ثم اهتديت

ثم اهتديت20%

ثم اهتديت مؤلف:
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
تصنيف: مناظرات وردود
ISBN: 8-21-8629-964
الصفحات: 189

ثم اهتديت
  • البداية
  • السابق
  • 189 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 66142 / تحميل: 7552
الحجم الحجم الحجم
ثم اهتديت

ثم اهتديت

مؤلف:
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
ISBN: ٨-٢١-٨٦٢٩-٩٦٤
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

ذكرها ـ ما يردده هو في موارد أخرى قائلا : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية(١) ...

مما يشعرنا بأن عمر نفسه كان يدرك بعد الموقف الذي وقفه ذلك اليوم إنها قصة عجيبة وغريبة ولكنها حقيقية ..

٢ ـ الصحابة ورزية يوم الخميس :

ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله قبل وفاته بثلاثة أيام ، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتابا يعصمهم من الضلالة ، ولكن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر ، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئا ، وإليك شيئا من التفصيل :

قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه ، فقال : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فقال عمر إن النبي قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ، قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قوموا عني ، فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم(٢) ولغطهم. هذه الحادثة صحيحة لا شك فيها ، فقد نقلها علماء الشيعة ومحدثوهم في كتبهم ، كما نقلها علماء السنة ومحدثوهم ومؤرخوهم ، وهي ملزمة لي على ما ألزمت به نفسي ومن هنا أقف حائرا في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطاب من أمر رسول الله ، وأي أمر هو؟ أمر « عاصم من الضلالة لهذه الامة ، ولا شك أن هذا الكتاب كان فيه شيء جديد للمسلمين سوف يقطع عليهم كل شك ».

__________________

( ١ ) السيرة الحلبية باب صلح الحديبية ج ٢ ـ ص ٧٠٦.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٣ باب قول المريض : قوموا عني.

صحيح مسلم ج ٥ ص ٧٥ في آخر كتاب الوصية.

مسند الامام أحمد ج ١ ص ٣٥٥ وج ٥ ص ١١٦.

تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٣ ـ تاريخ ابن الاثير ج ٢ ـ ص ٣٢٠.

٨١

ولنترك قول الشيعة : « بأن رسول أراد أن يكتب إسم علي خليفة له ، وتفطن عمر لذلك فمنعه ». فلعلهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئيا ، ولكن هل نجد تفسيرا معقولا لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتى طردهم وجعلت ابن عباس يبكي حتى يبل دمعه الحصى ويسميها أكبر رزية ؛ أهل السنة يقولون بأن عمر أحس بشدة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحه ، وهذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلا عن العلماء ، وقد حاولت مرارا وتكرارا التماس بعض الاعذار لعمر ولكن واقع الحادثة يأبى علي ذلك ، وحتى لو أبدلت كلمة يهجر « والعياذ بالله » بلفظة « غلبه الوجع » فسوف لن نجد مبررا لقول عمر : « عندكم القرآن » « وحسبنا كتاب الله » ، أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول الله الذي أنزل عليه ، أم أن رسول الله لا يعي ما يقول « حاشاه » أم أنه أراد بأمره ذلك أن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة « أستغفر الله ».

ثم لو كان تعليل أهل السنة صحيحا ، فلم يكن ذلك ليخفى على الرسول ولا يجهل حسن نية عمر ، ولشكره رسول الله على ذلك وقربه بدلا من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني.

وهل لي أن أتسأل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوية ، ولم يقولوا بأنه يهجر؟ ألانهم نجحوا بمخططهم في منع الرسول من الكتابة ، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم ، والدليل أنهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته (ص) ، وانقسموا إلى حزبين منهم من يقول : قربوا إلى رسول الله يكتب لكم ذلك الكتاب ومنهم من يقول ما قال عمر أي إنه « يهجر ».

والامر لم يعد بتلك البساطة يتعلق بشخص عمر وحده ولو كان كذلك لاسكته رسول الله وأقنعه بأنه لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الامة وعدم ضلالتها ولكن الامر استفحل واستشرى ووجد له أنصارا كأنهم متفقون مسبقا ، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) (١) .

__________________

( ١ ) سورة الحجرات : آية ٢.

٨٢

وفي هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الاصوات والجهر بالقول إلى رميهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجر والهذيان « والعياذ بالله » ثم أكثروا اللغط والاختلاف وصارت معركة كلامية بحضرته. وأكاد أعتقد بأن الاكثرية الساحقة كانت على قول عمر ولذلك رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدم الجدوى في كتابة الكتاب لانه علم بأنهم لم يحترموه ولم يمتثلوا لامر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته ، وإذا كانوا لامر الله عاصين فلن يكونوا لامر رسوله طائعين.

واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لانه طعن فيه في حياته ، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته ، وسيقول الطاعنون : بأنه هجر من القول ولربما سيشككون في بعض الاحكام التي عقدها رسول الله في مرض موته. إذ أن اعتقادهم بهجره ثابت.

أستغفر الله ، وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الاكرم ، وكيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحر بأن عمر بن الخطاب كان عفويا في حين أن أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل حتى بل دمعهم الحصى وسموها رزية المسلمين.

ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كل التعليلات التي قدمت لتبرير ذلك ، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذبها لاستريح من مأساتها ، ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها ولم تحسن تبريرها.

وأكاد أميل إلى رأي الشيعة في تفسير هذا الحدث لانه تعليل منطقي وله قرائن عديدة. وإني لا زلت أذكر إجابة السيد محمد باقر الصدر عندما سألته : كيف فهم سيدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول كتابته وهو استخلاف علي ـ على حد زعمكم ـ ، فهذا ذكاء منه.

قال السيد الصدر : لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول ، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ، لانه سبق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن قال مثل هذا إذ قال لهم إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وفي مرضه قال لهم : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله يريد أن يؤكد ما ذكره في غدير خم كتابيا ، وهو التمسك بكتاب الله وعترته ، وسيد العترة هو علي ، فكأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعلي ، وقد

٨٣

قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكرالمحدثون.

وكان أغلبية قريش لا يرضون بعلي لانه أصغر القوم ولانه حطم كبرياءهم وهشم أنوفهم وقتل أبطالهم ، ولكنهم لا يجرؤون على رسول الله مثل عمر فقد كان جريئا على النحو الذي حصل في صلح الحديبية وفي المعارضة الشديدة للنبي عندما صلى على عبدالله بن اُبي ، المنافق ، وفي عدة مواقف أخرى سجلها التاريخ ، وهذا الموقف منها ، وأنت ترى أن المعارضة لكتابة الكتاب في مرض النبي شجعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة ومن ثم الاكثار من اللغط في حضرة الرسول (ص).

إن هذه المقولة : جاءت ردا مطابقا تماما لمقصود الحديث ، فمقولة : عندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسك بكتاب الله وبالعترة معا ، فكأن المقصود هو : حسبنا كتاب الله فهو يكفينا ، ولا حاجة لنا بالعترة.

وليس هناك تفسير معقول غير هذا ، « بالنسبة إلى هذه الحادثة » اللهم إلا إذا كان المراد هو القول بإطاعة الله دون إطاعة رسوله ، وهذا أيضا باطل وغير معقول ».

وأنا إذا طرحت التعصب الاعمى والعاطفة الجامحة وحكمت العقل السليم والفكر الحر لملت إلى هذا التحليل وذلك أهون من اتهام عمر بأنه أول من رفض السنة النبوية بقوله : « حسبنا كتاب الله ».

وإذا كان بعض الحكام قد رفض السنة النبوية بدعوى أنها متناقضة ، فإنه اتبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين ، مع إني لا أحمل عمر وحده مؤولية هذه الحادثة وحرمان الأمة من الهداية ، وحتى أكون منصفا في حقّه أحمّلها هو ومن معه من الصحابة الذين قالول مثل مقالته وعضّدوا بذلك موقفه معارضة لأمر رسول الله.

وإني لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمر بها وكأن شيئا لم يكن ، مع أنها من أكبر الرزايا كما سماها ابن عباس ، وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي وتصحيح خطئه ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول الله وعلى حساب الاسلام ومبادئه.

ولماذا نهرب من الحقيقة ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا ، لماذا لا

٨٤

نعترف بأن الصحابة بشر مثلنا ، لهم أهواء وميول ويخطئون ويصيبون.

ولا يزول عجبي إلا عندما أقرأ كتاب الله وهو يروي لنا قصص الانبياء عليهم الصلاة والسلام ، وما لاقوه من شعوبهم في المعاندة رغم ما يشاهدونه من معجزات( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) .

لقد ضرت أدرك خلفية موقف الشيعة من الخليفة الثاني الذي يحملونهم مسؤولية الكثير من المآسي التي وقعت في حياة المسلمين منذ رزية يوم الخميس التي حرمت الامة من كتاب الهداية الذي أراد الرسول ( ص ) أن يكتبه لهم. والاعتراف الذي لا مناص منه هو أنّ العاقل الذي عرف الحقّ قبل معرفة الرّجال يلتمس لهم في ذلك عذرا أما الذين لا يعرفون الحقّ الاّ بالرّجال فلا حديث لنا معهم.

٣ ـ الصحابة في سرية أسامة :

مجمل هذه القصة : أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، جهز جيشا لغزو الروم قبل وفاته بيومين ، وأمر على هذه السرية أسامة بن زيد بن حارثة وعمره ثمانية عشر عاما ، وقد عبأصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه السرية وجوه المهاجرين والانصار كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين فطعن قوم منهم في تأمير أسامة ، وقالوا : كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه ، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد ، حتى غضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضبا شديدا مما سمع من طعنهم وانتقادهم ، فخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصب الرأس محموما ، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض بأبي هو وأمي ، من شدة ما به من لغوب ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

« أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله ، وأيم الله إنه كان خليقا بالامارة ، وإن ابنه من بعده لخليق بها »(١) .

__________________

( ١ ) طبقات ابن سعد ج ٢ ـ ص ١٩٠ ـ تاريخ ابن الاثير ج ٢ ـ ص ٣١٧.

