مقتل العباس (عليه السلام)

مقتل العباس (عليه السلام)10%

مقتل العباس (عليه السلام) مؤلف:
تصنيف: النفوس الفاخرة
الصفحات: 394

  • البداية
  • السابق
  • 394 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 77091 / تحميل: 11502
الحجم الحجم الحجم
مقتل العباس (عليه السلام)

مقتل العباس (عليه السلام)

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

يا محمّدُ بنَ علي، أما علمتَ أنّ الحسينَ بنَ عليٍّ بعد وفاة نفسي، ومفارقةِ روحي جسمي، إمامٌ من بعدي عند اللّه في الكتاب؛ وراثة مِن النّبيِّ أضافها في وراثة أبيه واُمّه، عَلِمَ اللّهُ أنَّكُمْ خِيرةُ خلقِهِ فاصْطَفى مِنكُم مُحمّداً، واختار محمّدٌ عليّاً، واختارني عليٌّ للإِمامة، واخترتُ أنا الحُسينَ » .

فقال له محمّدُ بن علي: أنت إمامي وسيّدي، ألا وإنّ في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء، ولا تُغيّره الرياح، كالكتاب المـُعجم في الرّقِّ المـُنمنَم؛ أهمُّ بإبدائه فأجدني سبقتُ إليه سبق الكتاب المـُنزل، وما جاءت به الرُّسل، وإنّه لكلامٌ يكُلّ به لسانُ النّاطق ويدُ الكاتب حتّى لا يجد قلماً، ويُؤتوا بالقرطاس حِمماً ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي المـُحسنين، ولا قوة إلاّ باللّه.

الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رَحماً؛ كان إماماً قبل أنْ يُخلق، وقرأ الوحيَ قبل أنْ يَنطق، ولو علم اللّهُ أنّ أحداً خيراً منّا ما اصطفى محمّداً، فلمـّا اختار اللّه محمّداً، واختار محمّدٌ عليّاً إماماً، واختارك عليٌّ بعده، واخترتَ الحسينَ بعدك، سلّمنا ورضينا بمَن هو الرضى، وممّن نسلم به من المـُشكلات(١) .

وهذه الوصيّة تُفيدنا عظمة ابن الحنفيّة من ناحية الإيمان، وأنّه من عياب العلم ومناجم التُّقى، فأيّ رجل يشهد له إمامُ وقته بأنّ اللّه لم يجعل للشيطان عليه سُلطاناً؟ وأنّه لا يخشى عليه من ناحية الحسد الذي لا يخلو منه أو من شيء من موجباته، أيّ أحد لم يبلغ درجة الكمال؟ ثُمّ أي رجل أناط أمير المؤمنينعليه‌السلام البِرَّ به بالبرِّ بنفسه التي يجب على كافة المؤمنين أنْ يبرّوا بها؟

____________________

(١) إعلام الورى بأعلام الهُدى / ٤٢٣.

١٠١

على أنّ الظاهر من قول المـُجتبىعليه‌السلام :« أمَا علمتَ أنّ الحسينَ » . هو: إنّ علمَ محمّد بالإمامة لم يكنْ بمحض النّصِّ المـُتأخّر وإنْ أكّده ذلك، وإنّما هو بعلم مخصوص برجالات بيت الوحي، مكنون عندهم بالإحاطة بالكتاب الماضي والقدر الجاري.

ويرشدنا إلى هذا قولُ ابن الحنفيّة: إنّ في رأسي...؛ فإنّه أظهر من سابقه فيما قلنا، وكلماته الذهبيّة في الاعتراف بحقّ الإمامينعليهما‌السلام تدلّنا على ثباته المـُستقى من عين صافية بارشيةٍ من الحقِّ؛ وما هي إلاّ ذلك اللوح المحفوظ.

أضف إلى ذلك، ما جاء عن أمير المؤمنينعليه‌السلام من قوله:« تأبَى المحامدةُ أنْ يُعصى اللّه » . وهُم: محمّد بن الحنفيّة، ومحمّد بن جعفر الطيّار، ومحمّد بن أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان(١).

____________________

(١) رجال الكشّي ١ / ٢٢٦، النّص منقول بالمعنى، وفيه: إنّ محمّد بن أبي حُذيفة كان من أنصار عليٍّعليه‌السلام وخيار الشيعة، وبعد شهادة عليعليه‌السلام حبسه معاوية دهراً؛ حيث لم يتبرّأ من المشايعة لعلي وولدهعليهم‌السلام ، وبعد أنْ أخرجه حمله على البراءة منه والموالاة لعثمان، فقال له: إنّي لا أعلم أحداً شرك في دم عثمان غيرك؛ حيث استعملك وخالف المسلمين في رأيهم عليه بعزلك حتّى جرى عليه ما كان، وإنّ طلحة والزُّبير وعائشة هم الذين ألّبوا عليه وشهدوا عليه بالجريمة، وإنّي أشهدُ أنّك منذ عُرفت في الجاهليّة والإسلام لعلى خُلقٍ واحد، ما زاد الإسلامُ فيك شيئاً؛ وعلامته أنّك تلومُني على حُبّي لعليٍّعليه‌السلام وقد خرج معه كُلُّ صوّامٍ قوّامٍ من المـُهاجرين والأنصار، كما خرج معك أبناءُ المـُنافقين والطُّلقاء.

واللّه يا معاوية، ما خفي عليك ما صنعتَ ولا خفي عليهم ما صنعوا، إذ أحلّوا أنفسَهُم سخطَ اللّهِ بطاعتك، وإنّي لا أزال اُحبُّ عليّاً للّه ورسوله، وأبغضُكَ في اللّه ورسوله أبداً ما بقيت. ثُمّ ردّه إلى السّجن فمات فيه. رجال الكشّي ١ / ٢٢٨، والنّص منقول بالمعنى.

١٠٢

وهذه شهادة من سيّد الأوصياءعليه‌السلام في حقِّ ولده الكريم محمّد، قد أخذت مأخذها من الفضيلة، وأحلّت محمّداً المحلّ الأرفع من الدِّين، وأقلّته سنام العزّ في مستوى الإيمان.

وإنّ شهادة أمير المؤمنينعليه‌السلام بأنّه ممّن يأبى أنْ يُعصى اللّه، تُعرّفنا عدم ادّعائه الإمامة لنفسه بعد الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ تسليمَه الإمامة للسجّادعليه‌السلام لا يختلف فيه اثنان، واستدعاؤه الإمامعليه‌السلام للمحاكمة عند الحجر الأسود من أكبر الشواهد على تفنّنه في تنبيه النّاس لمَن يجب عليهم الانقياد له. وعدم حضوره مشهد الطَّفِّ؛ إمّا لما يقوله العلاّمة الحلّي في أجوبة المسائل المهنائية من المرض، أو لما يروي محمّد بن أبي طالب في المقتل: من إذنِ الحسينعليه‌السلام له في البقاء بالمدينة يُعرّفه بما يحدث هناك، فهو معذورٌ مقبول.

ولبسالته المعلومة وموقفه من الحقّ؛ أنزله أبوهعليه‌السلام يوم (الجمل) منزلة يده، فكان يخوض الغمرات أمامه، ويمضي عند مُشتبك الحرب قِدماً، وكان يقول له عند أمره لمنازلة الأقران دون الإمامينعليهما‌السلام :« إنّهمَا عينايَ وأنت يدي، أفلا أدفعُ بيدي عنْ عينَيّ؟ » (١) .

وناهيك من بلاغته المزيجة بالشجاعة، خطبتُه يوم صفِّين، وقد برز بين الصفَّين فأومى إلى عسكر معاوية، وقال:

____________________

(١) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ / ٢٤٤: قيل لمُحمّد: لِمَ يُغرّر بك أبوك في الحرب، ولا يُغرّر بالحسن والحسينعليهما‌السلام ؟ فقال: إنّهما عيناه وأنا يمينُه، فهو يدفع عن عينيهِ بيمينه.

١٠٣

« يا أهلَ الشَّامِ، اخسؤوا يا ذُرِّيَّةَ النّفاقِ وحشوَ النّار وحَطَبَ جهنَّم... » (١) . إلى آخر كلامه المروي في تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي / ١٦٧، ومناقب الخوارزمي / ١٣٤(٢) . فكان لهذه الخطبة البليغة موقعٌ تامٌّ في ذلك الجيش اللّجب والجمع المتكاثف، ولم يبقَ في الفريقين إلاّ مَن اعترف بفضله.

____________________

(١) والنّص باختلاف ألفاظه موجودٌ في مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣٣٤، وعنه بحار الأنوار ٤٦ / ٣١٨.

(٢) المناقب للخوارزمي / ٢١٠.

