اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)15%

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
تصنيف: الإمام الصادق عليه السلام
الصفحات: 241

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
  • البداية
  • السابق
  • 241 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 117269 / تحميل: 9526
الحجم الحجم الحجم
اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اعلام الهداية - الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

مؤلف:
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

اسم الكتاب : أعلام الهداية (ج٨) الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام .

المؤلّف : لجنة التأليف .

الموضوع :كلام وتاريخ .

الناشر : مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة : الأولى .

المطبعة : ليلى .

الكمية : ٥٠٠٠ .

تاريخ النشر : ١٤٢٢ هـ .

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام ـ قم

شابك isbn : ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٤-٨

١

أهل البيت في القرآن الكريم

( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)

الأحزاب : ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في السنّة النبويّة

 ( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً )

( الصحاح والمسانيد )

٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى ، ثم الصلاة والسلام على مَن اختارهم هداةً لعباده ، لا سيّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء .

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة ، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل ، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه .

وقد جعل الله العقل المميِّز حجّةً له على خلقه ، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم ، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به ، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها ، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها .

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها ، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة ، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أُخرى .

قال تعالى :

( قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى ) ( الأنعام (٦) : ٧١ ) .

( والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم ) ( البقرة (٢) : ٢١٣ ) .

( والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ) ( الأحزاب (٣٣) : ٤ ) .

( ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم ) ( آل عمران (٣) : ١٠١ ) .

( قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون ) ( يونس (١٠) : ٣٥ ) .

( ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) ( سبأ (٣٤) : ٦ ) .

( ومَن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) ( القصص (٢٨) :٥٠ ) .

فالله تعالى هو مصدر الهداية ، وهدايته هي الهداية الحقيقية ، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم .

٣

وهذه الحقائق يؤيّدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم .

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به ، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال ، ومن هنا قال تعالى : ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) ( الذاريات (٥١) : ٥٦ ) وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة ، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال .

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال ، لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة ، والهوى الناشئ منهما ، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية ; كي تتمّ عليه الحجّة ، وتكمل نعمة الهداية ، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة ، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته .

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي ، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد ؛ وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة .

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون ، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجّة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء ، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه ؛ لئلاّ يكون للناس على الله حجّة ، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق ، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة ، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً : ( إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد ) ( الرعد (١٣) : ٧ ) .

ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها ، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة ، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه ، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ( الأنعام (٦) : ١٢٤ ) و( الله يجتبي من رسله مَن يشاء ) ( آل عمران (٣) : ١٧٩ ) .

٤

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمَن أُرسلوا إليه ، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في ( الاستيعاب والإحاطة اللازمة ) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها ، و( العصمة ) عن الخطأ والانحراف معاً ، قال تعالى : ( كان الناسُ أُمّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ( البقرة (٢) : ٢١٣ ) .

٣ ـ تكوين أُمّة مؤمنة بالرسالة الإلهية ، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة ، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم ، قال تعالى :( ويزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة ) ( الجمعة (٦٢) : ٢ ) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال ، كما قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة ) ( الأحزاب (٣٣) : ٢١ ) .

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها ، وهذه المهمّة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية ، والتي تسمّى بالعصمة .

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية ؛ وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية ، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية ، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً ، وشجاعةً فائقةً ، وثباتاً كبيراً ، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة ، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية ، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة

الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها .

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي ، واقتحموا سبيل التربية الشاق ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب ، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته ، ولم يتراجعوا لحظة ، ولم يتلكّأوا طرفة عين .

٥

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها ، طالباً منه تحقيق أهدافها

وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة ، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية ، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي :

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء .

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف .

٣ ـ تكوين أُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً ، وبالرسول قائداً ، وبالشريعة قانوناً للحياة .

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء .

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري :

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر .

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال ، على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته .

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته ، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم ; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه ، وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين ، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور ، وحتى يرث الله الأرض ومَن عليها .

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله :( إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، كتاب الله وعترتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير مَن عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده .

٦

إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة ، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء .

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم ، والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم ؛ فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته ، والمستقرّين في أمر الله ، والتامّين في محبّته ، والذائبين في الشوق إليه ، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود .

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى ، ثم اختاروا الشهادة مع العِزّ على الحياة مع الذلّ ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير .

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل ؛ ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم ، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق ، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق .

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء ، محمد ابن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله .

٧

ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام سادس أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وهو المعصوم الثامن من أعلام الهداية الربّانية في دين الإسلام وكل مذاهب المسلمين مَدينة إلى علمه وفقهه ، كما أنّ الحضارة الإنسانية في عصرنا هذا ترى نفسها مستظلة بظلال علومه ومعارفه .

ولا بدَّ لنا من ذكر كلمة شكر لكلّ العاملين الذين بذلوا جهداً في إخراج هذا المشروع ، لا سيّما لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى .

وأخيراً نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإتمام سائر أجزاء هذه الموسوعة المباركة ، وهو حسبنا نعم المولى ونعم النصير .

 المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

 قم المقدّسة

٨

الباب الأول :

فيه فصول :

الفصل الأول : الإمام الصادقعليه‌السلام في سطور .

الفصل الثاني : انطباعات عن شخصيتهعليه‌السلام .

الفصل الثالث : مظاهر من شخصيتهعليه‌السلام .

٩

الفصل الأول : الإمام الصادقعليه‌السلام في سطور

الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام سادس الأئمة الأطهار من أهل البيت المعصومين الذين نص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خلافتهم من بعده .

ولد في سنة ( ٨٣ ) هجرية وترعرع في ظلال جدّه زين العابدين وأبيه محمّد الباقرعليهم‌السلام وعنهما أخذ علوم الشريعة ومعارف الإسلام فهو يشكّل مع آبائه الطاهرين حلقات نورية متواصلة لا يفصُل بينها غريب أو مجهول ، حتَّى تصل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لذا فهو يغترف من معين الوحي ومنبع الحكمة الإلهية .

وبهذا تميّزت مدرسة أهل البيت التي أشاد بناءها الأئمة الأطهار ، ولا سيّما الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام ؛ فهي مدرسة الرسالة المحمّدية التي حفظت لنا أصالة الإسلام ونقاءه .

وهكذا تبوّأ الإمام الصادق مركز الإمامة الشرعية بعد آبائه الكرام ، وبرز إلى قمّة العلم والمعرفة في عصره مرموقاً مهاباً ؛ فطأطأت له رؤوس العلماء إجلالاً وإكباراً حتَّى عصرنا هذا .

لقد كان عامة المسلمين وعلماؤهم يرون جعفر بن محمّدعليه‌السلام سليل

١٠

النبوّة وعميد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً .

فهو الرمز الشرعي للمعارضة التي قادها أهل بيت الوحيعليهم‌السلام ضد الظلم والطغيان الأموي والعبَّاسي معاً .

كما كان العلماء يرونه بحراً زاخراً وإماماً لا ينازعه أحد في العلم والمعرفة وأستاذاً فذّاً في جميع العلوم التي عرفها أهل عصره والتي لم يعرفوها آنذاك .

