الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية

الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية13%

الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية مؤلف:
الناشر: ياس زهراء (عليها السلام)
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 580

الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية
  • البداية
  • السابق
  • 580 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 192548 / تحميل: 8192
الحجم الحجم الحجم
الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية

الامام الحسين (عليه السلام) والوهابية

مؤلف:
الناشر: ياس زهراء (عليها السلام)
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

بني هاشم رهط النّبيّ فإنّني

بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب

قهدمت داره ، وطرد وشرّد ، لأنّه أوقف لسانه وبيانه على نصرة الأئمّة الأطهار(١) .

ودعبل(٢) صاحب التّائية الذّائعة النّائحة الّتي يقول فيها(٣) :

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا

وقد مات عطشانا بشطّ فرات

إذا للطمت الخدّ فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات

هذا الشّاعر الثّائر لاقى في حبّ محمّد وعترته أبشع أنواع التّنكيل والتّعذيب. وقال المتوكّل للعالم الكبير ابن السّكّيت : أيّهما أحبّ إليك ، ولداي : المعتز ،

__________________

ـ أمالي السّيّد المرتضى : ١ / ٢٨ ، تأريخ دمشق : ٥ / ٢٣٣ ، سير أعلام النّبلاء : ٥ / ٣٨٨ ، شرح الشّريف الرّضي على الكافية : ٢ / ٢٤١.

(١) انظر ، الهاشميات والعلويات ، قصائد الكميت ، وابن أبي الحديد : ١٦١ ، أنساب الأشراف : ٣ / ٢٣٨.

(٢) أبو عليّ دعبل بن عليّ بن رزين الخزاعي من شعراء القرن الثّاني ، والثّالث الهجريّين ، ولد سنة (١٤٨ ه‍) في الكوفة ، تحدّى دعبل ظلم العبّاسيّين وطغيانهم حتّى أنّه قال : أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين عاما ، لست أجد أحدا من يصلبني عليها. وقد عاصر هذا الشّاعر البارع الإمام الصّادق ، والكاظم ، والرّضا ، والجواد : ، قرأ قصيدته التّائية على الإمام الرّضاعليه‌السلام أثناء ولاية العهد فبكى الإمام لبعض أبياتها ، واستحسنها ودعا له وأكرمه ، توفّي ؛ سنة (٢٤٦ ه‍).

انظر ، ترجمته في سير أعلام النّبلاء : ١١ / ٥١٩ ، الكامل في التّأريخ : ٧ / ٩٤ ، مروج الذّهب : ١ / ١٧٩ ، و : ٢ / ٧٨ ، و : ٣ / ٢٣١ ، وفيّات الأعيان : ٢ / ٢٦٦ ، الأغاني : ١٨ / ٢٩ طبعة بولاق ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ٣٣٧ ح ٥٩١ ، وهناك شعراء آخرون للإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه‌السلام .

(٣) انظر ، ديوان دعبل : ١٢٤ ، الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : ٢ / ٣١٠ وما بعدها ، بتحقّيقنا ، مقصد الرّاغب : ١٦٧ ، الفرج بعد الشّدّة : ٣٢٩ ، كشف الغمّة : ٢ / ٣١٨ ـ ٣٢٧ ، سير أعلام النّبلاء : ٩ / ٣٩١ ، فرائد السّمطين للجويني : ٢ / ٣٣٧ ح ٥٩١ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : ٤٥٤ ، مطالب السّؤول : ٨٥ ، معجم الادباء : ٤ / ١٩٦ ، تذكرة الخواصّ لسّبط ابن الجوزي : ٢٣٨ ، مقاتل الطّالبيّين لأبي فرج الإصفهاني : ٥٦٥.

١٤١

أم الحسن والحسين؟!.

فقال له : «والله! إنّ قنبرا خادم عليّ بن أبي طالب خير منك ومن ولديك.

فأمر المتوكل جلاوزته بسل لسانه من قفاه فسل ، ومات في ساعته(١) .

والحبر الشّهير بالشّهيد الأوّل محمّد بن مكّي قتل وصلب ورجم ، ثمّ أحرق لا لشيء إلّا لأنّه يتشيّع لآل محمّد ، وهكذا كان مصير العالم العظيم زين الدّين المعروف بالشّهيد الثّاني ، وغير هؤلاء كثر لا يبلغهم الإحصاء تقبلوا القتل والعذاب مغتبطين بمرضاة الله ، ونصرة أوليائه.

لاقى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من المعاندين كلّ عنت في سبيل الإسلام ، فاستهزأوا به ، وقال له قائلهم : «أما رأى الله غيرك يبعثه رسولا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتّى اجتمع النّاس عليه فجعلوا يرمونه بالحجارة حتّى أدموا رجليه(٢) . وألقوا عليه الأوساخ ، وهو يصلّي لله ، وتآمروا على قتله ،

__________________

(١) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٥٩٧ ـ ٥٩٩.

وقال ابن خلّكان : لمّا هدم المتوكّل قبر الحسين بن عليّ عليه‌السلام سنة (٢٢٦ ه‍) قال البسّامي :

تالله إن كانت أميّة قد أتت

قتلى ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه مثلها

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا

في قتله فتتبعوه رميما

(٢) انظر ، فتح الباري : ١٢ / ٢٥٠ ، تأويل مختلف الحديث : ١٥٠ ، تفسير مجمع البيان : ٢ / ٣٨٦ ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٥٧٥ ، الدّر المنثور : ٢ / ٢٩٨ ، تفسير الثّعالبي : ٢ / ١٠٤ ، فتح القدير : ٢ / ٦١ ، تأريخ دمشق : ٦٢ / ٢٤٧ ، تأريخ الطّبريّ : ١ / ١٨٢ ، عصمة الأنبياء للفخر الرّازي : ٧٨ ، عيون الأثر لابن سيّد النّاس : ٢ / ٤٢١ ، الشّفا بتعريف حقوق المصطفى : ١ / ١٠٥ ، المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني : ١ / ٦٥.

١٤٢

وعذّبوا أتباعه ، كصهيب(١) ، وبلال(٢) ، وخبّاب(٣) ، وعمّار ، وأبيه ياسر ، وأمّه سميّة(٤) الّتي طعنها أبو جهل في قلبها فماتت(٥) ، وهي أوّل شهيدة في الإسلام(٦) .

__________________

(١) صهيب بن سنان الرّبعي الّنمري فقد كان أبوه عاملا لكسرى على الابلة. فغارت الرّوم عليهم ، وأسرت صهيبا فنشأ فيهم ، ثمّ باعته إلى كلب فجاءت به إلى مكّة ، فباعته من عبد الله بن جدعان فأعتقه ، وكان من السّابقين إلى الإسلام الّذين عذّبوا في مكّة وكنّاه الرّسول أبا يحيى ، وكان في لسانه لكنّة ، توفّي بالمدينة (٣٨ أو ٣٩ ه‍) ودفن بها. (انظر ، اسد الغابة : ٣ / ٣١ ـ ٣٣).

(٢) هو بلال بن رباح ، وأمّه : حمامة. وكان من مولّدي «مكّة» لرجل من بني جمح فاشتراه «أبو بكر» بخمس أواق وأعتقه ، وكان يعذب في الله ، وشهد بدرا والمشاهد كلّها. وهو أوّل من أذّن لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ فما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ أتى «أبا بكر» فاستأذنه إلى الشّام ، فأذن له ، فلم يزل مقيما بها ، ولم يؤذّن بعد النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . انظر ، ترجمته في المعارف لابن قتيبة : ١٧٦.

(٣) انظر ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٢٨٥ ، مجمع الزّوائد : ٩ / ٣٠٥ ، المصنّف لعبد الرّزاق الصّنعاني : ١١ / ٢٤٢ ح ٢٠٤٣٢ ، المعجم الأوسط : ٣ / ٢٤١ ، المعجم الكبير : ٨ / ٢٩ و : ٢٤ / ٤٣٥ ، تأريخ المدينة : ٢ / ٤٧٩ ، تقريب التّهذيب : ٢ / ٥٨٧ ، الإصابة : ٣ / ٣٦٥ ، أسد الغابة : ٣ / ٣١ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٣٤٩ و : ٨ / ٥٣٠ ، ميزان الإعتدال : ١ / ٣٣٦ ، الكامل في التّأريخ : ٢ / ٧٥ و : ٧ / ١٦٧ ، تأريخ دمشق : ١٠ / ٤٤٨ و : ٢٤ / ٢٢٠ ، كنز العمّال : ١١ / ٤٠٨ ح ٣١٩٠٩ و ٣٣١٣٣ و ٣٣٦٧٦ ، مسند الشّاميين : ٢ / ١١ ، الجامع الصّغير : ١ / ٤١٣ ح ٢٦٩٥ و : ٢ / ٦٦ ح ٤٧٩٣.

