• البداية
  • السابق
  • 329 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 22619 / تحميل: 8164
الحجم الحجم الحجم
الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه السلام) (المرتضى من سيرة المرتضى)

الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه السلام) (المرتضى من سيرة المرتضى) الجزء ٦

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

اقتسمه المسلمون، فلا سبيل إلى رد عينه (وقد ورد ذلك في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: إنه قد روي نحو ذلك في بني جذيمة).

٣ ـ أعطاهم إحتياطاً لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مما يعلمون، ومما لا يعلمون.

٤ ـ وفي نص آخر: أعطاهم على أن يحلوا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مما علم، ومما لا يعلم.

٥ ـ ليرضوا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

٦ ـ لروعة نسائهم، وفزع صبيانهم.

٧ ـ قضاء، لذمة الله، وذمة رسوله.

٨ ـ أعطاهم كسوة عيالهم، وخدمهم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا (كما ورد في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة).

٩ ـ لكل جنين غرة.

١٠ ـ لكل مال مالاً.

١١ ـ لميلغة كلبهم، وحبلة رعاتهم.

دلالات باهرة في فعل علي (عليه‌السلام ):

وما نريد أن نقوله هنا هو: أن مجموع هذه النصوص يشير إلى أمور عديدة، كلها على جانب كبير من الأهمية، فلاحظ ما يلي:

٢١

ألف: إن ذلك يدل على: أن الذين قتلوا لم يكونوا جميعاً من الكبار والبالغين، بل كان فيهم أجنة أيضاً، ولذلك أعطى علي (عليه‌السلام ) لكل جنين غرة.

ب : الغُرَّة ـ بالضم ـ عبد أو أمة.

ومنه: قضى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الجنين بغرة.

وقال الفقهاء: الغرة من العبد الذي ثمنه عشر الدية(١) .

وزعم بعضهم: أن الغرة من العبيد الذي يكون ثمنه نصف عشر الدية(٢) .

ج ـ في قوله: (لكل جنين غرة) ـ: إشارة ضمنية إلى تعدد، أو كثرة القتلى من الأجنة، حتى ذكرهم أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بصيغة الجمع إلى جانب ديات البالغين..

ثم إنه لم يتضح إن كان هناك قتلى من النساء، أو لم يكن..

د: إن علياً (عليه‌السلام ) قد أعطى مالاً لروعات النساء، وعوضاً عما أصابهن من الحزن، وصرح: بأن المطلوب هو: أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.

____________

١- راجع: مجمع البحرين ج٣ ص٤٢٢ و (ط مكتب نشر الثقافة الإسلامية) ج٣ ص٣٠٢.

٢- أقرب الموارد ج٢ ص٨٦٧ وراجع: عمدة القاري ج٢٤ ص٦٧ وتحفة الأحوذي ج٤ ص٥٥٤ ومرقاة المفاتيح ج٧ ص٤٠ والنهاية في غريب الأثر ج٣ ص٣٥٣ وكتاب الكليات ج١ ص٦٧٠ والتعريفات للجرجاني ج١ ص٢٠٨.

٢٢

وهذا تأصيل لمعنى جديد لا بد من مراعاته في مجالات التعامل مع الناس، ولم يكن هذا المعنى معروفاً، ولا مألوفاً قبل هذه الحادثة.. كما أننا لم نجد أحداً قد راعى هذا المعنى في معالجته لآثار العدوان على الآخرين.

ولعل قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): (يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك).

يشير إلى هذا المعنى، ولا يختص ذلك بموضوع مقادير الديات، أو ما يرتبط بالثأر من غير القاتل الحقيقي.

بل إن الفقهاء وعلى مدى كل هذا التاريخ الطويل لم يشيروا في فتاواهم، ولو إلى رجحان التعرض لمعالجة هذا النوع من الآثار، ولا رسموا له حدوداً، ولا بينوا له أحكاماً، ولا حددواً له شروطاً!

فهل هذه غفلة كانت منهم؟!

أم أنهم فهموا: أن ذلك يختص بالمعصوم، من نبي وإمام؟! أم ماذا؟!

هـ: يلاحظ: أن علياً (عليه‌السلام )، قد بذل لبني جذيمة أموالاً من أجل أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.

أي أنه (عليه‌السلام ) قد لاحظ مقدار الحزن، ومقدار الفرح، وأراد أن يكون هذا بقدر ذاك، ولذلك لم يقل : (ليفرحوا بعد ما حزنوا). بل قال: (ليفرحوا بقدر ما حزنوا ).

و: إن سرد ما اعطاه علي (عليه‌السلام ) لبني جذيمة يصلح أن يكون هو الوصف الدقيق لحقيقة ما جرى على هؤلاء الناس من قتل وسلب وخوف. فهم قد سلبوهم كل شيء. حتى حبلة الرعاة، وميلغة الكلب، ولم

٢٣

يتركوا لهم حتى كسوة العيال والخدم.. وأخذوا منهم ما يعلمون، وما لا يعلمون.

بالإضافة إلى قتل الرجال، وإسقاط الأجنة، وروعة النساء، وفزع الصبيان، وحزن العيال والخدم.

ز: واللافت هنا: أنه (عليه‌السلام ) لم يهمل حتى الخدم، فقد أعطى مالاً أيضاً لحزن هؤلاء، مما يعني: أن كونهم خدماً لا تسقط الحقوق التي تترتب على روعاتهم، وحزنهم. ولا يصيرهم بمثابة الآلة التي لا مشاعر لها.

قد صرحت الكلمات الواردة في الروايات: بأن علياً (عليه‌السلام ) يريد أن يقضي عن ذمة الله ورسوله. أي أن الذين قتلهم خالد، قد كانوا في ضمان ذمة الله، وذمة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ولعل هذا يؤيد صحة القول: بأنه كان لديهم كتاب من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يضمن لهم سلامتهم، وأمنهم، ويعتبرهم في ذمة الله ورسوله.

وعدوان خالد عليهم يعتبر إخلالاً بهذه الذمة، وهذا يحتم الوفاء بها، وإعادة الأمور إلى نصابها.

بل قد يقال: إن هذا التعبير يدل على: أنه لو أن أحداً من غير المسلمين اعتدى على بني جذيمة لوجب نصرهم، وتحمل مسؤولية تعويض كل نقص يعرض لهم عليهم، في الأموال والأنفس على حد سواء..