لقد عايش الإمام الصادقعليه‌السلام الحكم الأموي مدّة تقارب ( أربعة ) عقود وشاهد الظلم والإرهاب والقسوة التي كانت لبني أمية ضد الأمة الإسلامية بشكل عام ، وضد أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم بشكل خاص .

وكان من الطبيعي ـ بعد ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ـ أن يكون آل البيت هم الطليعة والقيادة المحبوبة لدى الجماهير المسلمة ، ومن هنا بدأت فصائل العباسيين تتحرّك باسم أهل البيت وتدعو إلى الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخلافة ذرّية فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لقد انسحب الإمام الصادقعليه‌السلام من المواجهة المكشوفة ولم تنطل عليه الشعارات التي كان يستخدمها بنو العباس للوصول إلى الحكم بعد سقوط بني أمية ، بعد أن ازداد ظلمهم وعتوّهم وإرهابهم وتعاظمت نقمة الأمة عليهم .

لقد سقط سلطان بني أمية سنة ( ١٣٢ هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بني العباس فعاصر حكم أبي العباس السفّاح وشطراً من حكم المنصور الدوانيقي بما يقرب من عشر سنوات .

لقد انصرف الإمام الصادقعليه‌السلام عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء الأمة الإسلامية علمياً وفكرياً وعقائدياً وأخلاقياً ، بناءً يضمن سلامة الخط

١١

الإسلامي على المدى البعيد ، بالرغم من استمرار الانحرافات السياسية والفكرية في أوساط المجتمع الإسلامي .

لقد انتشرت الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة والخوارج والكيسانية والزيدية في عصره ، واشتدّ الصراع بينها ، كما بدأت الزندقة تستفحل وتخترق أجواء المجتمع الإسلامي ؛ فتصدّى الإمام الصادقعليه‌السلام للردّ على الملاحدة من جهة ، وتصدى لمحاكمة الفرق المنحرفة من جهة أخرى .

لقد اهتمّ الإمامعليه‌السلام ببناء الجماعة الصالحة التي تتحمّل مسؤولية تجذير خط أهل البيت في الأمة الإسلامية إلى جانب اهتمامه ببناء جامعة أهل البيت الإسلامية ، وتخريج العلماء في مختلف فنون المعرفة ولا سيّما علماء الشريعة الذين يضمنون للأمة سلامة مسيرتها على مدى المستقبل القريب والبعيد ويزرعون بذور الثورة ضد الطغيان .

ولم يغفل الإمامعليه‌السلام عن تقوية الخط الثوري والجهادي في أوساط الأمة من خلال تأييده لمثل ثورة عمّه زيد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام ومَن تلاه من ثوّار البيت العلوي الكرام .

ولم يكن الإمام الصادقعليه‌السلام ليسلم من هذه المحنة ـ محنة الثورة على الظلم العباسي ـ فقد كان المنصور يطارده الخوف من الإمام الصادقعليه‌السلام ويتصوّر أنَّه اليد التي تحرّك كل ثورة ضد حكمه ، ممّا أدّى إلى استدعائه إلى العراق أكثر من مرة وضيّق عليه وأجرى عليه محاكمة يجل الإمام عن مثلها ليشعره بالرقابة والمتابعة ، ثمَّ خلّى سبيله .

بل قد ذكرت بعض المصادر أنّ المنصور قد نوى قتله أكثر من مرَّة إلاّ أنّ الله سبحانه حال بينه وبين ما أراد .

١٢

وهكذا عاش الإمام الصادقعليه‌السلام الفترة الأخيرة من حياته ـ وبعد أن استقرّت دعائم الحكم العباسي ـ حياة الاضطراب والإرهاب ، وفي جوٍّ مشحون بالعداء والملاحقة ، إلاّ أنّه استطاع أن يؤدّي رسالته بحكمة وحنكة وقوّة عزم ويفجّر ينابيع العلم والمعرفة ويبني الأمة الإسلامية من داخلها ويربّي العلماء والفقهاء الأمناء على حلاله وحرامه ، ويشيد بناء شيعة أهل البيت الذين يمثّلون الجماعة الصالحة التي عليها تتكئ دعائم الخطّ النبوي لتحقيق مهامّه الرسالية بعد أن عصفت الرياح الجاهلية بالرسالة الخاتمة ، وتصدّى لقيادة الأمة رجال لم يكونوا مؤهّلين لذلك .

١٣

الفصل الثاني : انطباعات عن شخصية الإمام الصادقعليه‌السلام

أشاد الإمام الباقرعليه‌السلام أمام أعلام شيعته بفضل ولده الصادقعليه‌السلام قائلاً :هذا خير البريّة (١) .

وأفصح عمّه زيد بن علي عن عظيم شأنه فقال : في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه ؛ وحجّة زماننا ابن أخي جعفر لا يضلّ مَن تبعه ولا يهتدي مَن خالفه(٢) .

وقال مالك بن أنس : ما رأت عين ولا سمعت أُذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً(٣) .

وقال المنصور الدوانيقي مؤبّناً الإمام الصادقعليه‌السلام : إنّ جعفر بن محمّد كان ممّن قال الله فيه :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) وكان ممّن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات(٤) .

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت ٣٢٧ هـ ) : سمعت أبي يقول :

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي : ١ / ٣٠٧ .

(٢) المصدر السابق : ٣٠٦ .

(٣) تهذيب التهذيب : ٢ / ١٠٤ .

(٤) تاريخ اليعقوبي : ٣ / ١٧ .

١٤

جعفر بن محمّد ثقة لا يُسأل عن مثله .

وقال : سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه ، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه ، والعلاء عن أبيه أيّما أصح ؟ قال : لا يقرن جعفر بن محمّد إلى هؤلاء(١) .

وقال أبو حاتم محمّد بن حيّان ( ت ٣٥٤ هـ ) عنه : كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً(٢) .

وقال أبو عبد الرحمن السلمي ( ٣٢٥ ـ ٤١٢ هـ ) عنه : فاق جميع أقرانه من أهل البيتعليه‌السلام وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وأدب كامل في الحكمة(٣) .

وعن صاحب حلية الأولياء ( ت ٤٣٠ هـ ) : ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ، أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ونهى عن الرئاسة والجموع(٤) .

وأضاف الشهرستاني ( ٤٧٩ ـ ٥٤٨ هـ ) على ما قاله السلمي عنه : وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثمَّ دخل العراق وأقام بها مدَّة ، ما تعرّض للإمامة قط ، ولا نازع في الخلافة أحداً(٥) ، ومَن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ(٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) الجرح والتعديل : ٢ / ٤٨٧ .

(٢) الثقات : ٦ / ١٣١ .

(٣) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٥٨ .

(٤) حلية الأولياء : ١/٧٢ .

(٥) إن كان يقصد بذلك التعرّض الظاهر للإمامة الظاهرة كما يفهم من قول ( ولا نازع في الخلافة ) فهذا صحيح وإلاّ فلا .

(٦) الملل والنحل : ١ / ١٤٧ .

١٥

وذكر الخوارزمي ( ت ٥٦٨ هـ ) في مناقب أبي حنيفة أنّه قال : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد وقال : لولا السنتان لهلك النعمان مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق(١) .