(٤) انظر ، الطّبقات الكبرى : ٣ / ٢٥٣ و ٢٥٩ ، عمدة القاري في شرح صحيح البخاريّ : ٢٤ / ١٩٢ ، مسند أحمد : ٢ / ١٦٤ و ٢٠٦ ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٢ و ٣ و ٢٨ و ٢٩ ، كنز العمّال : ١٦ / ١٤٣ ، الكامل في التّأريخ : ٣ / ١٤٨ و ١٥٧ و ١٥٨ ، المرقاة في شرح المشكاة : ٥ / ٤٤٧ ، الإمامة والسّياسة : ١ / ١٢٦ ، تأريخ الخميس : ٢ / ٢٧٧ ، المستدرك على الصّحيحين : ٣ / ٣٧٨ ، نسيم الرّياض في شرح الشّفا : ٣ / ١٦٦ ، العقد الفريد : ٢ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ، خصائص النّسائي : ١٣٣ ، الرّوض الأنف : ٤ / ٢٦٤ و ٢٦٥ ، تأريخ مدينة دمشق : ٤٣ / ٤٢٥ ، تفسير ابن العربي : ٢ / ٥١٩ ، تهذيب الكمال : ١٧ / ١١٤.

(٥) انظر ، تفسير ابن كثير : ٢ / ١٣٤ ، القرآن وإعجازه العلمي لمحمّد إسماعيل إبراهيم : ٢١ ، الرّوض الأنف: ١ / ٢٠٣ ، الإصابة ، التّرجمة رقم «٥٨٢».

(٦) انظر ، الإستيعاب بهامش الإصابة : ٤ / ٣٣١ ، الإصابة لابن حجر : ٤ / ٣٣٥ (٥٨٢) ، المعارف لابن ـ

١٤٣

وهكذا لاقى أبناء الرّسول وشيعتهم في سبيل الدّين والإسلام ، بل لاقوا أكثر وأكثر حتّى قال قائلهم(١) :

نحن بني المصطفى ذوو محن

تجرعها في الحياة كاظمنا

عجيبة في الأنام محنتنا

أوّلنا مبتل وآخرنا

يفرح هذا الورى بعيدهم

ونحن أعيادنا مآتمنا

وإذا كانت حياة الأئمّة الأطهار كلّها أحزان ومآتم حتّى أيّام الأعياد ، فحقيق بنا ، نحن الموالين لهم ، أن نجعل هذه المآتم من شعائر الدّين ، فإذا اجتمعنا للعزاء فإنّما نجتمع ، كما نكون في الجامع للصّلاة ، وكما نكون في مكّة المكرّمة للحجّ لا نبغي إلّا مرضاة الله وثوابه ، نجتمع للعزاء أملا أن تنالنا دعوة الإمام الصّادقعليه‌السلام حين سأل ربّه سبحانه بقوله :

«أللهمّ ارحم تلك الأعين الّتي جرت دموعها رحمة لنا» ، «وارحم تلك القلوب الّتي حزنت واحترقت لنا ...» ، «وارحم تلك الصّرخة الّتي كانت لنا ...».

__________________

ـ قتيبة : ١١١ ، وقعة صفّين : ١٩٩ ، سير أعلام النّبلاء : ١ / ٤٠٩ ، تأريخ بغداد : ١ / ١٦١ ، تأريخ دمشق : ٤٣ / ٣٥٩ و ٣٦٠.

(١) الأبيات في يتيمة الدّهر : ١ / ٢٥٤ ، سير أعلام النّبلاء : ١٥ / ١٦٧ ، مع بعض الإختلاف.

١٤٤

الإستهانة بالموت

قال ابن أبي الحديد في شرح النّهج :

«قيل لرجل شهد يوم الطّفّ مع عمر بن سعد : «ويحكم أقتلتم ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فقال : عضضّت بالجندل(١) أنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها ، كالأسود الضّارية ، تحطّم الفرسان يمينا وشمالا ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة ، أو الإستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها ، فما كنّا فاعلين لا أمّ لك؟!».

ومن أجل ذلك صاح عمر بن الحجّاج برفاقه المارقين :

«ويلكم يا حمقاء ، مهلا ، أتدرون من تقاتلون؟ إنّما تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين لا برز إليهم منكم أحد(٢) . ومن أجل ذلك

__________________

(١) الجندل : الصّخر العظيم. (منهقدس‌سره ). انظر ، لسان العرب : ١١ / ١٢٨.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبريّ : ٤ / ٣٣١ و : ٥ / ٤٣٥ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٣ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ١٩ ، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي : ٢ / ٢٨٦.

١٤٥

أيضا نهى ابن سعد أصحابه أن يبرزوا لأصحاب الحسين رجلا رجلا»(١) .

وليس هذا بعجيب ولا بغريب على من لا يبتغي شيئا في هذه الحياة إلّا وجه الله والدّار الآخرة ، ليس هذا غريبا على الحقّ إذا نازل الباطل ، وعلى من سمع بعقله وقلبه صوت الله يناديه إقدم ، ولك أحسن الجزاء. لقد عبّر كل شهيد في الطّفّ بأفعاله قبل أقواله عمّا قاله سيّد الشّهداء : «أما والله لا اجيبهم إلى شيء ممّا يريدون ، حتّى ألقى الله تعالى ، وأنا مخضّب بدمي»(٢) .

لم يكن المال والأمان من أهداف أبطال الطّفّ ، لم يكن لهم إلّا هدف واحد ، يفتدونه بكلّ ما غلا وعز ، ويستعذبون في سبيله كلّ شيء حتّى الموت ، ليس لأصحاب الحسين إلّا هدف واحد لا غير هو التّقرب إلى الله بنصرة العترة الطّاهرة ، ولا وسيلة إلى نصرتهم في هذا الموقف إلّا بذل النّفوس ، والإلتجاء إلى السّيوف ، فرحوا يحطمون الفرسان بسيوفهم يمينا وشمالا ويلقون بأنفسهم على الموت ، لا يحول بينهم وبين المنيّة حائل ، وما زادهم الحصار ، والجوع ، والعطش إلّا بسالة ومضاء.

ولم تكن لأصحاب الحسين هذه الشّجاعة والإستهانة بالموت ، ولا هذه العاطفة السّامية والمعاني النّبيلة لو لا إيمانهم بالله وبالحسين. إنّ الإخلاص للحقّ يبعث في النّفوس البطولة والتّضحية ، والعزم والصّراحة. وهذا ما يجعلنا نشكّك

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٢٦٣ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٣٣١ و : ٥ / ٤٣٥ ، الإرشاد : ٢ / ١٠٣.

(٢) انظر ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٥٧ و ١٠٠ ، مثير الأحزان : ٥٨ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٩ ، الحدائق الورديّة (مخلوط) ، ينابيع المودّة : ٣ / ٧٥ ، نسب قريش لمصعب الزّبيري : ٥٨ ، تأريخ اليعقوبي : ٢ / ٢١٧.

١٤٦

بالّذين يظهرون الإيمان ، ولا يجرأون على التّفوه بكلمة الحقّ طمعا في حطام زائل ، أو خوفا على منصب لا يدوم ، ومن أجله يؤثرون أهواء أهل الدّنيا على إرادة الله والرّسول. قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أغلب النّاس من غلب هواه بعلمه»(١) . وقال : علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك. لا يؤنسنّك إلّا الحقّ. ولا يوحشنّك إلّا الباطل»(٢) .

وما نقله ابن أبي الحديد عن الرّجل الّذي يشهد يوم الطّفّ يدل دلالة صريحة واضحة على صدق ما روي عن شجاعة أبطال الطّفّ ، وأنّ الواحد منهم كان يقتل جمعا كثيرا من أصحاب ابن سعد قبل أن يقتل ، وأنّهم كانوا على قتلهم لا يحملون على جانب من جيش الكوفة إلّا كشفوه ، فلقد أرسل عروة بن قيس إلى ابن سعد ، وكان قائده على الخيّالة ، أرسل إليه يقول : ألا ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه القلّة اليسيرة؟! فأمده بخمسمئة من الرّماة ، فأقبلوا حتّى دنوا من أصحاب الحسين ، ورشقوهم بالنّبل ، فلم يلبثوا حتّى عقروا خيولهم ، وصاروا رجّاله كلّهم ، وكان الباقون من أصحاب الحسين إثنين وثلاثين رجلا ، فأجمع عليهم عسكر ابن سعد ، وهم ألوف ، واشتبكوا معهم في أشد قتال ، حتّى انتصف النّهار ، وقد قتل أصحاب الحسين من أهل الكوفة المئات.

فقد رماهم أبو الشّعثاء الكندي ، وهو جاث بين يدي الحسين بمئة سهم لم يكد يخيب منها خمسة أسهم(٣) . وكان نافع البجلي يكتب اسمه على نبله ،

__________________

(١) انظر ، غرر الحكم : ٣١٨١ ، عيون الحكم والمواعظ : ١١٦.

(٢) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة «١٢٠».

(٣) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : ٢ / ٢٥ ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٣ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٦٠٣ ، وقعة الطّفّ : ٢٣٧.

١٤٧

ويرسلها ، فيقتل بها ، ويجرح ، وقلّما تخطيء ، فأحاطوا به من كلّ جانب ، وضربوه وأسمعهم ما يكرهون ، وقال لهم : قتلت منكم إثني عشر رجلا سوى من جرح ، ولو بقيت لي عضد لزدت(١) .