السيرة الحلبية ج ٣ ـ ص ٢٠٧ ـ تاريخ الطبري ج ٣ ـ ص ٢٢٦.

٨٥

ثم جعلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحضهم على التعجيل وجعل يقول : جهزوا جيش أسامة ، أنفذوا جيش أسامة أرسلوا بعث أسامة ، يكرر ذلك على مسامعهم وهم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون.

إن مثل ذلك يدفعني إلى أن أتسأل : ما هذه الجرأة على الله ورسوله؟! ، وما هذا العقوق في حق الرسول الاكرم الذي هو حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم؟ لم أكن أتصور كما لا يمكن لاحد أن يتصور تفسيرا مقبولا لهذا العصيان ، وهذه الجرأة.

وكالعادة ، عند قراءة مثل هذه الاحداث التي تمس كرامة الصحابة من قريب أو بعيد أحاول تكذيب مثل هذه القضايا وتجاهلها ، ولكن لا يمكن تكذيب وتجاهل ما أجمع عليه المؤرخون والمحدثون من علماء السنة والشيعة.

وقد عاهدت ربي أن أكون منصفا ، فلا أتعصب لمذهبي ولا أقيم وزنا لغير الحق ، والحق هنا مر كما يقال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « قل الحق ولو كان على نفسك وقل الحق ولو كان مرا » والحق في هذه القضية : هو أن هؤلاء الصحابة الذين طعنوا في تأمير أسامة قد خالفوا أمر ربهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشك ولا تقبل التأويل ، وليس لهم عذر في ذلك ، إلا ما يلتمسه البعض من أعذار باردة حفاظا على كرامة الصحابة و « السلف الصالح » والعاقل الحر لا يقبل بحال من الاحوال هذه التمحلات. اللهمّ إلا إذا كان من الذين لا يفقهون حديثا ، ولا يعقلون ، أو من الذين أعمت العصبية أعينهم فلم يعودوا يفرقون بين الفرض الواجب طاعته والنهي الواجب تركه ، ولقد فكرت مليا عساني أجد عذرا لهؤلاء مقبولا ، فلم يسعفني تفكيري بطائل ، وقرأت اعتذار أهل السنة على هؤلاء بأنهم كانوا مشايخ قريش وكبراءها ، ولهم الاسبقية في الاسلام بينما أسامة كان حدثا ولم يشارك في المعارك المصيرية لعزة الاسلام ، كمعركة بدر وأحد وحنين ، ولم تكن له سابقة بل كان صغير السن عندما ولاه رسول الله إمارة السرية ، وطبيعة النفوس البشرية تأبى بجبلتها إذا كانت بين كهول وشيوخ أن تنقاد إلى الاحداث وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبان ولذلك طعنوا في تأميره وأرادوا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستبدله بأحد من وجوه الصحابة وكبرائهم.

إنه اعتذار لا يستند إلى دليل عقلي ولا شرعي ولا يمكن لاي مسلم قرأ القرآن

٨٦

وعرف أحكامه إلا أن يرفض مثل هذا ، لان الله عزوجل يقول :

( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (١) ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (٢) .

فأي عذر بعد هذه النصوص الصريحة يقبله العاقلون وماذا عساني أن أقول في قوم أغضبوا رسول الله وهم يعلمون أن غضب الله في غضبه ، وذلك بعد أن رموه بالهجر وقالوا بحضرته ما قالوا وأكثروا اللغط والاختلاف وهو مريض ، بأبي هو وأمي ، حتى أخرجهم من حجرته ، أو لم يكفهم كل هذا ، وبدلا من أن يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله ويستغفروه مما فعلوا ويطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم كما علمهم القرآن ، عوضا عن ذلك فقد زادوا في الطين بلة كما يقول المثل الشعبي عندنا ، فطعنوا في تأميره أسامة بعد يومين من رميه بالهجر والجرح لما يندمل ، حتى أجبروه أن يخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتلك الحالة التي وصفها المؤرخون ، لا يقدر على المشي من شدة المرض وهو يتهادى بين رجلين ، ثم يقسم بالله بأن أسامة خليق بالامارة ، ويزيدنا الرسول بأنهم هم أنفسهم الذين طعنوا في تأميره زيد بن حارثة من قبل ليعلمنا أن هؤلاء لهم معه مواقف سابقة متعددة وسوابق شاهدة على أنهم لم يكونوا من الذين لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى ويسلمون تسليما. بل كانوا من الذين جعلوا لانفسهم حق النقد والمعارضة حتى ولو خالفوا بذلك أحكام الله ورسوله.

ومما يدلنا على المعارضة الصريحة ، أنهم رغم ما شاهدوه من غضب رسول الله ومن عقد اللواء له بيده الشريفة والامر لهم بالاسراع والتعجيل ، تثاقلوا وتباطأوا ، ولم يذهبوا حتى توفي بأبي هو وأمي وفي قلبه حسرة على أمته المنكوبة التي سوف تنقلب على أعقابها وتهوى في النار ولا ينجو منها إلا القليل الذي شبهه رسول الله بهمل النعم.

__________________

( ١ ) سورة الحشر : آية ٧.

( ٢ ) سورة الاحزاب : آية ٣٦.

٨٧

وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره فقال له أبو بكر : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله(١) .

فأين هو عمر من هذه الحقيقة التي أدركها أبو بكر ، أم أن في الامر سراً آخر خفي عن المؤرخين ، أم أنهم هم الذين أسروه حفاظاً على كرامته كما هي عادتهم وكما أبدلوا عبارة « يهجر » بلفظ « غلبه الوجع ».

عجبي من هؤلاء الصحابة الذين أغضبوه يوم الخميس واتهموه بالهجر والهذيان وقالوا حسبنا كتاب الله ، وكتاب الله يقول لهم في محكم آياته :

( قل إن كنتم تحبون الله ، فاتبعوني يحببكم الله ) (٢) . وكأنهم هم أعلم بكتاب الله وأحكامه من الذي أنزل عليه وها هم بعد يومين فقط من تلك الرزية المؤلمة وقبل يومين فقط من لحوقه بالرفيق الاعلى يغضبونه أكثر فيطعنون في تأميره ولا يطيعون أمره ، وإذا كان في الرزية الاولى مريضا طريح الفراش ، فقد اضطر في الثانية أن يخرج معصب الرأس مدثراً بقطيفة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض وخطب فيهم خطبة كاملة من فوق المنبر بدأها بتوحيد الله والثناء عليه ليشعرهم بذلك بأنه بعيد عن الهجر ثم أعلمهم بما عرفه من طعنهم ، ثم ذكرهم بقضية أخرى طعنوا فيها من قبل أربع سنوات خلت ، أفهل يعتقدون بعد ذلك بأنه يهجر أو أنه غلبه الوجع لدرجة أنه لم يعد يعي ما يقول؟

سبحانك اللهم وبحمدك كيف يجرؤ هؤلاء على رسولك فلا يرضون بالعقد الذي أبرمه ، ويعارضونه بشدة حتى يأمرهم بالنحر والحلق ثلاث مرات فلا يستجيب منهم أحد ، ومرة أخرى يجذبونه من قميصه ويمنعونه من الصلاة على عبدالله بن اُبي ويقولون له : إن الله قد نهاك أن تصلي على المنافقين! وكأنهم يعلمونه ما نزل إليه في حين أنك قلت في

____________

( ١ ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ـ ص ١٩٠ ـ تاريخ الطبري ج ٣ ـ ص ٢٢٦.

( ٢ ) سورة آل عمران : آية ٣١.

٨٨

قرآنك :( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (١) . وقلت أيضا :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) (٢) . وقلت وقولك الحق :( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) (٣) .

فعجبا لهؤلاء القوم! فمرة لا يمتثلون لامره ومرة يتهمونه بالهجر ويكثرون اللغط بحضرته في غير احترام ولا أدب ، وأخرى يطعنون في تأميره زيد بن حارثة ومن بعده في تأمير ابنه أسامة بن زيد فكيف يبقى بعد كل هذا شك عند الباحثين من أن الشيعة على حق عندما يحيطون مواقف بعض الصحابة بعلامات الاستفهام ويمتعضون منها احتراما وحبا ومودة لصاحب الرسالة وأهل بيته.

على أني لم أذكر من المخالفات غير أربع أو خمس وذلك للاختصار ولتكون أمثلة فقط ، ولكن علماء الشيعة قد أحصوا مئات الموارد التي خالف فيها الصحابة النصوص الصريحة ولم يستدلوا إلا بما أخرجه علماء السنة في صحاحهم ومسانيدهم.

وإني عندما أستعرض بعض المواقف التي وقفها بعض الصحابة من رسول الله أبقى حائرا مدهوشا ، لا من تصرفات هؤلاء الصحابة فحسب ولكن من موقف علماء السنة والجماعة الذين يصورون لنا الصحابة دوما على حق لا يمكن التعرض لهم بأي نقد ، وبذلك يمنعون الباحث من الوصول إلى الحقيقة ويبقى يتخبط في التناقضات الفكرية.

وزيادة على ما سبق أسوق بعض الامثلة التي تعطينا صورة حقيقية على هؤلاء الصحابة ونفهم بذلك موقف الشيعة منهم :

أخرج البخاري في صحيحه ج ٤ ص ٤٧ في باب الصبر على الاذى وقول الله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم ) من كتاب الادب ، قال : حدثنا الاعمش قال سمعت شقيقا

__________________

( ١ ) سورة النحل : آية ٤٤.

( ٢ ) سورة النساء : آية ١٠٥.

( ٣ ) سورة البقرة : آية ١٥١.

٨٩

يقول قال عبدالله : قسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الانصار والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله ، قلت أما أني لاقولن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتيته وهو في أصحابه فساورته فشق ذلك على النبي وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته ثم قال : قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.

كما أخرج البخاري في الكتاب نفسه أعني كتاب الادب في باب التبسم والضحك. قال حدثنا أنس بن مالك قال كنت أمشي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة قال أنس فنظرت إلى صفحة عاتق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.

كما أخرج البخاري في كتاب الادب في باب من لم يواجه الناس بالعتاب قال : قالت عائشة صنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا فرخص فيه ، فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطب فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله أني لاعلمهم بالله وأشدهم له خشية ...!.