وقال ابن الجوزي ( ٥١٠ ـ ٥٩٧ هـ ) : جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين كان مشغولاً بالعبادة عن طلب الرئاسة(٢) .

وقال محمّد بن طلحة الشافعي ( ت ٦٥٢ هـ ) عنه : هو من عظماء أهل البيتعليهم‌السلام وساداتهم ، ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة ، وتلاوة كثيرة ، يتتبّع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه ، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه ، رؤيته تذكّر الآخرة ، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا ، والاقتداء بهديه يورث الجنّة ، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة ، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذريّة الرسالة ، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمّة وأعلامهم ، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها .

وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتَّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى ، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها ، تضاف إليه وتروى عنه .

وقد قيل إنّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامهعليه‌السلام ، وإنّ في هذه لمنقبة سنيّة ، ودرجة في مقام الفضائل عليّة ، وهي

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب أبي حنيفة : ١ / ١٧٢ ، والتحفة الاثني عشرية : ٨ .

(٢) صفوة الصفوة : ٢/٩٤ .

١٦

نبذة يسيرة ممّا نقل عنه(١) .

وفي تهذيب الأسماء ( ٦٣١ ـ ٦٧٦ هـ ) عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنه من سلالة النبيين(٢) .

وقال ابن خلكان ( ٦٠٨ ـ ٦٨١ هـ ) : جعفر الصادق أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل البيت ، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من أن يذكر وله كلام في صنعة الكيميا ، والزجر والفال ودُفن بالبقيع في قبر فيه أبوه وجدّه وعمّ جدّه فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه(٣) .

وقال البخاري في فصل الخطاب ( ٧٥٦ ـ ٨٢٢ هـ ) : اتفقوا على جلالة الصادقعليه‌السلام وسيادته(٤) .

وقال ابن الصبّاغ المالكي (٧٨٤ ـ ٨٥٥ هـ ) : نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان ، ولم ينقل من العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث .

وروى عنه جماعة من أعيان الأمة وصّى إليه أبو جعفرعليه‌السلام بالإمامة وغيرها وصيّة ظاهرة ، ونصّ عليها نصّاً جليّاً(٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول : ٢/٥٦ .

(٢) تهذيب الأسماء : ١ / ١٤٩ .

(٣) وفيات الأعيان : ١ / ٣٢٧ .

(٤) ينابيع المودّة : ٣٨٠ ، وهذا البخاري هو محمد خواجه بارساي .

(٥) الفصول المهمّة : ٢٢٢ .

١٧

الفصل الثالث : مظاهر من شخصية الإمام الصادقعليه‌السلام

سعة علمه :

لقد شقّق الإمام الصادقعليه‌السلام العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق ؛ حتَّى ملأ الدنيا بعلومه ، وهو القائل :( سلوني قبل أن تفقدوني فإنّه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي ) (١) ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وأدلىعليه‌السلام بحديث أعرب فيه عن سعة علومه فقال :( والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي ، فيه خبر السماء وخبر الأرض ، وخبر ما كان ، وخبر ما هو كائن ، قال الله عزَّ وجلَّ : ( فيه تبيان كل شيء ) (٢) .

وقد كان من مظاهر سعة علمه أنّه قد ارتوى من بحر علومه أربعة آلاف طالب ، وقد أشاعوا العلم والثقافة في جميع الحواضر الإسلامية ونشروا معالم الدين وأحكام الشريعة(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) تأريخ الإسلام للذهبي : ٦/٤٥ ، تذكرة الحفّاظ : ١/١٥٧ ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال : ٥/٧٩ .

(٢) أصول الكافي : ١ / ٢٢٩ .

(٣) الإرشاد : ٢/١٧٩ وعنه في إعلام الورى : ٣٢٥ ، ومناقب آل أبي طالب : ٤/٢٤٧ والمعتبر للمحقق الحلي : ٥ .

١٨

كرمه وجوده :

لقد كان الإمام الصادقعليه‌السلام من أندى الناس كفّاً ، وكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه ، كان من بينها ما يلي :

١ ـ دخل عليه أشجع السلمي فوجده عليلاً ، وبادر أشجع فسأل عن سبب علّته ، فقالعليه‌السلام :تعدّ عن العلّة ، واذكر ما جئت له فقال :

ألبسك الله منه عافية

في نومك المعتري وفي أرقك

يخرج من جسمك السقام

كما أخرج ذلّ السؤال من عنقك

وعرف الإمام حاجته فقال لغلامه :أي شيء معك ؟ فقال : أربعمائة فأمره بإعطائها له(١) .

٢ ـ ودخل عليه المفضل بن رمانة وكان من ثقاة أصحابه ورواته فشكا إليه ضعف حاله ، وسأله الدعاء ، فقالعليه‌السلام لجاريته :هاتِ الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر ، فجاءته به ، فقال له :هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به ، فقال المفضل : لا والله جُعلت فداك ما أردت هذا ، ولكن أردت الدعاء ، فقالعليه‌السلام :لا أدع الدعاء لك (٢) .

٣ ـ سأله فقير فأعطاه أربعمائة درهم ، فأخذها الفقير ، وذهب شاكراً ، فقالعليه‌السلام لخادمه :أرجعه ، فقال الخادم : سئلت فأعطيت ، فماذا بعد العطاء ؟ قالعليه‌السلام :قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( خير الصدقة ما أبقت غنى ) ، وإنّا لم نغنه ، فخذ هذا الخاتم فأعطه فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم ، فإذا احتاج فليبعه بهذه القيمة (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي : ١/٢٨٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٩٦ .

(٢) اختيار معرفة الرجال للكشي : ٢/ ٤٢٢ ح ٣٢٢ ترجمة مفضل بن قيس بن رمانة .

(٣) الإمام جعفر الصادق ، أحمد مغنية : ٤٧ .

١٩

٤ ـ ومن بوادر جوده وسخائه وحبّه للبر والمعروف أنّه كانت له ضيعة قرب المدينة تسمّى ( عين زياد ) ، فيها نخل كثير ، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم ، ليدخل الناس ويأكلوا من التمر(١) .

وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجيء كالشيخ والعجوز والمريض لكل واحد منهم بمدّ من التمر ، وما بقي منهم يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين ، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار ، فكان ينفق ثلاثة آلاف منها ، ويبقى له ألف(٢) .

٥ ـ ومن بوادر كرمه أنّه كان يطعم ويكسو حتَّى لم يبق لعياله شيء من كسوة أو طعام(٣) .

ومن كرمه أنّه مرّ به رجل ، وكانعليه‌السلام يتغدّى ، فلم يسلّم الرجل فدعاه الإمام إلى تناول الطعام ، فأنكر عليه بعض الحاضرين ، وقال له : السنّة أن يسلّم ثم يُدعى ، وقد ترك السلام على عمد فقابله الإمامعليه‌السلام ببسمات مليئة بالبشر وقال له :هذا فقه عراقي ، فيه بخل ... (٤) .