وقتل حبيب بن مظاهر اثنين وستين رجلا ، كان يصول ويجول على شيخوخه وكبر سنّه ، ويستقبل الرّماح بصدره ، والسّيوف بوجهه ، وقد عرضوا عليه الأمان والأموال ، فأبى وقال : «لا والله لا عذر لنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن قتل الحسين ، وفينا عين تطرف». فاجتمعوا عليه ، وقتلوه(٢) . وكان حبيب صحابيّا أدرك النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد مع أمير المؤمنين حرب الجمل ، وصفّين ، والنّهروان ، وكان من خاصّته ، وحملة علومه ، وكان عابدا زاهدا يختم القرآن في ليلة واحدة.

وبعد ما انتهت المعركة رجع ابن سعد إلى الكوفة ، ومعه سبايا الحسين ، فخرج النّساء ، والأطفال ينظرون إلى السّبايا ، وكان مع من خرج القاسم بن حبيب بن مظاهر ، وهو يومئذ غلام قد راهق الحلم ، فرأى رأس أبيه معلقا في عنق فرس(٣) فأقبل الغلام من الفارس لا يفارقه ، فإذا دخل القصر دخل معه ، وإذا

__________________

(١) انظر ، مقاتل الطّالبيّين : ٧٨ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٧٨ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٩٨ و ١٣٤ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٢٩ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٧ ، المزار للشّهيد الأوّل : ١٥١ ، المزار للمشهدي : ٤٩٣ ، معجم رجال الحديث : ٢٠ / ١٣٥ رقم «١٣٠٠٢» ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ١٠٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٥ ، الأعلام : ٨ / ٦ ، مثير الأحزان : ٤٥ ، الكامل في التأريخ : ٤ / ٢٩.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٥٢ ، مقتل الحسين : ٢ / ٤ ، و : ٤ / ٣٢٠ ، مقتل الحسين لابي مخنف : ١١٣ ، إعلام الورى : ١ / ٤٥٧ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٩٥ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٥٠ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٩٣ ، الأخبار الطّوال : ٢٥٦.

(٣) كان أمير المؤمنين قد أخبر حبيبا بما يحدث له ، وأخبر ميثم التّمار بأنّه يصلب ، وتبقر بطنه ، وبعد ـ

١٤٨

خرج منه خرج معه ، فارتاب به الرّجل ، وقال له : مالك يا بني تتّبعني؟ فقال الغلام : إنّ هذا الرّأس رأس أبي ، اعطني إيّاه حتّى أدفنه. قال : إنّ الأمير لا يرضى أن يدفن ، وأريد أن يثيبني على قتله. فقال له الغلام : ولكن الله لا يثيبك ، وبكى. ثمّ ذهب الغلام ، ولم يكن له من هم إلّا أن يقتل قاتل أبيه ، ولم تمض الأيّام حتّى خرج مصعب بن الزّبير(١) ، وكان القاتل مع جيش مصعب ، فراقبه الغلام يلتمس الفرصة السّانحة ، وفي ذات يوم دخل عسكر مصعب ، فوجد القاتل نائما في فسطاطه ، فضربه بسيفه حتّى برد(٢) .

__________________

ـ وفاة الإمام عليّعليه‌السلام التقى ميثم بحبيب ، وكان كلّ منهما يركب فرسا ، فقال حبيب يطايب ميثما : كأنّي بشيخ أصلع قد صلب في حبّ أهل البيت ، وتبقر بطنه فقال ميثم : أنّي لأعرف رجلا ثمّ افترقا ، فقال قوم كانوا جالسين يسمعون كلامهما ، ما رأينا أحدا أكذب من هذين. وقبل أن يفترق أهل المجلس أقبل رشيد الهجري ، فسأل أهل المجلس عنهما ، فقالوا : مرّا من هنا ، وقالا كذا وكذا. فقال رشيد ، نسي ميثم أن يقول : أنّه يزاد في عطاء من يأتي برأس حبيب مئة درهم. ثمّ أدبر ، فقال أهل المجلس : هذا ، والله أكذبهم. ولكن لم تمض الأيّام حتّى شاهد هؤلاء ميثما مصلوبا ، ورأس حبيب يطاف به ، وتحقّق كل ما سمعوه. (منه قدس‌سره). انظر ، أبصار العين في أنصار الحسين : ١٠١ ، رجال الكشي : ٧٨ رقم «١٣٣» ، منتهى المقال في أحوال الرّجال : ٢ / ٣٢٨.

(١) انظر ، الأخبار الطّوال : ٣١٨ ، تأريخ الطّبري : ٧ / ١٨١.

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٣ / ٣٢٧ و : ٦ / ٦٥٢ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨٢ ، الكامل في التّأريخ : ٤ / ٧١.

١٤٩
١٥٠

أنتم مؤمنون

أين المؤمنون؟ أين المسلمون حقّا؟ أين الأسوة والعزاء بالأنبياء والأولياء؟ وبالتالي أين الموالون للنّبي وأهل بيته الّذين أحبّوا ما أحبّ الله ، ومحمّد ، وعليّ ، والحسن ، والحسين؟! قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ولو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض الله ، ورسوله ، وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادّة عن أمر الله»(١) .

نحن ننكر على عثمان بن عفّان ، لأنّه آثر الأقارب والأرحام ، وآوى عمّه الحكم طريد رسول الله ولعينه(٢) . وننكر على معاوية مبايعته لولده يزيد الّذي أهلك الحرث والنّسل ، وننكر على ابن العاصّ ، لأنّه باع دينه إلى معاوية بولاية مصر ، وننكر على ابن سعد ، لأنّه قتل الحسين أملا بملك الرّي ، أجل ، أنّنا ننكر

__________________

(١) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٩ / ٢٣٢ ، شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده : ٢ / ٥٩.

(٢) الحكم هذا هو أخو عفّان أبي عثمان ، وكان يؤدي رسول الله ، وينبيء المشركين بأخباره. ذات يوم بينما يمشي رسول الله مشى الحكم خلفه يتفكك ، ويتمايل يختلج بفمه وأنفه مستهزءا بالرّسول فالتفت إليه ، وقال له كن كذلك. فما زال بقيّة عمره كذلك. ثمّ أسلم خوفا من القتل ، فطرده الرّسول من المدينة ، ولم يزل خارجها بقيّة حياة الرّسول وخلافة أبي بكر وعمر حتّى تولى عثمان فردّه إليها وقرّبه ، وقالت عائشة لابنه مروان «أشهد أنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه». (منهقدس‌سره ). انظر ، تفسير القرطبي : ١٠ / ٢٨٦ ، ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد : ٣٦.

١٥١

على هؤلاء وأمثالهم لا لشيء إلّا لأنّهم آثروا العاجلة على الآجلة ، واستجابوا لأهواء الأولاد والأرقاب ، واستبدّت بهم الشّهوات والمنافع ، ولم يرعوا أمر الله وحرمة الدّين.

ونحن نكرّم أهل البيت ، ونقيم لهم الحفلات ، ونحي الذّكريات لأنّهم جاهدوا وضحّوا في سبيل الله ، وجابهوا الباطل ، وقاوموا العدوّان ولم يثنهم الخوف على منصب أو ولد ، ولكنّا في نفس الوقت نستجيب لأهواء الأولاد والأرقاب ، وتستبد بنا الشّهوات ، ولم نراع لله أمرا ولا نهيا ، تماما كما فعل أعداء أهل البيت ، نحن في أقوالنا ومظاهرنا مع الرّسول وعترته ، وفي أفعالنا وواقعنا مع الّذين حاربوا الله ورسوله ، وعاندوا الحقّ وأهله.

نحن لا نطلب من المسلم أن يكون حسينا ، ولا كأصحاب الحسين ، ولكن نطلب منه أن لا يكون كابن سعد ، وأصحاب ابن سعد نطلب أن لا يسمّي الظّلم عدلا ، والباطل حقّا تملقا لأبناء الدّنيا ورغبة في ما بأيديهم ، نريده أن يقول للظّالم يا ظالم ، ولا يسكت عن الحقّ. أنّ السّكوت عن الحقّ ومدراة الطّغاة وأصحاب المال ، والجاه لا تجتمع مع موالاة أهل البيت الّذين كانوا حربّا على كلّ طاغ وباغ ؛ قال الإمام الباقرعليه‌السلام لجابر الجعفي :

«اعلم بأنّك لا تكون لنا وليّا إلّا إذا اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا : إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك ، ولو قالوا : إنّك رجل صالح لم يسرّك ذلك ولكن اعرض نفسك على كتاب الله ، فإن كنت سالكا سبيله ، زاهدا في تزهيده ، راغبا في ترغيبه ، خائفا من تخويفه فأثبت وأبشر ، فإنّه لا يضرّك ما قيل فيك. وإن كنت مباينا للقرآن فماذا الّذي يغرّك من نفسك؟!. إنّ المؤمن معني بمجاهدة

١٥٢

نفسه ليغلبها على هواها»(١) .

فالمقياس هو القرآن. وما اهتمّ القرآن في شيء أكثر من اهتمامه بالمعروف والنّهي عن المنكر ، قال الله تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) (٢) .

