرها إيمان ؟ ) فقال : لا .

والتمس أبو حنيفة من الإمام أن يوضّح له هذه الأمور فقال لهعليه‌السلام :( أخبرني أبي عن جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّ الله تعالى بفضله ومنّه جعل لابن آدم الملوحة في العينين ليلتقطا ما يقع فيهما من القذى ، وجعل المرارة في الأذنين حجاباً من الدوابّ فإذا دخلت الرأس دابّة ، والتمست إلى الدماغ ، فإن ذاقت المرارة التمست الخروج ، وجعل الله البرودة في المنخرين يستنشق بهما الريح ولولا ذلك لانتن الدماغ ، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد لذة استطعام كل شيء ) .

١٠٣

والتفت أبو حنيفة إلى الإمامعليه‌السلام قائلاً : أخبرني عن الكلمة التي أوّلها كفر وآخرها إيمان ؟

فقال لهعليه‌السلام :( إنّ العبد إذا قال : لا إله فقد كفر فإذا قال إلاّ الله فهو الإيمان) .

وأقبل الإمام على أبي حنيفة ينهاه عن العمل بالقياس حيث قال له :(يا نعمان حدثني أبي عن جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال له الله تعالى : اسجد لآدم فقال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ) (١) .

والتقى أبو حنيفة مرّة أخرى بالإمام الصادقعليه‌السلام فقال له الإمام :( ما تقول في محرم كسر رباعيّة ظبي ؟ ) .

فأجابه أبو حنيفة : يا بن رسول الله ما أعلم ما فيه .

فقال لهعليه‌السلام :( ألا تعلم أنّ الظبي لا تكون له رباعيّة ، وهو ثني أبداً ؟! ) (٢) .

ثم التقى أبو حنيفة مرّة ثالثة بالإمام الصادق ، وسأله الإمامعليه‌السلام عن بعض المسائل ، فلم يجبه عنها .

وكان من بين ما سأله الإمام هو :( أيّهما أعظم عند الله القتل أو الزنا ؟ ) فأجاب : بل القتل .

فقالعليه‌السلام :(كيف رضي في القتل بشاهدين ، ولم يرضَ في الزنا إلاّ بأربعة ؟ )

وهنا لم يمتلك أبو حنيفة جواباً حيث ردّ الإمام قياسه بشكل واضح .

ثم وجّه الإمامعليه‌السلام إلى أبي حنيفة السؤال التالي :( الصلاة أفضل أم الصيام ؟ ) فقال : بل الصلاة أفضل .

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ١/٥٨ ح ٢٠ وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/٢٢٦ ح ١٦ .

(٢) مرآة الجنان : ١ / ٣٠٤ ، ونزهة الجليس : ٢ / ٥٧ .

١٠٤

فقال الإمامعليه‌السلام :( فيجب ـ على قياس قولك ـ على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله تعالى قضاء الصوم دون الصلاة ؟! ) .

وبهذا أراد الإمام أن يثبت لأبي حنيفة أنّ الدين لا يُدرك بالقياس والاستحسان ثم أخذ الإمام يركّز على بطلان مسلكه القياسي فوجّه له سؤالاً آخر هو :(البول أقذر أم المني ؟ ) فقال له : البول أقذر .

فقال الإمامعليه‌السلام :(يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول ; لأنّه أقذر ، دون المنيّ ، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول) .

ثم استأنف الإمامعليه‌السلام حديثه في الردّ عليه قائلاً :(ما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج ، وزوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت المرأتان ، وبقي الغلامان أيّهما في رأيك المالك ؟ وأيّهما المملوك ؟ وأيّهما الوارث ؟ وأيّهما الموروث ؟ ) .

وهنا أيضاً صرّح أبو حنيفة بعجزه قائلاً : إنّما أنا صاحب حدود .

وهنا وجّه إليه الإمام السؤال التالي :(ما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح ، وقطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ ؟ ) .

واعترف مرة أخرى بعجزه فقال : أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء ...