١٠٤

الأطرف:

وأمّا عمر الأطرف، فكما شاركه في العقب، [ فقد ] وقع الخلاف من أهل النّسب في أيِّهما أسبق في الولادة؛ فالذي عليه ابن شهاب العكبري، وأبو الحسن الأشناني، وابنُ جداع، تقدُّم ولادة عمر، وعند شيخ الشرف العُبيدلي، والبغدادي، وأبي الغنائم العمري، تقدُّم ولادة العبّاسعليه‌السلام (١) . ولا يُمكننا الحكم بشيء بعد جهالة السّنة التي توفّي فيها، وذكرها على الإجمال في زمن عبد الملك أو ابنه الوليد لا يُغني، وإنْ عرفوا مقدار عمره بخمس وثمانين أو خمس وسبعين.

نعم، يظهر من المؤرّخين عند ذكر أولاد أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّ العبّاس أكبر منه؛ لأنّهم يُقدّمون ذكر العبّاس وإخوته على عمر، على أنّ الداودي في العمدة / ٣٥٤ يقول: كان عمر آخر مَن وُلِد من بني عليٍّعليه‌السلام .

وعلى كُلّ حالٍ، فالوجه في تسميته بالأطرف إنّما هو بعد ولادة عمر الأشرف ابن الإمام السجّادعليه‌السلام ، أخو زيد الشهيد لاُمّه؛ فإنّه سُمّي بالأشرف، لجمعه الفضيلة من ولادة علي وفاطمةعليهما‌السلام ، والأطرف حاز الفضل من طرف أبيه(٢) .

____________________

(١) عمدة الطالب / ٣٢٨.

(٢) عمدة الطالب / ٢٨١.

١٠٥

ولم يحضر مع الحسينعليه‌السلام في الطَّفِّ، ولا مع مصعب بن الزُّبير، وقد وَهم مَن ذكره في المـُستَشهَدين يوم الطَّفِّ، كما أخطأ الدينوري في الأخبار الطوال / ٢٩٧ في عدّه من جملة مَن قُتل مع مصعب في الحرب القائمة بينه وبين المختار.

وأغرب منه عدّ اليافعي له في مرآة الجنان ١ / ١٤٣ في جملة المقتولين مع المختار؛ لأنّ المشهور بين المؤرّخين بقاؤه إلى بعد الحسينعليه‌السلام حتّى نازع السجّادعليه‌السلام في الصّدقات إلى عبد الملك، فلم ينجح، كما نازع الحسن المثنى فيها عند الحجّاج فطرده عبد الملك عنها(١) .

ويروي السيّد ابن طاووس: أنّه أشار على الحسينعليه‌السلام بالبيعة ليزيد، فقال له:« إنّ أبي حدّثني عنْ رسول اللّه بقتله وقتلي، وإنّ تُربَتي إلى جنب تُربته. أتظنّ أنّك تعلمُ ما لمْ أعلمه؟ فواللّه، لا اُعطي الدَّنيَّةَ مِنْ نفسي » (٢) .

ولا أعلم السّبب في تأخّره عن الطَّفِّ، و( الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ) (٣). وليس لنا إلاّ التسليم ما لم يقم دليلٌ قطعي على المـُعاندة والمخالفة؛ خصوصاً بعدما جاء الحديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وفيه:« لا يخرجُ أحدُنا من الدُّنيا حتّى يقرَّ لكُلّ ذي فضلٍ فضلَه، ولو بفواقِ ناقة » (٤) .

فإنّه صريحٌ في توبة مَن كان ظاهرُه الخلاف لأهل البيتعليهم‌السلام عند الممات، ولا إشكال في أنّ التوبة مُكفّرة لما صدر من العصيان

____________________

(١) عمدة الطالب (عند ذكر الحسن المثنى) / ٩٠.

(٢) اللهوف في قتلى الطفوف / ٢٠، والنّص منقول بالمعنى.

(٣) سورة يونس / ٣٦.

(٤) هذان حديثان مُلفّقان منقولان بالمعنى، وهما في كمال الدِّين وتمام النّعمة للشيخ الصدوق / ٦٠٢، وقرب الإسناد للحميري / ٢٤.

١٠٦

كما في صريح الكتاب المجيد، وإجماع المسلمين، والأخبار المتواترة التي تُوجب القطع بمضمونه، فالتهجّم على آل النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله بمجرد تلك الأحاديث التي لا يُعرف مأخذها، خروج عن طريقة الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام .

وأمّا عبيدُ اللّه بن النّهشليّة فلم يحضر الطَّفَّ، وجاء إلى المختار يطلب الرفد فلم يصله، فالتحق بمصعب وجاء معه، فلمـّا وصل المذار من سواد البصرة، وُجِدَ في فسطاطه مذبوحاً، ولم يُعلم قاتلُه(١) .

والمـُشارك معه في يوم الطَّفِّ أبو بكر، واُمّه ليلى بنت مسعود النّهشليّة. قال ابن جرير وابن الأثير: شُكَّ في قتله(٢) . وفي نفس المهموم / ١٧٣: وُجِدَ في ساقيةٍ قتيلاً، لا يُعلم قاتلُه(٣) .

وكأنّه لمـّا حمل آل أبي طالب بعد قتل عبد اللّه بن مسلم بن عقيل حملةً واحدة، فصاح بهم الحسينعليه‌السلام :« صبراً على الموتِ يا بَني عُمومَتي؛ فواللّه، لا رأيتُمْ هواناً بعد هذا اليوم أبداً » (٤) . سقط فيهم عونٌ ابن الطيّار وأَخوه محمّد، وعبد الرحمن بن

____________________

(١) قال ابن إدريس الحلّي في السّرائر ١ / ٦٥٦: وقد ذهب أيضاً شيخُنا المفيد في كتاب الإرشاد إلى أنّ عبيدَ اللّه بن النّهشليّة قُتل بكربلاءَ مع أخيه الحسينعليه‌السلام . وهذا خطأٌ محضٌ بلا مِراء؛ لأنّ عبيدَ اللّه بن النّهشليّة كان في جيش مصعب بن الزُّبير، ومن جملة أصحابه، قتلهُ أصحابُ المختار.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٣٥١، الكامل في التاريخ ٤ / ٩٢.

(٣) مقاتل الطالبيين / ٥٧.

(٤) بحار الأنوار ٤٥ / ٣٦، والعبارة:« صبراً يا بَني عُمومتي، صبراً يا أهلَ بيتي، لا رأيتُمْ هواناً بعدَ هذا اليومِ أبداً » .

١٠٧

عقيل وأَخوه جعفر، ومحمّد بن مسلم بن عقيل، وأبو بكر هذا؛ فلذلك لم يُعرف قاتله.

ومحمّد الأوسط، واُمّه اُمّ ولد، قتله رجل من بني أبان بن دارم واحتزّ رأسه(١) .

وعبد اللّه المولود سنة ٣٦ هـ، وجعفر المولود سنة ٣٣ هـ، وعثمان المولود سنة ٤٠ هـ، فقتل هاني بن ثبيت الحضرمي عبد اللّه وجعفراً، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان، واحتزّ رأسه رجلٌ من بني أبان بن دارم(٢) ، وهؤلاء جَمعهم وإيّاه الاُمومة أيضاً.

والمشارك له في الاسم عباس الأصغر، نصّ عليه النّسّابة السيّد محمّد كاظم اليماني في النّفحة العنبريّة، قال: وكان شقيقاً لعمر الأطرف. وفي ناسخ التواريخ ذكر العبّاس الشهيد والعبّاس الأصغر، ويُؤيّده أنّ النّسّابة العُمَري في المـُجدي، وابن شهر آشوب في المناقب، والشبلنجي في نور الأبصار، والمـُحبّ الطبري في ذخائر العقبى، وصفوا الشهيد بالعبّاس الأكبر(٣) .

وهذا التعبير في عُرف النّسّابين يقع لِمَن يكون له أخٌ أصغرُ منه شاركه في الاسم، لا فيمَن هو أكبر إخوته مُطلقاً ولو لم يشاركه في الاسم، والظاهر أنّ العبّاس الأصغر درج في أيام أبيه؛ لأنّه ليس له ذكرٌ في الوارثين لأمير المؤمنينعليه‌السلام من ولده.

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٤ / ٩٢.

(٢) مقاتل الطالبيين / ٥٥.

(٣) أنساب الأشراف / ١٩٢، المـُجدي في أنساب الطالبيين / ٢٣٢، الجريرة في اُصول أنساب العلويين / ١٢.

١٠٨

أخواتُه:

كانت أخوات العبّاس من أبيه ثمان عشرة(١) ؛ فمنهنّ مَن تُوفّيت أيام أبيهنّ كزينب الصغرى، وجمانة، واُمامة، واُمّ سلمة، ورملة الصغرى(٢) ؛ ومنهنّ مَن لم يُذكر خروجهن إلى أزواج، والذين خرجن إلى أزواج؛ فالعقيلة زينب الكبرى كانت عند عبد اللّه بن جعفر الطيّار، فأولدت له جعفر الأكبر، وعباساً، وعليّاً المعروف بالزينبي، وعوناً الأكبر قُتل يوم الطَّفِّ في حملة آل أبي طالب؛ واُمّ كلثوم، وهي التي زوّجها الحسينعليه‌السلام من ابن عمّها القاسم بن محمّد الطيّار وأنحلها البغيبغات(٣) ؛ ورقيّة عند ابن عمّها الشهيد مسلم بن عقيل، ولدت له عبد اللّه وعليّاً ومحمّداً.