ح: ذكرت النصوص المتقدمة: أنه (عليه‌السلام ) أعطاهم مقداراً من المال، ليرضوا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع العلم: بأن السخط

٢٤

على الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من موجبات الكفر، والخروج من الدين.

فكيف يمكن الجمع بين الحكم بإسلامهم، وبين عدم رضاهم عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

ومن المعلوم: أن السخط والرضا لا يشترى ولا يعطى بالمال، فكيف نفهم هذا الإجراء منه (عليه‌السلام )؟!

ونجيب:

إن المراد بالرضا هنا ليس ما يقابل السخط، بل المراد به: الشعور بالرضا، بعد الشعور بالحاجة إلى الإنصاف، وبضرورة إيصال حقهم إليهم..

فإذا رأوا علياً (عليه‌السلام ) قد اعطاهم فوق ما لهم من حق، فلابد أن يتكون لديهم شعور باستعادة كامل حقوقهم، وبما فوق مستوى الإنصاف والعدل الذي يتوقعونه أو ينتظرونه..

وهذا معناه: أنه (عليه‌السلام ) لم يشتر رضاهم بالمال.. بل هو قد وفاهم حقهم، حتى تكوَّن لديهم الشعور بالرضا بهذا الوفاء.

ط: إن تخصيص جزء من المال لما يعلمون، وما لا يعلمون. قد يكون من أهم الأمور التي تبلِّغهم درجات ذلك الرضا بأكمل وجوهه، وأتمها، فإن هناك أموراً قد يفقدها الإنسان، ولكنها تكون من التفاهة إلى حد يرى أن مطالبته بها تنقص من قدره، وتحط من مقامه، فيعرض عنها.

ولكنه حتى حين يغض النظر عنها قد يبقى لديه شعور بالانتقاص من حقه، أو فقل بعدم بلوغه درجة الإشباع.

فإذا رضخ علي (عليه‌السلام ) له مالاً في مقابل تلك الأمور أيضاً، فإنه

٢٥

لا يبقى مجال لأي خاطر يعكر صفو الشعور بالإرتواء التام..

فإذا زاد على ذلك: بأن أعطاه أموالاً في مقابل ما ربما يكون قد عجز عن استحضاره في ذهنه، فإنه سينتقل إلى مرحلة الشعور بالامتنان. والإحساس بمزيد من اللطف به، والتفضل عليه، والنظر إليه، والشعور معه..

حكم علي (عليه‌السلام ) حكم الله تعالى:

وقد صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أمر علياً (عليه‌السلام ) بأن يضع قضاء الجاهلية تحت قدميه.. أي أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلن أن خالداً قد قضى في بني جذيمة بحكم الجاهلية..

وذلك يكذب ما زعمه خالد: من أنه قد نفذ أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيهم.. حسبما تقدم. كما كذَّبه قبل ذلك حين أعلن ثلاث مرات براءته مما صنع خالد.

وهو يكذِّب أيضاً رواية محبي خالد: التي تزعم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان راضياً من خالد، ولم يعترض على فعله، ولم تسقط منزلته عنده.. فإن النبي الأعظم والأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يمكن أن يرضى بما يكون من قضاء الجاهلية، ولا يمكن أن يرضى بما يعلن أنه بريء إلى الله منه..

وفي المقابل نجد علياً (عليه‌السلام ) كما يصرح به الإمام الباقر (عليه‌السلام ): لما انتهى إلى بني جذيمة (حكم فيهم بحكم الله).

وهذا صريح: بأن جميع ما فعله علي (عليه‌السلام ) إنما هو إجراء لحكم

٢٦

الله تعالى، وليس مجرد تبرعات منه (عليه‌السلام )، تستند إلى الاستحسان، أو إلى تفاعل أو اندفاع عاطفي آني، أو رغبة أذكتها العصبية للقربى، أو محبة أكدتها علاقة المودة والإلف بينه وبين ابن عمه نبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

بل ما فعله كان ـ كما قلنا ـ إجراء وتنفيذاً لحكم الله تبارك وتعالى، من دون تأثر بهوى، أو ميل مع عصبية أو انسياقاً مع عاطفة..

ويؤكد هذا المعنى: أن المال الذي حمله (عليه‌السلام ) معه إليهم، سواء أكان مُلْكاً شخصياً للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو كان من بيت مال المسلمين، لا يجوز له الإسراف والتبذير فيه، فضلاً عن تمزيقه وبعثرته وفق ما يقود إليه الهوى، وما يرجحه الذوق والاستنساب، وتدعو إليه العاطفة والإنفعالات الشخصية.

حديث المنزلة كان في بني جذيمة:

روي عن الإمام الباقر (عليه‌السلام )(١) : أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ) ـ في مناسبة ما فعله في بني جذيمة: (أنت مني

____________

١- راجع: الأمالي للصدوق ص٢٣٨ وعلل الشرائع ج٢ ص٤٧٣ و ٤٧٤ ومستدرك الوسائل ج١٨ ص٣٦٦ و ٣٦٧ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٤٢ وج١٠١ ص٤٢٣ وجامع أحاديث الشيعة ج٢٦ ص٤٨٥ وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهم‌السلام ) للنجفي ج١١ ص٧٩ و ٨٠ وغاية المرام ج٢ ص٧٥ و ٧٦.

٢٧

بمنزلة هارون من موسى).

فقد ظهر أنه لو أراد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ان يتولى هذا الأمر في بني جذيمة لم يزد على ما فعله علي (عليه‌السلام ).

وسنشير إلى بعض ما يرتبط بهذا الحديث في غزوة تبوك إن شاء الله تعالى..

أنت هادي أمتي:

وفي النصوص: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ) في بني جذيمة: (أنت هادي أمتي، ألا إن السعيد من أحبك، وأخذ بطريقتك، ألا إن الشقي كل الشقي، من خالفك، ورغب عن طريقك إلى يوم القيامة)(١) .

فقد دلتنا هذه الكلمة على أمور ثلاثة أساسية وذات أهمية بالغة هي:

الأمر الأول:

إن وصف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) بأنه هادي أمته، يدلنا على أن ما أجراه (عليه‌السلام ) في بني جذيمة ـ ليس هو مجرد إيصال حقوق مالية إلى أصحابها.. وإنما هو يرتبط بالهداية إلى الحق، وتعريف الناس بما يرضى الله تعالى..