وهنا وجّه له الإمام السؤال التالي :(أخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون ( لعلّه يتذكّر أو يخشى ) (١) ـولعلّ منك شكّ ؟ ) فقال : نعم فقال له الإمامعليه‌السلام :( وكذلك من الله شكّ إذ قال : لعلّه ؟!) فقال : لا علم لي .

وأخذ الإمام باستفراغ كل ما في ذهن أبي حنيفة من القياس قائلاً له :

ـــــــــــــــــ

(١) طه (٢٠) : ٤٤ .

١٠٥

تزعم أنّك تفتي بكتاب الله ، ولست ممّن ورثه ، وتزعم أنّك صاحب قياس ، وأوّل مَن قاس إبليس لعنه الله ولم يُبنَ دينُ الإسلام على القياس وتزعم أنّك صاحب رأي ، وكان الرأي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صواباً ومن دونه خطأ ؛ لأنّ الله تعالى قال : ( فاحكم بينهم بما أراك الله ) ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنّك صاحب حدود ، ومَن أُنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء ، وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك .

لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء ، فقس إن كنت مقيساً .

وهنا قال أبو حنيفة للإمامعليه‌السلام : لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس .

وأجابه الإمامعليه‌السلام :( كلاّ إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك ) (١) .

وهكذا وقف الإمامعليه‌السلام موقفاً لا هوادة فيه ضدّ هذه التوجّهات الخطيرة على الإسلام ؛ فكثّف من نشاطه حولها ولاحق العناصر التي كانت تتبنّى هذه الأفكار الدخيلة ليغيّر من قناعاتها .

ونجد للإمامعليه‌السلام موقفاً مع ابن أبي ليلى وهو القاضي الرسمي للحكومة الأموية ، وكان يفتي بالرأي قبل أبي حنيفة وقد قابل الإمام الصادقعليه‌السلام وكان معه سعيد بن أبي الخضيب فقالعليه‌السلام :( مَن هذا الذي معك ؟ ) قال سعيد : ابن أبي ليلى قاضي المسلمين .

فسأله الإمامعليه‌السلام قائلاً :( تأخذ مال هذا فتعطيه هذا وتفرّق بين المرء وزوجه ولا تخاف في هذا أحداً ؟! ) قال : نعم .

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي : ٢ / ١١٠ ـ ١١٧ .

١٠٦

قال :( بأيّ شيء تقضي ؟ ) قال : بما بلغني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن أبي بكر وعمر ) .

قال :فبلغك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : (أقضاكم عليّ بعدي؟ ) قال : نعم قال :( كيف تقضي بغير قضاء علي ، وقد بلغك هذا ؟ )

وهكذا عرف ابن أبي ليلى أنّه قد جانب الحق فيما حكم وأفتى به .

ثم قال له الإمامعليه‌السلام :( التمس مثلاً لنفسك ، فو الله لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً ) (١) .

وقال نوح بن درّاج(٢) لابن أبي ليلى : أكنت تاركاً قولاً قلته أو قضاء قضيته لقول أحد ؟ قال : لا ، إلاّ رجل واحد ، قلت : مَنْ هو ؟ قال : جعفر بن محمدعليه‌السلام (٣) .

د ـ مواجهة التحريف والاستغلال السياسي للقرآن ومفاهيمه :

قام الإمام الصادقعليه‌السلام بحماية القرآن وصيانته من عملية التوظيف السياسي ، التي تجعل النص القرآني خادماً لأغراض سياسيّة مشبوهة ، تحاول إسباغ طابع شرعي على الحكم الظالم وشلّ روح الثورة وإطفاء روح المقاومة في نفوس الأمة وبالتالي إسقاط شرعيّة القوى الرافضة لهذهِ النظم الظالمة ؛ حتى قيل في تفسير قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج : ٢ / ١٠٢ .

(٢) نوح بن درّاج من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام / تنقيح المقال : ٣ / ٢٧٥ وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن مفتي الكوفة وقاضيها ، راجع سير أعلام النبلاء : ٦ / ٣١٠ .

(٣) حلية الأولياء : ٣ / ١٩٣ .

١٠٧

الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (١) .