صدقاته في السر :

أمّا الصدقات في السر فإنّها من أفضل الأعمال وأحبّها لله ؛ لأنّها من الأعمال الخالصة التي لا يشوبها أي غرض من أغراض الدنيا ، وقد ندب إليها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، كما أنّها كانت منهجاً لهم ، فكل واحد منهم كان يعول

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٧ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) تأريخ الإسلام : ٦/٤٥ ، مرآة الزمان : ٦/١٦٠ ، تهذيب الكمال : ٥/٨٧ .

(٤) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٦٤ عن نثر الدرر .

٢٠

جماعة من الفقراء وهم لا يعرفونه وكان الإمام الصادق يقوم في غلس الليل البهيم فيأخذ جراباً فيه الخبز واللحم والدراهم فيحمله على عاتقه ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة فيقسمه فيهم ، وهم لا يعرفونه ، وما عرفوه حتَّى مضى إلى الله تعالى فافتقدوا تلك الصلات فعلموا أنّها منه(١) .

ومن صِلاته السرّية ما رواه إسماعيل بن جابر قائلاً : أعطاني أبو عبد اللهعليه‌السلام خمسين ديناراً في صرّة ، وقال لي :ادفعها إلى شخص من بني هاشم ، ولا تعلمه أنّي أعطيتك شيئاً ، فأتيته ودفعتها إليه فقال لي : من أين هذه ؟ فأخبرته أنّها من شخص لا يقبل أن تعرفه ، فقال العلوي : ما يزال هذا الرجل كل حين يبعث بمثل هذا المال ، فنعيش بها إلى قابل ، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله(٢) .

تكريمه للضيوف :

ومن بوادر كرمه وسخائه حبّه للضيوف وتكريمه لهم ، وقد كان يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه ، كما كان يأتيهم بأشهى الطعام وألذّه ، وأوفره ، ويكرّر عليهم القول وقت الأكل :( أشدّكم حبّاً لنا أكثركم أكلاً عندنا ) .

وكان يأمر في كل يوم بوضع عشر ثبنات من الطعام يتغدى على كل ثبنة عشرة(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٧ .

(٢) مجموعة ورام : ٢/٨٢ .

(٣) الثبنات : مفردها ثبنة وهي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام.

(٤) الإمام جعفر الصادق : ٤٦ .

٢١

تواضعه :

ومن مظاهر شخصيته العظيمة نكرانه للذات وحبّه للتواضع وهو سيد المسلمين ، وإمام الملايين ، وكان من تواضعه أنّه كان يجلس على الحصير(١) ، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة ، وكان ينكر ويشجب المتكبّرين وحتّى قال ذات مرة لرجل من إحدى القبائل : (مَن سيد هذه القبيلة ؟ فبادر الرجل قائلاً : أنا ، فأنكر الإمامعليه‌السلام ذلك ، وقال له :لو كنت سيدهم ما قلت : أنا . )(٢) .

ومن مصاديق تواضعه ونكراته للذات : أنّ رجلاً من السواد كان يلازمه ، فافتقده فسأل عنه ، فبادر رجل فقال مستهيناً بمَن سأل عنه : إنّه نبطي فردّ عليه الإمام قائلاً :أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم مستوون فاستحيى الرجل(٣) .

سمو أخلاقه :

كان الإمام الصادقعليه‌السلام على جانب كبير من سمو الأخلاق ، فقد ملك القلوب ، وجذب العواطف بهذه الظاهرة الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي سما على سائر النبيين بمعالي أخلاقه .

وكان من مكارم أخلاق الإمام وسمو ذاته أنّه كان يحسن إلى كل مَن أساء إليه ، وقد روي أنّ رجلاً من الحجّاج توهّم أنّ هميانه قد ضاع منه ، فخرج

ـــــــــــــــــ

(١) النجوم الزاهرة : ٥/١٧٦ .

(٢) الطبقات الكبرى : ١/٣٢ .

(٣) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٦٦ عن مطالب السؤول .

(٤) الهميان : وهو كيس يجعل فيه ويشد على الوسط وجمعه همايين ، مجمع البحرين : ٦/٣٣٠ .

٢٢

يفتش عنه فرأى الإمام الصادقعليه‌السلام يصلّي في الجامع النبوي فتعلّق به ، ولم يعرفه ، وقال له : أنت أخذت همياني ؟

فقال له الإمام بعطف ورفق :ما كان فيه ؟

قال : ألف دينار ، فأعطاه الإمام ألف دينار ، ومضى الرجل إلى مكانه فوجد هميانه فعاد إلى الإمام معتذراً منه ، ومعه المال فأبى الإمام قبوله وقال له :شيء خرج من يدي فلا يعود إلي ، فبهر الرجل وسأل عنه ، فقيل له : هذا جعفر الصادق ، وراح الرجل يقول بإعجاب : لا جرم هذا فعال أمثاله(١) .

إنّ شرف الإمامعليه‌السلام الذي لا حدود له هو الذي دفعه إلى تصديق الرجل ودفع المال له .

وقالعليه‌السلام :إنّا أهل بيت مروءتنا العفو عمّن ظلمنا (٢) .

وكان يفيض بأخلاقه الندية على حضّار مجلسه حتَّى قال رجل من العامة : والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسته(٣) .

صبره :

ومن الصفات البارزة في الإمامعليه‌السلام الصبر وعدم الجزع على ما كان يلاقيه من عظيم المحن والخطوب ، ومن مظاهر صبره أنّه لمّا توفّي ولده إسماعيل الذي كان ملأ العين في أدبه وعلمه وفضله دعاعليه‌السلام جمعاً من أصحابه فقدّم لهم مائدة جعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ، ولمّا فرغوا من تناول الطعام سأله بعض أصحابه ، فقال له : يا سيدي لا أرى عليك أثراً من

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٨ .

(٢) الخصال : ١١ .

(٣) أصول الكافي : ٢/٦٥٧ .

٢٣

آثار الحزن على ولدك ؟ فأجابهعليه‌السلام :( وما لي لا أكون كما ترون ، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين ـ يعني جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـإلى أصحابه إنّي ميت وإيّاكم ) (١) .

إقباله على العبادة :

أمّا الإقبال على عبادة الله تعالى وطاعته فإنّه من أبرز صفات الإمام ، فقد كان من أعبد الناس لله في عصره ، وقد أخلص في طاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص ، وإليك صورة موجزة عن عباداته :

أ ـ صلاته :

إنّ الصلاة من أفضل العبادات وأهمّها في الإسلام ، وقد أشاد بها الإمام الصادقعليه‌السلام في كثير من أحاديثه :

قائلاًعليه‌السلام :( ما تقرّب العبد إلى الله بعد المعرفة أفضل من الصلاة ) (٢) .

وقالعليه‌السلام :( إنّ أفضل الأعمال عند الله يوم القيامة الصلاة ، وما أحسن مَن عبد توضّأ فأحسن الوضوء ) (٣) .

وقالعليه‌السلام :( الصلاة قربان كل تقي ) (٤) .

وقالعليه‌السلام :( أحبّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ الصلاة ، وهي آخر وصايا الأنبياء ، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس فيشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد ، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس : يا ويله أطاعوا وعصيت ، وسجدوا وأبيت ) (٥) .

وقال أبو بصير : دخلت على أم حميدة ـ زوجة الإمام الصادقعليه‌السلام ـ

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام جعفر الصادق : ٤٩ .

(٢) مجموعة ورام : ٢ / ٨٦ .