____________

١- الأمالي للطوسي (ط سنة ١٤١٤) ص٤٩٨ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٤٣ وموسوعة احاديث أهل البيت ( عليهم‌السلام ) ج١١ ص٢١٩.

٢٨

ولعل مما يدلنا على ذلك تنوّع العطاءات، وتنوع أسبابها، حيث أظهرت أحكاماً وأسراراً دقيقة وعميقة، مثل أن لروعات النساء، وفزع الصبيان قيمة مادية، وأنه لا بد من دية الأجنة إذا أسقطت في مثل هذه الحالات.

يضاف إلى ذلك: أنها دلتنا على مسؤولية حقيقية لولي الأمر وهو الرسول ووصيه والإمام من بعده.. عن أمثال هذه الأمور، وأنها ليست مسؤولية أدبية أو سلطوية، بل هي مسؤولية مادية حقيقية وواقعية، ويحتاج إلى إبراء ذمته من هذا الحق المالي، وأن هذا الحق قد أثبته الله على نفسه أيضاً.

ولأجل ذلك صرح (عليه‌السلام ) بأنه أراد ببعض ما أعطاه أن يبرئ ذمة الله ورسوله.

وليتأمل المتأمل مليا في جعل ذلك من الوفاء بذمة الله تعالى أيضاً..

كما أن عدم علم صاحب الحق بمقدار الحق الذي ضاع له لا يعني أن لا يعطي ما يوجب براءة ذمة الله ورسوله مما لا يعلمه.. بل لا بد من إعطاء ما يفي بما يعلمون، وبما لا يعلمون أيضاً..

وهذه وسواها أمور لم تكن واضحة للناس، لولا فعل علي (عليه‌السلام ) في هذه الحادثة، وقد لا تخطر لأحد على بال..

والأهم من ذلك كله: أنه (عليه‌السلام ) أعطاهم من أجل أن يرضوا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ليحفظ دينهم ويصون إيمانهم.

وهي تدل على أنه لا بد لمن يتصدى لإنصاف الناس، ويتحمل مسؤوليتهم أن يكون عارفاً بأسرار الشريعة، واقفاً على دقائقها وحقائقها، وكوامنها وأهدافها..

٢٩

الأمر الثاني:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين أن حقيقة السعادة تنال بأمرين:

أحدهما: أن يحب عليا (عليه‌السلام ) كما هو في جميع حالاته يحبه وفي الرضا وفي الغضب، في الرخاء وفي البلاء، بل هو يحبه حتى حين يحكم عليه، أو على ولده بالقتل حين يستحق ذلك، ولا ينقص ذلك من محبته وتفانيه فيه شيئاً.

أما حب علي (عليه‌السلام ) لأنه شجاع مثلاً، فهو ليس حباً لعلي (عليه‌السلام )، بل هو حب للشجاعة التي سيحبها حتى لو كانت في أعداء الله، وأعداء الإنسانية، فهذا الحب لا ينفع صاحبه، ولا يسعده في الدنيا والآخرة، ولا ينيله رضا الله تبارك وتعالى.

الثاني: الأخذ بطريقة علي (عليه‌السلام )، بمعنى أن ينسجم فيه العمل الجوارحي مع المشاعر، ويستجيب لدعوتها، وهذا ما يعبر عنه بالتأسي والإقتداء، وأما الحب العقيم، الذي لا يلد العمل الصالح، فليس بذي قيمة، وليس من موجبات السعادة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

الأمر الثالث:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحدث عن الأخذ بطريقة علي (عليه‌السلام )، ولم يأمر بعمل نفس علي، لا من حيث الكم، ولا من حيث الكيف، بحيث يكون لعمل الناس نفس قيمة وخلوص عمل علي (عليه‌السلام ).. وسائر حالاته وآثاره، بل المطلوب هو أن يتبع المؤمن سبيله، وطريقته، وعلي (عليه الصفحة ٣١

السلام) هو القائل: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)(١) .

وهذا هو السبب أيضاً في أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد رتب الشقاء والبوار على مخالفة طريقة علي (عليه‌السلام )، لا على فقدان الأعمال لخصوصيات وقيمة عمل علي (عليه‌السلام )، وذلك لطف آخر من الله تعالى ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في هذه الأمة، وذلك واضح لا يخفى..

____________

١- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص٧١ ومختصر بصائر الدرجات ص١٥٤ ومستدرك الوسائل ج١٢ ص٥٤ وبحار الأنوار ج٣٣ ص٤٧٤ وج٤٠ ص٣٤٠ وج٦٧ ص٣٢٠ وجامع أحاديث الشيعة ج١٤ ص٣٤ وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهم‌السلام ) للنجفي ج٥ ص٩١ وج٧ ص١٦٥ وج٨ ص٤٢٥ ونهج السعادة ج٤ ص٣٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٦ ص٢٠٥ وينابيع المودة (ط دار الأسوة) ج١ ص٤٣٩ وقواعد المرام في علم الكلام لابن ميثم البحراني ص١٨٥ والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص٣٠٥.

٣٠

٣١

الفصل السادس:

علي (عليه‌السلام ) في غزوة حنين..

٣٢

٣٣

علي (عليه‌السلام ) صاحب اللواء الأعظم:

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن علياً (عليه‌السلام ) كان حامل اللواء الأكبر في حنين. وكثير من المؤرخين وإن لم يجرؤا على التصريح بإسمه، أو عزفوا عن ذلك خيانة منهم للحقيقة، ولكن هناك من صرح به، فقد قال القمي (رحمه‌الله ): (فرغب الناس، وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج في اثني عشر ألف رجل إلخ..)(١) .

____________

١- بحار الأنوار ج٢١ ص١٤٧ و ١٤٩ و ١٥٥ و ١٦٥ وتفسير القمي ج١ ص٢٨٦ والبرهان (تفسير) ج٢ ص١١٣ ونور الثقلين ج٢ ص١٩٩ وإعلام الورى ج١ ص٢٢٨ وراجع: الإرشاد للمفيد ج١ ص١٤٠ وتحفة الأحوذي ج٥ ص١٣٩ والتفسير الأصفى ج١ ص٤٥٩ والتفسير الصافي ج٢ ص٣٣٠ وشرح النهج للمعتزلي ج١٥ ص١٠٦ وجوامع الجامع للطبرسي ج٢ ص٥٥ وجامع البيان ج١٠ ص١٣٠ وكشف الغمة ج١ ص٢٢٠ و ٢٢١ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٣٤١ وشجرة طوبى ج٢ ص٣٠٧ وزاد المسير ج٣ ص٢٨١ وتفسير القرطبي ج٨ ص١٠٠ والبحر المحيط ج٥ ص٢٥ وفتح القدير ج٢ ص٣٤٨.