( أنّها قد نزلت في علي بن أبي طالب )عليه‌السلام (٢) .

كما زيّف الإمامعليه‌السلام النظرة الجامدة للنصّ القرآني والتي تحاول تعطيله عن المواكبة للواقع المتغيّر والمتطوّر وحبسه في حدود الظاهر ، ولم يسمح بالتأويل الباطني الفاسد كما قاوم بعنف التفسير الذي يعتمد الرأي بعيداً عن الأحاديث الصحيحة الواردة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام .

قالعليه‌السلام :( مَن فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر ، وإن أخطأ كان إثمه عليه ) (٣) .

قالعليه‌السلام :( الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمّة من بعده ) (٤) ، وقال أيضاً :( نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله ) (٥) وجاء عن زيد بن معاوية ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام في تفسير قول الله عزّ وجلّ :( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم ) (٦) ،( فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله عزّ وجلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه ) (٧) .

وجاء عنهعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى :( بل هو آيات بيّنات في صدور

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة (٢) : ٢٠٤ ـ ٢٠٥ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٧٣ عن أبي جعفر الاسكافي : ٢٤٠ .

(٣) تفسير العياشي : ١ / ١٧ وعنه في تفسير الصافي : ١ / ٢١ .

(٤) أصول الكافي : ١ / ٢١٣ .

(٥) المصدر السابق .

(٦) آل عمران (٣) : ٧ .

(٧) أصول الكافي : ١ / ٢١٣ .

١٠٨

الّذين أوتوا العلم ) (١) أنّهم(هم الأئمّة ) (٢) .

ودخل عليه الحسن بن صالح بن حي فقال له : يا بن رسول الله ! ما تقول في قوله تعالى :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (٣) ؟ مَن أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ؟ قال :( العلماء ) .

فلمّا خرجوا قال الحسن : ما صنعنا ! ألا سألناه مَن هؤلاء العلماء ؟!

فرجعوا إليه ، فسألوه فقال :( الأئمة منّا أهل البيت ) (٤) .

لقد ثبّتعليه‌السلام بأن فهم القرآن لا يتمّ إلاّ بالرجوع الى ما جاء عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام لأنه يضمن الفهم الصحيح لنصوص القرآن الكريم .

كما أنّه فتح آفاقاً جديدة لفهم القرآن وعلومه وأحكامه فحدّد المحكم والمتشابه والتأويل والتفسير والمطلق والمقيّد والجري والانطباق إلى غيرها من شؤون القرآن الكريم .

٣ ـ المحور الروحي والأخلاقي

لاحظ الإمام الصادقعليه‌السلام تأثير موجات الانحراف الفكري والسياسي على الأمة ومدى إفسادها لعقول الناس ، وما لعبته سياسة الأمويين من خلق أجواء ملائمة لطغيان النزعات الإلحادية والقبلية حتى عمّ الانفلات

ـــــــــــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩) : ٤٩ .

(٢) تفسير الصافي : ١ / ١٢ .

(٣) النساء (٤) : ٥٩ .

(٤) بحار الأنوار : ٤٧/٢٩ .

١٠٩

الأخلاقي ، كما كثر في زمانهعليه‌السلام رفع شعار الورع والتقوى كل ذلك أفقد الأمة قيمها وأبعدها عن الأخلاق التي أمر بها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرادها لأُمّته .

من هنا كان دور الإمامعليه‌السلام وتوجّهه الروحي والأخلاقي مع الأمة في عدّة أبعاد :

البعد الأوّل : كونهعليه‌السلام القدوة الصالحة والمثال الواقعي الذي تتجسّد في شخصه أخلاق الرسالة ; ممّا يكون موقعاً لإشعاع الفضيلة ونموّها ، ويكشف من جانب آخر زيف الأنانيّة ونزعات الذات .

البعد الثاني : تقديم مجموعة من الوصايا والرسائل والتوجيهات التربويّة والأخلاقية التي عالج من خلالها الخواء الروحي والانحراف الأخلاقي الذي نما في سنوات الانحراف .