ومن أمعن النظر في مثل هذه الرواية فسيجدهم ينزلون أنسهم فوق منزلته ويعتقدون بأنه يخطيء ويصيبون ، بل أن هذا يستتبع تصحيح بعض المؤرخين لافعال الصحابة حتى لو خالفت فعل النبي أو اظهار بعض الصحابة بمنزلة من العلم والبقوى أكثر من رسول الله بمصيبة لم يكن ينج منها الا ابن الخطاب وكان لسان حالهم يقول : لولا عمر لهلك النبي « والعياذ بالله » من هذا الاعتقاد الفاسد المشين الذي لا قبح بعده ، ولعمري أن الذي يعتقد بهذا الاعتقاد هو بعيد عن الاسلام بعد المشرقين ويجب عليه أن يراجع عقله أو يطرد الشيطان من قلبه. قال الله تعالى :

( أفرأيت من اتخذ الهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل

٩٠

على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكّرن ) (١) صدق الله العلي العضيم.

ولعمري ان الذين يعتقدون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يميل به الهوى ويحيد به عن طريق الحق فيقسم قسمة لا يريد بها وجه الله وإنما تبعا لهواه وعاطفته ، والذين يتنزهون عن أشياء يصنعها رسول الله اعتقادا منهم بأنهم أتقى لله وأعلم به من رسوله ، فهؤلاء ليسوا جديرين بذلك التقديس حيث ينزلهم البعض منزلة الملائكة فيحكمون بأنهم أفضل الخلق بعد رسول الله وأن المسلمين مدعوون لاتباعهم والاقتداء بهم والسير على سنتهم لا لشيء إلا لانهم صحابة رسول الله وهذا يتناقض مع أهل السنة والجماعة الذين لا يصلون على محمد وآله إلا ويضيفون إليهم الصحابة أجمعين وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد عرف قدرهم وأنزلهم منزلتهم فأمرهم بأن يصلوا على رسوله وأهل بيته الطاهرين ليا لاعناقهم ليخضعوا ويعرفوا مكانة هؤلاء عند الله فلماذا نجعلهم نحن في منزلة فوق منزلتهم ونسويهم بمن رفع الله قدرهم وفضلهم على العالمين.

ودعني أستنتج بأن الامويين والعباسيين الذين ناصبوا أهل البيت النبوي العداء فأبعدوهم وشردوهم وقتلوهم وأتباعهم وشيعتهم ، تفطنوا لما في هذه المزية من الفضل العميم والخطر الجسيم ، فإذا كان الله سبحانه لا يقبل صلاة مسلم إلا إذا صلى عليهم ، فبماذا يبررون عداءهم وانحرافهم عن أهل البيت ، ولذلك تراهم ألحقوا الصحابة بأهل البيت ليموهوا على الناس بأن أهل البيت والصحابة في الفضل سواء. وخصوصا إذا عرفنا أن ساداتهم وكبراءهم هم بعض الصحابة الذين استأجروا ضعفاء العقول ممن صحبوا رسول الله أو من التابعين ليرووا الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة وبالاخص في من اعتلوا منصة الخلافة وكانوا سببا مباشرا في وصولهم ـ أي الامويين والعباسيين ـ إلى الحكم والتحكم في رقاب المسلمين والتاريخ خير شاهد على ما أقول ؛ إذ أن عمر بن الخطاب الذي اشتهر بمحاسبة ولاته وعزلهم لمجرد شبهة نراه يلين مع معاوية بن أبي سفيان ولا يحاسبه قط وقد ولاه أبو بكر وأقره عمر طيلة حياته ولم يعترض عليه حتى بالعتاب واللوم ، رغم كثرة الساعين الذين يشتكون من معاوية ويقولون له إن معاوية يلبس الذهب والحرير اللذين حرمهما رسول الله على الرجال ، فكان عمر يجيبهم : « دعوه فإنه كسرى العرب »

__________________

( ١ )سورة الجاثية ـ آية ٢٣.

٩١

واستمر معاوية في الولاية أكثر من عشرين عاما لم يتعرض له أحد بالنقد ولا بالعزل ولما ولي عثمان خلافة المسلمين أضاف إليه ولايات أخرى مكنته من الاستيلاء على الثروة الاسلامية وتعبئة الجيوش وأوباش العرب للقيام بالثورة على إمام الامة والاستيلاء على الحكم بالقوة والغصب والتحكم في رقاب المسلمين وإرغامهم بالقوة والقهر على بيعة ابنه الفاسق شارب الخمر يزيد وهذه قصة أخرى طويلة لست بصدد تفصيلها في هذا الكتاب والمهم هو أن أعرف نفسيات هؤلاء الصحابة الذين اعتلوا منصة الخلافة ومهدوا لقيام الدولة الاموية بصفة مباشرة نزولا على حكم قريش التي تأبى أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم(١) .

وللدولة الاموية الحق بل من واجبها أن تشكر أولئك الذين مهدوا لها ، وأقل الشكر أن تستأجروا رواة مأجورين يروون في فضائل أسيادهم ما تسير به الركبان وفي نفس الوقت يرفعون هؤلاء فوق منزلة خصومهم أهل البيت ، باختلاق الفضائل والمزايا التي يشهد الله أنها إذا ما بحثت تحت ضوء الادلة الشرعية والعقلية والمنطقية ، فلن يبقى منها شيء يذكر ، أللهم إلا إذا أصاب عقولنا مس وآمنا بالتناقضات.

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فإننا نسمع الكثير عن عدل عمر الذي سارت به الركبان حتى قيل « عدلت فنمت » وقيل دفن عمر واقفا لئلا يموت العدل معه وفي عدل عمر حدث ولا حرج ، ولكن التاريخ الصحيح يحدثنا بأن عمر حين فرض العطاء في سنة عشرين للهجرة لم يتوخ سنة رسول الله ولم يتقيد بها ، فقد ساوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين جميع المسلمين في العطاء فلم يفضل أحدا على أحد ، واتبعه في ذلك أبو بكر مدة خلافته ، ولكن عمر بن الخطاب اخترع طريقة جديدة وفضل السابقين على غيرهم وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين ، وفضل المهاجرين كافة على الانصار كافة ، وفضل العرب على سائر العجم ، وفضل الصريح على المولى(٢) وفضل مضر على ربيعة ، ففرض

__________________

( ١ ) للتفصيل إقرأ :

الخلافة والملك : أبو الاعلى المحمودي.

يوم الاسلام : أحمد أمين.

(٢ ) شرح ابن أبي الحديد ج ٨ ـ ص ١١١.

٩٢

لمضر ثلاثمائة ولربيعة مائتين(١) وفضل الاوس على الخزرج(٢) .

فأين هذا التفضيل من سنة رسول الله؟ ونسمع عن علم عمر بن الخطاب الكثير الذي لا حصر له حتى قيل أنه أعلم الصحابة وقيل أنه وافق ربه في كثير من آرائه التي ينزل القرآن بتأييدها في العديد من الآيات التي يختلف فيها عمر والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولكن الصحيح من التاريخ يدلنا على أن عمر لم يوافق القرآن حتى بعد نزوله ، عندما سأله أحد الصحابة أيام خلافته فقال : يا أمير المؤمنين أني أجنبت فلم أجد الماء فقال له عمر : لا تصل واضطر عمار بن ياسر أن يذكره بالتيمم ولكن عمر لم يقنع بذلك وقال لعمار : إنا نحملك ما تحملت(٣) .

فأين عمر من آية التيمم المنزلة في كتاب الله وأين علمه من سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي علمهم كيفية التيمم كما علمهم الوضوء ، وعمر نفسه يعترف في العديد من القضايا بأنه ليس بعالم ، بل بأن كل الناس أفقه منه حتى ربات الحجال وبقوله عدة مرات ، لولا علي لهلك عمر ، ولقد أدركه الاجل ومات ولم يعرف حكم الكلالة التي حكم فيها بأحكام متعددة ومختلفة كما يشهد بذلك التاريخ.

قأين هذا العلم يا أولي الأيصار؟ كذلك نسمع عن بطولة عمر وشجاعته وقوته الشيء الكثير حتى قيل إن قريش خافت عندما أسلم عمر ، وقويت شوكة المسلمين بإسلامه ، وقيل إن الله أعز الاسلام بعمر بن الخطاب وقيل إن رسول الله لم يجهر بدعوته إلا بعد إسلام عمر ، ولكن التاريخ الثابت الصحيح ، لا يوقفنا على شيء من هذه البطولة والشجاعة ، ولا يعرف التاريخ رجلا واحدا من المشاهير أو حتى من العاديين الذين قتلهم عمر بن الخطاب في مبارزة أو في معركة كبدر وأحد والخندق وغيرها ، بل العكس هو الصحيح فالتاريخ يحدثنا أنه هرب مع الهاربين في معركة أحد وكذلك هرب يوم حنين ، وبعثه رسول الله لفتح مدينة خيبر فرجع مهزوما ، وحتى السرايا التي شارك فيها كان تابعا

_________________

( ١ ) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ـ ص ١٠٦.

( ٢ ) فتوح البلدان ص ٤٣٧.

( ٣ ) صحيح البخاري ـ ج ١ ـ ص ٥٢.

٩٣

غير متبوع ، وآخرها سرية أسامة التي كان فيها مأمورا تحت قيادة الشاب أسامة بن زيد.

فأين دعوى البطولات والشجاعة من هذه الحقائق يا أولي العقول؟ ونسمع عن تقوى عمر بن الخطاب ومخافته وبكائه من خشية الله الشيء الكثير ، حتى قيل إنه كان يخاف أن يحاسبه الله لو عثرت بغلة في العراق لانه لم يعبد لها الطريق ، ولكن التاريخ الثابت الصحيح يحدثنا بأنه كان فظا غليظا لا يتورع ولا يخاف فيضرب من يسأله عن آية من كتاب الله حتى يدميه بدون ذنب اقترفه ، بل وتسقط المرأة حملها لمجرد رؤيته هيبة ومخافة منه ، ولماذا لم يتورع مخافة من الله عندما سل سيفه وهدد كل من يقول بأن محمدا قد مات وأقسم بالله أنه لم يمت وإنما ذهب يناجي ربه كما فعل موسى بن عمران وتوعد من يقول بموته بضرب عنقه(١) . ولماذا لم يتورع ولم يخش الله سبحانه في تهديد حرق بيت فاطمة الزهراء بالنار إن لم يخرج المتخلفون فيه للبيعة(٢) وقيل له إن فيها فاطمة فقال : وإن ؛ وتجرأ على كتاب الله وسنة رسوله فحكم في خلافته بأحكام تخالف النصوص القرآنية والسنة النبوية الشريفة(٣) .