٣٤

وكان معه (عليه‌السلام ) لواء المهاجرين أيضاً.

ولا يصح ما زعموه من أنه (دفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، ولواء إلى علي بن أبي طالب، ولواء إلى سعد بن أبي وقاص إلخ..)(١) .

أولاً: لأنهم هم أنفسهم يصرحون بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى لواء المهاجرين لعلي (عليه‌السلام )، وأعطى راية لعمر بن الخطاب(٢) .

ثانياً: إن لواء المهاجرين لا يعطى إلا للشجعان الأكفاء، ولم يظهر من عمر ما يدل على ذلك، بل ظهر منه ما يدل على خلافه، وهو الفرار في أحد، وخيبر، وقريظة، وغيرها وها هو يفر في حنين أيضاً..

ما جرى في حنين:

وفي غزوة حنين انهزم المسلمون عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، رغم كثرتهم التي لم يسبق أن حصلت لهم قبل ذلك، والتي جعلت بعضهم

____________

١- تاريخ الخميس ج٢ ص١٠١ السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٧ و (ط دار المعرفة) ص٦٤ والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج٢ ص١٠٩ وراجع: الطبقات الكبرى ج٢ ص١٥٠ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٧٩ وإمتاع الأسماع ج٢ ص١٢ وج٧ ص١٧٠.

٢- السيرة الحلبية ج٣ ص١٠٧ و (ط دار المعرفة) ص٦٤ والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج٢ ص١٠٩ وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص١٥٠ وإمتاع الأسماع ج٧ ص١٧٠.

٣٥

يقول: (لن نغلب اليوم من قلّة)(١) .

نعم لقد هزم الجيش كله، ولم يبق معه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سوى بعض بني هاشم، أحاطوا به (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ليكونوا جداراً بشرياً يحميه، وعلي (عليه‌السلام ) وحده، هو الذي كان يقاتل المشركين حتى هزمهم..

____________

١- سبل الهدى والرشاد ج٥ ص٣١٧ عن الواقدي، وأبي الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبزار، وتاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٠٠ والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج٥ ص٢٥ وراجع: السيرة الحلبية ج٣ ص١١٠ و (ط دار المعرفة) ص٦٩ والإفصاح للمفيد ص٦٨ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص١٨٠ وبحار الأنوار ج٢١ ص١٥٥ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٥ ص١٠٦ وتفسير الآلوسي ج١٠ ص٧٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص١٥٠ وتاريخ الإسلام للذهبي ج٢ ص٥٧٤ والبداية والنهاية ج٤ ص٣٦٩ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٧٩ وكشف الغمة ج١ ص٢٢١ وكشف اليقين ص١٤٣ والسيرة النبوية لابن كثير ج٣ ص٦١٠ وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج١ ص٢٥٥ ونهج الحق للحلي ص٢٥١ وإحقاق الحق (الأصل) ص٢٠٦ وراجع: مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٨ و ١٨١ وزاد المسير لابن الجوزي ج٣ ص٢٨١ وتفسير السمعاني ج٢ ص٢٩٨ وتفسير أبي السعود ج٤ ص٥٥ وراجع: بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص١٣٩.

٣٦

الثابتون في حنين:

زعموا: أن عدداً من المسلمين قد ثبتوا في حرب حنين، ولم يفروا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وقد اختلفوا في أعدادهم، وأوردوا طائفة من الأسماء، ونحن هنا نقتبس بعض المقاطع مما ذكرناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الجزء الرابع والعشرين منه..

مكتفين بها عما سواها.. وذلك على النحو التالي:

لم يثبت سوى علي (عليه‌السلام ):

لا مجال لتأييد أي من الدعاوى حول ثبات أي كان من الناس سوى علي (عليه‌السلام )..

غير أنه يمكن ترجيح أن يكون هناك أفراد قليلون من بني هاشم أحاطوا برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتى لا يناله سلاح الكفار.

أما القتال فكان محصوراً به (عليه‌السلام ).

ونستند في ذلك إلى ما يلي من نصوص:

١ ـ قال الشيخ المفيد (رحمه‌الله ): ولم يبق منهم مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة، وعاشرهم أيمن ابن أم أيمن، فقتل أيمن رحمة الله عليه، وثبت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من كان انهزم.

فرجعوا أولاً فأولاً حتى تلاحقوا، وكانت لهم الكرة على المشركين، وفي ذلك أنزل الله تعالى، وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة:

٣٧

( ..وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ) (١) .

يعني: أمير المؤمنين علياً (عليه‌السلام ).

ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) تاسعهم:

العباس بن عبد المطلب، عن يمين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

والفضل بن العباس عن يساره.

وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته.

وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بين يديه يضرب بالسيف.

ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب حوله.

وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه(٢) .

____________

١- الآيتان ٢٥ و ٢٦ من سورة التوبة.

٢- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج١ ص١٤٠ و ١٤١، ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣٠ وراجع: بحار الأنوار ج٣٨ ص٢٢٠ وج٢١ ص١٥٦ والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص٨١ و ٨٢ وشجرة طوبى ج٢ ص٣٠٨ وأعيان الشيعة ج٣ ص٥٢٢ وإعلام الورى ج١ ص٣٨٦= = وقريب منه ذكره الطبرسي في مجمع البيان ج٥ ص١٨ و ١٩.

٣٨

وكذلك عدهم ابن قتيبة في المعارف، والثعلبي في الكشف(١) .

وأضافوا إلى هؤلاء: أيمن مولى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

قال ابن شهرآشوب: (وكان العباس عن يمينه، والفضل عن يساره، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، وسائرهم حوله، وعلي (عليه‌السلام ) يضرب بالسيف بين يديه)(٣) .

٢ ـ وفي ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي:

لم يواس النبي غير بني هاشم عند السيوف يوم حنين

هرب الناس غير تسعة رهط فهم يهتفون بالناس: أين

ثم قاموا مع النبي على المو ت فآبوا زيناً لنا غير شين

وسوى أيمن الأمين من القوم شهيداً فاعتاض قرة عين(٤)

____________

١- بحار الأنوار ج٤١ ص٩٣ و ٩٤ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٦٠٤ و (ط المكتبة الحيدرية) ج٢ ص٣٣٠.

