مطارحات في الفكر والعقيدة

مطارحات في الفكر والعقيدة22%

مطارحات في الفكر والعقيدة مؤلف:
تصنيف: مناظرات وردود
ISBN: 964-319-046-3
الصفحات: 168

مطارحات في الفكر والعقيدة
  • البداية
  • السابق
  • 168 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 51125 / تحميل: 5372
الحجم الحجم الحجم
مطارحات في الفكر والعقيدة

مطارحات في الفكر والعقيدة

مؤلف:
ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٠٤٦-٣
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

١٠١

١٠٢

المبحث الأول

مفتريات حول تحريف القرآن الكريم

كلمة موجزة عن كتب الحديث عند الفريقين :

اِعلم ـ أخي المسلم ـ أنَّ كتب الحديث الأساسية عند الشيعة هي أربعة كتب ، أولها الكافي لثقة الإسلام الكليني ( ت ٣٢٩ ه‍ ) ، ثم كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ( ت ٣٨١ ه‍ ) ثم الاستبصار والتهذيب وكلاهما للشيخ الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ) ، وقد سميت هذه الكتب بالاُصول الأربعة.

والشيعة لا تنظر لأيِّ منها على أنَّه أصحُّ كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، بخلاف ما يراه العامّة في صحيحي البخاري ومسلم كما يبدو من تتبع أقوالهم قديماً وحديثاً ، ويكفي تسميتهم لها ب‍ ( الصحاح ) ! ناهيك عن غلوهم بالصحيحين.

فالذهبي مثلاً ، والسرخسي ، وابن تيمية ، وابن الصلاح قد صرّحوا بأنّ ما في الصحيحين يفيد القطع ، ذكر هذا الكشميري في فيض الباري على صحيح البخاري تحت عنوان : ( القول الفصل في أنَّ خبر الصحيحين يفيد

١٠٣

القطع ). وقال : ( واعلم أنّه انعقد الإجماع على صحّة البخاري ومسلم )(١) .

ونجد ابن خلدون يصرح في تاريخه بأنَّ الإجماع قد اتّصل في الاُمّة على تلقي الصحيحين بالقبول والعمل بما فيهما ، ثم قال : « وفي الإجماع أعظم حماية ، وأعظم دفع »(٢) يريد بهذا دفع أي قول بخلاف هذا باجماع العامّة !

وفي عمدة القاري ( اتّفق علماء الشرق والغرب ( يعني : علماء العامّة ) على أنّه ليس بعد كتاب الله تعالى أصحّ من صحيحي البخاري ومسلم )(٣) .

ومن راجع مقدمة فتح الباري(٤) ، وعمدة القاري(٥) ، وإرشاد الساري(٦) ٍ ، ووفيات الاعيان(٧) ، وصحيح مسلم بشرح النووي(٨) ، وكشف الظنون(٩) سيجد فيها اتفاق علماء العامّة على ذلك ، بل والاكثر من هذا أنّه اتفق مترجمو البخاري وشارحو كتابه على أنّه قال : أخرجت هذا الكتاب من مائتي ألف حديث صحيح وما تركته من الصحيح أكثر ..!!

وفي مقابل هذا نجد الشيعة قديماً وحديثاً قد وقفوا موقفاً معتدلاً من

__________________

(١) فيض الباري ، للكشميري الديوبندي ١ : ٥٧.

(٢) تاريخ ابن خلدون ١ : ٥٥٦ الفصل / ٥٢.

(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، للعيني ١ : ٥.

(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني : ٣٨١ من المقدمة.

(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١ : ٨ و ٤٥.

(٦) ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري ، القسطلاني ١ : ٢٩.

(٧) وفيات الأعيان ، لابن خلّكان ٤ : ٢٠٨.

(٨) صحيح مسلم بشرح النووي ، النووي الشافعي ١ : ١٩ من المقدمة.

(٩) كشف الظنون ، لحاجي خليفة ١ : ٦٤١.

١٠٤

الكتب الأربعة وعلى رأسها الكافي ابتداءاً من الشيخ الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه باب الرجلين يوصى اليهما فينفرد كل واحد منهما بنصف التركة(١) وباب صوم التطوع وثوابه(٢) ، والشيخ المفيد في جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية(٣) ، والسيد الشريف المرتضى في جوابات المسائل الرسيّة(٤) ، وجوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة(٥) ، والطرابلسيات(٦) ، والتبّانيّات(٧) ، وغيرهم ممن جاء بعدهم من علماء الشيعة وإلى يومنا هذا.

فقد بينوا موقفهم الصريح المتحرر من قيود التعصب إزاء روايات الكافي وغيره من كتبهم الحديثية ، ولم يَغْلُ واحد منهم في أيٍّ منها ويُسَمِّها بغير اسمها ، إذ لا يوجد في قاموس الشيعة كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه غير كتاب الله العزيز وكفى ، ولم يدّع أحد بأنَّ أخبار الكافي تفيد القطع ، ولا الإجماع على صحة جميع ما فيه ، اللّهم إلاّ إذا استثنينا ما ذهب إليه الأخباريون كالأسترابادي الذي رام أن يجعل أحاديث الكافي قطعيّة الصدور لما اعتمده من قرائن لا تنهض بذلك باتفاق من عاصره وتأخر عنه ، ويكفي أنّه قد أنكر عليه هذا خاتمة

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٤ : ١٥١ / ٥٢٣ ـ ٥٢٤.

(٢) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٥٥ / ٢٤١.

(٣) جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية : ١٩ و ٢٠ و ٢١ و ٢٢.

(٤) جوابات المسائل الرسيّة : ٣٣١.

(٥) جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة : ٤١٠ و ٤١١ و ٤١٩.

(٦) جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة ، للشريف المرتضى : ٢١١.

(٧) جوابات المسائل التبّانيّات ، للشريف المرتضى : ٢١.

١٠٥

المحدثين وشيخ الأخباريين الميرزا النوري ؛ في مستدرك الوسائل(١) .

هذا ، والكلينيقدس‌سره لم يصرّح بصحة أحاديث الكافي ، كما صرّح البخاري بصحة جميع أحاديث كتابه ، وتابعه على ذلك أهل العامّة حتى صرّحوا بإجماعهم عليه كما مرَّ.

أكاذيب حول كتاب الكافي بشأن شبهة التحريف :

فإذا علمت هذا ، فاعلم أنّه قد زعم بعضهم سكوت الشيعة المعاصرين عن أخطاء علمائهم السابقين ، بل ومحاولة الدفاع عن تلك الأخطاء التي توجب الكفر كروايات شبهة التحريف في كتاب الكافي للشيخ الكليني ، متسائلاً : أهنالك مجال للشك في تكفير من يروي التحريف ، والله تعالى يقول :( إنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٢) ؟

رد هذه الاكاذيب ومعالجة تلك الشبهة :

أقول : إنّ تدارك الخطأ ـ ما لم يكن عن عَمْدٍ ـ في أيِّ كتاب من كتب التراث عند جميع المسلمين بشتى مذاهبهم لا يتم بتكفير مؤلفه ، وإنّما يُكتفى في ذلك بالتنبيه على الخطأ لكي يُجتنب.

وأمّا لو كان ذلك الخطأ عن عَمْدٍ من مؤلفه ، فالأمر مختلف ، كلٌ بحسب نوعية الخطأ وحجمه ومقدار تأثيره ، وفي كل ذلك تفصيل.

فلو فُرِضَ أنَّ ذلك الخطأ مما يستلزم الردّة ، وعَلِمَ صاحبُه بهذا وأصرَّ

__________________

(١) مستدرك الوسائل ، للعلاّمة النوري ٣ : ٥٣٣ ، في الفائدة الرابعة من الخاتمة.

(٢) الحجر ١٥ : ٩.

١٠٦

عليه ، فحكمه هنا ليس كحكم رِدّة الغالط ، والغافل ، والسّاهي ، والمُكرَه وإنْ لم يكن في الواقع كذلك لكنه ادّعاه فيقبل منه ولا يحكم بردّته ولا يراق دمه. للأصل الثابت عند جميع المسلمين في رفع حكم هذه الأشياء كلها ، أعني : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« رفع عن اُمّتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما أُكرهوا عليه ، وما لا يطيقون ، وما لا يعلمون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة » (١) هذا ما لم يثبت العكس ، فإنْ ثبت فينظر في إسلام المرء قبل ردته.

هل كان عن فطرة ، حتى يقتل من دون استتابة ؟ ؛ لحديث :« من بدّل دينه فاقتلوه » .

أم عن ملة فيستتاب ؟ فإنْ تاب فهو ، وإلاّ فالقتل بعد اليأس منه.

وعلى أية حال فإنَّ من يزعم نفي الشكّ في تكفير العلماء لمجرد فرض تحقق قولهم بشبهة تحريف القرآن الكريم ، قد أثبت لنا جهله بما لا مزيد عليه ، فهو لم يكن له سابق عهد لا بالقرآن الكريم ، ولا بفقه المسلمين ، ولا بكتب الحديث ، ولا بسيرة أرباب المذاهب وعلماء الإسلام في التعامل مع الفرض المذكور ، فلا جرم عليه إذن فيما زعم ، للأصل المذكور ، أعني : حديث رفع التسعة ، ومنها ( ما لايعلمون ).