فأين هذا الورع والتقوى من هذه الحقائق المرّة المؤلمة يا عباالله الصالحين؟

وإنما أخذت هذا الصحابي الكبير الشهير كمثل واختصرت كثيرا لعدم الاطالة ولو شئت الدخول في التفاصيل لملات كتبا عديدة ، ولكن كما قلت : إنما أذكر هذه الموارد على سبيل المثال لا الحصر. والذي ذكرته هو نزر يسير يعطينا دلالة واضحة على نفسيات الصحابة وموقف العلماء من أهل السنة المتناقض ، فبينما يمنعون على الناس نقدهم والشك فيهم ، يروون في كتبهم ما يبعث على الشك والطعن فيهم ، وليت علماء السنة والجماعة لم يذكروا مثل هذه الاشياء الصريحة التي تمس كرامة الصحابة وتخدش في عدالتهم إذن لاراحونا من عناء الارتباك.

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ـ وتاريخ ابن الاثير.

( ٢ ) الامامة والسياسة ابن قتيبة.

( ٣ ) راجع النص والاجتهاد ، عبدالحسين شرف الدين ، فقد أحصى كثيرا من الموارد التي اجتهد فيها عمر مقابل النصوص ، مع ذكر المصادر المقبولة لدى الفرق الاسلامية كافة.

٩٤

وإني أتذكر لقائي مع أحد علماء النجف الاشرف وهو أسد حيدر مؤلف كتاب « الامام الصادق والمذاهب الاربعة » وكنا نتحدث عن السنة والشيعة ، فروى لي قصة والده الذي التقى في الحج عالما تونسيا من علماء الزيتونة ، وذلك منذ خمسين عاما ، ودار بينهما نقاش في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فكان العالم التونسي يستمع إلى والدي وهو يعدد الادلة على إمامته ( ع ) وأحقيته في ا لخلافة فأحصى أربعة أو خمسة أدلة ، ولما انتهى سأله العالم الزيتوني هل لديك غير هذا؟ قال : لا ، فقال التونسي : أخرج مسبحتك وأبدا في العد ، وأخذ يذكر الادلة على خلافة الامام علي ( ع ) حتى عدد له مائة دليل لا يعرفها والدي ، وأضاف الشيخ أسد حيدر : لو يقرأ أهل السنة والجماعة ما في كتبهم ، لقالوا مثل مقالتنا ولانتهى الخلاف بيننا من زمان بعيد.

ولعمري إنه الحق الذي لا مفر منه لو يتحرر الانسان من تعصبه الاعمى وكبريائه وينصاع للدليل الواضح.

٩٥

١ ـ رأي القرآن في الصحابة

قبل كل شيء لابد لي أن أذكر أن الله سبحانه وتعالى قد مدح في كتابه العزيز في العديد من المواقع صحابة رسول الله الذين أحبوا الرسول واتبعوه وأطاعوه في غير مطمع وفي غير معارضة ولا استعلاء ولا استكبار ، بل ابتغاء مرضاة الله ورسوله ، أولئك رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.

وهذا القسم من الصحابة الذين عرف المسلمون قدرهم من خلال مواقفهم وأفعالهم معه ( ص ) أحبوهم وأجلوهم وعظموا قدرهم وترضوا عنهم كلما ذكروهم.

وبحثي لا يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين هم محط الاحترام والتقدير من السنة والشيعة.

كما لا يتعلق بالقسم الذي اشتهر بالنفاق والذين هم معرضون للعن المسلمين جميعا من السنة والشيعة.

ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين اختلف فيهم المسلمون ، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع ، والذين حذرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العديد من المناسبات أو حذر منهم.

نعم الخلاف القائم بين الشيعة والسنة هو في هذا القسم من الصحابة إذ أن الشيعة

٩٦

ينتقدون أقوالهم وأفعالهم ويشكون في عدالتهم ، بينما يحترمهم أهل السنةوالجماعة رغم كل ما ثبت عنهم من مخالفات.

وبحثي إنما يتعلق بهؤلاء « هذا القسم من الصحابة » حتى أتمكن من خلاله من الوصول إلى الحقيقة أو بعض الحقيقة.

أقول هذا حتى لا يتوهم أحد أني أغفلت الآيات التي تمدح أصحاب رسول الله وأبرزت الآيات القادحة فقط ، بل إني خلال البحث اكتشفت أن هناك آيات مادحة تتضمن في طيها قدحا أو بالعكس.

وسوف لن أكلف نفسي جهدا كبيرا كما فعلت ذلك خلال السنوات الثلاث من البحث ، بل سأكتفي بذكر بعض الآيات كأمثلة ، كما جرت العادة وذلك للاختصار ، وعلى الذين يريدون التوسع أن يتكبدوا عناء البحث والتنقيب والمقارنة كما فعلت لتكون هدايتهم بعرق الجبين وعصارة الفكر كما يطلبه الله من كل أحد وما يتطلبه الوجدان لقناعة راسخة لا تزحزحها الرياح والعواصف ومن المعلوم بالضرورة أن الهداية التي تكون عن قناعة نفسية أفضل بكثير من التي تكون بمؤثرات خارجية.

قال تعالى يمدح نبيه :( ووجدك ضالا فهدى ) (١) . أي وجدك تبحث عن الحق فهداك إليه ، وقال أيضا :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) (٢) .

١ – آية الانقلاب

قال تعالى في كتابه العزبز :

( وما محمد الاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على

__________________

( ١ ) سورة الضحى : آية ٧.

( ٢ ) سورة العنكبوت : آية ٦٩.

٩٧

أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) (١) صدق الله العظيم.

فهذه الآية الكريمة صريحة وجلية في أن الصحابة سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول مباشرة ولا يثبت منهم إلا القليل كما دلت على ذلك الآية في تعبير الله عنهم ـ أي عن الثابتين الذين لا ينقلبون ـ بالشاكرين ، فالشاكرون لا يكونون إلا قلة قليلة كما دل على ذلك قوله سبحانه وتعالى :( وقليل من عبادي الشكور ) (٢) .

وكما دلت عليه أيضا الاحاديث النبوية الشريفة التي فسرت هذا الانقلاب ، والتي سوف نذكر البعض منها وإذا كان الله سبحانه لم يبين عقاب المنقلبين على أعقابهم في هذه الآية واكتفى بتمجيد الشاكرين الذين استحقوا جزاءه سبحانه وتعالى ، غير أنه من المعلوم بالضرورة أن المنقلبين على الاعقاب لا يستحقون ثواب الله وغفرانه ، كما أكد ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحاديث متعددة سوف نبحث في البعض منها إن شاء الله في هذا الكتاب.

ولا يمكن تفسير الآية الكريمة بطليحة وسجاح والاسود العنسي ، وذلك حفاظا على كرامة الصحابة ، فهؤلاء قد انقلبوا وارتدوا عن الاسلام وادعوا النبوة في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد حاربهم رسول الله وانتصر عليهم ، كما لا يمكن تفسير الآية الكريمة بمالك بن نويرة وأتباعه الذين منعوا الزكاة في زمن أبي بكر لعدة أسباب ، منها : أنهم إنما منعوها ولم يعطوها إلى أبي بكر تريثا منهم حتى يعرفوا حقيقة الامر ، إذ أنهم حجوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع وقد بايعوا الامام علي بن أبي طالب في غدير خم بعد ما نصبه رسول الله للخلافة كما بايعه أبو بكر نفسه ، ففوجئوا عند قدوم رسول الخليفة بنعي رسول الله وطلبه الزكاة باسم الخليفة الجديد أبي بكر ، وهي قضية لا يريد التاريخ الغوص في أعماقها حفاظا على كرامة الصحابة أيضا ، ومنها أن مالكا وأتباعه مسلمون شهد بذلك عمر وأبو بكر نفسه وعدة من الصحابة الذين أنكروا على خالد بن الوليد قتله مالك بن نويرة ،

__________________

( ١ ) سورة آل عمران : آية ١٤٤.

( ٢ ) سورة سبأ : آية ١٣.

٩٨

والتاريخ يشهد أن أبا بكر أدى دية مالك لاخيه متمم من بيت مال المسلمين واعتذر له عن قتله ، ومن المعلوم أن المرتد عن الاسلام يجب قتله ولا تؤدي ديته من بيت المال ، ولا يعتذر عن قتله.

والمهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة الذين يعيشون معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة المنورة وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون فصل والاحاديث النبوية توضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك وسوف نطلع عليها قريبا إن شاء الله. والتاريخ أيضا خير شاهد على الانقلاب الذي وقع بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن يستعرض الاحداث التي وقعت بين الصحابة عند وفاة النبي لا يبقى لديه أي ريب في أن الانقلاب وقع في صفوفهم ولم ينج منهم إلا القليل.

٢ ـ آية الجهاد

قال تعالى :( ياأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) (١) صدق الله العظيم.

هذه الآية صريحة أيضا في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا رغم علمهم بأنها متاع قليل ، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه وتهديده إياهم بالعذاب الاليم ، واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين.

وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة ، فقد جاء في قوله تعالى :( وأن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (٢) .

وكقوله تعالى أيضا :( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله

__________________

( ١ ) سورة التوبة : آية ٣٨ ، ٣٩.

( ٢ ) سورة محمد : آية ٣٨.

٩٩

بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (١) .