وفي العمدة: تزوّج مسلم اُمّ كلثوم بنت عليعليه‌السلام فولدت له حميدة(٤) ، تزوّجها الفقيه الجليل عبد اللّه بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، أولدها محمّداً، ومنه العقب.

____________________

(١) مطالب السّؤول في مناقب آل الرسول / ٣١٣.

(٢) مناقب السّروي ٢ / ٧٦.

(٣) المصدر نفسه ٢ / ١٧١.

(٤) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / ٣٢.

١٠٩

ولا يتمّ هذا إلاّ بعد وفاة إحداهنّ؛ إذ لا يجوز الجمع بين الاُختين.

وكانت فاطمة عند أبي سعيد بن عقيل، ولدت له حميدة؛ وخديجة كانت عند عبد الرحمن بن عقيل، ولدت له سعيد؛ واُمّ هاني تزوّجها عبد اللّه الأكبر بن عقيل، ولدت له عبد الرحمن ومحمّد؛ واُمّ الحسن خرجت إلى جعدة بن هبيرة المخزومي؛ واُمامة كانت عند الصَّلت بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المـُطّلب، ولدت له نفيسة(١) .

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٢ / ٩٣، المـُجدي في أنساب الطالبيين / ١٨، إعلام الورى بأعلام الهدى / ٣٩٨.

١١٠

العقيلة:

وكيف كان فالمـُهم في هذا العنوان النّظر في العقيلة الكبرى التي هي أعظمهنّ قدراً، وأجلّهنَّ شأناً؛ فإنّها شظيّةٌ من شظايا النّبوّة، وفلذة من أفلاذ الإمامة، وهي الجوهرة الفريدة التي ضمّها إليه صدف القداسة (الزهراء الطاهرةعليها‌السلام )، وأنجب بها سيّد الأوصياء.

بجِلالِ أحمدَ في مهابةِ حَيدرٍ

قَدْ أنجبتْ اُمُّ الأَئمَّةِ زَينبا

فكانت شريكة الإمامين سيّدي شباب أهل الجنّة في ذلك المـُرتكض الطاهر والحجر الزاكي، والصلب القادس واللبان السّائغ، والتربية الإلهيّة، أضف إلى ذلك العِلم المـُتدفّق والفقه النّاجع، وقد شهد لها ابن أخيها السجّادعليه‌السلام :« بأنّها عالمةٌ غيرُ مُعلَّمة، وفاهمةٌ غيرُ مُفهَّمة » (١) .

وحسبها من الخطر إنّ ما انحنت عليه الأضالع هو ذلك العلم المـُفاض عليها من ساحة القدس الإلهي؛ لا بإرشاد مُعلّمٍ أو تلقين مرشد، مع البلاغة في المنطق، والبراعة في الإفاضة، كأنّها تُفرغ عن لسان أبيها الوصيعليه‌السلام :

____________________

(١) الاحتجاج ٢ / ٣١، المـُجدي في أنساب الطالبيين / ٤٨، بحار الأنوار ٤٥ / ١٦٤.

١١١

وعَنِ الوصيِّ بلاغةٌ خُصّتْ بها

أعيَتْ برونَقِها البليغَ الأخطبَا

ما استَرسَلتْ إلاّ وتحسبُ أنّها

تستلُّ من غُرَرِ الخطابةِ مِقضَبَا

أو أنّها اليَزنيُّ في يدِ باسلٍ

أخْلا بهِ ظهراً وأوهَى مَنْكبَا

أو أنّها تَقتادُ منها فيلقاً

وتسوقُ مِنْ زُمَرِ الحقائقِ مَوكبَا

أو أنّ في غابِ الإمامةِ لبوةً

لزئيرِها عَنتِ الوجوهُ تهيُّبَا

أو أنّها البحرُ الخِضمُّ تلاطَمتْ

أمواجُهُ عِلماً حجى بأساً أبَا

أو أنّ مِنْ غَضَبِ الإلهِ صَواعقاً

لمْ تلفَ عنها آلُ حربٍ مَهربَا

أو أنّ حيدرةً على صَهَواتِها

يُفني كراديسَ الضَّلالِ ثُباً ثُبا

أو أنّهُ ضَمَّتهُ ذروةُ مِنبرٍ

فأنارَ نهجاً للشريعة ألحَبَا

أو أنّ في اللأوى عقيلةَ هاشمٍ

قد فرّقتْ شملَ العَمَى أيدي سَبَا(١)

____________________

(١) من قصيدة للعلاّمة ميرزا محمّد علي الأوردبادي طُبعت في كتاب (زينب الكبرى).

١١٢

ولم تكن هذه البراعة والاسترسال في القول إلاّ عمّا انطبع فيها من النفسيّات القويّة، والملكات الفاضلة، ممتزجة بثبات جأش وطمأنينة نفس وشجاعة؛ إنْ شئت فسمّها بالأديبة، وإلاّ فهي فوق ذلك.

وكانت تلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة، أو فقل بين النّاب والمخلب، غير متعتعة ولا متلعثمة، وتقذفها كالصواعق على مجتمع خصومها، فكانت أعمالها وخطبُها الجزء الأخير للعلّة من نهضة السّبط الشهيدعليه‌السلام ، وأصبحت تمام الفضيحة للاُمويّين بما نشرته بين الملأ من صحيفتهم السّوداء حتّى ضعضعت عرش دولتهم، وفكّكت عرى سلطانهم، وألصقت بهم العار من كُلّ النّواحي، فكانت شريكة الإمام الشهيدعليه‌السلام في هذه الفضيلة.

وتشاطَرَتْ هيَ والحُسينُ بدعوةٍ

حَتَمَ القضاءُ عليهما أنْ يُندَبَا

هذا بمُشتَبكِ النّصولِ وهذهِ

في حيثُ معتَرَكِ المكارِهِ في السِّبَا(١)

وهذه النّفسيّة التي حوتها، والثبات الذي انطوى عليه أضالعها، أوجب لأخيها الشهيدعليه‌السلام أنْ يصحبها في سفره إلى مشهد الطَّفِّ؛ علماً منه بلياقتها لتلقّي الأسرار كما هي، وأدائها في مورد الأداء كما يجب، وهذا هو الذي أهّلها لتحمّل شطر ممّا يحمله الإمامعليه‌السلام بعد حادثة الطَّفِّ؛ حفظاً للسجّادعليه‌السلام عن عادية الأعداء، فكان يُرجع إليها في معرفة الأحكام الشرعيّة وإنْ كان المرجع إليها زين العبادعليه‌السلام .

____________________

(١) ليلة عاشوراء في الحديث والأدب / ١٥٦.

١١٣

ففي الحديث عن أحمد بن إبراهيم قال: دخلتُ على حكيمة بنت الجواد(١) ، اُخت أبي الحسن الهاديعليه‌السلام ، فكلّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمّت لي مَن تأتمّ بهمعليهم‌السلام ، ثمّ قالت: وفلان بن الحسن بن علي، فسمّته.

فقلتُ لها: جعلني اللّه فداك! مُعاينة أو خبر؟ فقالت: خبراً عن أبي محمّدعليه‌السلام كتب به إلى اُمّه. فقلتُ لها: فأين المولود؟ فقالت: مستور. فقلتُ: إلى مَن تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدّة اُمّ أبي محمّدعليه‌السلام . فقلت لها: أقتدي بمَن وصيّته إلى امرأة؟! فقالت: اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ؛ إنّ الحسين بن عليعليهما‌السلام أوصى إلى اُخته زينب بنت علي بن أبي طالبعليهما‌السلام في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسينعليه‌السلام من علمٍ يُنسب إلى زينب بنت علي؛ تستّراً على علي بن الحسين (ع)(٢) .

ولليقين الثابت والبصيرة النّافذة لم تكترث بشيء من الأهوال، ولا راعها الهزاهز، منذ مشهد الطَّفِّ إلى حين وصولها المدينة، وكان بمنظر منها مصارع آلِ اللّه نجوم الأرض من آل عبد المـُطّلب، وبينهم سيّد شباب أهل الجنّةعليه‌السلام ، بحالة تنفطر لها السّماوات وتنشقُ الأرض وتخرّ الجبال هدّا،

____________________

(١) في المصدر: بنت محمّد بن علي الرضا.

(٢) كمال الدِّين وتمام النّعمة / ٥٠١، الغَيبة للشيخ الطوسي / ٢٣٠.

١١٤

وليس معها من حُماتها حميّ، ولا من رجالها وليّ غير الإمام المضني الذي أنهكته العلل، ونسوة في الأسر مكتنفة بها، بين شاكية وباكية، وطفل كظّه العطش، إلى اُخرى أقلقها الوجل؛ وأمامها الجيش الفاتح الجذل بسكرة الظفر وبشر الشماتة، ودِعة السّلام والفرح بالغنيمة، ومُخيَّم آل بيت اللّه طنّبت عليه الكوارث والمحن؛ فقد الحماة والخوف من الأعداء، والأوام المبرح ونحيب ونشيج، وصراخ وعولة.