(٣) وسائل الشيعة : ٦/٤٣٢ و ٨/١٢٩ .

(٤) المصدر السابق : ٤/٤٣ ـ ٤٤ و ٧/٢٦٢ .

(٥) المصدر السابق : ٣/٢٦ .

٢٤

أُعزّيها بأبي عبد اللهعليه‌السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت : يا أبا محمّد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً فتح عينيه ثم قال : اجمعوا كل من بيني وبينه قرابة قالت فما تركنا أحداً إلاَّ جمعناه ، فنظر إليهم ثمَّ قال :( إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة ) (١) .

ومن الجدير بالذكر أنّ الإمامعليه‌السلام لم يدع نافلة من نوافل الصلاة إلاّ أتى بها بخشوع وإقبال نحو الله .

وكانعليه‌السلام إذا أراد التوجّه إلى الصلاة اصْفَرَّ لونه ، وارتعدت فرائصه خوفاً من الله تعالى ورهبة وخشية منه وقد أثرت عنه مجموعة من الأدعية في حال وضوئه ، وتوجّهه إلى الصلاة وفي قنوته ، وبعد الفراغ من صلاته(٢) .

ب ـ صومه :

إنّ الصوم من العبادات المهمّة في الإسلام ؛ وذلك لما يترتّب عليه من الفوائد الاجتماعية والصحية والأخلاقية ، ( وهو جُنّة من النار ) كما قال الإمام الصادقعليه‌السلام (٣) .

وقد حثّ الإمام الصادقعليه‌السلام الصائم على التحلّي بالأخلاق والآداب التالية ، قالعليه‌السلام :( وإذا صمت فليصم سمعك ، وبصرك ، ولسانك من القبيح والحرام ، ودع المراء ، وأذى الخادم ، وليكن عليك وقار الصيام ، ولا تجعل يوم صومك مثل يوم فطرك سواء ) (٤) .

وكانعليه‌السلام صائماً في أغلب أيامه تقرّباً إلى الله تعالى أمّا شهر رمضان المبارك فكان يستقبله بشوق بالغ ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية المهمّة عند رؤيته لهلاله ، كما أثرت عنه بعض الأدعية في سائر أيامه وفي ليالي القدر

ـــــــــــــــــ

(١) المصدر السابق : ٣ / ١٧ .

(٢) راجع الصحيفة الصادقية وهي مجموعة الأدعية المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

(٣) وسائل الشيعة : ٣ / ٢٩٠ .

(٤) المصدر السابق : ١ / ١٦٥ .

٢٥

المباركة وفي يوم عيد الأضحى الأغرّ(١) .

ج ـ حجّه :

أمّا الحج فهو بالإضافة إلى قدسيّته فإنّه من أهم المؤتمرات السياسية التي تعقد في العالم الإسلامي ، حيث تعرض فيه أهم المشاكل التي تواجه المسلمين سواء أكانت من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية أو المشاكل السياسية الداخلية والخارجية ، مضافاً إلى أنّه من أهم الروابط التي يعرف بها المسلمون بعضهم بعضاً .

وقد حجّ الإمام الصادقعليه‌السلام مرات متعدّدة والتقى بكثير من الحجّاج المسلمين ، وقد كان المعلم والمرشد لهم على مسائل الحج ، فقد جهد هو وأبوه الإمام محمد الباقرعليهما‌السلام على بيان أحكام الحج بشكل تفصيلي ، وعنهما أخذ الرواة والفقهاء أحكام هذه الفريضة ، ولولاهما لما عرفت مسائل الحج وأحكامه .

وكان الإمام الصادقعليه‌السلام يؤدّي بخضوع وخشوع مراسيم الحج من الطواف ، والوقوف في عرفات ومنى ، وقد روى بكر بن محمد الأزدي فقال : خرجت أطوف ، وإلى جنبي الإمام أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام حتَّى فرغ من طوافه ثم مال فصلّى ركعتين بين ركن البيت والحجر ، وسمعته يقول في أثناء سجوده :( سجد وجهي لك تعبّداً ورقّاً ، لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً ، الأول قبل كلّ شيء ، والآخر بعد كلّ شيء ، وها أنا ذا بين يديك ، ناصيتي بيدك فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنب العظيم غيرك ، فاغفر لي ، فإنّي مقرٌّ بذنوبي على نفسي ، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك ) .

ثم رفع رأسه الشريف ، ووجهه كأنّما غُمس في الماء من كثرة البكاء(٢) .

وروى حمّاد بن عثمان فقال : رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد

ـــــــــــــــــ

(١) راجع الصحيفة الصادقية ، باقر شريف القرشي : ٥/١١٩ ـ ١٤٧ .

(٢) قرب الإسناد : ٢٨ .

٢٦

بالموقف رافعاً يده إلى السماء وكان في موقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وظاهر كفّيه إلى السماء(١) .

وكانعليه‌السلام إذا خرج من الكعبة المقدّسة يقول :( الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، اللّهمّ لا تجهد بلاءنا ، ولا تشمت بنا أعداءنا ، فإنّك أنت الضار النافع ) (٢) .

وروى حفص بن عمر ـ مؤذن علي بن يقطين ـ فقال : كنا نروي أنه يقف للناس في الحج سنة ( ١٤٠ هـ ) خير الناس ، فحججت في تلك السنة ، فإذا إسماعيل بن عبد الله بن العباس واقف فداخلنا من ذلك غم شديد ، فلم نلبث ، وإذا بالإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام واقف على بغلة له ، فرجعت أبشّر أصحابي ، وقلت : هذا خير الناس الذي كنا نرويه(٣) .

وكان من أعظم الخاشعين والداعين في مواقف الحج ، فقد روي أنّ سفيان الثوري قال : والله رأيت جعفر بن محمّدعليه‌السلام ولم أر حاجّاً وقف بالمشاعر ، واجتهد في التضرُّع والابتهال منه ، فلمّا وصل عرفات أخذ من الناس جانباً ، واجتهد في الدعاء في الموقف(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) قرب الإسناد : ٣١ .

(٢) المصدر السابق : ٣

(٣) المصدر السابق : ٩٨ .

(٤) حياة الإمام الصادقعليه‌السلام : ١/٧١ نقلاً عن ضياء العالمين .

٢٧

الباب الثاني :

فيه فصول :

الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام .

الفصل الثالث : الإمام الصادق في ظلّ جدّه وأبيهعليهم‌السلام .

٢٨

الفصل الأوّل : نشأة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام

الأسرة الكريمة :

إنّ أسرة الإمام الصادقعليه‌السلام ، هي أجل وأسمى أسرة في دنيا العرب والإسلام ؛ فإنّها تلك الأسرة التي أنجبت خاتم النبيين وسيد المرسلين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنجبت أيضاً عظماء الأئمة وأعلام العلماء ، وهي على امتداد التأريخ لا تزال مهوى أفئدة المسلمين ، ومهبط الوحي والإلهام .

من هذه الأسرة التي أغناها الله بفضله ، والقائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تفرّع عملاق هذه الأمة ، ومؤسّس نهضتها الفكرية والعلمية الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام ، وقد ورث من عظماء أسرته جميع خصالهم العظيمة فكان ملء فم الدنيا في صفاته وحركاته .