أمّا في البعد الأول فنجد الإمامعليه‌السلام كان يدعو الناس إلى الفضيلة برفق ولين ويجادلهم بالتي هي أحسن ، وكان يسمح للسائلين بطرح أسئلتهم مهما كانت وكان يوضّح لهم ما كان غامضاً عليهم.

كما كان لا يقبل من مقرّبيه أن يتشدّدوا بدعوتهم حيث كان يقول لهم :( لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم ، ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون ، وما يدخل به الأذى علينا ، أن تأتوه فتؤنّبوه وتعذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً ) فقال له بعض أصحابه إذاً لا يقبلون منّا ، قال :اهجروهم واجتنبوا مجالسهم (١) .

فالإمام هنا يوصي العالم من أصحابه أن لا يتخلّى عن رسالته في إرشاد الإنسان الجاهل المنتمي إلى مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام بحجّة تماديه وجرأته بارتكاب المخالفات ممّا يعكس الوجه السلبي لاتّباع الإمام فيؤذي دعاة

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٣ / ٢٩١ .

١١٠

الإصلاح .

ففي نظر الإمامعليه‌السلام لا يجوز تركه وإهماله إلاّ بعد اليأس من إصلاحه وإزالة الشك من ذهنه .

البعد الثالث : وكان يحرص على شدّ أواصر المجتمع الإسلامي وإشاعة الفضيلة بين الناس ليقضي على العداوة والبغضاء ، فكانعليه‌السلام يدفع إلى بعض أصحابه من ماله ليصلح بين المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا من أجل القضاء على المقاطعة والهجران ؛ لئلاّ يدفعهم التخاصم إلى الترافع لحكّام الجور والذي كان قد نهىعليه‌السلام عنه .

قال سعيد بن بيان : مرّ بنا المفضّل بن عمر وأنا وختني نتشاجر في ميراث ، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا : تعالوا إلى المنزل ، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتّى إذا استوثق كل واحد منّا من صاحبه قال المفضّل : أما إنّها ليست من مالي ، ولكنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله ، فهذا من مال أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) .

وهذا الأسلوب يأتي كخطوة عمليّة ترفد ذاك التوجيه الذي تضمّن حرمة الترافع إلى حكّام الجور .

وكانعليه‌السلام يحثّهم على صلة الرحم ومن حسن سيرته ومكارم أخلاقه أنّه كان يصل مَن قطعه ويعفو عمّن أساء إليه ، كما ورد أنّه وقع بينه وبين عبد الله بن الحسن كلام ، فأغلظ عبد الله في القول ثم افترقا وذهبا إلى المسجد فالتقيا على الباب فقال الصادقعليه‌السلام لعبد الله بن الحسن :كيف أمسيت يا أبا

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٢ / ٢٠٩ .

١١١

محمد ؟ فقال عبد الله : ـ بخير ( كما يقول المغضب ) ـ قال الصادقعليه‌السلام :( يا أبا محمد أما علمت أنّ صلة الرحم تخفّف الحساب؟ ) ! ثمّ تلى قوله تعالى :( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب ) (١) فقال عبد الله : فلا تراني بعدها قاطعاً رحم(٢) فكان يصل رحمه ويبذل لهم النصح ، كما كان يصل الفقراء في اللّيل سرّاً وهم لا يعرفونه .

قال هشام بن الحكمرحمه‌الله كان أبو عبد الله إذا أعتم وذهب الليل شطره ، أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عنقه ثمّ ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسّمه فيهم وهم لا يعرفونه ، وما عرفوه حتى مضى إلى الله تعالى(٣) .

وقال مصادف : كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام ما بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه ، فقالعليه‌السلام :( مل بنا إلى هذا الرجل فإنّي أخاف أن يكون قد أصابه العطش ) فملنا إليه فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر ، فسأله الإمامعليه‌السلام :أعطشان أنت ؟ فقال : نعم ، فقال الإمامعليه‌السلام :( انزل يا مصادف فاسقه ) فنزلت وسقيته ثم ركبت وسرنا فقلت له : هذا نصراني ، أفنتصدّق على نصراني ؟ فقال :( نعم ، إذا كانوا بمثل هذه الحالة ) (٤) .