وقال الفقهاء : المعروف قسمان واجب وندب ، والأمر بالواجب واجب ، والأمر بالنّدب ندب ، أمّا المنكر فكلّه حرام ، فالنّهي عنه واجب(٣) .

وقال الإمام الباقرعليه‌السلام : «يكون في آخر الزّمان قوم سفهاء ، لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر إلّا إذا أمنوا الضّرر ، يطلبون لأنفسهم الرّخص والمعاذير ، يتّبعون زلّات العلماء وفساد علمهم ، يقبلون على الصّلاة والصّيام ، وما لا يكلّفهم في نفس ولا مال ، ولو أضرّت الصّلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أتم الفرائض وأشرفها»(٤) .

أراد الإمام من أتم الفرائض وأشرفها الأمر المعروف والنّهي عن المنكر ، أمّا قوم آخر الزّمان فهم نحن ، حيث نفعل المنكر غير مكترثين ، أو نرضى به ، أو نغض الطّرف عن فاعله متذرعين بخوف الضّرر ، كما قال الإمام ، متجاهلين الصّبر على المكروه في جنب الله ، وخدمة الدّين؟ وأيّة فضيلة للمرشد إذا لم يعان

__________________

(١) انظر ، تحف العقول : ٢٨٤.

(٢) المائدة : ٧٩.

(٣) انظر ، تذكرة الفقهاء : ١ / ٤٥٨.

(٤) انظر ، مختلف الشّيعة : ٤ / ٤٦١ ، تذكرة الفقهاء : ١ / ٤٥٨ و : ٩ / ٤٤٠ ، الوافي : ٩ / ٢٩ ، تهذيب الأحكام : ٦ / ١٨٠.

١٥٣

المشقّة والصّعاب في سبيل الحقّ ، وإعلاء كلمته.

فإيّاك أن تغتر بقول من قال : لا يجب التّذكر إلّا مع أمن الضّرر واحتمال النّفع(١) ولو صحّ قولهم هذا لما وجب التّذكير في وقت من الأوقات ، لأنّه لا يخلو زمان من معاندين ، ولا يسلم محق من جاحدين ، أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب ، وإلقاء الحجّة لا بدّ منه. وإليكم المثل والدّليل :

قبل أن يعلم الحسين بخبر ابن عمّه مسلم كتب إلى جماعة من أهل الكوفة :

«بسم الله الرّحمن الرّحيم ، من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو ، أمّا بعد ، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جائني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، وإجتماع ملئكم على نصرنا ، والطّلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصّنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثّلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التّروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فامكثوا في أمركم وجدّوا ، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه ، إن شاء الله ، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(٢) .

وأرسل الكتاب مع قيس بن مسهر الصّيداوي(٣) ، ولمّا قارب قيس الكوفة

__________________

(١) أمّا قوله تعالى :( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) الأعلى : ٩ ؛ فليس النّفع شرطا حقيقيّا للتّذكير ، وإنّما هو أشبه بقول القائل : سله إن نفع السّؤال ؛ لأنّ الأنبياء بعثوا للأعذار والإنذار ، فعليهم التّذكير على كلّ حال نفع أو لم ينفع. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨١ ، الإرشاد : ٢ / ٧٠ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٢ ، تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٩٧ ، الأخبار الطّوال : ٢٤٥ ، مثير الأحزان : ٣٠ ، ينابيع المودّة : ٣ / ٦١.

(٣) انظر ، الفتوح لابن أعثم : ٣ / ٩٢ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٢٢٩ و ٢٣٥ ، و ٢٤٨ طبعة آخر ، بحار الأنوار : ٤٤ / ٣٧٤ ، عوالم العلوم : ١٧ / ٢٢٤ ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٣٢ ، الملهوف : ٦٤ ، كشف الغمّة : ٢ / ٢٠٢ ، أعيان الشّيعة : ١ / ٥٩٥ ، وقعة الطّفّ : ١٦٦ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ٧٨.

١٥٤

اعترضه الحصين بن نمير(١) فأخرج قيس الكتاب وخرّقه ، فحمله الحصين إلى ابن زياد ، فلمّا مثل بين يديه ، قال له : من أنت؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنهعليهما‌السلام ، قال : لماذا خرّقت الكتاب؟. قال : لئلّا تعلم ما فيه ، قال : وممّن وإلى من؟ قال : من الحسين بن عليّ إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم ، فغضب ابن زياد ، وقال : والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن عليّعليهما‌السلام وأباه وأخاه ، وإلّا قطّعتك إربا إربا.

فاغتنم قيس هذا الفرصة لصعود المنبر ، وقال : أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأمّا اللّعن فأفعل ، قال له : اصعد والعن ، فصعد قيس ، وحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النّبيّ ، وأكثر من التّرحم على عليّ ، والحسين ، والحسن ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بني أميّة عن آخرهم ، ثمّ قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين إليكم ، قد تركته في مكان كذا ، فأجيبوه ، فأمر ابن زياد بالقائه من أعلى القصر ، فتكسّرت عظامه ، وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك ابن عمير اللّخمي فذبحه ، فقيل له في ذلك وعيب عليه ، فقال : أردت أن اريحه(٢) .

__________________

(١) كان الحصين على شرطة ابن زياد ، وهو الّذي رمى الكعبة بالمنجنيق لمّا تحصّن فيها ابن الزّبير ، وقتل الحصين في ثورة التّوابين ، قال ابن أبي الحديد : أنّ أبا الحصين هو الّذي سأل أمير المؤمنين عن عدد شعر رأسه حين قال: سلوني قبل أن تفقدوني ، فقال له : وما علاقه الصّدق لو أخبرتك؟ كيف تعد الشّعر ، ولكن اخبرك أنّ تحت كلّ شعرة في رأسك شيطانا يلعنك ، وعلامة ذلك أنّ ولدك سيحمل الرّاية ويخرج لقتال ولدي الحسين ، ولم تمض الأيّام حتّى تحقّق ما قال الإمام. (منهقدس‌سره ).

(٢) انظر ، تأريخ الطّبري : ٥ / ٣٩٥ ، إقبال الأعمال : ٣ / ٣٤٥ ، مقتل الحسين لأبي مخنف : ١٦ و ٧١ ، ـ

١٥٥

هؤلاء أصحاب يزيد ، وابن زياد كلّهم عبد الملك ينبشون الأموات ، ويمثلون بالأبرار ؛ أمّا أصحاب الحسين فكلّهم قيس بن مسهر. أقدم قيس رضوان الله عليه وهو على يقين من قتله والتّمثيل به ، ولكن استخف بالموت ما دام الغرض الأسمى الّذي قصد إليه قد تحقّق ، وهو تبليغ رسالة سيّده الحسين ، وإلقاء الحجّة على أعداء الله.

والسّر الأعظم في أصحاب الحسين أنّهم يطلبون الموت بلهفة المشتاق ، ويودون لو تكرّر قتلهم مرّات ومرّات في سبيل الحسين. وهكذا المؤمنون المنزّهون عن الأغراض ، والمطامع لا يخافون على أنفسهم من القتل ، ولا على أولادهم من اليتم والضّياع ، وإنّما يخشون الله وحده على دينهم وإيمانهم.

__________________

ـ تأريخ الطّبري : ٤ / ٢٦٢ و ٣٠٦ و : ٥ / ٣٩٤ ـ ٣٩٥ ، مناقب آل أبي طالب : ٣ / ٢٤١ و ٢٤٥ ، بحار الأنوار : ٤٥ / ٣٣٣ ، و : ٩٨ / ٢٧٣ و ٣٤٠ ، العوالم : ١٨٣ ، شرح الأخبار : ٣ / ٢٤٥ ، المزار للشّهيد الأوّل : ١٥٢ ، المزار للمشهدي : ٤٩٣ ، معجم رجال الحديث : ١٥ / ١٠٣ رقم «٩٦٩٨» ، اللهوف في قتلى الطّفوف : ٤٦ ، الإرشاد للشّيخ المفيد : ٢ / ٣٧ ، البداية والنّهاية : ٨ / ١٨١ ، الأخبار الطّوال : ٢٢٩.

١٥٦

أولوا العزم

قال الله جلّ وعلا :

( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) (١) .

نصّت هذه الآية على أنّ أولي العزم من الأنبياء خمسة : وهم نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد(٢) ، ومعنى أنّهم من أولي العزم أنّ لكلّ منهم شريعة خاصّة ، دعا إليها ، وحثّ على العمل بها ، ولاقى في سبيل ذلك الكثير من المصاعب ، والمتاعب ، ولكنّه صبر وثابر ، بخاصّة محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي قال : «ما أوذي نبّي بمثل ما أوذيت»(٣) ، وأوصاه الله سبحانه بالصّبر كما صبر من كان قبله من أولي العزم ، حيث قال عزّ من قائل :( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ

__________________

(١) الأحزاب : ٧.

(٢) انظر ، شرح اصول الكافي : ٧ / ٣٧٥ ، مناقب آل أبي طالب : ١ / ٢٦٠ ، تفسير الميزان : ١٨ / ٢٢١.