__________________

(١) كتاب التوحيد ، للصدوق : ٣٥٣ / ٢٤. والخصال ٢ : ٤١٧ / ٩ باب التسعة. ومن لا يحضره الفقيه ١ : ٣٦ / ١٣٢ باب ١٤. والوسائل ١٥ : ٣٦٩ / ٢٠٧٦٩ باب ٦٥ من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

وقد صرّح فقهاء العامة ومفسروهم بان الاكراه إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤاخذ المكره بشيء محتجين بحديث الرفع كابن العربي في أحكام القرآن ٣ : ١١٧٧ / ١١٨٢ وغيره.

١٠٧

إنّ علماء الشيعة الإمامية قد اتفقوا على تكفير بعض من كان من أصحاب الأئمةعليهم‌السلام ، كأبي الخطّاب وأصحابه لعنهم الله ، وأطلقوا لقب ( الكذّاب ) على جعفر ابن الإمام الهاديعليه‌السلام على الرغم من كونه ابن إمام وأخا إمام وعم إمام من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام . فهم لا يخشون في الله لومة لائم في تكذيب الكاذب ولعن الضال المنحرف الكافر ، بل يكفّرونه كائناً من كان ، ولهذا تراهم يلعنون من أخرج له البخاري في صحيحه حديث لبس الحرير ، أعني : عمران بن حطان السدوسي شاعر الخوارج الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله لقتله مولى المتقينعليه‌السلام ، بقصيدته التي يقول فيها :

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها

الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

في حين نرى من يدافع عنه من الطرف الآخر وينقل عن العجلي وغيره توثيقه(١) !!!

فاين ذهب الإنصاف يا ترى ؟! وما عدا مما بدا ؟! ومَنِ السّاكت على الباطل والمدافع عنه منا ؟

ما بال عينك لا ترى أقذائها

وترى الخفيّ من القذى بجفوني

مناقشة أصل الشبهة واثبات تهافت حججهم :

هذا ، وأمّا إذا عدنا إلى أصل الشّبهة فإنّا لا نجد ما يدلّ عليها في كتاب الكافي على نحو يقطع به على ترسّخ مقولة التحريف عند الكليني ، ويشهد لذلك أنّ المستدلين على أن مذهب ثقة الإسلام هو التحريف قد

__________________

(١) مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ٤٣٢.

١٠٨

تمسكوا بحجّتين :

الحجة الاُولى : رواية الكليني لروايات التحريف :

زعم مثيروا هذه الشبهة أنّ الكليني روى روايات في هذا المعنى ولم يتعرض لقدحها.

مناقشة الحجة الاُولى :

اعلم ان جواب حجتهم الاُولى يكون من الكافي نفسه ، مع التنبيه بأنا لا نسلّم بأنَّ الكلينيقدس‌سره روى صريحا في هذا المعنى إلاّ في رواية واحدة ( اشتبه النسّاخ فيها ) ذكرها في باب أطلق عليه اسم ( النوادر ) ، وأما ما عداها فلا دليل على أنه مسوق في دائرة التحريف ، وإليك التفصيل :

أما الرواية التي شُنَّع بها على الكافي والشيعة أيضاً ، فهي ما ورد في باب النوادر من اُصول الكافي ٢ : ٤٦٣ / ٢٨ بسنده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال :« إنَّ القرآن الذي جاء به جبرئيل عليه‌السلام إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله سبعة عشر ألف آية » .

وبغض النظر عن مناقشة سند الرواية ، فإنّها لم تخرج إلاّ من طريق واحد وفي الكافي فقط دون جميع كتب الحديث الشيعية ، فهي إذن من أخبار الآحاد. كما أنها مخرّجة في باب النوادر ، والنادر هو الشاذ الذي لا عمل عليه ، وقد ورد تصريح الإمام الصادقعليه‌السلام وفي الكافي نفسه بترك الشاذ الذي ليس بمشهور ، والأخذ بالمجمع عليه ؛ لأن المجمع عليه لا ريب فيه(١) . وهذا يعني أنَّ الكلينيرحمه‌الله كان على بيّنة تامة من شذوذ تلك

__________________

(١) اُصول الكافي ١ : ٦٨ / ١٠ باب اختلاف الحديث.

١٠٩

الرواية ؛ لأنه هو نفسه الذي صنفها في باب النوادر ، وهو نفسه الذي روى حديث ترك الشاذ النادر ، فكيف يُعقل بعدئذ القول باعتقاده بصحة ما رواه في خصوص ذلك المورد الشاذ النادر ؟!

فاذا ضُمّ هذا إلى ما تقدم من عدم وجود القائل بقطعية صدور أخبار الكافي ، وعدم تصريح الكليني ولا شهادته بصحة جميع ما في كتابه ، مع ما ذكره من قواعد تمييز الخبر الصحيح من غيره في باب كامل من أبواب أصول الكافي ، ذكر فيه اثني عشر حديثاً بمعرفة تلك القواعد(١) ، وأولاها الأخذ بما وافق شواهد الكتاب العزيز ، والسُنّة الثابتة. عُلِمَ حقيقة موقف الكليني من أخبار الآحاد النّادرة الشّاذة التي لم تعتضد بقرينة عقلية أو نقلية مع مخالفتها لاجماع الشيعة الإمامية على نفي التحريف عن ساحة القرآن الكريم نفياً باتاً كما هو صريح كلام الشيخ الصدوق ( ت ٣٨١ ه‍ ) ، والشيخ المفيد ( ت ٤١٣ ه‍ ) ، والسيد المرتضى ( ت ٤٣٦ ه‍ ) ، والشيخ الطوسي ( ت ٤٦٠ ه‍ ) ، وغيرهم الكثير من أعلام الطائفة وشيوخها كما استقرأه العلاّمة السيّد عليّ الميلاني في كتابه ( التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف )(٢) .

ولكن قد يقال : بأنه إذا كان رأي الكليني كما ذكرتم إزاء هذا الخبر فلماذا رواه اذن ؟! وهل هنالك من فائدة في رواية خبر مكذوب مثلاً ؟!

__________________

(١) اُصول الكافي ١ : ٥٥ / ١ ـ ١٢.

(٢) وقد سبق وان أصدر مركزنا كتاباً بعنوان (سلامة القرآن من التحريف) وفيه جملة وافية لمن أراد الوقوف على معرفة أدلة الشيعة الإمامية على نفي التحريف عن القرآن الكريم واثبات سلامته بأدلة شتى من القرآن الكريم والسُنّة المتواترة وسيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة أهل البيتعليهم‌السلام والاجماع والعقل والتاريخ.

١١٠

والجواب : أنا لا نسلّم أن خبر الكافي هذا قد كان بعين لفظه المذكور ( سبعة عشر الف آية ) عند الكليني ، بل الظاهر تحريفه اشتباها من النساخ ، والصحيح كما في بعض النسخ المعتمدة ( سبعة آلاف آية ) ، فكأن الناسخ لهذا الخبر استقل العدد ( سبعة الاف ) فكتب بدلاً عنه : ( سبعة عشر الف آية ).

ومما يدلّ على ذلك هو نقل علماء الشيعة ، وبعض العامّة لهذه الرواية بالذات عن الكافي سنداً ومتناً وبلفظ ( سبعة آلاف آية ).

وهذا صريح بوقوع الاختلاف في نسخ الكافي بخصوص هذا المورد وفي تلك العبارة بالذات ، ومع اختلاف نسخ الكافي بخصوص المورد المذكور يسقط الاحتجاج بما هو مخالف لمبنى الكليني ؛ في ترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور والاخذ بالمجمع عليه كما مرّ بتصريح الكليني نفسه.

وأما من نقل العدد ( سبعة آلاف آية ) عن الكافي فهم :

١ ـ المحقق الفيض الكاشاني ( ت ١٠٤١ ه‍ )(١) .

٢ ـ موسى جار الله التركستاني ( ت ١٣٦٩ ه‍ )(٢) .

٣ ـ عبد الله بن عليّ القصيمي الوهابي(٣) .

__________________

(١) صيانة القرآن من التحريف ، لمحمّد هادي معرفة : ٢٢٣.

(٢) الوشيعة في نقد عقائد الشيعة : ٢٣.

(٣) الصراع بين الإسلام والوثنية : ٧١.

١١١

٤ ـ ابو زهرة ( ت ١٣٩٤ ه‍ )(١) .

٥ ـ الدكتور الوهابي أحمد محمّد أحمد جلي(٢) .

٦ ـ إحسان إلهي ظهير(٣) .