ولو أردنا استقصاء ما هنالك من الآيات الكريمة التي تؤكد هذا المعنى وتكشف بوضوح عن حقيقة هذا التقسيم الذي يقول به الشيعة بشأن هذا القسم من الصحابة لاستوجب ذلك كتابا خاصا ، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأوجز العبارات وأبلغها حين قال :( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) (٢) صدق الله العلي العظيم. وهذه الآيات كما لا يخفى على كل باحث مطلع تخاطب الصحابة وتحذرهم من التفرقة والاختلاف من بعد ما جاءهم البينات وتتوعدهم بالعذاب العظيم وتقسمهم إلى قسمين قسم يبعث يوم القيامة بيض الوجوه وهم الشاكرون الذين استحقوا رحمة الله ، وقسم يبعث مسود الوجوه وهم الذين ارتدوا بعد الايمان وقد توعدهم الله سبحانه بالعذاب العظيم.

ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي واختلفوا وأوقدوا نار الفتنة حتى وصل بهم الامر إلى القتال والحروب الدامية التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم وأطمعت فيهم أعداءهم ، والآية المذكورة لا يمكن تأويلها وصرفها عن مفهومها المتبادر للاذهان.

٣ ـ آية الخشوع

قال تعالى :( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ،

__________________

( ١ ) سورة المائدة : آية ٥٤.

( ٢ ) سورة آل عمران : آية ١٠٤ ، ١٠٥ ، ١٠٦.

١٠٠

ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) (١) صدق الله العلي العظيم.

وفي الدر المنثور جلال الدين السيوطي قال : لما قدم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة ، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد ، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت :( ألم يأن للذين آمنوا ) وفي رواية أخرى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الله سبحانه استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل الله( ألم يأن للذين آمنوا ) .

وإذا كان هؤلاء الصحابة وهم خيرة الناس على ما يقوله أهل السنة والجماعة ، لم تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق طيلة سبعة عشر عاما حتى استبطأهم الله وعاتبهم وحذرهم من قسوة القلوب التي تجرهم إلى الفسوق ، فلا لوم على المتأخرين من سراة قريش الذين أسلموا في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة.

فهذه بعض الامثلة التي استعرضتها من كتاب الله العزيز كافية للدلالة على أن الصحابة ليسوا كلهم عدولا كما يقوله أهل السنة والجماعة.

وإذا فتشنا في أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسنجد أضعاف الاضعاف من الامثلة الاخرى ولكن توخيا للاختصار أسوق بعض الامثلة وعلى الباحث أن يتوسع إذا أراد ذلك.

__________________

( ١ ) سورة الحديد : آية ١٦.

١٠١

٢ ـ رأي الرسول في الصحابة

* ١ ـ حديث الحوض

قال رسول الله (ص) :

« بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال ، هلم ، فقلت إلى أين؟ فقال : إلى النار والله ، قلت ما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم »(١) .

وقال ( ص ) :

« إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول : أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي »(٢) .

فالمتمعن في هذه الاحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم ، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا بل ارتدوا على أدبارهم بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم ، ولا يمكن بأي حال من الاحوال حمل هذه الاحاديث على القسم الثالث وهم المنافقون ، لان النص يقول : فأقول أصحابي.

__________________

( ١ ، ٢ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ٩٤ إلى ٩٩ وص ١٥٦ وج ٣ ص ٣٢ ؛ صحيح مسلم ج ٧ ص ٦٦ حديث الحوض.

١٠٢

كما أن هذه الاحاديث هي مصداق وتفسير لما سجلناه سابقا من الآيات الكريمة التي تحدثت عن انقلابهم وارتدادهم وتوعدهم بالعذاب الاليم.

* ٢ ـ حديث التنافس على الدنيا

قال ( ص ) :

« اني فرط لكم وأنا شيهد عليكم واني والله لأنظر إلى حوضي الآن واني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ( أو مفاتيح الأرض ) واني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» (١) .

صدق رسول الله ( ص ) ، فقد تنافسوا على الدنيا حتى سلت سيوفهم وتحاربوا وكفر بعضهم بعضا ، وقد كان بعض هؤلاء الصحابة المشهورين يكنز الذهب والفضة ، ويحدثنا المؤرخون كالمسعودي في مروج الذهب والطبري وغيرهم أن ثروة الزبير وحده بلغت خمسين ألف دينار والف فرس والف عبد وضياعا كثيرة في البصرة وفي الكوفة وفي مصر وغيرها(٢) .

كما بلغت غلة طلحة من العراق وحده كل يوم ألف دينار ، وقيل أكثر من دلك(٣) .

وكان لعبد الرحمن بن عوف مائة فرس ، وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة ، و بلغ ربع ثمن ماله الذي قسم على زوجاته بعد وفاته أربعة وثمانين الفا(٤) .

وترك عثمان بن عفان يوم مات مائة وخمسين ألف دينار عدا المواشي والأرضي والضياع مما لا يحصى وترك زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس حتى مجلت أيدي الناس ، ما عدا الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار(٥) .

هذه بعض الأمثلة البسيطة وفي التاريخ شواهد كثيرة لا نريد الدخول في بحثها الآن ونكتفي بهذا القدر للدلالة على صدق الحديث وأنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم ربرحها.

__________________

(١) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٠٠ ، ١٠١.

(٢) ، (٣) ، (٤) ، (٥) مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٣٤١.

١٠٣

٣ ـ رأي الصحابة بعضهم في بعض

* ١ ـ شهادتهم على أنفسهم بتغيير سنة النبي

عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقول مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم فإن كان يريد أن يقطع بحثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف ، قال أبوسعيد فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل أن يصلي فقلت له غيرتم والله ؛ فقال : أبا سعيد قد ذهب ما تعلم.

فقلت ؛ ما أعلم والله خير مما لا أعلم ، فقال إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة(١) .

وقد بحثت كثيرا عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واكتشفت أن الامويين وأغلبهم من صحابة النبي وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان « كاتب الوحي » كما يسمونه كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي بن أبي طالب ولعنه من فوق منابر المساجد ، كما ذكر ذلك المؤرخون ، وقد أخرج مسلم في صحيحه في باب « فضائل علي بن أبي طالب » مثل ذلك ؛ وأمر عماله ـ يعني معاوية ـ في

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ١٢٢ من كتاب العيدين. باب الخروج الى المصلى بغير منبر

١٠٤

كل الامصار بإتخاذ ذلك اللعن سنة يقولها الخطباء على المنابر ، ولما استاء من ذلك بعض الصحابة واستنكر هذا الفعل أمر معاوية بقتلهم وحرقهم وقد قتل من مشاهير الصحابة حجر بن عدي الكندي وأصحابه ودفن بعضهم أحياء لانهم امتنعوا عن لعن علي واستنكروه وقد أخرج أبوالاعلى المودودي في كتابه « الخلافة والملك » نقلا عن الحسن البصري قال : أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة له :

(١) أخذه الامر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ذوو الفضيلة.

(٢) استخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب الطنابير.

(٣) ادعاؤه زيادا وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر.

(٤) قتله حجرا وأصحاب حجر فياويلا له من حجر وياويلا له من حجر وأصحاب حجر(١) .

وكان بعض المؤمنين من الصحابة يفرون من المسجد بعد الفراغ من الصلاة حتى لا يحضروا الخطبة التي تختم بلعن علي وأهل بيته ، ومن أجل ذلك غير بنو أمية سنة رسول الله وقدموا الخطبة على الصلاة حتى يحضرها الناس ويرغموا بذلك أنوفهم.

مرحى لهؤلاء الصحابة الذين لا يتورعون عن تغيير سنة الرسول وحتى أحكام الله للوصول إلى أغراضهم الدنيئة وأحقادهم الدفينة ومطامعهم الخسيسة ، ويلعنون رجلا أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا وأوجب الصلاة عليه كالصلاة على رسوله ، وأوجب الله ورسوله مودته وحبه حتى قال النبي : « حب علي إيمان وبغضه نفاق »(٢) .

ولكن هؤلاء الصحابة بدلوا وغيروا وقالوا سمعنا وعصينا وبدلا من أن يصلوا عليه ويحبوه ويطيعوه ، شتموه ولعنوه طيلة ستين عاما كما جاء في كتب التاريخ.

فإذا كان أصحاب موسى قد تآمروا على هارون وكادوا يقتلونه ، فإن بعض أصحاب محمد قتلوا هارونه وتتبعوا أولاده وشيعته تحت كل حجر ومدر ومحوا أسماءهم من الديوان

__________________

( ١ ) أبوالاعلى المودودي كتاب الخلافة والملك ص ١٠٦.

( ٢ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٦١.

١٠٥

ومنعوا أن يتسمى أحد باسمه ، ولم يكتفوا بكل ذلك بل لعنوه وحملوا الصحابة المخلصين على ذلك قهرا وظلما.

وإني والله لاقف حائرا مبهوتا عندما أقرأ صحاحنا وما سجل فيها من حب الرسول لاخيه وابن عمه علي وتقديمه على كل الصحابة حتى قال فيه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(١) . وقال له : أنت مني وأنا منك(٢) وقال : حب علي إيمان وبغضه نفاق(٣) ، وقال أنا مدينة العلم وعلي بابها(٤) وقال : علي ولي كل مؤمن بعدي(٥) . وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه(٦) ، ولو أردنا استقصاء الفضائل التي ذكرها النبي في علي والتي أخرجها علماؤنا معترفين بصحتها لاستوجب كتابا خاصا ، فكيف يا ترى يتجاهل الصحابة هذه النصوص ويسبون عليا وينصبون له العداء ويلعنونه فوق المنابر وكيف يقاتلونه ويقتلونه.

وإني أحاول عبثا أن أجد مبررا لهؤلاء فلا أجد غير حب الدنيا والتنافس فيها أو النفاق أو الارتداء والانقلاب على الاعقاب ، وأحاول أيضا إلصاق هذه المسؤولية بحثالة الصحابة وبعض المنافقين ، ولكن هؤلاء ـ للاسف الشديد ـ معدودون من أكابرهم وأفاضلهم ومشاهيرهم ، فأول من هدد بحرق بيته ـ بمن فيه ـ هو عمر بن الخطاب ، وأول من حاربه هو طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأمثالهم كثيرون.