(٣) انظر ، صحيح ابن حبّان : ٤ / ٥١٥ ح ٦٥٦٠ ، الأحاديث المختارة : ٥ / ٣٠ ح ١٦٣٣ ، موارد الظّمآن : ١ / ٦٢٦ ح ٢٥٢٨ ، سنن التّرمذي : ٤ / ٦٤٥ ح ٢٤٧٢ ، سنن ابن ماجه : ١ / ٥٤ ح ١٥١ ، المصنّف لابن أبي شيبة : ٦ / ٣١٣ ح ٣١٧٠٤ ، مسند البزّار : ٨ / ١٧٦ ح ٣٢٠٥ ، مسند أحمد : ٣ / ١٢٠ ح ١٢٣٣ ، مسند أبي يعلى : ٦ / ١٤٥ ح ٣٤٢٣ ، صفوة الصّفوة : ١ / ٤٣٨ ، سير أعلام النّبلاء : ٢١ / ١٨٩.

١٥٧

مِنَ الرُّسُلِ ) (١) .

أجل ، ما أوذي نبي بمثل ما أوذي به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن ولده الحسينعليه‌السلام قد أصابه في سبيل الإسلام يوم كربلاء أشدّ وأعظم ممّا أصاب جدّه الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصبر صبر الأنبياء والرّسل ، أمر أهله وأصحابه بالصّبر ، فمن أقواله يوم الطّفّ :

«صبرا بني الكرام ، فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس ، والضّرّاء إلى الجنان الواسعة ، والنّعيم الدّائم ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، وما هو لأعدائكم إلّا كما ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، أنّ أبي حدّثني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الدّنيا سجن المؤمن ، وجنّة الكافر»(٢) ، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم ، وجسر هؤلاء إلى جهنّمهم ، ما كذبت ولا كذّبت»(٣) .

وقال وهو يودّع عياله :

«استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النّعم والكرامه ، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم»(٤) .

لقد تحمّل من ارزائها محنا

لم يحتملها نبيّ أو وصيّ نبيّ

__________________

(١) الأحقاف : ٣٥.

(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٨ / ٢١٠ ، مسند أحمد : ٢ / ٣٢٣ ، سنن التّرمذي : ٣ / ٣٨٥ ح ٢٤٢٦ ، صحيح ابن حبّان : ٢ / ٤٦٢ ح ٦٨٧.

(٣) انظر ، تحف العقول : ٥٣ ، معاني الأخبار : ٢٨٩ ح ٣.

(٤) انظر ، جلاء العيون ، للمجلسي : ١٥٦.

١٥٨

وأنّ أعظم ما لاقاه محتسبا

عند الإله فسامى كلّ محتسب

حمل الفواطم أسرى للشّام على

عجف النّياق تقاسي نهشة القتب

وما رأت أنبياء الله من محن

وأوصياؤهم في سالف للحقب

كمحنة السّيّد السّجّاد حين أتت

يزيد نسوته أسرى على النّجب

أمامها رفعت فوق الأسنّة من

حماتها أرؤس فاقت سنى الشّهب

١٥٩
١٦٠

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

((أُنشدكم الله، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه، وقال: أنتَ أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعةً له وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدَّ كلّ بابٍ شارعٍ إلى المسجد غيرَ بابه، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم فقال: ما أنا سددتُ أبوابكم وفتحتُ بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه.

ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يُجنبُ في المسجد ومنزله في منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فولِدَ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وله فيه أولاد؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّةٍ قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ الله أمرني أن ابني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نصبهُ يوم غدير خُمٍّ فنادى له بالولاية، وقال: ليبلّغ الشَّاهدُ الغائبَ؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له في غزوةِ تبوك: أنتَ

٢٦١

منّي بمنزلة هارونَ من موسى، وأنتَ وليُّ كلِّ مؤمنٍ بعدي؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين دعا النصارى مِنْ أهلِ نجرانَ إلى المباهلة لم يأتِ إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أنشدكم الله، أتعلمون أنّه دفع إليه اللواء يوم خيبرٍ، ثمّ قال: لأدفعنَّه إلى رجلٍ يحبّه الله ورسوله ويُحبُّ الله ورسوله، كرّار غير فرار، يفتحها الله على يديه؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعثهُ ببراءة وقال: لا يبلِّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي؟)) .

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم تنزل به شدةٌ قطٌ إلاّ قدَّمه لها ثقةً به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ أن يقول: يا أخي، وادعوا لي أخي؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قضى بينه وبين جعفرٍ وزيدٍ، فقال: يا علي، أنت منّي وأنا منك، وأنت وليُّ كلّ مؤمنٍ بعدي؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يومٍ خلوةٌ، وكلّ ليلةٍ

٢٦٢

دخلةٌ، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت ابتدأه؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فضّله على جعفرٍ وحمزة حين قال لفاطمة عليها‌السلام : زوّجتكِ خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: أنا سيّدُ ولد آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمةُ سيّدةُ نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنّة)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمرهُ بغسلهِ، وأخبرهُ أنّ جبرائيل عليه‌السلام يُعينُهُ عليه؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

قال:((أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالَ في آخر خُطبةٍ خطبها: إنّي تركتُ فيكم الثَّقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، فتمسَّكوا بهما لن تضلوا؟)) .

قالوا: اللهمّ نعم.

فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالبعليه‌السلام خاصّة، وفي أهل بيته من القرآن ولا على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: اللهمّ

٢٦٣

نعم، قد سمعنا، ويقول التابع: اللهمّ قد حدثنيه مَنْ أثق به فلان وفلان.

ثمَّ ناشدهم أنَّهم قد سمعوه يقول:((مَنْ زعمَ أنّه يُحبّني ويبغض علياً فقد كذب، ليس يُحبني ويبغض علياً، فقال له قائل: يا رسول الله وكيف ذلك؟

قال: لأنّه منّي وأنا منه، مَنْ أحبّه فقد أحبني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله)) .

فقالوا: اللهمَّ نعم، قد سمعنا. وتفرّقوا على ذلك(١) .

هذا هو الكلام الفصل، والحجّة من حجّة الله على الخلق في ذاك اليوم المهيب، وتحت ظلّ الحكم الأموي الرهيب الذي طغى فيه معاوية بن أبي سفيان، وراح يقتل الناس لا سيما شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ سعياً منه لإبادة الإيمان، ودفن الإسلام دفناً، كما صرّح بذلك لصاحبه المغيرة بن شعبة ذات يوم.

إنّ الإسلام كلّه أخلاق وقيم ومثل عُليا، وكلّ ذلك تمثّله القيادة الربّانيّة، والإمامة الشرعيّة المتمثّلة بأهل البيت الأطهارعليهم‌السلام ، وأبو عبد الله الحسينعليه‌السلام خامس أصحاب الكساء يبيّن الحقائق، ويضع النقاط على الحروف، وكأنّه (روحي له الفداء) يُهيّئ الأُمّة الإسلاميّة ليوم عصيب، سيحلّ يوم عاشوراء، وموقف عجيب سيقفه على تراب كربلاء.

أليس هذا كلّه أخلاق وقيم يجب على الأُمّة تمثّله في حياتها إذا أرادت السعادة والخير لها، والخروج من هذه الشرنقة التي حصرت نفسها فيها في هذا الزمان الأغبر.

_____________________

١ - كتاب سليم بن قيس / ١٦٨ - ١٧١.

٢٦٤

نعم، بنهضة الحسينعليه‌السلام وأخلاقيّاته، ومناقبيّاته النموذجية الصادقة يكون الإنقاذ والخلاص.

الحسينعليه‌السلام وصلة الرحم

بقي علينا أن نتحدّث عن مفردة واحدة من مناقبيّات الإمام الحسينعليه‌السلام في هذا الباب؛ لنكون قد حاولنا إعطاء صورة واضحة عن معظم الجوانب الاجتماعيّة لحياة المولىعليه‌السلام الذي له كلمة رائعة يقول فيها:((مَنْ سرّه أن يُنسأ في أجله ويُزاد في رزقه، فليصل رحمه)) (١) .

عرَّف علماء الأخلاق الصلة بأنّها ضدّ القطيعة.

وصلة الرحم: هي إشراك ذوي اللحمة والقرابات بما ناله من المال والجاه وسائر خيرات الدنيا، وهو أعظم القربات، وأفضل الطاعات(٢) .

قال سبحانه في كتابه العزيز:( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ) (٣) .

وقال تعالى:( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) (٤) .

وقال تعالى:( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) (٥) .

_____________________

١ - عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢ / ٤٤ ح١٥٧، موسوعة البحار ٧٤ / ٩١ ح١٥.

٢ - جامع السعادات ٢ / ٢٥٩.

٣ - سورة النساء / ٣٦.

٤ - سورة النساء / ١.

٥ - سورة رعد / ١.

٢٦٥

وكم هي الأحاديث النبويّة والإماميّة حول الرحم وصلتها، وثواب ذلك الوصل الذي أمر الله به.

ففي الحديث النبوي الشريف:((أوصي الشاهدَ مِنْ أُمّتي والغائب، ومَنْ في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أنْ يصلَ الرَّحمَ وإن كانت منه على مسيرة سنة؛ فإنَّ ذلك من الدِّين)) (١) .