والعقيلة في كُلّ هذه الأحوال هي المـُهدّئة لفورتهنَّ، والمـُسكّنة لروعتهنّ، فلم يُشاهَد منها عزم خائر ولا جأش مائر، ولا صرخة عالية ولا ذهول عن أمر الحرم؛ كيف! وهي بقيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ونائبة الحسينعليه‌السلام على تلكم الأحوال، والنّاهضة الكريمة إلى مغزى أخيها، والمتمّمة لقصده الراقي وأمره الرشيد.

نعم، أهمها من بين ذلك شيء رأته؛ نظرت إلى ابن أخيها السجّادعليه‌السلام يجود بنفسه حينما شاهد تلك الجثث الزواكي تصهرها الشمس، فعظم عليها أمر الإمامعليه‌السلام ، فأخذت تُصبّره وتُسلّيه، وهو الذي لا توازن بصبره الجبال.

وفيما قالت له: مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ فقالعليه‌السلام :« وكيف لا أجزعُ ولا أهلعُ وقد أرى سيّدي، وإخوتي وعمومتي، ووُلدَ عمِّي وأهلي مُصرَّعينَ بدمائهم، مُرمَّلينَ بالعراء، مُسلَّبين لا يُكفّنون ولا يوارَون، ولا يعرج عليهم ولا يقربُهُم بشرٌ، كأنَّهم أهلُ بيتٍ من الدَّيلم والخزر! » .

١١٥

فقالت: لا يجزعنَّك ما ترى، فواللّه، إنّ ذلك لعهدٌ من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ اللّه ميثاق اُناس من هذه الاُمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السّماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المـُتفرّقة، والجسوم المـُضرّجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطَّفِّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداءعليه‌السلام لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمّةُ الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً، وأمره إلاّ علوّاً(١) .

وهل بعد هذا يبقى مجال للشكّ في موقفها من الثبات، ومحلّها من الطمأنينة ومبوِّئها من العظمة؟! وإنّ حديث الرواة لمـّا وقفت على جسد أخيها، وقالت: اللهمّ، تقبّل منّا هذا القربان(٢) . يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة، وأنّها المأخوذ عليها الميثاق بتلك النّهضة المـُقدّسة كأخيها الحسينعليه‌السلام ، وإنْ كان التفاوت محفوظاً بينهم، حتّى إنّ أحدهما لمـّا أتمّ النّهوض بالعهد وخرج عن العدّة بإزهاق نفسه المـُطهّرة، نهض الآخر بما وجب عليه ومنه تقديم (الذبيح) إلى ساحة الجلال الرّبوبي والتعريف به، ثُمّ طفقت (سلام اللّه عليها ) ناهضة ببقيّة الشؤون التي وجبت عليها؛ ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر.

ثُمّ هلمّ معي لنقرأ موقفها أمام ابن مرجانة، وقد احتشد المجلس بوجوه الكوفة وأشرافها، وهي امرأة عزلاء ليس معها إلاّ

____________________

(١) بحار الأنوار ٢٨ / ٥٧ نقلاً عن كامل الزيارات.

(٢) شجرة طوبى / ٣٩٣، حياة الإمام الحسينعليه‌السلام للقرشي / ٣٠١.

١١٦

مريض يعاني ألم القيود، ونساء ولهى وصبية تئنُّ، فأفرغت عن لسان أبيهاعليه‌السلام بكلام أنفذَ من السّهم وأحدَّ من شبا السّيوف، وألقمت ابن مرجانة حجراً، إذ قالت له: هؤلاء قومٌ كتب اللّه عليهم القتل، وسيجمع اللّهُ بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم، فانظر لمَن الفلج يومئذٍ. هبلتك اُمّك يابن مرجانة(١) !

وأوضحت للملأ المتغافل خبثه ولؤمه، وأنّه لنْ يرحض عنه عارها وشنارها، كما أنّها أدهشت العقول وحيّرت الفكر في خطبتها بالنّاس، والنّاس يومئذ حيارى يبكون لا يدرون ما يصنعون: وأنّى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل النّبوّة ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وقد خاب السّعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وباؤوا بغضب من اللّه وخزي في الآخرة، ولَعذاب اللّه أكبر لو كانوا يعلمون؟!

كما أنّها أظهرت أمام ابن ميسون أسرار نهضة أخيها الحسينعليه‌السلام ، وعرّفت الاُمّة طغيان يزيد وضلال أبيه، وفظاعة أعمالهم وعظيم ما اقترفوه، وفيما قالت له: أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السّماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا على اللّه هواناً، وبك عليه كرامة(٢) ؟!

ولهذه الفصاحة الدقيقة جاء بها شهيد العزّ والإباء إلى العراق؛ لعلمه أنّ الغاية التي يُضحّي بنفسه لأجلها ستذهب أدراج السّلطة الغاشمة، وتبقى الحقيقة مستورة على السُّذّج لو لمْ يتعقّبها لسان ذرب، وأنّ كُلّ أحد لا يستطيع في ذلك الموقف الحرج الذي

____________________

(١) مثير الأحزان لابن نما الحلّي / ٧١.

(٢) بحار الأنوار ٤٥ / ١٣٣، مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ٤٧.

١١٧

تحفّه سيوف الظلم، أنْ يتكلّم بالحقيقة مهما بلغ من المنعة في عشيرته إلاّ العقيلة؛ فإنّها التي تعلن بموبقات ابن مرجانة وابن معاوية، وإنّ ما جرى على ابن عفيف الأزدي شاهد له.

كما أنّهعليه‌السلام كان على يقين وثقة بإخبار جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ القوم - وإنْ بلغوا الخسّة والغواية، وتناهوا في الخروج عن سبيل الحميّة - لا يمدّون إلى النّساء يد السّوء، وقد أنبأ سلام اللّه عليه عن هذا بقوله لهنّ ساعة الوداع:« البَسوا أزرَكم واستعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ اللّهَ حاميكُم وحافظكُم، وسينجيكم مِنْ شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويُعذّب أعاديكم بأنواع العذاب، ويُعوِّضكُمْ عن هذه البليّة بأنواع النِّعمِ والكرامةِ، فلا تشكُوا ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقصُ مِنْ قَدْرِكُمْ » (١) . فكان في مجيء الحسينعليه‌السلام بالعقيلة فوائدٌ، أهمها: تنزيه دين النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّا ألصقوه بساحته من الأباطيل، ولا قبح فيه عقلاً، كما لا يستهجنه العرف ويساعد عليه الشرع.

والمرأة وإنْ وضع اللّه عنها الجهاد ومكافحة الأعداء، وأمرها سبحانه أنْ تقرّ في بيتها؛ فذلك فيما إذا قام بتلك المكافحة ودافع عن قدس الشريعة غيرها من الرجال، وأمّا إذا توقّف إقامةُ الحقِّ ونصرة الدِّين عليها فقط، كان الواجب النّهوض بعبء ذلك كُلّه؛ كي لا تندرس آثار الحقِّ، وتذهب تضحية اُولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات؛ ولذلك نهضت سيّدة نساء العالمينعليها‌السلام للدفاع عن خلافة اللّه الكبرى حين اُخذ العهد على سيّد الأوصياءعليه‌السلام بالسّكوت.

____________________

(١) الدمعة السّاكبة ٤ / ٣٤٦.

١١٨

على أنّ الخضوع لناموس عصمة الإمامعليه‌السلام في جميع أقواله وأفعاله الصادرة عنه طيلة حياته، يُحتّم علينا الإذعان بأنّ ما صدر منه منبعث عن حكم إلهي قرأه في الصحيفة الخاصّة به، التي يُخبر الامام الصادقعليه‌السلام عنها:« إنّ لكُلّ واحد منّا صحيفةً يعمل بما فيها » (١) .

ويقول الإمام الباقرعليه‌السلام :« فبتقدّم علمٍ إليهم من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قام عليٌّ والحسنُ والحسينُ، وبعلمٍ صَمتَ مَن صمت منّا » (٢) . كما أنّهعليه‌السلام أعلَمَ بذلك جابر الأنصاري حين قال له: ألا تصالح كما صالح أخوك الحسنعليه‌السلام ؟ فقالعليه‌السلام :« إنّ أخي فعلَ بأمرٍ من اللّه ورسوله، وأنا أفعل بأمرٍ من اللّه ورسوله » (٣) .

فهذه الأحاديث تُفيدنا نموذجاً من الاهتداء إلى معرفة سير الإمامعليه‌السلام في جميع أفعاله، وأنّها ناشئة عن حِكَم ربانية لا يتطرّق إليها الشكّ والريب، وليس الواجب علينا إلاّ التصديق بكُلّ ما يصدر منه، من دون أنْ يلزمنا الشرع أو العقل بمعرفة المصالح الباعثة على تلك الأفعال الصادرة منه؛ سواء كانت الأفعال في العرف والعادة فظيعة جداً أم لا.