وإذا تقرر هذا لاستحالة اتفاق هؤلاء ـ وهم من أقطار شتى ـ على شيء لصالح الكافي وفيهم من هو رافع عقيرته للتشنيع على مؤلفه ومذهبه ، فأعلم أنَّ ظاهر العدد ( سبعة آلاف آية ) ليس مسوقاً لغرض الإحصاء المنطبق مع عدد الآي ، بل جاء ذلك من باب إطلاق العدد التّام المتناسب مع الواقع بعد حذف الكسور أو تتميمها كما هي العادة والمتعارف في الاستعمال من باب التسامح بعدم تعلق الغرض بذكر الكسر الناقص أو الزائد ، إذ المعلوم أن عدد آيات القرآن الكريم لا يبلغ السبعة آلآف آية وإنّما هو (٦٢٣٦) آية(٤) .

وهذا نظير ما اشتهر في الرواية من أن الإمام زين العابدينعليه‌السلام لم يزل باكياً بعد شهادة أبيه الحسينعليه‌السلام أربعين سنة ، مع أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام لم يعش بعد واقعة كربلاء أكثر من خمس وثلاثين سنة بالاتفاق.

وهذا بخلاف ما لو أريد التصريح بالعدد المطابق للواقع كما في روايات

__________________

(١) الإمام الصادق : ٣٢٣.

(٢) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين : ٢٢٨.

(٣) الشيعة والقرآن : ٣١.

(٤) هذا بحسب ما أحصيناه من آيات المصحف الشريف.

١١٢

تلك الشبهة في كتب العامّة ، والتي سنذكر طرفاً منها تحت عنوان :

نظائر رواية الكافي في كتب العامّة :

أخرج السجستاني عن يحيى بن آدم أنّه قال عن أسباع القرآن : إنَّ السُّبعَ الأول ( ٥٤٧ ) آية ، والسبع الثاني ( ٥٩٠ ) آية ، والسبع الثالث ( ٦٥١ ) آية ، والسبع الرابع ( ٩٥٣ ) آية ، والسبع الخامس ( ٨٦٨ ) آية ، والسبع السادس ( ٩٨٦ ) آية ، والسبع الآخِر ( ١٦٢٤ ) آية.

قال في المصاحف بعد أن أخرج ذلك عن يحيى بن آدم : « فجميع آي القرآن ستة آلآف آية ومائتا آية وتسع وعشرون ، في الجملة نقصان ثلاثون آية خطأ في الحساب »(١) .

أقول : العدد ليس كما ذكره ، إذ حاصل مجموع الآيات في هذه الأسباع هو ( ٦٢١٩ ) آية ، ومع إضافة الثلاثين آية إلى هذا العدد يكون الناتج : ( ٦٢٤٩ ) آية ، وأما مع إضافة الثلاثين إلى العدد الذي ذكره السجستاني سيكون المجموع ( ٦٢٥٩ ) آية ، هذا في صورة فرض التحريف في العدد الأول سهواً من الناسخ ، ولا يخفى أنَّ تلك الأعداد برمتها لا تنطبق مع الواقع على الرغم من إرادة الانطباق بدليل ذكر الكسور. والموجود في المصحف الشريف بحسب النسخة المطبوعة بمجمع الملك فهد بن عبد العزيز بالمدينة المنورة لسنة ( ١٤١٤ ه‍ ) هو : ( ٦٢٣٦ ) آية. ولا شك ان هذا الفارق له أثره ؛ لان المراد من إحصائهم لآيات القرآن الكريم بحسب الأسباع ليس هو العدد النسبي المقارب لآيات المصحف ، وإنّما أرادوا

__________________

(١) المصاحف ، للسجستاني : ١٣٤.

١١٣

العدد المنطبق معها ، فكان من الضروري التنبيه عليه !

على أن مشكلة إحصاء العامّة لِمَا في القرآن الكريم من سور أو آيات لم تقف عند هذا الحد كما سيتضح من رواياتهم :

فعن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : « كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مائتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاَّ ما هو الآن »(١) .

وعن زر بن حبيش قال : « قال لي أبيُّ بن كعب : كم تقدّرون سورة الأحزاب ؟ قلت : إمّا ثلاثاً وسبعين آية ، أو أربعاً وسبعين آية. قال : إنْ كانت لتقارن سورة البقرة ، أوْلهيَ أطول منها » !!

قال ابن حزم في المحلّى عن إسناد هذه الرواية : « هذا إسناد صحيح لا مغمز فيه »(٢) !!

وإذا ما علمت أنّ في سورة البقرة ( ٢٨٦ ) آية ، وفي الأحزاب ( ٧٣ ) آية فإنّه سيكون المقدار الناقص من آياتها بموجب هذه الرواية ( صحيحة الاسناد !! ) هو ( ٢١٣ ) آية أو أكثر من ذلك « أو لهي أطول منها » أمّا مقداره في قول عائشة فهو ( ١٢٧ ) آية ، بينما نجد ابن حبّان في صحيحه يروي عن أبيُّ بن كعب بأن سورة الأحزاب توازي سورة النور(٣) ، وسورة النور ( ٦٤ ) آية.

__________________

(١) الدر المنثور ، للسيوطي ٥ : ١٨٠. والاتقان في علوم القرآن ، للسيوطي ٣ : ٨٢.

(٢) المحلّى ، لابن حزم ١١ : ٢٣٤ مسألة ٢٢٠٤. والاتقان ٣ : ٨٢. ومعالم التنزيل ١ : ١٣٦. وفواتح الرحموت ٢ : ٧٣.

(٣) البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ٢ : ٤١ ـ ٤٢.

١١٤

ومن مراجعة صحيح مسلم ، والبرهان للزركشي ، والدر المنثور في تفسير سورة البينة ، يعلم أنّ إحصاءهم ـ أو قل : تقديرهم لعدد آيات سورة البينة ـ ينقص عما هو عليه اليوم (١٢١) آية ؛ لأنّهم رووا عن أبي موسى الأشعري وغيره ، بأنَّها في الطُّول كسورة براءة(١) أي : (٩٢١) آية ! بينما المصحف الشريف يشهد على كونها ثمان آيات فقط.

على أنّ ما قدمناه أهون بكثير من إحصاء عمر بن الخطاب لحروف القرآن الكريم كما في رواية الطبراني ، وقد شهد على ذلك السيوطي في الإتقان ، وإليك نص ما نسبه إلى عمر من أنَّه قال :

« القرآن ألف ألف حرف ، من قرأه صابراً محتسباً كان له بكل حرف زوجة من الحور العين »(٢) .

وهنا لابدّ من وقفة قصيرة فنقول :

إنّ المنقول في احصاء حروف القرآن هو :

عن ابن مسعود : ( ٣٢٢٦٧٠ ) حرفاً.

وعن ابن عباس قولان :

أحدهما : ( ٣٢٣٦٢١ ) حرفاً.

والآخر : ( ٣٢٣٦٧٠ ) حرفاً.

وعن مجاهد : ( ٣٢٠٦٢١ ) حرفاً.

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ٧٢٦ / ١٠٥٠. والبرهان في علوم القرآن ١ : ٤٣. والدر المنثور ٨ : ٥٨٧.

(٢) الاتقان في علوم القرآن : ٢٤٢ ـ ٢٤٣ نقله عن الطبراني.

١١٥

وعن إبراهيم التيمي : ( ٣٢٣٠١٥ ) حرفاً.

وعن عبد العزيز بن عبدالله : ( ٣٢١٢٠٠ ) حرفاً.

وعن غير هؤلاء ( ٣٢١٠٠٠ ) حرفاً.

وكلّ هذه الاستقراءات ذكرها الفقيه أبو الليث نصر بن محمّد السمرقندي الحنفي في كتابه بستان العارفين(١) .

بيد أنّ المنقول عن أكثر القراء هو : ( ٣٢٣٦٧١ ) حرفاً.

ولكنّ الاحصاء الكومبيوتري يشير إلى أن عدد حروف القرآن الكريم يساوي ( ٣٣٠٧٣٣ ) حرفاً ، ومنه يعلم عدم مطابقة استقراءات العامّة باجمعها لواقع حروف القرآن الكريم.

وقد مرَّ عن عمر بأنَّ حروف القرآن مليون حرف. ومع مقارنة هذا العدد مع أي عدد آخر مما ذكرنا يكون الناقص من حروف القرآن الكريم ـ بموجب هذه الرواية العاميّة الخبيثة ـ يزيد على ضعفي القرآن الكريم.

( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخرُجُ مِنْ أفواهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً ) (٢) .

هذا ما علمته عن رواية الكافي في باب النوادر ، والغرض منها حقيقة وواقعاً يختلف اختلافاً كلياً بالقياس إلى ما سمعته من الاستقراءات الباطلة بأجمعها.

__________________

(١) بستان العارفين ، مطبوع بذيل كتاب تنبيه الغافلين في الموعظة بأحاديث سيد الانبياء والمرسلين ، وكلاهما لأبي الليث الفقيه السمرقندي الحنفي : ٤٥٧ الباب ١٤٩.

(٢) الكهف ١٨ : ٥.