وأمير المؤمنينعليه‌السلام يقول:((صِلوا أرحامكم ولو بالتّسليم)) (٢) .

والإمام الباقرعليه‌السلام يقول:((إنَّ الرحم متعلّقةٌ يوم القيامة بالعرش، وهي تقول: اللهمَّ صل مَنْ وصلني، واقطع مَنْ قطعني)) (٣) .

والإمام الصادقعليه‌السلام يقول:((صلة الرَّحم تهوِّن الحساب يوم القيامة، وهي منسأةٌ في العمر، وتقي مصارع السُّوء)) (٤) .

فالرحم: ربما تكون من الرحمة والتراحم، فإذا وصلت كانت سبباً لنزول الرحمة الإلهيّة على اُولئك المتراحمين، فيرحمهم الله؛ لأنّهم تراحموا فيما بينهم، ولهذا تكون منسأة، مطوّلة للعمر والأجل المحتوم (الموت)، وتزيد في الأرزاق، وتبارك الأعمار، وتبني البلاد، وتزدهر أحوال العباد.

والعقوق والقطيعة: من أهم أسباب التنازع والخصام، وهي في ذوي الأرحام تكون الحالقة؛ لأنّها تحلق الأعمار والأرزاق، وتدع الديار لا خير فيها، ولا بركة تنزل عليها من الباري تعالى:((ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في

_____________________

١ - جامع السعادات ٢ / ٢٦٠.

٢ - المصدر نفسه.

٣ - المصدر نفسه.

٤ - المصدر نفسه.

٢٦٦

السماء)) (١) . كما في الحديث المشهور.

الحكمة في المفهوم الحسيني

عرّفوا الحكمة: بأنّها وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة. وأهل اللغة ذهبوا عدّة مذاهب في المعنى الدقيق للكلمة في اللغة العربية.

ففي (لسان العرب): الحكمة: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويُقال لِمَنْ يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم.

وفي (تاج العروس): هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بمقتضاها؛ ولهذا انقسمت إلى علميّة وعمليّة.

وقد يُقال بلسان الفلاسفة: هي هيئة القوّة العقليّة العلميّة وهي الحكمة الإلهيّة.

واستطلاع القرآن الكريم وموارد الحكمة فيه يرشدنا إلى المعنى الاصطلاحي الإسلامي لهذه الكلمة، والتي منها اسم الله (الحكيم) سبحانه وتعالى.

وقيل يوماً للإمام عليعليه‌السلام صف لنا الحكيم، فقالعليه‌السلام :((هو الذي يضع الأشياء في مواضعها)) (٢) .

فقيل له: صف لنا الجاهل؟

فقالعليه‌السلام :((قد فعلت)) .

أي أنّ الأمور تُعرف بأضدادها، فإذا كان الحكيم هو الذي يضع الأمور

_____________________

١ - موسوعة البحار ٧٧ / ١٦٧، كنز العمال / ح٥٩٦٩.

٢ - عدّة الدّاعي / ٣٢١، بحار الأنوار ٢٨ / ٤٠١، تنزيه الأنبياء / ١٠٣.

٢٦٧

والأشياء في مواضعها الصحيحة، فإنّ الجاهل هو الذي لا يضعها، أو يضعها في غير أماكنها.

وحياة الإمام الحسينعليه‌السلام حكمة خالصة من بدايتها إلى نهايتها، وإذا قلنا بمقياسنا نحن البسطاء أنّ الأمور تُعرف بخواتيمها، وعلمنا جميعاً أنّ ختام حياة الإمامعليه‌السلام كانت أفضل الخواتيم وأفجعها، ألا وهي الشهادة في سبيل الله، حتّى صار إلى قيام الساعة سيّد الشهداء شهيد الطفوف وكربلاء.

وممّا يروى عنه (صلوات الله عليه) في هذا الباب الحكيم، وهذا المجلس الذي كان بحضرة أبيه أمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام حيث أقبل على الحسينعليه‌السلام فقال له:((ما السؤدد؟)) . (أي السمو والرفعة والفخر والشرف للإنسان).

قالعليه‌السلام :((اصطناعُ العشيرةِ، واحتمالُ الجريرة)) . (أي خدمة الناس وحمل الأعباء الثقيلة عن أصحابها).

قالعليه‌السلام :((فما الغنى؟)) . (أي الذي يجعلك غنيّاً في نفسك).

قالعليه‌السلام :((قِلّةُ أمانيك، والرّضا بما يكفيك)) . (أي قلّة الأماني، فالقناعة كنز لا يفنى).

قالعليه‌السلام :((فما الفقر؟)) . (أي المعنوي والنفسي وليس المادي فقط).

قالعليه‌السلام :((الطَّمعُ وشدّةُ القنوط؟)) . (أي الطمع بما في أيدي الناس ذلّ، والقنوط من رحمة الله كفر).

قالعليه‌السلام :((فما اللؤم؟)) . (أي ما يخبرك عن لؤم إنسان ونذالته).

٢٦٨

قالعليه‌السلام :((إحرازُ المرءِ نفسهُ وإسلامهُ عرسهُ)) . (أي أن يصون نفسه عن الأعداء ويسلّم لهم زوجته).

قالعليه‌السلام :((فما الخرَق؟)) .

قالعليه‌السلام :((مُعاداتُكَ أميرَك، ومَنْ يقدرُ على ضُرِّك ونفعك)) .

ثمّ التفت أمير المؤمنين إلى الحارث الهمداني الأعور، فقال:((يا حارث، علّموا هذه الحكمَ أولادكم؛ فإنّها زيادةٌ في العقل والحزم والرأي)) (١) .

نعم، إنّه درس حكيم، وحكمة بالغة تعلّمنا إيّاها هذه الكلمات القصيرة التي اشتملت عليها هذه الرواية، والحوار ما بين الأمير وشبله الحسينعليهما‌السلام .

فالحكمة: هي التوازن العادل في القوّة الفكريّة، والرذيلة التي تقابل الحكمة من جانب التفريط هي الحمق والبلادة، ويعنون عنها: تعطيل القوّة الفكريّة عن العمل، وكبت مالها من مواهب واستعدادات، والخسيسة التي تضادها من جانب الإفراط هي المكر والدهاء، ويريدون منه التجاوز بالفكر عن حدود البرهان الصحيح، واستخدام قوّة العقل في ما وراء الحقّ، فقد تثبت نتائج ينكرها الحسّ، وقد تنفي أشياء تثبتها البداهة.

ولست أدري أنّ لفظ المكر والدهاء يدلاّن على هذا المعنى؛ لأنّهما بمعنى الاحتيال والخداع وهو شيء آخر وراء الحكمة الباطلة التي يقصدها هؤلاء المفسّرون، أمّا الدهاء بمعنى جودة الرأي فهو يقرب من معنى الحكمة، وإذن فلنسمّ هذه النقيصة الخلقيّة (بالحكمة الباطلة) كما يسمّيها علماء الأخلاق.

_____________________

١ - معاني الأخبار / ٤٠١ ح٦٢، موسوعة البحار ٧٢ / ١٩٣ ح١٤.

٢٦٩

ونحن إذا فحصنا الفضيلة العقليّة (الحكمة) وجدناها تتألّف من عنصرين أساسيّين لا غنى لها عن أحدهما:

- قوّة فكريّة في طريقها إلى التوازن.

- وعلم يرشد هذه القوّة إلى طريق الاعتدال.

ليس التوازن في القوّة الفكريّة من الأشياء التي تمنحها المصادفة ويكوّنها الاتفاق، وليس بالأمر السهل الذي تكفي في حصوله للإنسان خبرة قليلة وتجربة نادرة؛ لأنّه توازن في كلّ ما يعتقد، وتوازن في كلّ ما يقول، وتوازن في كلّ ما يعمل، وأنّى للقوّة الفكريّة بهذه الاستقامة التامّة إذا هي لم تستعن بإرشاد العلم الصحيح، وأنّى للعقل بمفرده أن يبصر هداه في الطريق الشائك والمسلك الملتوي.

كلّنا نتمنّى التوازن العادل في طبائعنا والاستقامة التامّة في سلوكنا، وأيّ أفراد البشر لا يتمنّى الكمال لنفسه؟ ولكنّ الجهل يقف بنا دون الحدّ، وميول النفس تبعدنا عن الغاية، والعقل هو القوّة الوحيدة التي يشيع فيها جانب التفريط بين أفراد الإنسان؛ وذلك من تأثير الجهل.

فالجهل هو أوّل شيء يحاربه علم الأخلاق؛ لأنّه أوّل خطر يصطدم به الكمال الإنساني، وأوّل انحطاط تقع فيه النفس البشريّة، وأوّل مجرّئ لها على ارتكاب الرذيلة، بل هو أوّل خطيئة وآخر جريمة.

يرتكب الجاهل أخطاء خُلقيّة تعود بالضرر على نفسه، وقد يعود ضررها على أُمّته وشعبه أيضاً، وعذره في ذلك أنّه جاهل، وإذا كان الفقيه لا يعد الجهل عذراً في مخالفة النظام الشرعي، فإنّ الخلقي أجدر أن لا يقبل ذلك العذر؛

٢٧٠

لأنّ الفقه أسلس قياداً، والفقيه أكثر تسامحاً، أمّا العالم الخُلقي فإنّه يطبّق نظامه بحزم، ويقرّر نتائجه بدقّة، ولا يجد في المخالفة عذراً لمعتذر، ولا سيما إذا كان ذلك العذر أحد المحظورات الخُلقيّة كالجهل.