٢- بحار الأنوار ج٤١ ص٩٤ ومناقب آل أبي طالب ج١ ص٦٠٤ و ٦٠٥ و (ط المكتبة الحيدرية) ص٣٣٠.

٣- المصدر السابق.

٤- الإرشاد للمفيد ج٢ ص١٤١. وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج٢ ص٣١ و (ط المكتبة الحيدرية) ج١ ص٣٠٥ وج٢ ص٣٣١ وبحار الأنوار ج٣٨ ص٢٢٠ وج٢١ ص١٥٦ والمستجاد من كتاب الإرشـاد (المجموعة) = = ص٨٣ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٨٠ وج٣ ص٥٢٢ وكشف الغمة ج١ ص٢٢١ وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص١٦٢.

٣٩

٣ ـ وقال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا

وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه على القوم أخرى يا بني ليرجعوا

وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه لما ناله في الله لا يتوجع(١)

٤ ـ وفي احتجاج المأمون على علماء عصره، يقول المأمون عن نزول السكينة في حنين: (إن الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلا سبعة من بني هاشم: علي (عليه‌السلام ) يضرب بسيفه، والعباس أخذ بلجام بغلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والخمسة محدقون

____________

١- الإرشاد للمفيد ص١٤١ و ١٤٢ والمواهب اللدنية ج١ ص١٦٤ وراجع: مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٠ وفي بحار الأنوار ج٢١ ص١٥٦ وج٣٨ ص٢٢٠ وج٤١ ص٩٤ ومجمع البيان ج٥ ص١٨ و ١٩ و (ط مؤسسة الأعلمي) ص٣٥ وكشف الغمة ج١ ص٢٢١ وأعيان الشيعة ج١ ص٢٨٠ وج٣ ص٥٢٢ وتفسير الميزان ج٩ ص٢٣١ والجامع لأحكام القرآن ج٨ ص٩٨ وتفسير البحر المحيط ج٥ ص٢٦ وروح المعاني ج١٠ ص٧٤ وتفسير الآلوسي ج١٠ ص٧٤ وسبل الهدى والرشاد ج٥ ص٣٤٨ و ٣٤٩ وفي المعارف لابن قتيبة ص١٦٤ ونصب الراية للزيلعي ج٤ ص١٨٠ وأسد الغابة ج١ ص١٦١ والوافي بالوفيات ج١٠ ص٢٠: سبعة، بدل: تسعة. وثامننا، بدل: وعاشرنا.

٤٠

بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، خوفاً من أن يناله سلاح الكفار، حتى أعطى الله تبارك وتعالى رسوله (عليه‌السلام ) الظفر.

عنى بالمؤمنين في هذا الموضع(1) : علياً (عليه‌السلام )، ومن حضر من بني هاشم.

فمن كان أفضل؟! أمَن كان مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونزلت السكينة على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعليه؟!

أم من كان في الغار مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولم يكن أهلاً لنزولها عليه؟!(2) .

5 ـ قال ابن قتيبة: (كان الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم حنين، بعد هزيمة الناس: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب ـ آخذ بحَكَمَةِ بغلته ـ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد ـ وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحاضنته، وقتل يومئذٍ هو وابن أبي سفيان، ولا عقب لابن أبي سفيان ـ وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة..)(3) .

____________

1- أي في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ) .

2- بحار الأنوار ج49 ص199 وج69 ص144 وعيون أخبار الرضا ج2 ص193 وحياة الإمام الرضا ( عليه‌السلام ) للقرشي ج2 ص264.

3- المعارف لابن قتيبة ص164وبحار الأنوار ج38 ص220 عنه، ومناقب آل أبي = = طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص330 وأعيان الشيعة ج1 ص279.

٤١

فتجد أنه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة من ثبت.

6 ـ وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول: أين تفرون عن الله، وعن رسوله؟!

ومر بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟!

فقال لها: هذا أمر الله(1) .

وهذا يدل على عدم صحة قولهم: إنه كان في جملة من ثبت مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حنين. حتى ادَّعوا: أنه كان آخذاً بلجام بغلته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

7 ـ عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه كان يحدث الناس عن يوم حنين، قال: (فر الناس جميعاً، وأعروا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلم يبقَ معه إلا سبعة نفر، من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي، وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب، ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مصلت سيفه في المجتلد، وهو على بغلته الدلدل، وهو يقول:

أنا النبي لا كَذِبْ أنا ابن عبد المطَلِبْ

____________

1- تفسير القمي ج1 ص287 وبحار الأنوار ج21 ص150 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص106 وشجرة طوبى ج2 ص308 والتفسير الصافي ج2 ص331 ونور الثقلين ج2 ص200.

٤٢

إلى أن قال: (التفت العباس يومئذٍ وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير علياً (عليه‌السلام ) في من ثبت، فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو صاحب ما هو صاحبه؟! يعني المواطن المشهورة له.

فقلت: نقِّص قولك لابن أخيك يا أبه.

قال: ما ذاك يا فضل؟!

قلت: أما تراه في الرعيل الأول؟! أما تراه في الرهج؟!

قال: أشعره لي يا بني.

قلت: ذو كذا، (ذو كذا)، ذو البردة.

قال: فما تلك البرقة؟!

قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران.

قال: برّ، ابن بر، فداه عم وخال.

قال: فضرب علي يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدّه حتى أنفه وذكره، قال: وكانت ضرباته مبتكرة)(1) .

8 ـ وقال اليعقوبي: (فانهزم المسلمون عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو 585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.

٤٣

حتى بقي في عشرة من بني هاشم.

وقيل: تسعة.

وهم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. وقيل: أيمن ابن أم أيمن)(1) .

9 ـ (..وفي رواية: لما فرّ الناس يوم حنين عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، والعباس ـ وهما بين يديه ـ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر. ولا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل)(2) .

10 ـ وقال الطبرسي: (الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي، والعباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك بن مزاحم)(3) .

11 ـ عن البراء بن عازب قال: (ولم يبق مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص62 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج1 ص254.

2- راجع المصادر المتقدمة.

3- مجمع البيان ج5 ص17 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص32 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص147.

٤٤

إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث)(1) .

12 ـ ويقول البعض: (وانهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟!

قال: أمر الله.