١١٦

عودة إلى بعض روايات الكافي :

هذا وأمّا ما قيل في حجتهم الاُولى بزعمهم أنّ في الكافي روايات كثيرة بهذا المعنى ( أي التحريف ) ، فهو قول باطل ؛ لأنّ جميع الروايات الاُخرى لا دلالة فيها على المدّعى ، ولكنها لم تفهم دلالتها كما ينبغي ، فهي إمّا بخصوص اختلاف القراءة القرآنية ، او زيادة توضيحية ، أو تأويل النص أو تفسيره كما بيّن كلّ في محله بدراسة نقدية تفصيلية لجميع تلك الروايات ومناقشتها سنداً ودلالة(١) . وإليك بعضها :

١ ـ روى الكليني بسنده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :« قرأ رجل على أمير المؤمنين عليه‌السلام ( فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) (٢) فقال : بلى والله لقد كذبوه أشدّ التكذيب ، ولكنها مخففة ( لا يُكْذِبُونَكَ ) :لا يأتون بباطل يكذبون به حقك » (٣) .

وقد بين الطبرسي في مجمع البيان أنّ قراءة التخفيف هي قراءة نافع ، والكسائي ، والأعشى عن أبي بكر ، وأنها قراءة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وهو المروي عن الصادقعليه‌السلام ، أمّا الباقون فقد قرأوا بفتح الكاف مع التشديد(٤) . ونظير هذه الرواية في الكافي روايات اُخَر أيضاً ، كقراءة ، ( ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم ) (٥) ب‍  ( ذو عدل منكم )(٦) وغيرها ، ولا يخفى ان هذا

__________________

(١) تفصيل ذلك في دفاع عن الكافي ، للسيد ثامر العميدي ٢ : ٣٣٣ ـ ٤٤٠.

(٢) الأنعام ٦ : ٣٣.

(٣) روضة الكافي ٨ : ٢٠٠ / ٢٤١.

(٤) مجمع البيان ٤ : ٣٦٧.

(٥) المائدة ٥ : ٩٥.

(٦) روضة الكافي ٨ : ٢٠٥ / ٢٤٧.

١١٧

من الاختلاف في القراءة ولا علاقة له بدعوى التحريف ، ولكن من مثل إحسان الهي ظهير وغيره لا يستبعد منهم التشهير بمثل هذه الروايات على الكافي(١) . بسبب جهلهم أو ارادتهم الشغب والتشويه.

٢ ـ وعن أبي جعفرعليه‌السلام انه قرأ( ولَوْ أنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُون بِهِ ( في عليّ )لَكَانَ خَيْراً لَّهُم ) (٢) ، وقد وردت روايات اُخَر فيها التصريح باسم الإمام عليّعليه‌السلام إمّا في وسط الآي ، أو في موضع آخَر منها ما روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :( هَذَا صِرَاطٌ ) عليّ( مُستَقِيمٌ ) (٣) .

وهذه الزيادات لا شك ولا شبهة في كونها زيادات توضيحية لا أنها من أصل المصحف الشريف ، والدليل على ذلك ما رواه الكليني نفسه من طريقين عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله عز وجل :( أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَّسُول واُوِلي الأمر مِنكُم ) (٤) فقالعليه‌السلام :« نزلت في عليٍّ بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم‌السلام » ( فقلت له : إنّ الناس يقولون : فماله لم يسمِّ عليّا وأهل بيتهعليهم‌السلام في كتاب الله عز وجل ؟ فقالعليه‌السلام :« قولوا لهم : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً ، حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي فسر ذلك لهم ، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهمٌ ، حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ هو الذي فسر ذلك لهم ـ ونزل الحج فلم يقل لهم : طوفوا اسبوعاً

__________________

(١) اُنظر مفترياتهم في الشيعة وتحريف القرآن ، لمحمّد مال الله : ٦٢. والشيعة والقرآن ، لاحسان إلهي ظهير : رقم ٢٩١ و ٢٩٨.

(٢) النساء ٤ : ٦٦. والرواية في اُصول الكافي ١ : ٣٤٥ / ٢٨.

(٣) الحجر ١٥ : ٤١. والرواية في أُصول الكافي ١ : ٣٥١ / ٦٣.

(٤) النساء ٤ : ٥٩.

١١٨

حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي فسر ذلك لهم ، ونزلت ( اطيعوا اللهَ واطيعوا الرسولَ وأُولي الأمر مِنكُم ) نزلت في عليّ والحسن والحسين فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : في عليّ : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ؛ وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي ، فاني سألت الله عزّ وجلّ أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليَّ الحوض ، فأعطاني ذلك » (١) .

ولو كانت تلك الزيادات من أصل المصحف في نظر أهل البيتعليهم‌السلام لكان الجواب بها أولى من حوالة السائل على ما فسرته السُنّة المطهّرة كما لا يخفى.

٣ ـ وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال :« كان عليّ بن الحسين عليه‌السلام يقول : ( إنَّا أنزَلنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ ) صدق الله عزّ وجل انزل الله القرآن في ليلة القدر( وَمَآ أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ ) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا ادري ، قال الله عز وجل( لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهرٍ ) ليس فيها ليلة القدر »(٢) .

أقول : إنَّ وضوح هذه الزيادات لا يخفى على أحد أنها زيادات ليست من أصل المصحف في عقيدة الكليني وقد ورد نظيرها من الزيادات التوضيحية في صحيحي البخاري ومسلم ، من ذلك ما أخرجاه عن ابن عباس ، أنه قال : « كان رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم إذا اُنزِل جبريل بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ، فيشتد عليه ، وكان يعرف منه فأنزل الله :( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ ) أخذه( إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ) ان علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرأه( فَإذَا قَرَأنَاهُ

__________________

(١) أُصول الكافي ١ : ٢٢٦ / ١.

(٢) أُصول الكافي ١ : ١٩٣ / ٤.

١١٩

فَاتَّبِع قُرآنَهُ ) (١) .

على أنّ السيوطي أخرج في الدر المنثور عن عبدالرزاق ، وعبد بن حميد وابن جرير ، ومحمّد بن نصر ، وابن المنذر ؛ عن قتادة في قوله تعالى :( لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْرٍ ) قال : خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر(٢) . وأخيراً ، فإنّ الكليني نفسه قد أورد سورة القدر كاملة من غير هذه الإيضاحات بتلاوة الإمام الصادقعليه‌السلام (٣) .

وما يقال عن غير ما ذكرنا هو عين ما يقال هنا فلا حاجة إلى التطويل.

الحجة الثانية : احتجاجهم بعناوين أبواب الكافي :

فقد احتجوا بما عنونه الكليني في اُصول الكافي من الأبواب ، ويقصدون بذلك ( باب أنّه لم يجمع القرآن كله إلاّ الأئمةعليهم‌السلام ) ، بتقريب أنّ مذاهب العلماء تعلم غالباً من عناوين أبواب كتبهم.

وهذا هو ما تمسك به مثيرو هذه الشبهة حول كتاب الكافي كإحسان إلهي ظهير ، ومن سبقه ، أو من جاء بعده(٤) ، ولا حجة ثالثة لهم على ما يزعمون فيما استقصيناه وتتبعناه.

__________________

(١) القيامة ٧٥ : ١٦ ـ ١٨. وصحيح مسلم ١ : ٣٣٠ / ١٤٧ ـ ١٤٨ باب الاستماع إلى القراءة. وصحيح البخاري ٦ : ٢٤٠ باب الترتيل في القراءة.

(٢) الدر المنثور ٨ : ٥٦٨ ـ ٥٦٩.

(٣) روضة الكافي ٨ : ٢٢٢ / ٢٨٠.

(٤) الشيعة والقرآن : ٧٣. ورجال الشيعة في الميزان : ١٦٧. والشيعة وتحريف القرآن : ٦٤. ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين : ٢٢٧ وغيرها الكثير من كتب الوهابية وما ذكرناه فهو نموذج منها.

١٢٠

جواب الحجة الثانية :

وأمّا عن حجتهم الثانية ، وهي ـ كما عرفت ـ التمسك بعناوين الأبواب فنقول في جوابها : إنّها ينبغي أن تكون تلك الحجة للكليني بعد عكسها لا عليه.

ولتوضيح ذلك نقول : إنّه عنون قدس سره في الكافي باباً بعنوان ( الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب ) وقد أودع فيه جملة من الروايات نذكر منها :

1 ـ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ على كل حقٍّ حقيقةً ، وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه » (1) .

وواضح أنّ المراد من الترك لما خالف الكتاب هو ترك العمل به بعد ثبوت كون المخالفة على نحو اليقين وليس المخالفة المشكوك فيها والتي يمكن معالجتها.

2 ـ وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :« كل شيء مردود إلى الكتاب والسُنّة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف » (2) .

3 ـ وعنهعليه‌السلام قال :« خطب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنى ، فقال : أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله » (3) .

__________________

(1) اُصول الكافي 1 : 55 / 1.

(2) اُصول الكافي 1 : 55 / 3.

(3) اُصول الكافي 1 : 56 / 5.