وإذاً، فمن الرشد أن يكون العلم أوّل شيء يفرضه علم الأخلاق(١) ، ولما تقدّم نعرف سبب تقسيم العلماء الحكمة إلى النظرية والعمليّة.

فالحكمة النظريّة: هي الأفكار الحكيمة والأقوال الحكيمة التي تنطلق من عقول وآراء حكماء البشر، لا سيما الكاملين منهم والمعصومين بالذّات وبالخصوص الأئمّة الكرامعليهم‌السلام ، وإذا استعرضنا كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام سنجد أنّها لا تخرج عن هذا القانون قيد أنملة.

أمّا الحكمة العمليّة: فهي تطبيق تلك الأفكار النورانيّة على أرض الواقع في الحياة الدنيا، وأمثل تطبيق للحكمة الإلهيّة هو ما أولَّه وطبّقه قادة الإسلام العظام، كلّ في زمانه ومكانه الذي عاش فيه.

والحكمة؛ النظريّة منها والعمليّة، تتجلّى في النهضة المباركة للإمام الحسينعليه‌السلام ، والدارس المدقّق، والمنصف لتلك النهضة يراها حكيمة من ألفها إلى يائها، من البداية إلى حيث النهاية المأساويّة على بطاح كربلاء بالسمو الأعظم بالشهادة المقدّسة.

ولسنا هنا في مقام البحث التفصيلي لإثبات الحكمة في كلّ عمل أقدم عليه الإمام الحسينعليه‌السلام في مسيرته المباركة؛ لأنّ ذلك يطيل بنا المقام، والوقوف

_____________________

١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليه‌السلام / ٥٣ - ٥٤.

٢٧١

حيث لا نريد أن نقف حاليّاً لإخراجنا عن موضوعنا وبحثنا حول الأخلاق وأطيافها، ولكن في البحث القادم عن (الشجاعة) فإنّنا سوف نأخذ عيّنات وأمثلة تبيّن لنا حكمة القول والعمل الحسيني ووقوعه في محلّه الصحيح.

الشجاعة الأخلاقيّة في النهج الحسيني

جُبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهنّ فضيلة ليست للأُخرى؛ السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر.

فإذا تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام لسبيله والموسوم بالإقدام في عصره، وإذا تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر وأشدّ إقداماً.

هكذا يصف حفيد الإمام الحسينعليه‌السلام الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام الشجاعة، ويعطيها هذا المعنى البديع الذي يحبب للإنسان المؤمن أن يتصف بها، وهي عبارة عن أركان ثلاثة يرتكز عليها معنى الشجاعة الحقيقيّة في بني البشر:

١ - السخاء بالنفس: وهو غاية الجود والكرم، وهل جاد بهذا المعنى أحد كجود الإمام الحسينعليه‌السلام ؟!

٢ - الأنفة من الذلّ: وهو الإباء، والإمام الحسينعليه‌السلام أبيّ الضيم، وقد صارت كلمته في كربلاء:((هيهات منّا الذلّة! يأبى الله ذلك لنا ورسولُهُ والمؤمنون، وحُجورٌ طابت وطهرت)) شعاراً لنا ولكلّ أحرار العالم.

٣ - طلب الذكر بمعنى الشرف والسؤدد: وهذا هو الشَّمم والشموخ، وهو

٢٧٢

القائل:((والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ منكم فرار العبيد)) (١) .

وقبل الاستطراد بالحديث عن شجاعة الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه الميامين، نقول: إنّ الشجاعة هي فضيلة بين التهوّر (الإفراط) والجبن (التفريط)، والإنسان العاقل عليه أن يتذكّرها بما لها من مدائح وشرف عظيم، وعليه أن يكلّف نفسه المواظبة على آثارها ولوازمها حتّى تصير عنده ملكة وطبعاً راسخاً في القلب والنفس.

والشجاعة: هي طاعة قوّة الغضب للعقل في الإقدام أو الإحجام عن الأمور الهائلة والخطيرة، وعدم اضطرابها بدفعها إلى الخوض فيما يقتضيه رأيها عند ثورانها بالغضب.

ولا ريب أنّها من أشرف الملكات النفسيّة، وأفضل الصفات الكماليّة لبني البشر، والفاقد لها من الرجال بريء عن الفحولة والرجولة. وهو في الحقيقة إلى النساء أقرب منه إلى الرجال؛ لأنّ الجبن في المرأة مطلوب ومرغوب.

وقد وصف الله سبحانه خيار الصحابة بها، وذلك قوله في القرآن الكريم:( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) (٢) ، وأمر الله بها نبيّه بقوله:( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (٣) ؛ إذ الشدّة والغلظة من لوازم الشجاعة وآثار القوّة الغضبية المهذّبة.

والأخبار والروايات تذكرها بكثير من التحبيذ، وتعدّها من صفات أولياء الله، والكمَّل من عباده المؤمنين المتّقين.

_____________________

١ - إرشاد المفيد / ٢٣٤.

٢ - سورة الفتح / ٢٩.

٣ - سورة التوبة / ٧٣.

٢٧٣

وتهذيب الغضب يكون قبل حصوله، وطريقه: هو التفكير الصحيح في أسباب الغضب، والتأمّل في عواقبه، وما يجرَّه على النفس وعلى الغير من أضرار وأخطار.

والشجاعة: هي أوّل فضيلة للقوّة الغضبية، ولها مظهران:

- ثبات في مقام الدفاع عن المقدّسات: النفس والمال، والعرض والدين والأرض.

- إقدام في محلّ الجهاد الأكبر والأصغر.

والشجاعة لا تتميّز بلون واحد، ولا تختصّ بسمة خاصّة، فالغضب للحقّ شجاعة؛ لأنّه ممّا يأمر به العقل، والحلم عن جهل الجاهل شجاعة؛ لأنّه ممّا يدعو إليه الرشد، والثورة على الباطل شجاعة؛ لأنّها ممّا تقتضيه الحكمة.

يقدم الشجاع في موضع يقتضي الإقدام، ويحجم في موقف يقتضي الإحجام، وهو في كلتا الحالتين شجاع؛ لأنّه ثابت القلب أمام المخاطر، شجاع لأنّه يدير حركاته وأعماله بحكمة(١) .

وبما أنّنا في رحاب الإمام الحسينعليه‌السلام وأخلاقيّاته الرحمانيّة وأفعاله القيميّة، وما زلنا نسبح في تلك الرحاب العامرة، قد وصلنا إلى البحر الخضمّ، وصرنا في قلب التيّار الهائج، والبحر المحيط المائج.

وهنا أعترف وبكلّ شجاعة أنّني أقف حائراً كلّما وقفت أمام هذه الصفة في الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّها الصفة التي أعجبت الإنس والجنّ، بل قل حتّى السماوات والأرض ومَنْ فيهنّ.

_____________________

١ - الأخلاق عند الإمام الصادقعليه‌السلام / ٨٥.

٢٧٤

هل تعجب وأنت أمام شخصيّة كالحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليهم)؟

أنا أعجب؛ لأنّني قاصر عن إدراك أو فهم أو استيعاب مثل هذا الإقدام، أو هذه الشجاعة التي تصدر عن إنسان بشري عاش على تراب هذه الأرض.

قيل الكثير الكثير عن شجاعة الحسين بن عليعليه‌السلام في كربلاء، ولكن مهما قيل فإنّ الصفة أكبر والموصوف أعظم وأجل وأكبر من كلّ قولٍ أو وصف قيل فيه.

وقد شهد له أعداؤه قبل أوليائه بذلك؛ فإنّه هو لا غيره الذي قال فيه ذاك الرجل: ما رأيت مكثوراً قط قُتل أهله وأصحابه جميعاً أربط جأشاً منه! فكان كلّما ازدادت المحن تهلّل وجه أكثر، وكانت الكتيبة إذا شدَّ عليها تفرّ الرجال من بين يديه كالمعزى من السبع.

لم أقرأ ولم أسمع عن شخص يحيط به جيش عرمرم، وهو ملقى على الأرض وفي جسده عشرات، بل مئات من ضربات السيوف وطعنات الرماح، وجراحات السهام والنبال، وهو (روحي له الفداء) يجود بنفسه الشريفة، وهم يخافون منه ويخشون حتّى النظر إلى وجهه الشريف أو عينيه المباركتين، فما نظر لأحد إلاّ هابه وأخذ بمجامع قلبه فيفرّ منه، حتّى انبرى إليه ذاك الشيطان اللعين شمر بن ذي الجوشن!