ثم تراجع الناس إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

13 ـ قال المجلسي: (إن الإمام الباقر (عليه‌السلام ) قد احتج على الحروري: بأنهم (كانوا تسعة فقط: علي، وأبو دجانة، وأيمن؛ فبان أن أبا بكر لم يكن من المؤمنين)(3) .

____________

1- التفسير الكبير للرازي ج16 ص22 والكشاف ج2 ص259 والمواهب اللدنية ج1 ص163 عن البخاري في الصحيح، وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج3 ص39.

2- السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص624 وراجع ص623 عن البخاري وبقية الجماعة إلا النسائي. والمغازي للواقدي ج3 ص908 وصحيح البخاري (ط دار ابن كثير) ج4 ص1570 و (ط دار الفكر) ج5 ص101 وعمدة القاري ج17 ص300 و 302 والسيرة الحلبية ج3 ص65 وفتح الباري ج8 ص29 والبداية والنهاية ج4 ص329 وراجع: نيل الأوطار ج8 ص92 وعون المعبود ج7 ص275 والمنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص111 وشرح الزرقاني على الموطأ ج3 ص28.

3- بحار الأنوار ج27 ص323.

٤٥

14 ـ وعند الطبرسي: فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد، والقنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب(1) .

15 ـ وعند بعضهم: أن الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كانوا اثني عشر رجلاً(2) .

16 ـ عن أنس بن مالك، قال: ولى المسلمون مدبرين، وبقي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحده(3) .

____________

1- إعلام الورى ص121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص230 وبحار الأنوار ج21 ص166 وقصص الأنبياء للراوندي ص347 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص181 وشجرة طوبى ج2 ص309 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص182.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص348 عن النووي، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص108 و (ط دار المعرفة) ص65 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص110 وتاريخ الخميس ج2 ص102 وعمدة القاري ج14 ص157 وفتح الباري (ط دار المعرفة ـ الطبعة الثانية) ج8 ص23 و (تحقيق محب الدين الخطيب) ج8 ص30.

3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص248 و 225 عن أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي. وفي هامشه عن: ابن أبي شيبة ج14 ص530 و 531 = = وعن أحمد ج3 ص190 و 279 وج5 ص286 وابن سعد ج2 ق1 ص113 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص141 والسنن الكبرى ج6 ص206 وعن الدولابي في الكنز ج1 ص42 وراجع: الدر المنثور ج3 ص224 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص555 وكنز العمال ج10 ص552 والبداية والنهاية ج4 ص374 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص620.

٤٦

17 ـ عن عكرمة: لما كان يوم حنين، ولى المسلمون، وثبت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: أنا محمد رسول الله ثلاث مرات، وإلى جنبه عمه العباس(1) .

حنين تشبه بدراً:

ونلاحظ هنا: أن ما جرى في حنين يشبه ما جرى في بدر من نواح عدة، نذكر منها:

1 ـ الإمداد بالملائكة للمسلمين في الغزوتين..

2 ـ إن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة في كليهما..

3 ـ إن النكاية في العدو كانت لعلي..

4 ـ تقارب عدد الذين قتلهم علي (عليه‌السلام ) في الغزوتين، فقد قتل بيده أربعين رجلاً في حنين(2) .. وفي بدر قتل نصف السبعين، وشارك في قتل

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص226 والدر المنثور ج3 ص225.

2- الجامع لأحكام القرآن ج8 ص99 وراجع: كشف الغطاء (ط ق) ج1 ص15 = = والكافي ج8 ص376 وشرح أصول الكافي ج12 ص542 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص452 وج21 ص176 و 178 و 179 وج41 ص94 و 66 والتفسير الصافي ج2 ص332 ونور الثقلين ج2 ص201 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة ج1 ص257 وج9 ص341.

وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 و 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 والأمالي لابن الشيخ ص585 والإرشاد للمفيد ج1 ص144.

٤٧

النصف الآخر(1) ، وهو الذي قتل عتبة وشيبة كما ظهر من سياق رواية قتلهما.

5 ـ إن ظروف الحرب، والإمتيازات التي تؤثر على مسار القتال كانت لصالح المشركين في بدر، وكذلك الحال في غزوة حنين(2) .

6 ـ إن كلاً من حرب بدر وحرب حنين كانت مصيرية بالنسبة

____________

1- راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج2 ص353. ولم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء. ونور الأبصار ص86 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص24، وقال: إذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي، وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري، وغيرها علمت صحة ذلك. وكتاب الأربعين للشيرازي ص419 وبحار الأنوار ج41 ص146 وشجرة طوبى ج2 ص273 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج9 ص339 وأعيان الشيعة ج1 ص330 و 395 وكشف اليقين ص126 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وشرح إحقاق الحق ج32 ص334.

2- راجع: الصحيح من سيرة النبي ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج24.

٤٨

للمسلمين، ولذلك قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بدر وحنين: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد..

7 ـ توافق عدد قتلى المشركين في بدر وحنين وهو عدد سبعين(1) .

8 ـ إن عدد الشهداء فيهما كان خمسة على بعض الأقوال(2) ..

9 ـ حاجة المسلمين إلى الماء كانت في حنين، كما كانت في بدر(3) .

10 ـ كانت غزوة بدر أول غزوة للعرب، وحنين كانت آخر غزوة

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص588 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 وعيون الأثر ج2 ص218.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تفسير الميزان ج9 ص235 ومجمع الزوائد ج6 ص189 و 190 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص352 والبداية والنهاية ج4 ص389 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص906 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص644 وتاريخ خليفة بن خياط ج1 ص88.

3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص335 وج9 ص454 عن أبي نعيم، وعمدة القاري ج13 ص43 وراجع: الفايق في غريب الحديث ج3 ص307 وتاج العروس ج10 ص126 ومسند الروياني ج2 ص257 والخصائص الكبرى ج1 ص450 وغريب الحديث للخطابي ج1 ص412 والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص18.

٤٩

لهم، فخمدت جمرة العرب بهاتين الغزوتين.

11 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رمى في الغزوتين بالتراب في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه..

12 ـ كلتا الغزوتين كانت بين المسلمين والمشركين..

وقد ذكرنا تفاصيل هذه الغزوة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فليراجع.

أحداث ما بعد الهزيمة:

ويقولون: إنه لما رأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الهزيمة وقعت على المسلمين في حنين ركض بغلته نحو علي، فرآه قد شهر سيفه، فأمر العباس بأن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، ويا أصحاب الشجرة إلى أين تفرون؟! هذا رسول الله إلخ..(1) .