١٢١

وإذا كانت مذاهب العلماء تعرف من خِلال أبوابهم كما يدعي هؤلاء ، فَلِمَ لا يكون مذهب الكليني هو رد كل حديث لا يوافق كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحكم عليه بأنه من زخرف القول ، وأنّه لم يقله نبيٌّ ولا وصيٌّ ؟

ومن ثم فإن الباب الذي عقده الكليني في اُصول الكافي بعنوان : « إنّه لم يجمع القرآن كله إلاّ الأئمةعليهم‌السلام وإنّهم يعلمون علمه كله » لا دلالة في العنوان على وجود نقص في آيات القرآن الكريم الموجود عندنا ولا زيادة فيها في ما جمعه الأئمةعليهم‌السلام ، وهذا ما أوضحه الكليني نفسه في أحاديث الباب المذكور ، وربما قد لا يتفطن لذلك إلاّ النابه الذكي.

فقد جاء في الحديث الأول من الباب المذكور بسند صحيح عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال :« ما ادّعى أحدٌ من النّاس أنّه جمع القرآن كله كما اُنزِل إلاّ كذابٌ ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام والأئمة من بعده عليهم‌السلام » (1) .

وفهم هذا الحديث على حقيقته لا يتم إلاّ ببيان جهتين :

الاُولى : إثبات أنّ للإمام عليٍّعليه‌السلام مصحفاً.

والاُخرى : بيان ماهية هذا المصحف. فنقول :

أمّا إثبات أنّ للإمام عليٍّعليه‌السلام مصحفاً ، فهذا ما صرّح به أعلام العامّة أنفسهم ، فقد أخرج السجستاني بسنده عن ابن سيرين قال : « لما توفي النبي صلّى الله عليه ( وآله ) وسلم أقسم عليٌّ أن لا يرتدي برداء الا لِجُمْعَةٍ

__________________

(1) اُصول الكافي 1 : 178 / 1.

١٢٢

حتى يجمع القرآن في مصحف ، ففعل »(1) .

وقد صَرّح بهذا ابن النديم(2) ، كما ذُكر في اتقان السيوطي ، وسنن أبي داود ، وحلية الأولياء لأبي نعيم ، والأربعين للخطيب البغدادي وغيرها فيما تتبعه السيد حسن الصدر(3) .

إذن ، هناك من وافق الكليني من العامّة بأنّ للإمام عليٍّعليه‌السلام مصحفاً جمع فيه آيات القرآن الكريم ، ولم يسبقه أحدٌ من الصحابة إلى ذلك كما هو صريح رواية ابن سيرين.

وأمّا عن طبيعة هذا المصحف الشريف وماهيّته ، فإنَّ ذلك يُعرف من تدبّر رواية الكافي المتقدمة ، فإنَّ عبارة ( كما اُنْزِل ) و ( كما نَزَّله الله تعالى ) فيهما إشارة واضحة إلى أنّ طريقة الجمع كانت على ترتيب نزول الآيات ، وليس على الترتيب المتعارف اليوم من وجود بعض السور المدنية التي تحتوي على آيات مكية ، وبالعكس.

ولتوضيح ذلك نضرب المثال التالي ، فنقول :

إنّ آية التطهير وهي قوله تعالى :( إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً ) (4) لا يوجد نصٌ واحد في جميع كتب الحديث والتفسير قط يشير إلى نزولها مع آية اُخرى ، بل جميع النصوص المرويّة في المقام لدى الفريقين تصرح بنزولها مستقلة ، ومن كان له أدنى

__________________

(1) المصاحف : 16.

(2) فهرست ابن النديم : 41.

(3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ، للسيد حسن الصدر : 316.

(4) الأحزاب 33 : 33.

١٢٣

حظٍّ في متابعة كتب الحديث والتفسير يسلّم بهذه الحقيقة. وهي إمّا أنْ تكون نزلت في بيت أم سلمة وهو الارجح لكثرة الروايات في ذلك ، وإما في بيت عائشة ، كما هو صريح الروايات الخاصة بحديث الكساء ، إذْ فيها تصريح كل منهما : ( نزلت هذه الآية في بيتي ) ثم تقرأ الآية ، ولكنك ـ على الرغم من كثرة الروايات البالغة درجة التواتر والتي تصرح بهذه الحقيقة(1) تجد أنّ الآية في سورة الأحزاب قد اتّصلت بكلام من الذكر الحكيم ، فكانت جزءَ آيةٍ لا آية ، حتى صار الجزآن آية واحدة ، وهي :( وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِليَّةِ الأولى وَأقِمْنَ الصَّلاةَ وَءَآتِينَ الزَّكاةَ وَأطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجَس أهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيراً ) ثم قال تعالى بعد ذلك مباشرة( وَاذْكُرْنَ ما يُتلَى فِي

__________________

(1) تفسير الطبري 22 : 5 ـ 7. والجامع لاحكام القرآن 14 : 182. وتفسير ابن كثير 3 : 492. والبحر المحيط 7 : 228. والدر المنثور 3 : 603 ـ 604. وفتح القدير 4 : 279. ومسند أحمد 6 : 92. وسنن الترمذي 5 : 351 / 3205 و 5 : 663 / 3787 و 5 : 699 / 3871. وصحيح مسلم 4 : 1874 / 37. والمعجم الكبير للطبراني 3 : 46 / 2662 ، و 3 : 47 / 3666. و 3 : 49 / 2668 ، و 23 : 281 / 612 ، و 23 : 333 / 768 ، و 23 : 334 / 773 ، و 23 : 336 / 779 ، و 23 : 396 / 947. ومشكل الآثار 1 : 333. ومستدرك الحاكم 2 : 416. ومصابيح السُنّة 2 : 277. وجامع الاُصول 10 : 100. ومجمع الزوائد 9 : 167. وكنز العمال 13 : 163 / 36496. وترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام في تاريخ دمشق ـ بتحقيق المحمودي ـ : 61 ـ 77 الأحاديث من (77) إلى ( 111 ). وتاريخ بغداد 10 : 278 / 5396 في ترجمة عبدالرحمن بن عليّ المروزي.

ويعلم من جميع هذه المصادر العاميّة أنّ آية التطهير آية مستقلة. وأمّا مصادر الشيعة فقد اتفقت على ذلك أيضاً. اُنظر : تفسير فرات الكوفي : 121. وتفسير الحبري : 297 ـ 311. وتفسير التبيان 8 : 339. ومجمع البيان 8 : 462 ـ 463. واُصول الكافي 1 : 187 / 1. واكمال الدين 1 : 278 / 25 باب 24. وسعد السعود : 106. والعمدة : 19. ونهج الحق 1 : 88. والصراط المستقيم 1 : 187. وغاية المرام : 259. والميزان 16 : 311.

١٢٤

بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ وَالحِكمَةِ إنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) (1) .

ويلاحظ هنا اُمور عدّة ، نكتفي بذكر واحدٍ منها ، وهو :

إنَّ صدر الآية الاُولى ـ وهي الثالثة والثلاثون من سورة الأحزاب ـ يختلف عن ذيلها اختلافاً كليّاً ، فلسان الصدر لسان الانذار والتهديد والوعيد ، ولسان الذيل لسان المدح والثناء والتعظيم.

فلو رفع الذيل ووصلت الآية الرابعة والثلاثون بصدر الثالثة والثلاثين لما حصل أدنى اختلاف في النظم البياني ، ولا البلاغي ، ولا الإيقاعي ، ولا النغمي المعهود في فواصل الآيات ، ولجاء المعنى تامّاً خالياً من أدنى ملاحظة يمكن أن تترتب على رفع ذيل الثالثة والثلاثين. وهذا يدل على أنّ آية التطهير لم تكن في أصل النزول جزء آية بل آية تامة وإنّ وضعها في هذا المكان من سورة الاحزاب إمّا أنْ يكون بتوقيفٍ من النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بتصويب من جامعي القرآن الكريم بعده.

ونظير هذا بالضبط قوله تعالى( اليَوْمَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ) (2) فقد اتفق الطرفان على نزول هذه الآية الكريمة في غدير خمٍّ بعد إتمام البيعة لأمير المؤمنينعليه‌السلام بروايات كثيرة لا مجال لدفعها بحال من الأحوال(3) . بينما نجد هذا القول

__________________

(1) الأحزاب 33 : 33 ـ 34.

(2) المائدة 5 : 3.

(3) نسب الخوارزمي الحنفي في كتابه مقتل الإمام الحسين 7 1 : 48 رواية نزول هذه الآية الكريمة ـ بعد البيعة للإمام عليٍّعليه‌السلام مباشرة ـ إلى عدد من الصحابة ، وقال ما هذا نصه : « روى هذا الحديث ـ أي الحديث الخاص بنزول الآية بعد البيعة في غدير خم كما نقله الخوارزمي

١٢٥

الكريم هو جزء من آية من سورة المائدة ، على أنّ الجزء المتقدم عليه والذي بعده هو في بيان أحكام اللحوم.

فلو اتّصل الجزءان معاً ، ورفع ما يخص إتمام الدين ، لكان المعنى تامّاً ، والنظم سالماً من أدنى ملاحظة تقال.