____________________

(١) الكافي ١ / ٢٨٣، ح٤.

(٢) الكافي ١ / ٢٦٢، ح٤.

(٣) الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي / ٣٢٢، مع اختلاف بعض الألفاظ.

١١٩

اُمّ البنين:

هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن(١) .

١ - اُمّها ثمامة(٢) بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.

٢ - واُمّها عمرة بنت الطفيل بن مالك الأخرم بن جعفر بن كلاب.

٣ - واُمّها كبشة بنت عروة الرحّال بن جعفر بن كلاب.

٤ - واُمّها اُمّ الخشف بنت أبي معاوية ( فارس الهرّار ) ابن عبادة بن عقيل بن كلاب.

٥ - واُمّها فاطمة بنت جعفر بن كلاب(٣) .

٦ - واُمّها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قَصي، وسمّاها في العمدة فاطمة(٤) .

٧ - واُمّها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خُزيمة.

____________________

(١) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / ٣٥٦، قاموس الرجال ١٢ / ١٩٥.

(٢) سمّاها الوافي بالوفيات ١٨ / ٣٤٤ ( ليلى ).

(٣) سمّاها في إكمال الإكمال ٧ / ١١١ ( خالدة ).

(٤) عمدة الطالب لابن عنبة / ٣٥٦.

١٢٠

٨ - واُمّها بنت جحدر بن ضبيعة الأغر بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نِزار.

٩ - واُمّها بنت ملك بن قيس بن ثعلبة.

١٠ - واُمّها بنت ذي الرأسين: وهو خشين بن أبي عصم بن سمح بن فزارة. وفي القاموس: خشين بن لاي(١) . وفي تاج العروس: لاي بن عصيم(٢) .

١١ - واُمّها بنت عمر بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان.

هذا ما ذكره أبو الفرج في المقاتل(٣) من جدّات اُمّ البنين والدة العبّاسعليه‌السلام ، ومنه عرفنا آباءها وأخوالها، ويُعرّفنا التاريخ أنّهم فرسان العرب في الجاهليّة، ولهم الذكريات المجيدة في المغازي بالفروسيّة والبسالة، مع الزعامة والسّؤدد حتّى أذعن لهم الملوك، وهم الذين عناهم عقيل بن أبي طالب بقوله: ليس في العرب أشجع من آبائها(٤) ولا أفرس.

وذلك مراد أمير المؤمنينعليه‌السلام من البناء على امرأة ولدتها الفحولة من العرب؛ فإنّ الآباء لا بدّ وأنْ تُعرف في البنين ذاتيّاتها وأوصافها، فإذا كان المولود ذكراً بانت فيه هذه الخصال الكريمة، وإنْ كانت اُنثى بانت في أولادها، وإلى هذا أشار صاحب الشريعة الحقّة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« الخالُ أحدُ الضَّجيعين؛ فتخيَّروا لِنُطفكُمْ » (٥) .

____________________

(١) القاموس المحيط ٢ / ٢١٨.

(٢) تاج العروس ٨ / ٢٩٨، ولا خلاف بينهما بعد المراجعة.

(٣) مقاتل الطالبيين / ٥٣.

(٤) عمدة الطالب لابن عنبة / ٣٥٧.

(٥) الكافي ٥ / ٣٣٢، ح٢، والحديث:« اختاروا لِنُطفكُمْ؛ فإنّ الخالَ أحدُ الضَّجيعين » .

١٢١

وقد ظهرت في أبي الفضلعليه‌السلام الشجاعتان؛ الهاشمية التي هي الأربى والأرقى، فمن ناحية أبيه سيّد الوصيّينعليه‌السلام ، والعامرية، فمِن ناحية اُمّه اُمّ البنين؛ فإنّ من قومها أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، جدّ ثمامة والدة اُمّ البنين، وهو الجدّ الثاني لاُمّ البنين.

قيل له: ملاعب الأسنّة؛ لفروسيته وشجاعته، لقّبه بذلك حسّان لما رآه يقاتل الفرسان وحده وقد أحاطوا به، قال: ما هذا إلاّ ملاعب الأسنّة. وقيل: إنّ أوس بن حجر قال فيه:

يلاعبُ أطرافَ الأسنَّةِ عامرُ

فَراحَ لَهُ حظُّ الكتائِبِ أجمعُ(١)

وهو الذي استعانه ابنُ أخيه عامر بن الطفيل على منافرة علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص، لمـّا تفاخرا على أنْ يسوق كُلّ منهما مئة ناقة تكون لمَن يحكم له، ووضع كُلّ منهما رهناً لمنِّ أبنائهم على يد رجل من بني الوحيد؛ فسُمّي الضمين إلى اليوم، وهو الكفيل. ولما استعانه عامر دفع إليه نعليه، وقال له: استعن بهما في منافرتك؛ فإنّي قد ربعتُ بهما أربعين مِرْابعاً(٢) .

والمِرْبَاع: ما يأخذه الرئيس من ربع الغنيمة دون أصحابه خالصاً لنفسه، وذلك عندما كانوا يغزون في الجاهليّة(٣) . وهذان النّعلان من مُختصات الرئيس التي يخرج بها في الأيام الخاصّة، وإلاّ فلا مَزيّة لهما حتّى يستعين بهما على المنافرة.

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢٦ / ١٠١.

(٢) الأعلام للزرگلي ٣ / ٣٥٥، الإصابة ٣ / ٤٨٥.

(٣) لسان العرب ٧ / ٤١٥، تاج العروس ١١ / ١١٢.

١٢٢

ومنهم عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو أخو عمرة الجدّة الاُولى لاُمّ البنين.

كان عامر أسود أهل زمانه، وأشهر فرسان العرب بأساً ونجدة، وأبعدها اسماً حتّى بلغ أنّ قيصر إذا قدم عليه قادم من العرب، قال: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فإنْ ذكر نسباً عظم عنده وأرفده، وإلاّ أعرض عنه.

[ ومن نافلة القول أنّه ] وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له، [ فـ ] قال له قيصر: أنت ابنُ عمّ عامر بن الطفيل؟ فغضب علقمة، ثُمّ إنّه دخل على ملك الروم، فقال له: انتسب. فانتسب له، [ فـ ] قال الملك: أنت ابن عمّ عامر بن الطفيل؟ فغضب وخرج عنه(١) .

ومنهم عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، والد كبشة الجدّة الثانية لاُمّ البنين. كان وفّاداً على الملوك وله قدر عندهم؛ ومن هنا سُمّي الرحّال، وهو الذي أجاز لطيمة النّعمان التي كان يبعث بها كُلَّ عام إلى سوق عكاظ، فقتله البراض بن قيس الكناني واستاق العير؛ وبسببه هاجت حرب الفجّار بين حي خندف وقيس(٢) .

ومنهم الطفيل فارس قرزل، وهو والد عمرة الجدّة الاُولى لاُمّ البنين. كان معروفاً بالشجاعة والفروسية، وهو أخو ملاعب الأسنّة وربيعة، وعبيدة ومعاوية بنو جعفر بن كلاب، يُقال لاُمّهم: اُمّ البنين. وإيّاها عَنى لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب لمـّا وفد بنو جعفر على النّعمان بن المنذر، وكان سميره الربيع بن زياد

____________________

(١) قسم من الكلام موجود في الإصابة ٤ / ٤٥٨، وخزانة الأدب ٣ / ٨٠. على أنّ الكلام الوارد بين المعقوفتين هو من أضافات(موقع معهد الإمامَين الحسنَين) .

(٢) الطبقات الكبرى ١ / ١٢٧، الأعلام للزركلي ٢ / ٤٧.

١٢٣

العبسي، فاتّهموه بالسّعي عليهم، فلمـّا غدوا على النّعمان كان معهم لبيد، وهو أصغرهم، فرأوا النّعمان يأكل مع الربيع، فقال لبيد:

يا واهبَ الخيرِ الجزيلِ مِنْ سَعَهْ

نَحنُ بَنو أُمِّ البَنينَ الأَربَعَهْ

ونحنُ خيرُ عامرِ بنِ صَعْصعهْ

المـُطعِمونَ الجَفنَةَ المـُدَعدَعَهْ

وَالضارِبونَ الهامَ تَحتَ الخَيضَعَهْ

إِلَيكَ جاوَزنا بِلاداً مُسبِعَهْ

يُخبِركَ عَن هَذا خَبيرٌ فَاِسمَعَهْ

ممَهلاً أَبَيتَ اللَعنَ لا تَأكُل مَعَهْ

إِنَّ اِستَهُ مِن بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ

وَإِنَّهُ يُولجُ فيها إِصبَعَهْ

يُولجُها حَتّى يُواري أَشجَعَهْ

كَأَنَّما يَطلُبُ شَيئاً ضَيَّعَهْ

فلم ينكر عليه النّعمان ولا أحد من العرب؛ لأنّ لهم شرفاً لا يُدافع؛ ولذلك طرد النّعمان الربيع عن مسامرته، وقال له:

شَرّدْ برحلِكَ عَنِّي حَيثُ شئتَ وَلا

تَكثر عَليَّ وَدَعْ عَنكَ الأَباطيلا

قدْ قيل ذلكَ إنْ حقَّاً وإنْ كذباً

فما اعتذارُكَ في شيءٍ إذا قيلا(١)

____________________

(١) معجم البلدان ١ / ٣٨٦، خزانة الأدب ٤ / ١٠.