ولم يفصح لنا هذا النص عن سبب توجه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى علي (عليه‌السلام )، فهو لم يذهب نحوه ليتأكد من فراره وعدمه، فهو

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص150 و 151 والتفسير الصافي ج2 ص331 و 332 والتفسير الأصفى ج1 ص459 و 460 وتفسير الميزان ج9 ص234 ونور الثقلين ج2 ص199 و 200 وتفسير القمي ج1 ص287 و 288 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص104 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111.

٥٠

يعرف علياً، وقد خبره طيلة عشرين عاماً من الجهاد والتضحية، ولكنه أراد أن يطمئن إلى سلامة علي (عليه‌السلام )، لأن هذا الفرار الذي وقع على المسلمين لا مبرر له، إلا إن كانوا قد فقدوا الحامي والناصر، وهو علي (عليه‌السلام ) بأن يكون قد أصيب بمكروه، لأنه (عليه‌السلام ) كان هو العماد للجيش، وهو الآتي بالنصر في جميع الحروب.. وكم من مرة هزم الجيش كله، أو أخذه الرعب حتى حجزه عن القتال.. ثم كان (عليه‌السلام ) هو المنقذ، وهو الحامي.

كما أن هذه اللفتة النبوية المباركة قد بينت لنا مقام علي (عليه‌السلام )، وأهمية موقعه في ساحات الجهاد.. لكي يصونه من الأباطيل التي ربما يحاول المغرضون نسبتها إليه، وخداع بسطاء الناس بها، مثل أن يزعموا للناس أن علياً (عليه‌السلام ) قد فر ايضاً.. فإن علياً (عليه‌السلام ) كان قد غاص في أوساط الأعداء حتى افتقده العباس، وظن أنه تخلى عن موقعه، وعن دوره، فأطلق كلمات تعبر عن تبرم وشك(1) ، فدلوه عليه وهو في جموع أولئك الأعداء المتكالبين على قتله، وقتل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومن معهما من المؤمنين..

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو ص585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.

٥١

علي (عليه‌السلام ) يقتل ذا الخمار:

وقالوا: لما انهزمت هوازن كانت راياتهم مع ذي الخمار، فلما قتله علي (عليه‌السلام ) أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فقاتل بها حتى قتل(1) .

ويلاحظ: أن عامة الذين يذكرون قتل عثمان بن عبد الله، قد ذكروا أنه أخذ الراية بعد قتل ذي الخمار، ولكنهم لا يصرحون بإسم الذي قتل ذا الخمار هذا(2) .

كما أنهم لم يذكروا لنا إسم الذي قتل عثمان بن عبد الله.. ونكاد نطمئن إلى أن قاتله هو علي (عليه‌السلام ) دون سواه.. لأنه هو الذي هزم المشركين دون سواه علي (عليه‌السلام )..

وسيأتي: أن الظاهر هو أن أحداً من المسلمين لم يقتل أحداً من المشركين

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص96 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص606 (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص333 عن محمد بن إسحاق، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص898 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.

2- راجع على سبيل المثال: تاريخ الخميس ج2 ص106 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص334 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.

٥٢

في هذه الحرب، في ساحات القتال. بل انهم حين رجعت راجعة المسلمين وجدوا الأسرى مكتفين. وقد ذكرنا بعض الدلائل على هذا(1) .

قتل أبي جرول:

ويذكرون في قتل أبي جرول ما يشبه ما ذكروه في قتل ذي الخمار فقد رووا:

عن البراء بن عازب قال: كان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء، على رمح طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه. إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته الناس، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله.

واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج24.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص319 وتاريخ الخميس ج2 ص102 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111 والسيرة الحلبية ج3 ص111 و (ط دار المعرفة) ص69 وراجع: مسند أحمد ج3 ص376 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص348 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص373 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص896 وعيون الأثر ج2 ص216 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص618 ومصادر كثيرة تقدمت.

٥٣

ونقول:

إن الصحيح هو أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قتل أبا جرول، فلاحظ ما يلي:

1 ـ قال اليعقوبي: (ومضى علي بن أبي طالب إلى صاحب راية هوازن فقتله، وكانت الهزيمة)(1) .

2 ـ لعل هذا النص قد تعرض للتحريف، والتصرف والتزييف كما تعودناه في كثير من المواضع، من قبل شانئي علي (عليه‌السلام ).. إذ قد روى الآخرون حادثة قتل أبي جرول، مصرحين، بأن الذي قتله هو علي (عليه‌السلام ) وحده..

وقال الشيخ المفيد (رحمه‌الله ): وإذا فاته الناس دفع لمن وراءه، وجعل يقتلهم وهو يرتجز:

أنا أبو جرول لا براح حتى نبيح القوم أو نباح

قال: فصمد له أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فضرب عجز بعيره، فصرعه، ثم ضربه فقطره، ثم قال:

قد علم القوم لدى الصباح أني لدى الهيجاء ذو نصاح

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول.

قال: وقتل علي (عليه‌السلام ) أربعين رجلاً بعد قتل أبي جرول(2) .

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص63.

2- الإرشـاد للمفيـد ج1 ص142 ـ 144 وبحار الأنـوار ج21 ص157 وج41 = = ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 ـ 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص331 والدر النظيم ص183 وكشف الغمة ج1 ص222.

٥٤

3 ـ قال ابن شهرآشوب: (وفارسهم أبو جرول، وإنه قدَّه عظيماً بنصفين، بضربة في الخوذة، والعمامة، والجوشن، والبدن إلى القربوس، وقد اختلفوا في اسمه)(1) .

بيانات ضرورية:

وهنا بيانات يحسن التعرض لها، وهي التالية:

1 ـ قالوا: (في عقر علي (عليه‌السلام ) بعير حامل راية الكفار دليل جواز عقر فرس العدو، ومركوبه، إذا كان ذلك عوناً على قتله)(2) .

2 ـ إن اللواء هو محط أنظار جميع المقاتلين، فقتل حامله، وسقوط اللواء، يرعب الجيش، ويشوش حركته، ويصيب المقاتلين بحالة من الضياع والإحباط.. ويهيؤهم للهزيمة، ويدخلهم في التفكير فيها فعلاً.. وهذا ما حصل بقتل أبي جرول..