أمّا ما هو السرّ في جعل تلك الآيات أجزاء آياتٍ اُخرى ؟ فيمكن توضيحهُ فيما يأتي ، فنقول :

لا يخفى على أحد له حظ من العلم ، أنّ قوله تعالى :( إنَّمَا وَلِيُكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والذَّيِنَ آمَنُوا الذَّيِنَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) (1) . قد نزل في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بالاتفاق على أثر التصدّق بخاتمهعليه‌السلام ، وهو راكع لله عزّ وجل(2) .

__________________

نفسه قبل هذا الكلام مباشرة ـ من الصحابة : عمر ، وعليّ ، والبرّاء بن عازب ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيدالله ، والحسين بن عليّ ، وابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر ، وأبو أيّوب ، وابن عمر ، وعمران بن حصين ، وبريدة بن الحصيب ، وأبو هريرة ، وجابر بن عبدالله ، وأبو رافع مولى رسول الله واسمه : اسلم ، وحبشي بن جنادة ، وزيد بن شراحيل ، وجرير بن عبدالله ، وأنس ، وحذيفة بن أُسيد الغفاري ، وزيد بن أرقم ، وعبدالرحمن ابن يعمر الدؤلي ، وعمرو بن الحمق ، وعامر بن شرحبيل ، وناجية بن عمر ، وجابر بن سمره ، ومالك بن الحويرث ، وأبو ذويب الشاعر ، وعبدالله بن ربيعة ».

(1) المائدة 5 : 55.

(2) من طريف ما يذكر عن بعض المفسرين أن أحد المنافقين المتسترين على نفاقهم من الصحابه قد تصدق على أثر نزول هذه الآية بأربعين خاتماً وكلها في اثناء الصلوات أملاً على أن ينزل بحقّه ما نزل بحق الإمام عليّعليه‌السلام ، قيل ـ والعهدة على الراوي القائل ـ فنزلت بحقه :( لا صدق ولا صلى ) !!

وفي ( دفاع عن الكافي ) ، للسيد ثامر العميدي 1 : 102 ـ 112 ، تفصيل أسماء علماء العامّة من المحدثين والمفسرين الذين صرحوا بنزول الآية في الإمام عليٍّ عليه‌السلام .

١٢٦

والسؤال : لماذا لم يذكر الله عز وجل أمير المؤمنينعليه‌السلام باسمه الشريف في هذه الآية ، بينما عبّر عنه بصورة الجمع ، مما كان ذلك مدعاة لحثالة من النواصب أن يصرفوها عن الإمام عليّعليه‌السلام ما استطاعوا ؟!

والجواب على الاِيجاز والاختصار ـ وهو للسيد شرف الدين في مراجعاته الخالدة ـ : إنّ الجمع هنا يفيد التعظيم حيث يستوجب ، ونكتة ألطف وأدق وهي إنّما جاء التعبير بالجمع مع إرادة المفرد بقياً منه تعالى على كثير من النّاس الذين لا يطيقون سماعها بصيغة المفرد ، فالحكمة اقتضت مراعاة هؤلاء ؛ لكي لا يصدر منهم ما تخشى عواقبه من التضليل والتمويه.

ولا يبعد أنْ تكون آية التطهير وآية إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب سبحانه ، قد وضعت على ما هي عليه اليوم لنفس تلك الحكمة ، هذا مع القول بالترتيب التوقيفي الذي لم يثبت تواتره ، وأما مع القول الآخر ، فإنَّ ذا الحجى يدرك غايته.

وإذا ما عرفت هذا ، فاعلم أنّ المراد برواية الكافي هو جمع القرآن الكريم على ترتيب نزول آياته ، ويدل عليه ما أخرجه الشيخ المفيد بسنده عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال :« اذا قام قائم آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ضربت فساطيط لمن يُعَلِّم الناس القرآن على ما انزله الله جلّ جلاله ، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم ؛ لأنه يخالف التأليف » (1) أيّ : الترتيب.

ومعلوم من لسان روايات كثيرة أنّ مصحف الإمام المهدي ( عجلّ الله

__________________

(1) الإرشاد ، للمفيد 2 : 386.

١٢٧

تعالى فرجه الشريف ) هو عين المصحف الذي جمعه جدّه الإمام أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، ومن هنا يتضح المراد من عنوان باب الكافي والحديث الذي ورد فيه ، وهو ـ والله العالم ـ أنّ جمع القرآن الكريم على ترتيب نزوله لم يتم على يد أحدٍ غير أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن ادعى ذلك غير الإمام عليّ وولدهعليهم‌السلام وحفظه على ذلك الترتيب فهو كاذب. وليس المراد أنّه لم يجمع أحد القرآن الكريم مطلقاً غير الإمام عليّعليه‌السلام ، فافهم.

روايات التحريف في أهم كتب العامّة :

ولكن هلمّ معي ننظر معاً ما في الصحيحين من روايات ، فهل يمكن لمنصف عاقل ان يتأولها بغير ما هو ظاهر من معناها بل وصريح فيه أيضاً.

ولعمري إذا لم تكن تلك الروايات مكذوبة على الله ورسوله ، فإنّ رواتها في الصحيحين لا يمكن إثبات نزاهتهم من خرافة تحريف القرآن الكريم ، وأما عن مذاهب العامّة فلم يسلم منهم أحد إلاّ بقدر همل النعم لما تقدم من إجماعهم على صحة ما في الصحيحين ، بل وتصريحهم بأن خبرهما لا سيما البخاري يفيد القطع ، ولو كان فوق القطع أمر أعلى حجّة من القطع لنحلوه ـ على الأقل ـ إلى ما اجتمع عليه الشيخان !

أمثلة أضغاث الباطل في كتب الصحاح :

وسوف نضرب لك من أضغاث الباطل المسكوت عنه ـ حتى صار حقاً ؛ لأنه من ( الصحيحين ) ـ بعض الامثلة ، وعلى ذلك فقس ما سواه إلاّ ما ندر.

1 ـ في صحيح البخاري في كتاب المحاربين باب رجم الحبلى من الزنا بالإسناد إلى عمر بن الخطاب ، قال : ( ثم كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله :

١٢٨

أنْ لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم )(1) .

والغريب في هذه الآية أنّا وجدناها حديثاً من أحاديث أبي هريرة في صحيح مسلم في كتاب الإيمان باب بيان حال من رغب عن أبيه وهو يعلم(2) . ولا يخفى أنّ في هذا المورد ما يقطع بتهافت الصحيحين !!

2 ـ في صحيح مسلم في كتاب الرضاع باب التحريم بخمس رضعات بالإسناد إلى عائشة ، قالت : « كان فيما اُنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخت بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم وهن فيما يُقرأ من القرآن »(3) .

أقول : وكانت عائشة تفتي دون سائر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودون سائر الصحابة : بجواز رضاعة الكبير استناداً لآية الرضاع المزعومة ، وقد حصل هذا فعلاً لسهلة بنت سهيل حيث أرضعت من كان ذا لحية وشهد بدراً وهو سالم حليف زوجها أبي حذيفة ؛ لكي يصير له ابناً من الرضاعة ؛ حتى يذهب ما كان في نفس أبي حذيفة من دخول سالم عليها(4) !!!

3 ـ في صحيح البخاري في كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا بالإسناد إلى عمر ، قال : « فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ورجمنا

__________________

(1) صحيح البخاري 8 : 300 ـ 304 / 25.

(2) صحيح مسلم 1 : 80 / 113.

(3) صحيح مسلم 2 : 1075 / 1452.

(4) المصدر نفسه.

١٢٩

بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله»(1) !!!.

وفي موضع آخر من صحيح البخاري في كتاب الأحكام باب الشهادة تكون عند الحاكم ، والقول قول عمر : « لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي »(2) !!!.

وآية الرجم في فتح الباري بشرح صحيح البخاري هي : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله »(3) والظاهر أنّ هذه الآية لم تحفظ كما ينبغي أن تحفظ ؛ لأنّها وردت بألفاظ اُخر لا يعنينا أمرها.

أقول : هب أنَّ عفريتا من الجنّ ـ اسمه ( نسخ التلاوة ) ـ ابتلع هذه الرواية أفلا يدلّ قول عمر : ( فاخشى إن طال بالناس زمان ) وقوله : ( لولا أن يقول الناس زاد عمر ) على أنّه كان يرى أنّ المصحف الماثل بين يديه ناقص من آية الرجم ، أو لا يدل على ذلك ؟!

« أفهنالك مجال للشك ؟( إنَا نَحنُ نَزَلنَا الذِكرَ وإنّا لَهُ لحافِظُون ) » !!

ومن لم تكن له عين بصيرة

فلا شك أن يرتاب والصبح مسفرٌ

4 ـ في صحيح البخاري في كتاب الجهاد والسير ، بالإسناد إلى أنس في خبر إرسال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سبعين صحابيا من القراء إلى بعض القبائل العربية كرعل ، وذكوان ، وعصيّة ، وبني لحيان. قال البخاري « قال قتادة :

__________________

(1) صحيح البخاري 8 : 300 ـ 304 / 25.

(2) صحيح البخاري 9 : 125.