وإن عجبي لكبير وسوف لن ينتهي ، كما يؤيدني في ذلك كل مفكر حر ، عاقل ، كيف يجمع علماء أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة كافة ويترضون عليهم بل ويصلون عليهم أجمعين ، لا يستثنون منهم واحدا حتى قال بعضهم : « إلعن يزيد ولا

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٣٠٥ ، مسلم ج ٢ ص ٣٦٠ ، مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٩.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٧٦ ، صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٠٠ ، سنن إبن ماجه ج ١ ص ٤٤.

( ٣ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٦١ ، سنن النسائي ج ٦ ص ١١٧ صحيح الترمذي ج ٨ ص ٣٠٦.

( ٤ ) صحيح الترمذي ج ٥ ص ٢٠١ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢٦.

( ٥ ) مسند الامام أحمد ج ٥ ص ٢٥ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٣٤ ، صحيح الترمذي ج ٥ ص ٢٩٦.

( ٦ ) صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٦٢ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٩ مسند أحمد ج ٤ ص ٢٨١.

١٠٦

تزيد » فأين يزيد من هذه المآسي التي لا يقرها دين ولا عقل ، وإنني أربأ بأهل السنة والجماعة إن كانوا حقا يتبعون سنة الرسول ، أن يحكموا بعدالة من حكم القرآن والسنة بفسقه وارتداده وكفره وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله أكبه على منخريه في النار »(١) .

هذا جزاء من سب عليا فما بالك بمن لعنه وحاربه وقاتله فأين علماؤنا من كل هذه الحقائق ، أم على قلوب أقفالها.

وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون.

* ٢ ـ الصحابة غيروا حتى في الصلاة

قال أنس بن مالك : ما عرفت شيئا مما كان على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل الصلاة ، قال أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها. وقال الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال : لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وقد ضيعت(٢) .

وحتى لا يتوهم أحد أن التابعين هم الذين غيروا ما غيروا بعد تلك الفتن والحروب ، أود أن أذكر بأن أول من غير سنة الرسول في الصلاة هو خليفة المسلمين نفسه عثمان بن عفان وكذلك أم المومنين عائشة ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما : أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صلى بمنى ركعتين ، وأبو بكر بعده ، وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم أن عثمان صلى بعد أربعا(٣) .

كما أخرج مسلم في صحيحه ، قال الزهري قلت لعروة مابال عائشة تتم الصلاة في السفر؟ قال إنها تأولت كما تأول عثمان(٤) .

وكان عمر بن الخطاب يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية بل

__________________

( ١ ) مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢١ خصائص النسائي ص ٢٤. مسند الامام أحمد ج ٦ ص ٣٣ المناقب للخوارزمي ص ٨١. الرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ٢١٩. تاريخ السيوطي ص ٧٣.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ١ ص ٧٤.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ١٥٤ ، صحيح مسلم ج ١ ص ٢٦٠.

( ٤ ) صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٣ كتاب صلاة المسافرين.

١٠٧

في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه ، كقوله : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما » ، ويقول لمن أجنب ولم يجد ماء : « لا تصل ». رغم قول الله تعالى في سورة المائدة :( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) .

أخرج البخاري في صحيحه في باب « إذا خاف الجنب على نفسه » قال : سمعت شقيق بن سلمة قال : كنت عند عبدالله وأبي موسى فقال له أبوموسى أرأيت ياأبا عبدالرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع فقال عبدالله لا يصلي حتى يجد الماء فقال أبوموسى فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي (ص) كان يكفيك ، قال : ألم تر عمر لم يقنع بذلك فقال أبوموسى فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبدالله ما يقول فقال إنا لو رخصنا لهم في هذا لاوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم فقلت لشقيق : فإنما كره عبدالله لهذا ، قال : نعم(١) .

* ٣ ـ الصحابة يشهدون على أنفسهم

روى أنس بن مالك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للانصار : إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض. قال أنس فلم نصبر(٢) .

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت طوبى لك صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده(٣) .

وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الاولين الذين بايعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة ، ورضي الله عنهم وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحا قريبا ، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به ( ص ) وتنبا به من أن

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ١ ص ٥٤.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ١٣٥.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٢ باب غزوة الحديبية.

١٠٨

أن أصحابه سيحدثون بعده ويرتدون على أدبارهم فهل يمكن لعاقل بعد هذا أن يصدق بعدالة الصحابة كلهم أجمعين ( أكتعين أبصعين ) على ما يقول به أهل السنة والجماعة ، والذي يقول هذا القول فإنه يخالف العقل والنقل ولا يبقى للباحث أي مقاييس فكرية يعتمدها للوصول إلى الحقيقة.

* ٤ ـ شهادة الشيخين على نفسيهما

أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب قال : لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه : ياأمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحابتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال : أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ورضاه فإنما ذاك من من الله تعالى من به علي ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من من الله جل ذكره من به علي ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع الارض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عزوجل قبل أن أراه(١) .

وقد سجل التاريخ له أيضا قوله : ليتني كنت كبش أهلي يسمنونني مابدا لهم حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء وقطعوني قديدا ثم أكلوني وأخرجوني عذرة ولم أكن بشرا(٢) ...

كما سجل التاريخ لابي بكر مثل هذا ، قال لما نظر أبوبكر إلى طائر على شجرة : طوبى لك ياطائر تأكل الثمر وتقع على الشجر وما من حساب ولا عقاب عليك ، لوددت أني شجرة على جانب الطريق مر علي جمل فأكلني وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر(٣) .

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٠١.

( ٢ ) منهاج السنة لابن تيمية ج ٣ ص ١٣١. حلية الاولياء لابي نعيم ج ١ ص ٥٢.

( ٣ ) تاريخ الطبري ص ٤١. الرياض النضرة ج ١ ص ١٣٤. كنز العمال ص ٣٦١. منهاج السنة لابن تيمية ، ج ٣ ص ١٢٠.

١٠٩

وقال مرة أخرى : « ليت أمي لم تلدني ، ليتني كنت تبنة في لبنة »(١) تلك بعض النصوص أوردتها على نحو المثال لا الحصر.

وهذا كتاب الله يبشر عباده المؤمنين بقوله :

( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) (٢) .

ويقول أيضا :( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) (٣) . صدق الله العلي العظيم.

فكيف يتمنى الشيخان أبوبكر وعمر أن لا يكونا من البشر الذي كرمه الله على سائر مخلوقاته.

وإذا كان المؤمن العادي الذي يستقيم في حياته تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة فلا يخاف من عذاب الله ولا يحزن على ما خلف وراءه في الدنيا وله البشرى في الحياة الدنيا قبل أن يصل إلى الآخرة ، فما بال عظماء الصحابة الذين هم خير الخلق بعد رسول الله ـ كما تعلمنا ذلك ـ يتمنون أن يكونوا عذرة ، وبعرة ، وشعرة ، وتبنة ، ولو أن الملائكة بشرتهم بالجنة ما كانوا ليتمنوا أن لهم مثل طلاع الارض ذهبا ليفتدوا به من عذاب الله قبل لقاه.

قال تعالى :( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) (٤) .

وقال أيضا :( ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ص ٤١ الرياض النضرة ج ١ ص ١٣٤. كنز العمال ص ٣٦١. منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج ٣ ص ١٢٠.

( ٢ ) سورة يونس : آية ٦٢ و ٦٣ و ٦٤.

( ٣ ) سورة فصلت : آية ٣٠ ، ٣١ ، ٣٢.

( ٤ ) سورة يونس : آية ٥٤.

١١٠

سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ) (١) .

وإنني أتمنى من كل قلبي أن لا تشمل هذه الآيات ، صحابة كبارا أمثال أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ..

بيد أنني أتوقف كثيرا عند مثل هذه النصوص لاطل على مقاطع مثيرة من علاقتهم مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما شهدتها تلك العلاقة من تخلف عن إجراء أوامره وتلبية طلبه في اللحظات الاخيرة من عمره المبارك الشريف مما أغضبه ودفعه إلى أن يأمر الجميع بمغادرة المنزل وتركه ، كما أنني أستحضر أمامي شريط الحوادث التي جرت بعد وفاة الرسول وما جرى مع ابنته الزهراء الطاهرة من إيذاء وهضم وغمط وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني »(٢) .

وقالت فاطمة لابي بكر وعمر :

نشدتكما الله تعالى ألم تسمعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب ابنتي فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا : نعم سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه »(٣) .

ودعنا من هذه الرواية التي تدمي القلوب ، فلعل ابن قتيبة وهو من علماء أهل السنة المبرزين في كثير من الفنون وله تآليف عديدة في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ ، لعله تشيع هو الآخر كما قال لي أحد المعاندين مرة عندما أطلعته على كتابه تاريخ الخلفاء ، وهذه هي الدعاية التي يلجأ إليها بعض علمائنا بعدما تعييهم الحيلة ، فالطبري عندنا تشيع والنسائي الذي ألف كتابا في خصائص الامام علي تشيع وابن قتيبة تشيع وحتى طه حسين من المعاصرين لما ألف كتابه الفتنة الكبرى وذكر حديث الغدير

__________________

( ١ ) سورة الزمر : آية ٤٧ ، ٤٨.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٠٦ باب مناقب قرابة رسول الله ( ص ).

( ٣ ) الامامة والسياسة لابن قتيبة ج ١ ص ٢٠. فدك في التاريخ ص ٩٢.

١١١

واعترف بكثير من الحقائق الاخرى فهو أيضا تشيع!!.

والحقيقة أن كل هؤلاء لم يتشيعوا وعندما يتكلمون عن الشيعة لا يذكرون عنهم إلا ما هو مشين ، وهم يدافعون عن عدالة الصحابة بكل ما أمكنهم ، ولكن الذي يذكر فضائل علي بن أبي طالب ويعترف بما فعله كبار الصحابة من أخطاء نتهمه بأنه تشيع ، ويكفي أن تقول أمام أحدهم عند ذكر النبي : «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » او « تقول علي ( ع ) » ، حتى يقال : إنك شيعي ، وعلى هذا الاساس قلت يوما لاحد علمائنا وأنا أحاوره : ما رأيك في البخاري؟ قال : هو من أئمة الحديث وكتابه أصح الكتب بعد كتاب الله عندنا وقد أجمع على ذلك علماؤنا. فقلت له : إنه شيعي ، فضحك مستهزئا وقال : حاشى الامام البخاري أن يكون شيعيا!! قلت : أو ليس أنك ذكرت بأن كل من يقول : « علي ( ع ) » فهو شيعي؟ قال : بلى ، فأطلعته ومن حضر معه على صحيح البخاري وفي عدة مواقع عندما يأتي باسم علي يقول :عليه‌السلام وفاطمةعليها‌السلام والحسين بن عليعليهما‌السلام (١) فبهت وما دري ما يقول.