وكان يرىعليه‌السلام أنّ الإعراض عن المؤمن المحتاج للمساعدة استخفاف به ، والاستخفاف بالمؤمن استخفاف بهمعليهم‌السلام ، فقد كان عنده جماعة من أصحابه فقال لهم :( ما لكم تستخفّون بنا ؟! ) فقام إليه رجل من أهل

ـــــــــــــــــ

(١) الرعد (١٣) : ٢١ .

(٢) كشف الغمّة : ٢/٣٧٥ عن الجنابذي ، وعنه في بحار الأنوار : ٤٧/٢٧٤ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٧/٣٨ عن فروع الكافي : ٤/٨ .

(٤) وسائل الشيعة : ٦ / ٢٨٥ الحديث ٣ .

١١٢

خراسان فقال : معاذ الله أن نستخفّ بك أو شيء من أمرك ! فقالعليه‌السلام :( إنّك أحد مَن استخفّ بي ) .

فقال الرجل : معاذ الله أن أستخفّ بك !! فقال لهعليه‌السلام :( ويحك ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك : احملني قدر ميل فقد والله أعييت فو الله ما رفعتَ له رأساً ، لقد استخففت به ومَن استخفّ بمؤمن فينا استخفّ وضيّع حرمة الله عزّ وجلّ ) (١) .

أمّا البعد الثاني : فكما قلنا كان يتمثّل في مجموعة الوصايا والرسائل والمناظرات والتوجيهات التي عالج الإمامعليه‌السلام من خلالها الإخفاق الروحي الذي كانت الأمة قد تعرّضت لإيصالها إلى المستوى الإيماني الذي كانت تريده الرسالة .

فقد خاطبعليه‌السلام شيعته وأصحابه قائلاً :( فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه ، وصدق الحديث ، وأدّى الأمانة ، وحسن خلقه مع الناس ، قيل : هذا جعفري ، فيسرّني ذلك ، ويدخل عليّ منه السرور وقيل : هذا أدب جعفر ، وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه ، وعاره وقيل : هذا أدب جعفر ) (٢) .

وأراد الإمامعليه‌السلام أن يعزّز في نفوسهم صحّة مذهبهم باعتباره يمثّل الخط الإلهي ، فانتقد من جانب الاتّجاهات المنحرفة عن خطّ الرسالة وفتح لشيعته آفاقاً توجيهيّة قائلاً :( أما والله ما أحد من الناس أحبّ إليّ منكم وإنّ الناس قد سلكوا سُبلاً شتّى فمنهم مَن أخذ برأيه ، ومنهم مَن اتّبع هواه ، ومنهم مَن اتبع الرواية ، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز ، وعودوا المرضى ، واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة ، أما يستحي الرجل أن يعرف جاره حقّه ،

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ٢ / ٢٩٦ .

(٢) أصول الكافي : ٢/٦٣٦ وعنه في وسائل الشيعة : ١٢/٥ ح ٢ ، نهج السعادة : ٨/٣٢ .

١١٣

ولا يعرف حقّ جاره ) (١) .

كما أوصى أحد أصحابه بأن لا ينتقدوا مَن هو ضعيف الإيمان من بينهم ، بل يجب شدّ أزره وتقويم ضعفه مادام قد اختار طريق الحقّ ؛ وذلك كما في قولهعليه‌السلام :( يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلاّ خيراً ، واستكينوا إلى الله في توفيقهم ، وسلوا التوبة لهم ، فكل مَن قصدنا ووالانا ، ولم يوال عدوّنا ، وقال ما يعلم وسكت عمّا لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة ) (٢) وتجد الإمام يغرس في أصحابه صفة التواضع التي من علاماتها السلام على كل مَن يلقاه فإنّ ذلك يتمّ عن سلامة النفس ، واعتبر من التواضع ترك المناقشة العقيمة خصوصاً في المسائل العلمية فيما إذا كانت تنطلق من الشعور بالتفوّق ، واعتبر أيضاً من علامات التواضع أن لا يحب الشخص بأن يمتدح على ما يتمتّع به من علم وأدب وتقوى فإنّ حبّه لذلك حبّ للظهور والعظمة وليس من التواضع في شيء .