الأب الكريم :

هو الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام سيد الناس لا في عصره ، وإنّما في جميع العصور على امتداد التأريخ علماً وفضلاً وتقوى ، ولم يظهر من أحد في ولد الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام مَن علم الدين والسنن وعلم القرآن

٢٩

والسير ، وفنون الأدب والبلاغة مثل ما ظهر منه(١) .

لقد فجّر هذا الإمام العظيم ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وساهم مساهمة إيجابية في تطوير العقل البشري ؛ وذلك بما نشره من مختلف العلوم لقد أزهرت الدنيا بهذا المولود العظيم الذي تفرّع من شجرة النبوّة ودوحة الإمامة ومعدن الحكمة والعلم ، ومن أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

الأُم الزكيّة :

هي السيدة المهذّبة الزكية ( أم فروة ) بنت الفقيه القاسم(٢) بن محمّد بن أبي بكر(٣) وكانت من سيدات النساء عفّةً وشرفاً وفضلاً ، فقد تربّت في بيت أبيها وهو من الفضلاء اللامعين في عصره ، كما تلقّت الفقه والمعارف الإسلامية من زوجها الإمام الأعظم محمّد الباقرعليه‌السلام ، وكانت على جانب كبير من الفضل ، حتى أصبحت مرجعاً للسيدات من نساء بلدها وغيره في مهام أمورهن الدينية ، وحسبها فخراً وشرفاً أنّها صارت أُمّاً لأعظم إمام من أئمة المسلمين ، وكانت تعامل في بيتها بإجلال واحترام من قِبل زوجها ، وباقي أفراد العائلة النبوية .

ـــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة : ١٩٢ .

(٢) أصول الكافي ١/٤٧٢ ، وتاريخ أهل البيت ١٢٢ ، والإرشاد ٢/١٨٠ ،وتذكرة الخواص : ٣٠٦ و٣٠٧ .

(٣) القاسم بن محمد بن أبي بكر كان من الفقهاء الأجلاّء ، وكان عمر بن عبد العزيز يجله كثيراً وقد قال : لو كان لي من الأمر شيء لوليت القاسم بن محمّد الخلافة ، وقد عمّر طويلاً وذهب بصره في آخر عمره ، ولمّا احتضر قال لابنه : سن عليّ التراب سناً ـ أي ضعه عليّ سهلاً ـ وسوّي على قبري ، والحق بأهلك ، وإيّاك أن تقول : كان أبي ، وكانت وفاته بمكان يقال له قديد ، وهو اسم موضع يقع ما بين مكة والمدينة ، راجع ترجمته في صفة الصفوة : ٢/٤٩ ـ ٥٠ والمعارف : ٥٤ ، ومعجم البلدان : ٧ / ٣٨ ، ووفيات الأعيان : ٣ / ٢٢٤ .

٣٠

ولادة النور :

ولم تمضِ فترة طويلة من زواج السيدة ( أم فروة ) بالإمام محمّد الباقرعليه‌السلام حتَّى حملت ، وعمّت البشرى أفراد الأسرة العلوية ، وتطلّعوا إلى المولود العظيم تطلّعهم لمشرق الشمس ، ولمّا أشرقت الأرض بولادة المولود المبارك سارعت القابلة لتزف البشرى إلى أبيه فلم تجده في البيت ، وإنّما وجدت جدّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فهنّأته بالمولود الجديد ، وغمرت الإمام موجات من الفرح والسرور ؛ لأنّه علم أنّ هذا الوليد سيجدّد معالم الدين ، ويحيي سنّة جدّه سيّد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبرته القابلة بأنّ له عينين زرقاوين جميلتين ، فتبسّم الإمامعليه‌السلام وقال :إنّه يشبه عيني والدتي (١) .

وبادر الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلى الحجرة فتناول حفيده فقبّله ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية ، فأذّن في أُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى .

لقد كانت البداية المشرقة للإمام الصادقعليه‌السلام أن استقبله جدّه الذي هو خير أهل الأرض ، وهمس في أذنه :

( الله أكبر )

( لا إله إلاّ الله )

وقد غذاه بهذه الكلمات التي هي سرّ الوجود لتكون أنشودته في مستقبل حياته .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٧٢ .

٣١

تاريخ ولادته :

اختلف المؤرّخون في السنة التي وُلد فيها الإمام الصادقعليه‌السلام فمن قائل إنّه وُلد بالمدينة المنوّرة سنة ( ٨٠ هـ )(١) .

وقال آخرون إنّه وُلد سنة ( ٨٣ هـ ) يوم الجمعة أو يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول(٢) .

وقال ثالث إنه وُلد سنة ( ٨٦ هـ )(٣) .

تسميته وألقابه :

أمّا اسمه الشريف فهو ( جعفر ) ونصّ كثير من المؤرّخين على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي سمّاه بهذا الاسم ، ولقّبه بالصادق .

لقد لُقِّب الإمامعليه‌السلام بألقاب عديدة يمثلّ كل منها مظهراً من مظاهر شخصيّته وإليك بعض هذه الألقاب الكريمة :

١ ـ الصادق : لقّبه بذلك جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتباره أصدق إنسان في حديثه وكلامه(٤) .

وقيل : إنّ المنصور الدوانيقي الذي هو من ألدّ أعدائه ، هو الذي أضفى عليه هذا اللقب ، والسبب في ذلك : أنّ أبا مسلم الخراساني طلب من الإمام

ـــــــــــــــــ

(١) تأريخ ابن الوردي : ١/٢٦٦ ، الإتحاف بحب الإشراف : ٥٤ ، سرّ السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري : ٣٤ ، ينابيع المودة : ٤٥٧ ، تذكرة الحفاظ : ١/١٥٧ ، نور الأبصار للشبلنجي : ١٣٢ ، وفيات الأعيان : ١/١٩١ .

(٢) أصول الكافي : ١/٤٧٢ ، مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨٠ ، أعلام الورى : ٢٧١ وجاء فيه أنّه ولد بالمدينة لثلاث عشر ليلة بقيت من شهر ربيع الأول .

(٣) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٠٨ .

(٤) قال السمعاني في أنسابه : ٣ / ٥٠٧ ، الصادق لقب لجعفر الصادق لصدقه في مقاله .

٣٢

الصادقعليه‌السلام أن يدلّه على قبر جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فامتنع ، وأخبره أنّه إنّما يظهر القبر الشريف في أيام رجل هاشمي يقال له أبو جعفر المنصور ، وأخبر أبو مسلم المنصور بذلك في أيام حكومته وهو في الرصافة ببغداد ، ففرح بذلك ، وقال : هذا هو الصادق(١) .

٢ ـ الصابر (٢) : ولقّب بذلك لأنّه صبر على المحن الشاقة والخطوب المريرة التي تجرّعها من خصومه الأمويين والعباسيين .

٣ ـ الفاضل (٣) : لقّب بذلك لأنّه كان أفضل أهل زمانه وأعلمهم لا في شؤون الشريعة فحسب ، وإنّما في جميع العلوم ، فهو الفاضل وغيره المفضول .

٤ ـ الطاهر (٤) : لأنّه أطهر إنسان في عمله وسلوكه واتجاهاته في عصره .