وأعود إلى رواية ابن قتيبة التي ادعى فيها أن فاطمة غضبت على أبي بكر وعمر ، فإذا شككت فيها فإنه لا يمكنني أن أشك في صحيح البخاري الذي هو عندنا أصح الكتب بعد كتاب الله ، وقد ألزمنا أنفسنا بأنه صحيح وللشيعة أن يحتجوا به علينا ويلزموننا بما ألزمنا به أنفسنا وهذا هو الانصاف للقوم العاقلين. فها هو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله ، أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. كما أخرج في باب غزوة خيبر ، عن عائشة أن فاطمةعليها‌السلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا فوجدت(٢) فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت(٣) .

والنتيجة في النهاية هي واحدة ذكرها البخاري باختصار وذكرها ابن قتيبة بشيء من

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ١ ص ١٢٧ ، ١٣٠ وج ٢ ص ١٢٦ ، ٢٠٥.

( ٢ ) وجدت : غضبت.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٩.

١١٢

التفصيل ، ألا وهي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها وأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر.

وإذا كان البخاري قد قال : ماتت وهي واجدة على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت فالمعنى واحد كما لا يخفى ، وإذا كانت فاطمة سيدة نساء العالمين كما صرح بذلك البخاري في كتاب الاستئذان باب من ناجى بين يدي الناس ، وإذا كانت فاطمة هي المرأة الوحيدة في هذه الامة ، التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرا ، فلا يكون غضبها لغير الحق ولذلك يغضب الله ورسوله لغضبها ، ولهذا قال أبوبكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبوبكر باكيا حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لادعون الله عليك في كل صلاة أصليها ، فخرج أبوبكر يبكي ويقول : لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي(١) .

غير أن كثيرا من المؤرخين ومن علمائنا ، يعترفون بأن فاطمةعليها‌السلام خاصمت أبابكر في قضية النحلة والارث وسهم ذي القربى فردت دعواها حتى ماتت وهي غاضبة عليه ، إلا أنهم يمرون بهذه الاحداث مرور الكرام ولا يريدون التكلم فيها حفاظا على كرامة أبي بكر كما هي عادتهم في كل ما يمسه من قريب أو بعيد ؛ ومن أعجب ما قرأته في هذا الموضوع قول بعضهم بعد ما ذكر الحادثة بشيء من التفصيل قال : « حاشى لفاطمة من أن تدعي ما ليس لها بحق ، وحاشى لابي بكر من أن يمنعها حقها ». وبهذه السفسطة ظن هذا العالم أنه حل المشكلة وأقنع الباحثين وكلامه هذا كقول القائل : « حاشى للقرآن الكريم أن يقول غير الحق ، وحاشى لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل ». لقد ابتلينا بعلماء يقولون ما لا يفقهون ويؤمنون بالشيء ونقيضه في نفس الوقت والحال يؤكد أن فاطمة ادعت وأبابكر رفض دعواها فإما أن تكون كاذبة و « العياذ بالله » حاشاها ، أو أن يكون أبوبكر ظالما لها وليس هناك حل ثالث للقضية كما يريدها بعض علمائنا.

وإذا امتنع بالادلة العقلية والنقلية أن تكون سيدة النساء كاذبة لما ثبت عن أبيها رسول الله قوله : فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ، ومن البديهي أن الذي يكذب لا يستحق

__________________

( ١ ) تاريخ الخلفاء المعروف بالامامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ج ١ ص ٢٠.

١١٣

مثل هذا النص من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالحديث بذاته دال على عصمتها من الكذب وغيره من الفواحش ، كما أن آية التطهير دالة هي الاخرى على عصمتها وقد نزلت فيها وفي بعلها وابنيها بشهادة عائشة نفسها(١) ، فلم يبق إذن إلا أن يعترف العقلاء بأنها ظلمت فليس تكذيبها في دعواها إلا أمرا ميسورا لمن استباح حرقها إن لم يخرج المتخلفون في بيتها لبيعتهم(٢) .

ولكل هذا تراها ـ سلام الله عليها ـ لم تأذن لهما في الدخول عليها عندما استأذنها أبوبكر وعمر ، ولما أدخلهما علي أدارت بوجهها إلى الحائط وما رضيت أن تنظر إليهما(٣) .

وقد توفيت ودفنت في الليل سرا بوصية منها حتى لا يحضر جنازتها أحد منهم(٤) ، وبقى قبر بنت الرسول مجهولا حتى يوم الناس هذا وإنني أتسأل لماذا يسكت علماؤنا عن هذه الحقائق ولا يريدون البحث فيها ولا حتى ذكرها ، ويصورون لنا صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنهم ملائكة لا يخطئون ولا يذنبون. وإذا ما سألت أحدهم كيف يقتل خليفة المسلمين سيدنا عثمان ذو النورين فسيجيبك بأن المصريين ـ وهم كفرة ـ جاؤوا وقتلوه وينهي الموضوع كله بجملتين.

ولكن عندما وجدت الفرصة للبحث وقراءة التاريخ وجدت أن قتلة عثمان بالدرجة الاولى هم الصحابة أنفسهم وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة التي كانت تنادى بقتله وإباحة دمه على رؤوس الاشهاد فكانت تقول « اقتلوا نعثلا فقد كفر »(٥) .

كذلك نجد طلحة والزبير ومحمد بن أبي بكر وغيرهم من مشاهير الصحابة وقد حاصروه ومنعوه من شرب الماء ليجبروه على الاستقالة ، ويحدثنا المؤرخون أن الصحابة هم الذين منعوا دفن جثته في مقابر المسلمين فدفن في « حش كوكب » بدون غسل ولا كفن ، سبحان الله ، كيف يقال لنا إنه قتل مظلوما وأن الذين قتلوه ليسوا مسلمين ، وهذه

__________________

( ١ ) صحيح مسلم ج ٧ ص ١٢١ وص ١٣٠.

( ٢ ) و ( ٣ ) تاريخ الخلفاء ج ١ ص ٢٠.

( ٤ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٩.

( ٥ ) تاريخ الطبري ج ٤ ص ٤٠٧ تاريخ ابن الاثير ج ٣ ص ٢٠٦ لسان العرب ج ١٤ ص ١٩٣ تاج العروس ج ٨ ص ١٤١ العقد الفريد ج ٤ ص ٢٩٠.

١١٤

القضية هي الاخرى كقضية فاطمة وأبي بكر ، فإما أن يكون عثمان مظلوما وعند ذلك نحكم على الصحابة الذين قتلوه أو شاركوا في قتله بأنهم قتلة مجرمون لانهم قتلوا خليفة المسلمين ظلما وعدوانا وتتبعوا جنازته يحصبونها بالحجارة وأهانوه حيا وميتا أو أن هؤلاء الصحابة استباحوا قتل عثمان لما اقترفه من أفعال تتنافى مع الاسلام كما جاء ذلك في كتب التاريخ ، وليس هناك ا حتمال وسط إلا إذا كذبنا التاريخ وأخذنا بالتمويه « بأن المصريين وهم كفرة هم الذين قتلوه ». وفي كلا الاحتمالين نفي قاطع لمقولة عدالة الصحابة أجمعين دون استثناء فأما أن يكون عثمان غير عادل أو يكون قتلته غير عدول وكلهم من الصحابة وبذلك تبطل دعوانا. وتبقى دعوى شيعة أهل البيت القائلين بعدالة البعض منهم دون الآخر.

ونتسأل عن حرب الجمل التي أشعلت نارها أم المؤمنين عائشة إذ كانت هي التي قادتها بنفسها ، فكيف تخرج أم المؤمنين عائشة من بيتها التي أمرها الله بالاستقرار فيه بقوله تعالى :( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى ) (١) .

ونسأل بأي حق استباحت أم المؤمنين قتال خليفة المسلمين علي بن أبي طالب. وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة.

وكالعادة وبكل بساطة يجيبنا علماؤنا بأنها لا تحب الامام عليا لانه أشار على رسول الله بتطليقها في حادثة الافك ، ويريد هؤلاء إقناعنا بأن هذه الحادثة « إن صحت » وهي إشارة علي على النبي بتطليقها كافية بأن تعصي أمر ربها وتهتك سترا ضربه عليها رسول الله ، وتركب جملا نهاها رسول الله أن تركبه وحذرها أن تنبحها كلاب الحوأب(٢) ، وتقطع المسافات البعيدة من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة ، وتستبيح قتل الابرياء ومحاربة أمير المؤمنين والصحابة الذين بايعوه ، وتتسبب في قتل ألوف المسلمين كما ذكر ذلك المؤرخون(٣) كل ذلك لانها لا تحب الامام عليا الذي أشار بتطليقها ومع ذلك لم يطلقها النبي ، فلماذا كل هذه الكراهية وقد سجل المؤرخون لها مواقف عدائية للامام علي لا يمكن تفسيرها ، فقد كانت راجعة من مكة عندما أعلموها في

__________________

( ١ ) سورة الاحزاب : آية ٣٣.

( ٢ ) الامامة والسياسة.

( ٣ ) الطبري وابن الاثير والمدائني وغيرهم من المؤرخين الذين أرخوا حوادث سنة ست وثلاثين للهجرة.

١١٥

الطريق بأن عثمانا قتل ففرحت فرحا شديدا ولكنها عندما علمت بأن الناس بايعوا عليا غضبت وقالت : وددت أن السماء انطبقت على الارض قبل أن يليها ابن أبي طالب وقالت ردوني وبدأت تشعل نار الفتنة للثورة على علي الذي لا تريد ذكر اسمه كما سجله المؤرخون عليها ، أفلم تسمع أم المؤمنين قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بأن حب على إيمان وبغضه نفاق »(١) حتى قال بعض الصحابة : « كنا لا نعرف المنافقين إلا ببغضهم لعلي ».