١٢٤

الزواج:

تزوّج أمير المؤمنينعليه‌السلام من فاطمة ابنة حزام العامرية، إمّا بعد وفاة الصديقة سيّدة النّساءعليها‌السلام كما يراه بعضُ المؤرّخين(١) ، أو بعد أنْ تزوّج باُمامة بنت زينب بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما يراه البعضُ الآخر(٢) . وهذا بعد وفاة الزهراءعليها‌السلام ؛ لأنّ اللّه قد حرّم النّساء على عليٍّعليه‌السلام ما دامت فاطمةُعليها‌السلام موجودة(٣) .

فولدت أربعة بنين وأنجبت بهم: العبّاس وعبد اللّه، وجعفر وعثمان، وعاشت بعده مدّة طويلة ولم تتزوّج من غيره، كما أنّ اُمامة وأسماء بنت عُميس وليلى النّهشلية لم يخرجنَ إلى أحد بعده، وهذه الحرائر الأربع تُوفي عنهنّ سيّد الوصيين (ع)(٤) .

وقد خطب المغيرة بن نوفل اُمامة، ثُمّ خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت، وروت حديثاً عن عليعليه‌السلام : أنّ أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والوصيّعليه‌السلام لا يتزوّجنَ بعده؛ فلم يتزوّجنَ الحرائرُ واُمّهات الأولاد عملاً بالرواية(٥) .

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي / ١٢١، الدر النّظيم للعاملي / ٤١١.

(٢) السّيرة النّبويّة لابن كثير ٤ / ٥٨١، السّيرة الحلبيّة ٢ / ٤٥٢، الكنى والألقاب للقمي ١ / ١١٥.

(٣) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٣ / ١١٠، الأمالي للشيخ الطوسي / ٤٣، بشارة المصطفى للطبري / ٣٨١.

(٤) عمدة القارئ ٨ / ٤١، تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق / ٣٠٥.

(٥) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٩٠.

١٢٥

وكانت اُمّ البنين من النّساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، مُخلصة في ولائهم، مُمحّضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تُعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تزورها أيّام العيد.

وبلغ من عظمها ومعرفتها وتبصّرها بمقام أهل البيتعليهم‌السلام ، أنّها لمـّا اُدخلت على أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان الحسنانعليهما‌السلام مريضين، أخذت تُلاطف القول معهما، وتُلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تُحسن السّيرة معهما وتخضع لهما كالاُمّ الحنون.

ولا بِدعَ في ذلك؛ فإنّها ضجيعة شخص الإيمان، قد استضاءت بأنواره، وربت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدّبت بآدابه، وتخلّقت بأخلاقه.

١٢٦

الولادة:

لقد أشرق الكون بمولد قمر بني هاشم يوم بزوغ نوره من اُفق المجد العلوي، مُرتضعاً ثدي البسالة، مُتربّياً في حِجر الخلافة، وقد ضربت فيه الإمامةُ بعرقٍ نابضٍ، فترعرع ومزيجُ روحه الشهامة والإباء، والنّزوع عن الدَّنايا، وما شُوهد مُشتدّاً بشبيبته الغضة إلاّ وملء إهابه إيمانٌ ثابت، وحشوُ ردائه حلم راجح، ولبّ ناضج، وعلم ناجع.

فلم يزل يقتصّ أثر السّبط الشهيدعليه‌السلام الذي خُلق لأجله، وكُوّن لأنْ يكون ردءاً له في صفات الفضل ومخائل الرفعة، وملامح الشجاعة والسّؤدد والخطر. فإنْ خطى سلام اللّه عليه فإلى الشرف، وإنْ قال فعَن الهُدى والرشاد، وإنْ رمق فإلى الحقِّ، وإنْ مال فعَن الباطل، وإنْ ترفّع فعَن الضيم، وإنْ تهالك فدون الدِّين.

فكان أبو الفضل جامع الفضل والمثل الأعلى للعبقرية؛ لأنّه كان يستفيد بلجِّ هاتيك المآثر من شمسِ فَلَكِ الإمامة ( حسينُ العلمِ والبأسِ والصلاحِ )، فكان هو وأخوه الشهيدعليهما‌السلام من مصاديق قوله تعالى في التأويل:( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) (١) . فلم يسبقه بقولٍ استفاده منه، ولا بعملٍ أتبعه فيه، ولا بنفسيَّةٍ هي ظلّ نفسيَّته، ولا بمنقبة هي شعاع نوره الأقدس المـُنطبع في مرآة غرائزه الصقيلة.

____________________

(١) سورة الشمس / ١ - ٢.

١٢٧

وقد تابع إمامه في كُلّ أطواره حتّى في بروز هيكله القدسي إلى عالم الوجود، فكان مولد الإمام السّبطعليه‌السلام في ثالث شعبان، وظهور أبي الفضل العبّاس إلى عالم الشهود في الرابع منه(١) سنة ستٍّ وعشرين من الهجرة(٢) .

وممّا لا شكّ فيه أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمـّا اُحضر أمامه ولدُهُ المحبوبُ ليُقيم عليه مراسيم السُّنّة النّبويّة التي تُقام عند الولادة، ونظر إلى هذا الولد الجديد الذي كان يتحرّى البناء على اُمّه أنْ تكون من أشجع بيوتات العرب؛ ليكون ولدها ردءاً لأخيه السّبط الشهيد يوم تحيط به عصب الضلال، شاهد بواسع علم الإمامة ما يجري عليه من الفادح الجَلل، فكان بطبع الحال يُطبّق على كُلِّ عضو يُشاهده مصيبةً سوف تجري عليه، يُقلّب كفّيه اللذين سيُقطعان في نُصرة حُجّة وقته، فتهمل عيونُهُ،

____________________

(١) أنيس الشيعة للعلاّمة السيّد محمّد عبد الحسين ابن السيّد محمّد عبد الهادي المـُدارسي الهندي، قال شيخنا الحجّة في الذريعة إلى مصنّفات الشيعة ٢ / ٤٥: رأيت الكتاب في النّجف عند العالم السيّد آقا التستري من أحفاد السيّد نعمة اللّه الجزائري، والكتاب في وقائع الأيّام من موجبات السّرور والأحزان، من مواليد الأئمّةعليهم‌السلام ووفياتهم ومعاجزهم... رتّبه على الأشهر؛ بدأ بربيع الأوّل وختم في شهر صفر، وله مُقدّمة في نسب النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسنة جلوس الوصيِّعليه‌السلام ، وخاتمة في أحوال الحُجّة المـُنتظرعليه‌السلام .

وذكر العلاّمة ميرزا محمّد علي الاُوردبادي أنّه قرأ بخطّ المؤلِّف على ظهر الكتاب: إنّه أهداه إلى السّلطان فتح علي شاه يوم الجُمعة أوّل شعبان سنة ١٢٤٤ هـ. وللمؤلِّف كتب منها: زاد المؤمنين، وتذكرة الطريق، وعناية الرّب.

(٢) المـُجدي، والأنوار النّعمانيّة / ١٢٤، وحكاه في كتاب قمر بني هاشم / ٢٢ عن وقائع الأيّام للشيخ محمّد باقر البيرجندي.

١٢٨

ويُبصر صدرَه عيبةَ العلم واليقين، فيُشاهده منبتاً لسهام الأعداء، فتتصاعد زفرتُهُ، وينظر إلى رأسه المـُطهّر فلا يعزب عنه أنّه سوف يُقرع بعمد الحديد؛ فتثور عاطفتُهُ وترتفعُ عقيرتُه، كما لا يُبارح فاكرته حينما يراه يسقي أخاه الماء ما يكون غداً من تفانيه في سقاية كريمات النّبوّة، ويحمل إليهنّ الماء على عطشه المرمض، وينفض الماء حيث يذكر عطش أخيهعليه‌السلام ؛ تهالكاً في المواساة، ومبالغة في المفادات، وإخلاصاً في الاُخوّة، فيتنفس الصعداء، ويُكثر من قول:« مالي وليزيد! » (١) . وعلى هذا فقس كُلَّ كارثةٍ يُقدّر سوف تلمّ به وتجري عليه.

فكان هذا الولد العزيز على أبويه وحامّته، كُلّما سرّ أباه اعتدالُ خلقتِهِ، أو ملامح الخير فيه، أو سمة البسالة عليه، أو شارة السّعادة منه، ساءه ما يُشاهده هنالك من مصائب يتحمّلها، أو فادحٍ ينوء به؛ من جُرحٍ دامٍ، وعطشٍ مُجهدٍ، وبلاءٍ مُكرب. وهذه قضايا طبيعيّة تشتدّ عليها الحالة في مثل هاتيك الموارد، ممّن يحمل أقلّ شيء من الرّقّة على أقلّ إنسان، فكيف بأمير المؤمنينعليه‌السلام الذي هو أعطف النّاس على البشر عامّة من الأب الرؤوف، وأرقّ عليهم من الاُمّ الحنون!