٥ ـ عمود الشرف (٥) : لقد كان الإمامعليه‌السلام عمود الشرف ، وعنوان الفخر والمجد لجميع المسلمين .

٦ ـ القائم (٦) : لأنّه كان قائماً بإحياء دين الله والذب عن شريعة سيد المرسلين .

٧ ـ الكافل (٧) : لأنّه كان كافلاً للفقراء والأيتام والمحرومين ، فقد قام بالإنفاق عليهم وإعالتهم .

ـــــــــــــــــ

(١) موسوعة الإمام الصادق : ١ / ٢٢ .

(٢) تذكرة الخواص ٣٠٧ ، مرآة الزمان : ٥ / ورقة ١٦٦ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين .

(٣) تاريخ أهل البيت ١٣١ ، وتذكرة الخواص ٣٠٧ .

(٤) مرآة الزمان : ٥ / ورقة ١٦٦ .

(٥) سر السلسلة العلوية : ٣٤ .

(٦) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨١ .

(٧) المصدر السابق .

٣٣

٨ ـ المنجي (١) : من الضلالة ، فقد هدى مَن التجأ إليه ، وأنقذ مَن اتصل به .

وهذه بعض ألقابه الكريمة التي تحكي بعض صفاته ، ومعالم شخصيته .

كُناه :

وكنّي الإمام الصادقعليه‌السلام بأبي عبد الله ، وأبي إسماعيل ، وأبي موسى(٢) .

ذكاؤه :

كان الإمام الصادقعليه‌السلام في سنّه المبكّر آية من آيات الذكاء ، فلم يجاريه أحد بمثل سنّه على امتداد التأريخ بهذه الظاهرة التي تدعو إلى الإعجاب والإكبار ، والتي كان منها أنّه كان يحضر دروس أبيه وهو صبي يافع لم يتجاوز عمره الثلاث سنين ، وقد فاق بتلقيه لدروس أبيه جميع تلاميذه من كبار العلماء والرواة ومن الجدير بالذكر أنّ دروس أبيه وبحوثه لم تقتصر لاعلى الفقه والحديث ، وتفسير القرآن الكريم ، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم ، وقد ألمَّ بها الإمام الصادقعليه‌السلام أحسن إلمام ويدل على ذلك ما نقله الرواة من أنّ الوليد بن عبد الملك أمر عامله على يثرب عمر بن عبد العزيز بتوسعة المسجد النبوي ، فأنجز عمر قسماً كبيراً منه ، وأعلمه بذلك ، وسافر الوليد إلى يثرب ليطّلع بنفسه على ما أنجزه عمر من أعمال التعمير والتوسيع ، وقد استقبله عمر من مسافة خمسين فرسخاً ، وأعدَّ له استقبالاً رسمياً ، وخرجت أهالي يثرب بجميع طبقاتها لاستقباله والترحيب به ، وبعدما انتهى إلى يثرب دخل إلى الجامع النبوي ليشاهد ما أنجر من أعمال

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب : ٤/٢٨١ .

(٢) المصدر السابق .

٣٤

التعمير ، وقد رأى الإمام الباقرعليه‌السلام على المنبر ، وهو يلقي محاضرة على تلاميذه فسلّم عليه ، فردّ الإمام السلام عليه ، وتوقّف عن التدريس تكريماً له ، فأصرّ عليه الوليد أن يستمر في تدريسه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان موضوع الدرس ( الجغرافيا ) فاستمع الوليد ، وبهر من ذلك ، فسأل الإمام : ( ما هذا العلم ؟ ) .

فأجابه الإمام : إنّه علم يتحدث عن الأرض والسماء ، والشمس والنجوم .

ووقع نظر الوليد على الإمام الصادق ، فسأل عمر بن عبد العزيز : مَن يكون هذا الصبي بين الرجال ؟ .

فبادر عمر قائلاً : إنّه جعفر بن محمّد الباقر ...

وأسرع الوليد قائل : هل هو قادر على فهم الدرس واستيعابه؟ .

فعرفه عمر بما يملكه الصبي من قدرات علمية ، قائلاً : إنّه أذكى مَن يحضر درس الإمام وأكثرهم سؤالاً ونقاشاً .

وبهر الوليد ، فاستدعاه ، فلمّا مثل أمامه بادر قائلاً : ( ما اسمك ؟ ) .

وأجابه الصبي بطلاقة قائلاً :( اسمي جعفر ) .

وأراد الوليد امتحانه ، فقال له : ( أتعلم مَن كان صاحب المنطق ـ أي مؤسّسه ـ ؟ ) .

فأجابه الصبي :( كان أرسطو ملقباً بصاحب المنطق ، لقّبه إيّاه تلامذته ، وأتباعه ) .

ووجه الوليد إليه سؤالاً ثانياً قائلاً : ( من صاحب المعز ؟ ) .

فأنكر عليه الإمام وقال :( ليس هذا اسماً لأحد ، ولكنه اسم لمجموعة من النجوم ، وتسمى ذو الأعنة ) (١) .

واستولت الحيرة والذهول على الوليد ، فلم يدر ما يقول ، وتأمّل كثيراً ليستحضر مسألة أخرى يسأل بها سليل النبوّة ، وحضر في ذهنه السؤال الآتي

ـــــــــــــــــ

(١) هذه المجموعة من النجوم تسمّى في اصطلاح العلم الحديث ( أوريك ) أو ( أريجا ) .

٣٥

فقال له : ( هل تعلم مَن صاحب السواك ؟ ) .

فأجابه الإمام فور :( هو لقب عبد الله بن مسعود صاحب جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

ولم يستحضر الوليد مسألة يسأل بها الإمام ، ووجد نفسه عاجزاً أمام هذا العملاق العظيم ، فراح يبدي إكباره وإعجابه بالإمام ، ويرحّب به ، وأمسك بيده ، ودنا من الإمام الباقرعليه‌السلام ، يهنئه بولده قائلاً : إنّ ولدك هذا سيكون علاّمة عصره(١) .

وصدق توسّم الوليد ، فقد أصبح الإمام الصادقعليه‌السلام أعلم علماء عصره على الإطلاق ، بل أعلم علماء الدنيا على امتداد التأريخ ، وليس هناك تعليل مقنع لهذه الظاهرة التي اتصف بها سليل النبوّة في حال طفولته ، إلاَّ القول بما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله تعالى منح أئمة أهل البيتعليهم‌السلام العلم والحكمة في جميع أدوار حياتهم كما منح أنبياءه ورسله .

معرفته بجميع اللغات :

وكان في سنّه المبكّر عارفاً بجميع لغات العالم إذ كان يتكلّم مع كل أهل لغة كأنّه واحد منهم وإليك نماذج تشير إلى ذلك :

١ ـ روى يونس بن ظبيان النبطي أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام تحدّث معه باللغة النبطية فأخبره عن أول خارجة خرجت على موسى بن عمران ، وعلى المسيح ، وعلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بالنهروان ، وأعقب كلامه بقوله : ( مالح ديربير ماكي مالح ) ومعناه أن ذلك عند قريتك التي هي بالنبطية(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ١٠٨ ـ ١١٢ .

(٢) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٨ .