أو لم تسمع أم المؤمنين قول النبي : « من كنت مولاه فعلي مولاه » إنها لا شك سمعت كل ذلك ولكنها لا تحبه ولا تذكر اسمه بل إنها لما سمعت بموته سجدت شكرا لله(٢) .

ودعني من كل هذا فأنا لا أريد البحث عن تاريخ أم المؤمنين عائشة ولكن أريد الاستدلال على مخالفة كثير من الصحابة لمبادئ الاسلام وتخلفهم عن أوامر رسول الله (ص) ، ويكفيني من فتنة أم المؤمنين دليل واحد أجمع عليه المؤرخون ؛ قالوا لما جازت عائشة ماء الحوأب ونبحتها كلابها تذكرت تحذير زوجها رسول الله ونهيه إياها أن تكون هي صاحبة الجمل ، فبكت وقالت ردوني ، ردوني.

ولكن طلحة والزبير جاءاها بخمسين رجلا جعلا لهم جعلا ، فأقسموا بالله أن هذا ليس بماء الحوأب فواصلت مسيرها حتى البصرة ، ويذكر المؤرخون أنها أول شهادة زور في الاسلام(٣) .

دلونا أيها المسلمون يا أصحاب العقول النيرة على حل لهذا الاشكال ، أهؤلاء هم الصحابة الاجلاء الذين نحكم نحن بعدالتهم ونجعلهم أفضل البشر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فيشهدون شهادة الزور التي عدها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكبائر الموبقة التي تقود إلى النار.

ونفسه السؤال يعود دائما ويتكرر أيهم على الحق وأيهم على الباطل ، فإما أن يكون علي ومن معه ظالمين وعلى غير الحق ، وإما أن تكون عائشة ومن معها وطلحة والزبير ومن

__________________

( ١ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٤٨.

( ٢ ) الطبري وابن الاثير والفتنة الكبرى وكل المؤرخين الذي أرخوا حوادث سنة أربعين للهجرة.

( ٣ ) الطبري وابن الاثير والمدائني وغيرهم من المؤرخين الذين أرخوا لسنة ست وثلاثين للهجرة.

١١٦

معهم ظالمين وعلى غير الحق وليس هناك احتمال ثالث ، والباحث المنصف لا أراه إلا مائلا لاحقية علي الذي يدور الحق معه حيث دار ، نابذا فتنة « أم المؤمنين عائشة » وأتباعها الذين أوقدوا نارها وما أطفأوها حتى أكلت الاخضر واليابس وبقيت آثارها إلى اليوم. ولمزيد البحث وليطمئن قلبي أقول أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الفتن باب الفتنة التي تموج كموج البحر ، قال : لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر والحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول : إن عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي(١) .

كما أخرج البخاري أيضا في كتاب الشروط باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ، قال : قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان(٢) .

كما أخرج البخاري في صحيحه عنها أشياء عجيبة وغريبة في سوء أدبها مع النبي حتى ضربها أبوها فأسال دمها وفي تظاهرها على النبي حتى هددها الله بالطلاق وأن يبدله ربه خيرا منها وهذه قصص أخرى يطول شرحها.

وبعد كل هذا أتسأل كيف استحقت عائشة كل هذا التقدير والاحترام من أهل السنة والجماعة ، ألانها زوج النبي ، فزوجاته كثيرات وفيهن من هي أفضل من عائشة بتصريح النبي نفسه(٣) .

أم لانها ابنة أبي بكر! أم لانها هي التي لعبت الدور الكبير في إنكار وصية النبي لعلي حتى قالت عندما ذكروا عندها أن النبي أوصى لعلي : قالت من قاله لقد رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإني لمسندته إلى صدري فدعا بالطست فانحنى فمات فما شعرت فكيف أوصى

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٦١.

( ٢ ) صحيح البخاري ص ١٢٨.

( ٣ ) صحيح الترمذي ، الاستيعاب ترجمة صفية ، الاصابة ترجمة صفية أم المؤمنين.

١١٧

إلى علي(١) . أم لانها حاربته حربا لا هوادة فيها وأولاده من بعده حتى اعترضت جنازة الحسن سيد شباب أهل الجنة ومنعت أن يدفن بجانب جده رسول الله قائلة : لا تدخلوا بيتي من لا أحب ونسيت أو تجاهلت قول الرسول فيه وفي أخيه : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » ، أو قوله : « أحب الله من أحبهما وأبغض الله من أبغضهما » ، أو قوله : « أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم » ؛ وغير ذلك كثير لست في معرض الكلام عنه كيف لا وهما ريحانتاه من هذه الامة.

ولا غرابة فقد سمعت في حق علي أضعاف ذلك ولكنها ورغم تحذير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها ، أبت إلا محاربته وتأليب الناس عليه وإنكار فضله وفضائله. ومن أجل ذلك أحبها الامويون وأنزلوها تلك المنزلة العظيمة التي تقصر عنها المنازل ورووا في فضلها ما ملأ المطامير وسارت به الركبان حتى جعلوها المرجع الاكبر للامة الاسلامية لان عندها وحدها نصف الدين.

ولعل نصف الدين الثاني خصوا به أبا هريرة الذي روى لهم ما يشتهون فقربوه وولوه إمارة المدينة وبنوا له قصر العقيق بعد ماكان معدما ، ولقبوه براوية الاسلام. وبذلك سهل على بني أمية أن يكون لهم دين كامل جديد ليس فيه من كتاب الله وسنة رسوله إلا ما تهواه أنفسهم ويتقوى به ملكهم وسلطانهم وخليق بهذا الدين أن يكون لعبا وهزوا مليئا بالمتناقضات والخرافات ، وبذلك طمست الحقائق وحلت محلها الظلمات ، وقد حملوا الناس عليها وأغروهم بها حتى أصبح دين الله عندهم مهزلة من المهازل لا يقيمون له وزنا ولا يخافون من الله كخوفهم من معاوية. وعندما نسأل بعض علمائنا عن حرب معاوية لعلي وقد بايعه المهاجرون والانصار ، تلك الحرب الطاحنة التي سببت انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة وانصدع الاسلام ولم يلتئم حتى اليوم ، فإنهم يجيبون كالعادة وبكل سهولة قائلين : إن عليا ومعاوية صحابيان جليلان اجتهدا فعلي اجتهد وأصاب فله أجران أما معاوية فاجتهد وأخطأ وله أجر واحد. وليس من حقنا نحن أن نحكم لهم أو عليهم وقد قال الله تعالى :( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) .

__________________

(١ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٦٨ باب مرض النبي ووفاته.

١١٨

هكذا ـ وللاسف ـ تكون إجاباتنا وهي كما ترى سفسطة لا يقول بها عقل ولا دين ولا يقر بها شرع ، اللهم إني أبرأ إليك من خطل الآراء وزلل الاهواء وأعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون.

كيف يحكم العقل السليم باجتهاد معاوية ويعطيه أجراً على حربه إمام المسلمين وقتله المؤمنين الابرياء وارتكابه الجرائم والآثام التي لا يحصي عددها إلا الله وقد اشتهر عند المؤرخين بقتله معارضيه وتصفيتهم بطريقته المشهورة وهو إطعامهم عسلا مسموما وكان يقول : « إن لله جنودا من عسل ».

كيف يحكم هؤلاء باجتهاده ويعطونه أجرا وقد كان إمام الفئة الباغية؟ ففي الحديث المشهور الذي أخرجه كل المحدثين من السنة والشيعة وسواهم : « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » ولم يختلف اثنان من المسلمين على أن الذي قتل عمارا وأصحابه هو معاوية! كيف يحكمون باجتهاده وقد قتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا ودفنهم في مرج عذراء ببادية الشام لانهم امتنعوا عن سب علي بن أبي طالب.

كيف يريدونه صحابيا عادلا وقد دس السم للحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة وقتله.

كيف ينزهونه وقد أخذ البيعة من الامة بالقوة والقهر لنفسه أولا ثم لابنه الفاسق يزيد من بعده وبدل نظام الشورى بالملكية القيصرية(١) .

كيف يحكمون باجتهاده ويعطونه أجرا وقد حمل الناس على لعن علي وأهل البيت ذرية المصطفى من فوق المنابر ، وقتل الصحابة الذين امتنعوا عن ذلك وأصبحت سنة متبعة يهرم عليها الكبير ويشيب عليها الصغير فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والسؤال يعود دائما ويتكرر ويلح : ترى أي الفريقين على الحق وأيهما على الباطل؟ فإما أن يكون علي وشيعته ظالمين وعلى غير الحق. وإما أن يكون معاوية وأتباعه ظالمين وعلى غير الحق ، وقد أوضح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل شيء. وفي كلا الحالين فإن عدالة الصحابة كلهم من غير استثناء أمر مستحيل ، لا ينسجم مع المنطق السليم.

__________________

( ١ ) راجع : الخلافة والملك للمودودي. ويوم الاسلام لاحمد الامين.

١١٩

ولكل هذه المواضيع أمثلة كثيرة لا يحصي عددها إلا الله ولو أردت الدخول في التفصيل وبحث هذه المواضيع من كل جوانبها لاحتجت إلى مجلدات كثيرة ولكنني رمت الاختصار وأخذت في هذا البحث بعض الامثلة وهي بحمد الله كافية لابطال مزاعم قومي الذين جمدوا فكري ردحا من الزمن وحجروا علي أن أفقه الحديث أو أحلل الاحداث التاريخية بميزان العقل والمقاييس الشرعية التي علمنا إياها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ولذلك سوف أتمرد على نفسي وأنفض عني غبار التعصب الذي غلفوني به وأتحرر من القيود والاغلال التي كبلوني بها أكثر من عشرين عاما ولسان حالي يقول لهم : يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. ياليت قومي اكتشفوا العالم الذي يجهلونه ويعادونه دون أن يعرفوه.

١٢٠

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189