3 ـ لا منافاة بين قولهم: إن هزيمة المشركين كانت حين رماهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بكف من تراب أو حصى.. وبين كون السبب هو قتل أبي جرول، فإن قتله قد يكون متصلاً بما فعله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص66 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 ـ 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص542.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص350 وزاد المعاد ج3 ص483.

٥٥

حيث الزمان..

4 ـ قول ابن شهرآشوب: إن علياً قدّ أبا جرول بنصفين يدل على عدم صحة قولهم: إن أنصارياً قد شارك علياً في ذلك.. وإن كنا لا نستبعد أن يكون ذلك الأنصاري حاضراً وناظراً.. لكن إثبات مشاركته غير ظاهر..

5 ـ لو صح ما ذكروه لبادروا إلى ذكر إسم ذلك الأنصاري، ولعل ذكر اسمه أولى عند هؤلاء من ذكر اسم علي (عليه‌السلام ).. إذ ليس من الإنصاف أن يذكروا اسم من ضرب الجمل، ويهملوا من قتل ذلك الفارس العظيم القائد لجيوش المشركين!!

6 ـ ما ذكرته الرواية من اجتلاد المسلمين والمشركين بعد عودة المسلمين من الهزيمة، يتناقض مع ما صرحت به بعض النصوص من أن الهزيمة وقعت على المشركين، ولم يضرب المسلمون بسيف، ولا طعنوا برمح.

شعر علي (عليه‌السلام ) في حرب حنين:

وذكروا أيضاً: أن علياً (عليه‌السلام ) قال في حرب حنين؛ وأنكرها ابن هشام:

ألم تر أن الله أبلى رسوله بلاء عزيز ذى اقتدار وذي فضل

وقد أنزل الكفار دار مذلة فلاقوا هواناً من أسار ومن قتل

فأمسى رسول الله قد عز نصره وكان أمين الله أرسل بالعدل

فجاء بفرقان من الله منزل مبينة آياته لذوي العقل

٥٦

فآمن أقوام بذاك فأيقنوا فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل

وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم فزادهم ذو العرش خبلاً على خبل

وحكم فيهم(1) يوم بدر رسوله وقوماً كماة(2) فعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خفاف قواطع وقد حادثوها بالجلاء وبالصقلِ

فكم تركوا من ناشئ ذي حمية صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهل

وتبكي عيون النائحات عليهم تجود بإرسال الرشاش وبالوبل

نوائح تبكي عتبة الغي وابنه وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل

وذا الذحل تنعى وابن جدعان فيهم مسلبة حرى مبينة الثكل

ثوى منهم في بئر بدر عصابة ذوو نجدات في الحروب وفي المحل

دعا الغي منهم من دعا فأجابه وللغي أسباب مرمقة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشغب والعدوان في أسفل السفل(3)

ونقول:

أولاً: إن الشعر طريقة تعبير لها أثر في النفوس، ويستهويها لحفظه،

____________

1- وأمكن منهم.

2- غضاباً.

3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج4 ص125 وبحار الأنوار ج19 ص321 وج41 ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص75 وج2 ص331 والبداية والنهاية ج3 ص404 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص538 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص525.

٥٧

وترديده، وتناقله، والإحتفاظ به، وإبلاغه للأجيال كما أنه يستفز المشاعر، ويلهب الأحاسيس في كثير من الأحيان، فإذا أمكن الإستفادة منه في خدمة الحق والدين فلا ضير في ذلك، ولا حرج إذا التزموا بحدود الله فيه.

ثانياً: إن علياً حين يقول الشعر، فإنك لا تجد في شعره (عليه‌السلام ) تلك السلبيات التي ألمح القرآن إليها.. فهو لا يستهوي الغاوين عن الحق، وليس فيه هيمان في كل واد، ولا هو يقول ما لا يفعل..

بل هو شعر يستهوي الباحثين عن الحق، وفيه إتباع لسبيل الرشد، ولا يحيد عن سبيل الله له سبحانه، ولو بمقدار ذرة أو شعرة.. وهو تقرير للحقائق، وإخبار عن الوقائع، وقول فصل، ووعد صادق..

كما أنك لا تجد فيه أي نوع من أنواع الخيال الباطل، والأوهام الرعناء، والزائفة..

ثالثاً: إنه (عليه‌السلام ) لم يذكر شيئاً عن جهد نفسه وجهاده في بدر، وأحد، وخيبر، والخندق، وقريظة، والنضير، وذات السلاسل، وفدك، وسواها، ولا يتغنى فيه ببطولات سطرها أي من الناس في حنين.

بل هو يخص رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالثناء، وينسب إليه كل نصر وتوفيق.

رابعاً: إنه (عليه‌السلام ) يذكر الناس في شعره هذا بحقائق الدين القائمة على الحق والعدل، ويشير إلى القرآن بعنوان أنه المفرق بين الحق والباطل، والمنسجم مع ما تقضي به العقول، بما فيه من هدايات تستنزل التوفيق الإلهي، وتكون معاندتها من أسباب الخذلان وزيادة العمى في القلب..

٥٨

٥٩

غنائم حنين لمن:

إننا نعتقد: أن غنائم حنين كانت لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي (عليه‌السلام )، لأن المسلمين انهزموا عن بكرة أبيهم، وقد صرحت بعض النصوص بأنه لم يكن منهم قتال في حنين أبداً.. وقد بقيت جماعة من بني هاشم ـ حسب قول عدد من النصوص المتقدمة ـ آثروا أن يحيطوا بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

أما علي فقد قام بأمر الله بقتال المشركين، حتى هزمهم وحده كما تقدم..

ولكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد أن هزم الله المشركين، أراد أن يحفظ ماء وجه أصحابه، فقرر أن يجعل لهم نصيباً من الغنائم.. فأعلن لهم بذلك، ثم استجازهم بأن يعطي من هذه الغنائم المؤلفة قلوبهم، متوخياً طيب نفوس الأنصار بعدما نفذ ما أمره الله تعالى به(1) .

وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جزء 25.

____________

1- الروض الأنف ج4 ص167 وراجع: مسند أحمد ج4 ص42 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص104 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص339 وعمدة القاري ج17 ص307 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص556 وكنز العمال ج14 ص64 وجامع البيان ج10 ص129 وتفسير الثعلبي ج5 ص24 وتفسير البغوي ج2 ص280 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص397 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق1 ص293 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص677.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329