ولن نطيل الحديث حول هذه الصفة الحسينيّة؛ لأنّها من أوضح الواضحات في تاريخ الإنسانيّة المكافح، ولكن لنا أن نعطي شواهد، وأن نقف أمام محطّات أساسيّة في المسيرة الشجاعة البطلة للمولى أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

٢٧٥

١ - رفض الظلم والحاكم الظالم:

الظلم من أبشع الصفات في الإنسان أو حتّى المخلوقات؛ ولذا فإنّ الظلم ظلمات كما في الرواية الشريفة. والظلم من شيم النفوس الضعيفة. وهذا يغلب على طبيعة بني البشر.

وأمّا أصحاب النفوس الأبيّة الضيم، والعالية الهمّة فإنّها تكره أن تظلم كما تأبى أن تُظلم.

ولذا كانت وصيته لولده الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهما‌السلام :((أي بنيّ إيّاكَ وظُلم مَنْ لا يجد عليكَ ناصراً إلاّ الله عزَّ وجلَّ)) (١) .

وهذا نابع من وصية أمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام لولديه الحسنينعليهما‌السلام :((يا بنيّ كونا للظالمِ خَصماً وللمظلومِ عوناً)) (٢) .

والذي يرفض الظلم لا بدّ أن يرفض الظالم؛ سواء كان حاكماً أو محكوماً. والحاكم أولى بالمقاومة والرفض؛ لما جاء في الحديث النبوي الشريف:((إنّ أفضلَ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند إمامٍ جائر)) (٣) .

وهذا المجاهد هو واحد من سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظِلَّ إلاّ ظلُّه.

الإمام الحسينعليه‌السلام رفض الحاكم الطاغية معاوية بن أبي سفيان قبل أن يرفض ولده يزيد الطاغية، والروايات والخطب الحسينيّة بحضور معاوية ومراسلاته معه تؤكّد على هذه الحقيقة الرافضة للحاكم الظالم مهما كانت

_____________________

١ - كلمة الإمام الحسين / ٣٣٧.

٢ - مستدرك الوسائل ١٢ / ١٨٠، بحار الأنوار ٩٧ / ٩٠، نهج البلاغة / ٤٢١.

٣ - الفروع من الكافي ٥ / ٥٩ ح١٦، التهذيب ٦ / ١٧٧، وسائل الشيعة ١٦ / ١٢٦.

٢٧٦

قوّته وعدد جنده.

وذات يوم وصف نافع بن جبير معاوية بقوله تزلّفاً إليه: إنّه كان يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال الإمامعليه‌السلام :((بل كان ينطقه البَطَر ويسكته الحصر)) (١) .

فالغني يبطر ويحكي كما يحلو له لا سيما إذا كان حاكماً ومتسلّطاً على مقاليد الأُمّة، وأمّا إذا سكت فإنّه عن حصر وعي وعدم إسعاف قريحته له بالكلام فيسكت رغم أنفه، فأيّ علم كان عند ذاك الطليق، وأيّ حلم كان عند مَنْ قتل الآلاف المؤلّفة، لا لشيء إلاّ لحبّهم وولائهم لأهل البيتعليهم‌السلام ، وصحبتهم لأمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام ؟!

معاوية يعترف بالقتل

وإليك يا عزيزي القارئ هذه القصَّة التي تدلُّ على غباء الرجل، وعدم معرفته بالدين الذي يحكم به أُّمته، ويدَّعي أنّه خال المؤمنين، أو أنّه خليفة رسول ربّ العالمينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

يروي صالح بن كيسان يقول: لمّا قتل معاوية حجرَ بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم) حجَّ ذلك العام فلقي الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه، وأشياعه وشيعة أبيك؟!

فقالعليه‌السلام :((وما صنعتَ بهم؟)) .

قال: قتلناهم وكفّناهم وصلَّينا عليهم.

_____________________

١ - بحار الأنوار ٣٣ / ٢١٩، كنز الفوائد ٢ / ٣٢.

٢٧٧

فضحك الإمام الحسينعليه‌السلام ثمّ قال:((خَصَمَكَ القوم يا معاويةُ، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم ولا صلّينا عليهم ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتك في عليّ عليه‌السلام وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثمّ سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية، فلا توترنّ غير قوسك، ولا ترمينّ غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكانٍ قريبٍ؛ فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع)) (١) .

يعني بقوله الأخير عمرو بن العاص، ذاك الجلف المجافي عن الدين والإسلام والحقّ الذي كان أعدى أعداء الله وأهل بيت رسوله (صلوات الله عليه وآله أجميعن).

وخَصمَه القوم، يعني أنّه اعترف بعظمة لسانه أنّه قتل أناساً مؤمنين من أهل الإسلام الحنيف، ورغم قتلهم فإنّهم أهلٌ أن يُحترموا بالغسل والكفن والصلاة الواجبة لموتى المسلمين، وكتاب الله وأحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تشدّد النكير على( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) (٢) ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) (٣) ، فكيف مَنْ قتل عدداً غير قليل من المؤمنين المخلصين ظلماً وعدواناً؟!

وأمّا الإمامعليه‌السلام ، فلو قتلهم أو قتل أحداً من أصحاب معاوية لما قام له بأيّ

_____________________

١ - الاحتجاج ٢ / ١٩، كشف الغمّة ٢ / ٢٠٥، وسائل الشيعة ٢ / ٧٠٤ ح٣.

٢ - سورة المائدة / ٣٢.

٣ - سورة النساء / ٩٣.

٢٧٨

شيء ولا حتّى الدفن، وهذه شهادة بأنّ معاوية وأصحابه ليسوا من الإسلام في شيء.

والشجاعة الأدبيّة في كلمات أبي الأحرار الحسينعليه‌السلام كانت عالية، بحيث لم يترك معاوية يتيه ويفخر بأنّه قتل شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام وأصحابه، فبعد الصفعة الأولى وقبل أن يستيقظ معاوية من ألمها ثنّى عليه الإمام الحسينعليه‌السلام بالصفعة الأخرى لتكون أشدّ ألماً وقوّة.

فقال له:((لقد بلغني وقيعتك في عليّ عليه‌السلام )) أي أنّك تسبّه، وهذِهِ سُنّة سيئّة أنت محاسب عنْها، وقد استمرت هذه السُنّة في الأُمّةِ الإسلاميّة عشرات السنوات، وتصل بالعيب إلى بني هاشم وهَمْ مَنْ هم في دنيا الفضائل والإسلام. فإنْ فعلتَ ذلكَ فعليكَ أنْ ترجعَ إلى نفسِكَ وتقف معها وقفةً صادقةً، ألستَ تَراها مَحشوَّةً بالعيوبِ العظامِ، وأعظم عيوب بني هاشم هي أصغر عيوبك فيك؟!

فإيَاكَ أنْ تشدَّ وِترَ القوسِ الذي لا تملكه، وتصطادَ غيرَ هدفِكَ، فإنَّ ذلكَ دلالةٌ على قلّةِ العقلِ، والجهلِ وسوء التدبير، والطاعة لابن النابغة عمرو بن العاص شانئ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهِ في العداوة والمحاربة للإمامعليه‌السلام وأهل بيته الكرام جميعاً.

وفي الرسالة التي سبق أن نقلناها قرأت قول الإمام الحسينعليه‌السلام فيها:((وإنّي لا أعلمُ فتنةً أعظم على هذه الأُمّة من ولايتك عليها، ولا أعلمُ نظراً لنفسي ولديني ولأُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنّه

٢٧٩

قربةٌ إلى الله، وإنْ تركتُهُ فإنّي أستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقه لإرشاد أمري)) (١) .

وفي نهاية تلك الرسالة يعلن رفضه ليزيد اللعين بقوله:((وأخذك الناس ببيعة ابنك غلامٍ حدث، يشربُ الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك، وتبّرت دينك، وغششت رعيّتك، وأخربت أمانتك)) (٢) .

هل يوجد أقوى وأصرح من هذه الكلمات الحسينيّة في رفض بيعة معاوية وابنه يزيد؟

إنّه يرى وجوب الجهاد لهم؛ ولذا يستغفر الله بالتقصير من ذلك، لأنّ جهادهم من أقرب القربات إلى الله، ولكنّ الحين لم يحن، وصلح أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام أجدر بالوفاء.

ولذا فإنّ الإمام الحسينعليه‌السلام رفض في المدينة المنوّرة بيعة يزيد رفضاً قاطعاً، وأعلنها نهضة ربّانيّة مباركة لإيقاظ الأُمّة إلى وجوب جهاد الحاكم الظالم، وتنحية الطاغية عن دفّة القيادة للأُمّة الإسلاميّة، فقالعليه‌السلام :((مثلي لا يبايع مثله)) ، وكان هذا هو البيان الأوّل للنهضة الحسينيّة، وقد تقدّم.

٢ - رفض انتهاك حُرمة الكعبة: (إنّ للبيتِ ربّاً يحميه).

كلمة انطلقت منذ آلاف السنين، وما زالت تردّدها الأجيال فتسمع صداها في كلّ زمان ومكان، منذ أن نطق بها سيدنا شبية الحمد عبد المطلب بن عمرو

_____________________

١ - بحار الأنوار ٤٤ / ٢١٣، رجال الكشي / ٥٠.

٢ - رجال الكشي / ٣٢، أعيان الشيعة ١ / ٥٨٢.

٢٨٠

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580