إذاً فكيف به في مثل هذا الإنسان الكامل (أبي الفضل) الذي لا يقف أحدٌ على مدى فضله، كما ينحسر البيان عن تحديد مظلوميّته واضطهاده.

____________________

(١) مثير الأحزان لابن نما الحلّي / ١٢.

١٢٩

وذكر صاحب كتاب ( قمر بني هاشم ) ص٢١: إنّ اُمّ البنين رأت أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعض الأيّام أجلس أبا الفضلعليه‌السلام على فخذه، وشمّر عن ساعديه، وقبَّلهما وبكى، فأدهشها الحال؛ لأنّها لم تكنْ تعهد صبيّاً بتلك الشمائل العلويّة ينظر إليه أبوه ويبكي من دون سبب ظاهر، ولمـّا أوقفها أمير المؤمنينعليه‌السلام على غامض القضاء، وما يجري على يديه من القطع في نصرة الحسينعليه‌السلام ، بكت وأعولت، وشاركها مَن في الدار في الزفرة والحسرة، غير أنّ سيّد الأوصياءعليه‌السلام بشّرها بمكانة ولدها العزيز عند اللّه جلّ شأنه، وما حباه عن يديه بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل ذلك لجعفر بن أبي طالب، فقامت تحمل بشرى الأبد، والسّعادة الخالدة.

١٣٠

صفاته:

لقد كان من عطف المولى سبحانه وتعالى على وليّه المـُقدّس، سلالة الخلافة الكبرى، سيّد الأوصياءعليه‌السلام ، أنْ جمع فيه صفات الجلالة؛ من بأس وشجاعة، وإباء ونجدة، وخلال الجمال؛ من سُؤدد وكرم، ودماثة في الخلق وعطف على الضعيف، كُلّ ذلك من البهجة في المنظر، ووضاءة في المـُحيّا من ثغر باسم ووجه طلق، تتموّج عليه أمواه الحسن، ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أسرّة جبهته أنوارُ الإيمان، كما كانت تعبق من أعراقه فوائحُ المجد، متأرّجة من طيب العنصر.

ولمـّا تطابق فيه الجمالان الصوري والمعنوي، قيل له: ( قمر بني هاشم )(١) ؛ حيث كان يشوء بجماله كُلَّ جميل، وينذُّ بطلاوة منظره كُلّ أحد حتّى كأنّه الفذّ في عالم البهاء، والوحيد في دنياه، كالقمر الفائق بنوره أشعة النّجوم، وهذا هو حديث الرّواة: كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المـُطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يُقال له: قمر بني هاشم(٢) .

وقد وصفته الرواية المحكيّة في مقاتل الطالبيين، بإنّ ( بين عينيه أثرُ السّجود ). ونصّه:

____________________

(١) كان يُقال لعبد مناف: ( قمرُ البطحاء ). ولعبد اللّه والد النّبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( قمرُ الحَرَم ).

(٢) مقاتل الطالبيين / ٥٥.

١٣١

قال المدائني: حدّثني أبو غسّان هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: رأيتُ رجلاً من بني أبان بن دارم، أسود الوجه، وكنتُ أعرفه جميلاً شديدَ البياض، فقلت له: ما كدتُ أعرفك! قال: إنّي قتلتُ شابّاً أمردَ مع الحسين، بين عينيه أثرُ السّجود، فما نمتُ ليلةً - منذ قتلته - إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى في الحيِّ إلاّ سمع صياحي. قال: والمقتول هو العبّاس بن عليعليه‌السلام (١) .

وروى سبط ابن الجوزي عن هشام بن محمّد، عن القاسم بن الأصبغ المجاشعي، قال: لما اُتي بالرؤوس إلى الكوفة، وإذا بفارس أحسن النّاس وجهاً قد علّق في لبب فرسه رأسَ غلامٍ أمردٍ كأنّه القمرُ ليلة تمّه، والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحق الرأسُ بالأرض، فقلتُ: رأسُ مَن هذا؟ قال: رأس العبّاس بن علي. قلتُ: ومَن أنت؟ قال: حرملة بن الكاهل الأسدي(٢) .

قال: فلبثت أيّاماً وإذا بحرملة وجهه أشدّ سواداً من القار، فقلتُ: رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنظر وجهاً منك، وما أرى اليوم أقبح ولا أسود وجهاً منك؟! فبكى، وقال: واللّه، منذ حملت الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلةٌ إلاّ واثنان يأخذان بضبعي، ثُمّ ينتهيان بي إلى نارٍ تُؤجّج، فيدفعاني فيها وأنا أنكص، فتسفعني كما ترى، ثُمّ مات على أقبح حال(٣) .

____________________

(١) مقاتل الطالبيين / ٧٩. الأصبغ هنا ابن نباتة؛ لأنّ بني مجاشع بطنٌ من حنظلة من تميم كما في نهاية الإرب للقلقشندي / ٣٣٤، والأصبغ بن نباتة حنظليٌّ تميميٌّ كما نصّ عليه ابن حجر في تهذيب التهذيب ١ / ٣٦٢.

(٢) في تاريخ الطبري ٤ / ٣٥٩: حرملة بن الكاهن، وفي الفصول المـُهمّة لابن الصباغ / ٨٤٥: حرملة بن الكاهل. والأمر سهل.

(٣) تذكرة الخواصّ / ٢٩١.

١٣٢

ويمنع الإذعان بما في الروايتين من تعريف المقتول بأنّه العبّاس بن عليعليه‌السلام ، عدم الالتئام مع كونه شابّاً أمردَ؛ فإنّ للعباس يوم قتله أربعاً وثلاثين سنة، والعادة قاضية بعدم كون مثله أمردَ، ولم ينصّ التاريخ على كونه كقيس بن سعد بن عبادة لا طاقة شعر في وجهه.

وفي دار السّلام للعلاّمة النّوري ج١ ص١١٤، والكبريت الأحمر ج٣ ص٥٢ ما يشهد للاستبعاد، واصلاحه كما في كتاب ( قمر بني هاشم ) ص١٢٦، بأنّه رأس العبّاس الأصغر، بلا قرينة، مع الشكّ في حضوره الطَّفِّ وشهادته، وهذا كاصلاحه بتقدير المقتول: ( أخ العبّاس ) المنطبق على عثمان الذي له يوم قتله إحدى وعشرين سنة، أو محمّد بن العبّاس المـُستشهد على رواية ابن شهر آشوب؛ فإنّ كُلّ ذلك من الاجتهاد البحت.

ولعلّ النّظرة الصادقة فيما رواه الصدوق، مُنضمّاً إلى رواية ابن جرير الطبري، تُساعد على كون المقتول حبيب بن مظاهر.

قال الصدوق: وبهذا الإسناد عن عمرو بن سعيد، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: قدم علينا رجل من بني أبان بن دارم ممّن شهد قتل الحسينعليه‌السلام ، وكان رجلاً جميلاً شديد البياض، فقلتُ له: ما كدت أعرفك لتغيّر لونك! قال: قتلتُ رجلاً من أصحاب الحسين، يُبصَرُ بين عينيه أثرُ السّجود، وجئت برأسه.

فقال القاسم: لقد رأيتُهُ على فرس له مرح وقد علّق الرأس بلبانه، وهو يُصيبه بركبتيه، قال: فقلت لأبي: لو أنّه رفع الرأس قليلاً، أما ترى ما تصنع به الفرس بيديها؟! فقال: يا بُني، ما يُصنع به أشدّ؛ لقد حدّثني، قال: ما نمتُ ليلةً منذ قتلتُهُ إلاّ أتاني في منامي

١٣٣

حتّى يأخذ بكتفي فيقودني، ويقول: انطلق. فيُنطَلق بي إلى جهنم فيُقذَف بي، فأصيح.

قال: فسمعتُ جارةً له قالت: ما يدعنا ننام شيئاً من الليل من صياحه. قال: فقمتُ في شبابٍ من الحيِّ فأتينا امرأته فسألناها، فقالت: قد أبدى على نفسه، قد صدقكم(١) .

وقد اتّفقت هذه الروايات الثلاث في الحكاية عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة بما فُعل بالرأس الطاهر؛ وتُفيدنا رواية الصدوق أنّ المقتول رجلٌ لا شابٌّ، وأنّه من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، ولا إشكال فيه، وإذا وافقنا ابن جرير على أنّ الرأس المـُعلّق هو رأس حبيب بن مظاهر - في حين أنّ المؤرّخين لم يذكروا هذه الفعلة بغيره من الرؤوس الطّاهرة - أمكننا أنْ ننسب الاشتباه إلى الروايتين السّابقتين؛ خصوصاً بعد ملاحظة ذلك الاستبعاد بالنّسبة إلى العبّاس، وتوقّفُ التصحيح فيهما على الاجتهاد بلا قرينة واضحة.