(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 9 : 65 و 12 : 261.

١٣٠

وحدثنا أنس أنهم قرأوا بهم قرآناً : ( ألا بلغوا عنا قومنا بأنّا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) ثم رفع بعد ذلك »(1) !

والعجيب في هذا الخبر أنّ البخاري قد صرح فيه أنَّ الأعراب قد غدروا بجميع القّراء وقتلوهم حين بلغوا بئر معونة.

بمعنى أنّهم إمّا لم يتمكنوا من أداء مهمتهم ، لأنّهم قُتِلوا قبل ذلك ، وأمّا أنّهم أدّوا مهمتهم ثم قتلوا قبل الوصول إلى المدينة.

والسؤال المحير هنا : كيف عَلِمَ أنس بهذه الآية التي قرأوها ولم يصل أحد منهم إلى المدينة ليخبر أنس بهذه الآيات النازلة ! التي قرأت ثم رفعت ؟ هذا مع أنّ الخبر موقوف على أنس ولم يرفعه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى يقال مثلاً أنّه من أخبار صاحب الوحيعليه‌السلام ، وهل بعد هذا يكون خبر الواحد الموقوف على صحابي من القرآن ؟

والسؤال الآخر : كيف رفع هذا القرآن ؟ من المكتوب ( وهو المصحف ) ؟ أم من القلوب ؟ والاحتمال الأول باطل ، إذْ لا نصّ عليه ولو برواية مكذوبة ، والثاني كذلك زيادة على عدم رفعه من قلب أنس أو غيره بدليل روايته ونقله.

5 ـ في صحيح البخاري في باب من لم ير بأساً أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا. بالإسناد إلى عائشة قالت : « سمع النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قارئاً يقرأ من الليل في المسجد فقال : يرحمه الله ، لقد ذكرني كذا وكذا آية ، أسقطتها من سورة كذا وكذا »(2) .

__________________

(1) صحيح البخاري 4 : 167 ذيل الحديث / 261.

(2) صحيح البخاري 6 : 240.

١٣١

ولست أدري هل توجد أعظم من هذه الفرية ؟. فالنبي يسقط آيات من القرآن !!!

وَمَن يَتَّبِع في أَمْرِهِ رأيَ جَاهلٍ

يُقِدْهُ إلى أمْرٍ مِنَ الغَيِّ مُنكَرِ

فَعَوِّدْ مَقَال الصِّدقِ نَفْسَكَ وارْضِهِ

تُصَدَّق ، وَلا تَرْكَنْ إلى قَوْلِ مُفتَري

6 ـ في صحيح مسلم في كتاب الزكاة عن أبي موسى الأشعري ، أنّه قال لقرّاء أهل البصرة ـ يعني بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بسنين ـ : « وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنّا نشبّهها في الطُول والشِدَّة ببراءة فأنسيتها ، غير أنّي حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التُّراب »(1) .

والغريب جداً من مسلم صاحب الصحيح أنه أخرج هذه الآية المزعومة على انها حديث ولم يتعرض لنقدها(2) . والأغرب من كل هذا انه نسب إلى ابن عباس ( ترجمان القرآن ) انه قال بشأن ( لو كان لابن آدم ) : « فلا أدري أمن القرآن هو ، أم لا »(3) ؟.

7 ـ في صحيح البخاري وصحيح مسلم من كتاب الزكاة بالإسناد إلى أبي موسى الاشعري ، قال : « وكنا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات فأنسيتها ، غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة »(4) .

__________________

(1) صحيح مسلم 2 : 726 / 1050.

(2) صحيح مسلم 2 : 725 / 1048 / 116 و 117.

(3) صحيح مسلم 2 : 725 / 118.

(4) صحيح البخاري 8 : 115. وصحيح مسلم 2 : 726 / 1050 ( 119 ) كتاب الزكاة. ومسند

١٣٢

أقول : إنَّ ضياع سور من القرآن في تلك المدعيات الباطلة ، أو إسقاط اُخَر منه ونحو ذلك مما مرَّ ليس بأعظم من المفتريات الاَُخَر التي احتضنتها روايات كتب الذين يتبجحون بالصراحة ويزعمون أنّهم لا يسكتون عن الباطل بل يشهّرون بأصحابه ويكفرونهم !!

من أمثال ما روي عن ابن عمر أنَّه قال : « لا يقولن أحدكم : قد أخذت القرآن كُلّه ، وما يدريه ما كُلّه ؟ قد ذهب منه قرآن كثير !! ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر »(1) .

كما روى ابن أبي داود ، وابن الأنباري ، عن ابن شهاب ـ كما في منتخب كنز العمال ـ أنّه قال : « بلغنا أنه كان أُنزل قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة ، الذين كانوا قد وعوه ، ولم يُعلم بعدهم ولم يكتب »(2) !!

وأما عن إنكار ابن مسعود لسورة الفاتحة والمعوذتين فحدّث ولا حرج ، حتى قال السيوطي : « قال ابن حجر : فقول من قال : أنّه كُذب عليه ( أي على ابن مسعود ) مردود ، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الروايات صحيحة ، قلت : وإسقاطه من مصحفه أخرجه أبو عبيد بسند صحيح »(3) . على أن هذه الرواية الموصوفة بالصحة عن العامّة ، قد كذّبها الشيعة منذ أقدم العصور كما سنشير إليه وقد

__________________

أحمد 3 : 122 و 243 و 4 : 368 و 6 : 55. وسنن الدارمي 2 : 319. ومجمع الزوائد 10 : 243. والبرهان للزركشي 2 : 43. والاتقان للسيوطي 3 : 83.

(1) الإتقان في علوم القرآن 3 : 81 ـ 82. ولا جرم على من كذّب على ابن عمر في هذا بعد أن كذب على أبيه بأنّ قرآنه مليون حرف ! كما مرّ.

(2) منتخب كنز العمال ( مطبوع بهامش مسند أحمد ) 2 : 50.

(3) الاتقان في علوم القرآن 1 : 273.

١٣٣

ردها من العامّة السيالكوتي في حاشيته(1) .

كما ان سورة الخلع ، وسورة الحفد قد كان أبو حفص عمر يقرأهما في صلاته وقنوته كما صرح بذلك السيوطي في تفسيره(2) فإذا ما أضفنا هذا إلى الرواية المسندة إليه بوجود مليون حرف في القرآن علمنا أنَّ آية الرجم التي عقلها ووعاها كما تقدم عن الصحاح إنما هي من القرآن المزعوم الذي هو في لغة الاعداد ومنطق الارقام يزيد على حروف كتاب الله العزيز حسب آخر إحصائية ب‍ ( 678820 ) حرفاً ، أي بما يعادل القرآن الكريم ثلاث مرات !! ولهذا ذهب ابن عمر ـ بعد أن انطلت عليه هذه الاكاذيب ـ إلى القول بضياع الكثير من القرآن كما مرّ آنفاً !

وأخيراً ، لابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الفضل بن شاذان ( ت 260 ه‍ ) وهو من فضلاء وفقهاء أصحاب الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام ، قد أنكر على العامّة رميهم الصحابة بمثل هذه المفتريات الباطلة وعدّها من باب الوقيعة في أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) . فانظر إلى تحرّج الأصحاب.

ومن لطيف ما احتج به الفضل رحمه الله تعالى على العامّة بكتابه الإيضاح أنّه أورد ما نسبوه إلى عائشة بأنها قالت « لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري ، فلما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها »(4) !!

__________________

(1) حاشية السيالكوتي على شرح المواقف 8 : 251 من المجلد الرابع.

(2) الدر المنثور ، للسيوطي 8 : 696.

(3) الإيضاح ، للفضل بن شاذان : 229.

(4) لقد أورد هذا الخبر المضحك المبكي ابن حزم في المحلى 11 : 235 المسألة رقم 2204 وقال :

١٣٤

فقد أنكر عليهم الفضل بن شاذان بما حاصله :

بانه ما استطاعت الاِنس والجنّ على أن تأتي بمثل القرآن ولو في آية من آياته ، ولا تمكن أعداء القرآن من تحريفه ، فكيف استطاع داجنكم أن يأكل من القرآن ، ويبطل فرضه ويسقط حجته ؟!

وأغرب ما وقفت عليه هو أنَّ الزمخشري في كشّافه ـ لمّا لم يستطع أن يجد تأويلا أو تبريراً مقنعاً يبين من خلاله كيف استطاع هذا الداجن الشيطان أن يتسلل إلى بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويفعل فعلته ـ حاول التملّص من الخبر واتهام الروافض في تلفيقه ؟(1) .

أقول : بعد أن عرفت من أخرجه من الصحاح والصحابة ، ومن ردّه وهو ( الفضل بن شاذان ) من ( الرافضة ) ، فاعلم أنّا مع الزمخشري في اعتقاد تلفيقه فافهم.

هذا ، وقد ذكر السيد الميلاني في ( التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف ) كلمات عِدّة من أعلام العامّة المتقدمين والمتأخرين يصرحون بأنَّ هذه زيادات موضوعة من بعض الزّنادقة.