٣٦

٢ ـ روى عامر بن علي الجامعي ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : جُعلت فداك ، إنّا نأكل كل ذبائح أهل الكتاب ، ولا ندري أيسمّون عليها أم لا ؟ فقالعليه‌السلام : إذا سمعتموهم قد سمّوا فكلوا ، أتدري ما يقولون على ذبائحهم ؟

فقلت : لا .

فقرأ شيئاً لم أعرفه ثم قال : بهذا أُمروا .

فقلت : جعلت فداك إن رأيت أن نكتبها .

قالعليه‌السلام : اكتب ( نوح أيوا ادينو بلهيز مالحوا عالم اشرسوا أورصوبنوا (يوسعه) موسق ذعال اسطحو )(١) .

وفي رواية أخرى أنّ النص كالآتي ( باروح أنا ادوناي إيلوهنوا ملخ عولام اشرفدشنوا عبسوتا وسينوانوا على هشخيط ) ومعناه تباركت أنت الله مالك العالمين ، الذي قدّسنا بأوامره ، وأمرنا على الذبح(٢) .

٣ ـ روى أبو بصير قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام وعنده رجل من أهل خراسان وهو يكلّمه بلسان لا أفهمه(٣) وكانت تلك اللغة التي كان يتحدث بها مع الخراساني هي اللغة الفارسية .

ووفد عليه قوم من أهل خراسان ، فقالعليه‌السلام لهم :( من جمع مالاً يحرسه عذّبه الله على مقداره ) فقالوا له باللغة الفارسية : لا نفهم العربية ، فقالعليه‌السلام لهم : ( هركه درم اندوزد جزايش ذوزخ باشد )(٤) .

٤ ـ روى أبان بن تغلب قال : غدوت من منزلي بالمدينة وأنا أريد أبا عبد الله فلمّا صرت بالباب وجدت قوماً عنده لم أعرفهم ، ولم أر قوماً أحسن زيّاً منهم ، ولا أحسن سيماءً منهم كأنّ الطير على رؤوسهم ، فجعل

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٧ .

(٢) المصدر السابق : ٤٨ .

(٣) الاختصاص : ١٨٣ .

(٤) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٦ .

٣٧

أبو عبد اللهعليه‌السلام يحدثنا بحديث فخرجنا من عنده ، وقد فهَّم خمسة عشر نفراً ، متفرقي الألسن ، منهم : العربي ، والفارسي ، والنبطي ، والحبشي ، والصقلبي ، فقال العربي : حدثنا بالعربية ، وقال الفارسي : حدثنا بالفارسية ، وقال الحبشي : حدّثنا بالحبشية ، وقال : الصقلبي : حدثنا بالصقلبية ، وأخبرعليه‌السلام بعض أصحابه بأن الحديث واحد ، وقد فسّره لكل قوم بلغتهم(١) .

٥ ـ ودار الحديث بين الإمامعليه‌السلام وبين عمار الساباطي باللغة النبطية فبهر عمار وراح يقول : ( ما رأيت نبطياً أفصح منك بالنبطية ) .

فقالعليه‌السلام له :( يا عمار وبكل لسان ) (٢) .

هيبته ووقاره :

كانت الوجوه تعنو لهيبة الإمام الصادقعليه‌السلام ووقاره ، فقد حاكى هيبة الأنبياء ، وجلالة الأوصياء ، وما رآه أحد إلاَّ هابه إذ كانت تعلوه روحانية الإمامة ، وقداسة الأولياء وكان ابن مسكان وهو من خيار الشيعة وثقاتها لا يدخل عليه شفقة أن لا يوافيه حق إجلاله وتعظيمه ، فكان يسمع ما يحتاج إليه مراحل حياة الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام من أمور دينه من أصحابه ، ويأبى أن يدخل عليه(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ٤٦ ـ ٤٧ .

(٢) الاختصاص : ٢٨٣ .

(٣) الاختصاص : ٢٠٣ .

٣٨

الفصل الثاني : مراحل حياة الإمام الصادقعليه‌السلام

ولد الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام في مرحلة ازدهار الدولة الأموية حين ابتعد الخلفاء كثيراً عن طريق الحق وترسّخت صيغة الملك المتوارث .

عاصر جدّه اثنتا عشرة سنة في المدينة وعاش مع أبيه بعد جدّه تسع عشرة سنة نهل خلالها جميع العلوم والمعارف من أبيهعليه‌السلام وفاق الجميع بسعة إدراكه وشدة ذكائه .

وشارك أباه محنة الصبر على تولّي الظالمين والتعرّض للبلاء كما ساهم مع أبيه في نشر العلوم الإسلامية من خلال حلقات الدرس التي أسّسها لكي لا تضيع الرسالة وتندرس معالم الدين .

وتمكّن من أن يواصل بعد أبيهعليه‌السلام خلال مدّة إمامته التي استمرّت أربعاً وثلاثين سنة تربية أجيال عديدة من العلماء والفقهاء الصالحين ممّن ينهج نهج أهل البيتعليهم‌السلام .

وكما عاصر الإمام الصادقعليه‌السلام مرحلة انحطاط الدولة الأموية وأفولها عاصر كذلك ظهور الدولة العباسية التي تعجّلت في ممارسة الظلم بالنسبة لأهل البيتعليهم‌السلام والتعدّي عليهم .

٣٩

وتمكّن الإمام الصادقعليه‌السلام في هذه الفترة من المعترك السياسي المرير أن يحافظ على كيان المذهب الشيعي واستمرار سلامة الجماعة الصالحة وتنميتها ، تلك الجماعة التي عمل على بنائها وتوسعتها آباؤه الطاهرون .

ومن هنا نقسِّم حياته إلى عصرين متميّزين :

عصر ما قبل التصدّي للإمامة ، وقد عاصر فيه كلاًّ من الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد وهشام بن عبد الملك .

وعصر ما بعد التصدّي للإمامة .

وينقسم العصر الأول إلى مرحلتين :

المرحلة الأولى : حياته مع جدّه وأبيه ( من سنة ٨٣ إلى سنة ٩٥ هـ )

المرحلة الثانية : حياته مع أبيه الباقرعليه‌السلام (من سنة ٩٥ إلى سنة ١١٤ هـ ) .

وينقسم العصر الثاني إلى مرحلتين أيضاً :

المرحلة الأولى : مرحلة انهيار الدولة الأموية حتَّى سقوطها ( ١١٤ إلى ١٣٢ هـ ) .

والمرحلة الثانية : مرحلة تأسيس الدولة العباسية حتَّى استشهاده ( سنة ١٤٨ هـ ) .

وعاصر في المرحلة الأولى من مرحلتي العصر الثاني كلاًّ من : هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد المعروف بالناقص ثم أخيه إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمد الذي عرف بمروان الحمار ، وهو آخر ملوك بني أمية والذي سقطت في عهده هذه الدولة الظالمة بعد أن عاثت في الأرض فساداً .

كما عاصر في المرحلة الثانية كلاًّ من : السفّاح وأبي جعفر المنصور ، حيث استشهد في حكم المنصور العباسي بعد إجراءات قاسية قام بها هذا الحاكم الذي تربّع على كرسي الخلافة باسم أهل البيتعليهم‌السلام .

وسنوافي القارئ الكريم بتفاصيل ما جرى على الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة من حياته الشريفة .

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241