قالعليه‌السلام :( من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس وأن تسلّم على مَن تلقى وأن تترك المراء وإن كنت محقّاً ، ولا تحب أن تحمد على التقوى ) (٣) .

وكانعليه‌السلام يوصي أصحابه بالتسليم للحق في الحوار أو النقد وعدم التأثر بالعصبية للقوم أو العشيرة أو المذهب فيكون الانحياز حائلاً دون سماع الحقيقة التي هي شعار أهل البيتعليهم‌السلام فقال :( المُسلّم للحق أوّل ما يصل إلى الله ) (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) أصول الكافي : ٨/١٤٦ ح ١٢١ وعنه ألف حديث في المؤمن ، للشيخ هادي النجفي .

(٢) تحف العقول : وصيّتهعليه‌السلام لعبد الله بن جندب :٣٠٢ .

(٣) الحكم الجعفرية : ٣٥ .

(٤) المصدر السابق : ٦٠ .

١١٤

البعد الرابع : ومن الأمور التربوية التي أكّدها الإمامعليه‌السلام في نفوس أصحابه ـ ليكونوا بالمستوى المطلوب من النضج والسلامة في التفكير ولئلاّ تكون مشاريعهم وتخطيطاتهم عرضة للفساد ـ هي الدعوة إلى التثبّت في الأمور .

قالعليه‌السلام :( مع التثبّت تكون السلامة ، ومع العجلة تكون الندامة ، ومَن ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه ) (١) .

مواصلة بناء جامعة أهل البيت الإسلامية

لقد واصل الإمام الصادقعليه‌السلام تطويره للمدرسة التي أسّسها الأئمةعليهم‌السلام من قبله ، وانتقل بها إلى آفاق أرحب فاستقطبت الجماهير من مختلف البلاد الإسلامية ؛ لأنّها قد لبّت الرغبة في نفوسهم وسعت لملء الفراغ الذي كانت تعانيه الأمة آنذاك .

خصائص جامعة أهل البيتعليهم‌السلام

١ ـ من مميّزات مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام واختلافها عن باقي المدارس أنّها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب ، وإنّما انفتحت لتضمّ طلاّب العلم من مختلف الاتّجاهات ، فهذا أبو حنيفة الذي كان يخالف منهج الإمامعليه‌السلام حيث سلك في القياس مسلكاً استوجب شدّة الإنكار عليه وعلى أصحابه ، وهو الذي أطلق على مؤمن الطاق اسم شيطان الطاق ، كان ممّن يختلف إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ويسأله عن كثير من المسائل

ـــــــــــــــــ

(١) الحكم الجعفرية : ٦٠ .

١١٥

وقد روى عن الإمام الصادقعليه‌السلام وحدّث عنه واتّصل به في المدينة مدّة من الزمن ، وناصر زيد بن علي وساهم في الدعوة إلى الخروج معه ، وكان يقول : ضاها خروج زيد خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر(١) .

٢ ـ انفتحت مدرسة الإمامعليه‌السلام على مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية ، فاهتمّت بالقرآن والسنّة والفقه والتأريخ والأصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية ، كما اهتمّت بعلوم أخرى مثل : علم الفلك ، والطبّ ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء .

٣ ـ لم تتّخذ مدرسة الإمام طابع الانتماء إلى الدولة الأموية أو العباسية ، ولم تتلوّث بسياسة الحاكمين ولم تكن أداة لخدمة الحكّام ، بل رأت الأمة أنّ هذه المدرسة هي التي تحقّق لها تطلّعاتها ; إذ كانت ترى على رأسها وريث النبوّة وعملاق الفكر المحمّدي الإمام أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام المعروف بمواقفه واستقامته حتى لقّب بالصادق لسموّ أخلاقه وعدم مساومته وخضوعه لسياسة الحكّام المنحرفين .