إلى غير ذلك من الروايات المكذوبة عند العامّة ، والتي تمس القرآن الكريم صراحة(2) .

__________________

هذا حديث صحيح ! كما أخرجه الدميري في حياة الحيوان 1 : 464 عن عائشة مصرّحاً بوجوده في السنن الأربعة.

(1) الكشّاف ، للزمخشري 3 : 248.

(2) للوقوف على المزيد من تلك الروايات المكذوبة في كتب العامّة. راجع : دفاع عن الكافي للسيد ثامر العميدي 2 : 440 ـ 504 ففيه مائة مثال من أمثلة صور التحريف عند العامّة وفي كتبهم.

١٣٥

المبحث الثاني

البَدَاءُ وعلم الله تعالى

إعلم بأنَّ إنكار اليهود للنسخ إنّما هو لاعتقادهم بأنّه خلاف الحكمة ولا يصدر إلاّ عن جهلٍ بالمصالح والمفاسد ، وهذا هو ما صرّح به الغزالي ، والرازي وغيرهما من رؤوس الاشاعرة(1) .

ولما كان البداء ـ بمعناه السلبي ـ يلتقي مع فهم اليهود للنسخ ، فعدّوه أيضاً دالاً على خلاف الحكمة كالنسخ ايضاً.

بل تذرعوا في إنكار النسخ بكونه بَدَاء ، والبَدَاء إنّما يتصور بحق من يجهل عواقب الاُمور ، والله تعالى منزّه عنه. وهذا القدر مصرّح به في كتب الأشاعرة وغيرهم(2) .

__________________

(1) المستصفى ، للغزالي 1 : 111. والمحصول ، للرازي 1 : 543. ومنتهى الوصول والأمل ، لابن الحاجب : 154 ـ 155. والتحصل من المحصول ، للارموي 2 : 10. والتقرير والتحبير ، لابن أمير الحاج 1 : 352. وتفسير ابن كثير وتفسير الآلوسي وغيرهما عند تفسير الآية (106) من سورة البقرة المباركة.

(2) اُصول السرخسي 2 : 54 ـ 55 و 2 : 59. والأحكام في أصول الأحكام ، للآمدي 3 : 102. وتفسير القرطبي 2 : 64. والمنخول للغزالي : 288. والأحكام في أصول الأحكام ، لابن حزم 4 : 47. والبرهان ، للزركشي 2 : 30. والإتقان ، للسيوطي 3 : 67. والملل والنحل ، للشهرستاني 1 : 211.

١٣٦

الافتراء على الشيعة بتعريف البَدَاء

فإذا علمت هذا ، فاعلم أنَّ خصوم الشيعة تدّعي زوراً بأنّ البداء عند الشيعة يستلزم تغيير علم الله عزّ وجل ، وهذا لا يجوز ، بل وذهبوا إلى أنّ لازمه الجهل على الله تعالى ؛ لأنّ معنى البداء لغة ظهور الشيء بعد خفائه.

بل افترى بعضهم على الشيعة بوقاحة عجيبة فقال ما نصه : « والبداء عند الشيعة أن يظهر ويبدو لله عزّ شأنه أمر لم يكن عالماً به ».

وهذا المفتري هو محمّد مال الله البحريني افترى ذلك في كتابه ( موقف الشيعة من أهل السُنّة ) ص28 ، وكرّر هذا الافتراء في كتابه ( الشيعة وتحريف القرآن ) ص 12 بلا أدنى تغيير مشيراً في هامش الكتابين إلى كتاب أصل الشيعة واصولها ص 231 مع حصر ما ذكره بين قوسين لإعلام القارئ بنقل هذا الكلام من كتاب ( أصل الشيعة واُصولها ) للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاءرحمه‌الله .

وللأسف أنْ نجد عند غيره هذا الافتراء نفسه(1) .

تزييف هذا التعريف وبيان وقاحة مفتريه :

ولكنّك إذا ما عدت إلى ( أصل الشيعة واُصولها ) ستجد الشيخ آل كاشف الغطاء قد قال ما نصه : « ومما يشنع به الناس على الشيعة ويزدرى

__________________

(1) الشيعة والسُنّة ، لاحسان إلهي ظهير : 63. وأحوال أهل السُنّة في ايران ، لعبد الحق الاصفهاني : 86. وبطلان عقائد الشيعة ، لمحمّد عبدالستار التونسوي : 23.

١٣٧

به عليهم أمران :

الأول : قولهم بالبداء ، تخيّلا من المشنعين : أن البَدَاء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عز شأنه أمراً لم يكن عالماً به » !

راجع أصل الشيعة واُصولها :

1 ـ طبعة القاهرة لسنة 1958 م ، ص 231.

2 ـ طبعة ايران ـ قم لسنة 1410 ه‍ ، ص 231 ( اُوفست عن طبعة القاهرة ).

3 ـ طبعة النجف الاَشرف لسنة 1969 م ، ص 179.

4 ـ طبعة مؤسسة الأعلمي في بيروت لسنة 1983 م ، ص 148.

5 ـ طبعة مؤسسة الإمام عليّعليه‌السلام ، بتحقيق الاُستاذ علاء آل جعفر ، لسنة 1415 ه‍ ، ص 313.

فانظر كيف تلاعب بالنص فحذف صدره ، وأطلق ذيله غير آثم ولا متحرج ، مع أنّ الشيخ آل كاشف الغطاء عقّب على ذلك التشنيع في أصل كتابه مباشرة فقال : « وهل هذا الا الجهل الشنيع ، والكفر الفظيع ؟ لاستلزامه الجهل على الله تعالى ، وأنّه محل للحوادث والتغيرات ، فيخرج من حضيرة الوجوب إلى مكانة الامكان ».

وهكذا تجد المشنّعين على الشيعة يفترون عليهم بالأباطيل التي لا أصل لها في عقائدهم ولا في تفكيرهم ، منهم البلخي على ما نقله الشيخ

١٣٨

الطوسي في تفسيره(1) ، والغزالي(2) ، والرازي(3) ، والآمدي(4) ، مع أنّ إمامهم الأشعري صرّح بأنّ ( الرافضة ) افترقت في هذا على ثلاث فرق ، ونسب إلى الثالثة أنّها لا تجوّز على الله تعالى البداء قال : « وينفون ذلك عنه »(5) .

نفي الجهل عن ساحته تعالى :

أقول : لا يوجد في تاريخ الشيعة من ينسب البداء ـ بمعنى ظهور الشيء بعد الجهل به ـ إلى الله تعالى قط ، لا قديماً ولا حديثاً ، بل حتى فرق الشيعة البائدة التي كفّرها أئمة اهل البيتعليهم‌السلام مع سائر علماء الإمامية ، لم يؤثر عنهم ذلك الا ما ينقله بعض المتعصبين والمشنعين من مخالفيهم.

نعم نسب هذا إلى فرق المجسمة والمشبهة لما لديهم من المقالات التي هي أشبه بالخرافات منها بالديانات حتى قال بعضهم كما في ملل الشهرستاني : « اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك »(6) !! تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً ، وكبر مقتا ان يقولوا على الله زوراً وكذباً ما لا يعلمون.

__________________

(1) التبيان في تفسير القرآن 1 : 13 من المقدمة.

(2) المستصفى 1 : 110.

(3) التفسير الكبير للرازي 19 : 66.

(4) الأحكام في اُصول الأحكام ، للآمدي 3 : 102.

(5) مقالات الإسلاميين ، للاشعري : 39.

(6) الملل والنحل ، للشهرستاني 1 : 96.

١٣٩

هذا ، وإذا ما رجعت إلى كتب الشيعة العقائدية بل وحتى الحديثية ستجد التصريح بخلاف هذا المدّعى تماماً ، مع تكفيرهم لكلِّ من يزعم بأنّ الله سبحانه يبدو له عن جهل.

ففي الكافي بسنده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام « ما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له » (1) .

وعنهعليه‌السلام « إنّ الله لم يبدُ له من جهل » (2) .

وعنه أيضاً وقد سأله منصور بن حازم ( هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قالعليه‌السلام :« لا ، من قال هذا فأخزاه الله » . قلت : أرأيت ما كان وما كائن إلى يوم القيامة ، أليس في علم الله ؟ قال :« بلى ، قبل أن يخلق الخلق » (3) .

علم الله تعالى عند الشيعة الإمامية :

فإذا انضم هذا إلى أقوال علماء الشيعة في علمه تعالى ، علم المقصد بأنّه ليس كما يزعم هؤلاء المفترون ، قال الشيخ المفيد : « إنّ الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه ، وأنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه ، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلاّ وهو عالم بحقيقته ، وأنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وبهذا اقتضت دلائل العقول ، والكتاب المسطور والأخبار المتواترة من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مذهب

__________________

(1) اُصول الكافي 1 : 114 / 9 باب البَدَاء.

(2) اُصل الكافي 1 : 114 / 10 من باب البَدَاء.

(3) اُصول الكافي 1 : 114 / 11 باب البَدَاء.

١٤٠

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168