قال ابن جرير في ج٦ ص٢٥٢ من التاريخ: وقاتل قتالاً شديد، فحمل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسّيف على رأسه فقتله، وكان يُقال له: بديل بن صريم من بني عقفان، وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحُصين بن تميم على رأسه بالسّيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتزّ رأسه، فقال له الحُصين: إنّي لشريكك في قتله. فقال الآخر: واللّه، ما قتله غيري. فقال الحُصين: أعطنيه أعقله في عُنق فرسي كيما يرى النّاس ويعلموا أنّي شركت في قتله، ثُمّ خذه أنت بعدُ فامضِ به إلى

____________________

(١) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق / ٢١٩.

١٣٤

عبيد اللّه بن زياد، فلا حاجة لي فيما تُعطاه على قتلك إيّاه. فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فرفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، قد علّقه في عُنق فرسه، ثُمّ دفعه بعد ذلك إليه، فلمـّا رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخرُ رأسَ حبيبٍ فعلّقه في لبان فرسه، ثُمّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب - وهو يومئذ قد راهق - فأقبل مع الفارس لا يُفارقه، كُلمـّا دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بُني تتبعني؟! قال: لا شيء. قال: بلى يا بُني أخبرني. قال له: إنّ هذا الرأس الذي معك رأسُ أبي، أفتُعطينيه حتّى أدفنه؟ قال: يا بُني، لا يرضى الأمير أنْ يُدفن، وأنا اُريد أنْ يُثيبني الأميرُ على قتله ثواباً حسن. قال له الغلام: لكنّ اللّه لا يُثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب. أما واللّه، لقد قتلته خيراً منك. وبكى.

فمكث الغلام، حتّى إذا أدرك لم تكنْ له همّةٌ إلاّ اتّباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرّة فيقتله بأبيه، فلمـّا كان زمان مصعب بن الزبير، وغزا مصعب ( باجمير ) دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرّته، فدخل عليه وهو قائل نصف النّهار، فضربه بسيفه حتّى برد(١) .

نعم، في رواية الصدوق أنّ القاسم يسأل أباه عمّا يفعله الفرس بالرأس، فيقول: قلتُ لأبي: لو أنّه رفع الرأس... إلى آخره.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤ / ٣٣٥.

١٣٥

وهو يدلّ على حياة الأصبغ ذلك اليوم، وعليه فلَم يعرف الوجه في تأخّره عن حضور المشهد الكريم، مع مقامه العالي في التشيّع، وإخلاصه في الموالاة لأمير المؤمنين وولده المعصومينعليهم‌السلام ! ومشاهدتُه هذا الفعل من الطاغي يدلّ على عدم حبسه عند ابن زياد كباقي الشيعة الخُلّص، ولا مخرج عنه إلاّ بالوفاة قبل تلك الفاجعة العظمى، كما هو الظاهر ممّا ذكره أصحابنا عند ترجمته؛ من الثناء عليه، والمبالغة في مدحه، وعدم الغمز فيه.

فتلك الجملة: ( قلت لأبي ). لا يُعرف من أين جاءت، ولا غرابة في زيادتها بعد طعن أهل السُّنّة فيه كما في اللآلئ المصنوعة ج١ ص٢١٣؛ فإنّه بعد أنْ ذكر حديث الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري، أنّهم اُمروا بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين مع عليعليه‌السلام ، قال: لا يصحّ الحديث؛ لأنّ الأصبغ متروك، لا يساوي فلساً(١) .

وفيه ص١٩٥، ذكر عن ابن عباس حديثَ الرُّكبان يوم القيامة؛ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصالح، وحمزة وعليعليهم‌السلام ، قال: رجال الحديث بين مجهول، وبين معروفٍ بعدم الثّقة(٢) .

____________________

(١) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ١ / ٣٧٤، ونصّ العبارة: لا يصحُّ، وأصبغ متروكٌ لا يساوي فلساً.

(٢) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ٤ / ٣٤٤، ونصّ العبارة: رجاله فيهم غير واحد مجهول، وآخرون معروفون بغير الثّقة.

١٣٦

ولقد طعنوا في أمثاله من خواصّ الشيعة بكُلّ ما يتسنّى لهم، وما ذُكر في تراجمهم يشهد لهذه الدعوى، ولا يتحمّل هذا المختصر التبسّط في ذكره، ومراجعة ما كتبه السيّد العلاّمة محمّد بن أبي عقيل في ( العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ) ص٤٠، في الباب الثاني فيه كفاية؛ فإنّه ذكر جملةً من أتباع أهل البيتعليهم‌السلام طعنوا فيهم بلا سبب، إلاّ لموالاة أمير المؤمنين وولدهعليهم‌السلام .

١٣٧

كُنيتُه:

اشتهر أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بكُنى وألقاب، وُصف ببعضها في يوم الطَّفِّ، والبعض الآخر كان ثابتاً له من قبل؛ فمِن كناه: أبو قَربة(١) ؛ لحمله الماء في مشهد الطَّفِّ غير مرّة، وقد سُدّت الشرائع ومُنع الورود على ابن المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وعياله، وتناصرت على ذلك أجلاف الكوفة، وأخذوا الاحتياط اللازم، ولكن أبا الفضلِ لم يرعهُ جمعُهم المـُتكاثف، ولا أوقفه عن الإقدام تلك الرِّماح المـُشرَعة، ولا السّيوف المـُجرَّدة، فجاء بالماء وسقى عيال أخيه وصحبه.

ولم ينصّ المؤرّخون وأهلُ النّسب على كُنيته بأبي القاسم؛ إذ لم يذكر أحدٌ أنّ له ولداً اسمه القاسم، نعم خاطبه جابر الأنصاري في زيارة الأربعين بها، قال: السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا عباس بن علي(٢) . وبما أنّ هذا الصحابي الكبير المـُتربّي في بيت النّبوّة والإمامة خبيرٌ بالسّبب الموجب لهذا الخطاب، فهو أدرى بما يقول.

____________________

(١) تهذيب الكمال للمزي ٢٠ / ٤٧٩، شرح إحقاق الحقّ ٣٢ / ٦٧٩.

(٢) بحار الأنوار ٩٨ / ٣٣٠.

١٣٨

وقد اشتهر بكُنيتهِ الثالثة ( أبي الفضل )؛ من جهة أنّ له ولداً اسمه الفضل(١) ، وكان حريّاً بها؛ فإنّ فضله لا يخفى، ونورَه لا يطفى.

ومن فضائله الجسام نعرف أنّه ممّن حُبس الفضل عليه ووقف لديه؛ فهو رضيع لبانه، وركنٌ من أركانه، وإليه يُشير شارح ميمية أبي فراس:

بذلتَ أيا عباسُ نفساً نفيسةً

لنصرِ حُسينٍ عزَّ بالنّصر مِنْ مثلِ

أبيْتَ الْتِذاذَ المَاءِ قَبلَ الْتِذاذِهِ

فَحُسنُ فِعالِ المرْءِ فرعٌ عَنِ الأصلِ

فأنتَ أخُو السّبطينِ في يومِ مَفْخرٍ

وفي يومِ بذلِ الماءِ أنْتَ أبو الفضْلِ(٢)

____________________

(١) الجريدة في اُصول أنساب العلويّين / ٣١٨.

(٢) أعيان الشيعة ٩ / ٢٥٩.

١٣٩

اللَّقَب:

اشتُهر بين العامّة والخاصّة بأنّه سلام اللّه عليه باب الحوائج؛ لكثرة ما صدر منه من الكرامات وقضاء الحاجات، ومن هنا قيل فيه(١) :

للشَّوسِ عبّاسٌ يُريهمْ وَجهَهُ

والوفدُ يَنظِرُ باسِماً مُحتاجَها

بابُ الحوائجِ مَا دَعتْهُ مروعةٌ

في حاجةٍ إلاّ ويقضِي حَاجَها

بأبِي أبي الفضْلِ الذِي مِنْ فَضلِهِ الْ

سامِي تَعلَّمتِ الوَرَى مِنهاجَها

وقيل له: ( قمر بني هاشم )(٢) ؛ لوضاءته وجمال هيئته، وأنّ أسرّة وجهه تبرق كالبدر المنير، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء.

وأمّا ( الشهيد )، فلم ينصّ عليه أحدٌ إلاّ أنّه الظاهر من عبارات أهل النّسب؛ ففي المـُجدي لأبي الحسن العُمري، قال - بعد ذكر أولاده -: هذا آخر نسب بني العبّاس الشهيد السّقا، ابن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام (٣) .

____________________

(١) من قصيدة لسيّد الذاكرين السيّد صالح الحلّيرحمه‌الله .

(٢) مقاتل الطالبيين / ٥٦، مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢٥٦، بحار الأنوار ٤٥ / ٣٩.

(٣) المـُجدي في أنساب الطالبيين / ٢٤٣.

١٤٠

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394