من هنا شكّلت مدرسته حصناً سياسياً وفكريّاً يلوذ به طلاّب الحقيقة ومَن كان يشعر بالمسؤولية ويريد التخلّص من التيه الذي خلّفته التيارات الفكرية والسياسية المتضاربة في أهدافها ومساراتها .

٤ ـ وتميّزت أيضاً جامعة الإمام الصادقعليه‌السلام بمنهجها السليم وعمقها الفكري ، ولم تكن أطروحتها في الإعداد العلمي مبتنية على حشو الذهن ، وإنّما كانت تعتمد الفكر والتعمّق والأصالة ونموّ الكفاءات العلمية ، وتعتبرها أُسساً مهمّة في المنهج العلمي والتربوي .

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الباقر : ١ / ٧٥ .

١١٦

٥ ـ أنتجت هذه الجامعة رموزاً للعلم والتقوى والاستقامة ، وعرفت بالعطاء العلمي والديني للأمة وبما أبدعته في تخصّصاتها العلمية ، وما حققته من إنجازات على صعيد الدعوة والإصلاح بين الناس ، وأصبح الانتساب إلى مدرسة الإمامعليه‌السلام عليه‌السلام مفخرة للمنتسب ، كما ناهز عدد طلاّبها الأربعة آلاف طالب .

٦ ـ واتّسعت هذه المدرسة ـ فيما بعد ـ وشكّلت عدّة فروع لها في الكوفة ، والبصرة ، وقم ، ومصر .

٧ ـ إنّ الإمامعليه‌السلام لم يجعل من جامعته العلمية والجهد المبذول فيها نشاطاً منفصلاً عن حركته التغييرية وانشطته الأخرى ، بل كانت جزءاً من برنامجه الإصلاحي ؛ لأنّها كانت تساهم بحقّ في خلق المناخ المناسب لبناء الفرد الصالح ، وكانت امتداداً واعياً ومؤثّراً في المسيرة العامّة للأمة ، فضلاً عن النتائج السياسية الايجابية الخاصّة ، حيث نجد الكادر العلمي الحاضر في مدرسة الإمامعليه‌السلام هو نفسه الذي يحضر في نشاطات الإمام الخاصّة .

٨ ـ تميّزت مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام بالارتباط المباشر بمصادر التشريع والمعرفة وهما الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة بنحو لا مثيل له .

ومن هنا حرص الإمام الصادقعليه‌السلام على أن يحقّق من خلال مدرسته إنجازاً بخصوص تدوين الحديث والحفاظ على مضمونه ، بعد أن كان الحديث قد تعرّض في وقت سابق للضياع والتحريف والتوظيف السياسي المنحرف ، بسبب المنع من تدوينه ولم يستجب الأئمّة المعصومونعليهم‌السلام لقرار المنع بالرغم من كل الشعارات التي رُفعت لتجعل الهدف من حظر

١١٧

تدوين الحديث هو الحفاظ على القرآن وسلامته من التحريف .

بينما كان الهدف البعيد من منع تدوين الحديث هو تغييب الحديث النبوي الذي كان يؤكّد ربط الأمة بأهل البيتعليهم‌السلام فاستهدف الحكّام صرف الناس عن أهل البيتعليهم‌السلام ; لأنّ الحديث حين كان يؤكّد الارتباط بهم كان يحول بينهم وبين الانسياق وراء كلّ ناعق سياسي أو حاكم جائر .

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :( أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخطّه علي بيده صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كل حلال وحرام ) (١) .

وجاء عنهعليه‌السلام أنّه قال :( علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع ، وإن عندنا الجفر الأحمر ، والجفر الأبيض ، ومصحف فاطمة عليها‌السلام وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه ) (٢) .

٩ ـ وتميّزت أيضاً مدرسة الإمامعليه‌السلام بالاهتمام بالتدوين بشكل عام ، بل ومدارسة العلم لإنمائه وإثرائه .

فكانعليه‌السلام يأمر طلاّبه بالكتابة ويؤكّد لهم ضرورة التدوين والكتابة كما تجد ذلك في قولهعليه‌السلام :( احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها ) (٣) .

وكان يشيّد بنشاط زرارة الحديثي إذ كان يقول :( رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي ) .

ـــــــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات : ١٤٩ .

(٢) الإرشاد : ٢/١٨٦ وعنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/٣٩٦ ، والاحتجاج : ٢/١٣٤ ، وبحار الأنوار : ٤٧/٢٦ وزادوا فيه : فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال : أمّا الغابر فالعلم بما يكون .

(٣) الكافي : ١ / ٥٢ .

١١٨

وقال فيه وفي جماعة من أصحابه منهم أبو بصير ، ومحمد بن مسلم ، وبريد العجلي :( لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا الفقه ، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي عليه‌السلام على حلاله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والآخرة ) (١) .

وكان يأمر طلاّبه أيضاً بالتدارس والمباحثة فقد قال للمفضّل بن عمر :( اكتب وبثّ علمك في إخوانك ، فإنْ متّ فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم ) (٢) .

وعلى هذا الأساس اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتى تألّفت واجتمعت الأصول الأربعمائة المعروفة(٣) ، والتي شكّلت المجاميع الحديثية الأولى عند الشيعة الإمامية .

١٠ ـ وممّا تميزّت به مدرسة الإمام الصادقعليه‌السلام هو إنماء الفكر الإسلامي وتطويره من خلال التخصّص العلمي في مختلف فروع المعرفة الإسلامية ، وسوف نشير إلى هذه الميزة بالتفصيل .

التخصّص العلمي في مدرسة الإمامعليه‌السلام

والتفت الإمام في تلك المرحلة لأهمّية الاختصاص ودوره في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره ، وقدرته في استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسته ، وبالتخصّص تتنوّع عطاءاته ، فيكون الإبداع أعمق نتاجاً وأكثر احتواءً ؛ لذا وجّه الإمامعليه‌السلام طلاّبه نحو التخصّصات العلمية ، وتصدّى بنفسه

ـــــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة : ٨ / ٥٧ ـ ٥٩ .

(٢) أصول الكافي : ١ / ٥٢ .

(٣) وسائل الشيعة : ١٨ / ٥٧ ـ ٥٩ .

١١٩

للإشراف ، فكان يعالج الإشكالات التي تستجد ، ويدفع مسيرة الحركة العلمية إلى الأمام ولا يمكن في هذا البحث أن نستوعب كل هذه التخصّصات وإنّما نقتصر على ذكر بعض النماذج فيما يأتي :

أ ـ في الطب : سُئل الإمام عن جسم الإنسان فقالعليه‌السلام :( إنّ الله خلق الإنسان على اثني عشر وصلاً وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظماً ، وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً ، فالعروق هي التي تسقي الجسد كلّه ، والعظام تمسكه واللحم يمسك العظام والعصب تمسك اللحم ، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً في كل يد إحدى وأربعين عظماً ، منها في كفّه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساعده اثنان ، وفي عضده واحد ، وفي كتفه ثلاثة ، فذلك إحدى وأربعون ، وكذلك في الأخرى ، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً ، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً وفي ساقه اثنان ، وفي ركبتيه ثلاثة ، وفي فخذه واحد وفي وركه اثنان وكذلك في الأخرى ، وفي صلبه ثماني عشر فقارة وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع ، وفي وقصته ثمانية وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً ، وفي فيه ثماني وعشرون عظماً أو اثنان وثلاثون عظماً ) (١) .

يقول الشيخ ميرزا محمد الخليلي : ولعمري إنّ هذا الحصر والتعداد هو عين ما ذكره المشرّحون في هذا العصر ، لم يزيدوا ولم ينقصوا(٢) .

وشرح الإمام الصادقعليه‌السلام كيفية دوران الدم في الجسم ولأول مرّة في حديثه مع المفضّل بن عمر ، وقد سبق بذلك العالم ( هارفي ) الذي عرف بأنّه مكتشف الدورة الدموية .

قالعليه‌السلام :( فكّر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير ، فإنّ

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب : ٤ / ٢٥٦ ، وبحار الأنوار : ١٤ / ٤٨٠

(٢) طب الإمام الصادقعليه‌السلام : ٣ .

١٢٠

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241